← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

سكنوها تخفيفاً لحرف العلة. وقرأ ابن عامر في رواية» عَوَرَاتِ «بفتح الواو. ونقل ابن خالويه أنها قراءة ابن أبي إسحاق والأعمش، وهي لغة هذيل بن مدركة. قال الفراء: وأنشد في بعضهم: ٣٨٢٨ - أَخُو بَيَضَاتٍ رائِحٌ مُتَأوِّبٌ ... رَفِيقٌ بمَسْحِ المَنْكبَيْنِ سَبوح وجعلها ابنُ مجاهد لحناً وخطأ، يعني: من طريق الرواة، وإلا فهي لغة ثانية. (فصل) الظهور على الشيء يكون بمعنى العلم به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ﴾ [الكهف: ٢٠] أي: يشعروا بكم. ويكون بمعنى الغلبة عليه، كقوله:» فَأَصْبَحُوا ظَاهِرينَ «. فلهذا قال مجاهد وابن قتيبة: معناه: لم يطلعوا على عورات النساء، ولم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر. وقال الفراء والزجاج: لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء. وقيل: لم يبلغوا حدّ الشهوة.

стр. 8787

فصل فأما المراهق فيلزم المرأة أن تستُر منه ما بين سرتها وركبتها، وفي لزوم ستر ما عداه وجهان: الأول: لا يلزم، لأن القلم غير جار عليه. والثاني: يلزم كالرجل، لأنه مشتهى، والمرأة قد تشتهيه، واسم الطفل شامل له إلى أن يحتلم وأما الشيخ فإن بقيت له شهوة فهو كالشاب، وإن لم تبق له شهوة ففيه وجهان: أحدهما: أن الزينة الباطنة معه مباحة، والعورة معه ما بين السرة والركبة. والثاني: أن جميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة. وههنا آخر الصور التي استثناها الله تعالى، (والرضاع كالنسب) . قوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ . قال ابن عباس وقتادة: كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجليها ليسمع قعقعة خلخالها، فنُهِينَ عن ذلك؛ لأن الذي تغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعية له زائدة إلى مشاهدتهن، وعلل تعالى ذلك بقوله: ﴿لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ وفي الآية فوائد: الأولى: لما نهي عن استماع الصوت الدال على وجود الزينة، فلأن يدل على المنع من إظهار الزينة أولى. الثانية: أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب، إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة (من صوت خلخالها، ولذلك كرهوا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت، والمرأة منهية عنه. الثالثة: تدل على تحريم النظر إلى وجهها بشهوة، لأن ذلك أقرب إلى الفتنة) . قوله تعالى: ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَا المؤمنون﴾ . قال ابن عابس: توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة. وقيل: تُوبُوا من

стр. 8788

التقصير الواقع منكم في أمره ونهيه. وقيل: راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب المذكورة في هذه السورة. قوله: «أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ» . العامة على فتح الهاء وإثبات ألف بعد الهاء، وهي «ها» التي للتنبيه. وقرأ ابن عامر هنا وفي الزخرف «يأَيُّهُ السَّاحِر» وفي الرحمن «أَيُّهُ الثقلان» بضم الهاء وصلاً، فإذا وقف سكن. ووجهها: أنه لما حذفت الألف لالتقاء الساكنين استحقت الفتحة على حرف خفي، فضمت الهاء إتباعاً. وقد رُسِمَتْ هذه المواضع الثلاثة دون ألف، فوقف أبو عمرو والكسائي بألف والباقون بدونها اتباعاً للرسمِ، ولموافقة الخط للفظ. وثبتت في غير هذه المواضع حَمْلاً لها على الأصل نحو: «يَأَيُّهَا النَّاسُ» ، «يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» وبالجملة فالرسم سنة متبعة.

стр. 8789

قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ . لما أمر تعالى بغض الأبصار وحفظ الفروج بيَّن بعده أن الذي أمر به إنما هو فيما لا يحل، ثم ذكر بعد ذلك طريق الحِلّ فقال: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ . الأيامى: جمع أيِّم ب «زنة» : «فَيْعل» ، يقال منه: آم يَئيم كباع يبيع، قال الشاعر: ٣٨٢٩ - كُلُّ امْرِئٍ سَتَئيم مِن ... هُ العِرْسُ أَوْ مِنْهَا يَئِيمُ وقياس جمعه: أَيائِم، كسيِّد وسَيَائِد. و «أَيامى» فيه وجهان:

стр. 8790

أظهرهما من كلام سيبويه أنه جمع على «فَعَالَى» غير مقلوب، وكذلك «يَتَامَى» . وقيل: إن الأصل «أَيَايم» و «يَتَايم» و «يَتِيم» (فقلبا) . والأَيِّم: (من لا زوج له) ذكراً كان أو أنثى. قال النضر بن شميل: الأَيِّمُ في كلام العرب: كل ذكر لا أنثى معه، وكل أنثى لا ذكر معها. وهو قول ابن عباس في رواية الضحاك، يقول: زوجوا أياماكم بعضكم من بعض. وخصَّه أبو بكر الخفَّاف بمن فقدت زوجها، فإطلاقه على البِكْر مجاز. وقال الزمخشري: «تأيَّما إذا لم يتزوجا بِكرين كانا أو ثيّبين» ، وأنشد: ٣٨٣٠ - فَإِنْ تَنْكِحي أَنْكِح وإِنْ تَتَأَيَّمِي ... وَإِنْ كُنْتُ أَفْتَى مِنْكُم أَتَأَيَّمُ وعن رسول الله ﷺ َ -: «اللَّهم إني أعوذ بك من العَيْمَة والغَيْمَة والأَيْمَة والكَرم والقَرَم» العَيْمة - بالمهملة: شدة شهوة اللبن. وبالمعجمة: شدة العطش. والأَيْمَة: طول العزبة. والكَرَم: شدة شهوة الأكل والقَرَم: شدة شهوة

стр. 8791

اللحم و «منكم» حال. وكذا «مِنْ عِبادكُمْ» . فصل قوله: «وَأَنكحوا» أمر، وظاهر الأمر للوجوب، فدلّ على أن الولي يجب عليه تزويج موليته، (وإذا ثبت هذا وجب ألا يكون النكاح إلا بولي، لأن كل ما وجب على الولي حكم بأنه لا يصح من المولية) ، ولأن المولية لو فعلت ذلك لفوَّتتْ على الولي تمكنه من أداء هذا الواجب، وأنه غير جائز، ولم تطابق قوله ﵇: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضوْنَ دِينَهُ وخُلُقَهُ فَزوِّجُوهُ، إلَاّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَة فِي الأَرْضِ» قال أبو بكر الرازي: هذه الآية وإن اقتضت الإيجاب، إلا أنه أجمع السلف على أنه لا يراد الإيجاب، ويدل عليه أمور: أحدها: أنه لو كان ذلك واجباً لنقل عن النبي ﷺ َ - وعن السلف مستفيضاً، لعموم الحاجة إليه، فلما علمنا أن سائر الأعصار كانت فيهم أيامى من الرجال والنساء ولم ينكروا ذلك، ثبت أنه لم يرد الإيجاب. وثانيها: أجمعنا على أن الأَيِّم الثيّب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه. وثالثها: اتفاق الكل على أنه لا يجب على السيد تزويج أمته وعبده، وهو معطوف على الأيامى، فدل على أنه غير واجب في الجميع، بل ندب في الجميع. ورابعها: أن اسم الأَيَامَى يشمل الرجال والنساء، وهو في الرجال ما أريد به الأولياء دون غيرهم، كذلك في النساء. والجواب: أن جميع ما ذكرته تخصيصات تطرقت إلى الآية، والعام بعد التخصيص حجة، فوجب إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج وجب، وحينئذ ينتظم الكلام. فصل قال الشافعي: الآية تقتضي جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها، لأن الآية والحديث يدلان على أمر الولي بتزويجها. ولولا قيام الدلالة على أنه تزوج الثيب الكبيرة بغير رضاها لكان جائزا له تزويجها أيضا لعموم الآية.

стр. 8792

فصل الناس في النكاح قسمان: الأول: من تتوقُ نفسُه للنكاح، فيستحب له أن ينكح إن وجد أهبته سواء كان مقبلاً على العبادة أو لم يكن، ولكن لا يجب، وإن لم يجد أهبته يكسر شهوته بالصوم لقوله ﵇: «يَا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُم البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأحْصَنُ للفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيَصُمْ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» . الثاني: من لا تتوق نفسه للنكاح، فإن كان لعلة من كِبَر أو مرض أو عجز فيكره له، لأنه يلتزم ما لا يمكنه القيام به، وكذلك إذا كان لا يقدر على النفقة. وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له النكاح، لكن الأفضل أن يتخلّى للعبادة، لأن الله تعالى مدح يَحْيَى بكونه «حَصُوراً» ، والحَصُور: الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهنّ، ولا يقال: هو الذي لا يأتي النساء مع العجز؛ لأن مدح الإنسان بما يكون عيباً غير جائز، وإذا كان مدحاً في حق يحيى وجب أن يشرع في حقنا، لقوله تعالى: «فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ» ، ولا يحمل الهدى على الأصول، لأن التقليد فيها غير جائز، فوجب حَمْلُه على الفروع. وقال ﵇: «اعْلمُوا أَن خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ» وقال ﵇: «أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي قرَاءَةُ القُرْآنِ» وقال أبو حنيفة: النكاح أفضل لقوله ﵇: «أحبُّ المباحات إلى الله النكاح» لأن النكاح يتضمن صون النفس عن الزنا، فيكون دفعاً للضرر عن النفس. والنافلة:

стр. 8793

جلب نفع. ودفع الضرر أولى من جلب النفع. وأجيب بأن يحمل الأحب على الأصلح في الدنيا، لئلا يقع التناقض بين كونه أحبّ وبين كونه مباحاً. والمباح: ما يستوي طرفاه في الثواب والعقاب. والمندوب: ما ترجّح وجوده على عدمه، فتكون العبادة أفضل. وبقية المباحث مذكورة في كتب الفقه. قوله: «مِنْكُم» أي: زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم. وقيل: أراد الحرية والإسلام. وقوله: ﴿والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ﴾ ظاهره يقتضي الأمر بتزويج هذين الفريقين إذا كانوا صالحين. وخصَّ الصالحين بالذكر ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن الصالحين منهم هم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في المودَّة، فكانوا مظنة للتوصية والاهتمام بهم. ومن ليس بصالح فحاله على العكس من ذلك. وقيل: أراد الصلاح لأمر النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم لها، وتقوم الأمة بما يلزم للزوج. وقيل: أراد بالصلاح ألا تكون صغيرة لا تحتاج إلى النكاح. فصل ظاهر الآية يدل على أنّ العبد لا يتزوج نفسه، وإنما يتولى تزويجه مولاه، لكن ثبت بالدليل أنه إذا أمره بأن يتزوج جاز أن يتولى تزويج نفسه، فيكون توليه بإذنه بمنزلة تولي السيد. فأما الإماء فإنَّ المولى يتولى تزويجهنَّ خصوصاً على قول من لا يجوِّز النكاح إلا بوليّ. فصل الولي شرط في صحة النكاح لقوله ﵇: «لَا نِكَاحَ إلَاّ بِوَليّ» . وقال ﵇: «أيُّمَا امرأةٌ نكحَتْ بغير إذن وليِّها فنكاحُها باطلٌ» ، فإن

стр. 8794

أصابها فلها المهر بما استحلَّ من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ (من لا وليّ له) . قوله: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾ الأصح أن هذا ليس وعداً بإغناء من يتزوج، بل المعنى: لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم، أو فقر من تريدون تزويجها، ففي فضل الله ما يغنيهم، والمال غادٍ ورائح، وليس في الفقر ما يمنع من الرغبة في النكاح، فهذا معنى صحيح، وليس فيه أن الكلام قصد به وعد الغنى حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف. وروي عن قدماء الصحابة ما يدلّ على أن ذلك وعد، فروي عن أبي بكر قال: «أطيعُوا اللَّهَ فيما أمركُم به من النكاح ينجز لكم ما وَعَدكُم من الغِنَى» . وعن عمر وابن عباس مثله. وشكى رجل إلى رسول الله ﷺ َ - الحاجة، فقال: «عليك بالباءة» ، ويزيد الله في مروءتكم. فإن قيل: فنحن نرى من كان غنياً فتزوج فيصير فقيراً؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ﴾ [التوبة: ٢٨] والمطلق يحمل على المقيد. وثانيها: أن اللفظ وإن كان عامّاً إلا أنه يخصّ بعض المذكورين دون البعض، وهو في الأيامى الأحرار الذين يملكون فيستغنون بما يملكون. وثالثها: المراد بالغنى: العفاف، فيكون الغنى هنا معناه: الاستغناء بالنكاح عن الوقوع في الزنا. فصل استدل بعضهم بهذه الآية على أن العبد والأمة يملكان، لأن ذلك راجع إلى كل من تقدم، فاقتضى أن العبد قد يكون فقيراً وغنياً، وذلك دل على الملك، فثبت أنهما يملكان. والمفسرون تأولوه على الأحرار خاصة، فقالوا: هو راجع إلى الأيامى، وإن فسرنا الغنى بالعفاف سقط استدلالهم.

стр. 8795

وقوله: ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي يوسع عليهم من أفضاله، «عَلِيمٌ» بمقادير ما يصلحهم من الإفضال والرزق.

стр. 8796

قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ الآية. لما ذكر تزويج الحرائر والإماء ذكر حال من يعجز عن ذلك فقال: «وَلْيَسْتَعْفِفِ» أي: وليجتهد في العفة، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف. وقوله: ﴿لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾ أي: لا يتمكنون من الوصول إليه، يقال: لا يجد المرء الشيء إذا لم يتمكن منه، قال تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] ويقال: هو غير واجد للماء، وإن كان موجوداً، إذا لم يمكنه أن يشتريه. ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال، فبين تعالى أن من لا يتمكن من ذلك فليطلب التعفف ولينتظر أن يغنيه الله من فضله ثم يصل إلى بغيته من النكاح. فإن قيل: أفليس ملك اليمين يقوم مقام نفس النكاح؟ قلنا: لكن من لم يجد المهر والنفقة فبأن لا يجد ثمن الجارية أولى. قوله تعالى: ﴿والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ... ﴾ الآية لما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإماء مع الرق رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك ليصيروا أحراراً فيتصرفون في أنفسهم كالأحرار، فقال: ﴿والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ . يجوز في الذين الرفع على الابتداء، والخبر الجملة المقترنة بالفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط. ويجوز نصبه بفعل مقدر على الاشتغال، كقولك: «زيداً فاضربه» وهو أرجح لمكان الأمر. والكتاب والكتابة كالعتاب والعتابة، وفي اشتقاق لفظ الكتابة وجوه:

стр. 8797

أحدها: أن أصل الكلمة من الكتب، وهو الضم والجمع، ومنه سميت الكتابة لأنها تضم النجوم بعضها إلى بعض، وتضم ماله إلى ماله. وثانيها: مأخوذ من الكتاب، ومعناه: كتبت لك على نفسي (أن تعتق إذا وفيت بمالي وكتبت لي على نفسي) أن تفي لي بذلك، أو كتبت عليك الوفاء بالمال، وكتبت عليَّ العتق، قاله الأزهري. وثالثها: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل بالمال المعقود عليه، لأنه لا يجوز أن يقع على مال هو في يد العبد حين يكاتب، لأن ذلك مال لسيده اكتسبه في حال ما كانت يد السيد غير مقبوضة عن كسبه، فلا يجوز لهذا المعنى أن يقع هذا العقد حالاً، بل يقع مؤجلاً، ليكون متمكناً من الاكتساب. ثم من آداب الشريعة أن يكتب على من عليه المال المؤجل كتاب، فلهذا المعنى سمي هذا العقد كتاباً لما فيه من الأجل، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٢٨] . فصل قال بعض العلماء: الكتابة أن يقول لمملوكه: كاتبتك على كذا، ويسمي مالاً معلوماً، يؤديه في نجمين أو أكثر، ويبين عدد النجوم، وما يؤدي في كل نجم، ويقول: إذا أديت ذلك المال فأنت حر، أو ينوي ذلك بقلبه، ويقول العبد: قبلت. فإذا لم يقل بلسانه، أو لم ينو بقلبه: إذا أديت ذلك فأنت حر، لم يعتق. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: لا حاجة إلى ذلك، لأن قوله تعالى: «فَكَاتِبُوهُمْ» ليس فيه شرط، فتصح الكتابة بدون هذا الشرط، وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع. واحتج الأولون بأن الكتابة ليست عقد معاوضة

стр. 8798

محضة، لأن ما في يد العبد ملك للسيّد، والإنسان لا يبيع ملكه بملكه، بل قوله: «كاتبتك» كناية في العتق، فلا بد من لفظ التعليق أو نيته. فصل لا تجوز الكتابة الحالّة، لأن العبد ليس له ملك يؤديه في الحال، وإذا عقدت حالّة توجهت المطالبة عليه في الحال، فإذا عجز عن الأداء لم يحصل العقد، كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند المحل لا يصح، بخلاف ما لو أسلم إلى معسر فإنه يجوز لأنه يتصور أن يكون له ملك في الباطن، فالعجز لا يتحقق. وقال أبو حنيفة: تجوز لقوله تعالى «فكاتبوهم» ، وهو مطلق يتناول الكتابة الحالة والمؤجلة. وأيضاً فمال الكتابة بدل عن الرقبة، فهو بمنزلة أثمان السلع المبيعة، فتجوز حالة. وأيضاً فأجمعوا على جواز العتق مطلقاً على مال حال، فالكتابة مثله لأنه بدل عن العتق في الحالين، إلا أن في أحدهما العتق معلق على شرط العبادة وفي الآخر معجل، فوجب أن لا يختلف حكمهما. فصل لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين، لأنه يروى عن عليّ وعثمان وابن عمر، روي أن عثمان غضب على عبده فقال: «لأضيقن عليك، ولأكاتبنك على نجمين» ولو جاز على أقل من ذلك لكاتبه على الأقل، لأن التضييق فيه أشد، وإنما شرطنا التنجيم، لأنه عقد إرفاق، ومن شرط الإرفاق: التنجيم ليتيسر عليهم الأداء. وقال أبو حنيفة: تجوز الكتابة على نجم واحد، لأن ظاهر قوله: «كاتبوهم» ليس فيه تقييد. فصل يشترط أن يكون المكاتب بالغاً عاقلاً. فإن كان صبياً أو مجنوناً لم تصح كتابته لقوله تعالى: ﴿والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ والابتغاء لا يتصور من الصبي والمجنون. وقال أبو حنيفة: تجوز كتابة الصبي، ويقبل عنه (المولى) . فصل ويشترط أن يكون السيد مكلفاً مطلقاً. فإن كان صبياً أو محجوراً عليه لسفه لم

стр. 8799

تصح كتابته، كما لا يصح بيعه، لأن قوله: «فَكَاتِبُوهُمْ» خطاب، فلا يتناول غير المكلف. وقال أبو حنيفة: تصحّ كتابة الصبيّ بإذن الوليّ. فصل اختلفوا في قوله تعالى: «فكاتبوهم» هل هو أمر إيجاب أو ندب؟ فقيل: أمر إيجاب، فيجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر إذا علم فيه خيراً، فإن سأله بدون قيمته لم يلزمه، وهذا قول ابن دينار وعطاء، وإليه ذهب داود بن عليّ ومحمد بن جرير لظاهر الآية، وأيضاً فلأن سبب نزولها إنما نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له: «صبيح» سأل مولاه أن يكاتبه، فأبى عليه، فنزلت الآية، فكاتبه على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً وروي أن عمر أمر أنساً بأن يكاتب سيرين (أبا محمد بن سيرين) فأبى، فرفع عليه الدِّرَّة وضربه، وقال: «فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهمْ خَيْراً» وحلف عليه ليكاتبنه، ولو لم يكن واجباً لكان ضربه بالدرة ظلماً، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فجرى ذلك مجرى الإجماع. وقال أكثر الفقهاء: إنه أمر استحباب، وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن والشعبي، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد لقوله ﵇: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» ولأنه لا فرق بين أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة، فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة فإن قيل: كيف يصح أن يبيع ماله بماله؟ فالجواب: إذا ورد الشرع به جاز، كما إذا علق عتقه على مال يكسبه فيؤديه أو يؤدى عنه صار سبباً لعتقه. فإن قيل: هل يستفيد العبد بعقد الكتابة ما لا يملكه لولا الكتابة؟ فالجواب: نعم، لأنه لو دفع إليه الزكاة قبل الكتابة لم يحل له أخذها، وإذا صار

стр. 8800

مكاتباً حل له أخذها سواء أدى فعتق، أو عجز فعاد إلى الرق. واستفاد أيضاً أن الكتابة تبعثه على الاجتهاد في الكسب، ولولاها لم يكن ليفعل ذلك. ويستفيد المولى الثواب، لأنه إذا باعه فلا ثواب، وإذا كاتبه فالولاء له، فورد الشرع بجواز الكتابة لهذه الفوائد. قوله: ﴿إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ قال ﵇: «إن علمتم لهم حرفة، ولا تدعوهم كلاًّ على الناس» وقال ابن عمر: قوة على الكسب، وهو قول مالك والثوري. قال عطاء والحسن ومجاهد والضحاك: الخير: المال، لقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة: ١٨٠] أي: مالاً. قال عطاء: بلغني ذلك عن ابن عباس. ويروى أن عبداً لسلمان الفارسي قال له: كاتبني. قال: لك مال؟ قال: لا. قال: تريد أن تطعمني أوساخ الناس ولم يكاتبه. قال الزجاج: لو أراد به المال لقال: إنْ عَلِمْتُم لهم خيراً. وأيضاً فلأن العبد لا مال له، بل المال لسيده. وقال إبراهيم النخعي وبن زيد وعبيدة: صدقاً وأمانة. وقال طاوس وعمرو بن دينار: مالاً وأمانة. وقال الحسن: صلاحاً في الدين. قال الشافعي: وأظهر معاني الخير في العبيد: الاكتساب مع الأمانة، وأجاب ألا يمتنع من الكتابة إذا كان هكذا، لأن مقصود الكتابة قلما يحصل إلا بهما، فإنه ينبغي أن يكون كسوباً يحصل المال، ويكون أميناً يصرفه في نجومه ولا يضيعه. قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ﴾ . قيل: هذا خطاب للموالي، يجب على المولى أن يحط عن مكاتبه من مال الكتابة شيئاً، وهو قول عثمان وعليّ والزبير وجماعة، وبه قال الشافعي وهؤلاء اختلفوا في قدره: فقيل: يحط عنه ربع مال الكتابة، وهو قول عليّ، ورواه بعضهم عن عليّ مرفوعاً. وعن ابن عباس: يحط الثلث. وقيل: ليس له حد، بل يختلف بكثرة المال وقلته، وهو قول الشافعي، لأن ابن عمر

стр. 8801

كاتب غلاماً له على خمسة وثلاثين ألف درهم، فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف درهم. وقيل: يحط عنه قدراً يحصل الاستغناء به. قال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئاً من أول نجومه، مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته، ووضع من آخر كتابته ما أحب. وكاتب عمر عبداً، فجاءه بنجمه، فقال: اذهب فاستغن على أداء مال الكتابة، فقال المكاتب: لو تركته إلى آخر نجم فقال: إني أخاف ألا أدرك ذلك. وقيل: هو أمر استحباب، لقوله ﵇: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» وقوله ﵇: «أيما عبد كاتب على مائة فأداها إلا عشرة فهو عبد» ولو كان الحط واجباً سقط عنه بقدره، وأيضاً فلو كان الإيتاء واجباً لكان وجوبه معلقاً بالعقد، فيكون العقد موجباً له ومسقطاً له، وذلك محال لتنافي الإسقاط والإيجاب. وأيضاً فلو كان الحط واجباً لما احتاج أن يضع عنه، بل كان يسقط القدر المستحق، كمن له على إنسان دين، ثم لذلك الآخر على الأول مثله فإنه يصير قابضاً له. وأيضاً فلو كان واجباً لكان قدر الإيتاء إما أن يكون معلوماً أو مجهولاً، فإن كان معلوماً وجب ألا تكون الكتابة بثلاثة أرباع المال على قول من يجعله الربع، فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف إذا كان العقد على أربعة آلاف، وذلك باطل، لأن أداء جميعها شرط، فلا يعتق بأداء البعض لقوله ﵇: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» وإن كان مجهولاً صارت الكتابة مجهولة، لأن الباقي بعد الحط مجهول، فلا يصح، كما لو كاتب عبده على ألف درهم إلا شيء. وقال قوم: المراد بقوله: «وآتُوهُم» أي سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات بقوله: «وَفِي الرّقَابِ» وهو قول الحسن وزيد بن أسلم، ورواية عطاء عن

стр. 8802

ابن عباس. وعلى هذا الخطاب لغير السادة، لأنهم أجمعوا على أنه لا يجوز للسيد أن يدفع زكاته إلى مكاتبه. وقال الكلبي وعكرمة وإبراهيم: هو خطاب لجميع الناس، وحث على معونة المكاتب، لقوله ﵇: «من أعان مكاتباً في فك رقبته أطلقه الله في ظل عرشه» . فصل إذا مات المكاتب قبل أداء النجوم. فقيل: يموت رقيقاً، وترتفع الكتابة سواء ترك مالاً أو لم يترك، كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع. وهو قول عمر وابن عمر وزيد بن ثابت، وبه قال عمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. وقيل: إن ترك وفاء لما بقي عليه من الكتابة كان حراً، وإن كان فيه فضل فالزيادة لأولاده الأحرار، وهو قول عطاء وطاوس والنخعي والحسن، وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي. فصل ولو كاتب عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال، لأن عتقه معلق بالأداء، وقد وجد، ويتبعه الأولاد والأكساب كما في الكتابة الصحيحة. ويفترقان في بعض الأحكام، وهي أن الكتابة الصحيحة لا يملك المولى فسخها ما لم يعجز المكاتب عن أداء النجوم، ولا تبطل بموت المولى، ويعتق بالإبراء من النجوم. والكتابة الفاسدة يملك المولى فسخها قبل أداء المال، حتى لو أدى المال بعد الفسخ لا يعتق، وتبطل بموت المولى، ولا يعتق بالإبراء من النجوم. وإذا عتق المكاتب بأداء المال لا يثبت التراجع في الكتابة الصحيحة ويثبت في الكتابة الفاسدة، فيرجع المولى عليه بقيمة رقبته، وهو يرجع على المولى بما دفع إليه إن كان مالاً. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء ... ﴾ الآية لما بين ما يلزم من تزويج العبيد والإماء وكتابتهم أتبع ذلك بالمنع من إكراه الإماء على الفجور. واعلم أن العرب تقول للمملوك: فتى، وللمملوكة: فتاة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ﴾ [الكهف: ٦٢] وقال: «تُرَاوِدُ فَتَاهَا» وقال: ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ﴾ [النساء: ٢٥] .

стр. 8803

وقال ﵇: «ليقل أحدكم: فَتَاي وفَتَاتي، ولا يقل: عَبْدِي وأَمَتِي» . والبِغَاء: الزنا، مصدر: بَغَتِ المَرْأَة تَبْغي بِغَاءً، أي: زَنَتْ، وهو مختص بزنا النساء. فصل قال المفسرون: نزلت في عبد الله بن أبيّ المنافق، كان له ست جوار مُعَاذة، ومُسَيْكة، وأُمَيْمة، وعَمْرَة، وأَرْوَى، وقتيلة، يكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب يأخذها، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية يؤاجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين: فإن يكن خيراً فقد استكثرنا منه، وإن كان شراً فقد آن لنا أن ندعه فشكيا إلى رسول الله ﷺ َ - فنزلت الآية. وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوماً ببرد، وجاءت الأخرى بدينار، فقال لهما: «ارجعا فازنيا» فقالتا: «والله لا نفعل وقد جاء الإسلام وحرم الزنا» فأتيا رسول الله ﷺ َ - وشكيا إليه، فأنزل الله هذه الآية. وروي أن عبد الله بن أبيّ أسر رجلاً، فأراد الأسير جارية عبد الله، وكانت الجارية مسلمة، فامتنعت الجارية لإسلامها، فأكرهها سيدها على ذلك رجاء أن تحمل من الأسير فيطلب فداء ولده، فنزلت الآية. وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: «جاء عبد الله بن أبيّ إلى رسول الله ﷺ َ - ومعه جارية من أجمل النساء تسمى: معاذة، وقال: يا رسول الله، هذه لأيتام فلان، أفلا نأمرها بالزنا فيصيبون من منافعها. فقال ﵇: لا. فأعاد الكلام، فنزلت الآية» .

стр. 8804

فصل الإكراه إنما يحصل بالتخويف بما يقتضي تلف النفس. ومعنى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ أي: إذا أرَدْنَ، وليس معناه الشرط، لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا إن لم يردْن تحصناً، كقوله : ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أي: إذ كنتم مؤمنين. وقيل: إنما شرط إرادة التحصن، لأن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن، فإن لم تُرِد التحصن بغت طوعاً، لأنه متى لم توجد إرادة التحصن لم تكن كارهة للزنا، وكونها غير كارهة للزنا يمنع إكراهها، فامتنع الإكراه لامتناعه في نفسه. وقيل: هذا الشرط لا مفهوم له، لأنه خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن، كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق، ولكن لما كان الغالب وقوع الخلع في حالة الشقاق لا جرم لم يكن لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] (مفهوم) ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١] والقصر لا يختص بحال الخوف، ولكنه أخرجه على الغالب، فكذا ههنا. وقال بعض العلماء: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصناً ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُم على البِغَاءِ لتبتغوا عرض الحياةِ الدُّنيا، أي: لتطلبوا من أموال الدنيا، يريد: من كسبهن وبيع أولادهن. والتحصن: التعفف. قوله: ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . أي: غفور رحيم للمكرهات، والوزر على المُكْرِه، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: (لهنَّ والله) . وقال ابن الخطيب: فيه وجهان: أحدهما: غَفُوراً لَهُنَّ، لأنّ الإكراه (يُزِيلُ الإثم) والعقوبة عن المكره فيما فعل.

стр. 8805

والثاني: (فإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم) بالمكره بشرط التوبة. وهذا ضعيف لأنه يحتاج إلى الإضمار، والأول لا يحتاج إليه. وفي هذا نظر، لأنه لا بد من ضمير يعود على اسم الشرط عند الجمهور كما تقدم تحقيقه (في البقرة) . قوله: «فإن الله» جملة وقعت جواباً للشرط، والعائد على اسم الشرط محذوف، تقديره: غَفُور لهم. وقدره الزمخشري في أحد تقديراته وابن عطية وأبو البقاء: فإن الله غفور لَهُنَّ، أي: لِلْمُكرهات، فعرِيَتْ جملة الجزاء عن رابط يربطها باسم الشرط، ولا يقال: إن الرابط هو الضمير المقدر الذي هو فاعل المصدر؛ إذ التقدير: من بعد إكراههم لهُنّ، فَلْيُكْتَفَ بهذا الرابط المقدر، لأنهم لم يعدوا ذلك من الروابط، تقول: هند عجبت من ضربها زيداً فهذا جائز، ولو قُلْتَ: هند عجبت من ضربِ زيدٍ: أي: من ضربها، لَمْ يَجُز، لخلوها من الرابط وإن كان مقدراً. ولما

стр. 8806

قدر الزمخشري «لهن» أورد سؤالاً فقال: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن، لأن المُكرهة على الزنا بخلاف المُكره غير آثمة. قلت: لَعَلَّ الإكراه غير ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يُخَاف منه التلف، أو فوات عضو حتى يسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحد الذي تُعذَرُ فيه فتكون آثمة.

стр. 8807

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾ الآية. لما ذكر الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث: أحدها: قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾ أي: مفصلات. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر: «مبيِّنات» بكسر الياء، أي: أنها تبين للناس الحلال والحرام، كقوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] وتقدم الكلام في «مُبَيّنَاتٍ» كسراً وفتحاً. وثانيها: قوله: ﴿وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ . قال الضحاك: «يريد بالمثل ما في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود، فأنزل في القرآن مثله» وقال مقاتل: «قوله:» وَمَثَلاً «أي: شبهاً من حالهم بحالكم في تكذيب الرسل» يعني: بينا لكم ما أحللنا بهم من العقاب لتمردهم على الله، فجعلنا ذلك مثلاً لكم، وهذا تخويف لهم، فقوله: «ومثلاً» عطف على «آيات» أي: وأنزلنا مثلاً من أمثال الذين من قبلكم. وثالثها: قوله: «وَمَوْعِظَة لِلْمُتقينَ» أي: الوعيد والتحذير، ولا شك أنه موعظة للكل، وخصَّ المتقين بالذكر لما تقدم في قوله: «هُدًى لِلْمتقينَ» .

стр. 8808

قوله تعالى: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾ الآية. هذه جملة من مبتدأ وخبر، إما على حذف مضاف، أي: ذو نور السموات والمراد بالنور: عَدْلُهُ، ويؤيد هذا قوله: «مَثَلُ نُورِهِ» وأضاف النور لهذين الظرفين إما دلالة على سَعَةِ إِشْرَاقِهِ، وَفشُوّ إضاءته حتى تضيء له السمواتُ والأرضُ، وإمَّا لإرادة أهل السموات والأرض، وأنهم يَسْتَضِيئُونَ به. ويجوز أن يُبَالَغَ في العبادة على سبيل المدح كقولهم: فلان شَمْسُ البلادِ وقمرُها قال النابغة: ٣٨٣١ - فإِنَّك شَمْسٌسٌ والمُلُوكُ كَوَاكِبٌ ... إذَا ظَهَرتْ لم يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ وقال (آخر) : ٣٨٣٢ - قَمَرُ القَبَائِلِ خَالِدُ بن يزيد ... ويجوز أن يكون المصدر واقعاً اسم الفاعل، أي: مُنَوِّرُ السَّمواتِ. ويؤيد هذا الوجهَ قراءة أمير المؤمنين وزيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكي: «نَوَّر» فعلاً ماضياً، وفاعله ضمير الباري تعالى، «السموات» مفعوله، وكَسْرُهُ نَصْبٌ، و «الأَرْضُ» بالنصب نَسَقٌ عليه. وفَسَّرَهُ الحسنُ فقال: «اللَّهُ مُنوِّرُ السَّمواتِ» .

стр. 8809

فصل قال ابن عباس: هادي أهل السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. وقال الضحاك: منوِّر السموات والأرض، يقال: نوّر الله السماء بالملائكة ونوّر الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض. وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: مزَيّن السموات والأرض، زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقيل: بالنبات والأشجار. وقيل: معناه: الأنوار كلها منه، كما يقال: فلان رحمة، أي: منه الرحمة. وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح، كقول القائل: ٣٨٣٣ - إذا سارَ عبدُ اللَّهِ من مَرْوَ لَيْلَةً ... فقد سارَ منها نورُها وجمالُها قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ مبتدأ وخبر، وهذه الجملة إيضاحٌ وتفسيرٌ لِمَا قبلها، فلا محلَّ لها، وثمَّ مُضَاف محذوف، أي: كَمَثَلِ مِشْكَاةٍ. قال الزمخشري: أي: صفةُ نُورِهِ العجيبةُ الشأنِ في الإضاءة «كَمِشْكَاةٍ» أي: كصفة (مشكاة) . واختلفوا في الضمير في «نُورِهِ» : فقيل: هو الله تعالى، أي: مثل نور الله في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدى به، كما قال: ﴿فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] . وكان ابن مسعود يقرأ «مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ المُؤْمِن» وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: «مثل نوره الذي أعطى المؤمن» وعلى هذا المراد بالنور: الإيمان، والآيات البيّنات. وقيل: يعود على المؤمنين أو المؤمن، أو من آمن به، أي مثل نور قلب المؤمن. وكان أبيّ يقرأ بهذه الألفاظ كلها، وأعاد الضمير على ما قرأ به. والمراد بالنور: الإيمان

стр. 8810

والقرآن لقوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] يعني: القرآن. وقال سعيد بن جبير والضحاك: الضمير يعود على محمد ﷺ َ - ولم يتقدم لهذه الأشياء ذِكْر. وأما عوده على المؤمنين في قراءة أبيّ، ففيه إشكال من حيث الإفراد. قال مكّيٌّ: يُوقَف على الأرض في هذه الأقوال الثلاثة. وقيل: أراد ب «النور» الطاعة، سمى طاعة الله نوراً، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلاً. فصل واختلفوا في هذا التشبيه: (هل هو) تشبيه مركب، أي: أنه قصد تشبيه جملة بجملة من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء، بل قصد تشبيه هُدَاهُ وإتْقَانهُ صُنْعَتَهُ في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي يتخذونه، وهو أبلغ صفات النور عندكم أو تشبيه غير مركب، أي: قصد مقابلة جزء بجزء. ويترتب الكلام فيه بحسب الأقوال في الضمير في «نورِهِ» . و «المِشْكَاةُ» : الكُوَّةُ غير النَّافِذة. وهل هي عربية أم حبشيّة مُعَرَّبَةٌ؟ خلاف. قال مجاهد: «هي القنديل» . وقيل: هي الحديدةُ أو الرَّصاصةُ التي يُوضع فيها الذُّبالُ، وهو الفتيل، ويكون في جوف الزجاجة. وقيل: هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح. وقيل: ما يعلق منه القنديل من الحديدة. وأمال «المِشْكَاة» الدُّوري عن الكسائي لِتقدُّم الكسر وإن

стр. 8811

وُجِدَ فاصل ورُسِمَتْ بالواو ك «الزكوة» و «الصلواة» . والمصباح: السِّراج الضَّخم، وأصله من الضوء ومنه الصبح. والزّجاجة: واحدة الزّجاج، وهو جوهَر معروف، وفيه ثلاث لغات: فالضم: لغة الحجاز، وبها قرأ العامة. والكسر والفتح: لغة قيس. وبالفتح قرأ ابن أبي عبلة ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد. وبالكسر قرأ نصر بن عاصم في رواية عنه، وأبو رجاء. وكذلك الخلاف في قوله: «الزُّجَاجَةُ» . والجملة من قوله: «فِيهَا مِصْبَاح» صفة ل «مشكاة» ، ويجوز أن يكون الجار وحده هو الوصف، و «مِصْبَاح» مرتفع به فاعلاً. قوله: «دُرِّي» . قرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال، وياء بعدها همزة. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال وياء بعدها همزة. والباقون بضم الدال وتشديد الياء من غير همز. وهذه الثلاثة في السبع. وقرأ زيد بن عليّ والضحاك وقتادة بفتح الدال وتشديد الياء. وقرأ الزهري بكسرها وتشديد الياء. وقرأ أبان بن عثمان وابن المسيب وأبو رجاء وقتادة أيضاً «دَرِّيءٌ» فتح الدال وياء بعدها همزة فأما الأولى فقراءة واضحة، لأنه بِنَاءً كثيرٌ، يوجد في الأسماء نحو: «سِكِّين» وفي الصفات نحو «سِكِّير» . وأما القراءة الثانية فهي من «الدرء» بمعنى: الدفع، أي: يدفع بعضها بعضاً، أو يدفع ضوؤها خفاءها.

стр. 8812

قيل: ولم يوجد شيء وزنه «فُعِّيل» إلا «مُرِّيقاً» للعُصْفر، و «سُرِّيّة» على قولنا: إنها من السّرور، وأنه أبدل من إحدى المُضَعَّفَات ياء، وأُدْغِمت فيها ياء «فُعِّيل» ، و «مُرِّيخاً» للذي في داخل القرن اليابس، ويقال بكسر الميم أيضاً، و «عُلِّية» و «دُرِّيءٌ» في هذه القراءة، و «دُرِّيَّة» أيضاً في قولٍ، وقال بعضهم: وزن «دريء» في هذه القراءة «فُعُّول» كسُبُّوح قُدُّوس فاستثقل توالي الضم فنُقِل إلى الكسر، وهذا منقول أيضاً في «سُرِّيّة» و «دُرِّيّة» . وأما القراءة الثالثة فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أصلها الهمز كقراءة حمزة إلا أنه أُبدل من الهمز ياءً، وأُدغِم، فيتحد معنى القراءتين. ويحتمل أن تكون نسبة إلى الدُّرِّ لصفائها، وظهور (إشراقها) . وأما قراءة تشديد الياء مع فتح الدال وكسرها، فالذي يظهر أنه منسوب إلى الدُّرّ. والفتح والكسر في الدال من باب تغييرات النسب. وأما فتح الدال مع المد والهمز ففيها إشكال. قال أبو الفتح: وهو بناءٌ عزيز لم يُحْفَظ منه إلاّ السَّكِّينة بفتح الفاء وتشديد العين.

стр. 8813

قال شهاب الدين: وقد حكى الأخفش فعلية السَّكِّينَة والوَقَار، وكَوْكَبٌ دَرِّيءٌ من (دَرَأْتُه) . قوله: «تُوقَدُ» قرأ ابن كثير وأبو عمرو «تَوَقَّدَ» بزنة «تَفَعَّلَ» فعلاً ماضياً فيه ضمير فاعله يعود على «المِصْبَاح» ، ولا يعود على «كَوْكَبٍ» لفساد المعنى. والأخوان وأبو بكر: «تُوقَدُ» بضم التاء من فوق وفتح القاف مضارع «أَوقَدَ» ، وهو مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير يعود على «زُجَاجَة» فاستتر في الفعل. وباقي السبعة كذلك إلا أنه بالياء من تحت، والضمير المستتر يعود «المِصْبَاح» . وقرأ الحسن والسُّلمي وابن مُحيصن ورُويَتْ عن عاصم من طريق المُفضَّل كذلك إلا أنه ضمَّ الدَّال، جعله مضارع «تَوَقَّدَ» ، والأصل «تَتَوَقَّد» بتاءين فحذف إحداهما ك «تَتَذَكّر» ، والضمير أيضاً للزجاجة. وقرأ عبد الله «وُقِّدَ» فعلاً ماضياً بزنة «قُتِّلَ» مشدداً، أي: «المصْبَاحُ» وقرأ الحسن وسلام أيضاً «يَوَقَّدُ» بالياء من تحت وضم الدال مضارع «توقد» ، والأصل «يتوقد» بياء من تحت وتاء من فوق، فحذف التاء من فوق (و) هذا شاذٌ، إذ لم يَتَوال مِثلان، ولم يَبْقَ في اللفظ ما يدل على المحذوف، بخلاف «تَنَزَّلُ» و «تَذَكَّرُ» وبابه، فإن فيه تاءين، والباقي يدل على ما فُقِدَ. وقد يُتَمَحَّلُ لصحته وجه من القياس، وهو أنهم قد حملوا «أَعِدُ» و «تَعِدُ» و «نَعِدُ» على «يَعِدُ» في حذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فكذلك حملوا «يَتَوَقّدُ» بالياء والتاء على «تَتَوَقَّدُ» بتاءين وإن لم يكن الاستثقال موجوداً في الياء والتاء.

стр. 8814

قوله: «مِنْ شَجَرَةٍ» مِنْ لابتداء الغاية، وثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي: من زيت (شَجَرَةٍ) . و «زَيْتُونَةٍ» فيها قولان: أشهرهما: أنها بدل من «شَجَرَةٍ» . الثاني: أنها عطف بيانٍ، وهذا مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو علي. وتقدم هذا في قوله: ﴿مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] . قوله: «لَا شَرْقِيَّةٍ» صفة ل «شجرةٍ» ودخلت «لَا» لتفيد النفي. وقرأ الضَّحَّاكُ بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: لَا هِيَ شَرْقِيةٌ، والجملة أيضاً في محل جر نعتاً ل «شَجَرَةٍ» . (قوله: «يَكَادُ» هذه الجملة أيضاً نعت ل «شَجَرَةٍ» ) . قوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ جوابها محذوف، أي: لأضاءت، لدلالة ما تقدم عليه، والجملة حالية. وتقدم تحرير هذا في قولهم: أعطوا السائل وَلَوْ جاء على فَرَسٍ. وأنها لاستقصاء الأحوال حتى في هذه الحالة. وقرأ ابن عباس والحسن: «يَمْسَسْهُ» بالياء، لأن التأنيث مجازي، ولأنه قد فصل بالمفعول أيضاً. فصل في كيفية هذا التمثيل قال جمهور المتكلمين: معناه: أن هداية الله قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي يكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح (يتّقد بزيت) بلغ النهاية في الصفاء. فإن قيل: لم شبهه بذلك مع أن ضوء الشمس أعظم منه؟

стр. 8815

فالجواب: أنه تعالى أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة، لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات (وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات) وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس، لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة، فلا جرم كان هذا المثل أليق وأوفق. فصل اعلم أن الأمور التي اعتبرها الله تعالى في هذه المثل توجب كمال الضوء. فأولها: أن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته، أما إذا وضع في المشكاة اجتمعت أشعته فكانت أشد إنارة، ويحقق ذلك أن المصباح ينعكس شعاعه من بعض جوانب الزجاجة إلى البعض، لما في الزجاجة من الصفاء والشفافة، فيزداد بسبب ذلك الضوء والنور، والذي يحقق ذلك أن شعاع الشمس إذا وقع على الزجاجة الصافية تضاعف النور الظاهر، حتى إنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك الضوء، فإذا انعكست تلك الأشعة من كل جانب من جوانب الزجاجة إلى الجانب الآخر كثرت الأنوار والأضواء وبلغت النهاية. وثانيها: أن ضوء المصباح يختلف بحسب اختلاف ما يتقد فيه، فإذا كان الدهن صافياً خالصاً كانت حاله بخلاف حاله إذا كان كدراً، وليس في الأدهان التي توقد ما يظهر فيه من الصفاء مثل الذي يظهر في الزيت، فربما بلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض فيه وشعاع يتردد في أجزائه. وثالثها: أن الزيت يختلف باختلاف شجرته، فإذا كانت لا شرقية ولا غربية بمعنى أنها كانت بارزة للشمس (في كل حالاتها يكون زيتونها أشد نضجاً، فكان زيته أكثر صفاءً، لأن زيادة تأثير الشمس) تؤثر في ذلك، فإذا اجتمعت هذه الأمور وتعاونت صار ذلك الضوء خالصاً كاملاً، فيصلح أن يجعل مثلاً لهداية الله تعالى. فصل قال بعضهم: «هذه الآية من المقلوب والتقدير: مثل نوره كمصباح في مشكاة، لأن المشبه به هو الذي يكون معدناً للنور ومنبعاً له، وذلك هو المصباح لا المشكاة» . فصل قال مجاهد: «المِشْكَاة» : القنديل، والمعنى: كمصباح في مشكاة. المصباح في

стр. 8816

زجاجة، يعني: «القنديل» قال الزجاج: إنما ذكر الزجاجة لأن النور وضوء النار فيها أبين في كل شيء، وضوؤه يزيد في الزجاج. ثم وصف الزجاجة فقال: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ . والدَّرُّ: الدفع، لأن الكواكب تدفعُ الشياطينَ من السماء. وشبيه حالة الدفع، لأنه يكون في تلك الحالة أضوأ وأنور. وقيل: «دري» أي: طالع، يقال: درى النجم: إذا طلع وارتفع، ويقال: هو من درأ الكوكب: إذا اندفع منْقضاً فيضاعف ضوؤه في ذلك الوقت) (ويقال: درأ علينا فلان، أي: طلع وظهر. وقيل: الدري أي ضخم مضى، ودراري النجوم: عظامها. وقيل: الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام، وهي: زحل، والمريخ والمشتري، والزهرة وعطارد. وقيل: الكواكب المضيئة كالزهرة والمشتري والثوابت التي في المعظم الأول. فإن قيل: لم شبهه بالكوكب ولم يشبهه بالشمس والقمر؟ . فالجواب لأن الشمس والقمر يلحقها الخسوف، والكواكب لا يلحقها الخسوف. «توقّد» يعني: المصباح، أي: اتَّقَدَ. ويقال: توقدت النار، أي: اتقدت، يعني: نار الزجاجة، لأن الزجاجة لا توقد. هذا على قراءة من ضم التاء وفتح القاف. وأما على قراءة الآخرين ف «توقد» يعني المصباح ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ أي: من زيت شجرة مباركة، فحذف المضاف بدليل قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء﴾ . وأراد بالشجرة المباركة: الزيتون وهي كثيرة البركة والنفع: لأن الزيت يسرج به وهو أضوأ وأصفى الأدهان، وهو إدام وفاكهة، ولا يحتاج في استخراجه إلى عصار، بل كل أحد يستخرجه. وقيل: أول شجرة نبتت بعد الطوفان، وبارك فيها سبعون نبياً منهم الخليل. وجاء في الحديث أنه مصحة من الباسور، وهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها. وقال ﵇: «كُلُوا الزَّيْتَ وادهنُوا بِهِ فإِنَّهُ من شَجَرة مُبَارَكةٍ» .

стр. 8817

وقيل: المراد زيتون الشام، لأنه في الأرض المباركة فلهذا جعل الله هذه الشجرة بأنها ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ واستدلوا على ذلك بوجوه: أحدها: أن الشام وسط الدنيا، فلا توصف شجرتها بأنها شرقية أو غربية. وهذا ضعيف، لأن من قال: «الأرض كرة» لم يثبت للمشرق والمغرب موضعين معينين، بل لكل بلد مشرق ومغرب على حدة، لأن المثل مضروب لكل من (يعرف، الزيت) وقد) يوجد في غير الشام كوجوده فيه. وثانيها: قال الحسن: «لأنها من شجر الجنة، إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية» . وهذا أيضاً ضعيف، لأنه تعالى إنما ضرب المثل بما شاهدوه، وهم ما شاهدوا شجر الجنة. وثالثها: أنها شجرة يلتف بها ورقها التفافاً شديداً، ولا تصل الشمس إليها سواء كانت الشمس شرقية أو غربية، وليس في الشجر ما يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان. وهذا أيضاً ضعيف، لأن الغرض صفاء الزيت، وذلك لا يحصل إلا بكمال نضج الزيتون، وذلك إنما يحصل في العادة بوصول أثر الشمس إليه لا بعدم وصوله. ورابعها: قال ابن عباس: «المراد الشجرة التي تبرز على جبل عال، أو صحراء واسعة، فتطلع الشمس عليها حالتي الطلوع والغروب» . وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة. وقال الفراء والزجاج: «لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها، ولكنها شرقية غربية، كما يقال: فلان لا مسافر ولا مقيم، إذا كان يسافر ويقيم، أي: تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فتكون شرقية غربية تأخذ حظها من الأمرين، فيكون زيتها أضوأ، كما يقال: فلان ليس بأسود ولا أبيض، يريد: ليس بأسود خالص ولا بأبيض خالص، بل اجتمع فيه الأمران، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض، أي: اجتمع فيه الحلاوة والحموضة» . وهذا هو المختار، لأن الشجرة إذا كانت كذلك كان زيتها في نهاية الصفاء، وحينئذ يكون مقصود التمثيل أتم. وقيل: المراد ب «المِشْكَاة» صدر محمد، (و «الزجاجة» قلب محمد) و «المصباح» ما في قلب محمد من الدين، ﴿يوقد من شجرة﴾ يعني:

стр. 8818

﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ١٢٥] والشجرة: إبراهيم، ثم وصف إبراهيم بقوله: ﴿لَاّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي: لا يصلي قبل المشرق ولا قبل المغرب كاليهود والنصارى، بل كان ﵇ يصلي إلى الكعبة، ثم قال: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ لأن الزيت إذا كان خالصاً ثم رئي من بعيد يرى كأن له شعاعاً، فإذا مسته النار ازْدَاد ضَوءاً على ضوئه كذلك. قال ابن عباس: «يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد نوراً على نور، وهدى على هدى» . وقال الضحاك: «يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي» . قال عبد الله بن رواحة: ٣٨٣٤ - لَوْ لَمْ تَكُنْ فيه آياتٌ مبينةٌ ... كانتْ بديهتُه تُنْبِيكَ بالخَبر وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل والمصباح محمد ﷺ َ - سماه الله مصباحاً كما سماه سراجاً فقال «وسراجاً منيراً» ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي إبراهيم ﵊ ُ، وسماه مباركاً، لأن أكثر الأنبياء من صلبه ﴿لَاّ شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي لم يكن إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً، لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ يكاد محاسن محمد ﷺ َ - تظهر للناس من قبل أن يوحى إليه، ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ نبي من نسل نبي (نور محمد على نور إبراهيم) . قوله: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي: ذلك نور، و «عَلَى نُورٍ» صفة ل «نُورٌ» . والمعنى: أن القرآن نور من الله لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نوراً على نور. ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ . قال ابن عباس: «لدين الإسلام، وهو نور البصيرة» . وقيل: القرآن. (قال إن

стр. 8819

المؤمن يتقلب في خمسة أنوار: قوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصير إلى نور) . واستدل أهل السنة بهذه الآية على صحة مذهبهم فقالوا: «إنه تعالى بعد أن بين أن هذه الدلائل التي بلغت في الظهور والوضوح إلى هذا الحد الذي لا يمكن الزيادة عليه، قال:» يَهْدِي اللَّهُ «بإيضاح هذه الأدلة ﴿لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي: وضوح هذه الدلائل لا يكفي ولا ينفع ما لم يخلق الله الإيمان» . قوله: ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ﴾ يبين الله الأشباه للناس، أي: للمكلفين، تقريباً لأفهامهم، وتسهيلاً لنيل الإدراك. ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾ وهذا كالوعيد لمن لا يعتبر ولا يتفكر في أمثاله، ولا ينظر في أدلته فيعرف وضوحها وبعدها عن الشبهات. قالت المعتزلة: قوله تعالى ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ﴾ ذكره في معرض النعمة، وإنما يكون نعمة عظيمة لو أمكنكم الانتفاع به وتقدم جوابه.

стр. 8820

قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ﴾ الآية. واعلم أن قوله: «فِي بُيُوتٍ» يقتضي محذوفاً يكون فيها، وذكروا فيه ستّة أوجه: أحدها: أن قوله: «في بُيُوتٍ» صفة ل «مِشْكَاةٍ» أي كَمِشْكَاةَ في بُيُوتٍ، أي: في بيتٍ من بُيُوت الله. (الثاني: أنه صفة ل «مصباح» ) وهذا اختيار أكثر المحققين. واعترض عليه أبو مسلم بن بحر الأصفهاني من وجهين: الأول: أن المقصود من ذكر «المصباح» المثل، وكون المصباح في بيت أذن الله لا يزيد في هذا المقصود، لأن ذلك لا يزيد المصباح إنارة وإضاءة.

стр. 8821

والثاني: أن الذي تقدم ذكره في وجوه يقتضي كونه واحداً، كقوله: «كَمشْكَاةٍ» وقوله: «فيهَا مِصْبَاحٌ» وقوله: «فِي زُجَاجَةٍ» وقوله: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥] ، ولفظ «البُيُوت» جمع، ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت. وأجيب عن الأول: أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم، فكان أضوأ، فكان التمثيل به أتم وأكمل. وعن الثاني: أنه لما كان القصد بالمثل هذا الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل مشكاة فيها مصباح في زجاجة يتوقد من الزيت، فتكون الفائدة في ذلك أن ضوءه يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى، كقوله: «الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وقناعة يلزم بيته» لكان وإن ذكر بلفظ الواحد، فالمراد النوع، فكذا ههنا. الثالث: أنه صفة ل «زجاجة» . . الرابع: أنه يتعلق ب «يُوقَدُ» أي: يُوقَد في بيوت، والبيوت هي المساجد قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض. وعلى هذه الأقوال الأربعة لا يوقف على «عَلِيمٌ» . الوجه الخامس: أنه متعلق بمحذوف كقوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] أي: سبحوه في بيوت. السادس: أنه متعلق ب «يُسَبِّحُ» أي: يسبح رجال في بيوت، و «فيهَا» تكرير للتوكيد كقوله: ﴿فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٨] وعلى هذين القولين فيوقف على «عَلِيمٌ» . قوله: «أَذِنَ اللَّهُ» في محل جر صفة ل «بُيُوت» ، و «أَنْ تُرْفَع» على حذف الجار، أي: في أن ترفع. ولا يجوز تعلق «فِي بُيُوتٍ» بقوله: «وَيُذْكرَ» لأنه عُطِفَ

стр. 8822

على ما في حيز «أَنْ» وما بعد «أن» لا يتقدم عليها. فصل قال أكثر المفسرين: المراد ب «البيوت» ههنا: المساجد. وقال عكرمة: هي البيوت كلها. والأول أولى، لأن في البيوت ما لا يوصف بأن الله أذن أن ترفع، وأيضاً فإن الله تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة، وذلك لا يليق إلا بالمساجد. ثم القائلون بأنها المساجد قال بعضهم: بأنها أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة. وبيت المقدس بناه داود وسليمان ﵉ ومسجد المدينة بناه النبي ﵇ ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله ﷺ َ - قاله ابن بريدة. وعن الحسن أن ذلك بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل. وهذا تخصيص بغير دليل. وقال ابن عباس: المراد جميع المساجد كما تقدم. قوله: «أَنْ تُرفَعَ» . قال مجاهد: تبنى كقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت﴾ [البقرة: ١٢٧] ، وهو مرويّ عن ابن عباس. وقال الحسن والزجاج: تُعَظَّم وتُطَهَّر عن الأنجاس ولغو الأفعال. وقيل: مجموع الأمرين ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ . قال ابن عباس: يتلى فيها كتابه. وقيل: عام في كل ذكر ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ . قرأ ابن عامر وأبو بكر بفتح الباء مبنياً للمفعول، والقائم مقام الفاعل أحد المجرورات الثَّلاث، والأَوْلَى منها بذلك الأَوَّل، لاحتياج العامل إلى مرفوعه، فالذي يليه أولى، و «رِجَالٌ» على هذه القراءة مرفوع على أحد وجهين: إمَّا بفعل مُقدَّر لتعذّر إسناد الفعل إليه، وكأنَّه جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: «مَنْ يُسَبِّحُهُ» ؟ فقيل: «يُسَبِّحُهُ رجالٌ» ، وعليه في أحد الوجهين قول الشاعر: ٣٨٣٥ - ليُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لخُصُومةٍ ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطيح الطَّوَائِح

стр. 8823

كأنه قيل: من يَبْكيه؟ فقيل: يَبْكيه ضارعٌ، إلَاّ أَنَّ في اقتباس هذا خلافاً: منهم من (جَوَّزهُ وقاس) عليه: «ضُرِبَتْ هندٌ زيدٌ» أي: ضَرَبَهَا زيدٌ. ومنهم من مَنَعهُ. والوجه الثاني في البيت أن «يَزِيدُ» منادى حذف منه حرفُ النِّداء، أي: ما يزيد وهو ضعيفٌ جداً. الثاني: أن «رِجَالٌ» خبر مبتدأ محذوف، أي: المُسَبِّحةٌ رجالٌ. وعلى هذه القراءة يوقف على «الآصالِ» . وباقي السبعة بكسر الباء مبنياً للفاعل، والفاعلُ «رِجَالٌ» فلا يوقف على «الآصَالِ» . وقرأ ابن وثَّاب وأبو حَيْوَة «تُسَبِّحُ» بالتاء من فوق، وكسر الباء، لأن جمع التكسير يُعَامَل معاملة المؤنث في بعض الأحكام، وهذا منها. وقرأ أبو جعفر كذلك إلَاّ أنه فتح (الباء) . وخرَّجَها الزمخشري على إسناد الفعل إلى «الغُدُوّ والآصَالِ» على زيادة الباء، كقولهم: «صيد عليه يومان» (والمراد: وحشهما) . وخرَّجها غيره على أن القائم مقام الفاعل ضمير

стр. 8824

التَّسبيحة، أي: تُسَبِّح التَّسبيحَةُ على المجاز المُسَوّغ لإسناده إلى الوقتين، كما خرجوا قراءة أبي جعفر أيضاً: «لِيُجْزَى قَوْماً» أي: «لِيُجْزَى الجَزَاء قَوْماً» ، بل هذا أولى من آية الجاثية، إذ ليس هنا مفعول صريح. فصل اختلفوا في هذا التسبيح. فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة، وهؤلاء منهم من حمله على صلاة الصبح والعصر، فقال: كانتا واجبتين في بدء الحال ثم زيد فيهما، وقال ﵇: «من صلى صلاة البردين دخل الجنة» وقيل: أراد الصلوات المفروضة، فالتي تؤدى بالغداة صلاة الفجر، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشائين لأن اسم الأصيل يجمعهما، و «الآصال» جمع أَصيل، وهو العشي. وإنما وحد «الغدو» لأنه مصدر في الأصل لا يجمع، و «الأَصيل» اسم فجمع. قال الزمخشري: «بالغدو، أي بأوقات الغد، أي بالغدوات» . وقيل: صلاة الضحى، قال ﵇: «من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهِّر، فأجره كأجر الحاجِّ المُحْرم، ومن مشى إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المُعْتَمِر، وصلاةٌ على إثر صلاة لا لَغْوَ بينهما كتاب في عِلِّيِّين» وقال ابن عباس: «إنّ صلاة الضحى لفي كتاب الله (مذكورة) (وتلا هذه) الآية. وقيل: المراد منه تنزيه الله تعالى عما لا يليق به في ذاته وفعله؛ لأنه قد عطف على ذلك الصلاة والزكاة فقال: ﴿عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة﴾ . وهذا الوجه أظهر. وقرئ:» بالغدو والإيصَالِ «وهو الدخول في الأصل. قوله:» لا تُلْهِيهِمْ «في محل رفع صفة ل» رِجَالٌ «. (و) خص الرجال

стр. 8825

بالذكر في هذه المساجد، لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المسجد.» لَا تُلْهِيهِمْ «: تشغلهم،» تِجَارَةٌ «قيل: خص التجارة بالذكر، لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات. قال الحسن: أما والله إنهم كانوا يتجرون، ولكن إذا جاءتهم فرائض الله لم يلههم عنها شيء، فقاموا بالصلاة والزكاة. فإن قيل: البيع داخل في التجارة، فلم أعاد البيع؟ فالجواب من وجوه: الأول: أن التجارة جنس يدخل تحته أنواع الشراء والبيع، وإنما خص البيع بالذكر لأن الالتهاء به أعظم، لكون الربح الحاصل من البيع معين ناجز، والربح الحاصل من الشراء مشكوك مستقبل. الثاني: أن البيع تبديل العرض بالنقدين، والشراء بالعكس، والرغبة في تبديل النقد أكثر من العكس. الثالث: قال الفراء: التجارة لأهل الجَلْب، يقال: تجر فلان في كذا: إذا جلب من غير بلده، والبيع ما باعه على يديه. الرابع: أراد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعاً، لأنه ذكر البيع بعده كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً﴾ [الجمعة: ١١] يعني: الشراء. قوله: ﴿عَن ذِكْرِ الله﴾ عن حضور المساجد لإقامة الصلاة. فإن قيل: فما معنى قوله:» وَإقَامِ الصَّلَاةِ؟ «فالجواب قال ابن عباس: المراد بإقامة الصلاة: إقامتها لمواقيتها، لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة. ويجوز أن يكون قوله: «الصَّلَاة» تفسيراً لذكر الله، فهم يذكرون قبل الصلاة. قال الزجاج: وإنما حذفت الهاء، لأنه يقال: أقمت الصلاة إقامة، وكان الأصل: إقواماً، ولكن قُلِبَت الواو ألفاً، فاجتمعت ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي: أقَمْتُ الصلاة إقاماً، فأدخلت الهاء عوضاً عن المحذوف، وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة وهذا إجماع من النحويين.
следующие страницы →