فقال: هذا نظم على الفتوح، فهو كجسد بلا روح، وتقدير ضمير الشأن، بعد قوله (وكان) يحيا به الميت، وإلا خرب البيت، وشاهد هذه النفيسة: «إن من يدخل الكنيسة» [١] ، فتنبّه إليّ، وانظر كيف أخذت هذا المعنى بكلتا يدي، فقلت: [مجزوء الرمل]
أنا لو كنت مقلا ... ما اصطلى الناس بناري
خلص العالم جمعا ... من يميني ويساري
ثم قال: قد جئتك ببدائع، فأنشدته قول الرابع: [السريع]
له قباء خلت تطريزه ... لحسنه تطريز خدّيه
ملتفت نحوي كظبي النقا ... لا ما لظبي غنج عينيه [٢]
فقال: لا معنى بديع، ولا لفظ صنيع، قنع قائله بالوزن والقافية، وجمع بين ثقل (لا) و (ما) النافية، فلو رآه سقراط، أعرض عن حبه بغضا ولم يعرج، وقال: إن لم يكن معلما وإلا فدحرج، فاسمع في المعنى تضميني الثمين الذي أردفت جيش حسنه [٣] بكمين، فقلت: [مجزوء الرجز]
طرز قباء محنتي ... كخدّه ورقمه
ما أعوزت منه الظبا ... إلا طراز كمّه
ثم قال: هكذا النفائس، فأنشدته قول الخامس: [الكامل]
بأبي مخيّلة إذا رقصت ... رقص الفواد ونقّط الدمع
رفعت نقاب الحسن ثم شدت ... فافتنّ فيها الطّرف والسّمع
فقال: لقد بالغ في ثلبها ونقصها بقوله: (رقص الفؤاد ونقّط الدمع) لرقصها، فهي إذن معزية لا مهنّئة، ونائحة لا مغنّية، وفي قوله: (رفعت نقاب الحسن) كلام، وفي قوله:
(افتن) عسر، والسلام، فدع فساد المخيلة، واسمع ما قلته في مخيّلة: [السريع]
جاءتك في طيف خيال حكت ... طيف خيال هزّ أعطافه
مصرية في نور شامية ... يا حين ذي الشمعة طوّافه [٤]
стр. 317
ثم قال: كذا من وجهين تجلى العرائس، فأنشدته قول السادس: [المنسرح]
لي أغيد لو بذلت نفسي ... في قبلة منه لم أنلها
قلت له بين عاشقيه ... أتاجر أنت قال: بالها
فقال: هذا رجل صرف (أغيد) ضرورة، وجعل (الهاء) [١] الممدودة مقصورة،/ وكان يقال: الجمع بين ضرتين، ولا الجمع بين ضرورتين، وبالجملة فما وفق لفصيح إعراب، ولا جاء بمعنى ذي إغراب، فاسمع ما قلت في تاجر، فملأت عينه بالجواهر: [السريع]
وتاجر شاهدت عشّاقه ... والحرب فيما بينهم ثائر
قال علام اقتتلوا هكذا ... قلت: على عينيك يا تاجر
ثم قال: هذا البرق اللامع، فأنشدته قول السابع: [مجزوء الرمل]
قيل لي: ماذا يحاكي ... قدّ سعدى، قلت صعده [٢]
قيل لي فالريق منها ... أيّ شيء؟ قلت: شهده
فقال: تعمّق هذا القائل، وزعم لطف الشمائل، ووجّه لقدّ سعدى رفعا ونصبا، وجاء في سعدى وصعدة بتجنيس سميناه مليحا غصبا، وخفي عنه أنه لحن حقيقة، بتأخير (أي شيء) عن (الريقة) ، فالخبر إذا تضمن استفهاما وجب تصديره. وسأنشد في المعنى ما يعذب استرقاقه، ويملح تحريره، وهو: [السريع]
قال حكت قامتها صعدة ... فقلت لم تجرح تعديلها [٣]
قال فهل ريقتها شهدة ... فقلت كم تقصد نفسي لها
ثم قال في (تعسيلها) ثلاث محاسن، فأنشدته قول الثامن: [السريع]
أحسن ما كانت كؤوس الطّلا ... سوادحا يبدو بها الخافي [٤]
فالنقش نقص ومن الرأي أن ... يرتشف الصافي من الصافي
فقال: أحسن هذا بعض الإحسان في شعره، حيث قال: (يبدو بها الخافي) تورية بسره وجهره، وجانس بين النقش والنقص، فغدت كل ربوة تشتهي الرقص، ثم جاء أمرا بدعا، وأساء الأدب شرعا، إذ تسهّل في الأمر، وجعل من الرأي إرتشاف كأس الخمر، إلا أن يريد رأي السقاة [٥] ، ولا يريد رأي الثقات، فيحسن إذن له الخلاص، وإلا
стр. 318
ف لاتَ حِينَ مَناصٍ
[١] ، ثم قال: اسمع في المعنى أسدّ القولين، وانظر إلى بردتي كيف حوكت على نولين، وأنشد: [مجزوء المتقارب]
دع الكأس من نقشها ... فصاف بصاف أحب [٢]
إذا ذهبت بالطلا ... فقد طليت بالذهب
ثم قال: بساط الأدب واسع، فأنشدته قول التاسع: [مخلع البسيط]
دعه ونتف العذار إذ ما ... يسّر وصلي حتى تعذّر
بالنتف ثم النبات يبقى ... عذاره السّكّر المكرّر
فقال قوله: (دعه ونتف العذار) ، يحتمل التوبة عنه والإصرار، وفي قوله: (يسر وصلي حتى تعذر) ثقل، لا يعرف منعه من أهل العروض إلا الأقل، فان هذا القائل غير محيط بخطابه في مخلع البسيط، فان قيل أحسن في تورية تعذّر، ولطافة النبات، وحلاوة المكرر، قلت: على وجه التشنيع، كما قال البديع [٣] : [المنسرح] [٤]
حتى وحتى، حتى ... تنقطع الحا والتا
وأيضا فحسن اللفظ مطلوب، ولله قولي على هذا الأسلوب: [السريع]
معذّر عشت بتقبيله ... فمتّ من عشقي ومن عاش مات
فثغره والشعر في خدّه ... هذا سنينات وهذا نبات
ثم قال: ما كل شاعر فقيه، ولا كلّ فقيه شاعر، فأنشدته قول العاشر: [مجزوء الرمل]
حبذا وجدي بباد ... ورقيبي فيه حاضر
أنا في بحر هواه ... واقع والقلب طائر
فقال: شغله البادي والحاضر، والواقع والطائر، فوالى بين أربع دالات، حتى كأنه راهن على هذه الثقالات، وكأنه ما وقف على على ما فعله الوهراني بالكندي في مثله، ولا علم ما جرى على المتنبي من بيتي العظام [٥] ، والقلاقل [٦] من قبله، فلله اعتمادي في وصف
стр. 319
مليح بادي، فلقد أفرغت الجبن في قالب الحسن، فقلت [١] : [الرمل]
جاءنا ملتثما مكتتما ... فدعوناه لأكل وعجبنا
مدّ في السفرة كفّا ترفا ... فحسبنا أنّ في السفرة جبنا
قال الحاكي: فلما أتم القاضي قوله، أطلت شكره، وشكرت طوله، وقلت: بان أن مقاطيعنا العشرة خاملة، وإن عشرتك تلك عشرة كاملة/، ثم استغفرت ربي من احتقاري له بقلبي، وعوّذت بالله ذهنه، أن يرضى بمنبج وهي كليلة ودمنة [٢] ، فقال:
اسمع أيها المتعصب لكبر الفضيلة على صغر المنصب، أنشد: [الكامل]
وإذا رأت عيناي عالي رتبة ... بلغ المعالي وهو غير مهذّب
قالت لي النفس العزوف بفضلها ... ما كان أولاني بهذا المنصب
فأقول يا نفس ارجعي وتأدّبي ... وثقي فما الحسد الذميم بمذهبي
هي سنّة الدنيا فكم من فاضل ... في الخاملين وكم ترفّع من غبي
وكفاني تأدبا ما قلت في الصّبا: [مجزوء الرمل]
قل لمن لام لكوني ... في مكان غير طائل
هكذا الفاضل مثلي ... عند قسم الرزق فاضل
قال الحاكي، فقلت: أيها القاضي لقد أعجبتني برضاك وأدبك، فلئن يعاب الزمان فيك، خير من أن يعاب بك، ثم سألته الصفح عما قدمت، وودعته للرحلة وآليت بآي الكتاب، أن لا أزري بعدها بشاب، فسبحان من يؤتي الحكم من يشاء صبيا [٣] ، ويخص بعض البقاع بمسك ضائع وإن كان ذكيا./
[تمت المقامة المنبجية]
стр. 320
المقامة الصوفية
له [١] ، حكى إنسان عين معرة النعمان [٢] قال: سافرت إلى القدس الشريف، سفر متنكر، بعد التعريف، فاجتزت في الطريق بواد وقانا لفحة الرمضاء [٣] ، وقال: حكمت على الوادي الذي يروع حصاه حالية العذارى [٤] ، فقلنا: دائم الإمضاء، وإذا فيه عين كعين الخنساء [٥] ، تجري على صخر [٦] ، ويقول ماؤها: أنا سيد مياه هذا الوادي ولا فخر، فرويت كبد صاد من تلك العين، ولكن نغّص [٧] عليّ منظرها الحسن تذكر ظمأ الحسين [٨] ، هذا وماؤها يجري على رأسه خدمة للورّاد، ويطوف بنفسه سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
[٩] ، فأسبغت منه وضوئي، إسباغ الدروع، وصليت ركعتين فوّقت فيهما سهام دعاء من قسيّ ركوع،/ وسألت الله سبحانه حسن منقلبي، ورجوت منه أن يعوضني عن تعبي، بصحبة من يدلني به عليه، ورؤية من يقربني منه إليه، فأجيبت دعوتي في الحال، والتفتّ فاذا عشرة رجال، ومن جملتهم شيخ كبير السن والقدر، وقد أحاطوا به إحاطة الهالة بالبدر، فقلت لهم مرحبا بحاضرة جلالتهم بادية، وسقيا لمن تلقيت صحبتهم من عين صافية، يا ذوي الجمال والزين، من أين؟ قالوا: منه وإليه، ثقة به وتوكلا عليه، ثم خاضوا في بحث يسرونه مني، ومناظرة يخفونها عني، بلفظ ألطف من النسيم، ومعنى مِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ
[١٠] ، وأطالوا في الجدال، وأنا لا أعلم حقيقة الحال، فلحظهم الشيخ شزرا، ونظر
стр. 321
إليهم تارة وإليّ أخرى، وقال: إما أن تكفوا عن حثكم، وإما أن تطلعوا أخاكم الآخر على أول بحثكم، فتنبهوا إليّ، وأقبلوا عليّ، وقالوا أيها الأخ، إن بحثنا الدقيق في طريق هي السر المكتوم، وغوصنا العميق، في منهاج هو مفتاح العلوم، وما ظنك بطريق جنيدها [١] أعظم من الملوك، وأدهمهما وابنه [٢] غير مصروفين لنظمها في سلوك الحسن، بحسن السلوك، وأهلها هم أهل الكرم الصيّب، وذلها ينبت العز، وكل مكان ينبت العز طيب [٣] : [الكامل]
ذمّ المنازل بعد منزلة اللّوى ... والعيش بعد أولئك الأقوام [٤]
فكم منكر صار فيها معروفا بالإيثار، وكم مالك [٥] أصبح معروفا بحسنها عن دينار: [السريع]
كم أسد روّع بالشّبل ... فيها وحاف فاق ذا نعل
وكم سريّ بحره زاخر ... وكم فضيل فاز بالفضل
قلت: قد وعيت إلى رمزكم، وانتهيت إلى كنزكم، فزيدوني إيضاحا، زادكم الله صلاحا، قالوا: نحن- أيتها العصبة- لنا في التصوف رغبة، وجدالنا معاشر الرفقة في لفظة التصوف، ممّ هي مشتقة؟ وماذا شرط الصوفي المصافي؟ وإلى الآن ما تحرر لنا في ذلك جواب شاف.
قال الشيخ: على الخبير سقطتم، وبجهينة [٦] الخبر أحطتم، ولكنكم ما التفتم أولا إليّ، ولا عولتم في ذلك عليّ، قالوا: مثلك لا يبخل بافادتنا، وأنت عودتنا المسامحة في المطارحة، فاصبر لعادتنا، قال: سمعا وطاعة، اعلموا أيتها الجماعة، أنّ اشتقاق التصوف عند أهل
стр. 322
التعريف والتعرف من الصفا والوفا والفنا، هذا من حيث عبارة الناطق، وأما اشتقاقه من حيث الحقائق، فمن أحد أربعة أشياء، تحيي الأسرار، وتسر الأحياء:
الأول: من الصوفانة، وهي بقلة قصيرة ذات زغبة.
والثاني: من صوفة، وهي قبيلة كانت تجيز الحاج وتخدم الكعبة.
الثالث: من صوفة القفا، شعرات في قفا الإنسان./
الرابع: من الصوف الغني عن البيان.
وإذ قد أصغيتم لبياني، فسآتي بالبديع في شرح هذه المعاني، إن أخذ التصوف من الصوفانة التي هي البقلة، فلأن القوم اجتزؤوا في الجملة، فاقتصروا على ما يوجد الله تعالى بصنعه من رزقه، ومنّ به على عبّاد عباده من غير تكلف فيه من خلقه، فاكتفوا به عمّا فيه للبشر صنع، فلم يبسطهم إليهم عطاء، ولا قبضهم عنه منع، كما شاع عن المجاهدين من المهاجرين، ونبّه عليه سيد الأولين والآخرين ﷺ ، وشرّف وكرّم.
وإن أخذ من الصوفة، وهي القبيلة المعروفة، فلأنّ الصوفي متزود من القربات والطاعات، محاسب نفسه على الدقائق والساعات، أحد أعلام الهدى، طاب خبره لطيب المبتدا.
وإن أخذ من صوفة القفا، فحسبكم بيانا وكفى، إن الصوفي معطوف به إلى الحق، مصروف به عن الخلق، لا يريد به بدلا، ولا يبغي عنه حولا [١] .
وإن أخذ من الصوف المعروف، فلأن الصوفي بلبسه موصوف، اختار في الدنيا لبسه، وكسر بذلّته وبذلته نفسه، نداء منه على لابس الحرير بالرعونة والبله، إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له./
هذا بيان الاشتقاق، وأما شرط الصوفي باستحقاق، فأن يتخلق بأخلاق الرسول، ويفوز من سؤل رياضاته بالشمول، ويتنكب عمّا عنه نكّب [٢] ، ويأخذ بما إليه ندب، لا يتخذ محرّمه ربيعه، ولا يجري كالعاصي الذي يزيد إعراضه عن الشريعة، فقد صفا من الكدر، ونحّي عن الفكر، ونجّي من الغير، ومن عدل عن سمته ونهجه، وعوّل على حكم نفسه وهرجه، وسعى لبطنه وفرجه، كان من التصوف خاليا، وفي التجاهل ساعيا، ومن داخله في ذلك مرية، فقد عطّل عما ذكره الحافظ في الحلية [٣] .
قال الحاكي: فلما سمعت ما قاله هذا الشيخ الجليل، أكبرته وبالغت في التبجيل،
стр. 323
وقلت: يا سيدي، لي زمان أحرص على مثلك، فما ظفرت به من قبلك، فتمّم العطا، واكشف لي الغطا، عن أشياء تعانيها متصوفة الوقت، وبيّن لي منها ما يستحق المقة من المقت [١] ، قال: سل عمّا تريد، قلت: أول بيت في القصيد، لم حلقوا الرؤوس وقصروا الثياب؟ فقال: موافقة لما في الكتاب، وهم في ذلك كالمذكرين،/ أن من كان إلى العلى من المخلصين، فليعترف أنه من المقصرين. قلت: فلم تركوا النعال ولبسوا الجماجم؟ [٢] قال: شىء إحدثته الأعاجم: [المتقارب]
وأقسم ما ذاك منهم سدى ... فأفهامهم فوق أفهامنا
ولو قلت ما سرّ ذا أنشدوا ... جماجمنا تحت أقدامنا
قلت: فلم تختّموا بالعقيق؟ قال: فيه منافع وخواص هو بها حقيق، فان خاتمه يسكن حدة الغضب، ولمنع النزيف هو سبب، ونحاتته [٣] لتآكل الأسنان، ولوجع القلب، وقروح أمعاء الإنسان، ومما ذكر عنه وقيل: إن خاتمه لم يوجد في أصبع قتيل، وما أحسن استخدام بعضهم فيه: [الكامل]
عج بالعقيق فمدمعي يحكيه
قلت: فلم رقصوا في السماع؟ قال: فيه لذة واجتماع، ولهم فيه أسرار، لا يطلع عليها الأشرار، فهو كالفخيخ [٤] ، أو كالشبكة في يد الشيخ المتصنع يصيد به القوت، والصادق يريد به الربوب، والمبادرة إلى تحريمه من الجمود والقصور، وهو رأي من لا له بالشعر شعور، ولا فهم المنظوم، ولا شمّ رائحة المنثور، ولقد رأينا المعتمدين من علماء الدين لا يطلقون القول فيه بمنع ولا جواز، ولا يحملون الفتوي [٥] في عراق ولا حجاز،/ بل الفتوى المعتمدة التي القلب إليها ساكن، أن الأمر في السماع يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأماكن: [البسيط]
كانوا معاني المغاني حين ينشدهم ... شاد يجاوبه حسن وإحسان
ما إنت حين تغنّي في منازلهم ... إلا نسيم الصبا والقوم أغصان
قلت: فلم يجلسون الوارد على باب الرباط، ولا يتلقونه أولا بالرحب والانبساط؟
قال: لأنه بطاري السفر، قد تهجن طبعه ونفر، فأرادوا بذلك رياضة نفسه، ولينسى
стр. 324
عشرة غير أبناء جنسه، ويبني النفس كهؤلاء على الكسر، وينصره الله على شيطانه، وَمَا النَّصْرُ
[١] ، قلت: فلم شرطوا عليه هيئة السفر إلى الدخول؟ قال: لأنها هيئة مذكرة بالوصول: [مجزوء الرجز]
فيا لها من هيئة ... تنسي الخلاف والطّرب
تفسيرها رياضة ... تعرب عن أصل الأدب [٢]
على أنها في هذا الوقوف، ينشد من قلب عزوف: [المتقارب]
وقوفي على بابهم رفعة ... ويا طول طردي إن لم أقف
ولو لم تكن لي فرعيّة ... إليهم بأصل لقالوا انصرف
قلت: فما معنى توجيه أباريقهم للقبلة؟ قال: هي صورة عبادة في الجملة، وفي المثل الغريب، أباريق الصوفية محاريب: [الكامل]
ساق يسوق إلى السباق محبة ... ويرى شفاء حريقه برحيقه
السّكر كلّ السّكر في كاساته ... والسرّ كلّ السّرّ في إبريقه
قلت: فلم وضع ساقيهم إبهام رجله اليمنى، على إبهام اليسرى؟ قال: فرقا بين خدمة الخالق والمخلوق وذكرى، ففي الصلاة يصفّ قدميه، وفي خدمة القوم يفعل ما أشرت إليه، وعلى الحقيقة فالصوفي لا إبهام لفضله، ولا سبّابة للوسطى من سيرة مثله.
قلت: فلم طوى الخادم للوارد إذا أتاه الطرف الأيسر الأدنى من مصلاه؟ قال:
ليدوس المطويّ بيمناه، وينقل إلى جانبها يسراه، ثم ينقل اليمنى نقلا، ويصفّ اليسرى معها في المصلى، فقد كرموا في هذه الهيئة اليمين، وتميز بها عنهم من يمين [٣] ، واتقوا بلل الوضوء بالبطانة، تورية إلى أنّ الوجه أحقّ بالصيانة، وسأدلك على قاعدة يحصل بها من أفعالهم كمال الفائدة، كلما فارقوا فيه بقية الناس، من/ العوائد والسمت واللباس [٤] ، فليمتازوا به عن سواهم، فتبارك الذي خلقهم فسوّاهم.
ثم إن الشيخ سالت عبرته، وتوالت حسرته، وغلبه الحال، فأنشد على الارتجال: [الرمل]
ذهب الصّدق وإخلاص العمل ... ما بقي إلا رياء وكسل
غرّك التقصير من ثوبي فان ... قصّر الثوب فقد طال الأمل
стр. 325
إن تأمّلت فقربي منهم ... غير أنّ القلب مغناه طلل
إنما الصوفيّ صافي القلب من ... كلّ غشّ فاذا قال فعل
رفع الكلّ عن الكلّ ومن ... كلّ في الدنيا تحامى كلّ كل
ذلّ لله فعزّت نفسه ... كلّ من عزّ بغير الله ذل
فهو إن يعل فبالله علا ... وهو إن ينزل فبالحقّ نزل
كسر النفس فصحّت واتّقى ... زخرف الدنيا وخيلا وخول
بذل الروح ولولا عزّ ما ... رام ما هان عليه ما بذل
عرف المربوب بالربّ فلم ... يخش إلا ربّه
ليتني في جسم هذا شعرة ... صغرت أو طعنة فيما انتعل
بل مرامي لحظة أو لفظة ... من وليّ الله من قبل الأجل
هؤلاء القوم يا قوم مضوا ... ما تبقى منهم إلا الأقل
فالى الله تعالى أشتكي ... ما بقلبي من فتور وخبل
لو تثبّتّ أتى رزقي على ... رغمه لكن خلقنا من عجل [١]
كم رياء كم مراء كم خطا ... كم عدوّ كم حسود لا يمل
ليس يخلو المرء عن ضد ولو ... حاول العزلة في رأس جبل
لا أرى الدنيا وإن طابت لمن ... ذاقها إلا كسمّ في عسل [٢]
أين كسرى وهرقل أين من ... ملك الأرض وولّى وعزل
أين من شادوا وسادوا وبنوا ... هلك الكلّ ولم تغن القلل
لو سألت الأرض عنهم أنشدت ... أصبح الملعب قفرا والطّلل
قال الحاكي: فما زادني ما سمعت من فيه إلا إعظاما له وحبّا فيه، فازداد تألما، وأنشد مترنما:/ [مخلع البسيط]
يا صاح حقّ لك التحوّف ... وقلّة السعي والتخوّف
لا تقربن بعدها رباطا ... قد خرّقت خرقة التصوف
قلت: هيهات هيهات، هذا المحو عين الإثبات، وقد كانت الصوفية أحبّ الخلق إلى الرحمن، والأصل بقاء ما كان، على ما كان، وللعارف هضم نفسه، مخافة طرده وعكسه.
стр. 326
قال: بالله لقد صدقت في متصوفة العصر، ونصحتك في جمع ألسنتهم، تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ
[١] ، فان الصوفية اليوم، أصحاب أكل وشرب ونوم، يروون الأقوال ولا يتبعون الأفعال، وافقوا القوم ملبسا، وخالفوهم أنفسا، يدعون ما ليسوا من رجاله، ويخيرون الشخص بين عرضه وماله، يحبون الجاه والشهرة، ويؤملون برد النعيم على فترة: [مجزوء الرجز]
اعتزل الناس ومل ... عنهم بنفس صادقه
صار الرباط كاسمه ... والخانقاه الخانقه [٢]
والناس قد تصنّعوا ... وليس فيهم بارقه
إلا قليلا قال عن ... دنياه أنت طالقه
قلت: إلى رؤية هذا القليل أميل، فيهم تبرد النار ويشفي الغليل، فليت طرفي قبل الموت المحتوم، اكتحل بنجومه الزاهرة، فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ
[٣] ، قال الشيخ: ندفعك فلا تندفع، ونقطعك فلا تنقطع، الآن أعجبنا صدقك، ووجب علينا حقك: [الخفيف]
هكذا كن محبّة واحتفالا ... واعص فينا الوشاة والعذّالا
لك منّا تكتّم واستتار ... ولنا منك أن تطيل السؤالا
إنّ لله في الوجود وجوها ... تركت حسنها له والجمالا
فاعلموا أنّ في الزوايا خبايا ... وافهموا أنّ في السويدا رجالا [٤]
أقحموا النفس في مهالك زهد ... يفترسن الأرواح والأموالا
قصدوا هدم سورها فبنوه ... وأتوا كي يقصروه فطالا [٥]
أنفس أكرم النفوس على الل ... هـ وأقوى حولا وأقوم حالا
فهي تمشي مشي العروس اختيالا ... وتهادى على الزمان دلالا
نحن قوم يعيش من مات فينا ... مستهاما ويبلغ الآمالا
عش على حبّنا ومت في هوانا ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
стр. 327
قال الحاكي: فأطربني هذا الكلام الطيب، وما ضمنه من شعر أبي الطيب، ثم صافحوني للوداع بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ
[١] ، تلك عشرة كاملة، فسلام الله على العشرة. آخرها [٢] .
[تمت المقامة الصوفية] في مسند الإمام [٣] أحمد، عن عبد الله بن الحارث قال: كان رسول الله ﷺ ، يصف عبد الله وعبيد الله، وكثيرا من بني العباس، ثم يقول: (من سبق إليّ فله كذا وكذا) [٤] فيستبقون إليه، فيقعون على ظهره وصدره، فيقبلهم ويلتزمهم.
في المستدرك عن أبي بكر بن شعيب بن الحبحاب، سمعت أشياخنا يقولون: كان نقش خاتم أسامة: (حب رسول الله) .
في معجم الصحابة للبغوي عن إبراهيم بن إسماعيل الكهيلي، قال: كان طول جرير بن عبد الله البجلي ستة أذرع. وفيه عن أبي عمرو الشيباني، قال: سئل جبلة بن حارثة، أخو زيد بن حارثة ﵄: أنت أكبر أم زيد؟ قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله.
روى الطبراني عن جرير قال: كان رسول الله ﷺ إذا قدمت الوفود عليه، دعاني فباهاهم بي./
في مسند أحمد، عن سفيان قال: حدثني ابن لجرير بن عبد الله، قال: كان نعل جرير بن عبد الله طوله ذراع.
روى أبو موسى المديني في معرفة الصحابة، من طريق أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عون بن سراقة، عن أخيه جعال بن سراقة الضمري، قال: قلت لرسول الله ﷺ ، وهو متوجه إى أحد، إنه قيل لي: إنك تقتل [٥] غدا، فقال: (أو ليس الدهر كله غدا) [٦] .
البغوي في معجمه، عن إياد بن لقيط، قال، قال جعدة بن هبيرة لجلسائه: إني قد علمت ما لم تعلموا، وأدركت ما لم تدركوا، إنه سيجيء بعد هذا، يعني معاوية، أمراء ليس من رجاله، ولا من ضربائه، وليس فيهم إلا أصفر [٧] أو أبتر حتى تقوم الساعة، هذا السلطان سلطان الله جعله، وليس أنتم تجعلونه.
стр. 328
قال ابن حجر في الإصابة: مات جعدة في خلافة معاوية، وأمه أم هاني بنت أبي طالب. ابن مندة عن جناب الكلبي: سمعت رسول الله ﷺ يقول لرجل ربعة إلي جانبه:
إن جبريل عن يميني،/ وميكائيل عن يساري، والملائكة قد أظلت عسكري، فخذ في هناتك، فأطرق الرجل شيئا ثم قال: [الكامل]
يا ركن معتمد وعصمة لائذ ... وملاذ منتجع وجار مجاور
يا من تخيّره الإله لخلقه ... فحباه بالخلق الزكيّ الطاهر
أنت النبيّ وخير عصمة آدم ... يا من يجود كفيض بحر زاخر
ميكال معك وجبرئيل كلاهما ... مدد لنصرك من عزيز قاهر
قلت: فمن الشاعر؟ قالوا حسان بن ثابت [١] .
قال ابن دريد، حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عبّاد، عن الشرقي، وعن مجاهد، عن الشعبي، قال: كنا عند ابن عباس، وهو في صفّة زمزم يفتي الناس، إذ قام إليه أعرابي، فقال: أفتيتهم، فأفتنا، قال: هات، قال: ما معنى قول الشاعر [٢] : [الطويل]
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علّم الإنسان إلا ليعلما
فقال له ابن عباس: ذاك عمرو بن حممة الدوسي، قضى بين العرب ثلاث مائة سنة، فكبر وألزموه السابع أو التاسع من ولده،/ فكان إذا غفل قرع له العصا، فلما حضره الموت، اجتمع إليه قومه، فأوصاهم وصية حسنة، فيها حكم.
الخرائطي في مكارم الأخلاق، حدثنا علي بن داود القنطري، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني أسامة بن زيد: أنه سمع أبا حازم، وحفص بن عبد الله بن أنس، يقولان: إن رسول الله ﷺ ، كان يحدث أصحابه عن أمر الآخرة، فاذا رآهم قد كلّوا وعرف ذلك فيهم، أخذ بهم في بعض أحاديث الدنيا، حتى إذا نشطوا وأقبلوا، أخذ بهم في حديث الآخرة.
وأخرج فيه عن قتادة قال: الكلام يشبع منه، كما يشبع من الطعام. وأخرج عن علي بن أبي طالب، قال: أجمّوا هذه القلوب، واطلبوا لها طرف الحكمة، فانّها تمل كما تملّ الأبدان.
وأخرج عن سليمان التيمي قال: إني لمن جليسي لفي شدة، إما أن يغتاب عندي صديقا، وإما أن يحمل عني شيئا لم أتكلم به.
حديث من رواية الجان، قال الخرائطي، حدثنا سعد بن أبي يزيد البزاز حدثنا أبو
стр. 329
نعيم الفضل بن دكين، حدثنا سفيان الثوري، وحدثنا العباس بن عبد الله الترفقي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي عن ابن حبان،/ عن أبيه، قال: خرج قوم من التيم في بعض الأرضين فعطشوا، فسمعوا مناديا ينادي أن رسول الله ﷺ ، حدثنا: (أن المسلم أخو المسلم، وعين المسلم) [١] وأن غديرا في مكان كذا وكذا، فعدلوا إليه فشربوا.
وأخرج الخرائطي عن أبي هريرة، قال: بينما يحيى بن زكريا، وعيسى بن مريم ﵉، في البرية، إذ رأيا وحشية ماخضا، قال عيسى ليحيى: ما تلك الكلمات؟ قال يحيى: حنة ولد مريم، مريم ولدت عيسى، الأرض تدعوك يا ولد، اخرج يا ولد اخرج، فوضعت. قال حماد بن زيد: فما منا امرأة تطلق، فقيل هذا عندها، إلا ولدت، حتى الشاة تكون ماخضا، فأقوله وأنا قائم، فما أبرح حتى تضع.
وأخرج عن الليث بن سعد، قال: رأيت إسماعيل بن أمية أعمي، ثم رأيته بصيرا، فسألته عن ذلك، فقال: بينا أنا نائم إذ سمعت قائلا يقول: قل [٢] ، يا قريب يا مجيب يا سميع يا بصير، ردّ عليّ بصري، فقلته، فأبصرت./
منتقى من كتاب التدوين في أخبار قزوين
للإمام أبي القاسم الرافعي [٣] ، عن عمر بن عبد العزيز، أنه بطح غلاما ليضربه، فقال له الغلام: يا مولاي، أما عصيت الله قط؟ قال: بلى، قال: فهل عجّل عليك كما عجلت عليّ؟ قال: اذهب فأنت حر لوجه الله.
قال القاضي أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني، صاحب البحر، في الأربعين له، أخبرنا السيد أبو طالب حمزة بن محمد الجعفري، حدثنا أبو الحسن علي بن حسن بن إدريس [٤] القزويني، حدثنا علي بن إبراهيم بن بحر الفقيه، حدثنا عبيد بن شريك البزاز، حدثنا زيد بن خالد بن موهب الرملي، حدثنا أبو شهاب عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: دخلت على رسول الله ﷺ ، والحسن والحسين على ظهره، وهو يمشي على أربع، ويقول: (نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما) [٥] .
стр. 330
قال أبو الحسن القطّان في الطوالات، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس، حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك البعلبكي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عقبة بن ضمرة عن أبيه، قال:
فتّان القبر أربعة؛ منكر ونكير وناكور، وسيدهم رومان، قال عبد الرحمن بن الضحاك، فحدثت بهذا رجلا من الجهمية [١] فقال: نحن ننكر اثنين، جئتنا بأربعة./
قال الرافعي: رأيت بخط الشيخ أبي عمرو عثمان بن الحسن القزويني، يكتب للآفة التي تقع في أصول الكرم على كاغد ويدفن فيه: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ
[٢] ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ
الآية [٣] ، اخرجوا أيها الديدان من أمكنتكم، فلا منزل لكم، فان أبيتم فأذنوا [٤] بحرب من الله ورسوله، اخرجوا اخرجوا اخرجوا باذن الذي يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ
[٥] .
قال أبو إبراهيم عبيد الله بن محمد بن عبد اللطيف الخجندي، قال الرافعي، وهو أحد الصدور الذين لقيناهم، وكان فاضلا كاملا، مختصا بمزيد الورع والاحتياط، وتتبع الحديث وجمعه: [السريع]
أشكر ربّي ورضاه أريد ... ينقص شكري ورضاه يزيد
وأستزيد العفو من فضله ... فالربّ يعفو عن ذنوب العبيد
مؤملا ألطاف أفضاله ... فانه مبدئها والمعيد
وأن ينجيني من ناره ... حين تقول النار هل من مزيد [٦]
وأرتجي نيل مرادي فقد ... قال تعالى في الكتاب المجيد
لئن شكرتم لأزيدنّكم ... وإن كفرتم فعذابي شديد [٧]
عن الربيع بن سليمان، أن رجلا سأل الشافعي عن مسألة، فأجابه، فقال الرجل:
стр. 331
خالفت الفقهاء، فقال له الشافعي: وهل رأيت فقيها قط [١] ، اللهم إلا أن تكون رأيت محمد بن الحسن، فانه يملأ العين والقلب.
عن أبي العباس بن عطاء، قال: رأيت الجنيد في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال:
تذكر السنة الفلانية، وقد احتبس على الناس المطر، فقلت: بلى، فقال: قلت مع الناس، ما أحوج الناس إلى المطر، فوبخني الله على ذلك، فقال: يا جنيد، ما يدريك أن الناس يحتاجون إلى المطر، وأنا أدبّر الخليقة بعلمي، إني عليم خبير، اذهب فقد غفرت لك.
غرناطة بلد بالأندلس، يقال: إنها بلدة دقيانوس صاحب الكهف. في القرآات لأبي حاتم السجستاني، يروى أنّ لغة النبي ﷺ كسر السين من (يحسب) في كلامه وقراءته.
عن أبي علي، قال: صنّفت كتابا، وكان يعزّ عليّ ذلك الكتاب، فطلبه مني بعض إخواني، فمنعته، فرأيت في المنام كأنّ العلم يكلمني ويقول: لا تمنعني من الناس، فاني بنفسي ممتنع من غير أهلي./
عن عبد العزيز بن غانم الأندلسي، قال: كان لأبي صديق وراق، فقال له أبي ذات يوم: كيف أنت، قال: بخير، ما دامت معي يدي، قال: فتناثرت أصابعه من الغد.
وروى الرافعي بسنده عن ابن عباس، قال: خمس لا تحسن من خمسة؛ الكذب من الأمراء، والبخل من الأغنياء، والسفه من العلماء، والبطش من ذوي المقدرة.
قال ميسرة بن علي في مشيخته: سمعت أبا جعفر أحمد بن كثير الدينوري يقول:
سمعت إسحاق بن داود الشعراني يقول: سألت أحمد بن حنبل عن شرب الفقاع [٢] ، فقال:
بلغني عن واثلة بن الأسقع [٣] أنه كان يشرب الفقاع، قلت: فان قوما يكرهونه، قال:
أحدثك عن واثلة صاحب النبي ﷺ ، وتقول لي: قوم يكرهونه.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في فوائد العراقيين، حدثنا موهب بن يزيد الرملي، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن زيد بن حسن، نسيب أيوب السختياني، عن العلاء بن يزيد السلمي، عن أنس: سمع النبي ﷺ قائلا يقول: يا ذا الجلال، يا ذا البهجة والجمال، يا حسن الفعال، أسألك أن تعينني على ما ينجيني مما خوفتني منه، وأن ترزقني شوق
стр. 332
الصادقين إلى ما شوقتهم إليه،/ فقال: (يا أنس، إئته فقل له: إني رسول رسول الله، وقل له فليستغفر لي، فقال: غفر الله لي ولأخي، أبلغه مني السلام واخبره أن الله قد فضّله على الأنبياء، كما فضّل ليلة القدر على سائر الليالي، ثم قال: يا أنس، تعرفه؟ قلت:
لا، قال: ذاك أخي الخضر) [١] .
روى الحافظ أبو نعيم، عن سليمان بن أحمد الطبراني، قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فسألته عن صحة هذا الحديث: (مثل المؤمنين في تراحمهم كمثل رجل اشتكى بعض جسده، يألم سائر جسده) [٢] ، فأشار بيده: صحيح صحيح صحيح، ثلاثا.
ذكر الشيخ أبو منصور الثعالبي في اليتيمة
أنه اجتمع عند ابن العميد [٣] يوما أبو محمد بن هندو، وأبو القاسم ابن أبي الحسين بن سعيد، وأبو الحسين بن فارس، وأبو عبد الله الطبري، وأبو الحسن البديهي، فحياه بعض الزائرين بأترجّة حسنة، فقال لهم: تعالوا نتجاذب أهداب وصفها، فقالوا: إن رأى سيدنا أن يبتدئ فعل، فقال [٤] :/ [الطويل]
وأترجّة فيها طبائع أربع
فقال أبو محمد:
وفيها فنون اللهو للشرب أجمع
فقال أبو القاسم:
يشبهها الرائي سبيكة عسجد
فقال أبو الحسين:
على أنها من فارة المسك أضوع
فقال أبو عبد الله:
وما اصفرّ منها اللون للعشق والهوى
فقال أبو الحسن:
ولكن أراها للمحبين تجزع [٥]
стр. 333
ذكر أبو الحسين أحمد بن فارس في رسالة له، قال: حضر أبو محمد القزويني طعاما، وإلى جنبه رجل أكول، فقال أبو محمد: [الرجز]
وصاحب لي بطنه كالهاويه ... كأنّ في أمعائه معاويه
قال ابن فارس: انظر إلى وجازة هذا اللفظ، وجودة وقوع الأمعاء إلى جنب معاوية.
في كتاب النّتف والطرف، للحسين بن أحمد السلامي، قال عبد الله الرقي [١] في وال عزل سريعا، واسمه تبّع: [الخفيف]
تبعت تبّعا توابع ما قد ... قدّمته يداه حالا فحالا
خلعت خلعة الولاية منه ... وتحلّى من بعدها خلخالا
ولقد قلت حين أقبل يمشي ... زاده الله في القيود جمالا
لم يكن بين ما تولّى وبين العز ... ل إلا كما يحلّ البعير عقالا [٢]
قال إبراهيم الخوّاص: من أدب الفقراء أن يكونوا/ مطمئنين بما وعد الله، وأن يكونوا آيسين من الخلق، أوحى الله إلى أرميا [٣] : «وعزتي وجلالي، لو أن المعصية كانت في بيت من بيوت الجنة لأوصلت الخراب إلى ذلك البيت» .
قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الطبري، في كتاب المصايب والتعازي، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الحصري، حدثنا القاضي أبو العباس أحمد بن محمد البصري، حدثنا القاضي أبو العباس أحمد بن محمد البصري، حدثنا القاضي أبو علي الزجاجي، حدثنا علي بن محمد بن مهرويه، حدثنا أحمد بن آزاد مرد القزويني، حدثنا أبو مسعود محمد بن عبيد بن عقيل الهلالي البصري، حدثنا إسماعيل بن أبان عن عمرو بن شمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، حدثنا الحارث بن الخزرج، عن أبيه قال: دخلت مع النبي ﷺ على رجل من الأنصار نعوده، وهو يجود بنفسه، فقال النبي ﷺ : (يا ملك الموت، ارفق بصاحبي) ، فسمعنا الصوت وهو يقول: طب نفسا يا محمد، وقر عينا، فاني بكل مؤمن رفيق، الحديث [٤] .
стр. 334
قال الإمام أبو الخير أحمد بن إسماعيل الطالقاني: التصوف تعفف، وتشوّف، وتنظف، وتلطف، وتطرف، وتشرف، وتوقف عن مسألة الخلق تعفف، وإلى الطاعات تشوف، وعن المناهي تنظف، ومع الخلق تلطف/، ومع أهل الطريقة تطرف، وبمكارم الأخلاق تشرف، وفي المقال والمطعم والملبس توقف.
عن كعب الأخبار قال: قرأت في التوراة: «من قال في شعبان ألف مرة لا إله إلا الله، لا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين، ولو كره المشركون» ، كتب صدّيقا.
قال الحافظ محمد بن أبي نصير الفتواني في بعض أماليه، في ترجمة الإمام أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني، صاحب الترغيب وغيره، شيخنا الحافظ إسماعيل إمام المائة الخامسة، أقام بأصبهان أكثر من ثلاثين سنة، قبل الخمس مائة ونحو ذلك بعد الخمس مائة، يعلم الناس فنون العلم، مات يوم الأضحى سنة خمس وثلاثين وخمس مائة. قلت: ما في المبعوثين على رؤوس المئين من تأخر عن المائة أكثر من هذا.
قال رويم: الكلام بين المتفاوضين على ثلاثة أوجه، إما مناظرة، وإما مذاكرة، وإما مكابرة، فالمناظرة للعالمين، والمذاكرة للعارفين، والمكابرة للجاهلين./
أخرج أبو زرعة في كتاب القدر، بسنده عن أم الزاهرية، قالت: كانت امرأة تلد البنات، فقيل لها: إن ولدت جارية فاحمدي الله، قالت: لا أحمده، فولدت قردة.
كتب الإمام ملكداد بن علي القزويني إلى القاضي أبي سعد: [الوافر]
سلام والسلام أقلّ شيء ... أجهزه إلى أهل السلام
صنائع المعروف والإحسان، أطال الله بقاء مولانا من محاسن الإنسان، والعلم رحم متصلة بين العلماء، وتلك فضيلة لا يوفق لها إلا السعداء من الرؤساء، شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قال أبو النجم الزنجاني، في كتاب التوسل إلى الترسل: كان الإمام أحمد الغزالي، أخو حجة الإسلام أبي حامد الغزالي، يعلق بعض غلمان شرف الدولة، فصعد المنبر يوما، وأطرق [١] على رسمه، إذ دخل الغلام، فرفع الإمام رأسه، وأنشد: [البسيط]
لمّا تأمّلته يفترّ عن برد ... ولاح لي في قميص غير مزرور
ودبّ ماء الحيا في صحن وجنته ... مثل العقار بدت في خدّ مخمور
أرسلت دمعي على خدّي منهملا ... وقلت وا حربا من هتك مستور
ونزل عن المنبر وانفضّ المجلس.
стр. 335
قال الرافعي، وكانت علاقته كما تليق بمحلّه الشريف من العفّة والنزاهة، قال بعضهم: [الخفيف]
إن يكن نابك الزمان ببلوى ... عظمت محنة عليك وجلّت
وأتت بعدها مصائب أخرى ... سئمت دونها الحياة وملّت
فاصطبر وانتظر بلوغ مداها ... فالرزايا إذا توالت تولّت
قال علّك [١] القزويني أحد مشايخ الصوفية: أربعة أشياء في دار الدنيا عزيزة، ولا تزداد إلا عزّة، عالم مستعمل بعلمه، وحكيم ينطق عن فعله، ومتعبد ليست له علاقة، وواعظ ليس له طمع.
قال أبو تراب الخشني: من شغل مشغولا بالله عن الله أدركه المقت من الساعة. قال بعضهم: [الخفيف]
عذلوني على الحماقة جهلا ... وهي من عقلهم ألذّ وأحلى
لو لقوا ما لقيت من حرفة العل ... م لساروا إلى الجهالة رسلا
ولقد قلت حين أغروا بلومي ... أيها اللائمون في الحمق مهلا
حمقي قائم بقوت عيالي ... ويموتون إن تعاقلت هزلا
عن دلهاث بن عكرشة، قال: افتخر الناس على عهد رسول الله ﷺ ، فقال علي ﵁ [٢] : [مجزوء الرمل]
أنا للحرب إليها ... وبنفسي أتّقيها [٣]
لا ترى في حومة الهي ... جاء لي فيها شبيها [٤]
ولي السبقة في الإس ... لام طفلا ووجيها
ولي الفخر على النا ... س بفاطم وأبيها
ثم فخري برسول ال ... له إذ زوّجنيها
لي وقعات ببدر ... يوم حار الناس فيها
стр. 336
وبأحد وحنين ... لي صولات تليها
وأنا الحامل للرا ... ية شوقا احتويها [١]
وإذا أضرم حربا ... أحمد قدّمنيها
وإذا ما قال لي قم ... يا عليّ قلت إيها [٢]
هبة الله فمن مث ... لي من الناس أتيها
عن أبي الحسن الواعظ، قال: قال أبو نصر الواعظ: مرض الأستاذ أبو سهل الصعلوكي [٣] ، فرأيت النبي ﷺ في المنام، وقد قصد مع الصحابة عيادة أبي سهل، فتبعته ودخلت معه، وقلت: يا رسول الله، هذا إمام أصحاب الحديث، وإن مات أخشى أن يقع الخلل فيهم، فقال: لا تفكر في ذلك [٤] ، إن الله لا يضيع عصابة أنا سيدها.
قال علي بن حيدر الوزيري، حدثنا حجازي بن شعبويه، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد المروزي، حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن الليثي، أخبرنا أبو الحسام يوسف بن علي الطبري، حدثنا الشريف ناصر بن الحسين العمري، أخبرنا أبو بكر القفال المروزي، أخبرنا أبو عبد الله الخضري، أخبرنا أبو زيد المروزي، أخبرنا أبو بكر القفال الشاشي، أخبرنا أبو العباس ابن سريح، أخبرنا أبو القاسم الأنماطي،/ أخبرنا أبو إبراهيم المزني الشافعي، عن مالك عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ :
(أسدّ الأعمال ثلاثة، إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الأخ من مالك، وذكر الله على كل حال) [٥] .
قال ابن الجوزي في جامع المسانيد، أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز، أخبرنا القاضي أبو الحسن علي بن الفرج بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو ذر عبد بن أحمد، حدثنا منصور بن عبد الله الخالدي، حدثنا أبو أحمد إسحاق بن محمد بن علي الكوفي، حدثنا علي بن محمد القفلي، حدثنا خضر بن زبان، حدثنا حسن بن علي الرافقي، عن يونس بن إبراهيم، عن
стр. 337
محمد بن الحنفية، عن عروة بن عمرو الثقفي، قال: سمعت أبا طالب، قال: سمعت ابن أخي الأمين يقول: (اشكر ترزق، ولا تكفر فتعذب) [١] .
في مساوىء الأخلاق للخرائطي، قال بعض الحكماء: «الصدق يزين كل إنسان، إلا الساعي، فانه أخبث ما يكون إذا صدق» .
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق، عن أبي موسى الأشعري، قال: «إنّ لكل شيء سيدا، حتى إن للنحل سيّدا» .
وأخرج عن ابن عباس، قال: «خذ الحكمة ممن سمعتها، فان الرجل ينطق بالحكمة/ وليس من أهلها، فتكون كالرمية خرجت من غير رام» .
قال أبو العتاهية [٢] : [المتقارب]
رأيت ابن آدم من جهله ... ينافس في الكبر والمعلوه
يريد يقال له إنه ... ومن هو هل هو إلا هوه
إذا ما احتشى كلّ ما يشتهي ... من الأكل قام إلى المخروه
وقال آخر: [السريع]
يا أيها المختال في عطفه ... هل لك أن تنظر في القبر
حتى تراه وترى حاله ... ثم ترى رأيك في الكبر
قال الإمام أحمد [٣] ، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة، عن نصر بن عاصم عن رجل منهم: أنه أتى النبي ﷺ ، فأسلم [٤] ، على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه [٥] .
стр. 338
رسالة السكين
إنشاء الأديب تقي الدين ابن حجة [١] ، يقبل الأرض التي قامت حدود مكارمها، وقطعت عنا مكروه الفقر، بمسنون عزائمها، وينهي وصول السكين التي قطع المملوك بها أوصال الجفا، وأضافها إلي الأدوية،/ فحصل بها البرء والشفا، وبالله ما غابت، إلا وبلغت الأقلام من تعشيرها إلى الحفا زرقا، وكم شاهدت البيض منها ألوان، خرساء من العجب أنها لسان كل عنوان، ما شاهدها موسى إلا شهد في محراب النصاب، وذل بعد ما خضعت له الرؤوس والرقاب، كم أيقظت طرف القلم بعد ما خط، وعلى الحقيقة ما رؤي مثلها قط، وكم وجد بها الصاحب في المضايق نفعا، وحكم بحسن صحتها قطعا، ماضية العزم، قاطعة السن فيها حدة الشباب من وجهين، لأنها بالناب والنصاب معلمة من الطرفين، أنملة صبح تقمعت بسواد الدجى، فعوّذتها بالضحى والليل إذا سجى، ولسان برق امتد في لهوات الليل، فتفكرت أشعة الأنجم، حتى ما عرف منها سهيل، هذا وتقطيعها موزون، إذا لم نتجاوز في عروض ضربها الحد، ومعلوم أن السيف والرمح لم يعرفا غير الجزر والمد: [الكامل]
من أجلنا تدخل في مضايق ... ليس لسيف قطّ فيها مدخل
وكلّ ما نفعله توجزه ... والرمح في تعقيده يطوّل
إن هجعت لجفنها، كانت أمضى من الطيف، وكم لها من خاصة جازت بها الحد على السيف، تنسى حلاوة العسال، فلا يظهر لطوله طائل، وتغني عن آلة الحرب بايقاع ضربها الداخل، إن مرت بشكلها المحلى، تركت المعادن عاطلة، ولم يسمع للحديد في هذه الوقعة مجادلة، شهد الرمح بعدالته أنها أقرب منه إلى الصواب، وحكم بصحة ذلك من قبل أن يتكمل لها النصاب، ما طال في رأس القلم شعرة إلا سرحتها باحسان، ولا طالعت كتابا إلا أزالت غلطه بالكشط من رأس اللسان، تعقد عليها الخناصر، لأنها عدة وعده، وبالله ما وقعت في قبضة إلا أطالت لسانها، وتكلمت بحدّه، إن أدخلت إلى القراب، كانت قد سبكت على الدخول، أو أبرزت من غمدها، كان على طلعتها الهلالية قبول، تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس، وباقامتها الحد حافظة الأقلام على مواظبة
стр. 339
الخمس، وكم لها من عجائب، تركت جدول السيف في بحر الغمد وهو غريق، ولو سمع بها من قبل ضربه ما حمل التطريق، فلو عارضها العماد لعرك من قوسه الأذنين، وقال له جحدت رسالتك يا ذا القرنين، فان جذبت إلى مقاومتها، وكانت لك يد تمتد، وصلت السكين إلى العظم،/ وصار عليك قطع، وانتهى أمرك إلى هذا الحد، وهل يعاند السكين صورة ليس لها من تركيب النظم، إلا ما حملت ظهورها أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، ولو لمحها الفاضل [١] لحقق قوله إن خاطر سكينه كلّ، أو أدركها ابن نباته [٢] ، ما أقر برسالة السيف وفلّ، وقال لقلم رسالته أطلق لسانك بشكر مواليك، وأخلص الطاعة لباريك، ولم يقصد المملوك الإيجاز في رسالة هذه السكين ونظمها، إلا لتكون مختصرة كحجمها، لا زالت صدقات مهديها تتحف بما يذبح نحر فقري، وتأتي كل حين بما يشفي من داء الفقر ويسري.
[تمت رسالة السكين]
قال البغوي في معجم الصحابة
حدثني زيد بن أخرم، قال، سمعت ابن داود يقول: شقران [٣] وأم أيمن [٤] مما ورث النبي ﷺ من أبيه.
من تاريخ ابن النجار، قال أبو الغنائم محمد بن ظبيان المقري: [السريع]
стр. 340
من أنا عند الله حتى إذا ... أذنبت لا يغفر لي ذنبي العفو يرجى من بني آدم
فكيف لا أرجوه من ربّي
قال ابن الرومي [١] : [الكامل]
يا دهر صافيت اللئام مصادقا ... لهم وعاديت الكرام معاندا
فغدوت كالميزان ترفع ناقصا ... من جهله أبدا وتخفض زائدا
وأخرج من طريق وكيع عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كانوا إذا أرادوا أن يقدموا رجلا، قالوا له: «اذهب فتعلم العلم» . وقال: أنبأنا ابن الجوزي، قال: حدثنا ابن الرومي، أن رجلا من الناس مضى إلى قرية، فلقيهم خطيبهم فضافه، فأقام عنده أياما، فقال له الخطيب: لي مدة أصلي بهؤلاء القوم، وقد أشكل عليّ في القرآن مواضع، قال:
سلني عنها، قال: في الحمد لله إياك نعبد وإياك أي شيء؟ تسعين أو سبعين، أشكلت هذه الكلمة عليّ، فأنا أقولها تسعين، آخذا بالاحتياط.
وأخرج عن أبي مجلز قال، قال علي بن أبي طالب: ما مات رسول الله ﷺ ، حتى عرفنا أن أفضلنا بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، وأن أفضلنا بعد أبي بكر عمر.
وأخرج عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول في خطبته: «ابن آدم، وما ابن آدم، تؤلمه بقّة وتفتنه عرقة، وتقتله شرقة» .
قال الشهاب الحارثي: [الكامل]
طفقت تقول تضايق الرزق ... وتعسّرت من دونك الطرق
فأجبتها كوني على مهل ... إن كان لي أجل فلي رزق
قال ابن النجار: قرأت بخط محمد بن إسماعيل البخاري، أنشدني الشيخ المقري أبو بكر محمد بن عمر البخاري ببغداد، قال: أنشدنا عبد الواحد بن أحمد بن طاهر البخاري، قال:
أنشدني بعض أصحابي: [الوافر]
وما حالاتنا إلا ثلاث ... شباب ثم شيب ثم موت
وآخر ما يسمّى المرء شيخا ... ويتلوه من الأسماء ميت
محمد بن فتوح أبو عبد الله بن أبي نصر الحميدي، صاحب الجمع بين الصحيحين، آخر من روى عنه أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان.
وأخرج عن الزهري قال: أوثق عرى الإسلام التجبر على أبناء الدنيا. قال محمد بن داود: الظرف له شروط إذا وجدت حكم به، وإلا فلا يجوز إطلاق اللفظ به، الأول:
стр. 341
الصدق، لأن الكذب يسوّد وجه المروءة، والثاني: الحياء: لأنّ القحّة تدنس الفتوّة، والثالث: تجنب الكبر، فانّ الكبر يفسد الشرف والأبوّة، والرابع: الوفاء، وذلك من أخلاق النبوّة./
وأخرج عن بكر الخليلي، قال: أنشدني أبو جعفر الخوّاص بعبادان بعد زوال المحنة: [الرمل]
ذهبت دولة أصحاب البدع ... ووهى حبلهم ثم انقطع
وتداعى بانصراف جمعهم ... حزب إبليس الذي كان جمع
هل لهم يا قوم في بدعتهم ... من فقيه وإمام يتّبع [١]
مثل سفيان أخي ثور الذي ... علّم الناس دقيقات الورع [٢]
أو سليمان أخي التيم الذي ... ترك النوم لهول المطّلع
أو فقيه الحرمين مالك ... ذلك البحر الغزير المنتجع [٣]
أو فتى الإسلام أعني أحمدا ... ذاك لو قارعه القرا قرع [٤]
لم يخف سوطهم إذ خوّفوا ... لا ولا سيفهم حين لمع
وأخرج عن الحسين بن الفضل البجلي البغدادي، قال: العجلة من الشيطان، إلا في خمسة أشياء، إطعام الضيف، والتوبة من الذنوب، وتزويج البكر، وتجهيز الميت، وقضاء الدّين.
وأخرج من طريق هشام ابن الكلبي، عن أبيه،/ قال: قال علي بن أبي طالب ﵁: «قيمة كل رجل ما يحسن» . وأخرج عن عبد الله بن بريدة قال: شتم رجل ابن عباس، فقال ابن عباس: «تشتمني وفيّ ثلاث خصال، والله إني لأسمع بالغيث بالبلدة فأفرح به وما لي بها ثاغية ولا راغية [٥] ، وإني لأسمع بالحكم العدل بالبلدة فأفرح به، ولعلي لا أقاضي به أبدا، وإني لأمرّ بالآية من كتاب الله ، فأتمنى أن كلّ من في الأرض يعلم منها مثل ما أعلم» .
стр. 342
وأخرج من طريق أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين، أن فاطمة بنت أسد [١] ، ضربها الطّلق وهي تطوف بالبيت، ففتحت لها الكعبة، فولدت عليا في الكعبة.
وقال: أخبرني أبو أحمد داود بن علي بن محمد بن هبة الله بن المسلمة، أخبرنا أبو الفرج المبارك بن عبد الله بن محمد بن النقور، قال: حكى لي شيخنا أبو نصر عبد الواحد بن عبد الملك بن محمد بن أبي سعد الصوفي الكرخي، قال: حججت وزرت النبي ﷺ ، فبينا أنا جالس عند الحجرة، إذ دخل الشيخ أبو بكر الديار بكري، ووقف بازاء وجه النبي ﷺ ، وقال: السلام عليك يا رسول الله، فسمعت صوتا من داخل الحجرة: وعليك السلام يا أبا بكر، وسمعه من حضر./
وأخرج عن مالك بن أنس ﵁، قال: بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة، كما تسأل الأنبياء. قال ابن النجار: قرأت في كتاب محمد بن أحمد بن مهدي الشاهد بخطه، روى عن إبراهيم بن المهدي قال: كان الرشيد يحضر جبريل بن بختيشوع [٢] المتطبب، ينتظر غداءه [٣] ، وأنه أبطأ عليه يوما فتأخر غداؤه، ثم أتاه وهو متغيظ من تأخره، فشتمه وأنكر عليه تخلفه عنه، فذكر أن تأخره لتشاغله بعلة ابن عمه إبراهيم بن صالح بن المنصور [٤] ، لأنه في علة يموت منها في ليلته، فجزع الرشيد لذلك وبكى، وامتنع عن الطعام، فقال له جعفر بن يحيى: جبريل أعلم الناس بطب الروم، وابن بهلة [٥] أعلم بطب الهند، فابعث به حتى يراه، ويطلع على حاله، ويأتيك بخبره، فأحضر ابن بهلة، وتقدم إليه بذلك، فمضى إلى إبراهيم، وعاد فأخبر الرشيد أنه لا يموت في علته تلك، وحلف على ذلك بالطلاق والعتاق، فأكل الرشيد وسكنت نفسه، فلما كان في الليل كتب إليه بخبر وفاة إبراهيم بن
стр. 343
صالح، فبكى بكاء شديدا، وجعل يقول: ابن عمّي في غمرات الموت، وأنا آكل وأشرب وأتمتع، ثم دعا بماء حار/ فشربه وتقيأ ما أكل وشرب، وبكّر لحضور الجنازة، فلما دخل إلى منزل إبراهيم، وأفضى إلى مجلسه، وجده مفروشا، فأمر بالنمارق فرفعت، وقعد على البساط بغير وطاء ولا تكاء، وهو أول من فعل ذلك، فأتاه ابن بهلة، فلما مثل بين يديه قال: الله الله يا أمير المؤمنين، أن تطلق نسائي وتعتق عليّ رقيقي، وتبوء باثمي، إنّ ابن عمّك والله حيّ، لو شئت أن يكلمك لكلمك، فقام الرشيد معه، فاستدعى ابن بهلة مسلّة، فأتى بها فوضعها بين ظفره ولحمه، وغمزها غمزا شديدا، فثنى إبراهيم يده، فقال للرشيد: أعلمت أنه حي؟ قال: نعم، قال: فمر بنزع الأكفان عنه، وأن تعاد عليه ثيابه، حتى يفتح عينيه ويكلمك، فانه إن رأى نفسه في هذه الصورة، مات جزعا، ففعل ذلك، ثم دعا بمنفخة وكندس [١] ، فنفخ في أنفه، فعطس، ثم فتح عينيه، فبصر بالرشيد، فأخذ بيده فقبلها، فسأله عن حاله، فقال: لقد نمت نومة، ما نمت أطيب منها، إلا أنّ شيئا عض إصبعي فآلمني، ثم برأ من علّته، وعاش زمانا طويلا، وتزوج العباسة [٢] بنت المهدي [٣] ، وقلده/ الرشيد مصر، فأقام بها سنتين، ثم مات بها، فكان الناس يقولون: رجل مات ببغداد، ودفن بمصر، فمن عرف خبره قال: إبراهيم بن صالح، ومن لم يعرف خبره أنكر ذلك، وعجب منه.
منصور بن علي بن حبيش المقرىء، كان من الصالحين، حكى ابنه أبو القاسم، قال:
كان يقترض طول الأسبوع، فيحصل عليه المائة والأكثر، فأطالبه فيحلف بالله أنه يوم السبت يقضيني، ففعل ذلك مرات، فسألته: من أين لك، فبكى، وقال: يا بني، أجمع ختماتي، وأختمها ليلة الجمعة، وأجعل ثوابها لرسول الله ﷺ ، وأقول: يا رسول الله، ديني، فيجيئني من حيث لا أحتسب يوم السبت ما أقضي به ديني.
قال أبو بكر الجوهري: مفتاح الشرع بيد العلماء يديرونه على ما تقتضيه مصلحة الدين، ولحومهم مسمومة، والواجب الأخذ بقولهم، وترك التعرض لعتبهم، فهم
стр. 344
المسؤولون يوم القيامة.
قال أبو جعفر الأصبهاني: سمعت السمومي بمكة يقول: ما افتقدت شيئا قط فقرأت (والضحى) إلا وجدته./ قال أبو جعفر: جربته فوجدته كذلك. قال أبو الحسين بن فارس اللغوي في أماليه: سمعت أبا الحسن الأنصاري ببغداد يقول: سمعت أبا الحسن بن شجاع يقول: يقال في الأرض أربعة عشر ألف حمار مسرجة ملجمة، ليس معها أصحابها، تنقل الأشكال، تنقل كل شكل إلى شكله.
قال أبو الفضل الأندلسي: أشرف الناس ثلاثة؛ فقيه صوفي، وعلوي سني، وغني متواضع. وأخرج من طريق أبي عبد الله الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن موسى بن أنس بن مالك الأنصاري، قال: حدثتني فاطمة بنت الإمام أحمد بن حنبل، قال: حدثتني عارمة بنت الضحاك، عن زينب بنت الزهري، عن أم فروة أم جعفر الصادق، عن فاطمة بنت علي بن الحسين، عن أسماء بنت عميس الخثعمية، قالت:
دخلت على نائلة بنت الفرافصة [١] مع نسوان قريش، تعزيها في عثمان بن عفان ﵁، فقالت: لما دخل القوم يقتلون عثمان، وأنا في المخدع، فاذا هم بهاتف يهتف يقول لهم من تلك الزاوية: [الطويل]
فان تكن الدنيا تزول عن الفتى ... ويورث دار الخلد فالخلد أفضل
وإن تكن الأحكام ينزل بها القضا ... فما حيلة الإنسان والحكم ينزل
فلا تقتلوا عثمان بالظلم جهلة ... فانكم عن قتل عثمان تسألوا
فقتلوه، ولم يعبأوا بالهاتف.
توفي ياقوت الحموي في رمضان سنة ٦٢٦ بحلب.
أخبرنا أبو القاسم، وأبو شجاع محمد ابنا محمد بن محمود بن الفضل الحداد، قالا:
أخبرنا أبو الخير محمد بن محمد الباغبان، أخبرنا إبراهيم بن محمد الطيّان، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله التاجر، حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد الديباجي المكفوف، حدثنا عمر بن محمد بن عمر بن حفص الشطوري، حدثنا مسعود بن مسروق، حدثني منصور بن عمّار
стр. 345
الأنباري، حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمشمشوا مشاش الطير، فانه يورث السل) [١] .
حدثني القاضي أبو العباس أحمد بن محمود الواسطي، حدثنا أبو محمد فضل الله بن محمد بن أبي الشريف الشافعي، حدثنا أبو منصور شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي إملاء، حدثنا الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، أخبرنا إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، أخبرنا والدي، أخبرنا أبو عبد الله الحليمي، أخبرنا أبو منصور البغدادي،/ أخبرنا أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج، أخبرنا إبراهيم المزني، أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، حدثنا مالك بن أنس عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، قال، قال رسول الله ﷺ : (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) [٢] .
قرأت على أبي محمد المذكر، عن أبي الحسن الخباز، أخبرنا أبو الكرم بن البرداني، أخبرنا أبو الخطاب الكلوذاني، أخبرنا أبو طالب محمد بن علي العشاري، حدثنا أبو القاسم عبد الله ابن إبراهيم البزاز، حدثنا حمزة بن محمد بن العباس أبو أحمد، حدثنا عبد الكريم بن الهيثم الديرعاقولي، حدثنا الحسن بن عبد الله، حدثنا الصبيّ بن أشعث بن سالم السلولي، سمعت عطية العوفي يحدث عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ القرآن ثم مات قبل أن يستظهره، أتاه ملك فعلمه في قبره، فلقي الله ، وقد استظهره) [٣] .
أنبأنا أبو طاهر العطار، عن أبي علي الهاشمي، أن أبا الحسن أحمد بن محمد العتيقي، أخبرنا أبو محمد سهل بن محمد الديباجي، حدثنا محمد بن يحيى الصولي، حدثنا أبو العيناء محمد بن القاسم، مولى بني هاشم، حدثنا مسلم بن عبد الرحمن بن مسلم أبو القاسم الكاتب، حدثنا أبي وكان يكتب لإبراهيم بن المهدي،/ حدثني محمد بن مسلمة الضبي، سمعت المهدي بن المنصور أمير المؤمنين، يقول: حدثني المبارك بن فضالة، عن الحسن عن أنس، قال، قال رسول الله ﷺ : (لا يجامعنّ أحد منكم وبه حقن من خلا، فانه يكون منه البواسير، ولا يجامعن أحد منكم وبه حقن من بول، فان منه يكون البواسير) [٤] .
من تاريخ الخطيب، أخرج عن المهلب بن أبي صفرة، قال: سألنا أصحاب رسول الله ﷺ : لم قلتم في عثمان أعلاها فوقا؟ قالوا: لأنه لم يتزوج رجل من الأولين، ولا الآخرين ابنتي نبي غيره.
стр. 346
وأخرج عن عبد الله بن معبد، قال: سمعت ابن عباس على منبر البصرة يقول: اللهم أصلح عبدك وخليفتك عليا، أهل الحق، أمير المؤمنين. وقال: حدثنا علي بن محمد بن الحسن الحربي، قال: جاء رجل إلى أبي بكر الأبهري [١] الفقيه المالكي، يشاوره في السفر، فأنشده [٢] : [الوافر]
متى تحسب صديقك لا يقلوا ... وإن تخبر يقلوا في الحساب
وتركك مطلب الحاجات عزّ ... ومطلبها يذلّ عرى الرقاب
وقرب الدار في الإقتار خير ... من العيش الموسّع في اغتراب
الأبهري اسمه محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح، انتهت إليه الرياسة في مذهب مالك، مات في شوال سنة خمس وسبعين وثلاث مائة، ومولده سنة تسع وثمانين ومائتين.
وقال: أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح، حدثنا أبو الحسين محمد بن أبي عمرو بن المنهال، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا شريح بن يونس أبو الحارث، حدثنا فرج بن فضالة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: رأيتني [٣] أغلف رأس رسول الله ﷺ بالغالية، وهو محرم.
وأخرج عن ابن عباس قال: إذا أسف الله تعالى على خلق من خلقه، ولم يعجل لهم النقمة، بمثل ما أهلك به الأمم من الريح وغيرها، خلق لهم خلقا من خلقه يعذبهم بهم، لا يعرفون الله . وقال: أنشدنا أبو الحسن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن خلف الشاعر البصري لنفسه: [الوافر]
ترى الدنيا وزهرتها فتصبوا ... وما يخلو من الشهوات قلب
ولكن في خلائقها نفار ... ومطلبها بغير الحظّ صعب
كثيرا ما نلوم الدهر فيما ... يمرّ بنا وما للدهر ذنب
ويعتب بعضنا بعضا ولولا ... تعذر حاجة ما كان عتب
فضول العيش أكثرها هموما ... وأكثر ما يضرك ما تحبّ
فلا يغررك زخرف ما تراه ... وعيش ليّن الأعطاف رطب
стр. 347
فتحت ثياب قوم أنت منهم ... صحيح الرأي داء لا يطبّ
إذا ما بلغة جاءتك عفوا ... فخذها فالغنى مرعى وشرب
إذا اتفق القليل وفيه سلم ... فلا ترجو الكثير وفيه حرب
وأخرج عن عليّ بن أبي طالب، قال: لا يؤتى الرجل إلا لخصلة من أربع؛ خصال لشرف، أو لشكر معروف سلف، أو لأمر لا يؤتنف، أو لحديث يطرف.
وأخرج عن الزهري قال: أول حبّ كان في الإسلام حبّ النبي ﷺ عائشة. وأخرج بسند ضعيف عن ابن عباس، قال: النبق شجرة مباركة، وهي أول ثمرة تبلغ أو تؤكل، وما أحبها إلا عاقل. وأخرج عن ابن عباس، قال: ما قيل لقوم طوبى إلا خبّأ لهم الدهر يوم سوء.
وأخرج عن الحسن، قال: لما مات رسول الله ﷺ ، وجدوا في ثيابه نافجة مسك، يطيب بها ثيابه./ وأخرج من طريق حارثة بن مضرب، عن عليّ بن أبي طالب، قال:
قيمة كلّ امرئ ما يحسن.
أخبرني القاضي أبو بكر محمد بن عمر الداودي، وأبو بشر محمد بن عمر الوكيل، والحسن بن محمد الخلال، قالوا: أخبرنا محمد بن المظفر الحافظ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن يزيد الدقاق، أخبرنا أحمد بن علي بن فضالة، حدثنا أحمد بن محمويه بن أبي سلمة المدائني، حدثنا منصور بن عمار، حدثني معروف أبو الخطاب، سمعت واثلة بن الأسفع يقول، سمعت أم سلمة تقول: كان رسول الله ﷺ ، إذا أتى أمرأة من نسائه غمض عينيه، وقنّع رأسه. زاد الخلال: وقال للتي تكون تحته: (عليك بالسكينة والوقار) [١] .
قال ابن المنادي في ترجمة عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل [٢] : لم يكن في الدنيا أحد أروى عن أبيه منه، لأنه سمع المسند، وهو ثلاثون ألفا، والتفسير وهو مئة ألف وعشرون ألفا، سمع منها ثمانين ألفا، والباقي وجادة، وسمع الناسخ والمنسوخ والتاريخ، وحديث شعبة والمقدم، والمؤخر في كتاب الله تعالى، وجوابات القرآن، والمناسك الكبير والصغير، وغير ذلك من التصانيف./
وأخرج عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت خالد بن الوليد، يرمي بين هدفين، ومعه رجال من أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال:، أمرنا أن نعلّم الصبيان الرمي والقرآن.
أخبرني الحسن بن محمد الخلال، حدثنا يوسف بن عمر القواس، سمعت أبا محمد
стр. 348
عبد الله بن محمد بن عثمان الحافظ، يقول: الذين وقع عليهم اسم الخلافة ثلاثة، قال الله تعالى لآدم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
[١] ، قال ابن عباس: فأخرجه الله تعالى من الجنة قبل أن يدخله فيها، لأنه خلقه للأرض خليفة فيها، وقوله تعالى لداود: إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ
[٢] .
وأجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر، وقالوا له: يا خليفة رسول الله، ولم يسمّ أحد بعده خليفة، ويقال إنه قبض النبي ﷺ عن ثلاثين ألف مسلم، كلّ قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، إلى حيث قيل أمير المؤمنين [٣] .
قال أبو مزاحم موسى بن عبيد الله: كان عمي عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان، كثير الجماع، وكان قد رزق من الولد لصلبه مائة وستة./
قال وكيع بن الجراح: زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدتي السهو للصلاة، تجبر نقصان الصوم، كما يجبر السهو نقصان الصلاة.
عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم بن حسان، أبو الحسين الوكيل المعروف بالطستي، وهو ابن أخي الحسن بن مكرم، سمع الحارث بن أبي أسامة، وأبا بكر بن أبي الدنيا، روى عنه أبو علي بن شاذان، وأبو الحسين بن بشران، وكان ثقة، ولد سنة ٢٦٦، ومات في شعبان سنة ٣٤٦.
أخبرنا [٤] محمد بن أحمد بن رزق، أخبرنا أبو القاسم موسى بن إبراهيم بن النضر بن مروان المقرئ العطار، حدثنا أبي، حدثنا عباس الترفقي، حدثنا روّاد بن الجراح، حدثنا سفيان، حدثنا منصور، حدثنا ربعي عن حذيفة، قال، قال رسول الله ﷺ :
(خيركم في المأتين كل خفيف الحاذ) ، قيل يا رسول الله: وما الحاذ؟ قال: (الذي لا أهل له، ولا ولد) [٥] ، قال عباس: فتكلم الناس في هذا الحديث، فرأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله،/ حدثنا روّاد بن الجراح، حدثنا سفيان، حدثنا منصور، حدثنا ربعي عن حذيفة عنك، أنك قلت: خيركم في المأتين كل خفيف الحاذ، فقال النبي ﷺ :
صدق روّاد بن الجراح، وصدق سفيان، وصدق منصور، وصدق ربعي، وصدق حذيفة، أنا قلت: خيركم في المأتين كل خفيف الحاذ.
стр. 349
أخبرنا محمد بن علي المقرئ، أخبرنا أبو حفص عمر بن يوسف بن أبي نعيم، حدثنا أبو محمد عبد الله بن مالك، مؤدب القاسم بن عبيد الله، حدثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما قال رسول الله ﷺ شعرا قط، وما أتمّ إلا بيتا واحدا [١] : [الطويل]
تفاءل بما تهوى تكن فلقلّما ... يقال لشىء كان إلا تحقق
ولم يقل (تحققا) ، لئلا يعربه فيصير شعرا. غريب جدا لم أكتبه إلا بهذا الإسناد.
وأخرج عن دينار مولى أنس، قال: صنع أنس لأصحابه طعاما، فلما طعموا، قال: يا جارية هاتي المنديل، فجاءت بمنديل درن، فقال: اسجري التنور، واطرحيه فيه، ففعلت، فابيضّ، فسألناه عنه، فقال: إن هذا كان للنبي ﷺ ، وإن النار لا تحرق شيئا مسّته أيدي الأنبياء.
في الألقاب للشيرازي، عن ذي الرمة الشاعر، قال: كل مبذول مملول، وكل ممنوع محروص عليه. أخرج أبو نصر السجزي في الإبانة، عن الأعمش، عن رجل كان يكلم الجن، قال: ليس شيء أثقل على الشيطان ممن يقول السّنّة. وأخرج عن حمّاد بن شعيب قال: رجل كان يكلم الجن، قال: ليس شيء أشد علينا ممن يتبع السّنّة./
وأخرج من طريق عبد المجيد بن وهب عن أبي الجلال، قال: إنه سيأتي على الناس زمان، يقوم الرجل يسأل عن سنّة محمد ﷺ ، فلا يجد أحدا يخبره عنها.
قال الطبراني، حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه، حدثنا أبي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا قرّة بن خالد، عن الحسن، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ ، قال: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه) [٢] قال: فكان عبد الله بن عمرو يقول: ايتوني برجل شرب الخمر ثلاث مرات، فلكم عليّ أن أضرب عنقه.
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن سلام، قال: يمكث الناس بعد الدجال أربعين سنة تعمر الأسواق ويغرس النخل.
وقال الديلمي، أخبرنا أبي، أخبرنا أبو طالب الحسيني،/ حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد بن أبيّ، حدثنا جدي أبو عمرو، حدثنا أحمد بن إسماعيل العنبري، حدثنا علي بن الحسين الصنعاني، حدثنا يحيى بن محمد بن حسيس الأفريقي، حدثنا إسحاق بن القاسم، حدثني أبي، حدثنا عبد العزيز بن أبي روّاد عن نافع، عن ابن عمر، قال، قال رسول
стр. 350
الله ﷺ : (يوزن حبر العلماء ودم الشهداء) [١] .
قال الذهبي، في فضل العلم، حدثنا الحسن بن مهران الأصبهاني، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن القاسم الطرسوسي، حدثنا العباس بن الوليد، وعبد الأعلى بن حماد النرسي، قالا، حدثنا مهدي بن ميمون عن غالب، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال، قال رسول الله ﷺ : (يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء) [٢] ./
وقال الخطيب، أخبرنا الحسن بن أبي طالب، أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن العباس، حدثنا محمد بن الحسن العسكري، حدثنا العباس بن يزيد البحراني، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: (وزن حبر العلماء بدم الشهداء، فرجح عليهم) [٣] . قال الخطيب: رجاله كلهم ثقات، غير محمد بن الحسن.
وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية، أخبرنا ابن ناصر، أخبرنا محمد بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن الفضل، أخبرنا ابن مردويه، حدثنا عبد الله بن إبراهيم الجرجاني،/ حدثنا إبراهيم بن تومرد، حدثنا أحمد بن بهرام، حدثنا سهل بن عبد الكريم، عن يعقوب القمّي عن هارون بن عنترة عن الشعبي، قال: خطبنا النعمان بن بشير، فقال:
سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: (يوزن مداد العلماء مع دم الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء) [٤] . قال: هارون يروي المناكير، ويعقوب ضعيف.
وقال ابن النجار، أخبرنا يحيى بن الحسين الأواني، أخبرنا أبو المعالي ابن السمين، أخبرنا أبو الخطاب ابن البطر، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزقويه، حدثنا عثمان بن أحمد الدقاق، حدثنا محمد بن أحمد بن المهدي، حدثنا أبو عبد الرحمن الدرّاع، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، عن عبد الله بن يزيد الحبلي عن عبد الله بن عمرو/ بن العاص، قال، قال رسول الله ﷺ : (لو وزن مداد العلماء، ودم الشهداء، لرجح مداد العلماء على دم الشهداء) [٥] ، أخرجه ابن الجوزي في العلل، وقال: عبد الرحمن بن زياد يروي الموضوعات عن الثقات.
وقال أبو نعيم، حدثنا بندار، حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا محمد بن هبار بن عجلان، حدثنا إسماعيل بن أبي زياد، عن عبد الله بن عقبة، هو ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن يزيد بن عبد الله بن عمرويه.
стр. 351
وقال ابن عبد البر في كتاب العلم
قرأت على خلف بن القاسم، أن محمد بن إبراهيم بن عطية الحداد، حدثه حدثنا أحمد بن محمد بن موسى بن عيسى، حدثنا محمد بن عبد الله بن المستنير، حدثنا أبو عصمة بن النعمان البلخي، حدثنا إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي يونس القشيري، عن سماك بن حرب، عن أبي الدرداء، قال، قال رسول الله ﷺ : (يوزن يوم لقيامة مداد العلماء ودم الشهداء) [١] .
وقال الشيرازي في الألقاب: سمعت محمد بن عبد الواحد الخزاعي، يقول: سمعت أبا الحسين جراب محمد بن عبد الله بن القاسم الحارثي الرازي النحوي، يقول، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا عفان وشاذان وعارم أبو النعمان، قالوا، حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: (يوزن مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء) [٢] . قال الشيرازي: جراب كان كذابا.
وقال نعيم بن الهيصم في جزئه، سمعت بعض أصحابنا يقول: مداد طالب العلم لله عند الله كدم الشهداء. وقال ابن النجار: قرأت على أبي عبد الله أحمد بن محمد الخبزي، عن أبي طاهر الخضر بن الفضل بن عبد الواحد الصفّار،/ قال: كتب إليّ إسماعيل بن مسعدة الجرجاني، أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي، أخبرنا أبو إسحاق المؤدب الجرجاني، حدثنا أبو شافع الروياني الشاعر، حدثنا مجلل بن سليمان بن هاشم السامري، حدثنا أبو سعيد بن عبد الله الخوارزمي، حدثنا عصام بن الوليد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا هارون بن عبد الله، عن أبي عون، عن سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، قال: (إذا كان يوم القيامة يوزن دم الشهداء بمداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء) [٣] .
قال أبو الحسين الجزار [٤] : لما وقعت النار بالحرم النبوي: [الكامل]
стр. 352
شرفا بني العباس إنّ لنبيكم ... مجدا علا عن رتبة التشبيه [١]
رتب الخلافة أنتم أولى بها ... ما أجدر العباس بابن أخيه
فتداركوا حرم الرسول بهمّة ... عن كلّ صاحب نعمة تغنيه
لله في النار التي وقعت به ... سرّ عن العقلاء لا يخفيه
إذ ليس يبقى في حماه بقيّة ... ممّا بنته بنو أميّة فيه
وقال يمدح الظاهر بيبرس [٢] ، ويذكر طواف المحمل والنداء في الناس بالحج سنة أربع وستين وستمائة: [الوافر]
دعاك لنصرة البيت العتيق ... فأمكن من يحجّ له الطريق
ونادتك المشاعر واثقات ... فتمّ لها بهمّتك الوثوق
ومثلك من يغوث إذا استغاثت ... بهمّته وغيرك من يعوق
لقد أوسعت بيت الله برّا ... وكان من الملوك له عقوق
وقد أدنيت منه كلّ قاص ... يبيت وقلبه قلب مشوق
فما وجدت وجى في البيد سوق ... ولا قامت به للظلم سوق
وكم سمّوا مظالمه حقوقا ... وليس كذاك تلتمس الحقوق
لقد خفّفت فيه عن الرعايا ... وقد حملت به ما لا يطيق
وقمت مقام إبراهيم فيه ... فلم يبعد بك الفجّ العميق
وفي حرم الرسول فعلت أيضا ... من الحسنات أحسن ما يليق
لقد أثلجت صدر الحقّ حتى ... تلاشى وانطفى ذاك الحريق
وأمنّت البلاد وساكنيها ... فبعد اليوم لا عقّ العقيق
جزاك الله أحسن ما يجازي ... به ملك بمكّته شفيق
جميع زمانه أيام حج ... فلا رفث بهنّ ولا فسوق
وطاف المحمل البلدين يجلي ... على الأبصار منظره الأنيق
فكان به لأفئدة الأعادي ... وللرايات يومئذ حقوق
وجيشك للعجاج يثير ليلا ... لوجهك في دجنّته شروق [٣]
стр. 353
وصدرك لا يضيق بما حواه ... وإن كان الفضاء به يضيق
لقد نصر الهدى والحقّ ملك ... بأمر الدين والدنيا خليق
يفكّر بالمصالح لا صبوح ... له من دونهنّ ولا غبوق
وبين الظاهر السلطان فاعلم ... وبين سواه في هذا فروق
وفي الملك السعيد شمائل من ... أبيه وحسبك الأصل العريق
فداما للرعية ما تغنّي ... حمام وانثنى غصن وريق
قال البيهقي في سننه، حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم، وكيل المتقي ببغداد، حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن عمر الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما جمع رسول الله ﷺ ، بيت شعر قط إلا بيتا واحدا [١] : [الطويل]
تفاءل بما تهوى تكن فلقلّما ... يقال لشيء كان إلا تحقّق
قالت عائشة: ولم يقل (تحققا) لئلا يعربه فيصير شعرا. قال البيهقي: لم أكتبه إلا بهذا الإسناد، وفيهم من جهل حاله.
وقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ،/ أخبرني الحسين بن علي التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول، سمعت الشافعي يقول: اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين، فتكلما في الوقوف وما يحبسه الناس، قال يعقوب: هذا باطل، قال شريح: جاء محمد ﷺ باطلاق الحبس، فقال مالك [٢] : إنما جاء محمد ﷺ ، باطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائية [٣] ، فأما الوقوف فهذا، وقف عمر بن الخطاب حيث استأذن النبي ﷺ ، فقال: حبّس أصلها، وسبّل ثمرتها، وهذا وقف الزبير، فأعجب الخليفة ذلك.
وأخرج البيهقي في سننه، عن سلمان، قال: لم يكن أحد أعظم حرمة من رسول الله ﷺ ، كان أصحاب رسول الله ﷺ ، إذا كتبوا إليه، يكتبون: «من فلان إلى محمد رسول الله» ./
стр. 354
أنشد البيهقي في شعب الإيمان، لبعض أهل الأدب [١] : [البسيط]
إني وإن كان جمع المال يعجبني ... فليس يعدل عندي صحّة الجسد
المال زين وفي الأولاد مكرمة ... والسّقم ينسيك ذكر المال والولد
وقال ابن النجار [٢] ، أخبرنا أبو محمد بركات بن أبي غالب البناء، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي، أخبرنا أحمد بن الحسن المعدل وغيره، قالوا: أخبرنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدثنا أبو الفضل عيسى بن موسى بن أبي محمد بن المتوكل على الله، أخبرني أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان، حدثنا محمد بن عمران بن زياد الضبي، أخبرني محمد بن الحسين الجعفي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن جعفر عن ابن شهاب، قال: اجتمع في مسجد رسول الله ﷺ ، عمر بن الخطاب وعلي وجعفر ابنا أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، فذكروا المعروف، فقال علي: المعروف حصن من الحصون، وكنز من الكنوز، فلا يزهدنّك فيه كفر من كفره، فقد شكرك عليه من لم ينتفع منه بشيء، وقد يدرك بشكر الشاكر، ما أضاع الكفر الجاحد./ وقال جعفر: يا أهل المعروف إلى اصطناعه ما ليس الطالبين إليهم فيه، لأنك إذا اصطنعت معروفا، كان لك أجره وفخره، وسناؤه ومجده، فما بالك بطلب شكر ما أتيت لنفسك [٣] من غيره.
وقال العباس: المعروف أحصن الحصون، وأعظم الكنوز، ولن يتم إلا بثلاث: تعجيله، وستره، وتصغيره، لأنك إذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته.
وقال عمر بن الخطاب: لكل شيء أنف، وأنف المعروف سراحه، فخرج رسول الله ﷺ عليهم، فقال: فيم أنتم؟ قالوا: كنا نذكر المعروف، فقال: (المعروف كاسمه، وأهل المعروف في الدنيا، أهل المعروف في الآخرة) [٤] .
وأخرج ابن النجار من طريق محمد بن الحسين عن أبيه، قال: من قال حين يصبح سبع مرات: «حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم» لم يصبه ذلك اليوم، ولا تلك الليلة، ولا سلب ولا غرق.
وأخرج من طريق أبي الحسين سمعون، وأبي إسحاق الطبري، قالا: سمعنا جعفر بن محمد الخلدي يقول: كان لي خاتم ورثته عن أبي، فعبرت دجلة، فمددت يدي لأغرف من الماء، فسقط الفص فغمّني [٥] ، فذكرت حديثا روي عن رسول الله ﷺ ، أنه من قرأ هذه الآية على
стр. 355
شىء ضاع منه رده الله عليه، فقرأتها ويدي في الماء، فاذا الفص بين أصابعي، والآية: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
[١] ، اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إنك لا تخلف الميعاد، اجمع بيني وبين خاتمي، إنك على كل شيء قدير.
وأخرج من طريق عبيد الله بن محمد بن حفص العيشي، سمعت أبي يقول: لما قبض ولد العباس خزائن بني أمية، وجدوا سفطا مختوما ففتحوه، فاذا فيه رقّ مكتوب عليه:
«شفاء باذن الله» ففتح فاذا هو: «بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اسكن أيها الوجع، سكنت بالذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا باذنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم، باسم الله وبالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اسكن أيها الوجع،/ سكنت بالذي سكن له ما في الليل والنهار، وهو السميع العليم، بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اسكن أيها الوجع سكنت بالذي إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره، إن في ذلك لآيات لكلّ صبّار شكور، بسم الله، وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اسكن أيها الوجع، سكنت بالذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا، إن أمسكهما من أحد بعده، إنه كان حليما غفورا» . قال عبيد الله، قال أبي: فما احتجت بعده إلى علاج، ولا دواء، وقال لنا أبي: إن بني أمية أصابوه في ثقل الحسين ﵇.
في تاريخ ابن النجار، عن أبي نصر بن نباتة، قال: كنت قائلا في دهليز داري يوما، فدقّ عليّ الباب، فقلت: من؟ فقال: رجل من المشرق، فقلت: ما حاجتك؟ فقال:
أنت الذي تقول: [الطويل]
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والداء واحد
فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم، ومرّ، فلما كان آخر النهار دقّ عليّ الباب، فقلت: من؟ فقال: رجل من تاهرت [٢] من المغرب، فقلت: وما حاجتك؟ فقال:
أنت الذي تقول: (ومن لم يمت بالسيف) فذكر البيت، فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك؟
فقلت: نعم، فتعجبت، كيف وصل المشرق والمغرب./
وأخرج الطبراني عن عامر بن سعد، قال: كان سعد آخر المهاجرين وفاة، قال أحمد بن حنبل: توفي وهو ابن ثلاث وثمانين. وفي تفسير القرطبي في سورة البقرة، قال ابن العربي: حضرت بيت المقدس بمدرسة أبي عقبة الحنفي، والقاضي الريحاني يلقي