← Адаб

Адаб · id 9099

المحاضرات والمحاورات

الجلال السيوطي

Полный текст (520 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عن داود بن أبي هند [١] ، قال: إنما فشا القدر بالبصرة لما أسلم النصارى واليهود، لأن القدر مقالة اليهود والنصارى. عن الشعبي قال: البس من الثياب ما لا يزدريك فيها السفهاء، ولا يعيبك بها الفقهاء. عن أيوب [٢] ، قال: ما طال مجلس قط إلا كان للشيطان فيه نصيب. عن ابن عيينة [٣] ، قال: ينبغي للخلق أن يكونوا رجلين من هذه الآية: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ، أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ [٤] . عن خالد الربعي [٥] قال: ثلاث احفظوهن عني، وتعلموهن واحدة واحدة؛ ترك الكذب، وترك الغيبة، وترك الحلف [٦] . عن سفيان بن عيينة قال: خلقت النار رحمة يخوّف بها العباد لينتهوا. عن أبي سهل/ الرازي، قال: جاء قوم من أعالي النيل [٧] إلى فرعون فقالوا: إنّا نحتاج أن نحفر خليجا، لتعمر ضياعنا، فأذن لهم في ذلك، واستعمل عليهم عاملا، فكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيوت أموال فرعون، فلما علم بذلك قال: كم أنفقوا على خليجهم؟ قيل: مئة ألف دينار، فأمر بحملها وتفرقتها عليهم، فامتنعوا من قبولها، فأعلم بامتناعهم، فقال: اطرحوها عليهم، فان الملك إذا استغنى بمال رعيته افتقر وافتقروا، وإن الرعية إذا استغنت بمال ملكها، استغنى واستغنت. عن سفيان بن عيينة، قال: كان يقال، إن المؤمن يجمع الملاحة والمهابة. عن الأوزاعي قال: لهو العلماء خير من حكمة الجهلة. عن الحسن قال: من ذم نفسه فقد مدحها. عن أبي زرعة [٨] قال: ما عند الشافعي حديث غلط فيه. عن محمد بن المنكدر،

стр. 387

قال: ليس لكاتب لبس [١] ولا لعامل دق، أفضل من النظر إلى الخضرة. عن علي بن زيد [٢] قال: ما سمعت الحسن يتمثل/ ببيت شعر إلا قوله [٣] : [البسيط] الموت باب وكلّ الناس داخله ... يا ليت شعري بعد الباب ما الدار عن أحمد بن حنبل [٤] قال: للناس في أسواقهم أحاديث: قال رسول الله، قال رسول الله، ما سمعنا بها [٥] . عن الحسن قال: والله إن الناس ليتحدثون بأحاديث، ما هي في كتاب الله، ولا تكلم بها نبي قط. قال الجاحظ، وسئل عن الأخبار والنتف: «هي ثقاف العقل، وجمام النفس، ومستراح القلب، ورائد الفهم، وقائد المروءة، إليها تصغي الأسماع عند المحادثة، وبها تجذب [٦] القلوب عند المجاذبة، وبها يكون الإمتاع والمؤانسة، وهي حدائق الأودّاء عند المذاكرة، ورياض الأخلّاء عند المحاورة، تزيد في الأنس والسرور، وتدل على محاسن الأمور، وتدنيك من مجالس العظماء، وتدخلك في صحابة الرؤساء» . يزيد بن هارون، سمعت المسعودي يقول: بلغني أن من قرأ في أول ليلة من رمضان: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [٧] ، في التطوع، حفظ ذلك العام./ عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن أبي الجراح، عن قتادة، قال: في القرآن من كل لغة، إلا لغة طيء. انتهى ما نقل من (الطيورات) .

стр. 388

في تذكرة الإمام محيي الدين عبد القادر بن محمد القرشي الحنفي [١] الخطبة التي خطبها رسول الله ﷺ في يوم الجمعة، حين أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف [٢] ، وكان القوم اتخذوا في ذلك الموضع مسجدا، وهي أول خطبة خطبها بالمدينة، نقلتها من تفسير القرطبي [٣] : (الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأؤمن به ولا أكفره، وأعادي من يكفر به، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، والنور والموعظة والحكمة، على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله، فقد غوى، وفرّط وضلّ ضلالا/ بعيدا. أوصيكم بتقوى الله، فانه خير ما أوصى به المسلم المسلم، أن يحضّه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، واحذروا ما حذركم الله من نفسه، فانّ تقوى الله، لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه، عنوان صدق ما يبتغون من الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره، في السر والعلانية، لا ينوي به إلا وجه الله، يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما [٤] بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان مما سوى ذلك: تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [٥] ، هو الذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك، فانه يقول: ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [٦] ، فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السرّ والعلانية، فانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [٧] ، ومن يتق الله، فقد فاز فوزا عظيما، وإن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه، وإن تقوى الله تبيّض الوجوه، وترضي الربّ، وترفع الدرجة، فخذوا بحظكم [٨] ولا تفرطوا/

стр. 389

في جنب الله، فقد علمكم كتابه، ونهج لكم سبيله [١] ، ليعلم الذين صدقوا، ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ [٢] ، وسمّاكم المسلمين، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [٣] ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فاكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت، فانه من يصلح ما بينه وبين الله، يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس، ولا يملكون منه، الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) . نادرة: عبد الله بريدة الأسلمي [٤] ، وأخوه سليمان بن بريدة، ولدا في يوم واحد، وماتا في يوم واحد، وهما توأم. كان عدد ما صلى أبو بكر ﵁ بالناس في آخر حياة رسول الله ﷺ ، سبع عشرة صلاة. جاء في بعض الأحاديث:/ (أنّ الله سبحانه أمر جبريل برفع مدينة وبقلبها ليلا ونهارا، فلما رفعها، أوحى إليه أن ردّها، بحيث لا ينزعج نوّامها، ولا يشعر أحد برفعها وردها، فقال: أي ربّي، كيف أمرتني بردّها بعد أن أمرتني بقلبها! فقال: إن شيخا كان نائما فانقلب، فقال في انقلابه: يا من إذا قدر عفا، فأمرتك بردّها) [٥] . سئل الشافعي- ﵁ عن الكيمياء، فقال: أعرف من افتقر به، فأما من استغنى به فلا أعرفه. قال في (السيرة المشهورة) [٦] ، للشيخ العارف بالله اليمني، المعروف بالصياد: أنه رأى في بعض الأيام- وهو قاعد- أبواب السماء مفتحة، وإذا بعصبة من الملائكة قد نزلوا إلى الأرض، ومعهم خلع خضر، ودابة من الدواب، فوقعوا [٧] على رأس قبر من القبور، وأخرجوا شخصا من قبره، وألبسوه الخلع، وأركبوه على الدابة، وصعدوا به إلى السماء، ثم لم يزالوا يصعدون به من سماء إلى سماء، حتى جاوز السماوات السبع كلها،/ وخرق بعدها سبعين حجابا، قال: فتعجبت من ذلك، وأردت معرفة

стр. 390

ذلك الراكب، فقيل لي هذا الغزالي [١] ، ولا علم لي أين بلغ انتهاؤه. قال أبو عبيد، سمعت الشافعي يقول لمحمد بن الحسن، وقد دفع إليه خمسين دينارا، وقال: لا تحتشم، فقال: لو كنت عندي ممن أحتشمه، ما قبلت برّك. لقد أحسن القائل: [البسيط] لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب الضحاك بن مزاحم [٢] : حملت به أمه ستة عشر شهرا، وشعبة [٣] حملت به ثلاث سنين، وهرم بن حيان [٤] أربع سنين، وكذلك مالك بن أنس، ومحمد بن عجلان [٥] أكثر من ثلاث سنين. قال الواقدي: سمعت نساء آل الجحاف من ولد زيد بن الخطاب [٦] يقلن: ما حملت منا امرأة أقل من ثلاثين شهرا. أحسن ما مدح به رسول الله ﷺ ، قول عبد الله بن رواحة [٧] : [البسيط] لو لم تكن فيه آيات مبيّنة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر انتهى.

стр. 391

من كتاب (اللطائف واللطف) [١] لأبي منصور الثعالبي [٢] رأى أبو بكر الصديق- ﵁ رجلا بيده ثوب، فقال له: أهو للبيع؟ قال: لا، أصلحك الله، فقال له: هلّا قلت: لا، وأصلحك الله، لئلا يشتبه الدعاء لي، بالدعاء عليّ [٣] . كان عمر يقول: لو كنت تاجرا لما اخترت على العطر [٤] ، إن فاتني ربحه لم يفتني ريحه. كان ابن مسعود يقول: الدنيا كلها غموم، فما كان فيها من سرور، فهو ربح [٥] . كان ابن عباس كثيرا ما يروي عن النبي ﷺ : (الهدية مشتركة) [٦] فأهدي إليه من مصر ثياب، فأمر بتسليمها إلى خادمه، فقال له جلساؤه: ألم ترو لنا أن الهدية مشتركة؟ فقال: تلك مما يؤكل ويشرب، فأما ثياب مصر فلا. كان أبو هريرة يقول: ما شممت رائحة أطيب من رائحة الخبز الحار. قال نصر بن سيار والي خراسان [٧] : كل شيء يرخص إذا كثر، إلا الأدب، فانه إذا كثر كان أغلى [٨] . أبو جعفر المنصور [٩] ، شكى إليه رجل بعض عماله في قصة،/ فوقّع: اكفني أمر هذا، وإلا كفيته أمرك. وقال له بعض الهاشميين: إني صرورة [١٠] ، قال: فاحجج، قال: ليس لي نفقة، قال: ليس عليك حج، قال: يا أمير المؤمنين، إنما جئتك مستمنحا [١١] لا مستفتيا. مرض خاقان [١٢] ، فعاده المعتصم وابنه الفتح إذ ذاك صبي، فقال له المعتصم: داري أحسن أم دار أبيك؟ فقال: ما دام أمير المؤمنين فيها فهي أحسن [١٣] ، وكان في يده خاتم

стр. 392

ياقوت أحمر في نهاية الحسن، فقال لرجل [١] : أرأيت أحسن من هذا الخاتم؟ قال: نعم، اليد التي هو فيها. قال الفتح بن خاقان لأحد ندمائه: دخلت قصري، فاستقبلتني فلانة، فقبلتها، فوجدت فيها هواء لو رقد المخمور فيه لصحا. وأخذ أبو الفرج الوأواء الدمشقي [٢] هذا المعنى فقال [٣] : [الطويل] سقى الله ليلا طاب إذ زار وصلها ... فألبسته حتى الصباح عناقا بطيب نسيم منك يستجلب الكرى ... ولو رقد المخمور فيه أفاقا قال المنتصر بالله [٤] : والله ما ذل ذو حق، وإن أصفق عليه العالم، ولا عزّ ذو باطل، وإن طلع من جبينه القمران. قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر [٥] : [الطويل] يقولون آفات وشتى مصائب ... فقلت مقالا ما عليه غبار إذا سلمت في الناس للمرء نفسه ... وأحبابه فالحادثات جبار قال المعتضد بالله [٦] لأحمد بن الطيب: «أرى في لسانك طولا، وفي عقلك قصرا» . قال عبد الله ابن المعتز: الخضاب من شهود الزور [٧] . رأى الرشيد يوما رجلا بيده حزمة خيزران، فقال: ما تلك؟ قال: عروق القنا، يا أمير المؤمنين، لموافقته اسم أم الرشيد [٨] . قال الحسن بن سهل [٩] : لا يصلح للصدر إلا

стр. 393

واسع الصدر، وقيل له: لا خير في السّرف، فقال: لا سرف في الخير. فردّ اللفظ، واستوفى المعنى [١] . طلب المأمون من أحمد بن يوسف الكاتب [٢] السكين، فناوله إياها وحدها مما يليه، فعلم أنه أخطأ، فاستدركه أن قال: في نحر أعدائك يا أمير المؤمنين [٣] ./ قال أبو الفتح البستي [٤] : النعمة عروس مهرها الشكر، والرشوة رشاء الحاجة [٥] ، والمعاشرة ترك المعاسرة، وعادات السادات، سادات العادات. قال أبو نصر العتيبي [٦] : الشباب باكورة الحياة، ولسان التقصير قصير. قال أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز الوزير: الصدقة ترد بلاء الآخرة، والهدية ترد بلاء الدنيا [٧] . قال أبو الحسن محمد بن محمد المزني: من دخل على السادة فعليه بتخفيف السلام، وتقليل الكلام، وتعجيل القيام [٨] . قال أبو عمرو بن العلاء [٩] : كل ما تشتهي، والبس ما يشتهي الناس، وقد نظمه من قال [١٠] : [الكامل] أما الطعام فكل لنفسك ما اشتهت ... والبس ثيابك ما اشتهاه الناس قال الأصمعي: دخلت على الفضل بن الربيع [١١] يوما باردا، وعليّ ثياب قطن، فقال لي: يا أبا سعيد، أين الوبر؟ فقلت: في خزانتك أصلحك الله فضحك وأمر لي بدواج سمور [١٢] . قال أبو بكر الخوارزمي [١٣] : في قصة الجود بالذهب مثل الجود بالأدب:/ وهذا الخلق النفيس، لا يساعده الكيس، وهذا الطبع الكريم، لا يأخذه الغريم، والأدب لا

стр. 394

يمكن ثرده في قصعة، ولا يمكن صرفه في ثمن سلعة، ولو جهدت بالطباخ أن يطبخ من رائية الشماخ لونا لم يقبل [١] ، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت من شعر الكميت مئتي بيت، فلم يغن، كما لم يغن لو وليت، ولو وقعت أرجوزة العجّاج في توابل السكباج [٢] ، لما عدمتها عندي، ولكن ليست تنفع، فما أصنع [٣] . أيوب الطبيب: كان الغالب عليّ من الأدعية: «اللهم اسقنا من رحمتك شربة تسهل بها دنوبنا، إنك أنت الغفور الرحيم» [٤] . قال ثابت بن قرة الطبيب [٥] : ليس أضرّ على الشيخ من أن يكون له طباخ حاذق، وجارية حسناء، لأنه يستكثر من الطعام فيسقم، ومن النكاح فيهرم. وقال: راحة الجسم في قلة الطعام [٦] ، وراحة القلب في قلة الاهتمام، وراحة اللسان في قلة الكلام. مرت عمرة بنت زهرة/ فتأملوها [٧] ، فقالت: يا بني نمير، لا لقول الله تعالى أطعتم، ولا بقول الشاعر أخذتم، قال الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ [٨] ، وقال الشاعر [٩] : [الوافر] فغضّ الطرف إنّك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا كتب رجل إلى محبوبة له: طال العهد، واشتد الشوق، فاستدركي رمقي بلبان تمضغينه، وتجعلينه بين دينارين، وتنفذيه إليّ لأستشفي به. فكتبت إليه: قد امتثلت أمرك، فتفضل برد الطبق والمكبّة [١٠] . سمع مزيد [١١] ضجيج الناس في يوم كسوف، وريح عاصف، وغبرة منكرة، وقولهم: القيامة، القيامة، فقال: ويحكم، هذه قيامة على الريق! أين دابة الأرض؟ أين الدجال؟ أين نزول عيسى؟ أين طلوع الشمس من المغرب [١٢] .

стр. 395

قال أبو الحسن الموسوي [١] : من هوان الدنيا على الله تعالى، أنه أخرج نفائسها من خسائسها، وأطايبها [٢] من خبائثها، أخرج الذهب والفضة من حجارة، والمسك من فارة، والعنبر من روث دابة، والعسل من ذبابة، والخز من دابة، والديباج من دودة، والإنسان من نطفة، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [٣] . قال علي بن الجهم [٤] : الهدية السحر الأكبر. سئل جحظة البرمكي [٥] عن دعوة حضرها، فقال: كان كل شيء فيها باردا [٦] إلا الماء. قال دعبل [٧] : [البسيط] وإنّ أولى البرايا أن تواسيه ... عند السرور لمن واساك في الحزن [٨] إنّ الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن تعرض رجل للحسن بن سهل [٩] ، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا الذي أحسن إليّ الأمير عام كذا وكذا، فقال: مرحبا بمن توسل إلينا بنا، وقضى حوائجه [١٠] . دخل أبو العميثل [١١] على عبد الله بن طاهر [١٢] في يوم من أيام الخريف، وعليه قباء خز مبطن بسمور، فقال له: ما أعددت للشتاء؟ فقال: خلع الأمير، فقال: عجّلوها له [١٣] .

стр. 396

وصف أبو بكر الخوارزمي [١] شريفا في أصله، وضيعا في نفسه، فقال: استخراج المساوئ من المحاسن، هو: من الأسد بخره، ومن الدينار صغره، ومن اللجين خبثه، ومن الماء زبده، ومن الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، ومن الدار ميضاؤها. وكان يقول/ في التفضيل: فلان بيت القصيدة، وأول الخريدة، وغرّة الكتيبة، وواسطة القلادة، ودرّة التاج، وإنسان الحدقة، ونقش الفص [٢] . كان أبو العباس بن سريج [٣] يقول: غبار العمل خير من زعفران العطلة. أنتهى. في (فوائد النجيرمي) [٤] ، قال يحيى بن خلاد البرمكي [٥] : الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة، وممن بعدنا عبرة. قال الحجاج بن يوسف [٦] : الشيب بريد الآخرة. قال أبو عمرو بن العلاء: قيل لرجل، قد ذهب منه المطعم والمشرب والمنكح: أتحب البقاء؟ قال: نعم، قيل له: فما ترجو من البقاء، وأنت على هذه الحال؟ قال: كي أسمع الأعاجيب. قال الشعبي: قدم عليّ ﵁ من صفّين، وكان رأسه ولحيته قطنة، فقيل له: يا أمير المؤمنين، لو غيّرت، قال: إن الخضاب زينة، ونحن محزونون. قال عمر بن شبّة [٧] : ولدت هند بنت أبي عبيدة [٨] بن عبد الله بن زمعة، موسى بن عبد الله [٩] بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب،/ ولها ستون سنة، ولا يعلم أن امرأة ولدت لستين إلا قرشية، وموسى هو أخو محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن،

стр. 397

وهو الذي يقول [١] : [مجزوء الوافر] تولّت بهجة الدنيا ... فكلّ جديدها خلق وخان الناس كلّهم ... فما أدري بمن أثق رأيت معالم الخيرا ... ت سدّت دونها الطّرق فلا حسب ولا نسب ... ولا دين ولا خلق فلست مصدّق الأقوا ... م في قول وإن صدقوا قال الجاحظ: أهل الكوفة يقولون: لنا ثلاثة فقهاء، لم ير الناس مثلهم: أبو حنيفة [٢] ، وأبو يوسف [٣] ، ومحمد بن الحسن [٤] ، ولنا ثلاثة نحويين كذلك، وهم: الكسائي [٥] ، والفرّاء [٦] ، وثعلب [٧] . من شعر إبراهيم بن المهدي [٨] : [البسيط] من قال في الناس قال الناس ما فيه ... وحسبه ذاك من خزي ويكفيه من نمّ في الناس لم تؤمن عقاربه ... على الصديق ولم تؤمن أفاعيه لو فرّ من رزقه عبد إلى جبل ... دون السماء لألفى رزقه فيه قال الحسين بن فهم، لما قال أبو عيسى بن الرشيد [٩] : [الطويل] دهاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر

стр. 398

ولو كان يعديني الإمام بقدرة ... على الشهر لا ستعديت جهدي على الشهر ناله بعقب هذا صرع، فكان يصرع في اليوم مرات، إلى أن مات ولم يبلغ شهرا مثله. انتهى. من كتاب (لطائف المعارف) للقاضي أبي بكر النيسابوري [١] ليلة مات فيها خليفة، وولد فيها خليفة، واستخلف خليفة، هي ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومئة، مات فيها الهادي، واستخلف الرشيد، وولد المأمون [٢] . خليفة سلّم عليه عمه، وعم أبيه، وعم جده، هو: الرشيد، سلّم عليه عمه سليمان بن المنصور، ثم عم أبيه المهدي، وهو العباس بن محمد، ثم عم جده المنصور، وهو: عبد الصمد بن علي. خليفة سلّم عليه سبعة كلهم ابن خليفة، هو: المتوكل، سلم عليه محمد بن الواثق، وأحمد بن المعتصم،/ وموسى بن المأمون، وعبد الله بن الأمين، وأبو أحمد بن الرشيد، والعباس بن الهادي، ومنصور بن المهدي. أربعة أخوة، كل واحد منهم أسن من صاحبه بعشر سنين على الولاء، هم: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، بنو أبي طالب [٣] . أخوان تباعد ما بينهما في السن، تباعدا شديدا: موسى بن عبيدة الربذي [٤] الذي يروى عنه الحديث، كان أخوه عبد الله [٥] أسن منه بثمانين سنة، ولا يذكر مثاله [٦] . أب وابن تقارب ما بينهما في السن تقاربا شديدا: عمرو بن العاص، كان بينه وبين ابنه عبد الله ثلاث عشرة سنة، ولا يذكر مثله [٧] . أربعة في الإسلام، ولد من صلب كل واحد منهم مئة مولود: خليفة بن بوّ السعدي، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمير الليثي، وجعفر بن سليمان الهاشمي، ويقال: إن

стр. 399

المتوكل مات عن نيّف وخمسين ابنا، ونيّف وعشرين بنتا [١] . قلت: زاد ابن حبيب في المحبر: وأبو بكرة الصحابي [٢] ، ويلحق بهم المتوكل الذي كان على رأس ثمان مئة [٣] ./ القاضي شريح [٤] ، ولي القضاء خمسا وسبعين سنة، وعاش مئة وعشرين [٥] . امرأة ولدها النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ﵃، هي: حفصة بنت محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، أمها خديجة بنت عثمان بن عروة بن الزبير، وأم عروة أسماء بنت أبي بكر الصديق، وأم محمد بن عبد الله، فاطمة بنت الحسين بن علي، وأم الحسين فاطمة بنت رسول الله، ﷺ ، وأم فاطمة بنت الحسين، أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله، وأم عبد الله بن عمرو، زينب بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب. كان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يقول: من عجائب الدنيا، العباس بن عمرو الغنوي [٦] أنفذه المعتضد في عشرة آلاف لمحاربة أبي سعيد الجنّابي [٧] ، فقبض عليهم أبو سعيد، فنجا العباس وحده، وقتل الباقون. وعمرو بن الليث [٨] ، مرّ في خمسين ألفا لمحاربة إسماعيل بن أحمد [٩] ،

стр. 400

فأخذ هو ونجا الباقون [١] . قال هشام بن الكلبي [٢] : كنت يوما عند الشرقي بن القطامي [٣] ، فقال: من يعرف/ منكم أسد بن عبد مناف بن شيبة بن عمرو بن المغيرة بن زيد؟ فقالوا: ما نعرفه [٤] ، فقال: هو علي بن أبي طالب، واسمه عبد مناف بن عبد المطلب، واسمه شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف، واسمه المغيرة بن قصي، واسمه زيد [٥] . من كان عمه وخاله خليفة: يحيى بن عروة بن الزبير، عمه عبد الله بن الزبير، وخاله مروان بن الحكم. وعثمان بن عنبسة بن أبي سفيان، عمه معاوية بن أبي سفيان، وخاله عبد الله بن الزبير. من عهد له بالخلافة، ولقّب بلقبها، ولم يتم له: المرتضى عيسى بن موسى بن علي، المؤتمن القاسم بن الرشيد، الناطق بالحق موسى بن الأمين، الرضي علي بن موسى العلوي، المرتضى منصور بن المهدي، المبارك إبراهيم بن المهدي، المؤيد أبراهيم بن المتوكل، المفوض إلى الله جعفر بن المعتمد، وأخوه الموفق أحمد، المنتصف بالله عبد الله بن المعتز، الغالب بالله أبو الفضل بن القادر، الذخيرة لدين الله ولد القائم بأمر الله./ ذو القرنين [٦] : مختلف في نبوته، ذو النورين: عثمان بن عفان [٧] ، ذو الشهادتين: خزيمة بن ثابت الأنصاري [٨] ، ذو البجادين: عبد الله بن الحارث المزني [٩] ، ذو العينين:

стр. 401

قتادة بن النعمان الأنصاري، أصيبت عينه يوم أحد، فردها النبي ﷺ ، ذو اللسانين: موألة بن كشيف بن جمل بن خالدة [١] ، ذو اليمينين: عمرو بن عبد عمرو بن فضلة بن خزاعة، شهد بدرا، وكان لقبه ذا الشمالين، فسماه النبي ﷺ ذا اليمينين، ويقال له أيضا ذو اليدين، لأنه كان يعمل بيديه [٢] . قلت: رجّح الحفّاظ أنه غيره، فان ذا الشمالين قتل ببدر، وذو اليدين المذكور في حديث السهو، قصته متأخرة، ويقال إن اسمه الخرباق [٣] . وفات صاحب (اللطائف) من هذا النمط من الصحابة: ذو الأذنين: أنس بن مالك، ذو السيفين: أبو الهيثم بن التيهان، ذو العقيصتين: ضمام بن ثعلبة. ثم قال صاحب اللطائف:/ ومن غير الصحابة: ذو الرأسين خشين بن لأي بن شمخ الفزاري، وذو الرئاستين: أمية بن جشم بن قيس [٤] ، والفضل بن سهل [٥] ، ذو النصلين: عتيبة بن الحارث بن شهاب [٦] ، ذو الخليطين: خالد بن عتّاب [٧] ، ذو القلبين: جميل بن معمر، ذو الثنيتين: سهل بن عمرو، ذو القرحتين: سعيد بن العاص [٨] ، ذو الرمحين: حذيفة المكنى أبا ربيعة، والد عمر بن أبي ربيعة [٩] ، ذو القلمين: علي بن أبي سعيد بن

стр. 402

كنداحيق لأنه كان يتولى الخراج والجيش [١] ، ذو الحكمين: هرثمة بن أعين [٢] ، ذو الوزارتين: صاعد بن مخلد [٣] ، يعنون وزارة المعتمد ووزارة الموفق، ذو الكفايتين: أبو الفتح بن أبي الفضل ابن العميد [٤] ، لكفايته ركن الدولة أمر الديوانين الخراج والجيش، ذات النطاقين: أسماء بنت أبي بكر ﵂ [٥] . أصابع زينب: ضرب من الحلواء، ببغداد، ولأبي طالب المأموني [٦] : [الطويل] فما حملت كفّ الفتى متطعما ... ألذّ وأشهى من أصابع زينب مطر مصر: مثل للشيء النافع يتضرر به، لأن مصر إذا مطرت أضرّ بها المطر، وقال بعض الشعراء في مصر [٧] : [الطويل] وما خير قوم تجدب الأرض عندهم ... بما فيه خصب العالمين من المطر [٨] إذا بشّروا بالغيث ريعت قلوبهم ... كما ريع في الظلماء سرب القطا الكدر انتهى.

стр. 403

من كتاب (مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام) [١] للإمام شمس الدين محمد بن موسى بن النعمان [٢] ، سمعت الشيخ أبا عبد الله محمد بن أبي الأنام يقول: كنت بمدينة النبي ﷺ ، خلف محراب فاطمة، وكان الشريف مكثر القاسمي [٣] نائما خلف المحراب المذكور، فانتبه فجاء إليه النبي ﷺ ، فسلّم عليه، وجاء إلينا مبتسما، فقال له صواب خادم الضريح النبوي فيم تبسمت؟ فقال: كانت بي فاقة، فخرجت من بيتي، فأتيت بيت فاطمة، فاستغثت بالنبي ﷺ ، وقلت: إني جائع، فنمت، فرأيت النبي ﷺ وقد أعطاني قدح لبن، فشربت حتى رويت، وها هو فبصق اللبن من فيه./ وقال ابن الجلا [٤] : دخلت مدينة النبي ﷺ ، وبي فاقة، فتقدمت إلى القبر، وقلت: ضيفك، فغفوت، فرأيت النبي ﷺ ، فأعطاني رغيفا، فأكلت نصفه، وانتبهت وبيدي النصف الآخر. وقال الإمام أبو بكر بن المقري [٥] : كنت أنا والطبراني [٦] ، وأبو الشيخ [٧] في حرم النبي ﷺ ، وكنا على حالة، وأثر فينا الجوع وواصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء، حضرت قبر النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، الجوع! الجوع! فقال الطبراني: اجلس، فاما أن يكون الرزق أو الموت، قال أبو بكر: فنمت أنا وأبو الشيخ، والطبراني جالس ينظر في شيء، فحضر الباب علوي، فدق الباب، ففتحنا له، فاذا معه غلامان، مع كل واحد منهما زنبيل، فيه شيء كثير، فجلسنا وأكلنا، وظننا أن الباقي يأخذه الغلام، فولي وترك عندنا الباقي، فلما فرغنا من الطعام، قال العلوي: أشكوتم إلى رسول الله ﷺ ؟ فاني رأيت رسول الله ﷺ / في المنام، فأمرني أن أحمل بشيء إليكم.

стр. 404

وقال أبو الخير الأقطع: دخلت مدينة النبي ﷺ ، وأنا بفاقة، فأقمت خمسة أيام ما ذقت ذواقا، فتقدمت إلى القبر، وسلمت على النبي ﷺ ، وعلى أبي بكر وعمر، وقلت: أنا ضيفك يا رسول الله، وتنحيت ونمت خلف المنبر، فرأيت في المنام النبي ﷺ ، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعلي بن أبي طالب بين يديه، فحركني علي وقال: قم، قد جاء رسول الله ﷺ ، فقمت إليه، وقبلت بين عينيه، فدفع إليّ رغيفا، فأكلت نصفه، وانتبهت، فاذا في يدي نصف رغيف. وقال أحمد بن محمد الصوفي [١] : كنت في البادية ثلاثة أشهر، فانسلخ جلدي، فدخلت المدينة، وجئت إلى قبر النبي ﷺ ، فسلمت عليه، وعلى صاحبيه، ثم نمت فرأيته [٢] ﷺ في النوم، فقال: يا أحمد، جئت؟ قلت: نعم، وأنا جائع، وأنا في ضيافتك، فقال لي: افتح كفيك/ ففتحتهما، فملأها دراهم، فانتبهت وهي ملأى، وقمت فاشتريت لي خبزا حواري وفالوذجا [٣] ، وأكلت وقمت للوقت ودخلت البادية. لما كانت سنة ثلاث وأربع مئة، أخذ أهل الكوفة جدري، أعمى منهم ألفا وخمس مئة رجل، كلهم من نسل من حضر قتل الحسين ﵁، وهذا من أعجب ما سمع. حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد الفقيه الحنبلي، قال: اجتمع جماعة قاصدين إلى مكة، وكان أحدهم كثير الصلاة، فمات، وأهمّهم دفنه، فنظروا إلى بيت شعر في الصحراء، فقصدوه، فاذا فيه عجوز، وإذا في البيت قدوم، فسألوها أن تدفع القدوم إليهم، قالت: فعاهدوا الله أنكم تردونه إليّ، فأعطوها ما أرادت، ثم أخذوا القدوم، فحفروا به قبرا، وواروا الرجل، ونسوا القدوم في القبر، وذكروا العهد، ودعتهم الضرورة إلى أن ينبشوا القبر، فاذا هو قد صار غلا في يد الميت إلى عنقه، فردوا عليه التراب، ورجعوا إلى العجوز، وخبروها الخبر، فقالت: لا إله إلا الله، رأيت رسول الله ﷺ / في منامي فقال لي: احتفظي بهذه القدوم، فانها غلّ رجل يسبّ أبا بكر وعمر، ﵄. سمعت السيد الشريف الفقيه الإمام العالم تقي الدين عبد الغني بن أبي بكر عبد الله الحسني الشافعي، يقول: بلغني عن بعض المتصدرين في القراءات بالجامع العتيق بمصر، أنه حلف بالطلاق الثلاث، أن لا يجيز أحدا يقرأ عليه مستحقا للإجازة إلا بعشرة دنانير، فاتفق أن جاء رجل فقير، فلما كمّل سأله الإجازة، فأخبره بيمينه، فتألم خاطره، واجتمع بأصحابه، فجمعوا له خمسة دنانير، فأتى بها إليه، فلم يأخذها، فخرج من عنده، فرأى

стр. 405

المحمل يدار به، فقال: والله لا أنفقت هذه إلا في الحج، فاشترى ما يحتاجه، وسار حتى وصل إلى مكة، فلما قضى إربه منها، رجع إلى المدينة، فلما وصل قبر رسول الله ﷺ ، قال: السلام عليك يا رسول الله، ثم قرأ عشرا جمع فيه الأئمة السبعة، وقال: هذه قراءتي على فلان، عن فلان، عنك، عن جبريل، عن الله تعالى، وقد سألت شيخي الإجازة فأبي إلا أن أعطيه عشرة دنانير [١] ، وقد استعنت بك يا رسول الله في/ تحصيلها، ثم نام، فرأى رسول الله ﷺ ، فقال له: سلّم على شيخك، وقل له: الرسول يقول لك أجزني بلا شيء، فان لم يصدقك، فقل له بامارة: (زمرا، زمرا) ، فلما وصل الفقير إلى مصر، اجتمع بشيخه، وبلغه الرسالة عريّة عن الإمارة، فلم يصدقه، فقال له: بامارة: (زمرا، زمرا) ، فصاح الشيخ وخرّ مغشيا عليه، فلما أفاق قال له أصحابه: يا سيدنا، ما الخبر؟ فقال: كنت كثيرا ما أتلو القرآن، فمررت يوما على قوله : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ [٢] ، فقلت: ليت شعري، من أي الأقسام أنا. ثم قلت: لست من الثاني ولا الثالث بيقين، فتعيّن أن أكون من القسم الأول، فنمت تلك الليلة حزينا، فرأيت رسول الله ﷺ ، فقال لي: (بشّر قرّاء القرآن، إنهم يدخلون الجنة زمرا زمرا) ، ثم أقبل على الفقير فقبّل وجهه وقال: أشهدكم على أنّي أجزته ليقرأ ويقرىء من شاء أنّى شاء. وسمعت يوسف بن علي الزناتي، يحكي عن امرأة هاشمية كانت مجاورة بالمدينة، وكان بعض الخدام/ يؤذيها، قالت: فاستغثت بالنبي ﷺ ، فسمعت قائلا من الروضة يقول: أما لك فيّ أسوة؟ اصبري كما صبرت، أو نحو هذا، قالت: فزال عني ما كنت فيه، ومات الخدام الثلاثة الذين كانوا يؤذونني. سمعت الشيخ الصالح أبا زكريا الاسكندراني وكان من أولياء الله يقول: سمعت سيدهم الرشيدي [٣] يقول: كنت بحرم رسول الله ﷺ ، فاذا ظبية قد أقبلت من باب الرحمة، في وسط القائلة، حتى واجهت قبر النبي ﷺ ، فوقفت من بعيد، وهي تومىء برأسها، كالمسلّمة عليه، وذرفت عيناها بالدموع، ثم تأخرت على عجزها، حتى خرجت ولم تول ظهرها تعظيما وتوقيرا للنبي ﷺ ، حتى خرجت من الحرم، ونحن نشاهد ذلك، قلت: ترى هذه الظبية من نسل تلك الظبية التي أطلقها رسول الله ﷺ ؟

стр. 406

قال: وجاءت امرأة بابن لها قد تحرك، فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا لم يتكلم منذ ولد، فقال رسول الله ﷺ : (أدنيه، فأدنته منه، فقال: من أنا؟ فقال: أنت رسول الله) انتهي./ قال الشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسين بن رسلان الرملي [١] : [الطويل] عليك بخمس: فتنة القبر تمنع ... وتنجي من التعذيب عنك وتدفع رباط بثغر ليلها ونهارها ... وموت شهيد شاهر السيف يلمع ومن سورة الملك اقترا كل ليلة ... ومن روحه يوم العروبة تنزع [٢] كذا شهيد البطن جاء ختامه ... وذو غيبة تعذيبه متنوع [٣] في تذكرة المقريزي [٤] قال المتكلمون على معاني الحروف: إن يأجوج ومأجوج، يخرجون في سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وقالوا: أخذنا ذلك من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ [٥] والسرّ في (فتحت) ، لأن الفاء في حسابهم بثمانين، والتاء بأربعمئة، والحاء بثمانية، والتاء بأربعمئة، فجميع ذلك ثمانمائة وثمانية وثمانون. قلت: قد أكذبهم الله في ذلك. قال عمر بن الخطاب، ﵁: يعجبني أن يكون الرجل في أهله بمنزلة الصبي، فاذا احتيج إليه، كان رجلا. في مجموع للقاضي أمين الدين بن الزبير [٦] : اجتمع أبو حامد الغزالي، بأبي الفرج الفقيه الصقلي، وكان قد ردّ عليه، ونسبه إلى الزندقة، فقال له: يا هذا، في هذه السنة أتحاكم أنا وأنت بين يدي الله تعالى، فماتا فيها جميعا.

стр. 407

حكاية القاضي واللص أخبرني شيخنا شيخ الإسلام علم الدين البلقيني، إجازة عن أبي اليسر أحمد بن عبد الله بن الصايغ، أخبرنا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن المردادي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد المقدسي، أخبرنا أبو المحاسن محمد بن السيد بن فارس الصفار، أخبرنا أبو القاسم الخضر بن الحسين بن عبدان الأزدي، أخبرنا أبو الفرج سهل بن بشر الأسفراييني، أخبرنا مشرف بن المرجى المقدسي، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن محبوب المنصوري [١] ، حدثنا أبو العباس أحمد بن الحسين القاضي بنهاوند [٢] ، حدثنا محمد بن الحسين الرازي، حدثني أبي عن جدي، عن محمد بن مقاتل الماشغوري قال: كان محمد بن الحسين [٣] يكثر الإدلاج إلى بساتينه، فيصلي الصبح، ثم يعود إلى منزله إذا ارتفعت الشمس وعلا النهار، قال محمد بن مقاتل: فسألته عن ذلك فقال: بلغني في حديث عن النبي ﷺ أنه قال: (حبّب إليّ الصلاة في الحيطان) [٤] ، وذلك أن أهل اليمن يسمون البستان الحائط، قال محمد بن الحسين: فخرجت إلى حائط لي لأصلي فيه صلاة الفجر، رغبة في الثواب والأجر، فعارضني لص جريء القلب/ خفيف الوثب، في يده خنجر كلسان الكلب، ماء المنايا تجول على فرنده، والآجال تلوح في حدّه، فضرب بيده على صدري، ثم مكّن الخنجر من نحري، وقال لي بفصاحة لسان، وجرأة جنان: انزع ثيابك، واحفظ إهابك، ولا تكثر كلامك فتلاقي حمامك، ودع عنك اللوم وكثرة الخطاب، فلا بد لك من نزع هذه الثياب. فقلت له: يا سبحان الله، أنا شيخ من شيوخ البلد، وقاض من قضاة المسلمين، يسمع كلامي ولا تردّ أحكامي، ومع ذلك فاني من نقلة حديث رسول الله ﷺ ، منذ أربعين سنة، ومن علماء الإسلام بكل فريضة وسنّة، أما تستحي من الله أن يراك حين نهاك؟ فقال لي: بل يا سبحان الله، أنت أيضا، أما تراني شابا ملء بدني، أروق الناظر، وأملأ الخاطر، وآوي الكهوف والغيران [٥] ، وأشرب ماء القيعان والغدران، وأسلك

стр. 408

مخوف المسالك، وألقي بيدي إلى المهالك [١] ، ومع ذلك فاني رجل وجل من السلطان، مشرد عن/ الأهل والأوطان، وحتى إني [٢] أعثر في الندرة بواحد مثلك، وأتركه يمضي إلى منزل رحب، وعيش رطب، وماء عذب، وأبقى أنا ههنا أكابد التعب، وأناصب النّصب، وأجاهد السّغب [٣] ، وأنشد له [٤] : [الوافر] تري عينيك ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترّهات قال أبو العباس، قال له القاضي: يا هذا، إني أراك شابا فاضلا، ولصا عاقلا، ذا وجه صبيح، ولسان فصيح، ومنظر وشارة، وبراعة وعبارة. قال له اللص: هو كما تذكر، وفوق ما تنشر. قال له القاضي: فهل لك إلى خصلة تعقبك أجرا، وتكسبك شكرا، وتحقبك ذخرا، ولا تهتك مني سترا، ومع ذلك فاني مسلّم الثياب إليك، ومتوفز [٥] بعدها عليك. قال اللص: وما هذه الخصلة؟ قال القاضي: تمضي معي إلى البستان، فأتوارى بالجدران، وأسلم إليك الثياب، وتمضي على المسار والمحاب. قال اللص: يا سبحان الله، تشهد لي بالعقل، وتخاطبني بالجهل،/ ويحك، من أمّنني منك أن يكون لك في البستان غلامان جلدان علجان [٦] ، ذوا سواعد شديدة، وقلوب غير رعديدة، يشداني وثاقا، ويسلماني إلى السلطان، فتحكم فيّ آراؤه، ويقضي عليّ ما يشاؤه، فاما أن يوردني الحتف، وإما أن يسومني الخسف. قال له القاضي: لعمري إنه من لم يفكر في العواقب، فليس للدهر بصاحب، وحقيق بالرجل من كان السلطان له مراصدا، وحقيق باعمال الحيل من كان لهذا الشأن قاصدا، وسبيل العاقل أن لا يغتر بعدوه، بل يكون منه على حذر، وإن كان لا حذر من قدر، ولكني أحلف لك أليّة [٧] مسلم، وجهد مقسم، أني لا أوقع بك مكرا، ولا أضمر لك غدرا. فقال اللص: لعمري لقد حسّنت عبارتك ونمّقتها، وحسّنت إشارتك وطبّقتها، ونثرت [٨] حبّ خبرك على فخ خيرك، وقد قيل في المثل السائر على ألسنة العرب،

стр. 409

والمستفيض في عرصات الأدب: (أنجز حرّ ما وعد) [١] ، ووفى بما عهد، أدرك الأسد/ قبل أن يلتقي على الفريسة لحياه، ولا يعجبك من عدوّ حسن محياه، وأنشد: [الخفيف] لا تخدشن وجه الحديث فانّا ... قد كشفناه قبل كشفك عنه واطلعنا عليه والمتولي ... قطع أذن العيار أعير منه [٢] ثم قال اللص: ألم يزعم القاضي أنه كتب الحديث زمانا، ولقي منه من الشيوخ كهولا وشبانا، حتى فاز ببكره وعونه، وحاز منه فقر متونه وعيونه [٣] . قال القاضي: أجل. قال اللص: فأي شيء كتبت في هذا المثل، الذي ضرب لك فيه المثل، وأعملت لك فيه الحيل؟ فقال القاضي: ما يحضرني في هذا المقام الحرج الالتزام، المؤذن صاحبه بالإرغام، حديث أسنده، ولا خبر أورده، فقد قطعت هيبتك كلامي، وصدعت قبضتك عظامي، فلساني كليل، وجناني عليل، وخاطري نافر، ولبي طائر. قال اللص: فليسكن لبّك، وليطمئن قلبك، اسمع هذا ويكون بثيابك، حتى لا تذهب ثيابك إلا بالفوائد. قال القاضي: هات. قال/ اللص: حدثني أبي عن جدي ثابت البناني [٤] عن أنس بن مالك، قال، قال رسول الله ﷺ : (يمين المكره لا تلزمه، فان حلف وحنث فلا شيء عليه) ، وأنت إن حلفت حلفت مكرها، وإن حنثت فلا شيء عليك، انزع الثياب. قال القاضي: يا هذا أعييتني بمضاء جنانك، وذرابة لسانك، وأخذك عليّ الحجج من كل وجه وجانب، بألفاظ كأنها لسع العقارب، أقم ههنا حتى أمضي إلى البستان، فأتوارى بالجدران، وأدفعها إلى صبي غير بالغ، تأمن مكره، تنتفع أنت بها، ولا أنهتك أنا، ولا يجري على الصبي حكومة لصغر سنه، وضعف متنه. قال اللص: يا إنسان، قد أطلت المناظرة، وأكثرت المحاورة، ونحن على طريق ذي غرر [٥] ، ومكان صعب وعر، وهذه المراوغة لا تنتج لك نفعا، ولا تستطيع لما أرومه منك دفعا، ومع هذا فتزعم أنك من أهل العلم والرواية، والفهم/ والدراية، وقد روي عن النبي ﷺ ، أنه قال: (الشريعة شريعتي، والسنة سنتي، فمن ابتدع في شريعتي وسنتي

стр. 410

فعليه لعنة الله) [١] . قال القاضي: يا رجل، وما ههنا من البدع؟ قال اللص: اللصوصية بنسيئة بدعة، انزع ثيابك، فقد رأيت لك، وأرخيت طولك، وأوسعت مجالك، ولم أشد عقالك، حياء من حسن عبارتك، وقوة بلاغتك، وتقلبك في المناظرة، وصبرك تحت المخاطرة. فنزع القاضي ثيابه، ودفعها إليه، وبقي في السراويل. فقال اللص: انزع السراويل كي تتم الخلعة. قال القاضي: يا هذا دع عنك هذا الاغتنام، وامض بسلام، ففي ما أخذت كفاية، ودع هذا السراويل [٢] ، فانه لي ستر ووقاية، لا سيما وهذه صلاة الفجر قد أزف حضورها، وقرب وقوعها، وأخاف أن تفوتني، فأصليها في غير وقتها، وقد تعمدت تركها رجاء أن أفوز بها في مكان يحطّ فيه وزري، ويضاعف فيه أجري، ومتى منعتني/ من ذلك، كنت كما قال الشاعر: [الكامل] إنّ الغراب وكان يمشي مشية ... فيما مضى من سالف الأحوال [٣] حسد القطاة فرام يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العقّال فأضلّ مشيته وأخطأ مشيها ... فلذاك كنّوه أبا المرقال فقال اللص: القاضي أيده الله [٤] يرجع إلى خلعة غيرها، أحسن منها منظرا، وأجود خطرا، وأنا لا أملك سواها، ومتى لم تكن السراويل في جملتها، ذهب حسنها، وقلّ ثمنها، ولا سيما والتكة مليحة وسيمة، ولها مقدار وقيمة، فدع عنك ضرب الأمثال، واقلع عن ترداد المقال، فاني لست ممن يلهى بالمحال، ما دامت الحاجة ماسة إلى السراويل، ثم أنشأ يقول [٥] : [الرجز] دع عنك ضربك سائر الأمثال ... ولتسمعن إن شئت فضل مقال لا تطلبن مني الخلاص فانّني ... أفتي أذا ما جئتني بسؤال ولأنت إن أبصرتني أبصرت ذا ... قول وعلم كامل وفعال جارت عليه يد الليالي فانثنى ... يبغي المعاش بصارم قصّال فالموت في ضنك المواقف دون أن ... ألقى الرجال بذلّة التسآل

стр. 411

والعلم ليس بنافع أربابه ... أو لا فقوّمه على البقّال ثم قال: ألم يذكر القاضي أنه يتفقّه في الدين، ويتصرّف في فتاوى المسلمين؟ قال القاضي: أجل، قال اللص: فمن صاحبك من أئمة الفقهاء، وصدور العلماء؟ قال القاضي: صاحبني محمد بن إدريس الشافعي، قال اللص: اسمع هذا ويكون بالسراويل، حتى لا يذهب السراويل بالفوائد، قال القاضي: أجل، قال اللص: يا لها من نادرة، ما أغربها، وحكاية ما أعجبها أن يخفى عنك مثل هذا المقدار، وأنت تعتزي إلى الفقهاء والنظّار، إنما أنت محنة على الإسلام، ومعرّة على الحكام، ثم قال: أي شيء قال صاحبك في صلاة الفجر وغيرها وأنت عريان [١] ، قال القاضي: لا أدري. قال اللص: حدثني أبي عن جدي عن محمد بن إدريس الشافعي، يرفعه باسناده عن النبي ﷺ ، قال:/ (صلاة العريان جائزة ولا إعادة عليه) [٢] ، وتأول في غرقى البحر إذا أعطبوا، وسلموا إلى الساحل. فنزع القاضي السراويل، وقال: خذه، فأنت أشبه بالقضاء [٣] مني وأنا أشبه باللصوصية منك، يا من درس على أخذ ثيابي موطأ مالك، وكتاب المزني، ومد يده ليدفعه إليه، فرأى الخاتم في أصبعه اليمنى، فقال: انزع الخاتم، فقال: إن هذا اليوم ما رأيت أنحس [٤] منه صباحا، ولا أقلّ نجاحا، إذ رماني بهذا الأمر المنكر، وقصدني بأمر حبوكر [٥] ، ويحك ما أشرهك، وأرغبك وأشد طلبك وكلبك، دع هذا الخاتم، فانه عارية معي، وإنما خرجت ونسيته في إصبعي، ولا تلزمني غرامته أكثر من قيمته. فقال اللص: يزعم القاضي أنه شافعي المذهب، وهو فيه طويل الباع والمنكب، قال: نعم، قال اللص: فلم تختمت به في اليمين؟ قال القاضي: هو مذهبنا، قال اللص: صدقت، إلا أنه صار التختم في اليمين من شعار المضادين، فحصل فرق بين/ المخالف والموالف، قال القاضي: ومع هذا فاني أعتقد ولاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، وتفضيله على كل المسلمين، من غير طعن على السلف الراشدين، ولا عدول [٦] عن السنة والدين، وهذا حلية اعتقادي، وعلى مذهب الشافعي في الحكومة اعتمادي، وعليه سائر أهل بلادي.

стр. 412

قال اللص: نعم ما ذهبت إليه واعتمدت عليه، إن قال لك قائل: بم استحق عليّ أن يكون أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ قال القاضي: الجواب في ذلك أن عليا إنما استحق الفضل على من سواه من الصحابة والقرابة، لأنه أقربهم منه لحمة، وأدناهم حرمة، وأزكاهم مركبا، وأطيبهم منصبا. قال اللص: ذلك الذي أوجب له الفضل على من سواه من المهاجرين السابقين والأولين الصادقين؟ قال القاضي: نعم، قال اللص: فالعباس إذن أفضل منه لأنه أقرب إلى الرسول ﷺ منه، لأن الله تعالى يقول في كتابه: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ [١] ، وقد أجمع المسلمون/ أنه لو أن رجلا هلك وترك عمّا وابن عمّ، لكان المال للعم دون ابن العم، وهذا ما لا خلاف فيه. قال القاضي: فان العباس لا هجرة له، وعليّ له الهجرة، قال اللص: فبطلت [٢] علة القرابة، وصار الفضل للهجرة، قال القاضي: نعم، قال اللص: فجعفر بن أبي طالب له هجرة وهو ابن عم رسول الله ﷺ ، فلو نازعك منازع في أنه أفضل من علي، فما يكون جوابك؟ قال القاضي: فعليّ لم يشرك بالله طرفة عين، ولا علم منه خلف ولا مين [٣] ، وهو أقدم إيمانا منه ومن العباس، قال اللص: فبطل إذن الوجه الثاني، وصار الفضل لقدم الإيمان، قال القاضي: نعم، قال اللص: فأبو بكر ﵁ أقدم إيمانا من الكل، قال القاضي: أبو بكر انتقل عن شرك، قال اللص: أليس من لم يشرك، أفضل عندكم ممن أشرك؟ قال القاضي: بلى، قال اللص: فأيما أفضل، عائشة أو خديجة أو غيرها من نساء النبي ﷺ ، اللواتي لم يشركن بالله؟ قال القاضي: خديجة، قال اللص: فبطل إذن/ قدم الإيمان، قال القاضي: إلا أن عليا مع قدم إيمانه، وحسن إيقانه، وإيضاح برهانه، له اتصال نسب وقوة سبب، قال اللص: أو كل من كان أقرب، كان أفضل؟ قال القاضي: أجل، قال اللص: ففاطمة أقرب إلى رسول الله ﷺ أم عليّ؟ قال القاضي: فاطمة، قال اللص: فبطلت علّيّة القرابة، قال القاضي: فانّ عليا مع تقدم إيمانه، له جهاد، قال اللص: فكذلك أيضا إيمان أبي بكر، تقدم إيمان عليّ، وله جهاد وولاية، ولأنه أول من آمن بالله [٤] ، وجاهد وسبق إلى الصدق، ونصر رسول الله ﷺ ، حين لا معين له من أهل بيته وأقاربه، وأدنى عشيرته وأصحابه، فهو أول من سارع إلى إجابته، ودعا الناس إلى تبعيته، وبذل بين يديه الأموال، ولاقى بمهجته الأهوال، قال القاضي: كيف تقدم أبا بكر على عليّ وهو يعترف أن له شيطانا يعتريه، يقول: ألا إن لي شيطانا يعتريني، فاذا رأيتم ذلك فلا تقربوني،

стр. 413

لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم [١] ،/قال اللص: لعمرك لقد قال هذا في ملأ من المهاجرين والأنصار، إلا أنه ليس على وجه الأرض ذو عقل فاصل، ولا لبّ حاصل، يرى أن أبا بكر ﵁ كان مجنونا، ولا مغيرا مأفونا، ولو كان على مثل هذه الحال، لما خفي أمره على الصحابة والقرابة، ولا تركوا بأسرهم دفعه عن الخلافة [٢] بالاحتجاج أنه مجنون، يحتاج إلى علاج، دون إمامة الأمة وخلافة رسول الله ﷺ ، وهذا جهل ممن بلغ إليه، وتكلم عليه، وإنما قال ذلك كقول رسول الله ﷺ : (ما من أحد إلا وله شيطان) ، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم) [٣] ، وإنما قال ذلك أبو بكر، ليتوقوا وقت غضبه، قال القاضي: أليس هو القائل: وليتكم ولست بخيركم؟ [٤] قال اللص: في هذا وجوه، منها أنه قال ذلك محتجا على الأنصار، لأنه قد وليهم بالصلاة، ورسول الله ﷺ حاضر، ولعمري أنه لا يجوز أن يكون/ خير قوم أحدهم رسول الله ﷺ ، فكأنه قال: لا أليكم مع عدمه، وقد وليتكم في وجوده، ولست بخيركم، ومنها أنه أراد: ولست بخيركم قبيلة، لأن بني هاشم أعلى منه في ذروة النسب، وأقعد في الصيت والمذهب، يدلهم بهذا على أن هذا الأمر لا يستحقّ بعلو النسب، ولا هو مقصور على بني هاشم دون غيرهم من قريش، لقول رسول الله ﷺ : (الأئمة من قريش) [٥] . قال القاضي: كيف تحقق هذا الأمر، وهو يقول: أقيلوني، أقيلوني. قال اللص: قد قال ذلك لما في إقامة الأمر من تحمل [٦] ثقل الإمامة، وذلك لفضله وعقله وورعه وخشيته وثخانة ديانته، لا لما يقعده عن ذلك، ولا ينبغي لفاضل عرضت عليه، أن يظهر المسارعة إليها والوثوب عليها، فان ذلك يلقيه في الظّنّة، ويورطه في التهمة. قال القاضي: كيف تثبتون له هذا الأمر، وعمر بن الخطاب يقول على المنبر، فسمعه الأسود والأحمر: «ألا إن بيعة أبي بكر [٧] كانت فلتة/ وقى الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه» . قال اللص: مهما شككنا في شيء، فانّا وإياكم لا نشك أن عمر ﵁، كان عاقلا، ولم يكن مجنونا مختلطا، وهذا الكلام إن حمل على ما قلتم، صار في حكم الجنون من قائله، لأن عمر يحتاج في إثبات إمامته، والدعاء إلى خلافته لعقد عهد أبي بكر

стр. 414

رضي الله عنه إليه، ودعاء الناس إلى إتباعه من بعده، فاذا كانت بيعة أبي بكر باطلة، وجب أن يكون عهده إلى عمر كذلك، ووجب أن تكون بيعة عمر باطلة، ووجب أن يقول له الناس من الصحابة والقرابة والأنصار، فأنت أيضا ممن يجب قتلك، ولا يجب العمل على عهدك في الشورى، والمعنى في هذا القول، أن عمر ﵁ كان يعتقد أن أبا بكر كان أفضل الأمة، وإن كان يستحق أخذ [١] الخلافة بالحجة والمناظرة، وإن من بعده يتفاوتون في الرتبة، ولا يستحقون على ذلك الوجه، وقوله: (كانت فلتة) ، أي تمت على غير إعمال فكر وروية، واستوسعت فجأة،/ وقوله: (وقى الله شرها) أي شر الخلاف عليها، وشق العصا عند تمامها، وقوله: (من عاد إلى مثلها فاقتلوه) ، إنما أراد إلى مثل قول الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير) ، وإرادة إخراج الأمر من قريش إلى غيرهم، وهذان الأمران حرام فعلهما في الدين، وفتنة بين المسلمين. قال القاضي: فاذا كنت قد فضلت أبا بكر على عليّ، فقد غضضت من عليّ، قال اللص: من قصد إلى ذلك فهو ضال، غير مرشد ولا موفق مسدد، ولو كان ما تذهب إليه وتظنه وتكنّه [٢] ، لكان من فضّل عليا على فاطمة والحسن والحسين، فقد غضّ منهم، وعدل بالفضل عنهم، وهذا ما لا يقوله مسلم، ولا يعتقده مؤمن، فان النبي ﷺ قال، وقد حمل الحسن والحسين على عاتقه: (نعم المطي مطيكما، ونعم الراكبان أنتما، وأبو كما خير منكما) [٣] ، ولم يرد بذلك غضّا ولا عدولا بالفضل عنهما،/ ولكن تحرّى في ذلك الصدق، وقصد في كلامه الحق. قال القاضي: فان النبي ﷺ حمل عليا [٤] يوم وقع الأصنام، فأظهر الله الإسلام، قال اللص: هذه فضيلة لعليّ غير مجحودة ولا مردودة، ولكنه قد حمل عائشة وهي صغيرة، وحمل أمامة [٥] بنت العاصي بن الربيع على كتفه، وهذا في الرواية مأثور، عن ثقات أهل الحديث مشهور. قال القاضي: فقد قال النبي ﷺ : (أنا من عليّ وعليّ مني) [٦] ، قال اللص: هذا ما

стр. 415

لا ندفعه، ولا نمنعه، ولكنه قال أيضا للعباس: (أنا من العباس والعباس مني) [١] ، فأيّ فضل لعلي على العباس، في هذا الاختصاص؟ قال القاضي: فقد قال لعلي: (أنت أخي) [٢] ، قال اللص: لعمري لقد قال ذلك مرارا، وأشار إليه سرا وإعلانا وإجهارا، ولكن قال ذلك له على مذهب الفضل له والرفعة لمكانته، أم على طريق الحقيقة؟ قال القاضي: على مذهب المجاز، قال اللص: فنحن وأنتم نروي عن النبي ﷺ أنه قال: (واشوقاه إلى إخواني الذين يأتون من بعدي، فيؤمنون بي ولم يروني) [٣] ، فسمى المسلمين إخوانا، وقال لأبي بكر/: (أخي ورفيقي وصاحبي) [٤] ، وقال: (إن الله أمرني أن أتخذ أبا بكر والدا، وعليا أخا) [٥] ، فالوالد في المبالغة في المدح والتقريب والفضل، أفضل من الأخ، كما أنه في الحقيقة كذلك، ثم قال: (وزنت بالأمة فرجحت بها، ووزن أبو بكر بالأمة فرجح بها) [٦] . قال القاضي: اسمع هذا، حدثنا حمزة الفوقلي قال، أخبرني عمي، عن أبيه، عن جده، قال، أخبرني الحسن بن علي، قال، أخبرتني فاطمة ﵂، قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (أخبرني جبريل عن كاتبي عليّ أنهما قالا: لم نكتب عليه ذنبا منذ صحبناه، فكيف يساويه مساو، ويناويه مناو) [٧] ، وهذا قوله ﷺ فيه. قال اللص: اسمع هذا، أخبرني أبي عن جدي، عن أبيه، عن مالك بن أنس، عن نافع عن عبد الله بن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : (إنّ حافظي أبي بكر ليفخران على سائر الحفظة لكينونتهما في صحبة أبي بكر، وذلك أنهما لم يكتبا عليه منذ صحباه ذنبا) [٨] ، قال القاضي: فان عليا [٩] بات على فراش رسول الله ﷺ ، ليلة الغار، غير جزوع ولا فزوع، قال اللص: في كلامك هذا إيهام، أن أبا بكر كان مع النبي/ ﷺ في الغار جزوعا فزوعا، وهو خلاف ما ذهبت إليه.

стр. 416

قال القاضي: فالله تعالى يقول: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [١] ، قال اللص: الحزن غير الجزع، وإنما حزن أبو بكر [٢] أن يصيب رسول الله، ﷺ ، شيء، فينهدم سور الإسلام، وينحلّ نظامه، ويفرق التئامه، فلا يعبد الله، فلأجل هذا كان حزنه، وكان أكثر حزنه على دين الله ، ولم يكن حزنه جزعا على نفسه، ولا على ماله وولده وعرسه، كيف يكون كذلك، وقد فارق الأهل والولد والمال والبلد، وخرج مع رسول الله ﷺ ، يدعو القبائل، فأما قوله: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ، فوجه الدلالة على فضل أبي بكر [٣] في هذه الآية من ستة مواضع: الأول: أن الله تعالى ذكر النبي ﷺ ، وذكر أبا بكر، فجعله ثانيه في الرتبة، فقال: ثانِيَ اثْنَيْنِ. الثاني: أنه وصفهما بالاجتماع معا في مكان واحد، لتأليفه بينهما، فقال: إِذْ هُما فِي الْغارِ . الثالث: أن الله تعالى أضافه إليه لذكره الصحبة، فجمع بينهما لمقتضى الرتبة، فقال: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ ./ الرابع: أنه أخبر عن شفقة النبي ﷺ ، ورفقه به، ومحله منه، فقال: لا تَحْزَنْ. الخامس: أنه أخبره أن الله تعالى معهما، على حد سواء، ناصر لهما [٤] ، فقال: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا. السادس: أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر، لأن الرسول ﵇، لم تفارقه السكينة قط، قال: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ، فهذه ستة مواضع، تدل على فضل أبي بكر من آية الغار، ولا يمكنك ولا لغيرك الطعن عليها، ولا النقض لها. قال القاضي: فان الله تعالى يقول: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ [٥] ، وعنى في هذه الآية عليّا، قال اللص [٦] : فلأبي بكر مثلها، وهو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

стр. 417

وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ الآية [١] ، فكانت الردة بعد رسول الله ﷺ ، فنكل عنها أصحاب رسول الله ﷺ ، إلا أبا بكر وحده، فانه لم تأخذه في الله لومة لائم في قتال أهل الردة، فقال له عمر: يا خليفة/ رسول الله، اقبل منهم الصلاة، ودع لهم الزكاة، فالصلاة أفضل قواعد الإسلام، فلم يقبل منه. قال القاضي: فان الله يقول: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [٢] ، نزلت هذه الآية في عليّ، وكانت معه أربعة دنانير، فتصدق منها بدينار سرا، ودينار علانية، ودينار ليلا، ودينار نهارا، فأخبر الله تعالى عنه بفعله، إعلاما بشأنه، وتنبيها على مكانه. قال اللص: فلأبي بكر مثلها، فان الله تعالى يقول [٣] : وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [٤] ، فجعل أعمال أصحاب رسول الله ﷺ شتى، ثم قال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى [٥] ، ثم قال: الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى [٦] ، نزلت هذه الآية في أبي بكر ﵁، وما أرى [٧] أن يخفى عنك، ولا عن مثلك من ذوي الألباب والعلم، فضل ما بين هاتين الآيتين، أنه لا خلاف بين المسلمين/ أن أبا بكر أنفق أربعين ألف درهم، يريد بها وجه الله ربه الأعلى، حتى تخلل بالعباء، فقرا في طاعة الله وطاعة رسوله. قال القاضي: فان الله تعالى يقول: أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [٨] ، نزلت هذه الآية في عليّ، قال اللص: فلأبي بكر مثلها، قال الله سبحانه: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا [٩] ، نزلت هذه الآية في أبي بكر، وقد أنفق ماله على رسول الله ﷺ ، وهو أول من قاتل معه بمكة، وقد اجتمع المشركون على رسول الله ﷺ ، فجاء أبو بكر، فمانعهم عنه ودافعهم دونه،

стр. 418

فأخبر الله عنه بذلك. قال القاضي: فحبّ عليّ فريضة على أمّة محمد ﷺ جميعا، فان كان أبو بكر من أمته، دخل في هذه الفريضة، قال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [١] ، وقد أجمع أهل البيت أن عليّا أفضلهم منزلة عند الله ورسوله. قال اللص: فلأبي بكر مثلها، قال الله سبحانه: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ [٢] ولا خلاف/ بين الأمة أن أبا بكر ﵁ إمام السابقين، وأول الصادقين، وأوجب الله على كل مؤمن أن يستغفر له، ولا يستغفر لأحد إلا لمن يحب، فحبه إذن فرض، كما أخبر الله سبحانه، وبغضه كفر. قال القاضي: فأوجد في ذكر خلافة أبي بكر في التنزيل. قال اللص: نعم، قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [٣] ، وقال تعالى: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ [٤] ، فأخبر أن الخلفاء أعظم منزلة، وأرفع درجة عنده من غيرهم، وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [٥] ، فذكر خلافته في التوراة والإنجيل والقرآن، ووعدهم بأن يستخلفهم ووفّى لهم بذلك، وأوجب فرض طاعتهم على أهل زمانهم، وفي بعض هذه دلالة كافية، وحجة شافية، وما أراكم توردون فضيلة إلا ولنا أمثالها، ولا تظهرون منقبة إلا وعندنا أشكالها، ولا تختالون في دفع فضل لنا، إلا وعندنا/ في نقضه حجة قاطعة، وبراهين لامعة، وليس كل خبر يورد، ولا حديث يسند، إلا وعندنا من تأويله فنون، ومن علمه متون وعيون، فان جهلتم الفضل على مثل هذه الأخبار، قلنا: فقد قال في عمر بن الخطاب: (لو كان بعدي نبي لكان عمر) [٦] ، وإن قلتم: إنما الفضل بالشجاعة، فقد شهد النبي ﷺ للزبير بها، وقال في حمزة: (أسد الله) ، وقال في خالد: (سيف الله) ، ثم قال ﷺ : (أنا في ميزان عمي العباس) [٧] .

стр. 419

فلما سمع القاضي جودة منطقه، وحسن نسقه، وقدرته على الكلام، وثباته في الخصام، وقوته في النظر، ومعرفته بالأثر، وروايته للخبر، علم أنه عود بازل [١] ، وقضاء نازل، وعالم لا يجارى، وفقيه لا يمارى، ومتكلم لا يصطلى بناره، ولا يبصر في غباره، وأنه إنما حمله على ذلك ضرورة القلة والإعدام، والأنفة من الحاجة إلى السفلة واللئام، نزع الخاتم من إصبعه، وقال: هاك يا فقيه، يا متكلم، يا محدث، يا شاعر، يا لص، فأخذه منه، وحلّ عقاله، وأوسع مجاله، ونفس خناقه وأطلق/ وثاقه، ومضى عنه وهو يقول: [البسيط] اعذر أخاك خلاك الذمّ من رجل ... صلب المجسّ له ناب وأظفور لولا تفقدني سلمى لما بكرت ... بي نحو ما كنت تخشاه المقادير [٢] قالت وقد رابها عدمي ثكلتك من ... راض ببرض معاش فيه تكدير [٣] مهلا سليمى سينفي العار عن هممي ... همّ وعزم وإدلاج وتشمير سأنزع الرزق من أيدي معاشرها ... فيهم كريم له خيم ولا خير [٤] قوم إذا أحوج الدهر الخؤون فتى ... إليهم مقلته أعين زور [٥] ماذا أوّمل من علم ومن أدب ... مع معشر كلهم حول الندى عور تا الله أطلب من أيديهم أبدا ... رزقا ولي فاتك الحدّين مأثور [٦] ثم مضى القاضي إلى منزله، وقد ملأ قلبه ما رأى من شجاعته، وشاهد من براعته، وما راقه من علمه، وشاقه من فهمه، فلبس من فاخر ثيابه، وخرج إلى عدوله وأصحابه، فلما استقر مجلسه، وثاب إليه حسّه وأنسه، حدّث عدوله ما لقي في ليلته من التعب، وقاسى من النّصب، وأخذ في/ وصف اللص فأطنب، ومرّ في مدحه فأسهب، وأراق فأعجب، ثم قال: ولقد قلت فيه أبياتا أنعته فيها، وأذكر مقامه وموقفه [٧] ، فقيل له: وما الأبيات أيها القاضي؟ فأنشأ يقول: [البسيط]

стр. 420

لله لص جريء القلب محتنك ... مجرّب العزم قتّال مع السّحر أبصرته فكأنّ الموت صورته ... في كفّه خنجر أمضى من القدر ومدّ نحوي يدا كانت براحتها ... تفيض نفسي من خوف ومن حذر ومكّن النّصل من نحري وقال ألا ... ألق الثياب ولا تقدم على الخطر فقلت دونك عني إنني رجل ... شيخ فقيه وقاض من بني عمر يرى الورى كلّهم فضلي ويرفعني ... علمي ويشهد لي في البدو والحضر [١] أما تخاف أما تخشى الإله بأن ... يراك من حيث لا يرضاك فاقتصر [٢] فقال لي بلسان ناطق ذرب ... كأنّما قدّ ما يلقيه من حجر أما تراني فتى لصا تعوّذ بي ... من قد رآني من أنثى ومن ذكر آوي القفار وأحميها ويؤنسني ... سيفي وترسي وقلب محضر المرر تنبو المضاجع عن جنبي لتحملني ... نفسي عن الكرّ بين الورد والصّدر سل إن جهلت مكان الليل عن خبري ... يخبرك إن شئت أو لا فاقتحم أثري أنا الذي أسبق الأقدار في مهل ... مني وأكحل جفن العين بالسّهر ولا أنام على ثأر يؤرقني ... من الملوك ولا ثاري على القسر [٣] ما كنت أحسب أني قبل ذاك أرى ... ليثا يحلّ لنا في صورة البشر فلو أبو هاشم والشافعي وأبو ... حنيفة وابن جهم المجبر القدري ومالك مقلتهم عينه لقضى ... على ثيابهم في مجلس النظر أو لو تأبط أو لو أن عروة أو ... عمرو بن معدي أو ذا النابل النمر [٤] لقيتهم ولظى الهيجاء مسعرة ... ترمي رحاها حماة البأس بالشرر لأوردتهم ظباه موردا كدرا ... مرا وكيف لهم بالمورد الكدر فمن عذيري ممّا قد بليت به ... في صبح يوم بدا عن حيّة ذكر فقال له القوم: ما يقول القاضي في هذا الرجل؟ فقال: ما أقول في رجل تفصح شمائله عن أبوّته، وتنطق مخايله عن مروء ته، هو من قبلي في أوسع عذر، وأفسح أجر، فاني لا

стр. 421

أرى أن يعذب الله بالنار [١] رجلا من أهل العلم. [انتهت حكاية القاضي واللص] في تاريخ المدينة الشريفة للحافظ جمال الدين المطري [٢] وصل السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي [٣] سنة سبع وخمسين وخمسمئة، إلى المدينة الشريفة، بسبب رؤيا رآها، ذكرها بعض الناس، وسمعتها من الفقيه علم الدين يعقوب بن أبي بكر المحترق أبوه ليلة حريق المسجد، عمن حدثه عن أكابر من أدرك أن السلطان محمود المذكور، رأى النبي ﷺ ، ثلاث مرات في ليلة واحدة، وهو يقول له في كل واحدة منها: يا محمود، أنقذني من هذين الشخصين، فأراه شخصين أشقرين تجاهه [٤] ، فاستحضر وزيره قبل الصبح، فذكر ذلك له، فقال له: هذا أمر حدث في مدينة النبي ﷺ ، ليس له غيرك، فتجهز وخرج على عجل، بمقدار ألف راحلة، وما يتبعها من خيل وغير ذلك، حتى دخل المدينة على حين غفلة من أهلها، والوزير معه، فزار وجلس في المسجد، لا يدري ما يصنع، فقال له الوزير: أتعرف الشخصين إذا رأيتهما؟ قال: نعم/ فطلب الناس عامة للصدقة، وفرق عليهم ذهبا كثيرا وفضة، وقال: لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء، فلم يبق [٥] إلا رجلان مجاوران من أهل الأندلس، نازلان في الناحية التي تلي قبلة حجرة النبي ﷺ ، من خارج المسجد، فطلبهما للصدقة، فامتنعا، وقالا: نحن على كفاية، فجدّ في

стр. 422

طلبهما، فجيء بهما، فلما رآهما، قال للوزير: هما هذان، فسألهما عن حالهما وما جاء بهما، فقالا: لمجاورة النبي ﷺ ، فقال: أصدقاني، وتكرر السؤال، حتى أفضى إلى معاقبتهما، فأقرا أنهما من النصارى [١] ، أنهما وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة الشريفة المقدسة، باتفاق من ملوكهم، ووجدهما قد حفرا نقبا تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي، وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة، ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه، فضرب أعناقهما، ثم أحرقا بالنار. وركب متوجها إلى الشام./ وحكى الإمام زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغي [٢] أيضا هذه الحكاية، في كتابه تاريخ المدينة، ثم قال: وقد اتفق بعد الأربعمئة من الهجرة، ما يقرب من ذلك، وهو ما أخرجه الحافظ محب الدين بن النجار، في تاريخ بغداد، بسنده عن أبي القاسم عبد الحكم بن محمد المغربي، أن بعض الزنادقة أشار على الحاكم العبيدي [٣] صاحب مصر، بنقل النبي ﷺ وصاحبيه، من المدينة إلى مصر، وزيّن له ذلك، وقال: متى تم ذلك، شدّ الناس رحالهم من أقطار الأرض إلى مصر، وكانت منقبة لسكانها، فاجتهد في ذلك [٤] ، وبنى بمصر مكانا، وأنفق عليه مالا جزيلا، وبعث أبا الفتوح لنبش الموضع الشريف وحملهم، فلما وصل إلى المدينة، ماج الناس، وكادوا يقتلونه ومن معه، وأرسل الله ريحا كادت تزلزل الأرض من قوتها، حتى دحرجت الإبل بأقتابها، والخيل بسروجها، كما يدحرج الكرة على وجه الأرض، وهلك أكثرها، وخلق من الناس، فرجع أبو الفتوح عن ذلك./

стр. 423

قال القاضي تاج الدين السبكي [١] في الطبقات الكبرى: أخذ بعض المتأخرين يعدد أنواع الواقعات من الكرامات، فجعلها عشرا [٢] ، وهي أكثر من ذلك، قال: وأنا أذكر ما عندي فيها: النوع الأول: إحياء الموتى، وفيه حكايات كثيرة. الثاني: كلام الموتى، وهو أكثر من النوع الذي قبله. الثالث: انفلاق البحر وجفافه، والمشي على الماء [٣] . الرابع: انقلاب الأعيان كما وقع لبعضهم، من انقلاب الخمر سمنا. الخامس: انزواء الأرض. السادس والسابع: كلام الحيوانات والجمادات. الثامن: إبراء العليل. التاسع: طاعة الأسد والحيوان. العاشر: طي الزمان. الحادي عشر: نشر الزمان. الثاني عشر: استجابة الدعاء. الثالث عشر: إمساك اللسان عن الكلام وإطلاقه. الرابع عشر: جذب بعض القلوب في مجلس كانت منه في غاية النفرة. الخامس عشر: الإخبار ببعض المغيبات. السادس عشر: الصبر على عدم الطعام والشراب المدة الطويلة. السابع عشر: مقام التصريف، كما ذكر أن بعضهم كان يتبع المطر [٤] . الثامن عشر: القدرة على تناول الكثير من الغذاء. التاسع عشر: الحفظ عن أكل الحرام.

стр. 424

العشرون: رؤية المكان البعيد من وراء الحجب [١] ، كما قيل إن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي [٢] /كان يشاهد الكعبة وهو ببغداد. الحادي والعشرون: الهيبة بحيث مات من يشاهده بمجرد رؤيته. الثاني والعشرون: كفاية الله إياهم شر من يريد بهم سوءا، كما اتفق للإمام الشافعي ﵁، مع هارون الرشيد. الثالث والعشرون: التطور بأطوار مختلفة، وهذا الذي تسميه الصوفية بعالم المثل. الرابع والعشرون: اطلاع الله إياهم على ذخائر الأرض. الخامس والعشرون: ما سهل للكثير من العلماء في التصانيف في الزمن اليسير، بحيث وزع على زمن حياتهم فوجد لا يفي به نسخا، فضلا عن التصنيف، وهذا من قسم نشر الزمان الذي تقدم. انتهى ملخصا [٣] . قال الإمام الرافعي [٤] في آخر أماليه: [السريع] عبد الكريم المرتجى رحمة ... بليغة من كل أرجائه أملى ثلاثين حديثا على ... ما وفق الله بنعمائه ليس يزكيها ولكنّه ... يقول قول الحائر التائه فاز أبو القاسم يا رب لو ... قبّلت حرفين من إملائه في تاريخ ابن عساكر عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز [٥] قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز، جعل لا يدع شيئا مما كان في يد أهل بيته من المظالم إلا ردّها مظلمة مظلمة، فبلغ ذلك عمر بن

стр. 425

الوليد بن عبد الملك [١] ، فكتب إليه: «إنك أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، وعبت عليهم، وسرت بغير سيرتهم، بغضا وشنآنا لمن بعدهم من أولادهم، فقطعت ما أمر الله به أن يوصل، إذ عمدت إلى أموال قريش ومواريثهم فأدخلتها في بيت المال، جورا وعدوانا، فاتق الله يا ابن عبد العزيز وراقبه، إن شططت لم تطمئن على منبرك، خصصت أولي قرابتك بالظلم والجور، فو الذي خص [٢] محمدا ﷺ ، بما خصه به، لقد ازددت من الله بعدا في ولايتك هذه، إن زعمت أنها عليك بلاء، فاقصر ببعض ميلك، واعلم أنك بعين جبّار، وفي قبضته، ولن تترك على هذا، اللهم فسل سليمان بن عبد الملك [٣] عمّا صنع بأمّة محمد ﷺ » . فلما قرأ عمر بن عبد العزيز كتابه كتب إليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى عمر بن الوليد، السلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، أما بعد، فقد بلغني كتابك، وسأجيبك بنحو منه، أما أول شأنك يا ابن الوليد، كما تزعم فأمك بنانة أمة للسكون، كانت تطوف في سوق حمص، وتدخل في حوانيتها، ثم الله أعلم بما اشتراها دينار بن دينار من فيء المسلمين، فأهداها لأبيك [٤] فحملت بك، فبئس المحمول، وبئس المولود، ثم نشأت، فكنت جبارا عنيدا، تزعم أني من الظالمين أن حرمتك وأهل بيتك فيء الله ، الذي هو حق القرابة والمساكين والأرامل، وأن أظلم مني وأترك لعهد الله، من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين [٥] ، تحكم فيهم برأيك، ولم يكن له من ذلك نية إلا حب/ الوالد لولده، فويل لك وويل لأبيك، ما أكثر خصماؤكما يوم القيامة، وكيف ينجو أبوك [٦] من خصمائه، وإنّ أظلم مني، وأترك لعهد الله من استعمل الحجاج بن يوسف على خمس العرب، يسفك الدماء الحرام، ويأخذ المال الحرام، وإنّ أظلم مني، وأترك لعهد الله من استعمل
следующие страницы →