وتقدمت إليهم في امتحان الشهود عن ذلك، فمن أقر منهم سمعت شهادته [١] ، ومن لم يقله، لم تسمع منه، وإن لم يقل أحد من القضاء ذلك، أن أتقدم إليه في اعتزال القضاء، فاكتب إليه باسمه، وما أمر به في ذلك كتابا، وقد نسخته لك في آخر كتابي هذا، فتعمل على/ حسبته [٢] ، وتنتهي إلى ما حد أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه منه، فاعلم ذلك واعمل به إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله، وكتب الفضل بن مروان، لست ليال بقين من جمادى الأولى سنة ثمان عشرة ومائتين.
الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا، فأردت بمناظرتي إياه غير الله، ولا أردت الجدال، وذلك أنه بلغني أن من ناظر أخاه في العلم يريد الغلبة، أحبط الله له عمله سبعين سنة.
البخاري في التاريخ
عن عوف بن مالك، قال: جعل النبي ﷺ ، المسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثا للمسافر، ويوما للمقيم [٣] .
إسحق بن خلف قال: الورع في المنطق أشد منه في الذهب والفضة، والزهد في الرئاسة أشد منه في الذهب والفضة، لأنك تبذلهما في طلب الرئاسة. عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ ، دعابة قليلة، يعني المزاح.
عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلا سأل ابن عباس: أكان رسول الله ﷺ / يمزح؟
قال: نعم، قال: فما كان مزاحه؟ قال: إنه كسا ذات يوم امرأة من نسائه ثوبا واسعا، فقال لها: البسيه واحمدي الله، وجري منه ذيلا كذيل العروس.
عن عائشة قالت: أتيت النبي ﷺ بحريرة [٤] طبختها، فقلت لسودة: كلي، فأبت، فقلت: لتأكلن أو لألطخن وجهك، فأبت، فوضعت يدي فيها فطليت وجهها، فضحك النبي ﷺ ، وقال لها: (الطخي وجهها) [٥] ، فلطخت وجهي، فضحك النبي ﷺ . عن أنس أن النبي ﷺ قال لعائشة ذات يوم: (ما أكثر بياض عينيك) [٦] . قال الخطابي [٧] : سئل بعض
стр. 282
السلف عن مزح الرسول ﷺ ، فقال: كانت له مهابة، فكان يبسط الناس بالدعابة، قال:
وأنشدها ابن الأعرابي في نحو هذا يمدح رجلا: [الخفيف]
يتلقى النّديّ بوجه صبيح ... وصدور القنا بوجه وقاح
فبهذا وذا تتمّ المعالي ... طرق الجدّ غير طرق المزاح
أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب المفسر النيسابوري، حدثنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف، قرأت على الحسن بن يحيى بن نصر بطوس، حدثنا العباس بن عيسى العقيلي، حدثني محمد بن يعقوب، عن عبد الوهاب الزبيري [١] حدثنا محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه عن جده، قال، قال رجل من بني سلول: يا رسول الله أيدالك الرجل امرأته؟ قال: (نعم إذا كان ملفجا) ، فقال له أبو بكر: يا رسول الله، ما قال لك، وما قلت له؟ قال: إنه قال: أيماطل الرجل أهله؟ فقلت له: (نعم إذا كان مفلسا) ، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لقد طفت في العرب، وسمعت فصحاء هم، فما سمعت أفصح منك، فمن أدبك، قال: (أدبني ربي، ونشأت في بني سعد) [٢] .
عن علي بن حسين قال: كنّا نعلّم مغازي النبي ﷺ وسراياه، كما نعلّم السورة من القرآن. عن أنس قال: كان لا يشأ العبد الأسود أن يأتي رسول الله ﷺ ، فيأخذ بيده، فيمضي به حيث يشاء إلا فعل لحاجته.
عن ابن عباس قال: أول شيء رأى النبي ﷺ من النبوة، أن قيل له: استتر وهو غلام، فما رؤيت عورته منذ يومئذ [٣] /. عن السدي عن أنس قال: لو بقي إبراهيم لكان نبيا، ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم آخر الأنبياء.
عن عبد الله بن أوفى قال: مات إبراهيم وهو صغير، ولو قضي أن يكون بعد النبي ﷺ نبي لعاش. عن ابن عباس قال: لما مات إبراهيم قال رسول الله ﷺ : (إن له مرضعا في الجنة يتم رضاعه، ولو عاش لكان صديقا نبيا) [٤] .
стр. 283
عن جابر بن عبد الله قال، قال رسول الله ﷺ : (لو عاش إبراهيم لكان نبيا) [١] . عن علي قال: لما مات إبراهيم دفنه رسول الله ﷺ ، وأدخل يده في قبره، وقال: (أما والله، إنه لنبي ابن نبي) ، في سنده عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، قال ابن عساكر:
ليس بالقوي، قلت: وبقي من طرقه ما أخرجه الباوردي في معجم الصحابة عن أنس قال، قال رسول الله ﷺ : (لو عاش إبراهيم لكان صديقا نبيا) [٢] . وهذه طرق عديدة تردّ على من أنكر ورود ذلك. عن عطاء قال: كانت صفية [٣] آخر من مات بالمدينة [٤] .
ابن المبارك عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن أبيه. قال: رأيت رسول الله ﷺ ،/ سلّم في الصلاة تسليمتين، تسليمة عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله، وتسليمة عن يساره السلام عليكم ورحمة الله، حتى يرى بياض خده من هاهنا ومن هاهنا، قال: فذكرت هذا الحديث عند الزهري فقال: هذا حديث لم أسمعه من حديث رسول الله ﷺ ، فقال له إسماعيل بن محمد: أكل حديث النبي ﷺ سمعته؟ قال: لا، قال: فثلثيه؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: أرجو، قال: اجعل هذا الحديث في النصف الذي لم تسمع.
عن الزهري، قال: من اغتسل ليلة الجمعة وصلى ركعتين يقرأ فيهما قل هو الله أحد، ألف مرة، رأى النبي ﷺ في منامه [٥] . الأصمعي، حدثنا ابن أبي الزناد قال: كان رسول الله ﷺ ، بين شر جارين، عقبة بن أبي معيط، وبين أبي لهب، فكان يصبح على بابه الأرجام والفرث، فيدفعها بسيّة قوسه، ويقول: يا معشر قريش، أي مجاورة هذه/ عن عائشة قالت: إن النبي ﷺ كان يرمى بالأرجام والجيف، فقال: يا معشر قريش، أي مجاورة هذه.
عن ابن الزبير، عن جابر، قال: بين كتفي آدم مكتوب: محمد رسول الله خاتم النبيين.
عن أبي العباس نسيم الكاتب، قال: قيل لأشعب [٦] ، حدثنا، فقال: سمعت عكرمة
стр. 284
يقول، سمعت ابن عباس يقول، سمعت رسول الله ﷺ يقول: خلتان لا تجتمعان في مؤمن، ثم سكت، فقالوا له، ما الخلتان، فقال: نسي عكرمة الواحدة، ونسيت أنا الأخرى [١] . عن محمد بن عبد الرحمن بن راشد الراجي قال: قيل لأشعب: ما معك من العلم، قال: حدثني عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ ، على عبده نعمتان، ثم سكت، قيل له: وما النعمتان، قال: نسي عكرمة واحدة، ونسيت أنا الأخرى.
أحمد بن معاوية، قال: حدثني المدنيون أن أشعب الطامع كان خال الأصمعي.
كتب بكار بن علي الرياحي على ظهر مجموع له: [مجزوء الكامل]
هذا الكتاب جمعت في ... هـ جميع أنواع الأدب
الشعر والخبر القصي ... ر وما استجدت من الخطب
وجعلته مستودعا ... للحفظ أرواح الكتب
عن بكير بن ماهان قال: يلي من ولد العباس أكثر من ثلاثين رجلا، ستة منهم يسمون باسم واحد، وثلاثة باسم واحد، يفتح أحد الثلاثة القسطنطينية. قرأت بخط أبي العباس أحمد بن منصور المالكي الفقيه، وأنبأنيه ابنه أبو الحسن علي عنه، حدثنا الفقيه أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن الحسن المالكي، حدثنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن زيت النار، حدثنا أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خالد، حدثنا عبد الله بن سعيد بن يحيى الرقي قاضي فارس، قال: كتبت إليّ والدتي مرية ابنة مروان بن يزيد بن عبد الملك بن عياض بن غنم القرشية، من الرقة، وأنا على قضاء تستر تقول، حدثتني والدتي عاتكة ابنة بكار عن أبيها بكار بن محمد، قال: دخلت على هشام بن عبد الملك بالرصافة، وهو جالس في قبته الخضراء، وعنده ابن شهاب الزهري، فحدثنا ابن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: (ما ترك عبد الله أمرا لا يتركه إلا لله تعالى، إلا عوّضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه) [٢] ، قالت العجوز: فآثرني على ما أنت فيه، يعوضك الله/ تعالى ويؤثرك. وكتبت إليّ في أسفل كتابها لنفسها: [الطويل]
عجوز بأرض الرّقتين وحيدة ... لنأيك بالأهواز ضاق بها الذّرع
وقد ماتت الأعضاء في كلّ جسمها ... سوى دمع عينيها فلم يمت الدمع
تراعي الثريّا ما تلذّ بغمضها ... إلى أن يضيء الصبح أنجمه السبع
стр. 285
وكم في الدجى من ذي هموم مقلقل ... وآخر مسرور يدرّ له الضّرع
ومن أضحكته الدار وهي أنيسة ... بكاها إذا ما ناب من حادث قرع
قال جعفر السراج: [السريع]
يا من إذا رضيته حكما ... جار علينا في حكمه وسطا
قد مدح الله أمة جعلت ... في محكم الذكر أمّة وسطا
عن أبي عبد الله محمد بن الخضر القاري، قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فعلمني هذا الدعاء، وأمرني أن أعلم الناس: (إلهي بثبوت الربوبية، وبعظمة الصمدانية، وبسطوات الإلهية، وبعزة الفردانية، وبقديم الجبروتية، وبقدرة الوحدانية، ألا غفرت لي، يا أرحم الراحمين) .
عن الزهري قال: سألت الفقهاء: ممّ ينكر العقل؟ فقالوا: من همّ الدقيق. قال الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات ابن حنزابة [١] ولا يعلم له غيره: [البسيط]
من أخمل النفس أحياها وروّحها ... ولم يبت طاويا منها على ضجر
إنّ الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر
أخبرنا أبو القاسم الخضر بن الحسين بن عبدان، أخبرنا أبو القاسم بن أبي العلاء، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد الحياني، سمعت أبا محمد الحسن بن أحمد بن محيميد الحمصي، حدثني بعض شيوخنا عن شيخ له، أنه خرج في نزهة ومعه صاحب له، فبعثه في حاجة، فأبطأ عليه فلم يره إلي الغد، فجاء إليه وهو ذهل العقل، فكلموه فلم يكلمهم إلا بعد وقت، فقالوا له: ما شأنك؟ قال: إني دخلت إلى بعض الخراب أبول فيه، فاذا حيّة فقتلتها، فما هو إلا أن قتلتها حتى أخذني شيء، فأنزلني في الأرض، واحتوشني جماعة، فقالوا: هذا قتل فلانا، فقالوا: نقتله، فقال بعضهم: امضوا به إلى الشيخ، فمضوا بي إليه، فاذا بشيخ حسن الوجه، كبير اللحية أبيضها، فلما وقفنا قدامه، قال:
ما قصتكم؟ فقصوا عليه القصة، فقال: في أي صورة ظهر؟ قالوا/: في حيّة، فقال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول لنا ليلة الجن: ومن تصور منكم في صورة غير صورته فقتل فلا شيء على قاتله، خلّوه، فخلوني [٢] .
стр. 286
عن عبد الله بن الزبير [١] قال: رأيت الحسن بن علي يأتي النبي ﷺ وهو ساجد فيركب ظهره، فما ينزل حتى يكون هو الذي ينزل، ويأتي وهو راكع فيفرج له بين رجليه، حتى يخرج من الجانب الآخر [٢] . عن أبي هريرة قال: رأيت الحسن بن علي في حجر النبي ﷺ وهو يدخل أصابعه في لحية النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يدخل لسانه في فمه.
عن أبي هريرة: رأيت رسول الله ﷺ يمص لسان الحسن، كما يمص الرجل التمرة [٣] .
عن أنس: رأيت رسول الله ﷺ يفرج بين رجلي الحسن ويقبل ذكره [٤] .
عن جابر قال: دخلت على النبي ﷺ ، وهو يمشي على أربع، وعلى ظهره الحسن والحسين، فقلت: (نعم الجمل جملكما، فقال: ونعم الراكبان هما) [٥] .
عن أبي الحسن بن راهويه قال: صلى يحيى بن المعلى الكاتب، وكان في مجلس فيه أبو نواس، ووالبة بن الحباب، وعلي بن الخليل، والحسين الخليع، صلاة، فقرأ فيها قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
، فغلط، فلما سلم قال أبو نواس: [الرجز]
أكثر يحيى غلطا ... في قل هو الله أحد
فقال والبة:
قام طويلا ساكتا ... حتى إذا أعيا سجد
فقال علي بن الخليل:
يزحر في محرابه ... زحير حبلى بولد
فقال الخليع:
كأنّما لسانه ... شدّ بحبل من مسد
عن حماد بن زيد، عن سعيد بن جهمان، أن جبريل أتى النبي ﷺ بتراب من تربة القرية التي قتل فيها الحسين، وقيل اسمها كربلاء، فقال رسول الله ﷺ : (كرب وبلاء) [٦] .
عن محمد بن صالح، أن رسول الله ﷺ حين أخبره جبريل، أن أمته ستقتل الحسين، قال: (يا جبريل، أفلا أراجع فيه، قال: لا، لأنه أمر قد كتبه الله) [٧] .
стр. 287
عن مكحول الأزدي قال: شهدت الحجاج بمكة فخطب الناس يوم جمعة حتى كاد يذهب وقت الصلاة، فقام ابن عمر فقال: أيها الناس، قوموا إلى صلاتكم، فقال الناس، فنزل الحجاج، فصلى، فلما فرغ، قال: من هذا؟ قالوا: ابن عمر، قال: لولا أن به لمما لعاقبته [١] ./
عن جرير بن عثمان، قال: لا تعاد أحدا حتى تعلم ما بينه وبين الله، فان يكن محسنا فان الله لا يسلمه لعداوتك إياه، وإن يكن مسيئا فأوشك بعمله أن يكفيكه. أخبرنا أبو الفتح نصر الله بن محمد، حدثنا نصر بن إبراهيم إملاء، حدثني أبو القاسم ثابت بن أحمد بن الحسين البغدادي: أنه رأى رجلا بمدينة الرسول ﷺ ، أذّن الصبح وقال فيه: الصلاة خير من النوم، فجاءه رجل من خدم المسجد، فلطمه حين سمع ذلك، فبكى الرجل، وقال: يا رسول الله، في حضرتك يفعل بي هذا؟ ففلج الخادم في الحال، وحمل إلى داره، فمكث ثلاثة أيام ومات [٢] .
عن يحيى بن معين، عن جرير عن مغيرة قال: قالت أم سنان بن أبي حارثة: إذا أنا متّ، فشقّوا بطني، فان فيها سيد غطفان، فماتت فشقوا بطنها فأخرجوا سنانا، فعاش وساد، حتى كان له مال وتبع [٣] .
عن أبي وهب محمد بن مزاحم قال: أول بركة العلم إعارة الكتب. عن أبي محمد الهروي قال: مكتوب في زبور داود ﵇، من بلغ السبعين اشتكى من غير علّة./
الوليد بن مسلم عن الأوزاعي قال: خرجنا إلى بيت المقدس، ورافقنا يهودي، حتى جئنا إلى بحيرة طبرية، فأخذ ضفدعا فشد في عنقه خيطا وجرّه، فاذا هو صار خنزيرا، فدخل به إلى طبرية، فباعه، ثم جاء، فاذا النصراني الذي اشترى منه الخنزير، جاء والضفدع قد رجعت إلى حالها، فلما رآه اليهودي ألقى بنفسه إلى الأرض، فسقط رأسه ناحية والجسد ناحية، فذهب النصراني، ورجع الرأس إلى الجسد. قال الأوزاعي، فقلت: والله لا تبعنا هذا في طريق [٤] .
عن أبي سليمان الداراني قال: ليست أعمال العباد بالتي ترضيه ولا تغضبه، إنما هو رضي عن قوم فاستعملهم بأعمال الرضى، وسخط على قوم فاستعملهم بأعمال الغضب.
عن أبي العالية قال: كنت آتي ابن عباس فيرفعني على السرير وقريش أسفل من السرير، فتغامز بي قريش [٥] ، وقالوا: يرفع هذا العبد على السرير، ففطن بهم ابن عباس،
стр. 288
فقال: إن هذا العلم يزيد الشريف شرفا، ويجلس الملوك على الأسرّة./
عن خالد بن دينار، قال: قلت لأبي العالية: اعطني كتابك، قال: ما كتبت إلا باب الصلاة وباب الجنة. عن قتادة قال: قلت لشعيب بن الحبحاب، نزل عليك أبو العالية فأقللت عليه الحديث، فقال: السماع في الرجال أرزاق.
الزبير بن بكار، حدثني أبو عروبة عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان الزبير بن العوام طويلا تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة، أخرجه الطبراني في الكبير [١] . المدائنى: يقال، كان أصحاب رسول الله ﷺ صوغا واحدا، وعبد الرحمن [٢] من أشفّهم، وسئل سعد بن أبي وقاص عن أصحاب النبي ﷺ ، فقال: كانوا عقال عام واحد.
أبو أحمد العسكري، أخبرنا محمد بن يحيى قال: سمعت من يحكي أن حماد الراوية قرأ يوما: (والغاديات صبحا) [٣] ، وأن بشارا الأعمى الشاعر سعى به إلى عقبة بن مسلم، أنه يروي جلّ أشعار العرب، ولا يحسن من القرآن غير أم الكتاب، فامتحنه عقبة بتكليفه القراءة في المصحف فصحف فيه عدة آيات منها (ومن الشجر ومما تغرسون) [٤] ، وقوله: (كان وعدها أباه وليكون لهم عدوا وحربا) [٥] ، و (وما يجحد بآياتنا إلا كل جبار كفور) [٦] ، و (ويل للذين كفروا في غرة وشقاق) [٧] ، (وتعزروه وتوفروه) [٨] ،/ (وهم أحسن أثاثا وزيا) [٩] ، (وعذابي أصيب به من أشاء ويوم يحمى عليها) [١٠] ، (وبادوا ولات حين مناص) [١١] ، (ونتلوا أخباركم) [١٢] ، (وصنعة الله ومن أحسن
стр. 289
من الله صنعة) [١] ، (واستعانه الذي من شيعته) [٢] ، (وسلام عليكم لا تتبع الجاهلين) [٣] ، (وأهليكم أو كاسوتهم) [٤] ، (وأنا أول العاندين) [٥] .
عن خالد بن المهاجر قال، قال عمر بن الخطاب ﵁: من تزوج بنت عشر تسر الناظرين، ومن تزوج بنت عشرين لذة للمعانقين، وبنت ثلاثين تسمن وتلين، وبنت أربعين ذات بنات وبنين، وبنت خمسين عجوز في الغابرين [٦] .
قال عباس الترفقي: تكلم الناس في حديث: (خيركم في المائتين كل خفيف الحاذ) [٧] فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله حدثنا رواد بن الجراح، حدثنا سفيان، حدثنا منصور، حدثنا ربعي عن حذيفة عنك أنك قلت: (خيركم في المأتين الخفيف الحاذ) فقال لي النبي ﷺ : صدق رواد بن الجراح، وصدق سفيان، وصدق منصور، وصدق ربعي، وصدق حذيفة، أنا قلت: (خيركم في المأتين كل خفيف الحاذ) .
عن الشعبي قال: كان القضاة أربعة، والدهاة أربعة، فأما القضاة فعمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأما الدهاة: فمعاوية، وعمرو، والمغيرة، وزياد./ عن أبي دوس الأشعري قال: كنا جلوسا عند معاوية إذ أقبل رجل طويل اللحية، فقال معاوية:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: (اعتبروا عقل الرجل في طول لحيته، ونقش خاتمه، وكنيته) [٨] . قال معاوية: أما اللحية، فلسنا نسأل عنها، فما كنيتك؟ قال: أبو كوكب الدري، قال: فما نقش خاتمك؟ قال: وتفقد الطير، فقال: ما لي لا أرى الهدهد، أم كان من الغائبين؟ [٩] فقال معاوية: وجدنا حديث رسول الله ﷺ حقا.
عن يزيد بن حسان، عن أبيه، أن أبا هاشم بن عقبة بن ربيعة، كان له شارب يعقده خلف قفاه، فقلت: ما بال شاربك؟ وقد جاء عن النبي ﷺ في إحفاء الشارب ما جاء، فقال: إني كنت أخذت شاربي فأتيت النبي ﷺ فأمّر يده علىّ، فقال: متى أخذت شاربك؟ قلت: الساعة، قال: (فلا تأخذه حتى تلقاني) ، فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن
стр. 290
ألقاه، فلن آخذه حتى ألقاه، أخرجه الطبراني [١] .
عن أبي الدرداء قال: إن الناس يبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه، فيبعث العالم عالما، والجاهل جاهلا. عن أبي هريرة، أنه صلى الظهر، ثم جلس، واجتمع عليه الناس فقال: إن الله وملائكته يصلون على أبي هريرة، فتغامز القوم، فقالوا: إن هذا ليزكي نفسه، قال: وعلى كل مسلم ما دام في مصلاه، ما لم يحدث حدثا بلسانه أو بطنه.
عن يزيد بن المهلب قال: ما رأيت شريفا يهمّ بأمر إلا كان معوّله على لحيته، وفيه حديث النبي ﷺ أنه كان إذا حزبه أمر أو كربه، أكثر مسّ لحيته. عن أبي هريرة قال: اشترى عثمان بن عفان من رسول الله ﷺ الجنة مرتين، يوم رومة [٢] ، ويوم جيش العسرة.
عن الحسن قال: إنما سمّي عثمان ذا النورين لأنه لا يعلم أحد أغلق بابه على ابنتي نبي غيره.
عن حسن الجعفي قال: لم يجمع بيت ابنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان بن عفان، فلذلك سمّي ذا النورين.
عن المهلب بن أبي صفرة قال: سألت أصحاب رسول الله ﷺ : لم قلتم في عثمان:
أعلاها فوقا؟ قالوا: لأنه لم يتزوج رجل من الأولين ولا الآخرين ابنتي نبي غيره. عن الشعبي قال: لم يمت عمر حتى ملّته قريش، وكان عثمان أحب إليهم من عمر.
عن ابن شهاب أن رجلا رأى في زمن عثمان في المنام، أنه يقال له عي [٣] ما يقال لك: [المتقارب]
لعمر أبيك فلا تعجلن ... لقد ذهب الخير إلا قليلا
لقد سفه الناس في دينهم ... وخلّى ابن عفّان شرا طويلا
فأتي عثمان فذكر له ذلك، وقال: والله ما أنا بشاعر ولا راوية للشعر/ ولقد أتيت الليلة، فألقي على لساني هذان البيتان، فقال له: اسكت عن هذا، فلم يلبث عثمان أن قتل.
عن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، قال: رأيت عبد الله بن عمر قد أحفى شاربه، حتى كأنه نتفه. عن أبي الجماهر عن أبيه قال: أصاب الناس بأرمينية جهد شديد حتى أكلوا البعر، فأمطروا بنادق فيها حب قمح.
عن عائشة أنه كان بينها وبين رسول الله ﷺ كلام، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 291
(ترضين أن يكون بيني وبينك عمر؟ فقالت: من عمر؟ قال: عمر بن الخطاب، قالت: لا والله، إني أفرق من عمر، قال النبي ﷺ : الشيطان يفرقه) [١] .
عن سالم بن عبد الله قال: أبطأ خبر عمر على أبي موسى، فأتى امرأة في بطنها شيطان، فسألها عنه، فقال: حتى يجيء شيطاني، فجاء، فسألته عنه فقال: تركته مؤتزرا بكساء يهنأ إبل الصدقة، وذاك رجل لا يراه شيطان إلا خرّ لمنخريه، الملك بين عينيه، وروح القدس ينطق بلسانه./
عن هشام بن عروة، قال: جاء عمر بن عبد العزيز قبل أن يستخلف إلى أبي عروة بن الزبير، فقال له: رأيت البارحة عجبا، كنت فوق سطحي مستلقيا على فراشي، فسمعت جلبة في الطريق، فأشرفت فظننت عسكر العسس، فاذا الشياطين تجول، حتى اجتمعوا في جوبة [٢] خلف منزلي، ثم جاء إبليس، فلما اجتمعوا هتف إبليس بصوت عال، فتفازعوا، فقال: من لي بعروة بن الزبير، فقالت طائفة منهم: نحن، فذهبوا ورجعوا، وقالوا: ما قدرنا منه على شىء، قال: فصاح الثانية أشد من الأولى، فقال: من لي بعروة بن الزبير؟ فقالت طائفة أخرى: نحن، فذهبوا، فلبثوا طويلا، ثم رجعوا وقالوا: ما قدرنا منه على شيء، فصاح الثالثة صيحة ظننت أن الأرض انشقت، فقال: من لي بعروة بن الزبير؟ فقال جماعتهم: نحن، فذهبوا، ثم لبثوا طويلا، ثم رجعوا، فقالوا: ما قدرنا منه على شيء، فذهب إبليس مغضبا واتبعوه. فقال عروة بن الزبير لعمر بن عبد العزيز: حدثني أبي الزبير بن العوام قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: (ما من رجل يدعو بهذا الدعاء في أول ليله، وأول نهاره إلا عصمه الله من إبليس وجنوده: بسم الله ذي الشان، عظيم البرهان شديد السلطان، ما شاء الله كان، أعوذ بالله من الشيطان) [٣] .
عن عروة بن الزبير قال: كنت جالسا في مجلس الرسول ضحوة وحدي، إذ أتاني آت يقول: السلام عليك يا ابن الزبير، فالتفت يمينا وشمالا فلم أر شيئا، غير أني رددت عليه، واقشعرّ جلدي، فقال: لا روع عليك، إنا رجل من أهل الأرض، أتيتك أخبرك عن شيء وأسألك عن شيء، إني شهدت إبليس ثلاثة أيام، يقول لشيطان مسودّ وجهه مزرقّة عيناه، عند المساء: ماذا صنعت بالرجل؟ فيقول له الشيطان: لم أطقه، للكلام الذي يقوله إذا أمسى وإذا أصبح، فلما كان اليوم الثالث قلت للشيطان: عمن يسألك إبليس؟ قال: يسألني عن عروة بن الزبير، أن أغويه، فما استطيع ذلك، لكلام يتكلم به
стр. 292
إذا أصبح وإذا أمسى، فآتيك أسألك ماذا تقول إذا أصبحت وأمسيت،/ قال عروة أقول: آمنت بالله العظيم، واعتصمت به، وكفرت بالطاغوت، واستمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وإن الله هو السميع العليم.
عن عبد الله بن شريك، قال: أدركت أصحاب الأردية المعلمة، وأصحاب البرانس من أصحاب السواري، إذا مرّ بهم عمر بن سعد، قالوا: هذا قاتل الحسين، وذا قبل أن يقتله.
الزبير بن بكار، حدثني محمد بن محمد بن أبي قدامة، وغيره، قال: كان يقال: ما مات رجل نبيه قط، فسمّي أول من يولد باسمه، إلا نبه، فولدت زوجة عثمان بن عفان بعد قتل عمر بن الخطاب، فقالت للقابلة: أي شيء ولدت؟ قالت: غلاما، قالت:
فأسميه عمر، قالت سبقتك زوجة عبيد الله بن معمر التيمي.
عن أبي عبد الله النباحي قال: سمعت هاتفا يهتف: عجبا لمن وجد حاجته عند مولاه، فأنزلها بالعبيد. سفيان عن عمرو قال: كان قيس بن سعد رجلا ضخما جسيما، وكان إذا ركب الحمار خطّت رجلاه في الأرض [١] .
عن بشر الحافي قال: رأيت على باب ناووس [٢] مكتوبا [٣] : [المتقارب]
همومك بالعيش مقرونة ... فلا تقطع الدهر إلا بهم
حلاوة دنياك مسمومة ... فلا تطعم الشّهد إلا بسم
إذا تمّ أمر دنا نقصه ... توقّع فناه إذا قيل تم
إذا كنت في نعمة فارعها ... فانّ المعاصي تزيل النّعم
عن العتبي قال: خطب زياد الناس، فتكلم بشعر وهو لا يريده، فقال: [الطويل]
ألا ربّ مسرور بنا لا نسرّه ... وآخر يخشى ضرّنا لا نضرّه
عن الشعبي قال: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ ، ست من الأنصار؛ معاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وكان المجمع بن جارية قد بقي عليه سورة أو سورتان حين قبض رسول الله ﷺ .
عن سعيد بن جبير قال: كان مقام أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة،
стр. 293
والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، كانوا أمام رسول الله ﷺ في القتال، وخلفه في الصلاة في الصف، وليس لأحد من المهاجرين والأنصار يقوم مقام أحد منهم، غاب أم شهد.
عن سعد بن مسعود، قال: حب الدنيا رأس الخطايا. قال سعد بن أبي وقاص: ما بكيت من الدهر إلا ثلاثة أيام، يوم قبض رسول الله ﷺ ، ويوم قتل عثمان بن عفان، واليوم أبكي علي الحق، فعلى الحق السلام./
عن أبي إسحاق، قال: كان أشد أصحاب النبي ﷺ أربعة؛ عمر، وعلي، والزبير، وسعد بن أبي وقاص. عن علي بن أبي طالب، قال: خمسة من خمسة محال، الأمن من العدو محال، والنصيحة من الحسود محال، والحرية من الفاسق محال، والهيبة من القبر محال، والوفاء من النساء محال. وقال: أربع لا تدرك بأربع؛ لا يدرك الشباب بالخضاب، ولا الغنى بالمنى، ولا البقاء بالدواء، ولا الصحة بالاحتماء.
عن موسى بن طلحة قال، سألت سعد بن أبي وقاص: ما أسنانكم معاشر المهاجرين؟
قال: كنا إعذار عام واحد، أي ختان. أخبرنا أبو القاسم السمرقندي، أنبأنا أبو الحسين ابن الطيوري، أنبأنا أبو العباس أحمد بن عمر بن أحمد البرمكي، أنبأنا أبو الحسين محمد بن إسماعيل بن عيسى بن إسماعيل المعروف بابن سمعون، حدثنا أبو على محمد بن محمد بن أبي حذيفة بدمشق، حدثنا أبو معاوية بن سلمون السفياني الدمشقي، حدثنا زهير بن عباد، حدثنا ردع بن عطية، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن شريك بن خماشة، أنه ذهب يستسقي من جب سليمان الذي في مسجد بيت المقدس، فانقطع دلوه، فنزل في الجب، فبينما هو يطلبه/ في نواحي الجب، إذا هو بشجرة، فتناول ورقة من الشجرة، فأخرجها معه، فاذا هي ليست من ورق شجر الدنيا، فأتى بها عمر بن الخطاب، فقال: أشهد أن هذا لهو الحق، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يدخل رجل من هذه الأمة الجنة قبل موته) [١] ، فجعلوا الورقة بين دفتي المصحف. قال ابن عساكر: كذا قال له خماشة بالخاء والميم، وإنما الصواب حباشة بالحاء والباء.
عن أبي ميسرة، أن غلاما من بني المغيرة شجّ فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وهي جويرية، فنادت يا آل عبد مناف، فخرج أبو سفيان يشتد أول الناس. عن عبد العزيز بن عمران قال، قيل لأبي سفيان بن حرب: ما بلغ بك من الشرف ما ترى؟ قال: ما خاصمت رجلا إلا وجعلت للصلح بيني وبينه موضعا.
عن أحمد بن بديل الكوفي، قال: بعث إليّ المعتز رسولا، فلبست كمّتي، ولبست
стр. 294
نعل طاق، فأتيت بابه، فقال الحاجب: يا شيخ نعليك، فلم ألتفت إليه، فدخلت إلى الباب الثاني، فقال الحاجب: يا شيخ نعليك، فقلت: أبالوادي المقدس أنا فأخلع نعلي؟
فدخلت بنعلي، فرفع مجلسي، وجلست على مصلاه، فقال: أتعبناك/ يا أبا جعفر، فقلت: أتعبتني وأذعرتني، فكيف بك إذا سئلت عني؟ فقال: ما أردنا إلا الخير، أردنا أن نسمع العلم، فقلت: وتسمع العلم أيضا؟ ألا جئتني، فان العلم يؤتى ولا يأتي، فأمليت عليه حديثين أسخن الله بهما عينيه، فقلت، قال رسول الله ﷺ : (من استرعى رعية فلم يحطها بالنصيحة، حرم الله عليه الجنة) [١] ، والثاني: (ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا) [٢] .
عن أبي عقيل قال، قال لي عمر بن عبد العزيز: ألا تسكن الاسكندرية الطيبة الموطأ، التي والله لوددت أن قبري بها. عن أبي هريرة قال: نزل كتاب من السماء على داود ﵇ مختوما فيه عشر مسائل: أن سل ابنك سليمان، فان هو أخرجهن، فهو الخليفة من بعدك، فدعا داود سبعين قسا، وسبعين حبرا، وأجلس سليمان بين أيديهم، وقال: يا بني، نزل كتاب من السماء فيه عشر مسائل، أمرت أن أسألكهن، فان أخرجتهن فأنت الخليفة من بعدي، قال سليمان: يسأل نبي الله عمّا بدا له، وما توفيقي إلا بالله، قال: أخبرني يا بني، ما أبعد الأشياء، وما أقرب الأشياء، وما آنس الأشياء، وما أوحش الأشياء، وما القائمان وما المختلفان، وما المتباغضان، وما الأمر إذا ركبه الرجل حمد آخره، وما الأمر إذا ركبه الرجل ذم آخره؟ فقال سليمان: أما أقرب الأشياء فالأخوّة، وأما أبعد الأشياء، فما فاتك من الدنيا، وأما آنس الأشياء فجسد فيه روح، وأما أوحش الأشياء فجسد لا روح فيه، وأما القائمان فالسماء والأرض، وأما المختلفان فالليل والنهار، وأما المتباغضان،/ فالموت والحياة، كل يبغض صاحبه، وأما الأمر أذا ركبه الرجل حمد آخره، فالحلم على الغضب، وأما الأمر إذا ركبه الرجل ذم آخره، فالحدّة على الغضب، قال: ففكّ الخاتم، فاذا هو بالمسائل سواء على ما أنزل من السماء، فقال القسيسون والأحبار: لم نرض حتى نسأله عن مسألة، فان هو أخرجها، فهو الخليفة من بعدك، قال: فاسألوه، قال سليمان: سلوني، وما توفيقي إلا بالله، قالوا: ما الشيء إذا صلح، صلح كل شيء منه، وإذا فسد فسد كل شيء منه؟ قال سليمان: هو القلب، قالوا: صدقت، أنت الخليفة بعده، فدفع إليه داود قضيب الملك، ومات من الغد [٣] .
стр. 295
عن عبد الله بن سلام، ومحمد بن كعب القرظي، وغير هما قالوا: لم يبعث الله رسولا إلى قومه حتى وجده أرجحهم عقلا، وما استخلف داود سليمان واختاره على جميع ولده وبني إسرائيل، حتى عرف فضل عقله في حداثة سنه، وإنما كان استخلاف الأنبياء قبل محمد ﷺ نبوة ما خلا محمدا ﷺ ، فانه لا نبي بعده، فأعطى الله سليمان من العقل ما لو وزن عقله بعقل أهل زمانه لرجحهم.
عن محمد بن كعب القرظي قال: جاء رجل إلى سليمان ﵇، فقال: يا نبي الله إن لي جيرانا يسرقون أوزي، فنادى الصلاة جامعة، ثم خطبهم فقال في خطبته:
وأحدكم يسرق أوز جاره/ ثم يدخل المسجد والريش على رأسه، فمسح رجل رأسه، فقال سليمان: خذوه، فانه صاحبه.
عن عبد الملك بن حميد بن عبد الملك، قال: كنا مع عبد الملك بن صالح بدمشق، فأصاب كتابا في ديوان دمشق: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن العباس، إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فاني أحمد اليك الله الذي لا إله إلا هو، عصمنا الله وإياك بالتقوى، وأما بعد، فقد جاءني كتابك، فلم أسمع منه إلا خيرا، فذكرت شأن المودة بيننا، وإنك لعمر الله لمودود في صدري من أهل المودة الخالصة والخاصة، وإني للخلة التي بيننا لراع، ولصالحها لحافظ، ولا قوة إلا بالله. [فأجابه معاوية] [١] : أما بعد حفظ الله، فانك من ذوي النهى من قريش، وأهل الحلم والخلق الجميل فيها، فليصدر رأيك بما فيه النظر لنفسك، والتقية على دينك، والشفقة على الإسلام وأهله، فانه خير لك وأوفر لحظك في دنياك وآخرتك، وقد سمعتك تذكر شأن عثمان بن عفان، فاعلم أن انبعاثك في الطلب بدمه فرقة، وسفك للدماء، وانتهاك للمحارم، وهذا لعمر الله ضرر على الإسلام وأهله، وإن الله سيكفيك أمر سافكي دم عثمان، فتأنّ في أمرك، واتق [٢] الله ربك، فقد يقال إنك تكيد الإمارة، وتقول: إن معك وصية من النبي ﷺ بذلك، فقول نبي الله الحق، فتأنّ في أمرك، ولقد سمعت رسول الله ﷺ ، يقول للعباس/ إن الله يستعمل من ولدك اثني عشر رجلا [٣] منهم السفاح، والمنصور، والمهدي، والأمين، والمؤتمن، وأمير العصب، أفتراني استعجل الوقت، أو أنتظر قول رسول الله ﷺ ، وقوله الحق، وما يرد الله من أمر يكن، ولو كره العالم ذلك، وأيم الله، لو أشاءه لوجدت متقدما وأعوانا وإنصارا، ولكني أكره لنفسي ما نهاك عنه، وراقب الله ربك، واخلف محمدا في أمته خلافة صالحة، فأما شأن ابن عمك علي بن أبي طالب، فقد استقامت له عشيرتك،
стр. 296
وله سابقته وحقه، ونحن له على الحق أعوان ونصحاء لك وله ولجماعة المسلمين، والسلام عليك، ورحمة الله وبركاته. وكتب عكرمة، ليلة البدر من صفر سنة ست وثلاثين.
أخبرنا أبو غالب بن البناء، أخبرنا أبو الحسين بن حسنون النرسي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر بن محمد بن الحسن الحربي، حدثنا محمد بن محمد بن سليمان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن أبيه عن عمرة عن عائشة قالت: ما زلت أصلي بعد العصر ركعتين حتى مات النبي ﷺ .
عن أبي الفضل عبد المنعم بن حسن، أنه رأى في المنام، كأن شيخا يعرفه، أنشده: [البسيط]
مهلا أبا الفضل لا تضرع إلى أحد ... فاقنع فأنت وذو الأكثار أكفاء
من ماء وجهك واكفف عن إراقته ... لظاهر اللوم ما في وجهه ماء
عن ابن عباس، أن شاعرا أتى النبي ﷺ ، فقال: (يا بلال، اقطع لسانه عني) [١] ، فأعطاه إربعين درهما وحلّة، فقال: قطع والله لساني.
عن سفيان بن عيينة قال: مكتوب في التوراة: استوصوا بالغرباء خيرا. عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: احذر الكريم إن أهنته، واللئيم إن أكرمته، والعاقل إن أحرجته، والأحمق إن مازحته، والفاجر إن عاشرته.
عن مجاهد أن عزيز هو النبي الذي أحرق قرية النمل، فعاتبه الله على ذلك [٢] . عن حماد بن زيد قال: سمعت داود بن أبي هند، يحدث هشام بن عروة أن عطاء [٣] كان يكره جعل الطير في القفص، قال: وما علم عطاء بن أبي رباح، ومن يأخذ عن ابن أبي رباح، وكان عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين بمكة تسع حجج، يراها في الأقفاص، وأصحاب رسول الله ﷺ يقدمون بها القماري واليعاقيب، لا ينهون عن ذلك.
стр. 297
عن سعيد بن عبد العزيز [١] : إذا كان الله معك فمن تخاف، وإذا كان الله عليك فمن ترجو؟ /.
قال أبو الحسن علي بن عبد الله بن جهضم: سألت أبا الوزير الصوفي عن قول النبي ﷺ : (الخلق عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله) [٢] ، فقال: هذا مخصوص، وعيال الله خاصته، قلت له: وكيف؟ قال: لأن الناس أربعة أقسام؛ تجارة وبحارة [٣] ، وصناع وزراعة، فمن لم يكن من هذه الأقسام، فهو من عيال الله، وأحب الخلق إلى الله وأنفعهم لهؤلاء.
عن الزهري قال: تعلّم سنة، أفضل من عبادة مائتي سنة. قال أبو الفتح البستي الكاتب: المزح في الكلام كالملح في الطعام، إذا صح الاعتقاد بطل الانتقاد، الانقباض طليعة الإعراض، بالممالحة تتم المصالحة.
قال مسدد بن مسرهد [٤] : لم يكن من المهاجرين من أحد أبواه مسلمان غير عمار بن ياسر [٥] ، قال ابن عساكر: وكذا أبو بكر، كان أبواه مسلمين، أبو قحافة وأم الخير. عن عبد الغفار بن شعيب قال، قال لي حسان: لقيت الشيطان، فقال لي: كنت ألقى الناس أعلّمهم، فصرت ألقاهم أتعلم منهم. عن أبي الدرداء قال: الولد في بطن أمه يكون وجهه إلى ظهر أمه./
البيهقي في الزهد، من طريق أحمد بن أبي الحواري، سمعت أبا سليمان الداراني يقول:
حدثني شيخ بساحل دمشق يقال له علقمة بن يزيد بن سويد، قال أبو سليمان وكان من المريدين، حدثني الحارث قال: سمعت جدي علقمة بن الحارث قال: وفدت على النبي ﷺ سابع سبعة من رفقائي، فلما دخلنا عليه وكلمناه، أعجبه ما رأى من سمتنا وزيّنا، فقال:
стр. 298
(ما أنتم؟) قلنا: مؤمنون، فتبسم رسول الله ﷺ ، وقال: (لكل قوم حقيقة، فما حقيقة قولكم وإيمانكم) ، قال، قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا رسلك أن نعمل بها، وخمس منها تخلقنا بها في الجاهلية ونحن على ذلك، إلا أن تكره منها شيئا، فقال رسول الله ﷺ : ما الخمس الخصال التي أمرتكم رسلي أن تؤمنوا بها؟) قلنا: أمرتنا رسلك أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، قال: (فما الخمس التي أمرتكم رسلي أن تعملوا بها؟) ، قلنا: أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن نقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، ونحج البيت، فنحن على ذلك، قال: (وما الخمس الخصال التي تخلقتم بها في الجاهلية؟) قلنا:
الشكر عند الرخاء، والصبر على البلاء، والصدق عند اللقاء، ومناجزة الأعداء، وفي رواية غيره: وترك الشماتة بالمصيبة إذا حلت بالأعداء، والرضا بالقضاء. فتبسم رسول الله ﷺ وقال: (أدباء فقهاء عقلاء حلماء، كادوا أن يكونوا أنبياء، من خصال ما أشرفها وأزينها، وأعظم ثوابها) ، ثم قال رسول الله ﷺ : (أوصيكم بخمس خصال/ لتكمل عشرون خصلة) قلنا: أوصنا يا رسول الله، قال: إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون، ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء غدا عنه تزولون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخلدون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون، وعليه تعرضون) [١] . قال أبو سليمان:
فانصرف القوم من عند رسول الله ﷺ ، وقد حفظوا وصيته، وعملوا بها، ولا والله يا أبا سليمان، ما بقي من أولئك النفر، ولا من أبنائهم غيري، ثم قال: اللهم اقبضني إليك غير مبدّل، ولا مغيّر، قال أبو سليمان: فمات والله بعد أيام قلائل.
أبو نعيم، حدثنا محمد بن أحمد الجرجاني، حدثنا أبو علي الحسن بن مليح الطرائفي بمصر، حدثنا لؤلؤ الخادم، خادم الرشيد قال: جرى بين هارون الرشيد، وبين ابنة عمه زبيدة ملاحاة في شيء، فقال هارون في عرض كلامه: أنت طالق إن لم أكن من أهل الجنة، ثم ندم، واغتمّا جميعا بهذه اليمين، فجمع الفقهاء وسألهم عن هذه اليمين، فلم يجد منها مخرجا، ثم كتب إلى سائر البلدان أن يحمل إليه الفقهاء، فلما اجتمعوا عنده سألهم، فأجابوه بأجوبة مختلفة، وكان فيهم الليث بن سعد [٢] ، فلم يتكلم بشيء، فقيل له: ما لك لا تتكلم؟ فقال: قد سمع أمير المؤمنين قول الفقهاء، وفيه مقنع، فقيل له: لو
стр. 299
أردنا/ ذلك، سمعنا من فقهائنا، ولم نشخصكم من بلدانكم، فلماذا أحضرت هذا المجلس؟ فقال: يخلي لي أمير المؤمنين مجلسه إن أراد أن يسمع كلامي في ذلك، فانصرف من كان بحضرة أمير المؤمنين، وقيل له: تكلم، قال: يا أمير المؤمنين، أتكلم على الأمان، وعلى طرح التعمل [١] والهيبة، قال: ذلك لك، قال: يدعو أمير المؤمنين بمصحف، فأمر به فأحضره، قال: يأخذه أمير المؤمنين فيتصفحه، حتى يصل إلى سورة الرحمن، فأخذه وتصفحه حتى وصل إلى سورة الرحمن، فقال: يقرأ أمير المؤمنين، فقرأ، فلما بلغ وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[٢] ، قال: كف يا أمير المؤمنين ههنا، فوقف، فقال: يقول أمير المؤمنين والله فاشتد على الرشيد وقال له: ما هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، على هذا وقع الشرط، فنكّس رأسه، ثم قال: والله، قال: الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، إلى أن بلغ آخر اليمين، ثم قال: إنك يا أمير المؤمنين تخاف مقام الله؟ قال هارون: إني أخاف مقام الله، فقال: يا أمير المؤمنين، فهي جنتان وليست بجنة واحدة، كما ذكر الله في كتابه، فسمعت التصفيق والفرح من خلف الستر، وقال هارون: أحسنت والله، بارك الله فيك، ثم أمر بالجوائز والخلع لليث بن سعد، وأمرت له زبيدة بضعف ما أمر به الرشيد./
قال فارس بن أحمد، كان محمد بن الخليل، أبو بكر المقري الأخفش الصغير [٣] جليلا، وهو أكبر أصحاب ابن الأخرم، قال: وحدثني بعض أصحابه أنه كان يحفظ ثلاثين ألف بيت شعر شاهد في كتاب الله .
أنشدنا أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك، أنشدنا أبو شجاع فارس بن الحسين الذهلي لنفسه في كتاب الشهاب [٤] للقضاعي [٥] الذي طبق الأرض: [البسيط]
إن الشهاب شهاب يستضاء به ... في العلم والحلم والآداب والحكم
стр. 300
سقى القضاعيّ غيث كلما لمعت ... هذي المصابيح في الأوراق والظّلم
قال أبو علي السوسي: بلغني أن رجلا سأل محمد بن الحنفية، فقال: أجد غمّا لا أعرف له سببا، وقد ضاق قلبي، فقال محمد: غمّ لم تعرف له سببا، عقوبة ذنب لم تفعله، فقال الرجل: ما معنى ذلك؟ فقال: المعنى في ذلك أن القلب يهمّ بالمعصية، فلا تساعده الجوارح، فيعاقب بالغمّ دون الجوارح. بعضهم: [السريع]
الموت بحر غالب موجه ... تذهب فيه حيلة السابح
يا نفس إني قائل فاسمعي ... مقالة من مشفق ناصح
لا يصحب الإنسان في قبره ... غير التّقى والعمل الصالح
عن أبي عمران الأنصاري، عن أم الدرداء [١] ، أنها أعطته يوم الفطر ثلاث تمرات، فقالت: يا سليمان، كلهنّ، وخالف أهل الكتاب، فانهم لا يأكلون في أعيادهم حتى يصلوا. عن مخلص بن أبي الجماهر التنوخي، قال: من ختم نهاره بالاستغفار صعد عمله مضيئا، وإن كان مسيئا، ومن لم يختم نهاره بالاستغفار صعد عمله مظلما، وإن كان محسنا.
أخبرنا أبو الحسين بن أبي الحديد، أخبرنا جدي أبو عبد الله، أخبرنا أبو المعمر المسدد بن علي الاملوكي الحمصي، أخبرنا أبو حفص عمر بن علي بن الحسين بن إبراهيم العتكي الأنطاكي، حدثنا محمد بن الحسن بن فيل، حدثنا عبد السلام بن العباس بن الزبير الحمصي، حدثنا خلي بن خالد بن أبي خالد بن خلي عن سويد بن عبد العزيز، عن حميد الطويل، عن أنس قال، قال رسول الله ﷺ : (ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق) [٢] ، قال ابن عساكر: غريب جدا.
عن قتادة قال: سأل عبيد الله بن زياد أبا بكرة: ما أعظم المصيبة؟ قال: مصيبة الرجل في دينه، قال: لست عن هذا أسألك، قال: فموت الأب قاصمة الظهر، وموت الولد صدع في الفؤاد، وموت الأخ قص الجناح، وموت المرأة حزن ساعة./
الخطيب، أخبرنا أبو عبد الله المطهر بن محمد اللحامي، حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن زكريا النسوي، حدثنا خلف بن محمد الختام، حدثنا سهل بن شادويه، حدثنا
стр. 301
نصر بن الحسين، حدثنا عيسى بن موسى عن عبيد الله العتكي، عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن المواقعة قبل الملاعبة.
عن محمد بن المتوكل العسقلاني، قال: رأيت النبي صلّى الله عليه في النوم، فقلت له: يا رسول الله، إن سفيان بن عيينة، حدثني عن الزهري، عن سالم عن أبيه، أنك كنت ترفع يديك إذا افتتحت الصلاة، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، فقال ﷺ : (صدق سفيان، وصدق الزهري، وصدق سالم، وصدق ابن عمر، هكذا كنت أصلي) .
عن ابن الأزهر المغيرة بن فروة، أحد التابعين قال: من ركع بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم، كانتا له عدل عمرة. عن مكحول قال: ما من أمة يكون فيها سبعة وعشرون رجلا، فيستغفرون الله كل يوم سبعة وعشرين مرة، إلا لم يصب الله تلك الأمة بعذاب العامة.
عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: ما استسقى كبير قط، فشرب صغير قبله، إلا غارت عين من ماء العيون. عن عائشة قالت: جعل درج الجنة على عدد آي القرآن، فمن قرأ ثلث القرآن ثم دخل الجنة، كان على الثلث من درجها، ومن قرأ نصف القرآن، كان على النصف/ من درجها، ومن قرأه كله، كان في عليين، لم يكن فوقه إلا نبي أو صدّيق أو شهيد [١] .
عن عائشة قالت: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام المغيرة بن شعبة ينظر إليها فذهبت عينه. عن نافع بن مالك بن أبي سهيل، عم مالك بن أنس، قال: قلت للزهري: أما بلغك أن رسول الله ﷺ ، قال: (من طلب شيئا من هذا العلم الذي يراد به وجه الله، ليطلب به شيئا من عرض الدنيا، دخل النار) [٢] ، قال الزهري: لا ما بلغني هذا، فقلت له: وكل حديث رسول الله ﷺ بلغك؟ قال:
لا، قلت: فنصفه؟ قال: عسى، قلت: فهذا في النصف الذي لم يبلغك.
آخر المنتقى من تاريخ ابن عساكر
стр. 302
قال البغوي [١] في معجم الصحابة
حدثنا أحمد بن علي قال: سمعت أحمد عن يونس، يقول: سمعت سفيان الثوري يقول:
هذا زمان ينبغي للرجل أن يطلب جحرا يدخل فيه، قال يونس: وهذا زمان ينبغي للرجل أن يطلب قبرا يدخل فيه./
ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغضب، حدثني أبو محمد التميمي، عن شيخ من قريش قال: أتي هشام برجل بلغه عنه أمر، فلما أقيم بين يديه جعل يتكلم بحجته، فقال له هشام: وتكلم أيضا؟ فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، قال الله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
[٢] ، أفيجادل الله، ولا تكلّم أنت كلاما؟ قال هشام: بلى ويحك فتكلم.
وقال البغوي: حدثني عمي، عن أبي عبيد، قال، قال أبو رهم بن مطعم الشاعر:
هاجر إلى النبي ﷺ وهو ابن مائة وخمسين سنة، وهو من بني أرحب من همدان. قال البغوي: أبو رهم الشاعر وفد إلى النبي ﷺ ولم يرو عنه.
وقال البغوي، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني هشام عن مغيرة عن الشعبي، حدثني رجل من ثقيف قال: سألنا النبي ﷺ ثلاثا فلم يعطنا واحدة منهن، لم يرخص لنا في الزنا طرفة عين قط، وقلنا إن أرضنا باردة فرخص لنا في الطهور، فلم يفعل، وسألناه أن يرد علينا عبدا لنا أبق، فأبى وقال: (هو طليق الله وطليق رسوله) [٣] .
وقال البغوي: حدثني محمد بن إسحاق، حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية عن يحيى بن سعد عن خالد بن معدان عن أبي عائشة: أن نفرا من اليهود أتوا رسول الله ﷺ ، فسألوه عن ملك الموت، فقال: (هو ابن آدم الذي قتل أخاه) [٤] ، قلت: لم أفهم معنى هذا الحديث، وقد كتبته لأنظر فيه.
стр. 303
المقامة اللازوردية في موت الأولاد
إنشاء الفقير عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي [١] بسم الله الرحمن الرحيم وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
[٢] ، فسر قوم من العلماء الثمرات بالأولاد [٣] ، لأنهم ثمرات الفؤاد وفلذ الأكباد، ومصابهم من أعظم مصاب، ومماتهم يصدع القلوب والأوصال والأعصاب، يا له من صدع لا يشعب، وشعب لا يرأب، يوهي القوى، ويقوي الوهى [٤] ، وينهي العافية، ويعفو النّهى [٥] ، ويوهن العظم، ويعظم الوهن، ويرهن الأعلاق [٦] ، ويغلق الرهن، مر المذاق، وصعب لا يطاق، يضيق عنه النطاق، شديد على الإطلاق: [الوافر]
وكيف أطيق أن أنسى حبيبا ... قطّع ذكره برد الشراب
ألا لا لست ناسيه ولكن ... سأذكره بصبر واحتساب
لا جرم أنّ الله تعالى حثّ على الصبر الجميل، ووعد على ذلك بالأجر الجزيل، قال الله تعالى، فيما ثبت من الأحاديث القدسية في صحيح السّنّة: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنّة) [٧] .
وثبت في الأحاديث المتواترة عن النبي المختار: (لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسّه النار) [٨] ، وفي لفظ: (من مات له ثلاثة من الولد، لم يبلغوا الحنث، كانوا له حجابا من النار) [٩] ، وفي لفظ: (احتظر من النار بحظار) [١٠] ، وجاءت رواية أو اثنان أو واحد، بفضل رحمة العزيز الغفار.
стр. 304
أولا تطيب نفس الإنسان بما ورد: (أنّ الولد يتلقّى أباه، فيأخذ بثوبه، فلا ينتهي حتى يدخله الله الجنة وإيّاه) [١] ، هم: (دعاميص الجنة) [٢] ، دخّالون في منازلها بغير جنّة، يتلقون آباءهم من أبواب الجنة الثمانية، من أيّها شاء دخل، حيث سلموا من الحنث والإثم والدّخل [٣] ، ما أثقل الولد الصالح في الميزان، وما أنفل غنمه [٤] الرابح، حيث يفتح لأبيه أبواب الجنان، وما أسرّه إذ يتلقاه بكأس الشراب وهو في الموقف ظمآن، ذلك تخفيف من ربكم لذنوبكم، ورحمة بعباده المؤمنين، إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
[٥] .
ألا إن الذي لم يقدم من ولده شيئا هو الرقوب [٦] ، اذكروا ما ابتلى الله به من فراق ولده ثمانين عاما صفيّه يعقوب [٧] ،/من حمد ربه واسترجع عند قبض ولده، بنت الملائكة له بيتا في الجنة، وسمّوه بيت الحمد [٨] ، فطوبى لمشهده، وكيف لا يوطن نفسه على فراق الأحباب، ولله كلّ يوم ملك ينادي بباب السماء: يا أيها الناس، لدوا للموت وابنوا للخراب، وأوحى الله ذلك إلى آدم حين أهبطه من الجنان، وصاح به من الطير ورشان [٩] ، بحضرة النبي سليمان، قال بعض من تقدم في الزمان [١٠] : [الطويل]
وللموت تغدو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن
وقال بعض من تأخر [١١] : [الوافر]
بني الدنيا أقلّوا الهمّ فيها ... فما فيها يؤول إلى الفوات
بناء للخراب وجمع مال ... ليفنى والتوالد للممات
стр. 305
وأعظم ما يسلي الوالد عن صفيّه، مصيبته بسيّده وهاديه ونبيّه، قال صلّى الله عليه، مرشدا بالقول الصائب: (من أصيب بمصيبة، فليذكر مصيبته بي، فانّها أعظم المصائب) [١] ، وفي حديث آخر: (من أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي عن حملها، فانه لن يصاب أحد من أمتي من بعدي بمثلها) [٢] .
ومن أحسن ما كتب به شاعر إلى أخيه، يعزيه عن ابنه ويسليه [٣] : [الكامل]
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد ... واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
وإذا ذكرت محمّدا ومصابه ... فاذكر مصابك بالنبيّ محمّد
ومما يجلب الأسى، ويذهب بعض الأسى [٤] ، تذكّر ما وقع للخلق من ذلك، فقلّ أحد إلا وقد سلك به هذه المسالك، كتب ذو القرنين [٥] لأمه حين حضرته الوفاة مرشدا:
أن اصنعي طعاما للنساء، ولا يأكل منهن من أثكلت ولدا، فلما فعلت ودعتهن لم تأكل منهن واحدة، وقلن: ما منّا امرأة إلا وقد أثكلت ما هي له والدة، فقالت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون هلك ابني، وما كتب بهذا إلا تعزية لي وتسلية عني [٦] .
وقالت امرأة من العرب، أفنى الطاعون أهلها واستلب [٧] : [الطويل]
ولولا الأسى ما عشت في الناس ساعة ... ولكن متى ناديت جاوبني مثلي
وقالت الخنساء وهي تتأسى [٨] : [الوافر]
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
стр. 306
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزّي النفس عنه بالتأسّي
يذكّرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكلّ غروب شمس
وقالت امرأة مرجّعة [١] من بني عامر بن صعصعة: [البسيط]
ربّيتهم تسعة حتى إذا اتّسقوا ... أفردت منهم كقرن الأعضب الوحد
وكلّ أمّ وإن سرّت بما ولدت ... يوما ستشكل ما ربّت من الولد
كان بمكة مقعدان لهما ابن شابّ يقوم بأمرهما، ويسعى في الكسب عليهما وسترهما، فأدركه حمامه، وانقضت مدته وأيامه، فقال ﷺ معزّيا لكلّ والدين: (لو ترك أحد لأحد، لترك ابن المقعدين) [٢] .
أنشد خالد بن صفوان [٣] وقد مات ابنه مرددا [٤] : [الطويل]
وهوّن ما ألقى من الوجد أنّنى ... أجاوره في داره اليوم أو غدا
هذا سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، قبض الله أولاده في حياته، ليعظّم له الزّلفى [٥] في درجاته، فمات له من الأولاد ستة أو سبعة أو ثمانية نجوم: القاسم، وعبد الله، والطيّب، والطاهر، وإبراهيم، وزينب، ورقيّة، وأم كلثوم، ولم يتأخر بعده من أولاده إلا فاطمة الزهرا، ولم تعش بعده إلا ستة أشهر وليالي زهرا، فكان موتها وموت أبيها وأخيها إبراهيم في تسعة أشهر، أو تنقص شهرا.
كتب الشافعي إلى عبد الرحمن بن مهدي [٦] ، وأرسل إليه يعزيه في ابنه وقد جزع عليه [٧] : [البسيط]
стр. 307
إني معزيك لا أني على طمع ... من الخلود ولكن سنّة الدين
فما المعزّى بباق بعد ميّته ... ولا المعزّي ولو عاشا إلى حين
مات لسليمان ﵇ ابن فاشتدّ عليه وجده، وتعاظم فقده، فنزل عليه ملكان ﵉، وبرزا له في صورة أخصام، فقال أحدهما: إني بذرت بذرا لأحصده، فلما اشتدّ مرّ به هذا فأفسده، فقال الآخر: إنه بذر على الطريق، فأخذت عليه [١] ، ففسد للمضيق، فقال سليمان للأول: أما علمت أنّ مأخذ الناس على الطريق العابرة، فقال: يا سليمان: فلم تحزن على ابنك وأنت تعلم أنّك ميّت وأنّ سبيل الناس على الآخرة، ثم قال: ما كان ابنك يعدل عندك؟ وما قدره هنالك؟ قال: كان أحبّ إليّ من ملء الأرض ذهبا، قال: فانّ لك من الأجر على قدر ذلك [٢] .
وفي تعزية معاذ [٣]- وإن تضمن إسناد الحديث وهنا-: اعلم أن الجزع لا يردّ ميتا، ولا يدفع حزنا [٤] . وقال الشافعي في تعزيته: أمضّ المصائب فقد سرور، مع حرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر [٥] : [الطويل]
تصبّر فانّ الأجر أسنى واعظم ... ورأيك أهدى للتي هي أقوم
ولو جاز فرط الحزن للمرء لم يفد ... فما بالنا لا نستفيد ونأثم [٦]
وإني عن ندب الأحبّة ساكت ... وإن كان قلبي بالأسى يتكلّم
أعزيك عن غصن ذوى قبل ما ارتوى ... وقامت به ورق الثّنا تترنّم [٧]
على مثل هذا عاهد الدهر أهله ... وصال وتفريق يسرّ ويؤلم [٨]
وإن منع الغيّاب أن يقدموا لنا ... فانّا على غيّابنا سوف نقدم
مات لأبي بكرة [٩] من الأولاد دفعة واحدة أربعون، ولأنس بن مالك ثلاثة وثمانون ولدا، وذلك بالطاعون [١٠] . وقلّ أن يكون أحد ممن غبر، إلا وذاق طعم هذا الكأس
стр. 308
الأمّر، من صحابة وأتباع، ورؤوس وأشياع، وعلماء وزهّاد، وقرّاء وعبّاد، كم من خليفة عهد لولده بالخلافة واستخلفه، فجاءه الموت فأخذه من بين يديه واختطفه. وكم من ملك دانت له الرقاب وذلّت، وفرّت منه الأسود وولّت، وأخذ القلاع والحصون، وحاز من الأموال كلّ كنز مصون، جاء الموت فاستلب ولده، والتهب كبده، ولم يقدر أن يفديه بما حوته يده؟
وكم طرق هذا الطارق من أمير ووزير، ومستشار ومشير، وكبير وصغير، وغني وفقير، وطبيب ولبيب، وعدو وحبيب، كلّ قد دارت عليه هذه الكأس، ولم تفرق بين عار وكاس، فلذلك تمنى أن لا يولد له من تمنّى، وتغنى به من تغنّى، لما تعنّى [١] :/ [الوافر]
أرى ولد الفتى ضررا عليه ... لقد سعد الذي أضحى عقيما
فامّا أن يربيه عدوّا ... وإمّا أن يخلّفه يتيما
وإمّا أن يوافيه حمام ... فيبقى حزنه أبدا مقيما
وبعضهم استجاد الموت وأجاد إذ قال في الإنشاد [٢] : [الطويل]
لئن أوحشت ممّن أحبّ منازل ... لقد آنست ممن أحبّ المقابر
وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر
وكيف لا يستحسن في هذا الزمان موت الأولاد، وهو الزمان الذي ظهر فيه الفساد، وكثر فيه العناد، ولا يظفر فيه بواحد من الألف ساد، وهو الذي أخبر عنه سيد بني كنانة بقوله: (لا تقوم الساعة حتى يمرّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني كنت مكانه) [٣] .
ولقد أبدع وشنّف [٤] ، قول العباس بن الأحنف [٥] : [المنسرح]
يبكي رجال على الحياة وقد ... أفنى دموعي شوقي إلى الأجل
أموت من قبل أن يغيرني الد ... هر فاني منه على وجل
وعزّى رجل رجلا بابن له يسليه عنه، فقال: «الله خير له منك، وثوابه خير لك منه» .
وعزّى آخر بابنة له، فقيل له: «احمد الله على أمرك، حيث أعزها بوقوفك على
стр. 309
قبرها، ولا أذلها بوقوفها على قبرك» ./
ومما يهون أمر الولد في وفاته، حصول الراحة له من حوادث المرض وآفاته، وما يقاسيه من العنا، وما يكابده من شدة الضنى، حتى يقول الولد الرحيم، وليس له غير دمعة من حميم [١] : [البسيط]
يا ليت علّته بي غير أنّ له ... أجر العليل وأني غير مأجور
وإذا تذكر الإنسان ما تلقاه به مولاه، وأكرمه به سيده وحباه، هان عليه فراقه وعذب عنده مذاقه، وعلم أنّ المولى خير لعبده من أبويه، وأنّه صار إلى ما هو خير له وأحبّ إليه، من ذلك: أنّ ملك الموت يقرئه من ربه السلام، ويتلقّى روحه حين تخرج الملائكة الكرام، وتلفّ في حريرة بيضاء من حرير الجنان، ويضمّ إليها المسك وضبائر الريحان، وتتلقاه أرواح المؤمنين، ويصعد به إلى السماء مع الآمنين، ولا يزال يعرج به من سماء إلى سما، وكلّ من مرّ عليه من الملائكة مسلّما، إلى أن يأتوا به إلى سدرة المنتهى، وإليها كلّ مؤمن وقف وانتهى، فيقف بين يدي مولاه، ويقولون هذا عبدك فلان توفيناه، فيؤمر بالسجود، فتسجد النسمة [٢] ، فيا له من موقف ما أشرفه وأعظمه.
ثم يأتيه بأمانه من العذاب صكّ مختوم، وكتاب مرقوم، ويوسع له في قبره مد البصر، ويجعل له فيه نور مثل نور الشمس والقمر، وينبذ فيه الريحان،/ ويبسط فيه من الحرير ألوان، وتفتح له الملائكة بابا إلى الجنة عيّا، وينظر إلى مقعده فيها بكرة وعشيّا، ويكفيك ما ثبت في السّنّة: (أن القبر روضة من رياض الجنّة) [٣] ، وتطلق الروح مرسلة من سجن الدنيا الذي كانت فيه، فانّ الدنيا سجن المؤمن، وخلاصه من ذلك السجن توفيه، ويعطى في قبره ما شاء من أنواع الإيمان، إن شاء أن يصلي صلّى، وإن شاء قرأ القرآن، ويعطى مصحفا من ذهب يقرأ فيه.
وناهيك بمن يحبّه الله من حملة كتابه ويصطفيه، ووردت أحاديث عديدة، إسانيدها مجيدة: (إنّ من حفظ شيئا من القرآن ومات قبل تتميمه، بعث الله إليه ملائكة في قبره يحفظونه ما بقي، ويقومون بتعليمه) [٤] ، وكم للمؤمن في قبره من إكرام وامتنان، منها أن يكسى عند وضعه فيه حلّة من الجنان، ويؤذن له في الزيارة والمحادثة لمن في قبورهم من الإخوان، وإذا زاره أحد من معارفه في الدنيا حصل له استئناس، وإذا سلّم
стр. 310
عليه ردّ كما يردّ الحيّ من الناس [١] .
أما مقرّ الروح، وما أدراك ما مقرّ الروح، فمختلف بحسب الصاحب، ومتنوع على قدر المراتب، فأرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنّة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل من ذهب/ في ظلّ العرش، إذا باتت وباءت [٢] ، وأرواح في قبّة خضراء سندسيّة، على بارق نهر بباب الجنة العيّة، يخرج إليهم رزقهم منها غدوة وعشية.
وأرواح الأطفال الذين لم يبلغوا الحنث ولم تجرح، عصافير من عصافير الجنّة ترعى وتسرح، وأرواح في السماء الدنيا أيضا، وأرواح في السماء السابعة، في دار يقال لها البيضا، وأرواح في كفالة جبرائيل [٣] ، وأرواح في كفالة ميكائيل، وأرواح في خزانة رميائيل، وأرواح في سبب ممدود بين السماء والأرض، وذلك فيما بين المشرق والمغرب في العرض، وأرواح في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت، ولا تلزم، وأرواح تجمع بأريحا [٤] ، وتجيء إلى الجابية [٥] ، وأرواح ببئر زمزم تتفاوت في المقرّ الأعظم، تفاوتا بحسب مقامها واختلفت على حسب أعمالها وأعظامها [٦] .
ولكل روح اتصال ببدنها معنويّ، وتعلق بجسدها قوي، بحيث يصحّ أن يسلّم عليها، وتفهم ما يقع من الخطاب لديها، وتسمع الكلام، وتردّ السلام، وهي في الرفيق الأعلى، والفريق الأحلى، لأنّ الروح لها شأن، لا يشابه شأن الأبدان، بحيث تكون في محالّ متعددة في آن واحد، وعلى ذلك تتنزل مسألة تبدّل الوليّ، وأحاديث جمّة الموارد، وأقرب شبه في ذلك/ الشمس المنيرة فانّها في السماء وأشعتها في الأرض كثيرة [٧] .
وقد صحّ الحديث من طرق غزيرة، وأخرجه أحمد والحاكم والبيهقيّ من رواية أبي هريرة: (أنّ أولاد المؤمن في جبل في الجنّة، له وسامة، يكفلهم إبراهيم وسارة، حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة) [٨] ، فنعم الوالدان الكافلان هما، وهنيئا مريئا لولد فارق أبويه وأمسى عندهما.
стр. 311
وأما من مات من الأطفال وهو يرضع، فانّ له أن يغذى في الجنة، ويروى ويشبع، ورد في الحديث: (إنّ في الجنة شجرة من خير الشجر، لها ضروع كضروع البقر، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون، رضعوا منها أجمعون أكتعون أبصعون) [١] .
وورد في الحديث عن سيد بني عبد مناف بن قصيّ: (كلّ مولود ولد في الإسلام فهو في الجنّة، شبعان ريّان، يقول: يا ربّ أورد عليّ أبويّ) [٢] .
ومما يغبط فيه الأطفال أنهم ينجون في القبر من هول السؤال، وغيرهم من البالغين يسألون ويقلقلون ويتلتلون [٣] ، ويكرّر عليهم السؤال سبعة أيام، ولهذا كان السلف يستحبون عنهم فيها الإطعام، فأعظم بالسلامة من هذا الهول من سلامة، وناهيك بالمعافاة من هذه الفتنة من كرامة، وقد قال النسفي [٤] ، وهو الإمام الجليل الكبير: «الأنبياء/ وأطفال المؤمنين ليس عليهم حساب، ولا عذاب القبر، ولا سؤال منكر ونكير» [٥] .
وتمام النعمة والكرامة، أنهم يكونون في ظلّ العرش يوم القيامة، مأذونا لهم في الشفاعة، مجابا قولهم بالقبول والطاعة، ورد في الحديث من طريق الحفّاظ المتضلعين: (ذراري المسلمين يوم القيامة تحت العرش شافعين ومشفّعين) [٦] ، وقال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ
[٧] ، قال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر: «هم أطفال المسلمين» [٨] . ثم إذا دخلوا الجنة كانوا مع أرفع الأبوين مكانا، وخير الوالدين فضلا وإحسابا.
وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود، وهو كمرفوع السنة: «إن أطفال المسلمين ملوك يخدمون في الجنة» ، وروى ابن حاتم عن خالد بن معدان [٩] ذي الجلالة والإمامة:
стр. 312
«إنّ سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة، يتقلّب فيه حتى تقوم القيامة» [١] .
فيا أيها الوالد الجريح، والواله القريح، ماذا البكاء والصريخ، بعد هذا البر الصريح، وماذا العويل والضجيج بعد ما ثبت في الحديث الصحيح، وماذا التلهف والتأسّف، بعد هذا القضاء المربح المريح؟ [٢] :/ [الطويل]
فان كنت تبكيه طلابا لنفعه ... فقد نال جنات النعيم مسارعا
وإن كنت تبكي أنه فات عوده ... عليك بنفع فهو قد صار شافعا
فطب نفسا بهذا الفضل العظيم، وقرّ عينا بنزول ولدك في جوار الربّ البرّ الرحيم، وانشد عن نفسك قول شاعر حكيم [٣] : [الكامل]
جاورت أعدائي وجاور ربّه ... شتّان بين جواره وجواري
وإن تلوت: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
[٤] ، فاتل تلوها:
َّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
[٥] ، واكثر من الاسترجاع كلما ذكرته تفز من الأجر بأوفى نصيب، ففي الحديث: (من ذكر مصيبته وإن تقادم عهدها، فاسترجع كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب) [٦] ، وورد في آثار حسنة: من استرجع بعد أربعين سنة، وورد في حديث مرفوع على إرساله: (مما يحبط الأجر في المصيبة تصفيق الرجل بيمينه على شماله) [٧] .
فصبر جميل ورضى بما قضى المولى الجليل، وتسليم لمن هو أرحم بعبده من أبويه ونعم الكفيل، وتفويض إليه في كلّ صباح ومساء، وغدو وأصيل، وإذا نزع من الشيطان والنفس نزغ [٨] ، فنعوذ بالله وحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
[٩] .
[تمت المقامة اللازوردية في موت الأولاد]
стр. 313
المقامة المنبجية للإمام زين الدين عمر بن الوردي
[١] حدث عين إنسان معرة النعمان، قال: دخلت منبج [٢] في بعض الأسفار، فرأيت مصرا كأمصار، ولكن قد صغّر [٣] تصريف الدهر اسمها، وأبهم على المتكلمين حدها ورسمها، فمساجدها بالدثور [٤] ساجدة، ومشاهدها بحزنها على من غاب عنها شاهدة، ورباطاتها محلولة القوى وللأنس فاقدة، ومدارسها دارسة إلا واحدة، فازددت بحديثها القديم حبّا، وغدا قلبي فيها كلفا، ودمعي فيها صبّا، وحسدت غرابها على النواح وسواد الثياب، وتلوت: يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ
[٥] ، وعجبت لسورها المديد، وقصرها المشيد، ونبهت على قبر ملكها حسان [٦] بعد أن دثر، وقرأت البيتين المكتوبين عليه نقرا في الحجر [٧] : [الوافر]
لقد غفلت صروف الدهر عنّي ... وبتّ من الحوادث في أمان
وكدت أنال في الشرف الثّريّا ... وها أنا في التراب كما تراني
стр. 314
ورايت قبر البحتري بها، وشهدت بهجة مشهد النور، ودعوت عند المستجاب، وفي سفح المصلى خارج السور [١] ، وزرت بقصور مادحيها، وتمثلت مادحي قصورها، وزرت قبور صالحيها، وتوسلت بصالحي قبورها، وأمسيت نزيلا لنزيلها الجليل، ولي الله الشيخ عقيل [٢] الطيار في الهواء، الغواص في الماء، شيخ شيوخ الإسلام، وأول من دخل بالخرقة العمرية إلى الشام، جامع الوحوش في البر والبحر أفواجا، وجاعل النجارة باذن الله ذهبا وهاجا، المتصرف بعد وفاته [٣] ، كتصرفه في حال حياته، الذي أعدى عديّا [٤] ، في حلبات الرهان، وأرسل رسالة سره إلى رسلان [٥] ، وما زال الزولي [٦] /له مريدا، ورزق بن مرزوق الرسّي [٧] به جدا سعيدا، وسعدا جديدا، وبعد أن فعلت ما فعلت، تذكرت ما كنت قلت: [السريع]
خالط أولي العلم تكن عالما ... فربّنا قد رفع الوحيا [٨]
واقتد بالموتى على أنه ... لا بدّ للحيّ من الأحيا
فاخلصت النيّة، وقصدت مدرستها النورية، فاذا مدرسها القاضي، وقد استقبل أمر الدرس بفعل ماض، فاحتقرته لحداثة سنّه، وعزمت على تخجيله بفنّ، لعله غير
стр. 315
فنّه [١] ، فانّ المتصدر قبل أوانه سفيه، وربّ فقيه لا أدب فيه، فلما أتم درسه، وبسط لي أنسه، وسألني عن حالتي، فقلت في لجاجتي: نحن عشرة ذوو نسب، وألو علم وأدب، وقد أنشد كلّ منا بيتي شعر، سامهما بأغلى سعر، وأقام وزنهما، وقال: إنهما وإنهما، وأنا رسول أصحابي إليك، لتنصف بيننا فقد دللت عليك، فقال: قل ما أردت أن تقول، وابدأ بنفسك ثم بمن تعول، ثم أصاخ إليّ، فأنشدت بيتيّ، وهما: [السريع]
زائرة زارت بلا موعد ... أفدي بما أملكه سيرها
فقلت ماذا وقته فارجعي ... وعاوديني ليلة غيرها
فقال: هذا سوء الأدب بالأدب، والدليل على ضعف الطلب، أتزورك متفضلة، وترجع خجلة، سأنشدك بيتين لا مطعن عليهما، ولم أسبق إليهما [٢] : [السريع]
جبرت يا عائدتي بالصله ... فتممي الإحسان تنفي الوله
وهذه قد حسبت زورة ... لم أنت يا لعبة مستعجله
ثم قال: هكذا المعاني، فأنشدته قول الثاني: [السريع]
يا من أعار الليث حسن اللقا ... وكم أعار السحب الهطلا
بعضك في الجود ككلّ الورى ... فاعجب لبعض يعدل الكلّا
فقال: لقد أشبهك في بيتيك، لا بل أربى في سوء الأدب عليك، فمن أعار الليث لقاه، فبماذا يلقى عداه؟ ومن أعار السحب الهطل، فقد خلت عن الهطل يداه، ولو أبدل أعار ب (علّم) ، واحترز من خطر عموم البيت الثاني، كان أسلم، إذ يلزمه أن يكون بعض هذا الممدوح، مساويا في الجود للورى حتى للكليم والروح، لقد أخطأ وأحال، ويا ليته قال: [مخلع البسيط]
علّمت ليث الشرى وثوبا ... والسحب علّمتهنّ هطلا
حاشاك ذمّ وكلّ ضدّ ... فصحّ قولي حاشا وكلّا
ثم قال: قد أريتك المباحث، فأنشدته قول الثالث: [السريع]
لو كنت محتاجا إلى درهم ... لكان بالمدّاح لي أسوه
وكان من لا يعطني أهجه ... فالحمد لله على الثروه
стр. 316
فقال: هذا نظم على الفتوح، فهو كجسد بلا روح، وتقدير ضمير الشأن، بعد قوله (وكان) يحيا به الميت، وإلا خرب البيت، وشاهد هذه النفيسة: «إن من يدخل الكنيسة» [١] ، فتنبّه إليّ، وانظر كيف أخذت هذا المعنى بكلتا يدي، فقلت: [مجزوء الرمل]
أنا لو كنت مقلا ... ما اصطلى الناس بناري
خلص العالم جمعا ... من يميني ويساري
ثم قال: قد جئتك ببدائع، فأنشدته قول الرابع: [السريع]
له قباء خلت تطريزه ... لحسنه تطريز خدّيه
ملتفت نحوي كظبي النقا ... لا ما لظبي غنج عينيه [٢]
فقال: لا معنى بديع، ولا لفظ صنيع، قنع قائله بالوزن والقافية، وجمع بين ثقل (لا) و (ما) النافية، فلو رآه سقراط، أعرض عن حبه بغضا ولم يعرج، وقال: إن لم يكن معلما وإلا فدحرج، فاسمع في المعنى تضميني الثمين الذي أردفت جيش حسنه [٣] بكمين، فقلت: [مجزوء الرجز]
طرز قباء محنتي ... كخدّه ورقمه
ما أعوزت منه الظبا ... إلا طراز كمّه
ثم قال: هكذا النفائس، فأنشدته قول الخامس: [الكامل]
بأبي مخيّلة إذا رقصت ... رقص الفواد ونقّط الدمع
رفعت نقاب الحسن ثم شدت ... فافتنّ فيها الطّرف والسّمع
فقال: لقد بالغ في ثلبها ونقصها بقوله: (رقص الفؤاد ونقّط الدمع) لرقصها، فهي إذن معزية لا مهنّئة، ونائحة لا مغنّية، وفي قوله: (رفعت نقاب الحسن) كلام، وفي قوله:
(افتن) عسر، والسلام، فدع فساد المخيلة، واسمع ما قلته في مخيّلة: [السريع]
جاءتك في طيف خيال حكت ... طيف خيال هزّ أعطافه
مصرية في نور شامية ... يا حين ذي الشمعة طوّافه [٤]
стр. 317
ثم قال: كذا من وجهين تجلى العرائس، فأنشدته قول السادس: [المنسرح]
لي أغيد لو بذلت نفسي ... في قبلة منه لم أنلها
قلت له بين عاشقيه ... أتاجر أنت قال: بالها
فقال: هذا رجل صرف (أغيد) ضرورة، وجعل (الهاء) [١] الممدودة مقصورة،/ وكان يقال: الجمع بين ضرتين، ولا الجمع بين ضرورتين، وبالجملة فما وفق لفصيح إعراب، ولا جاء بمعنى ذي إغراب، فاسمع ما قلت في تاجر، فملأت عينه بالجواهر: [السريع]
وتاجر شاهدت عشّاقه ... والحرب فيما بينهم ثائر
قال علام اقتتلوا هكذا ... قلت: على عينيك يا تاجر
ثم قال: هذا البرق اللامع، فأنشدته قول السابع: [مجزوء الرمل]
قيل لي: ماذا يحاكي ... قدّ سعدى، قلت صعده [٢]
قيل لي فالريق منها ... أيّ شيء؟ قلت: شهده
فقال: تعمّق هذا القائل، وزعم لطف الشمائل، ووجّه لقدّ سعدى رفعا ونصبا، وجاء في سعدى وصعدة بتجنيس سميناه مليحا غصبا، وخفي عنه أنه لحن حقيقة، بتأخير (أي شيء) عن (الريقة) ، فالخبر إذا تضمن استفهاما وجب تصديره. وسأنشد في المعنى ما يعذب استرقاقه، ويملح تحريره، وهو: [السريع]
قال حكت قامتها صعدة ... فقلت لم تجرح تعديلها [٣]
قال فهل ريقتها شهدة ... فقلت كم تقصد نفسي لها
ثم قال في (تعسيلها) ثلاث محاسن، فأنشدته قول الثامن: [السريع]
أحسن ما كانت كؤوس الطّلا ... سوادحا يبدو بها الخافي [٤]
فالنقش نقص ومن الرأي أن ... يرتشف الصافي من الصافي
فقال: أحسن هذا بعض الإحسان في شعره، حيث قال: (يبدو بها الخافي) تورية بسره وجهره، وجانس بين النقش والنقص، فغدت كل ربوة تشتهي الرقص، ثم جاء أمرا بدعا، وأساء الأدب شرعا، إذ تسهّل في الأمر، وجعل من الرأي إرتشاف كأس الخمر، إلا أن يريد رأي السقاة [٥] ، ولا يريد رأي الثقات، فيحسن إذن له الخلاص، وإلا
стр. 318
ف لاتَ حِينَ مَناصٍ
[١] ، ثم قال: اسمع في المعنى أسدّ القولين، وانظر إلى بردتي كيف حوكت على نولين، وأنشد: [مجزوء المتقارب]
دع الكأس من نقشها ... فصاف بصاف أحب [٢]
إذا ذهبت بالطلا ... فقد طليت بالذهب
ثم قال: بساط الأدب واسع، فأنشدته قول التاسع: [مخلع البسيط]
دعه ونتف العذار إذ ما ... يسّر وصلي حتى تعذّر
بالنتف ثم النبات يبقى ... عذاره السّكّر المكرّر
فقال قوله: (دعه ونتف العذار) ، يحتمل التوبة عنه والإصرار، وفي قوله: (يسر وصلي حتى تعذر) ثقل، لا يعرف منعه من أهل العروض إلا الأقل، فان هذا القائل غير محيط بخطابه في مخلع البسيط، فان قيل أحسن في تورية تعذّر، ولطافة النبات، وحلاوة المكرر، قلت: على وجه التشنيع، كما قال البديع [٣] : [المنسرح] [٤]
حتى وحتى، حتى ... تنقطع الحا والتا
وأيضا فحسن اللفظ مطلوب، ولله قولي على هذا الأسلوب: [السريع]
معذّر عشت بتقبيله ... فمتّ من عشقي ومن عاش مات
فثغره والشعر في خدّه ... هذا سنينات وهذا نبات
ثم قال: ما كل شاعر فقيه، ولا كلّ فقيه شاعر، فأنشدته قول العاشر: [مجزوء الرمل]
حبذا وجدي بباد ... ورقيبي فيه حاضر
أنا في بحر هواه ... واقع والقلب طائر
فقال: شغله البادي والحاضر، والواقع والطائر، فوالى بين أربع دالات، حتى كأنه راهن على هذه الثقالات، وكأنه ما وقف على على ما فعله الوهراني بالكندي في مثله، ولا علم ما جرى على المتنبي من بيتي العظام [٥] ، والقلاقل [٦] من قبله، فلله اعتمادي في وصف
стр. 319
مليح بادي، فلقد أفرغت الجبن في قالب الحسن، فقلت [١] : [الرمل]
جاءنا ملتثما مكتتما ... فدعوناه لأكل وعجبنا
مدّ في السفرة كفّا ترفا ... فحسبنا أنّ في السفرة جبنا
قال الحاكي: فلما أتم القاضي قوله، أطلت شكره، وشكرت طوله، وقلت: بان أن مقاطيعنا العشرة خاملة، وإن عشرتك تلك عشرة كاملة/، ثم استغفرت ربي من احتقاري له بقلبي، وعوّذت بالله ذهنه، أن يرضى بمنبج وهي كليلة ودمنة [٢] ، فقال:
اسمع أيها المتعصب لكبر الفضيلة على صغر المنصب، أنشد: [الكامل]
وإذا رأت عيناي عالي رتبة ... بلغ المعالي وهو غير مهذّب
قالت لي النفس العزوف بفضلها ... ما كان أولاني بهذا المنصب
فأقول يا نفس ارجعي وتأدّبي ... وثقي فما الحسد الذميم بمذهبي
هي سنّة الدنيا فكم من فاضل ... في الخاملين وكم ترفّع من غبي
وكفاني تأدبا ما قلت في الصّبا: [مجزوء الرمل]
قل لمن لام لكوني ... في مكان غير طائل
هكذا الفاضل مثلي ... عند قسم الرزق فاضل
قال الحاكي، فقلت: أيها القاضي لقد أعجبتني برضاك وأدبك، فلئن يعاب الزمان فيك، خير من أن يعاب بك، ثم سألته الصفح عما قدمت، وودعته للرحلة وآليت بآي الكتاب، أن لا أزري بعدها بشاب، فسبحان من يؤتي الحكم من يشاء صبيا [٣] ، ويخص بعض البقاع بمسك ضائع وإن كان ذكيا./
[تمت المقامة المنبجية]
стр. 320
المقامة الصوفية
له [١] ، حكى إنسان عين معرة النعمان [٢] قال: سافرت إلى القدس الشريف، سفر متنكر، بعد التعريف، فاجتزت في الطريق بواد وقانا لفحة الرمضاء [٣] ، وقال: حكمت على الوادي الذي يروع حصاه حالية العذارى [٤] ، فقلنا: دائم الإمضاء، وإذا فيه عين كعين الخنساء [٥] ، تجري على صخر [٦] ، ويقول ماؤها: أنا سيد مياه هذا الوادي ولا فخر، فرويت كبد صاد من تلك العين، ولكن نغّص [٧] عليّ منظرها الحسن تذكر ظمأ الحسين [٨] ، هذا وماؤها يجري على رأسه خدمة للورّاد، ويطوف بنفسه سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
[٩] ، فأسبغت منه وضوئي، إسباغ الدروع، وصليت ركعتين فوّقت فيهما سهام دعاء من قسيّ ركوع،/ وسألت الله سبحانه حسن منقلبي، ورجوت منه أن يعوضني عن تعبي، بصحبة من يدلني به عليه، ورؤية من يقربني منه إليه، فأجيبت دعوتي في الحال، والتفتّ فاذا عشرة رجال، ومن جملتهم شيخ كبير السن والقدر، وقد أحاطوا به إحاطة الهالة بالبدر، فقلت لهم مرحبا بحاضرة جلالتهم بادية، وسقيا لمن تلقيت صحبتهم من عين صافية، يا ذوي الجمال والزين، من أين؟ قالوا: منه وإليه، ثقة به وتوكلا عليه، ثم خاضوا في بحث يسرونه مني، ومناظرة يخفونها عني، بلفظ ألطف من النسيم، ومعنى مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ
[١٠] ، وأطالوا في الجدال، وأنا لا أعلم حقيقة الحال، فلحظهم الشيخ شزرا، ونظر