← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 11446–11485 · переход к 11451.

стр. 11446

يقال: أقويت منذ كذا وكذا، أي ما أكلت شيئاً، وبات فلان القواء وبات القَفْرَ، إذا بات جائعاً على غير طعم. قال الشاعر: [الطويل] ٤٧٠٥ - وإنِّي لأخْتَارُ القَوَى، طاويَ الحَشَا ... مُحافَظَةً مِنْ أن يُقالَ: لَئِيمُ وقال قطرب: المقوي من الأضداد، يكون بمعنى الفقير، ويكون بمعنى الغني. يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زادٌ، ويقال للفقير: مُقْوٍ إذا لم [يكن] معه مالٌ. وتقول العربُ: أقويت منذ كذا، أي: ما أكلت شيئاً، وأقوى: إذا قويت دوابه، وكثر ماله ليقويه على ما يريد. وقال المهدوي: والآية تصلح للجميع؛ لأن النَّار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير. وقال القشيري: وخصّ المسافر بالانتفاع بها؛ لأنَّ انتفاعه أكثر من انتفاع المقيم؛ لأنَّ أهل البادية لا بُدَّ لهم من النَّار يوقدونها ليلاً لتهرب منهم السِّباع، وفي كثير من حوائجهم. قوله : ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ . أي: فنزه الله عما أضافه إليه المشركون من الأنداد والعجز عن البعث. قال ابن الخطيب: والمشهور أن الاسم مقحم، والأحسن أنه من باب الأولى، وأنَّ تعظيم المسمى آكد، وقد تقدم أن تعلُّق الفعل إن كان ظاهراً استغنى عن الحرف ك «ضرب» ، وإن كان خفيًّا قوي بالحرف ك «ذهب» ، وإن كان بينهما جاز الوجهان ك «شَكَر ونَصَحَ» . و «سَبِّحْ» متعد بنفسه إلَاّ أنه لما دخل على الاسم - والمراد الذَّات - خفي التعليق من هذا الوجه، فأتي بالحرف. وأما قوله ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [من سورة الأعلى: ١] . فيحتمل أن ذلك لأنهم كانوا

стр. 11447

يعترفون بالله، ويقولون: «نحن لا نشرك» في المعنى، وإنما سمي الأصنام آلهة باللفظ، فقيل لهم: نزّهوا الاسم كما نزهتم الحقيقة، وعلى هذا فالخطاب ليس للنبي ﷺ َ بل هو كقول الواعظ: يا مسكين، أفنيت عمرك وما أصلحت عملك، ويريد السَّامع. والمعنى مع الباء: فسبّح مبتدئاً باسم ربك، فلا تكون «الباء» زائدة. ومعنى العظيم: القريب من الكل، فإن الصَّغير إذا قرب من شيء بعد عن غيره.

стр. 11448

قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ . قرأ العامة: «فَلَا» لام ألف. وفيه أوجه: أحدها: أنها حرف نفي، وأنَّ النفي بها محذوف، وهو كلام الكافر الجاحد، تقديره: فلا حجة لما يقول الكُفَّار، ثم ذكر ابتداء قسماً بما ذكر. وإليه ذهب كثير من المفسِّرين والنحويين. قال الفرَّاء: «هي نفي، والمعنى: ليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف [القسم] ، كما تقول:» لا والله ما كان كذا «ولا يريد به نفي اليمين، بل يريد به نفي كلام تقدم، أي: ليس الأمر كما ذكر، بل هو كذا» . وضعِّف هذا بأن فيه حذف اسم «لا» وخبرها. قال أبو حيَّان: «ولا يجوز ولا ينبغي، فإنَّ القائل بذلك مثل سعيد بن جبير تلميذ خبر القرآن وبحره عبد الله بن عباس. ويبعد أن يقوله إلا بتوقيفٍ» . الثاني: أنَّها زائدة للتأكيد. والمعنى: فأقسم، بدليل قوله: وإنه لقسم، ومثله في قوله تعالى: ﴿لِّئَلَاّ يَعْلَمَ﴾ [الحديد: ٢٩] ، والتقدير: ليعلم.

стр. 11449

وكقوله: [الطويل] ٤٧٠٦ - فَلَا وأبِي أعْدائِهَا لا أخُونُهَا ... الثالث: أنها لام الابتداء، والأصل: فلأقسم، فأشبعت الفتحة، فتولّد منها ألف. كقوله: [الرجز] ٤٧٠٧ - أعُوذُ باللَّهِ مِنَ العَقْرَابِ ... قاله أبو حيَّان. واستشهد بقراءة هشام: «أفئيدة» . قال شهاب الدين: «وهذا ضعيف جدًّا» . واستند أيضاً لقراءة الحسن وعيسى: «فلأقسم» بلام واحدة. وفي هذه القراءة تخريجان: أحدهما: أن «اللام» لام الابتداء، وبعدها مبتدأ محذوف، والفعل خبره، فلما حذف المبتدأ اتصلت «اللام» بخبره، وتقديره: «فلأنا أقسم» نحو: «لزيد منطلق» . قاله الزمخشري وابن جني. والثاني: أنها لام القسم دخلت على الفعل الحالي، ويجوز أن يكون القسم جواباً للقسم، كقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَآ﴾ [التوبة: ١٠٧] ، وهو جواب لقسم مقدر ويجوز أن يكون القسم كذلك وهذا هو قول الكوفيين، يجيزون أن يقسم على فعل الحال. والبصريون يأبونه، ويخرجون ما يوهم ذلك على إضمار مبتدأ، فيعود القسم على جملة اسمية. ومنع الزمخشري أن تكون لام القسم. قال: لأمرين: أحدهما: أن حقها أن تقرن بالنون المؤكدة، والإخلال بها ضعيف قبيحٌ. والثاني: أن «لأفعلن» في جواب القسم للاستقبال، وفعل القسم يجب أن يكون للحال. يعني أن فعل القسم إنشاء، والإنشاء حال.

стр. 11450

وأمَّا قوله: «إنَّ حقَّها أن تقرن بها النون» ، هذا مذهب البصريين أيضاً. وأمَّا الكوفيون فيجيزون التَّعاقب بين اللام والنون، نحو: «والله لأضرب زيداً» كقوله: [الطويل] ٤٧٠٨ - لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَليْكُم بُيُوتكُمْ ... ليَعْلَمُ ربِّي أنَّ بَيْتِيَ واسِعُ و «الله اضربن زيداً» . كقوله: [الكامل] ٤٧٠٩ - وقَتِيلِ مُرَّة أثأَرَنَّ ... ..... ... ... ... ... ... ... ... . وقد تقدم قريب من هذه الآية في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء: ٦٥] ، ولكن هناك ما لا يمكن القول به هنا، كما أن هنا ما لا يمكن القول به هناك، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - قريب منه في «القيامة» في قراءة ابن كثير: ﴿لأُقْسِمُ بِيَومِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] . قال القرطبي: وقيل: «لا» بمعنى «ألَا» للتنبيه، كقوله: [الطويل] ٤٧١٠ - ألا عِمْ صَبَاحاً أيُّهَا الطَّلَلُ البَالِي..... ... ... ... ... ... ... ... ونبَّه بهذا على فضيلة القرآن ليتدبروه، فإنه ليس بشعر، ولا سحر، ولا كهانة كما زعموا. وقرأ العامة: «بمواقع» جمعاً. والأخوان: «بموقع» مفرداً بمعنى الجمع؛ لأنه مصدر فوحَّد. ومواقعها: مساقطها ومغاربها. قاله قتادة وغيره.

стр. 11451

وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة. وقيل: المراد نجوم القرآن. قاله ابن عباس والسدي، ويؤيده: «وإنه لقسم» و «إنَّه لقُرآن كريم» . وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها. وقال الضحاك: هي الأنواء التي كانت أهل الجاهلية، تقول إذا مطروا: مطرنا بنوء كذا. وقال الماوردي: ويكون قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ مستعملاً على الحقيقة من نفي القسم. وقال القشيري: هو قسم، ولله أن يقسم بما يريد، وليس لنا أن نقسم بغير الله - تعالى - وصفاته القديمة. قال القرطبي: «ويدلُّ على هذا قراءة الحسن: فلأقسم» . قوله: «وإنه قسم - لو تعلمون - عظيم» . الضمير عائد على القسم الذي تضمنه قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ ؛ لأن «أقسم» يتضمن ذكر المصدر، ولهذا توصف المصادر التي لم تظهر بعد الفعل فيقال: «ضربته قويًّا» . فإن قيل: جواب «لو تعْلَمُونَ» ماذا؟ . قال ابن الخطيب: ربما يقول بعض من لا يعلم بأن جوابه ما تقدم، وهو فاسد في جميع المواضع؛ لأن جواب الشرط لا يتقدم؛ لأن عمل الحروف في معمولاتها لا يكون قبل وجودها، فلا يقال: زيداً إن قام. فالجواب يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقال: الجواب محذوف بالكلية بحيث لا يقصد لذلك جواب، وإنما يراد نفي ما دخلت «لو» فكأنه قال: وإنه لقسمٌ عظيم لو تعلمون. وتحقيقه: أن «لو» تذكر لامتناع الشيء لامتناع غيره، فلا بُدَّ فيه من انتفاء الأول،

стр. 11452

فإدخال «لو» على «تعلمون» أفاد أن علمهم منتفٍ، سواء علمنا الجزاء أم لم نعلم. وهذا كقولهم في الفعل المتعدِّي: فلان يعطي ويمنع، حيث لا يقصد منه مفعولاً، وإنما يراد إثبات القدرة. الثاني: أنَّ جوابه مقدر، تقديره: لو تعلمون لعظَّمتموه، لكنكم ما عظَّمتموه، فعلم أنكم لا تعلمون، إذ لو تعلمون لعظم في أعينكم، ولا تعظيم فلا تعلمون. قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . هذا هو القسم عليه، وعلى هذا فيكون في هذا الكلام اعتراضان: أحدهما: الاعتراض بقوله: «وإنه لقسم» بين القسم والمقسم عليه. والثاني: الاعتراض بقوله: «لو تعلمون» بين الصفة والموصوف. ومنع ابن عطية أن يجعل قوله: «وإنه لقسمٌ» اعتراضاً. فقال: «وإنه لقسم» تأكيد للأمر، وتنبيه من المقسم به، وليس هذا باعتراض بين الكلامين، بل هذا معنى قصد التهكُّم به، وإنما الاعتراض قوله: ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ . قال شهاب الدين: «وكونه تأكيداً ومنبّهاً على تعظيم المقسم به لا ينافي الاعتراض، بل هذا معنى الاعتراض وفائدته» . «والهاء» في «إنه لقرآن» تعود على القرآن، أي: إن القرآن لقسم عظيم. قاله ابن عبَّاس وغيره. وقيل: أي ما أقسم الله به عظيم ﴿إنه لقرآن كريم﴾ ذكر المقسم عليه، أي: أقسم بمواقع النجوم أن هذا القرآن قرآن ليس بسحرٍ ولا كهانة ولا بمفترى، بل هو قرآن كريم، محمود جعله الله معجزة نبيه، وهو كريم على المؤمنين؛ لأنَّه كلام ربهم وشفاء صدورهم، كريم على أهل السماء والأرض؛ لأنه تنزيل ربهم ووحيه. وقيل: «كريم» أي: غير مخلوق. وقيل: «كريم» لما فيه من كرم الأخلاق، ومعالي الأمور. وقيل: لأنه يكرم حافظه، ويعظم قدره. فصل في تحرير معنى الآية قال ابن الخطيب: «كريم» أي: لا يهون بكثرة التلاوة؛ لأن الكلام متى أعيد

стр. 11453

وكرر استهين به، والقرآن يكون إلى آخر الدهر، ولا يزداد إلَاّ عزاً. والقرآن إما ك «الغُفْرَان» ، والمراد به المفعول، وهو المقروء كقوله: [هَذَا خلقُ اللَّه] وإما اسم لما يقرأ ك «القُرْبَان» لما يتقرب به، والحُلْوان لما يحلى به فم الكاهن، وعلى هذا يظهر فساد قول من رد على الفقهاء قولهم في باب الزَّكاة: يعطي شيئاً أعلى مما وجب ويأخذ الجبران أو شيئاً دونه، ويعطي الجبران لأن الجبران مصدر لا يؤخذ ولا يعطى، فيقال له: هو كالقرآن بمعنى المقرُوء. فمعنى «كريم» أي: مقروء، قرىء: ويقرأ بالفتح، فإن معنى «كريم» أي: لا يهون بكثرة التلاوة، ويبقى أبد الدَّهر كالكلام الغضِّ، والحديث الطَّري. وهو هنا يقع في وصف القرآن بالحديث، مع أنه قديم يستمد من هذا مدداً، فهو قديم يسمعه السَّامعون كأنه كلام [الساعة] . فصل قوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ . مصون عند الله. وقيل: «مَكْنُون» محفوظ عن الباطل، والكتاب هنا: كتاب في السَّماء. قاله ابن عبَّاس. وقال جابر بن زيد وابن عباس أيضاً: هو اللوح المحفوظ. وقال عكرمة: التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن. وقال السدي: الزَّبُور. وقال قتادة ومجاهد: هو المصحف الذي في أيدينا. فصل في تفسير معنى الآية قال ابن الخطيب: قوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ﴾ يستدعي شيئاً مظروفاً للكتاب وفيه وجهان: أحدهما: أنه القرآن، أي: هو قرآن في كتاب، كقولك: «فلان رجلٌ كريم في

стр. 11454

نفسه» لا يشك السامع بأن المراد منه أن في الدَّار قاعد، وأنه لا يريد به أنه رجل إذا كان في الدَّار غير رجل إذا كان خارجاً، ولا يشك أيضاً أنه لا يريد أنه كريم وهو في البيت، فكذلك هاهنا معناه: أنه كريم في كتاب. فإذا قيل: «فلان رجل كريم في نفسه» يعلم كل أحد أن القائل لم يجعله رجلاً مظروفاً، وأن القائل لم يرد أنه رجل في نفسه قاعد أو قائم، وإنما أراد أن كرمه في نفسه، وكذا قوله: «قرآن كريم، في لوح» أي: أنه لم يكن كريماً عند الكُفَّار. الثاني: أن المظروف هو مجموع قوله تعالى: ﴿لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أي: هو كذا في كتاب كقوله تعالى ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ، كتاب أي: في كتاب الله تعالى. والمعنى: أن في اللوح المحفوظ مكتوب: إنه قرآن كريم. فصل في معنى الكتاب قال ابن الخطيب: فإن قيل: كيف سمي الكتاب كتاباً، والكتاب «فِعَال» وهو إما مصدر كالحِساب والقِيام ونحوهما، أو لما يكتب كاللِّباس ونحوه، وكيفما كان، فالقرآن لا يكون في القِرْطَاس؛ لأنه بمعنى المصدر، ولا يكون في مكتوب، وإنما يكون مكتوباً في لوح، أو ورق، فالمكتوب لا يكون في الكتاب، وإنما يكون في القرطاس؟ . وأجاب بأن اللوح لما لم يكن إلَاّ لأن يكتب فيه صح تسميته كتاباً. وقوله: ﴿فِي كِتَابٍ﴾ إما خبر بعد خبر، وإما صفة ل «كريم» ، وإما معمول ل «كريم» . والأصح أنَّ الكتاب المكنون هو اللوحُ المحفوظ، لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢] . قوله: ﴿لَاّ يَمَسُّهُ﴾ . في «لا» هذه وجهان: أحدهما: أنها نافية، فالضمة في «لا يمسُّه» ضمة إعراب. وعلى هذا القول ففي الجملة وجهان: أحدهما: أن محلها الجر صفة ل «كتاب» ، والمراد به: إما اللوح المحفوظ، و «المُطَهَّرون» حينئذ: الملائكة، أو المراد به المصاحف، والمراد ب «المطهرين» : المكلفون كلهم. والثاني: أن محلها الرفع صفة ل «قرآن» . والمراد ب «المطهرين» : الملائكة فقط،

стр. 11455

أي: لا يطلع عليه، أو لا يمسّ لوحه، لا بد من هذين التجوزين؛ لأن نسبة المسّ إلى المعاني حقيقة متعذّر. ويؤيد كون هذه نفياً قراءة عبد الله: «ما يمسّه» ب «ما» النافية. الوجه الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم؛ لأنه لو فكّ عن الإدغام لظهر ذلك فيه، كقوله تعالى: ﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء﴾ [آل عمران: ١٧٤] ولكنه أدغم، ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب. ولم يحفظ سيبويه في نحو هذا إلا الضم. وفي الحديث: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عليك إلَاّ أنَّنَا حرمٌ» . وإن كان القياس يقتضي جواز فتحه تخفيفاً، وبهذا يظهر فساد من ردّ بأن هذا لو كان نهياً لكان يقال: «لا يمسّه» بالفتح؛ لأنه خفي عليه جواز ضم ما قبل «الهاء» في هذا النحو، لا سيما على رأي سيبويه، فإنه لا يجيز غيره. وقد ضعف ابن عطيَّة كونها نهياً بأنه إذا كان خبراً فهو في موضع الصفة، وقوله بعد ذلك: «تَنْزِيل» صفة، فإذا جعلناه نهياً كان أجنبيًّا معترضاً بين الصِّفات، وذلك لا يحسن في وصف الكلام فتدبره، وفي حرف ابن مسعود: «ما يمسه» . انتهى. وليس فيما ذكره ما يقتضي تضعيف هذا القول؛ لأنا لا نسلّم أن «تنزيل» صفة، بل هو خبر مبتدأ محذوف، أي: «هو تنزيل» فلا يلزم ما ذكره من الاعتراض. ولئن سلّمنا أنه صفة ف «لا يمسّه» صفة أيضاً، فإن اعترض علينا بأنه طلب فيجاب بأنه على إضمار القول، أي: نقول فيه: «لا يمسّه» كما قالوا ذلك في قوله: ﴿فِتْنَةً لَاّ تُصِيبَنَّ﴾ [الأنفال: ٢٥] على أن «لا تُصِيبن» نهي. وهو كقوله: [مشطور الرجز] ٤٧١١ - جَاءُوا بمَذْقٍ هَلْ رأيْت الذِّئْبَ قَط؟ ... وقد تقدم تحقيقه في «الأنفال» . وهذه الآية يتعلق بها خلاف العلماء في مس المُحْدث المصحف، وهو مبني على هذا. وقرأ العامة: «المُطَهَّرُونَ» بتخفيف الطَّاء، وتشديد الهاء مفتوحة اسم مفعول.

стр. 11456

وعن سلمان الفارسي كذلك إلا أنه يكسر الهاء، اسم فاعل، أي: المطهرون أنفسهم، فحذف مفعوله. ونافع وأبو عمرو في رواية عنهما، وعيسى بسكون الطاء، وفتح الهاء خفيفة اسم مفعول من «أطْهَر زيد» . والحسن وعبد الله بن عوف وسلمان أيضاً: «المطَّهِّرون» بتشديد الطَّاء والهاء المكسورة، وأصله: «المُتطهرون» فأدغم. وقد قرىء بهذا على الأصل أيضاً. فصل في تحرير المسّ المذكور في الآية اختلفوا في المسّ المذكور في الآية، هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلفوا في المطهرون مَنْ هم؟ . فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمسّ ذلك إلَاّ المطهرون من الذنوب وهم الملائكة. وقال أبو العالية وابن زيد: هم الذين طهروا من الذنوب كالرّسل من الملائكة، والرسل من بني آدم. وقال الكلبي: هم السَّفرة، الكِرَام البررة، وهذا كله قول واحد، وهو اختيار مالك. وقال الحسن: هم الملائكة الموصوفون في سورة «عبس» في قوله تعالى: ﴿فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣ - ١٦] . وقيل: معنى «لا يمسّه» لا ينزل به إلا المطهرون، يعني: الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء، ولا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلَاّ الملائكة المطهرون.

стр. 11457

ولو كان المراد طهر الحدث لقال: المتطهرون أو المطهرون بتشديد «الطاء» . والصحيح أن المراد بالكتاب: المصحف الذي بأيدينا؛ لما روى مالك وغيره: أن في كتاب عمرو بن حزم: «لا يمسّ القرآنَ إلَاّ طاهرٌ» . وقال ابن عمر: قال النبي ﷺ َ: «لا تمسَّ القُرآنَ إلَاّ وأنْتَ طاهرٌ» . وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه، وقد دخل عليها ودعا بالصحيفة: ﴿لَاّ يَمَسُّهُ إِلَاّ المطهرون﴾ فقام واغتسل، وأسلم. وعلى هذا قال قتادة وغيره: معناه: لا يمسه إلا المطهّرون من الأحداث والأنجاس. وقال الكلبي: من الشِّرْك. وقال الربيع بن أنس: من الذنوب والخطايا. وقال محمد بن فضيل وعبدة: لا يقرؤه إلا المطهرون، أي: إلَاّ الموحدون. قال عكرمة: وكان ابن عباس ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءته. وقال الفراء: لا يجد نفعه وطعمه وبركته إلا المطهرون، أي: المؤمنون بالقرآن، وقال الحسين بن الفضل: معناه: لا يعرف تفسيره وتأويله إلَاّ من طهَّره الله من الشِّرْك والنفاق. وقال أبو بكر الورَّاقُ: لا يوفق للعمل به إلا السُّعداء. وروى معاذ بن جبل عن النبي ﷺ َ أن المعنى: لا يمسّ ثوابه إلا المؤمنون. فصل في مس المصحف لغير المتوضىء اختلف العلماء في مسِّ المصحف على غير وضوء. فالجمهور على المَنْع من مسِّه على غير طهارة لحديث عمرو بن حزم، وهو مذهب علي، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعطاء، والزهري، والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشَّافعي. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة. فروي عنه أنه يمسّه المحدث، وهذا مروي عن ابن عباس والشعبي وغيرهما، وروي عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه، وما ليس بمكتوب.

стр. 11458

وأمَّا [الكتاب] فلا يمسّه إلَاّ طاهر. قال ابن العربي: وهذا يقوي الحجة عليه؛ لأن جِرْمَ الممنوع ممنوع، وكتاب عمرو بن حزم أقوى دليل عليه. وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلامة، ولا على وسادة. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. وروي عن الحكم وحماد وداود بن علي: أنه لا بأس بحمله ومسّه للمسلم والكافر طاهراً أو محدثاً، إلَاّ أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله، واحتجوا في إباحة ذلك بكتاب النبي ﷺ َ إلى «قيصر» ، ولا حجة فيه لأنه موضع ضرورة. والمراد بالقرآن: المصحف، سمي قرآناً لقرب الجوار على الاتِّساع، ولأن النبي ﷺ َ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. أراد به المصحف. قوله: ﴿تَنزِيلٌ﴾ . قرأ العامة: بالرفع. وقرأ بعضهم: «تنزيلاً» بالنصب، على أنه حال من النكرة، وجاز ذلك لتخصصها بالصفة. وأن يكون مصدراً لعامل مقدر، أي: نزل تنزيلاً. وغلب التنزيل على القرآن. وقوله: «من ربّ» يجوز أن يتعلق به على الأول لا الثاني؛ لأن المؤكد لا يعمل، فيتعلق بمحذوف؛ لأنه صفة له. وأما على قراءة «تَنزِيلٌ» بالرفع، فيجوز الوجهان. قال القرطبي: «تنزيل» أي: منزل، كقولهم: «ضَرْب الأمير، ونَسْج اليمن» . وقيل: «تنزيل» صفة لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ . وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: هو «تنزيل» . قال ابن الخطيب: قوله «تنزيل» مصدر، والقرآن الذي في كتاب ليس بتنزيل، إنما هو منزل لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] ، فنقول: ذكر المصدر،

стр. 11459

وإرادة المفعول كثير، كقوله تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: ١١] وأوثر المصدر؛ لأن تعلق المصدر بالفاعل أكثر. قوله: ﴿أفبهذا الحديث﴾ متعلق بالخبر، وجاز تقديمه على المبتدأ؛ لأن عامله يجوز فيه ذلك، والأصل: أفأنتم مدهنون بهذا الحديث، وهو القرآن. ومعنى «مُدْهِنُون» أي: متهاونون كمن يدهن في الأمر، أي: يلين جانبه، ولا يتصلب فيه تهاوناً به، يقال: أدهن فلان، أي: لاين وهاود فيما لا يجمل عنه المدهن. قال أبو قيس بن الأسلت: [السريع] ٤٧١٢ - الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيْرٌ من الْ ... إدْهَانِ والفَهَّةِ والهَاعِ وقال الراغب: والإدهان في الأصل مثل التدهين، لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجدّ، كما جعل التَّقريد وهو نزع القراد عبارة عن ذلك. قال القرطبي: «وأدهن وداهن واحد، وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهنت بمعنى غششت» . قال ابن عبَّاس: «مُدْهِنُون» أي: مكذبون. وهو قول عطاء وغيره. والمدهن: الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه شبّه بالدهن في سهولة ظاهره. وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: «مدهنون» كافرون، نظيره: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] . وقال المؤرِّج: المدهن: المنافق الذي يلين جانبه ليُخفي كفره. والإدْهَان والمُداهنَة: التكذيب والكفر والنِّفاق. وقال الضحاك: «مُدْهنون» معرضون. وقال مجاهد: مُمَالِئُون الكُفَّار على الكفر به.

стр. 11460

وقال ابن كيسان: المدهن: الذي لا يعقل ما حق الله عليه، ويدفعه بالعللِ. وقال بعض اللغويين: «مُدْهنون» : تاركُون للجزمِ في قبول القرآن. قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ . فيه أوجه: أحدها: أنه على التهكم بهم، لأنهم وضعوا الشيء غير موضعه، كقولك: شتمني حيث أحسنت إليه، أي: عكس قضية الإحسان. ومنه: [الرجز] ٤٧١٣ - كَأنَّ شُكْر القَوْمِ عندَ المِنَنِ ... كيُّ الصَّحِيحاتِ، وفقْءُ الأعيُنِ أي: شكر رزقكم تكذيبكم. الثاني: أن ثمَّ مضافين محذوفين، أي: بدل شكر رزقكم، ليصح المعنى. قاله ابن مالك. وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] أكثر من هذا. الثالث: أنَّ الرزق هو الشكر في لغة «أزد شنوءة» يقولون: ما رزق فلان فلاناً، أي: ما شكره، فعلى هذا لا حذف ألبتة. ويؤيده قراءة علي بن أبي طالب ﵁ وتلميذه عبد الله بن عباس ﵄: «وتَجْعَلُونَ شُكْركُمْ» مكان رزقكم. قال القرطبي: «وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان الشُّكر لأنَّ شكر الرِّزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقاً لهذا المعنى» . قوله: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ . قرأ العامة: «تُكذِّبُونَ» من التكذيب. وعلي ﵁ وعاصم في رواية المفضل عنه: «تكْذبُونَ» مخففاً من الكذب.

стр. 11461

ومعنى الآية: أنكم مكذبون بالرِّزق، أي؛ تضعون الكذب مكان الشُّكر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ البيت إِلَاّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] ، أي: لم يكونوا يصلون، ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصَّلاة. قال القرطبي: وفيه بيان أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسباباً، بل ينبغي أن يروه من قبل الله - تعالى - ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروهاً تعبداً له وتذلُّلاً. وروى علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﷺ َ قرأ: ﴿وتجعلون شكركم أنكم تكذبون﴾ خفيفة. وعن ابن عباس أيضاً: أن المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب: مُطِرْنَا بنوءِ كذا، رواه علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ َ. وفي «صحيح مسلم» عن ابن عبَّاس قال: «مطر النَّاس على عهد رسول الله ﷺ َ فقال النبي ﷺ َ:» أصْبَحَ من النَّاسِ شَاكِرٌ ومنهُمْ كَافرٌ «. فقال بعضهم: هذه رحمة الله؛ وقال بعضهم: لقد صدق نَوْء كذا وكذا، قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ » . وعنه أيضاً: «أن النبي ﷺ َ خرج في سفر فعطشوا، فقال النبي ﷺ َ:» أرأيْتُمْ إن دعوْتُ اللَّهَ لكُم فسُقيْتُمْ لعلَّكمْ تقولون: هذا المطرُ بنَوْءِ كذا «، فقالوا: يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء. فصلّى ركعتين، ودعا ربه، فهاجتْ ريح، ثم هاجت سحابة فمطروا، فمر النبي ﷺ َ ومعه عصابةٌ من أصحابه برجل يغترف بقدح له، وهو يقول: سقينا بنوء كذا، ولم يقل هذا من رزق الله، فنزلت: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ » . أي: شكركم لله على رزقه إياكم أنكم تكذبون بالنعمة، وتقولون: سقينا بنوء كذا، كقولك: جعلت إحساني إليك إساءة منك إليّ، وجعلت إنعامي إليك أن اتَّخذتني عدُوًّا. قال الشَّافعي: لا أحب لأحدٍ أن يقول: مُطِرنَا بنوء كذا، وإن كان النَّوْءُ عندنا الوقت المخلوق لا يضر، ولا ينفع، ولا يمطر، ولا يحبس شيئاً من المطر، والذي أحبّ

стр. 11462

أن يقول: مطرنا وقت كذا، كما تقول: مطرنا شهر كذا، ومن قال: مطرنا بنوءِ كذا، وهو يريد أن النَّوء أنزل الماء كما يقول بعض أهل الشِّرك فهو كافر، حلال دمه إن لم يَتُبْ. وقيل: معنى قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي: معاشكم وتكسبكم تكذيب محمد، كما يقال: فلان جعل قطع الطريق معاشه، فعلى هذا التَّكذيب عام، وعلى الأول التكذيب خاص والرزق في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، كما يقال للمأكول: رِزْق، وللمقدور: قُدْرة وللمخلوق: خَلْق.

стр. 11463

قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ . ترتيب الآية الكريمة: فلولا ترجعونها - أي النَّفس - إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين. و «لولا» الثانية مكررة للتوكيد قاله الزمخشري. قال شهاب الدين: فيكون التقدير: فلولا فلولا ترجعونها من باب التوكيد اللفظي، ويكون «إذا بلغت» ظرفاً ل «تَرْجعُونها» مقدماً عليه؛ إذ لا مانع منه، أي فلولا ترجعون النَّفس في وقت بلوغها الحُلْقُوم. وقوله: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ . جملة حالية من فاعل «بلغت» . والتنوين في «حينئذٍ» عوض من الجملة المضاف إليها أي: إذا بلغت الحلقوم، خلافاً للأخفش، حيث زعم أن التنوين للصَّرف، والكسر للإعراب. وقد مضى تحقيقه. وقرأ العامة: بفتح نون «حينئذ» لأنه منصوب على الظرف، ناصبه «تنظرون» وعيسى: بكسرها.

стр. 11464

وهي مشكلة لا تبعد عن الغلط عليه، وخرجت على الإتباع لحركة الهمزة. ولا عرف في ذلك، فليس بأبعد من قرأ: «الحَمْدِ لله» بكسر الدال لتلازم المتضايفين، ولكثرة دروهما على الخصوص. فصل في تحرير معنى الآية قال المفسرون: معنى الآية فهلا إذا بلغت النفس، أو الروح الحلقوم، ولم يتقدم لها ذكر؛ لأن ذلك معروف. قال حاتم: [الطويل] ٤٧١٤ - أمَاويُّ ما يُغْنِي الثَّرَاءُ عن الفَتَى ... إذَا حَشْرَجَتْ يَوْماً وضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ وفي الحديث: «إنَّ مَلَكَ المَوْتِ لهُ أعْوانٌ يَقْطعُونَ العُرُوق، ويَجْمَعُونَ الرُّوح شَيْئاً فَشَيْئاً حتَّى ينتهي بها إلى الحُلْقُومِ، فيتوفَّاها ملكُ الموتِ» . ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أمري وسلطاني. وقيل: تنظرون إلى الميت لا تقدرون له على شيء. قال ابن عباس: يريد من حضر من أهل الميِّت ينتظرون متى تخرج نفسه. ثم قيل: هو رد عليهم في قولهم لإخوانهم: ﴿لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] ، فهلَاّ ردوا روح الواحد منهم إذا بلغت الحُلْقُوم. وقيل: المعنى فهلَاّ إذا بلغت نفس أحدكم الحُلْقُوم عند النَّزْع، وأنتم حضور أمسكتم روحه في جسده مع حرصكم على امتداد عمره، وحبكم لبقائه، وهذا رد لقولهم: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَاّ الدهر﴾ [الجاثية: ٢٤] . قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ﴾ . يجوز أن يكون حالاً، أي: تنظرون في هذه الحال التي تخفى عنكم. وأن تكون مستأنفة، فيكون اعتراضاً، والاستدراك ظاهر. والبصر يجوز أن يكون من البَصِيْرَة، والمعنى: ونحنُ أقرب إليه منكم بالقدرة والعلم والرُّؤية.

стр. 11465

قال عامر بن عبد قيس: ما نظرت إلى شيء إلَاّ رأيت الله - تعالى - أقرب إليَّ منه. وأن يكون من البصر، أي لا تنظرون أعوان ملك الموت، والمعنى: أن رسلنا الذين يتولون قبض روحه أقرب إليه منكم لكن لا ترونهم. قوله: ﴿فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ . «إن كنتم» شرط، جوابه محذوف عند البصريين لدلالة «فلولا» عليه، أو مقدم عند من يرى ذلك كما تقدم تقريره. والمعنى: فهلا كنتم غير محاسبين، ولا مجزيين بأعمالكم، ومنه قوله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] ، أي: مجزيّون أو محاسبون. وقد تقدم. وقيل: غير مملوكين، ولا مقهورين. قال الفراء وغيره: دِنْتُه، ملكته. قال الحطيئة: [الوافر] ٤٧١٥ - لَقَدْ دُيِّنْتِ أمْرَ بَنِيكِ حَتَّى ... تَرَكْتِهِمُ أدَقَّ مِنَ الطَّحِينِ يعني: مُلِّكْتِ. ودانه: أي أذله واستعبده، يقال: دنْتُه فدان. ومنه دانت له البلاد والعباد، وقد تقدم في «الفاتحة» عند قوله «يوم الدِّين» . قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَآ﴾ . قال أبو البقاء: «تَرْجعُونَها» جواب «لولا» الأولى، وأغنى ذلك عن جواب الثانية. وقيل: بعكس ذلك. وقال الزمخشري: «إنّ» لولا «الثانية تكرير» . انتهى. قال شهاب الدين: وتسمية مثل هذا جواباً ليس بصحيح ألبتة؛ لأن هذه تحضيضية لا جواب لها، إنما الجواب للامتناعية لوجود، نحو: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ﴾ [النور: ٢١] . وقال ابن عطية: وقوله: «ترجعونها» سدّ مسدّ الأجوبة والبيانات التي تقتضيها التحضيضيات، وإذا في قوله «فَلوْلَا إذَا» ، وإن المتكررة، وحمل بعض القول بعضاً إيجازاً واختصاراً. انتهى.

стр. 11466

فجعل «إذا» شرطية، وقوله بالأجوبة يعني ل «إذا» ، ول «إن» في قوله: ﴿إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . والبيانات: يعني الأفعال التي حضض عليها، وهي عبارة قلقة. قال أبو حيان: «و» إذا «ليست شرطاً، بل ظرفاً يعمل فيها» ترجعونها «المحذوف بعد» فلولا «لدلالة» ترجعونها «في التحضيض الثاني عليه، فجاء التحضيض الأول مقيداً بوقت بلوغ الحلقوم، وجاء التَّحضيض الثاني معلقاً على انتفاء مربوبيتهم، وهم لا يقدرون على رجوعها، إذ مربوبيتهم موجودة فهم مقهُورون، لا قدرة لهم» . انتهى. فجعل «ترجعونها» المذكور ل «لولا» الثانية، وهو دال على محذوف بعد الأولى، وهو أحد الأقوال التي نقلها أبو البقاء فيما تقدم. وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . شرط آخر، وليس هذا من اعتراض الشرط على الشرط نحو: «إن ركبت إن لبست فأنت طالق» حتى يجيء فيه ما تقدم في هذه المسألة؛ لأن المراد هنا: إن وجد الشرطان كيف كانا فهل رجعتم بنفس الميت؟ . [وقال القرطبي: ﴿ترجعونها إن كنتم صادقين﴾ يرجع الروح إلى الجسد إن كنتم صادقين، أي: ولن ترجعونها فبطل] زعمكم أنكم غير مملوكين، ولا محاسبين، و «تَرْجعُونها» جواب لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ ، ولقوله: ﴿فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ وأجيبا بجواب واحد. قاله الفرَّاء، وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] ، أجيبا بجواب واحد، وهما شرطان. والمعنى: إن كان الأمر كما تقولون: إنه لا بعث، ولا حساب، ولا إله يجازي، فهلَاّ تردون نفس من يعزّ عليكم إذا بلغت الحلقوم؟ وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله . قاله البغوي. وقيل: حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه. وقيل: فيها تقديم وتأخير، مجازها: «فلولا وهلا إن كنتم غير مدينين ترجعونها تردّون نفس الميت إلى جسده إذا بلغت الحلقوم» .

стр. 11467

ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم، فقال: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ﴾ . قد تقدَّم الكلام في «أمَّا» أول الكتاب. وهنا أمر زائد، وهو وقوع شرط آخر بعدها. واختلف النحاة في الجواب المذكور بعدها، هل هو ل «أما» أو ل «أن» وجواب الأخرى محذوف لدلالة المنطوق عليه والجواب لهما معاً؟ ثلاثة أقوال: الأول: لسيبويه. والثاني: للفارسي في أحد قوليه، وله قول آخر لسيبويه. والثالث: للأخفش. وهذا كما تقدم في الجواب بعد الشرطين المتواردين. وقال مكي: «ومعنى» أما «عند أبي إسحاق الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كُنَّا فيه، وخذ في غيره» . وعلى هذا فيكون الجواب ل «إن» فقط، لأن «أما» ليست شرطاً، ورجح بعضهم أن الجواب ل «أمَّا» لأن «إن» كثر حذف جوابها منفردة فادعاء ذلك مع شرط آخر أولى. قوله: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ﴾ . الضمير في «كان» و «كان» و «كان» للمتوفى، لدلالة «فلَوْلَا ترجعونها» ، والمراد بالمقربين: السابقين لقوله تعالى ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾ [الواقعة: ١٠] . قوله: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ . قرأ العامة: «فَرَوْحٌ» بفتح الراء. وقرأ ابن عباس، وعائشة، والحسن، وقتادة، ونصر بن عاصم، والجحدري ورويس وزيد عن يعقوب وجماعة: بضم الراء. وتروى عن النبي ﷺ َ. فمن قرأ بالفتح، فمعناه: فله روح، وهو الرَّاحة. وهو قول مجاهد. وقال سعيد بن جبير: فرج. وقال الضحاك: مغفرة ورحمة «وريحان» : استراحة. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: رزق.

стр. 11468

قال مقاتل: [هو الرزق بلغة] «حِمْير» . يقال: خرجنا نطلب ريحان الله، أي: رِزْقَه. وقيل: هو الريحان الذي يشم. قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يُؤتى بغُصْنٍ من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه. وقال أبو بكر الورَّاق: الرَّوح: النَّجاة من النار والرَّيحان: دخول دار القرار. وقد تقدَّم الكلام على «رَيْحَان» وكيفية تعريفه في السورة قبلها. وقوله: «فَرَوْحٌ» مبتدأ، خبره مقدر قبله، أي: فله روح، ويجوز أن يقدر بعده لاعتماده على فاء الجزاء. قوله: ﴿وأما إن كان من أصحاب اليمين، فسلامٌ لك من أصحاب اليمين﴾ . «فسلام لك» مبتدأ وخبر. و «من أصحاب» . قال الزمخشري: «فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، أي: يسلمون عليك» . وقال ابن جرير: «فسلام لك أنت من أصحاب اليمين» . وهذا يحتمل أن يكون كقول الزمخشري، ويكون «أنت» تأكيداً للكاف في لك، ويحتمل أن يكون أراد أن «أنت» مبتدأ، و «من أصحاب» خبره، ويؤيد هذا ما حكاه قوم من أن المعنى فيقال لهم: سلام عليكم لك إنك من أصحاب اليمين. وأول هذه الأقوال هو الواضح البين؛ ولذلك لم يعرج أبو القاسم على غيره. فصل في المقصود بهذا السلام قال القرطبي: ﴿فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين﴾ أي: لست ترى منهم إلَاّ ما تحب من السلامة فلا تهتمّ، فإنهم يسلمون من عذاب الله. وقيل: المعنى: سلام لك منهم، أي: أنت سالم من الاهتمام لهم، والمعنى واحد. وقيل: إن أصحاب اليمين يدعون لك يا محمد بأن يصلي الله عليك ويسلم.

стр. 11469

وقيل: معناه: سلمت أيها العبدُ ممَّا تكره، فإنك من أصحاب اليمين فحذف إنك. وقيل: إنه يُحَيَّا بالسلام إكراماً. فعلى هذا في محل السلام ثلاثة أقاويل: أحدها: عند قبض روحه في الدنيا يسلم عليه ملك الموت. قاله الضحاك. قال ابن مسعود: إذا جاء ملك الموت لقبض روح المؤمن، قال: ربك يقرئك السلام. الثاني: عند مساءلته في القبر يسلّم عليه منكر ونكير. الثالث: عند بعثه في القيامة يسلم عليه الملك قبل وصوله إليها. قال القرطبي: «ويحتمل أن يسلم عليه في المواطن الثلاثة، ويكون ذلك إكراماً بعد إكرام» . قوله: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين﴾ بالبعث «الضَّالين» عن الهدى، وطريق الحق ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ كما قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلون المكذبون لآكِلُونَ﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٢] إلى أن قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] . قوله: ﴿وَتَصْلِيَةُ﴾ . قرأ أبو عمرو في رواية اللؤلؤي عنه، وأحمد بن موسى، والمنقري: بجر التاء عطفاً على «حميم» ، أي: ونزل من تصلية جحيم. والمعنى: إدخال في النَّار. وقيل: إقامة في الجحيم، ومقاساة لأنواع عذابها. يقال: أصلاه النَّار وصلاه، أي: جعله يصلاها. والمصدر هنا أضيف إلى المفعول، كما يقال: لفلان إعطاء مال، أي: يعطي المال. قوله: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ . أي: هذا الذي قصصناه محضُ اليقين وخالصه. وجاز إضافة الحق إلى اليقين، وهما واحد لاختلاف لفظهما، وذلك من باب إضافة المترادفين على سبيل المبالغةِ. قال المبرد: هو كقولك: عين اليقين وحق اليقين.

стр. 11470

فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه عند الكوفيين، وإن كانوا فعلوا ذلك في اللفظ الواحد، فقالوا: صواب الصواب، ونفس النفس مبالغة، فلأن يفعلوا عند اختلاف اللفظ أولى. وعند البصريين بمعنى: حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين. وقيل: هو توكيد، كقولك: حق الحق، وصواب الصواب. قاله ابن عطية. وقيل: أصل اليقين أن يكون نعتاً للحق فأضيف المنعوت إلى النَّعت على الاتِّساع والمجاز، كقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠] . قال ابن الخطيب: «هذه الإضافة كقولك: ثوب كتان، وباب ساجٍ بمعنى ثوب من كتان، وباب من ساجٍ، أي: لهو الحق من اليقين» . ويحتمل أن يكون المعنى: أنه الحق الذي يستحقه اليقين، كقوله ﵊ ُ: «أمِرْتُ أن أقَاتِلَ النَّاس حتَّى يقُولُوا: لا إلَهَ إلَاّ اللَّهُ، فإذا قالُوهَا عَصَمُوا منِّي دمَاءَهُمْ وأمْوالهُمْ إلَاّ بحقِّهَا» . فالضمير يرجع إلى الكلمة، أي: إلا بحق الكلمة، ومن حق الكلمة أداء الزكاة والصلاة، فكذلك حق اليقين، بالاعتراف، أي: بحق اليقين. والمعنى: أنه يعترف بما قال الله - تعالى - في سورة «الواقعة» ، وفي حق الأزواج الثلاثة، وعلى هذا المعنى إن اليقين لا يحق إلَاّ إذا صدق بما قاله، فالتصديق حق اليقين الذي يستحقه. قوله: ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ . أي: نزّه الله - تعالى - عن السُّوء. و «الباء» يجوز أن تكون للحال، أي: فسبِّح ملتبساً باسم ربِّك على سبيل التبرك كقوله: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] ، وأن تكون للتعدية على أن «سبح» يتعدى بنفسه تارةً، كقوله: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ﴾ [من سورة الأعلى: ١] وبحرف الجر تارة كهذه الآية. وقال القرطبي: «والباء زائدة، أي: سبح اسم ربك» . وادعاء زيادتها خلاف الأصل.

стр. 11471

و «العظيم» يجوز أن يكون صفة للاسم، وأن يكون صفة ل «ربك» ؛ لأن كلاًّ منهما مجرور، وقد وصف كل منهما في قوله: ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٧٨] و «ذي الجَلالِ» . ولتقارب المتضايفين ظهر الفرق في الوصف. فصل في تحرير معنى الآية قيل: معنى «فسبح» أي فصل بذكر ربك وبأمره. وقيل: فاذكر اسم ربك العظيم وسبحه. «وعن عقبة بن عامر قال: لمَّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ قال النبي ﵊ ُ:» اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ «. ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ قال النبي ﷺ َ:» اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ «» . أخرجه أبو داود. وروى أبو طيبة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ َ [يقول] : «مَنْ قَرَأ سُورَة الواقِعَة في كل ليلة لم تُصِبْهُ فاقةٌ أبَداً» وكان أبو هريرةٍ لا يدعُها أبداً.

стр. 11472

وعن مسروق قال: «منْ أرَاد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة، ونبأ الدنيا، ونبأ الآخرة، فليقرأ سورة الواقعة» . والله تعالى أعلم.

стр. 11473

سورة الحديد [مدنية] ، وهي تسع وعشرون آية. عن العرباض بن سارية أن النبي ﷺ كان يقرأ ب " المسبحات " قبل أن يرقد، ويقول: " إن فيهن آية أفضل من ألف آية ".

стр. 11474

يعني ب " المسبحات ": الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ .

стр. 11475

أي: مجّد الله ونزّهه عن السوء. وقال ابن عباس ﵄: صلى لله ما في السموات من خلق من الملائكة والأرض من شيء فيه روح، أو لا روح فيه. وقيل: هو تسبيح الدلالة. وأنكر الزجَّاج هذا وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة، وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال: ﴿ولكن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] . وإنما التسبيح مقال، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] ، ولو كان هذا التسبيح تسبيح دلالة، فأي تخصيص لداود؟ . وقال القرطبي: هذا هو الصحيح. فصل في الكلام على الفعل سبح هذا الفعل عدي باللام تارة كهذه السورة، وأخرى بنفسه كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ [الأحزاب: ٤٢] ، وأصله التعدي بنفسه، لأن معنى «سبحته» : بعدته عن السوء، فاللام إما أن تكون مزيدة كهي في نصحت لزيد، ونصحته، وشكرته، وشكرت له؛ إذ يقال: سبحت الله تعالى، قال: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] . وإما أن تكون للتعليل، أي: أحدث التسبيح لأجل الله تعالى. وجاء في بعض الفواتح «سبَّح» بلفظ الماضي، وفي [بعضها] بلفظ المضارع، وذلك إشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص بوقت دون وقت، بل هي مسبحة أبداً في الماضي، وستكون مسبحة أبداً في المستقبل. قوله: ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ . «العزيز» : الغالب القادر الذي لا ينازعه شيء، وذلك إشارة إلى كمال القدرة. «الحكيم» : الذي يفعل أفعاله على وفق الحكمة والصواب. قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ . جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.

стр. 11476

وحقيقة «المُلْك» عبارة عن نفوذ الأمر، فهو المالك القادر القاهر. وقيل: أراد خزائن المطر والنبات والرِّزق. قوله: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ . يجوز في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لا محل [لها] كالتي قبلها. والثاني: أنها خبر مبتدأ مضمر، أي: هو له ملك. الثالث: أنه الحال من الضمير في «له» فالعامل فيها الاستقرار. ولم يذكر مفعول الإحياء والإماتة؛ إذ الغرض ذكر الفعلين [فقط، والمعنى ليميت] الأحياء في الدنيا، ويحيي الأموات للبعث. وقيل: هو يحيي النُّطف، وهي أموات، ويميت الأحياء. قال ابن الخطيب: «وعندي فيه وجه ثالث، وهو أنه ليس المراد منه تخصيص الإحياء والإماتة بزمان معين، وبأشخاص معينين، بل معناه: أنَّه القادر على خلق الحياة والموت، كقوله تعالى: ﴿الذي خَلَقَ الموت والحياة﴾ [الملك: ٢] ، [والمقصود منه] كونه - تعالى - هو المنفرد بإيجاد هاتين الماهيتين على الإطلاق لا يمنعه عنهما مانع. قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يعجزه شيء. قوله تعالى: ﴿هُوَ الأول والآخر﴾ الآية. قال الزمخشري: فإن قلت: [فما معنى» الواو «؟] . قلت: «الواو» الأولى معناها الدلالة على [أنه الجامع بين الصفتين الأولية] ، والآخرية. والثالثة على الجامع بين الظُّهور والخفاء. وأما الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأوليين، ومجموع الصفتين الأخريين. فصل في تفسير الآية قال القرطبي ﵀: اختلف في معاني هذه الأسماء وقد شرحها رسول الله ﷺ َ شرحاً يغني عن قول كل قائل.

стр. 11477

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ َ: «اللَّهُمَّ أنْتَ الأوَّلُ فليسَ قَبلكَ شيءٌ، وأنْتَ الآخرُ فليْسَ بعدكَ شيءٌ، وأنْتَ الظَّاهرُ فليس فوقكَ شيءٌ، وأنْتَ الباطنُ فليْسَ دُونَك شيءٌ، اقْضِ عنَّا الدَّينَ، وأغْنِنَا من الفَقْرِ» ، عنى بالظاهر الغالب، وبالباطن العالم، والله أعلم. قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . مما كان أو يكون لا يخفى عليه شيء، وهذا معنى قول ابن عباس. قال ابن الخطيب: الظَّاهر بحسب الدلائل، والباطن بحسب الحواس. والقول بأن الباطن هو العالم ضعيف؛ لأنه يلزم منه التكرار في قوله: «وهو بكل شيء عليم بما كان أو يكون» . فصل في إثبات وحدانية الله قال ابن الخطيب: احتج كثير من العلماء في إثبات أنَّ الإله واحد بقوله: «هو الأول» ، قالوا: الأول هو الفرد السَّابق، ولهذا لو قال: أول مملوك اشتريته فهو حر، ثم اشترى عبدين لم يعتقا؛ لأن شرط كونه أولاً حصول الفردية، وهنا لم تحصل، فلو اشترى بعد ذلك عبداً واحداً لم يعتق؛ لأن شرط الأولية كونه سابقاً، وهاهنا لم يحصل، فثبت أن الشَّرط في كونه أولاً أن يكون فرداً، فكانت الآية دالة على أنَّ صانع العالم فرد. قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ . تقدم [في «الأعراف» ] ، والمقصود منه دلائل القدرة. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض﴾ أي: يدخل فيها من مطر وغيره. ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من نباتٍ وغيره. ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء﴾ من رزق ومطر وملك. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ يصعد فيها من الملائكة، وأعمال العباد ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يعني: بقدرته وسلطانه وعلمه. ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ينظر أعمالكم ويراها، ولا يخفى عليه شيء منها.

стр. 11478

فصل في الكلام على الآية قال القرطبي: وقد جمع في هذه الآية بين ﴿استوى على العرش﴾ وبين «وهُوَ معكُم» ، والأخذ بالظَّاهر تناقض فدل على أنه لا بد من التأويل، والإعراض عن التأويل اعتراف بالتناقض. وقد قال أبو المعالي: إن محمداً ﷺ َ ليلة الإسراء لم يكن بأقرب إلى الله من يونس بن متَّى حين كان في بطن الحوت. وقد تقدم. فصل في تفسير المعية ذكر ابن الخطيب عن المتكلمين أنهم قالوا: هذه المعية إما بالعلم، وإما بالحفظ والحراسة، وعلى التقديرين فالإجماع منعقد على أنَّه ليس معنا بالمكانِ والحيز والجهةِ، فإذن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ لا بد فيه من التأويل، فإذا جوَّزنا التأويل في موضع وجب تأويله في سَائر المواضع. قوله تعالى: ﴿لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ . هذا التكرير للتأكيد، أي: هو المعبود على الحقيقة. ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي: أمور الخلائق في الآخرة. وقد تقدم في البقرة «: أن الأخوين وابن عامر يقرءون:» تَرْجِعُ «بفتح التاء وكسر الجيم مبنيًّا للفاعل، والباقون: مبنيًّا للمفعول في جميع القرآن. وقال أبو حيان هنا: وقرأ الجمهور:» تُرْجَعُ «مبنيًّا للمفعول، والحسن وابن أبي إسحاق والأعرج مبنيًّا للفاعل. وهذا عجيب منه وقد وقع له مثل ذلك كما تقدم. قوله: ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ . أي: ما ينتقص من النهار فيزيد في الليل، وما ينتقص من الليل فيزيد في النهار. ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ . أي: لا تخفى عليه الضمائر، ومن كان بهذه الصفة، فلا يجوز أن يعبد سواه. قوله تعالى: ﴿آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ .

стр. 11479

أي: صدقوا أن الله واحد، وأن محمداً عبده ورسوله. » وأنفِقُوا «: تصدقوا وقيل: أنفقوا في سبيل الله. وقيل: المراد: الزكاة المفروضة. وقيل: غيرها من وجوه الطاعات، وما يتقرب به. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ دليل على أن أصل الملك لله ، وأن العبد ليس له فيه إلَاّ التصرف الذي يرضي الله تعالى، فيثيبه على ذلك بالجنة، فمن أنفق منها في حقوق الله، وهان عليه الإنفاق منها كما يهون على الرجل النفقة من مال غيره، إذا أذن له فيه، كان له الثواب الجزيل. وقال الحسن:» مُستخْلفِين فيه «بوراثتكم إياه عمن كان قبلكم، وهذا يدل على أنها ليست بأموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النُّواب والوكلاء، فاغتنموا الفوز، فإنها بإقامة الحق قبل أن تزال عنكم إلى من بعدكم. ﴿فالذين آمنوا وعملوا الصالحات منكم، وأنفقوا في سبيل الله لهم أجر كبير﴾ وهو الجنة. فصل في الكلام على الآية قال القاضي: هذه الآية تدل على أن هذا الأجر لا يحصل بالمال وحده حتى يضاف إليه هذا الإنفاق، فمن أخل بالواجب من زكاة وغيرها فلا أجر له. قال ابن الخطيب: وهذا استدلال ضعيف؛ لأنه لا يلزم من نفي الأجر الكبير نفي أصل الأجر، فلم قلتم: إنها [تدل على أنه] لا أجر له أصلاً؟ . فإن قيل: قوله» آمنوا بالله «خطاب مع من عرف الله أو مع من لم يعرف الله، فإن كان الأول كان ذلك أمراً بأن يعرف من عرفه، وذلك أمر بتحصيل الحاصل، وهو محال. وإن كان الثاني كذلك كان ذلك الخطاب متوجِّهاً على من لم يكن عارفاً به، ومن لم يكن عارفاً يستحيل أن يكون عارفاً بأمره، فيكون الأمر متوجِّهاً على من يستحيل أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر، وهو تكليف ما لا يُطاق. قال ابن الخطيب: والجواب من النَّاس من قال: معرفة وجود الصَّانع حاصلة للكل، وإنما المقصود من هذا الأمر معرفة الصفات.

стр. 11480

قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ﴾ . مبتدأ وخبر وحال: أي: أي شيء استقر لكم غير مؤمنين. قال القرطبي: «هذا استفهام يراد به التوبيخ، أي: أي عذر لكم في ألا تؤمنوا وقد أزيحت العلل» . ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ﴾ . فقوله: ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ﴾ جملة حالية من ضمير «تؤمنون» . قال الزمخشري: «فهما حالان متداخلان» . و «لتؤمنوا» متعلق ب «يدعو» أي: يدعوكم للإيمان، كقولك: «دعوته لكذا» . ويجوز أن تكون «اللام» للعلة، أي: يدعوكم إلى الجنة وغفران الله لأجل الإيمان. وفيه بعد. وهذه الآية تدل على أنه لا حكم قبل ورود الشرع. قوله: ﴿وَقَدْ أَخَذَ﴾ . حال أيضاً. وقرأ العامة: «أخَذ» مبنيًّا للفاعل، وهو الله - تعالى - لتقدّم ذكره. وقرأ أبو عمرو «أُخِذَ» مبنيًّا للمفعول، حذف الفاعل للعلم به. و «ميثاقكم» منصوب في قراءة العامة، ومرفوع في قراءة أبي عمرو. و «إن كنتم» جوابه محذوف، تقديره: فما يمنعكم من الإيمان. وقيل: تقديره: إن كنتم مؤمنين لموجب ما رتبه، فهذا هو الموجب. وقدره ابن عطية: إن كنتم مؤمنين فأنتم في رتبة شريفة. فصل في المراد بهذا الميثاق قال مجاهد: المراد بالميثاق هو المأخوذ عليهم حين أخرجهم من ظهر آدم، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف؛ لأنه - تعالى - إنما ذكر أخذ الميثاق ليكون

стр. 11481

ذلك سبباً في أنه لم يبق لهم عُذْر في ترك الإيمان بعد ذلك، وأخذ الميثاق وقت إخراجهم من ظهر آدم غير معلوم للقوم إلَاّ بقول الرسول. فقبل معرفة تصديق الرسول لا يكون ذلك سبباً في وجوب تصديق الرسول بل المراد بأخذ الميثاق نصب الدلائل والبينات، بأن ركب فيهم العقول، وأقام عليهم الحُجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرَّسُول، وهذا معلوم لكل أحد، فيكون سبباً لوجوب الإيمان بالرسول. فصل في حصول الإيمان بالعبد. قال القاضي: قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ﴾ يدل على قدرتهم على الإيمان، إذ لا يجوز أن يقال ذلك لمن لا يتمكن من الفعل كما لا يقال: ما لك لا تطول ولا تبيض، فيدل هذا على أن الاستطاعة قبل الفعل، وعلى أن القدرة صالحة للضدين، وعلى أن الإيمان حصل بالعبد لا بخلق الله. قوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: إذْ كنتم مؤمنين. وقيل: إن كنتم مؤمنين بالحجج والدليل. وقيل: إن كنتم مؤمنين بحق يوماً من الأيام، فالآن فقد صحت براهينه. وقيل: إن كنتم مؤمنين بأن الله خلقكم كانوا يعترفون بهذا. وقيل: هذا خطاب لقوم آمنوا، وأخذ النبي ﷺ َ ميثاقهم فارتدوا. وقوله: ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: كنتم تقرُّون بشرائط الإيمان.

стр. 11482

قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ﴾ . تقدمت قراءتا «يُنْزِلُ» تخفيفاً وتشديداً في «البقرة» . وزيد بن علي: «أنْزَلَ» ماضياً.

стр. 11483

وقوله: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يعني القرآن. وقيل: المعجزات، أي: لزمكم الإيمان بمحمد ﷺ َ لما معه من المعجزات والقرآن أكبرها وأعظمها. ﴿لِّيُخْرِجَكُم﴾ أي: بالقرآن. وقيل: بالرسول. وقيل: بالدعوة، ﴿مِّنَ الظلمات﴾ ، وهو الشرك والكفر. ﴿إِلَى النور﴾ وهو الإيمان ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . فصل في إرادة الله للإيمان قال القاضي: هذه الآية تدل على إرادته للإيمان، أكد ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . فإن قيل: أليس يدل ظاهرها على أنه يخرج من الظلمات إلى النور، فيجب أن يكون الإيمان من فعله؟ . قلنا: إذا كان الإيمان بخلقه لا يبقى لقوله: ﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم﴾ [الحديد: ٩] معنى؛ لأن ما يخلقه لا يتغير، بل المراد أنه يلطف بهم. قال ابن الخطيب: وهذا على حسنه معارض بالعلم؛ لأنه علم أن إيمانهم لا يوجد فقد كلفهم بما لا يوجد، فكيف يعقل مع هذا أنه أراد منهم الخير والإحسان، وحمل بعضهم قوله: ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ على بعثة محمد ﷺ َ ولا وجه لهذا التخصيص. قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَاّ تُنفِقُواْ﴾ . الكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَاّ نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ، فالأصل: «في ألا تنفقُوا» . فلما حذف حرف الجر جرى الخلاف المشهور، وأبو الحسن يرى زيادتها كما تقدم تقريره في البقرة. قوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ﴾ جملة حالية من فاعل الاستقرار أو مفعوله، أي: وأي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، والحال أن ميراث السموات والأرض له، فهذه حال منافية.

стр. 11484

فصل في الكلام على الإنفاق لما أمر أولاً بالإيمان وبالإنفاق، ثم أكَّده في الآية المتقدمة بإيجاب الإيمان بالله أتبعه في هذه الآية بتأكيد إيجاد الإنفاق، والمعنى: أنكم ستموتون فتورثون، فهلا قدّمتموه في الإنفاق على طاعة الله؟ . وتحقيقه: أن المال لا بد وأن يخرج من اليد، إما بالموت وإما بالإنفاق في سبيل الله، فإن خرج بالموت كان أثره اللَّعنُ والمقتُ والطرد والعقاب، وإن خرج بالإنفاق في سبيل الله كان أثره المدح والثواب وإذا كان لا بد من خروجه من اليد، فكل عاقل يعلم أن خروجه عن اليد بحيث يستعقب المدح والثواب أولى منه مما يستعقب اللعن والعقاب، ثم لما بين تعالى أن الإنفاق في سبيل الله فضيلة بيَّن أن المسابقة في الإنفاق تمام الفضيلة، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ﴾ . قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ﴾ . في فاعل «يستوي» وجهان: أظهرهما: أنه «مَنْ أنفق» وعلى هذا فلا بد من حذف معطوف يتم به الكلام، فقدره الزمخشري: لا يستوي منكم من أنفق قبل فتح «مكة» وقوة الإسلام، ومن أنفق من بعد الفتح، [فحذف لوضوح الدلالة] . [وقدره أبو البقاء: «ومن لم ينفق» . قال: ودلّ على المحذوف قوله: ﴿مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح﴾ ] . والأول أحسن؛ لأن السِّياق إنما جيء بالآية ليفرق بين النَّفقتين في زمانين. والثاني: أن فاعله ضمير يعود على الإنفاق، أي: لا يستوي جنس الإنفاق إذ منه ما وقع قبل الفتح، ومنه ما وقع بعده. فهذان النَّوعان متفاوتان، وعلى هذا فيكون «من» مبتدأ، و «أولئك» مبتدأ ثاني، و «أعظم» خبره، والجملة خبر «من» . وهذا ينبغي ألَاّ يجوز ألبتة. وكأن هذا المعرب غفل عن قوله: «منكم» ، فلو أعرب هذا القائل «منكم» خبراً مقدماً، و «من» مبتدأ مؤخراً، والتقدير: منكم من أنفق من قبل الفتح، ومنكم من لم ينفق قبله ولم يقاتل، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه لكان سديداً، ولكنه سَهَا عن لفظة «منكم» .

стр. 11485

فصل في المراد بالفتح أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح «مكة» . وقال الشعبي والزهري: فتح «الحديبية» . قال قتادة: كان قتالان، أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى؛ لأن القتال والنفقة قبل فتح «مكة» أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك، وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة النَّاس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق، والأجر على قدر النَّصب. قال مالك ﵁: ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم لقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ﴾ . قال الكلبي: نزلت في أبي بكر وفيها دليل واضح على تفضيل أبي بكر وتقديمه؛ لأنه أوَّل من أسلم، وأول من أنفق في سبيل الله. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: أوَّل من أظهر الإسلام بسيفه النبي ﷺ َ وأبو بكر. وعن ابن عمر قال: «كنت عند النبي ﷺ َ وعنده أبو بكر، وعليه عباءة قد خلَّلها في صدره بخلالٍ، فنزل جبريل ﵊ ُ فقال: يا نبي الله، ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟ قال:» أنْفَقَ مالهُ عليَّ قَبْلَ الفَتحِ «، قال: فإن الله تعالى يقول لك: اقرأ على أبي بكر السلام، وقل له: أنت راضٍ في فقرك أم ساخط؟ فقال أبو بكر: إني عن ربي لَراضٍ، قال: فإن الله - تعالى - يقول لك قد رضيت عنك كما أنت عني راضٍ، فبكى أبو بكر، فقال جبريل: والذي بعثك يا محمد بالحق لقد تخلَّلت حملةُ العرش بالعبى منذ تخلَّل صاحبك هذا بالعباءة» . ولهذا قدمه الصحابة على أنفسهم وأقرُّوا له بالتقدم والسبق. وقال علي بن أبي طالب ﵁: سبق النبي ﷺ َ وثنى أبو بكر وثلث عمر، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد [المفتري] ثمانين جلدة وطرح الشهادة.
следующие страницы →