وقال ابن عبد البر في كتاب العلم
قرأت على خلف بن القاسم، أن محمد بن إبراهيم بن عطية الحداد، حدثه حدثنا أحمد بن محمد بن موسى بن عيسى، حدثنا محمد بن عبد الله بن المستنير، حدثنا أبو عصمة بن النعمان البلخي، حدثنا إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي يونس القشيري، عن سماك بن حرب، عن أبي الدرداء، قال، قال رسول الله ﷺ : (يوزن يوم لقيامة مداد العلماء ودم الشهداء) [١] .
وقال الشيرازي في الألقاب: سمعت محمد بن عبد الواحد الخزاعي، يقول: سمعت أبا الحسين جراب محمد بن عبد الله بن القاسم الحارثي الرازي النحوي، يقول، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا عفان وشاذان وعارم أبو النعمان، قالوا، حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس، عن النبي ﷺ ، قال: (يوزن مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء) [٢] . قال الشيرازي: جراب كان كذابا.
وقال نعيم بن الهيصم في جزئه، سمعت بعض أصحابنا يقول: مداد طالب العلم لله عند الله كدم الشهداء. وقال ابن النجار: قرأت على أبي عبد الله أحمد بن محمد الخبزي، عن أبي طاهر الخضر بن الفضل بن عبد الواحد الصفّار،/ قال: كتب إليّ إسماعيل بن مسعدة الجرجاني، أخبرنا حمزة بن يوسف السهمي، أخبرنا أبو إسحاق المؤدب الجرجاني، حدثنا أبو شافع الروياني الشاعر، حدثنا مجلل بن سليمان بن هاشم السامري، حدثنا أبو سعيد بن عبد الله الخوارزمي، حدثنا عصام بن الوليد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا هارون بن عبد الله، عن أبي عون، عن سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ ، قال: (إذا كان يوم القيامة يوزن دم الشهداء بمداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء) [٣] .
قال أبو الحسين الجزار [٤] : لما وقعت النار بالحرم النبوي: [الكامل]
стр. 352
شرفا بني العباس إنّ لنبيكم ... مجدا علا عن رتبة التشبيه [١]
رتب الخلافة أنتم أولى بها ... ما أجدر العباس بابن أخيه
فتداركوا حرم الرسول بهمّة ... عن كلّ صاحب نعمة تغنيه
لله في النار التي وقعت به ... سرّ عن العقلاء لا يخفيه
إذ ليس يبقى في حماه بقيّة ... ممّا بنته بنو أميّة فيه
وقال يمدح الظاهر بيبرس [٢] ، ويذكر طواف المحمل والنداء في الناس بالحج سنة أربع وستين وستمائة: [الوافر]
دعاك لنصرة البيت العتيق ... فأمكن من يحجّ له الطريق
ونادتك المشاعر واثقات ... فتمّ لها بهمّتك الوثوق
ومثلك من يغوث إذا استغاثت ... بهمّته وغيرك من يعوق
لقد أوسعت بيت الله برّا ... وكان من الملوك له عقوق
وقد أدنيت منه كلّ قاص ... يبيت وقلبه قلب مشوق
فما وجدت وجى في البيد سوق ... ولا قامت به للظلم سوق
وكم سمّوا مظالمه حقوقا ... وليس كذاك تلتمس الحقوق
لقد خفّفت فيه عن الرعايا ... وقد حملت به ما لا يطيق
وقمت مقام إبراهيم فيه ... فلم يبعد بك الفجّ العميق
وفي حرم الرسول فعلت أيضا ... من الحسنات أحسن ما يليق
لقد أثلجت صدر الحقّ حتى ... تلاشى وانطفى ذاك الحريق
وأمنّت البلاد وساكنيها ... فبعد اليوم لا عقّ العقيق
جزاك الله أحسن ما يجازي ... به ملك بمكّته شفيق
جميع زمانه أيام حج ... فلا رفث بهنّ ولا فسوق
وطاف المحمل البلدين يجلي ... على الأبصار منظره الأنيق
فكان به لأفئدة الأعادي ... وللرايات يومئذ حقوق
وجيشك للعجاج يثير ليلا ... لوجهك في دجنّته شروق [٣]
стр. 353
وصدرك لا يضيق بما حواه ... وإن كان الفضاء به يضيق
لقد نصر الهدى والحقّ ملك ... بأمر الدين والدنيا خليق
يفكّر بالمصالح لا صبوح ... له من دونهنّ ولا غبوق
وبين الظاهر السلطان فاعلم ... وبين سواه في هذا فروق
وفي الملك السعيد شمائل من ... أبيه وحسبك الأصل العريق
فداما للرعية ما تغنّي ... حمام وانثنى غصن وريق
قال البيهقي في سننه، حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم، وكيل المتقي ببغداد، حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن عمر الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما جمع رسول الله ﷺ ، بيت شعر قط إلا بيتا واحدا [١] : [الطويل]
تفاءل بما تهوى تكن فلقلّما ... يقال لشيء كان إلا تحقّق
قالت عائشة: ولم يقل (تحققا) لئلا يعربه فيصير شعرا. قال البيهقي: لم أكتبه إلا بهذا الإسناد، وفيهم من جهل حاله.
وقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ،/ أخبرني الحسين بن علي التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول، سمعت الشافعي يقول: اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين، فتكلما في الوقوف وما يحبسه الناس، قال يعقوب: هذا باطل، قال شريح: جاء محمد ﷺ باطلاق الحبس، فقال مالك [٢] : إنما جاء محمد ﷺ ، باطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة والسائية [٣] ، فأما الوقوف فهذا، وقف عمر بن الخطاب حيث استأذن النبي ﷺ ، فقال: حبّس أصلها، وسبّل ثمرتها، وهذا وقف الزبير، فأعجب الخليفة ذلك.
وأخرج البيهقي في سننه، عن سلمان، قال: لم يكن أحد أعظم حرمة من رسول الله ﷺ ، كان أصحاب رسول الله ﷺ ، إذا كتبوا إليه، يكتبون: «من فلان إلى محمد رسول الله» ./
стр. 354
أنشد البيهقي في شعب الإيمان، لبعض أهل الأدب [١] : [البسيط]
إني وإن كان جمع المال يعجبني ... فليس يعدل عندي صحّة الجسد
المال زين وفي الأولاد مكرمة ... والسّقم ينسيك ذكر المال والولد
وقال ابن النجار [٢] ، أخبرنا أبو محمد بركات بن أبي غالب البناء، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي، أخبرنا أحمد بن الحسن المعدل وغيره، قالوا: أخبرنا الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدثنا أبو الفضل عيسى بن موسى بن أبي محمد بن المتوكل على الله، أخبرني أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان، حدثنا محمد بن عمران بن زياد الضبي، أخبرني محمد بن الحسين الجعفي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن جعفر عن ابن شهاب، قال: اجتمع في مسجد رسول الله ﷺ ، عمر بن الخطاب وعلي وجعفر ابنا أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، فذكروا المعروف، فقال علي: المعروف حصن من الحصون، وكنز من الكنوز، فلا يزهدنّك فيه كفر من كفره، فقد شكرك عليه من لم ينتفع منه بشيء، وقد يدرك بشكر الشاكر، ما أضاع الكفر الجاحد./ وقال جعفر: يا أهل المعروف إلى اصطناعه ما ليس الطالبين إليهم فيه، لأنك إذا اصطنعت معروفا، كان لك أجره وفخره، وسناؤه ومجده، فما بالك بطلب شكر ما أتيت لنفسك [٣] من غيره.
وقال العباس: المعروف أحصن الحصون، وأعظم الكنوز، ولن يتم إلا بثلاث: تعجيله، وستره، وتصغيره، لأنك إذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته أتممته.
وقال عمر بن الخطاب: لكل شيء أنف، وأنف المعروف سراحه، فخرج رسول الله ﷺ عليهم، فقال: فيم أنتم؟ قالوا: كنا نذكر المعروف، فقال: (المعروف كاسمه، وأهل المعروف في الدنيا، أهل المعروف في الآخرة) [٤] .
وأخرج ابن النجار من طريق محمد بن الحسين عن أبيه، قال: من قال حين يصبح سبع مرات: «حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم» لم يصبه ذلك اليوم، ولا تلك الليلة، ولا سلب ولا غرق.
وأخرج من طريق أبي الحسين سمعون، وأبي إسحاق الطبري، قالا: سمعنا جعفر بن محمد الخلدي يقول: كان لي خاتم ورثته عن أبي، فعبرت دجلة، فمددت يدي لأغرف من الماء، فسقط الفص فغمّني [٥] ، فذكرت حديثا روي عن رسول الله ﷺ ، أنه من قرأ هذه الآية على
стр. 355
شىء ضاع منه رده الله عليه، فقرأتها ويدي في الماء، فاذا الفص بين أصابعي، والآية: رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ
[١] ، اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إنك لا تخلف الميعاد، اجمع بيني وبين خاتمي، إنك على كل شيء قدير.
وأخرج من طريق عبيد الله بن محمد بن حفص العيشي، سمعت أبي يقول: لما قبض ولد العباس خزائن بني أمية، وجدوا سفطا مختوما ففتحوه، فاذا فيه رقّ مكتوب عليه:
«شفاء باذن الله» ففتح فاذا هو: «بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اسكن أيها الوجع، سكنت بالذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا باذنه، إن الله بالناس لرؤوف رحيم، باسم الله وبالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اسكن أيها الوجع،/ سكنت بالذي سكن له ما في الليل والنهار، وهو السميع العليم، بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اسكن أيها الوجع سكنت بالذي إن يشأ يسكن الرياح فيظللن رواكد على ظهره، إن في ذلك لآيات لكلّ صبّار شكور، بسم الله، وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اسكن أيها الوجع، سكنت بالذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا، إن أمسكهما من أحد بعده، إنه كان حليما غفورا» . قال عبيد الله، قال أبي: فما احتجت بعده إلى علاج، ولا دواء، وقال لنا أبي: إن بني أمية أصابوه في ثقل الحسين ﵇.
في تاريخ ابن النجار، عن أبي نصر بن نباتة، قال: كنت قائلا في دهليز داري يوما، فدقّ عليّ الباب، فقلت: من؟ فقال: رجل من المشرق، فقلت: ما حاجتك؟ فقال:
أنت الذي تقول: [الطويل]
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والداء واحد
فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك؟ فقلت: نعم، ومرّ، فلما كان آخر النهار دقّ عليّ الباب، فقلت: من؟ فقال: رجل من تاهرت [٢] من المغرب، فقلت: وما حاجتك؟ فقال:
أنت الذي تقول: (ومن لم يمت بالسيف) فذكر البيت، فقلت: نعم، فقال: أرويه عنك؟
فقلت: نعم، فتعجبت، كيف وصل المشرق والمغرب./
وأخرج الطبراني عن عامر بن سعد، قال: كان سعد آخر المهاجرين وفاة، قال أحمد بن حنبل: توفي وهو ابن ثلاث وثمانين. وفي تفسير القرطبي في سورة البقرة، قال ابن العربي: حضرت بيت المقدس بمدرسة أبي عقبة الحنفي، والقاضي الريحاني يلقي
стр. 356
الدرس يوم الجمعة، إذ دخل علينا رجل بهيّ المنظر، على ظهره أطمار، فسلم سلام العلماء، وتصدر في صدر المجلس، فقال له الزنجاني: من السيد؟ فقال: رجل سلبه الشيطان، وكان مقصدي هذا الحرم، وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم، فقال الزنجاني: سلوه عن مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم، هل يقتل أم لا؟ فأفتى بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل، فقال: قوله تعالى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ
[١] ، قريء: (ولا تقتلوهم) ، (ولا تقاتلوهم) ، فان قريء: (ولا تقتلوهم) ، فالمسألة نص، وإن قريء: (ولا تقاتلوهم) ، فهو تنبيه، لأنه إذا نهي عن القتال الذي هو أخف من القتل، كان دليلا ظاهرا على النهي عن القتل، فاعترض الزنجاني، فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
[٢] ، فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فان هذه الآية التي اعترضت بها عامة في الأماكن، والتي احتججت بها خاصة، ولا يجوز لأحد أن يقول: إن العام ينسخ الخاص، فأبهت القاضي الزنجاني، وهذا من بديع الكلام.
بعضهم: [الخفيف]
زعموا أنّني قصير لعمري ... ما تكال الرجال بالقفزان
إنّما المرء باللسان وبالقل ... ب وهذا قلبي وهذا لساني
آخر: [المنسرح]
في كل يوم يريك فائدة ... أحسن منها ما تستفيد غدا
ومن تكن هذه خلائقه ... فأنت في نعمة أبدا [٣]
أبو عبد الله محمد بن الصفار [٤] : [السريع]
لا تحسب الناس سواء متى ... ما اشتبهوا فالناس أطوار
وانظر إلى الأحجار في بعضها ... ماء وبعض ضمنها نار [٥]
стр. 357
موسى بن سعيد [١] : [الطويل]
أيا قاصدا بحرا من الوزن غص على ... جواهره فالبحر فيه الجواهر
إذا أنت لم تشعر لمعنى تثيره ... فقل أنا وزّان وما أنا شاعر
أبو الحسن علي بن معاوية الطرياني [٢] ، ملغزا في النهر: [الطويل]
وخلّ صفاء زرته فوددته ... وشخصي منه في الضمير مصوّرا
وأودعته سرّا فأبداه للورى ... فيا حسن ما أبدى الغداة وأظهرا
سطيح له جسم بغير جوارح ... يباري الرياح الخارقات إذا جرى [٣]
أبوه حليف للثريّا وأمّه ... به حامل في بطن منخفض الثرى
يضمّ عليه الريح ثوبا مفرّكا ... ويكسوه شهب الليل ثوبا مدنّرا [٤]
في الصاغرة [٥] : [المنسرح]
يا سيدا لم تزل أوامره ... فرضا على العبد فهي تمتثل [٦]
هل لك عند المساء في أمة ... بيضاء حمراء ما بها خجل
تأبى وصال النساء مذ خلقت ... لكنها بالرجال تتّصل
إن يدنها بات وهي صاغرة ... أو يقصها لا يغيظها الملل [٧]
стр. 358
تنكحها كلما أردت فلا ... يضجرها منك ذلك العمل
تحبل في ليلها فان تركت ... إلى غد زال ذلك الحبل
وهي إن فتّشت فلا دبر ... توطأ فيه ولا لها قبل
ففسّر الآن ما رمزت ولا ... تطمع بخرعوبة لها كفل [١]
في النهر: [مجزوء الكامل]
انظر إلى النهر الذي ... زالت بمنظره الهموم
والشمس تصقل ثوبه ... لمّا يفرّقه النسيم [٢]
بعضهم: [الرمل]
ادفع الهمّ إذا ما طرقك ... وكل الأمر إلى من خلقك
وإذا أمّل قوم أحدا ... فإلى ربّك فامدد عنقك
[حديث أم زرع]
قال الأستاذ العارف بالله أبو الحسن علي بن وفا الشاذلي [٣] ، نفعنا الله به [٤] :
بسم الله الرحمن الرحيم، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، جالست ليلة قرّة عين القوم، ومن لا تأخذ جليسه سنة ولا نوم، روح الأمر القرآني، وجامع السبع المثاني، فآنسني في غربة السلوب، بما كشف لي من حقائق الإمكان والوجوب، وسامرني بقصص الأبد والأزل [٥] ، فأتاني بالعجب العجاب فيما نقل، وكان فيما تلا من المعاني بلسان بيانه الرحماني، تلويح صاحب الشرع، بما في حديث أم زرع، فقال وهو الثقة فيما ذكر، والمخبر عن العيان لا عن الخبر: إن النفوس الممنوحة بالتمكين، فرش العقول المجردة، عن غلبات التكوين، وهي ست كالجهات لصور التجليات في الحضرات العليات، والنفوس المحجوبات عن رؤية الغيب بحجاب
стр. 359
التعيّن الموقوفة عن النفوذ، من أقطار الكيان في رحلة التلون، فرش العقول [١] النظرية المعقولة بالقيود الجبرية، والحدود الفكرية، وقد حجبت عن شهود حقائق القدس، بقياس الغيوب على شواهد الحس، وهن على عدد الحواس الخمس، وقد أشار إلى الكل بلسان الشرع، بما في حديث أم زرع [٢] ، فهن إحدى عشرة امرأة، امرأة نفسانية، لأرواح العقول الإنسانية، جلسن في حضرة الكشف المطلع على عوالم النور، فتعاهدن بأيدي الظهور، وتعاقدن بكشف الستور، أن لا يكتمن عن بصيرته الناقدة، من أخبار أزواجهن شيئا في ذكره فائدة.
الأولى: هي النفس المستكبرة، المصروفة المنكرة، التي غلبت بوهمها/ على همّة قوم، فجاؤوا ظلما وزورا، واستكبروا في أنفسهم، وعتوا عتوّا كبيرا، وهذه أصعب النفوس المتلونة قيادا، وأبعدها حضورا، وأعظمها عنادا، وأشدها نفورا، تصول صولة أهل الدولة والرياش، وتتهافت على الرذائل تهافت الفراش، وتقول بلسان الدعاوي: أنا الشمس والقمر، فاذا بدا ما عندها من المساوئ، عسعس الغيهب واعتكر، فشتان بين سوء المخبر، وحسن الخبر، وتتشبه بزخارف الأقوال لأحوال أهل المشاهد، وريش الطواويس، لا يلتبس بشوك القنافذ، وصاحب هذه النفس، إذا لوحظ بعين الامداد، وجذبته العناية بأزمة السداد، أهزل من أنفتها ما كان سمينا، وحقّر من افتخارها [٣] ما كان ثمينا، وأفردها من الرياضة في جبل صعب المسالك، بعيد الذرى والمدارك [٤] ، ليس لعشاق الرياسة له من سبيل، ولا للهمم الدنية عليه تعويل، فاذا ذلت نفسه لعزّ الحق ودالت، كان كما أخبرت وقالت:
«زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعث» [٥] ، قد أهزل حمل أعباء التواضع شحم كبره، وذاب فخ عظم تعاظمه بنور ذكره، وسكن من جبل الرياضة والخمول، في ذروة يصعب إليها الوصول، لا الجبل سهل فيرتقى، ولا اللحم سمين فينتقى.
الثانية: هي النفس المدسوسة المتلونة في الأخلاق المعكوسة، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
[٦] ، وتركها منقلبة في مهاوي هواها، ولدتها عوائد الأوضاع، في مشئمة الطباع، ووأدتها الأكيان والأشكال، ودسّتها في متربة الوهم والخيال، فلا حياة إلا برضاع ثدي
стр. 360
الذّكر والاعتزال، والعظائم عن خلط أهل المراء، وخبط أهل الجدال، حتى تعود إليها روح الفطرة، وتذهب عنها فترة الغمرة، فحينئذ إن سئلت عن أحوال العامل على نفخ روح الفتح فيها، المانع لها من مسرح دعاويها، المراعي لها في جميع مراعيها،/ فتى رعت في سميّاتها المزهرة، روّعتها أشد الروع وأقهره، قالت: زوجي لا أبثّ بلسان الرياء، والسمعة خبره، إني أخاف من سطوة محاسبته [١] ، وتمكن همّته أن لا أذره، أن أذكره بلسان شكوى التقصير، أذكر عجره وبجره [٢] ، فهو بذلك يحبّ أن أذكره.
الثالثة [٣] : نفس أمّارة، منفعلة للخواطر المارّة، وهي مسقط رأس القرنين، ومجمع جيوش الوصل والبين، إن تغلّب عليها القرين الجاني، وهو الهوى الشهواني، غرس فيها رذائل الأخلاق أشجار الزقوم [٤] ، وأجرى لها من نقائص الأعمال بحار اليحموم، وألبسها من المجانسة الخلقية [٥] ، تارة جلد كلب، وتارة جلد حمار، وبنى قصور تقصيرها من هاوية الهوى على جرف هار،/ وإن تبوأها القرين الروحاني، وهو نور البيان الإنساني، أرغد غذاء قلبها من طيب ثمر المعاني، وروّق شراب أغصانها من العمل الرضواني، وألبسها من نسج الفضائل الخلقية حللا سندسية وإستبرقية، وجعلها حرما آمنا لمن فزع من جهله وذنوبه، وتجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدن علّام غيوبه [٦] ، فأشجار كلماته الطيبة لا تخبط ولا تقطع، وطائر وارداته لا ينفّر ولا يروّع، وصاحب هذه إن رحم سلك علوّ منهاج الحذر من غوائلها، وتذرّع باليقظة من سهام دسائسها، أن يقع في مقاتلها [٧] ، كلما أحسن رأى أنه مقصر، فكيف إذا وجب عليه أن يستغفر، نفسه تحت طول همّته مقهورة بالتأييد، فخواطرها الخاطفة من سطوة مراقبته لا تبدي معه ولا تعيد، هو العشق الذي طالت قامة استقامته [٨] العبدانية، واتسعت أقطار صورته
стр. 361
الروحانية، وإن نطقت ألسن شهوات/ نفسه طلّقها، وإن سكنت نواطق همّتها علّقها، وإذا أنفق ذخائر قوته في العبادة وفرقها، شكى إلى الله شحّ نفسه، فانه ما أنفقها، وهو الذي قالت عنه: «زوجي العشنّق، إن أنطق بلسان الشهوة أطلّق، أو أسكت سكوت فترة أعلّق» .
الرابعة [١] : نفس مطمئنة، مؤيدة بالرضا، ممنوحة بالمنة، راسخة القدم في مشاهد القدم، قد رفعت حجاب الكشائف الخلقية، حتى شهدت اللطائف الحفيّة، وعرفت سرائر أسرار الربوبية، في مظاهر أطوار العبودية، فرجعت في كل حال إلى الله، وتلقت كل واقعة من الله فهي راضية في كل مشهد، بالله مرضية في كل حضرة لله، وصاحب هذه هو عارف الوقت، المحفوظ من السلب بالقبول في الوقت، وقد أخمد ببرد الرضا حرارة الانتقام، وبلوغه الشوق نفى قرّ المهابة والإحجام، وبمحض التسليم، أمن قواطع القرب، وبسلامة الذوق فارق الملل من الشرب، فهو كما/ قالت: «زوجي كليل تهامة، لا حرّ ولا قرّ، ولا مخافة ولا سآمة، والغيث غيث غمامة» .
الخامسة: نفس مشتراة من المملكة البشرية، محفوفة بالمكنة من المملكة السريّة، قيل في شأنها بلسان المنة: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[٢] ، نفس جاهدت فغنمت، شاهدت فنعمت، وقتلت بصفاء الزهد شيطانها، وقبلت بوفاء العهد سلطانها، وصاحب هذه إمام وصل الفتح لواحي سياداته [٣] بسوابق إراداته، وقطع العزم علائق الحسيّة بسيف الحزم في مجاهداته، فاستبشر عند محق الخيال من حقائق الجمال بأكمل لذّاته، وأتاه مدد السمع والبصر والروح بانجاز عداته، ووجد ما وعد من صدق الكليم، والحي والشهيد حقا/ في مشاهداته، فهو كما قالت: حظيرة حضراته السنية، زوجي إن دخل حضرة المشاهدة العلمية فهو بتنادم الأنية، وإن خرج لميدان فرسان المجاهدة العملية أسد باخلاص العزم والنية، ولا تسأل عمّا عهد من حسن فعله وقوله، لصدق تبرّيه من قوته وحوله.
السادسة: نفس لوّامة متلونة على صور الحظوظ اللامّة، لا يزال شأنها الملل في كل علم وعمل، كلما حصلت على مطلوب نشأ لها حظ وأمل، فهي أبدا في شكاية ووجل، وكآبة أنشأتها الرغبة في الغاية والضجر مما حصل، فصاحب هذه إن وقف على باب مولاه، حتى فتح له وآواه، وأحضرته حضرة مناجاته، أو منحه رؤياه، وأجلسه على موائد/ مدده
стр. 362
وهواه، وأورده مشاهد رضاه وتقواه، صار كما قالت: «زوجي إن أكل من ثمرات شكره لفّ، وإن شرب من كأس سكره اشتفّ، وإن اضطجع على فراش المؤانسة التفّ، بالحياء والأدب احتفّ، ولا يدخل في جيب نفسه كف الترخص في المعاملات، ليعلم ما عندها من البثّ على فوات الشهوات» [١] .
السابعة: النفس السوّالة، ذات الدسائس القتّالة، تزخرف المهالك الفواتك، بحلى الفضائل والمناسك، فتسقي نديمها السمّ في العسل، كما سوّلت للسامري [٢] فعله الذي فعل، هي مستدرجة بعلوم النظر، محجوبة عن المؤثر بالأثر، محبوسة السمع والبصر، في سجن القياس والفكر، لا دواء لدائها العياياء، إلا إذلالها بين معظميها من البرايا، وتنقيصها وإن أتت بكل المزايا، فاذا تحلّى صاحبها بحلى المستضعفين حتى كسر قواها، وطبق بقدم الصدق على منافس هواها، ورأى به جميع الأدواء من معايبها وبلاها، فأوسع بذلك تبكيتها وجفاها، وشجّ رأس رياستها بالذل والخمول، وفك مواسك إفكها بالردّ وعدم القبول، تململت منه تململ الملوك في البلوى،/ وقالت في مجالس النجوى، بلسان الخضوع والشكوى: «زوجي عياياء [٣] بداء العضال، طباقاء عليّ بكلكل أدواء الأعمال، وكل داء له دواء، فهو يتعاطى أنواع الدواء، ومتى أبيت الشراب، أو سئمت الحمية كعادة المصاب، شجك أو فلّك أو جمع كلالك» .
الثامنة: نفس زاكية بمكنة تقواها، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
[٤] ، قد أشرقت شمس حقيقتها الفعلية، فغدا نور فاعلها ضحاها، وتلألأ قمر قبولها الفطري، فتمّت كلمتها بظهور معناها، وهجم نهار توحيدها على ظلم صور الأسباب فجلاها، وسكنت إلى الله تعالى بخمود حركات الحظوظ، فلم تزل آمنات الإيجاد بمحو المنازعة تغشاها، وصاحب هذه ملهم البصيرة، طاهر الظاهر والسريرة، رفع عن المصور حجاب الصورة، فشهد الله في كل مشهد مولاه ونصيره،/ قد أنعم بالتفويض والسكينة خشونة الطباع والأخلاق، وامتزج مزاجه بنفحات الرحمة، فطابت بأنفاس معارفه وعوارفه جميع الآفات، فلو مسست بيد التأييد ديباجة وسمه الوسيم، وتنشقت نسمات أوراده وداراته، بادراك
стр. 363
القلب السليم، لوجدته كما قالت حليلة وجهه الفهيم: «زوجي المسّ مسّ أرنب، والريح ريح زرنب» [١] .
التاسعة: نفس ذاكرة، بلسان شهود المسمّى في معرفة أسمائه الشريفة، ولم تترك مكنة التجلي تنادي صاحبها في كل لطيفة، وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً
[٢] ، فهي من بيوت، أذن الله أن ترفع عن ملابسة الحوادث، ويذكر فيها اسمه، من غير ثان ولا ثالث، ونفس حررت ميزان خوفها ورجاها، وجاوزت الأطراف، ففازت من الوسيطة بمنتهاها، شهدت معناها فرامت بلوغ مناها، وعلمت أن لا حول ولا قوة إلا بمولاها، فخرجت عن تحيل حولها وقواها، وخشعت حوادث نواهيها، فوعت كلام مناجيها، وحميت من هواها، كما حفظت من مهاويها، فنشقت أنفاس الرحمة من جميع نواحيها، وصاحب هذه هو الذاكر على الحقيقة والعيان، المحفوظ من الغفلة والنسيان، الموهوب أفضل ما يعطى السائلون من الأماني والأمان، ظاهره بالجلال في الشرع مضبوط، وباطنه بالجمال في الجمع مبسوط، ثبت أصل شجرته، وطال فرع سدرته، كلما هزت فكرته بيد الرياضة جذع عبرته،/ تساقط من روض الرضا جني ثمرته، واستغرقته لذة ذوقه عن زهارة زهر حضرته، ولم يدع له استقبال قبلة القبول أربا دون محبوبه يرتضيه، ولا طلبا غيره يفرح بتقاضيه، فلا صدق توجهه التوحيدي في كل مقام بلسان الدهش والاصطلام، تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[٣] ، فمتى سئلت حليلته عن نعته قالت بلسان حفظ كمال وقته [٤] : «زوجي رفيع عماد التوحيد والعلل، طويل نجاد الهمّة المقدسة عن الملل، عظيم رماد الأحشاء المحترقة بالشوق لمن بين يديه لم يزل، قريب بيت الفتوة من النادي، سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
» [٥] ./
العاشرة: هي نفس مملوكة بأصل الوضع، ذات المكنة في عوالم السمع، هي التي اصطنعت للنفس العلمية، وصنعت على عينها الحكمية، تولدت عن قوة التلقي والإلهام، وعلى صورة ما تجلّى به عليها ذو الجلال والإكرام، فلما شبّت على صورة الأصل، قيل لقوامها من خلف حجاب الوصل، لا تخف نجوت من الفصل، ولما دعيت لكشف القناع من حضرة السماع، فدس من خشاش الشواغل واديها، وخلع قدم صدقها نعل
стр. 364
الكيف والأين عند طروق ناديها، تنزيها وإجلالا، لمقعد صدق مناجيها، وسترت ببرقع الصعق والدك وجوه الغيرية وناديها، فقال لها: قد بلغت المنى، إني أنا، وقيل لصاحبها إني اصطفيتك، فخذ ما أتيتك، حين جاهد في الله حقّ جهاده، بخروجه لمراد الله عن مراده، وأناله الله منالا فوق الأمل، وأقامه مقاما لا يبلغ بالعمل،/ فكلّ أيامه طيب وطرب، وسائر لياليه قرب وقرب، وجميع أحواله دنوّ وأدب، متى طلب منه شكران شهوده القدسي، قال بلسان التجريد عن العالم الحسي: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي
[١] ، فهو في عجزه معروف بالقوة الباهرة، وفي فقره موصوف باسباغ النعم الباطنة والظاهرة، كما قالت العاشرة: «زوجي مالك الروحانيات، فما مالك الجسمانيات، من هو مالك للملكات الفواتك، هو خير من ذلك، له إبل ملاحظات تحمل المنقطعين إلى مراتب، ما كان لهم أن يبلغوها ألا بشقّ النفوس، قليلات المسارح في العالم المحسوس، كثيرات المبارك من البصائر النافذة بها إلى الملك القدوس، إذا سمعن صوت مزهر أبي أنا قد اقترب، أيقن أنهن هوالك من الطرب» [٢] .
الحادية عشرة [٣] : النفس العلمية أم زرع الكمالات، وكتاب التفصيل والإجمالات، صحيفة المعاني اللاهوتية، المحمولة على عروش الناسوتية،/ وهي التي تعرّت جلابيب النسب والإضافات، وألبسته خلع أسرار الصفات العلميات، وكشف دونها حجاب حضرة الذات، فتحجبت بنور عزة الوحدة، عن غواشي أعين الشتات، وصاحب هذه في كل زمان، واحد الأعيان، وروح الأكوان، وميسر البيان، عن علم الرحمن، هو الفؤاد الذي رأي ما لا يرى، ليس في ذلك شك ولا مرى، المضروب في الإنجيل مثل ذرية الروحانيين في عالم الطباع، كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ
[٤] ، وهذه النفس لا تألف غيره، ولا تعرف سواه، ولا تعشق على كل حال إلا إياه، فهو ريحانة روحها، وحبّة قلبها، وقرّة عينها، ومنبت لبّها، والممنوح منها يصدق حبها، في حين بعدها، وحال قربها، متى استوصفه منها عقل سليم،/ قالت بلسان الخلق العظيم: «زوجي أبو زرع، حبة حبات القلوب، فما أبو زرع إلا
стр. 365
حضرة علام الغيوب، أناس من حلي الوحي الذاتي أذنيّ وهي القوة العلمية، وملأ من شحم التأييد الصفات عضديّ، وهو القوة العملية، ويحجبني بالمحبة، فتحجب به إلى نفسي، وهي صورتي الكلية، وجدني في غنيمة أهل الآثار، بشق الاستدلال، فجعلني في صهيل السبق، وأطيط [١] الاستواء ودايس التلاع، ومنقى الكمال، فعنده أقول بالقول الصادع، فلا أقبح بالرد، وأرقد رقدة الرضا، فأتصبح بالأمان من الصد، وآكل من جنى ثمرات الكمال، فأتمنح [٢] لمن تقرب واستعد، وأشرب من رؤية العين بالعين، فأتقمّح [٣] عن صور المشاهدة، بما من الغيب أشهد.
أم أبي زرع، كلمة ذات العليم الفتاح، فما أم أبي زرع إلا روح الأقلام، وحياة الألواح، عكومها رداح، وهي قوابلها الملآنة بقوت الأرواح، وبيتها فساح، وهو صدر للحقائق ذو انشراح، حيث يسكن لرحمته أهل الصلاح، ويستجير بشفاعته أهل الجناح، ولا جناح، ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع، هو الذوق السليم المتولد عن فكره الواضح الحكيم، وعقله الواسع العليم، مضجعه من الفهم الماضي، كمسلّ شطبه، لرقة حواشيه، بمجالسة الأحبة، وتشبعه ذراع الجفرة، لوجود مطلوبه في كل ذرّة، وترويه فيقة اليعرة [٤] ، لرضاه من اتباعه بالتسليم لأول مرة، بنت أبي زرع زوج تحلت بحلاه، فما بنت أبي زرع إلا محل جنابه وولاه، لم تزل بالتسليم والإرشاد، والتغذية من لطائف الأشهاد،/ وحسن النظر في حفظ نضارتها طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها، جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع، وهي القوة البشرية الخادمة للقوة الآمرية، لا تبث حديثنا بالدعاوى تثبيتا، ولا إيتاء الحكمة لغير أهلها، تنقث ميرتنا تنقيثا [٥] ، ولا من العوارض الحسية تملأ بيتنا الفكري تعشيشا.
خرج أبو زرع من حكم الناسوت ليلة الإسراء، إلى أن كان من كل لاهوت، بحيث يسمع ويرى، وأوطأت المشاهد تمخض بيد البيان، لتخرج له من درّ العلم زبدة العيان، فلقي امرأة، وهي حالة السلوب، الواجبة في حضرة الوجوب، معها ولدان لها كالفهدين، هما الطمأنينة والسكينة، اللذين يلعبان من تحت خصر التوسط، في الحلم والتجريد،
стр. 366
برمانتين هما: الشهوة والغضب، أعني الحيوانيتين، فطلقني ونكحها، وجعل المهر محو الثبوت، فما كان لنفس أن ترى الله حتى تموت، فتزوجت بعده بالاشراق في صدر مريده، رجلا سريّا، ركب من الصديقية السابقة شريا، واعتقل من حسن التبعية لطعن الخطوط خطيا، وأراح عليّ من فضائله الخلقية نعما ثريا، وأعطاني بصحة إدراك أنفاس الرحمانية، من كل رائحة زوجا عينيا وأثريا، وقال: كلي أم زرع واسرحي من جنان الفهوم حيث تريدي، وميري أهلك العاشقين، وعلى الطالبين جودي، فلو جمعت كلّ شيء أعطانيه، ما بلغ أصغر آنية أبي زرع، لأن قوة الأصل لا تدانيها قوة الفرع./
قال لعائشة ﵂ صاحب الشرع: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) [١] ، صلى الله عليه وعلى آله بلا نهاية أبدا في مظهر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
[تم حديث النسوة التي أخبرن عن أحوال أزواجهن]
في التنوير لابن دحية
[٢] شهد أعرابي دفن رسول الله ﷺ ، فقال [٣] : [البسيط]
هلّا دفنتم رسول الله في سفط ... من الألوّة ملبسا ذهبا
أو في سحيق من المسك الذكيّ ولم ... ترضوا لجنب رسول الله متّربا
خير البريّة أتقاها وأكرمها ... عند الإله إذا ما ينسبون أبا
فقال له أبو بكر: إني لأرجو أن يغفر الله لك بما قلت، إلا أنّ هذه سنّتنا.
قال ابن دحية في التنوير، قال الهمداني [٤] في كتاب الإكليل: العرب على سبع
стр. 367
طبقات، شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، وحبل، وفصيلة، قالوا، مضر:
شعب، وكنانة: قبيلة، وقريش: عمارة، وفهر: بطن، وقصي: فخذ، وهاشم:
حبل، وآل العباس: فصيلة، والشعب والحي بمعنى.
قال أهل النسب: فالشعب الجماهير والجراثيم التي تفرقت منها العرب، ثم تفرقت القبائل من الشعوب، ثم تفرقت العمائر من القبائل، ثم تفرقت البطون من العمائر، ثم تفرقت الأفخاذ من البطون، ثم تفرقت الفصائل من الأفخاذ، وليس دون الفصائل شيء.
في بعض المجاميع: اجتمع أبو حامد الغزالي، بأبي الفرج الفقيه الصقلي، وكان قد رد عليه ونسبه إلى الزندقة، قال له: يا هذا، في هذه السنة أتحاكم أنا وأنت بين يدي الله تعالى، فماتا فيها جميعا.
بعضهم [١] : [الكامل]
وإذا رأيت عجيبة فاصبر لها ... فالدهر قد يأتي بما هو أعجب
فلقد أراني والأسود تخافني ... فأخافني من بعد ذاك الثعلب
آخر: [الطويل]
لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي ... مصائب هذا الدهر أم كيف يحذر
نرى الشيء مما نتقي فنخافه ... وما لا نرى مما يقي الله أكثر
في بعض المجاميع قال إفلاطون: إن الله تعالى بقدر ما يعطي من الحكمة يمنع من الرزق. قال صاحب المجموع، قال أبو سليمان: لأن العلم والمال كضرتين، قلّما يجتمعان ويصطحبان./
بعضهم: [الطويل]
وللناس في الوسطى خلاف وحصره ... بسبعة أقوال يضاف لها عشر
فخذ خمسة منها لإفراد عشرها ... وسادس كلّ الخمس قول له ذكر [٢]
وبالجمعة الغرّاء سبع وثامن ... صلاة جماعات وتاسعها الوتر
وعاشرها مكتوبة لا يعينها ... وقيل هي الصبح السنيّة والعصر
وقيل هي الصبح السنيّة والعشا ... وقيل هي الأضحى وقيل هي الفطر
وخامس عشر جمعة في محلّها ... وفي سائر الأيام أيضا هي الظهر
وعدّت صلاة الخوف سادس عشرها ... وإن صحّ منقول الضحى ثبت الحصر
стр. 368
وجمهور أهل العلم نقل محقق ... على العصر قول عنده يجب القصر
وأما الإمام الشافعي إمامنا ... فنصّ على صبح وإيصاؤه العصر
كذا هو في شرح المهذب وارد ... وناهيك عن نقل أتانا به حبر [١]
قال ابن دحية في التنوير، قال أبو محمد بن حزم [٢] في كتاب الجماهير [٣] ، من تأليفه: وقد جعل الله تعالى جزءا من علم النسب فرضا تعلمه، لا يسع أحدا جهله، وجعل منه جزءا كبيرا فضلا تعلمه، من جهله فهو ناقص الدرجة في الفضل [٤] ، وكل علم هذه صفته، فهو علم فاضل ولا ينكر حقه إلا جاهل أو معاند.
فأما الفرض من علم النسب، فهو أن يعلم المرء أن محمدا ﷺ الذي بعثه الله تعالى إلى الإنس والجن [٥] هو محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي، فمن شك فيه، أهو قرشي، أم يماني، أم تميمي، أم عجمي، فهو كافر غير عارف بدينه، ويلزم من يحضر به أن يعلمه ذلك.
وأن يعرف الإنسان أباه وأمه، وكل من يلقاه بنسب في رحم محرمة، ليتجنب ما يحرم عليه من النكاح فيهم، وأن يعرف كلّ من يتصل به برحم يوجب ميراثا، أو تلزمه صلة أو نفقة، أو معاقلة [٦] ، فمن جهل هذا فقد أضاع فرضا واجبا عليه، لازما له من دينه.
стр. 369
وأما الذي تكون معرفته من النسب فضلا في الجميع، وفرضا على الكفاية، فمعرفة أمهات المؤمنين [١] المفترض حقهن على جميع المسلمين، ومعرفة أسماء أكابر الصحابة، من المهاجرين والأنصار، الذين حبهم فرض، وأنساب ذراريهم، ومعرفة من يجب له حق في الخمس من ذوي القربى، ومن تحرم عليهم الصدقة من آل محمد ﷺ ، فكل ذلك جزء من علم النسب، فهذا علم ينفع [٢] ، وجهل ضر في الدنيا والآخرة./
وقد أقدم قوم من جهلة الرواة، فنسبوا إلى الرسول ﷺ ، أنه قال في النسب: (علم لا ينفع، وجهل لا يضر) ، وهذا الحديث باطل.
وقال ابن دحية في التنوير: اختلفوا في وقت ولادته ﷺ ، على ثمانية أقوال:
الأول: لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، قاله ابن عبد البر في الاستيعاب [٣] .
الثاني: لاثنتي عشرة خلت منه.
الثالث: لثماني عشرة خلت منه.
الرابع: لعشر خلون منه.
الخامس: لثمان خلت منه.
السادس: لثمان بقين منه.
السابع: لسبع عشرة خلت منه.
الثامن: لاثنتي عشرة خلت من رمضان.
المغرب في أخبار المغرب
للأديب علي بن سعيد، اختصره الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود بن أحمد الأسدي الدمشقي، المعروف باليغموري [٤] ، من كتاب سماه «المعجب» [٥] ، وقفت عليه بخطه، وهذا منتقى منه، مما يصلح في المحاضرة.
بعضهم: [الطويل]
وسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهبّ هبوب الريح في البر والبحر
стр. 370
آخر: [البسيط]
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير
أبو محمد عبد الله بن العسّال الطليطلي [١] : [مجزوء الرمل]
انظر الدنيا فان أب ... صرتها شيئا يدوم
فاغد منها في أمان ... إن يساعدك النعيم
وإذا أبصرتها من ... ك على كره تهيم
فاسل عنها واطّرحها ... وارتحل حيث تقيم
آخر: [الكامل]
والعزّ محبوب وملتمس ... وألذّه ما نيل في الوطن
آخر: [المتقارب]
وما زلت أسمع أنّ الملوك ... تبني على قدر أخطارها
أبو الحسن بن علي بن خلف بن بطال، المعروف بابن اللحّام، مصنف شرح البخاري، توفي يوم الأربعاء سلخ صفر سنة تسع وأربعين وأربعمئة [٢] .
جعفر بن عثمان المصحفي [٣] : [السريع]
يا ذا الذي أودعني سرّه ... لا ترج أن تسمعه مني
لم أجره بعدك في خاطري ... كأنه ما مرّ في أذني
المستظهر بالله أبو المطرّف عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار [٤] : [مجزوء الرمل]
стр. 371
ونجوم الليل تحكي ... ذهبا في لازورد
أبو عمران موسى بن عمر المرتلي الزاهد [١] : [البسيط]
لا تبك ثوبك إن أبليت جدّته ... وابك الذي أبلت الأيام من بدنك
ولا تكوننّ مختالا بجدّته ... فربّما كان ذاك الثوب من كفنك
الأديب المؤرخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي، المعروف بابن الأبّار [٢] : [الوافر]
رجوت الله في اللأواء لمّا ... بلوت الناس من ساه ولاه [٣]
فمن يك سائلا عني فاني ... غنيت بالافتقار إلى إلهي [٤]
الأديب علي بن موسى بن سعيد في الخسوف [٥] : [الكامل]
شان الخسوف البدر بعد جماله ... فكأنه ماء عليه غثاء
أو مثل مرآة لخود قد قضت ... نظرا بها فعلا الجلاء غشاء
موسى بن محمد بن عبد الملك بن سعيد [٦] : [السريع]
يا منعما قد جاءني برّه ... من غير أن أجري له ذكرا
إنّ أحبّ الخير ما جاءني ... عفوا ولم أعمر به فكرا
آخر: [الكامل]
ما كلّ ما فوق البسيطة كافيا ... فاذا اقتنعت فكلّ شيء كاف
стр. 372
أبو جعفر أحمد بن عبد الملك بن سعيد في شعاع الشمس والقمر على الشمس [١] : [الطويل]
ألا حبذا نهر إذا ما لحظته ... أبى أن يردّ اللحظ عن حسنه الأنس
ترى القمرين الدهر قد عبثا به ... يفضضه بدر وتذهبه شمس
وله [٢] : [المجتث]
متى سمعت ثناء ... عمّن غدا لك حاسد
فكان منك انخداع ... به فرأيك فاسد
بصدره منك نار ... لهيبها غير خامد
وغلّه لك ما زد ... ت في السعادة زائد
وإنّما ذاك منه ... كالحبّ في فخّ صائد
وله [٣] : [مخلع البسيط]
أبصر من قد يلوم فيه ... فقال ذا في الجمال فائق [٤]
أما ترى ما دهيت منه ... كان عذولا فصار عاشق [٥]
عبد الله بن شعبة [٦] : [الوافر]
لزمت قناعتي وقعدت عنهم ... فلست أرى الوزير ولا الأميرا
وكنت سمير أشعاري سفاها ... فعدت بها لفلسفتي سميرا
وله [٧] : [الكامل]
стр. 373
سامح أخاك إذا أتاك بزلّة ... فخلوص شيء قلّما يتمكّن
في كلّ شيء آفة موجودة ... إنّ السّراج على سناه يدخّن
العالم المؤرخ أبو القاسم محمد بن عبد الواحد الملاحي مؤلف التاريخ [١] : [الكامل]
أهل الرياء لبستم أثوابكم ... كالذئب يختل في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقسمتم الأموال بابن القاسم [٢]
وركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم [٣]
أحمد بن مسعود الأزدي [٤] : [الكامل]
يا عاذلين على الغرام متيّما ... ألف الصّبابة ما لكم ولعتبه
أنّى يفيق عن الهوى من نفسه ... رضيت بضرّ الحبّ مذ ولعت به [٥]
أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع البسطي المقرئ [٦] : [الخفيف]
لي نفس لو أنّها ترد النّا ... ر لما كلّفت سواها الشفاعه
قنعت بالكفاف عن كلّ أمر ... فاستراحت من دهرها بالقناعة
عبد الله بن عبد الرحمن ابن الكاتب [٧] : [مخلع البسيط]
يزيد قد حزت كلّ فضل ... وزانك العلم والذكاء
стр. 374
أذكرتني قوله تعالى يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ
[١] أبو الحسن علي بن رجاء [٢] : [الخفيف]
قل لمن نال عرض من لم ينله ... حسبنا ذو الجلال والإكرام
لم يزدني شيئا سوى حسنات ... لا ولا نفسه سوى آثام
كان ذا منعة فثقّل ميزا ... ني بهذا فصار من خدّامي
إسماعيل بن أحمد القيرواني [٣] : [المتقارب]
ألا أيّها الغائب المعتدي ... ومن لم يزل مؤذيا اردد
مساعيك يكتبها الكاتبون ... فبيّض كتابك أو سوّد
أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن هريرة القيسي [٤] : [الطويل]
أبى الله إلا أن يكون لك الفضل ... وأن يتباهى باسمك القول والفعل
وأن لا يفيض الناس في ذكر سؤدد ... يعدّونه إلا وأنت له أهل
الفقيه أبو محمد عبد الله بن هارون الأصبحي اللاردي [٥] : [الطويل]
قنعت بما شيّدته بين أسرتي ... وفي موطن كالفرع في موطن الأصل [٦]
ولم أغد عبدا للعنا طلب الغنى ... وروّحت نفسي من رحيل ومن حلّ
وروّحتها من باب كلّ مرفّع ... ولم أكسر النفس العزيزة بالذلّ
стр. 375
ولما أرم من موطن وهو مقنعي ... كما لم يضق غمد الحسام عن النّصل
أبو القاسم ابن الوزير أبي جعفر بن عطية [١] : [المتقارب]
تنازعني النفس أعلى الأمور ... وليس من العجز لا أنشط
ولكن بمقدار قرب المكان ... تكون سلامة من يسقط
ابن الأبار [٢] : [المتقارب]
نظرت إلى البدر عند الخسوف ... وقد شين منظره الأزين
كما سفرت صفحة للحبيب ... يحجّبها برقع أدكن
وله [٣] : [الوافر]
ألم تر للخسوف وكيف أودى ... ببدر التمّ لمّاع الضياء [٤]
كمرآة جلاها القين حتى ... أنارت ثم ردّت في غشاء
أبو مروان عبد الملك بن زيادة الله الطّبني المحدث [٥] : [البسيط]
إني إذا حضرتني ألف محبرة ... تقول أنشدني هذا وحدّثني
صاحت بعقوتي الأقلام ناطقة ... هذي المكارم لا قعبان من لبن [٦]
عبد الله بن رشيق القرطبي [٧] : [مجزوء الخفيف]
стр. 376
خير أعمالك الرضا ... بالمقادير والقضا [١]
بينما المرء ناطق ... قيل قد كان وانقضى
أبو علي حسين بن خالد الكاتب [٢] : [مجزوء الرمل]
لا تحاول من يزيد ... فضله واستغن عنه
ربّما عضّك كلب ... إن أخذت العظم منه
أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي بكر السرقوسي [٣] : [الكامل]
لا تبغ من أهل الزمان تناصفا ... فالغدر من شيم الزمان وأهله
وإذا أردت دوام ودّ مصاحب ... فاغضض جفونك جاهدا عن فعله
عبد الجبار بن محمد بن حمديس، شاعر صقلية [٤] : [الوافر]
وكنت إذا مرضت رجوت عيشا ... ليالي كنت في شرخ الشباب
فصرت إذا مرضت خشيت موتا ... وقلت قد انقضى عدد الحساب
فنفس الشيخ تضعف كلّ حين ... وقوّته على طرف الذّهاب
ولست مصدّقا خدع الأماني ... وهل توكى المزاد على الشراب [٥]
وله [٦] : [مجزوء الكامل]
حسّن غذاءك واعتمد ... فيه على وقت وحد [٧]
فالنفس تهزل بالمآ ... كل كلّما سمن الجسد
وله [٨] : [البسيط]
خذ بالأشدّ إذا ما الشرع وافقه ... ولا تمل بك في أهوائك الرّخص
стр. 377
ولا تكن كبنى الدنيا رأيتهم ... إن أدبرت زهدوا أو أقبلت حرصوا [١]
أبو بكر عبد الله بن حجاج الإشبيلي [٢] : [السريع]
لمّا كتمت الحبّ لا عن قلى ... ولم أجد إلا البكا والعويل
ناديت والقلب به مغرم ... يا حسبي الله ونعم الوكيل [٣]
أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه، صاحب العقد [٤] : [البسيط]
العلم حيث يشاء الله يجعله ... كم مستريح وقد أزرى بمجتهد
وليس معتبرا بالسنّ منزلة ... كم والد قاصر عيّا عن الولد [٥]
أبو الحسن عبد الملك بن عيّاش الإشبيلي الكاتب [٦] : [الطويل]
عصيت هوى نفسي صغيرا فعندما ... رمتني الليالي بالمشيب وبالكبر
أطعت الهوى عكس القضيّة ليتني ... خلقت كبيرا وانتقلت إلى الصّغر
الإمام أبو محمد بن حزم في مدحه لنفسه [٧] : [الطويل]
ولكنّ لي في يوسف خير أسوة ... وليس على من بالنبيّ آئتسى ذنب
يقول مقال الحقّ والصّدق إنّني ... حفيظ عليم ما على صادق عتب
وله [٨] : [الوافر]
стр. 378
لئن أصبحت مرتحلا بشخصي ... فقلبي عندكم أبدا مقيم
ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم
أبو بكر يحيى بن سهل اليكّي يهجو [١] : [السريع]
أعد الوضوء إذا نطقت به ... مستعجلا من قبل أن تنسى
واحفظ ثيابك إن مررت به ... فالظّل منه ينجّس الشمسا
أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زهر [٢] : [الكامل]
يا من يذكرني بعهد أحبّتي ... طاب الحديث بذكرهم ويطيب
أعد الحديث عليّ من جنباته ... إنّ الحديث عن الحبيب حبيب
أبو محمد عبد الله بن سارة الشنتريني، في فروة له [٣] : [الكامل]
أودت بذات يديّ فروة أرنب ... كفؤاد عروة في الضّنى والرقّة [٤]
يتجشّم الفرّاء في ترقيعها ... بعد المشقّة في قريب الشّقّة
إن قلت باسم الله عند لباسها ... قرأت عليّ: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
[٥]
أورد البطليوسي [٦] في شرح سقط الزند، قول الشاعر: [الكامل]
стр. 379
وأذا الأديب مع الأديب تحادثا ... كانا من الآداب في بستان
لا شيء أحسن منهما في مجلس ... يتطاعمان جواهرا بلسان
ويهز أنس القول من عطفيهما ... هزّ المدام جوانب النشوان
الأستاذ أبو محمد بن سارة، أورده في قلائد العقيان [١] : [البسيط]
يا من يصيخ إلى داعي السّقاة وقد ... نادى بك الناعيان الشيب والكبر
إن كنت لا تسمع الذّكرى ففيم ثوى ... في رأسك الواعيان: السمع والبصر
ليس الأصمّ ولا الأعمى سوى رجل ... لم يهده الهاديان: العين والأثر
لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك ال ... أعلى ولا النيّران: الشمس والقمر
ليرحلنّ عن الدنيا وإن كرها ... فراقها الثاويان: البدو والحضر
بعضهم: [الطويل]
إذا الخمس والخمسين جاوزت فارتقب ... قدوما على الأموات غير بعيد
في كتاب نزهة المذاكرة وأنس المحاضرة
قال مصعب الزهري: الخط لسان اليد. وقال الرشيد لشرحبيل بن معن بن زائدة:
قد أمرنا لك بصلة، فقال: تشبهك يا أمير المؤمنين، أم تشبهني، قال: فوقك، ودوني.
قال جالينوس: يحتاج السمع أن يغذّى بالصوت الحسن، كما يحتاج البدن إلى الغذاء بالطعام، وقد ترى أهل الصناعات الذين يكدون برا وبحرا، إذا خافوا الملالة والفتور، ترنموا وشغلوا أنفسهم بذلك عن ألم التعب [٢] ، وترى الشجعان أبناء الحروب، قد احتالوا بنفخ أصناف البراعات، وقرعوا الطبول، لتهون عليهم الشدائد، وترى الإبل يحدو بها الحادي، فيمعن في سيرها، ويصفر للدواب، فترد الماء وتشرب على الصفير.
قال أبو الدرداء [٣] لمعاوية: والذي نفسي بيده لا تنقصون من أرزاق العباد شيئا، إلا نقصت الأرض مثله.
أخرج الطبراني في الكبير، عن الحارث: أن عليا ﵁، سأل ابنه الحسن عن أشياء من أمر المروءة، فقال: يا بني، ما السداد؟ قال: يا أبه، السداد دفع المنكر
стр. 380
بالمعروف، قال: فما الشرف؟ قال: اصطناع العشيرة،/ وحمل الجريرة، وموافقة الإخوان بحفظ الجيران، قال: فما المروءة؟ قال: العفاف، وإصلاح المال، قال: فما الدقة؟ قال:
النظر في اليسير، ومنع الحقير، قال: فما اللؤم؟ قال: إحراز المرء نفسه، وبذله عرسه، قال:
فما السماحة؟ قال: البذل من العسير واليسير، قال: فما الشّح؟ قال: أن ترى ما أنفقته تلفا، قال: فما الإخاء؟ قال: المواساة في الشدة والرخاء، قال: فما الجبن؟ قال: الجرأة على الصديق، والنكول عن العدو، قال: فما الغنيمة؟ قال: الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة، قال: فما الحلم؟ [١] قال: كظم الغيظ وملك النفس، قال: فما الغنى؟
قال: رضى النفس بما قسم الله تعالى لها، وإن قلّ، وإنما الغنى غنى النفس، قال: فما الفقر؟
قال: شره النفس في كل شيء، قال: فما المنعة؟ قال: شدة البأس ومنازعة أعزاء الناس، قال:
فما الذل؟ قال: الفزع عند المصدوقة، قال: فما العيّ؟ قال: العبث باللحية وكثرة البزق [٢] عند المخاطبة، قال: فما الجرأة؟ قال: مواقعة الأقران، قال: فما الكلفة؟ قال: كلامك فيما لا يعنيك، قال: فما المجد؟ قال: أن تعطي في العزم وتعفو عن الجرم، قال: فما العقل؟
قال: حفظ القلب كلّ ما استودعته، قال: فما الخرق؟ قال: معاقرتك إمامك ورفعك عليه كلامك، قال: فما حسن الثناء؟ قال: إتيان الجميل، وترك القبيح، قال: فما الحزم؟ قال:
طول الأناة والرفق بالولاة، قال: فما السّفه؟ قال: اتباع الدناءة ومصاحبة الغواة، قال:
فما الغفلة؟ قال: تركك المسجد وطاعتك المفسد، قال: فما الحرمان؟ قال: تركك حظك وقد عرض عليك، قال: فما المفسد؟ قال: الأحمق في ماله المتهاون في عرضه./
قال الطبراني: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، حدثنا يحيى بن بكير، حدثني الليث بن سعد، قال: توفي معاوية في رجب، لأربع ليال خلون منه [٣] ، وفي سنة إحدى وستين، قتل الحسين بن علي يوم عاشوراء، وقتل معه أخوته؛ العباس بن علي، وجعفر بن علي، وعبد الله بن علي، وعثمان بن علي، وأبو بكر بن علي، وعلي بن الحسين الأكبر، وعبد الله بن الحسين، وأبو بكر بن الحسن، والقاسم بن الحسين، وعون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن عقيل بن أبي طالب، ومسلم بن عقيل بن أبي طالب، وسليمان مولى الحسين، وعبد الله رضيع الحسين [٤] .
стр. 381
وروى الطبراني عن الشعبي، قال: رأيت في النوم كأنّ رجالا نزلوا من السماء، معهم حراب يتتبعون قتلة الحسين، فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم.
وقال الطبراني، حدثنا قيس بن أبي قيس البخاري، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن قبيل، قال: لما قتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة، حتى بدت الكواكب نصف النهار.
من التذكرة الحمدونية: صنّف المرتضى كتابا وسمّاه الذخيرة، فاستعاره البصروي لينسخه، فلما أراد الخروج، قال له المرتضى: يا أبا الحسن، الذخيرة عندك؟ فعاد وقال: يا سيدنا، هذا الكتاب، فقال له: لم عدت وأخرجت الكتاب؟ فقال له: يا سيدنا، تقول لي بمحضر من السادة الأولاد، الذخيرة عندك، ما الذي يؤمنني من مطالبتهم بعد أيام، فتبسّم المرتضى./
كان يقال: من تطاول على جاره، حرم بركة داره. ويقال: الصدق أفضل من الكذب، إلا في السعاية، والعزّة أفضل من الذل، إلا في الاعتداء، والأناة أنجح من العجلة، إلا في التقوى، والشجاعة أفضل من الجبن، إلا في أمر الله ، والأمن أفضل من الخوف، إلا من مكر الله، والراحة أفضل من التعب، إلا في طاعة الله، والحلم أفضل من الغضب، إلا عمّن يعصي الله، والجود أفضل من البخل، إلا في بذل الدين.
أخرج الطبراني عن طارق بن شهاب، أن خالد بن الوليد، كان بينه وبين سعد بن أبي وقاص كلام، فذكر خالد عند سعد فقال: مه، فان ما بيننا لم يبلغ ديننا.
في شرح لامية العجم للصلاح الصفدي [١] ، قال بعضهم [٢] : [مجزوء الكامل]
إنّ الأمير هو الذي ... يدعى أميرا يوم عزله [٣]
إن زال سلطان الولا ... ية فهو في سلطان فضله [٤]
стр. 382
لما تولى الشيخ كمال الدين الزمكاني [١] قضاء حلب، عامل أهلها بالتشديد، فقال له نائب السلطنة الطبنغا: الطف بنا يا قاضي، لأي شيء تعاملنا كما كان القاضي زين الدين يعاملنا؟
فقال: ذاك كان يخاف على منصبه ليتكثر به، وأنا لو عزلتموني اليوم أصبح على بابي من الطلبة والتلاميذ والمستفتين، مثل ما على بابي اليوم في الحكم، فقال له: صدقت. انتهى./
قال الصلاح الصفدي: [السريع]
لزمت بيتي كلزوم البنا ... في الفعل والحرف على الأصل
واستوحشت نفسي حتى لقد ... نفرت لو أمكن من ظلي
قال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا نعيم، حدثنا سفيان عن يونس بن عتبة [٢] عن الحسن، قال: كان زياد يتتبع شيعة علي ﵁ [٣] فيقتلهم، فبلغ ذلك الحسن بن علي، فقال: «اللهم تفرّد بموته، فانّ الموت كفّارة» .
قال أبو العلاء المعري [٤] : [الطويل]
إلى الله أشكو أنّني كلّ ليلة ... إذا نمت لم أعدم خواطر أوهام
فان كان شرّا فهو لا بدّ واقع ... وإن كان خيرا فهو أضغاث أحلام
قال الأحنف العكبري [٥] : [الوافر]
وأحلم في المنام بكلّ خير ... فأصبح لا أراه ولا يراني
ولو أبصرت شرّا في منامي ... لقيت الشرّ من قبل الأوان [٦]
وقال آخر: [الطويل]
أرى في منامي كلّ شيء يسوؤني ... ورؤياي بعد النوم أدهى وأقبح
فان كان خيرا فهو أضغاث حالم ... وإن كان شرا جاءني قبل أصبح
стр. 383
وقال الشوّاء [١] : [السريع]
هاتيك يا صاح ربا لعلع ... ناشدتك الله تعرّج معي [٢]
وانزل بنا بين بيوت القنا ... فقد غدت آهلة المربع
حتى نطيل اليوم وقفا على ... الساكن أو عطفا على الموضع
وقال الطغرائي في تقابل الشمس والقمر [٣] : [الكامل]
وكأنما الشمس المنيرة إذ بدت ... والبدر يجنح للغروب وما غرب
متحاربان لذا مجنّ صاغه ... من فضّة ولذا مجنّ من ذهب
وقال الحافظ فتح الدين بن سيد الناس [٤] : [البسيط]
بخمسة شبّه المختار من مضر ... بأحسن ما خولوا من شبهه الحسن
بجعفر وابن عمّ المصطفى قثم ... وسايب وأبي سفيان والحسن [٥]
وقال الحافظ أبو الفضل العراقي [٦] : [البسيط]
وسبعة شبّهوا بالمصطفى فسما ... لهم بذلك قدر قد زكا ونما [٧]
سبط النبي أبو سفيان سائبهم ... وجعفر وابنهم ذو الجود مع قثما
стр. 384
وقال الحافظ أبو الفضل ابن حجر [١] : [البسيط]
شبه النبي له سائب وأبي ... سفيان والحسنين الخال وامهما
وجعفر ولديه وابن عامر كابس ... ونجلي عقيل ببّة قثما [٢]
قال ابن الأعرابي [٣] في نوادره: أخبرني رجل عن الهيثم بن عدي، عن ابن عيّاش، عن مكحول، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا ركبتم الدواب، فاذكروا اسم الله عليها، فانه أنجى لها وأخف لأحمالها) [٤] ، قال، أنجى لها: أسرع لها. قال: لم نسمع سلسبيل في كلام العرب، إلا في القرآن.
قال أبو الحسن الحصري [٥] في لباس أهل الأندلس البياض عند الحزن على الميت، ويقال إنهم استسنوا ذلك من الأموبين، قصدا لمخالفة بني العباس في لباسهم السواد [٦] : [الوافر]
إذا كان البياض لباس حزن ... بأندلس فذاك من الصواب
ألم ترني لبست بياض شيبي ... لأنّي قد حزنت على الشباب
في شرح لامية العجم للصفدي: ذكر ابن سندي في معجمه، في ترجمة أبي طالب محمد بن علي بن الخيمي الكاتب، قال: سمعته يقول: وليت حوران [٧] في قديم الزمان،
стр. 385
وكنت كثير الجواز بقبور بني أيوب، فأصابني ضيق، فرأيت في النوم، كأن من قبورهم قبر شمس الدولة [١] فقصدت إليه، فوجدت قبرا عظيما مفتوح الباب، وهو فيه مسجى بكفنه، ومعي قصيدة أمتدحه بها، فأنشدته إياها، فلما فرغت من إنشادي، استتر عني في زاوية القبر، وأخذ كفنه فرمى به إليّ، وأنشدني [٢] : [البسيط]
لا تستقلّنّ معروفا سمحت به ... ميتا وأمسيت فيه عاري البدن
ولا تظنّن جودي شابه بخل ... من بعد بذلي بملك الشام واليمن
إني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كلّ ما ملكت كفّي سوى كفني
وفيه قال بعضهم: [السريع]
أفرط نسياني إلى غاية ... لم يدع النسيان لي حسّا
فصرت مهما عرضت حاجة ... مهمّة أودعتها طرسا
وصرت أنسى الطرس في راحتي ... وصرت أنسى أنّني أنسى
وفيه: نقلت من خط القاضي علاء الدين الوداعي، حدثني شيخنا تاج الدين عبد الرحمن الفزاري، قال: كان شيخنا شيخ الإسلام عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام [٣] ، إذا قرأ عليه القارئ/ من كتاب، وانتهى إلى آخر أي باب كان من أبوابه، لا يقف عليه، بل يأمره أن يقرأ من الباب الذي بعده، ولو سطرا واحدا، ويقول: ما نشتهي أن نكون ممن يقف على الأبواب.
في الطيوريات، عن زبيد اليامي [٤] قال: خرج من همذان إلى صفين اثنا عشر ألف رجل، فما رجع منهم إلا خمسة أو ستة.
стр. 386
عن داود بن أبي هند [١] ، قال: إنما فشا القدر بالبصرة لما أسلم النصارى واليهود، لأن القدر مقالة اليهود والنصارى. عن الشعبي قال: البس من الثياب ما لا يزدريك فيها السفهاء، ولا يعيبك بها الفقهاء. عن أيوب [٢] ، قال: ما طال مجلس قط إلا كان للشيطان فيه نصيب.
عن ابن عيينة [٣] ، قال: ينبغي للخلق أن يكونوا رجلين من هذه الآية: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
[٤] .
عن خالد الربعي [٥] قال: ثلاث احفظوهن عني، وتعلموهن واحدة واحدة؛ ترك الكذب، وترك الغيبة، وترك الحلف [٦] . عن سفيان بن عيينة قال: خلقت النار رحمة يخوّف بها العباد لينتهوا. عن أبي سهل/ الرازي، قال: جاء قوم من أعالي النيل [٧] إلى فرعون فقالوا: إنّا نحتاج أن نحفر خليجا، لتعمر ضياعنا، فأذن لهم في ذلك، واستعمل عليهم عاملا، فكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيوت أموال فرعون، فلما علم بذلك قال: كم أنفقوا على خليجهم؟ قيل: مئة ألف دينار، فأمر بحملها وتفرقتها عليهم، فامتنعوا من قبولها، فأعلم بامتناعهم، فقال: اطرحوها عليهم، فان الملك إذا استغنى بمال رعيته افتقر وافتقروا، وإن الرعية إذا استغنت بمال ملكها، استغنى واستغنت.
عن سفيان بن عيينة، قال: كان يقال، إن المؤمن يجمع الملاحة والمهابة. عن الأوزاعي قال: لهو العلماء خير من حكمة الجهلة. عن الحسن قال: من ذم نفسه فقد مدحها. عن أبي زرعة [٨] قال: ما عند الشافعي حديث غلط فيه. عن محمد بن المنكدر،
стр. 387
قال: ليس لكاتب لبس [١] ولا لعامل دق، أفضل من النظر إلى الخضرة.
عن علي بن زيد [٢] قال: ما سمعت الحسن يتمثل/ ببيت شعر إلا قوله [٣] : [البسيط]
الموت باب وكلّ الناس داخله ... يا ليت شعري بعد الباب ما الدار
عن أحمد بن حنبل [٤] قال: للناس في أسواقهم أحاديث: قال رسول الله، قال رسول الله، ما سمعنا بها [٥] . عن الحسن قال: والله إن الناس ليتحدثون بأحاديث، ما هي في كتاب الله، ولا تكلم بها نبي قط.
قال الجاحظ، وسئل عن الأخبار والنتف: «هي ثقاف العقل، وجمام النفس، ومستراح القلب، ورائد الفهم، وقائد المروءة، إليها تصغي الأسماع عند المحادثة، وبها تجذب [٦] القلوب عند المجاذبة، وبها يكون الإمتاع والمؤانسة، وهي حدائق الأودّاء عند المذاكرة، ورياض الأخلّاء عند المحاورة، تزيد في الأنس والسرور، وتدل على محاسن الأمور، وتدنيك من مجالس العظماء، وتدخلك في صحابة الرؤساء» .
يزيد بن هارون، سمعت المسعودي يقول: بلغني أن من قرأ في أول ليلة من رمضان:
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
[٧] ، في التطوع، حفظ ذلك العام./
عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن أبي الجراح، عن قتادة، قال: في القرآن من كل لغة، إلا لغة طيء.
انتهى ما نقل من (الطيورات) .
стр. 388
في تذكرة الإمام محيي الدين عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي
[١] الخطبة التي خطبها رسول الله ﷺ في يوم الجمعة، حين أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف [٢] ، وكان القوم اتخذوا في ذلك الموضع مسجدا، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة، نقلتها من تفسير القرطبي [٣] :
(الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفر به، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة والحكمة، على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فقد غوى، وفرّط وضلّ ضلالا/ بعيدا.
أوصيكم بتقوى الله، فانه خير ما أوصى به المسلم المسلم، أن يحضّه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم الله من نفسه، فانّ تقوى الله، لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه، عنوان صدق ما يبتغون من الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره، في السر والعلانية، لا ينوي به إلا وجه الله، يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما [٤] بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان مما سوى ذلك: تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ
[٥] ، هو الذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فانه يقول: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[٦] ، فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السرّ والعلانية، فانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً
[٧] ، ومن يتق الله، فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيّض الوجوه، وترضي الربّ، وترفع الدرجة، فخذوا بحظكم [٨] ولا تفرطوا/
стр. 389
في جنب الله، فقد علمكم كتابه، ونهج لكم سبيله [١] ، ليعلم الذين صدقوا، ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ
[٢] ، وسمّاكم المسلمين، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
[٣] ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فاكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت، فانه من يصلح ما بينه وبين الله، يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) .
نادرة: عبد الله بريدة الأسلمي [٤] ، وأخوه سليمان بن بريدة، ولدا في يوم واحد، وماتا في يوم واحد، وهما توأم.
كان عدد ما صلى أبو بكر ﵁ بالناس في آخر حياة رسول الله ﷺ ، سبع عشرة صلاة. جاء في بعض الأحاديث:/ (أنّ الله سبحانه أمر جبريل برفع مدينة وبقلبها ليلا ونهارا، فلما رفعها، أوحى إليه أن ردّها، بحيث لا ينزعج نوّامها، ولا يشعر أحد برفعها وردها، فقال: أي ربّي، كيف أمرتني بردّها بعد أن أمرتني بقلبها! فقال: إن شيخا كان نائما فانقلب، فقال في انقلابه: يا من إذا قدر عفا، فأمرتك بردّها) [٥] .
سئل الشافعي- ﵁ عن الكيمياء، فقال: أعرف من افتقر به، فأما من استغنى به فلا أعرفه. قال في (السيرة المشهورة) [٦] ، للشيخ العارف بالله اليمني، المعروف بالصياد: أنه رأى في بعض الأيام- وهو قاعد- أبواب السماء مفتحة، وإذا بعصبة من الملائكة قد نزلوا إلى الأرض، ومعهم خلع خضر، ودابة من الدواب، فوقعوا [٧] على رأس قبر من القبور، وأخرجوا شخصا من قبره، وألبسوه الخلع، وأركبوه على الدابة، وصعدوا به إلى السماء، ثم لم يزالوا يصعدون به من سماء إلى سماء، حتى جاوز السماوات السبع كلها،/ وخرق بعدها سبعين حجابا، قال: فتعجبت من ذلك، وأردت معرفة
стр. 390
ذلك الراكب، فقيل لي هذا الغزالي [١] ، ولا علم لي أين بلغ انتهاؤه.
قال أبو عبيد، سمعت الشافعي يقول لمحمد بن الحسن، وقد دفع إليه خمسين دينارا، وقال: لا تحتشم، فقال: لو كنت عندي ممن أحتشمه، ما قبلت برّك.
لقد أحسن القائل: [البسيط]
لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب
الضحاك بن مزاحم [٢] : حملت به أمه ستة عشر شهرا، وشعبة [٣] حملت به ثلاث سنين، وهرم بن حيان [٤] أربع سنين، وكذلك مالك بن أنس، ومحمد بن عجلان [٥] أكثر من ثلاث سنين.
قال الواقدي: سمعت نساء آل الجحاف من ولد زيد بن الخطاب [٦] يقلن: ما حملت منا امرأة أقل من ثلاثين شهرا.
أحسن ما مدح به رسول الله ﷺ ، قول عبد الله بن رواحة [٧] : [البسيط]
لو لم تكن فيه آيات مبيّنة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر
انتهى.