← Тафсир

Тафсир · id 9108

اللباب في علوم الكتاب

ابن عادل

Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

والثاني: أن الذي تقدم ذكره في وجوه يقتضي كونه واحداً، كقوله: «كَمشْكَاةٍ» وقوله: «فيهَا مِصْبَاحٌ» وقوله: «فِي زُجَاجَةٍ» وقوله: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: ٣٥] ، ولفظ «البُيُوت» جمع، ولا يصح كون هذا الواحد في كل البيوت. وأجيب عن الأول: أن المصباح الموضوع في الزجاجة الصافية إذا كان في المساجد كان أعظم وأضخم، فكان أضوأ، فكان التمثيل به أتم وأكمل. وعن الثاني: أنه لما كان القصد بالمثل هذا الذي له هذا الوصف فيدخل تحته كل مشكاة فيها مصباح في زجاجة يتوقد من الزيت، فتكون الفائدة في ذلك أن ضوءه يظهر في هذه البيوت بالليالي عند الحاجة إلى عبادة الله تعالى، كقوله: «الذي يصلح لخدمتي رجل يرجع إلى علم وقناعة يلزم بيته» لكان وإن ذكر بلفظ الواحد، فالمراد النوع، فكذا ههنا. الثالث: أنه صفة ل «زجاجة» . . الرابع: أنه يتعلق ب «يُوقَدُ» أي: يُوقَد في بيوت، والبيوت هي المساجد قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض. وعلى هذه الأقوال الأربعة لا يوقف على «عَلِيمٌ» . الوجه الخامس: أنه متعلق بمحذوف كقوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢] أي: سبحوه في بيوت. السادس: أنه متعلق ب «يُسَبِّحُ» أي: يسبح رجال في بيوت، و «فيهَا» تكرير للتوكيد كقوله: ﴿فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٨] وعلى هذين القولين فيوقف على «عَلِيمٌ» . قوله: «أَذِنَ اللَّهُ» في محل جر صفة ل «بُيُوت» ، و «أَنْ تُرْفَع» على حذف الجار، أي: في أن ترفع. ولا يجوز تعلق «فِي بُيُوتٍ» بقوله: «وَيُذْكرَ» لأنه عُطِفَ

стр. 8822

على ما في حيز «أَنْ» وما بعد «أن» لا يتقدم عليها. فصل قال أكثر المفسرين: المراد ب «البيوت» ههنا: المساجد. وقال عكرمة: هي البيوت كلها. والأول أولى، لأن في البيوت ما لا يوصف بأن الله أذن أن ترفع، وأيضاً فإن الله تعالى وصفها بالذكر والتسبيح والصلاة، وذلك لا يليق إلا بالمساجد. ثم القائلون بأنها المساجد قال بعضهم: بأنها أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة. وبيت المقدس بناه داود وسليمان ﵉ ومسجد المدينة بناه النبي ﵇ ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله ﷺ َ - قاله ابن بريدة. وعن الحسن أن ذلك بيت المقدس يسرج فيه عشرة آلاف قنديل. وهذا تخصيص بغير دليل. وقال ابن عباس: المراد جميع المساجد كما تقدم. قوله: «أَنْ تُرفَعَ» . قال مجاهد: تبنى كقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت﴾ [البقرة: ١٢٧] ، وهو مرويّ عن ابن عباس. وقال الحسن والزجاج: تُعَظَّم وتُطَهَّر عن الأنجاس ولغو الأفعال. وقيل: مجموع الأمرين ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ . قال ابن عباس: يتلى فيها كتابه. وقيل: عام في كل ذكر ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ . قرأ ابن عامر وأبو بكر بفتح الباء مبنياً للمفعول، والقائم مقام الفاعل أحد المجرورات الثَّلاث، والأَوْلَى منها بذلك الأَوَّل، لاحتياج العامل إلى مرفوعه، فالذي يليه أولى، و «رِجَالٌ» على هذه القراءة مرفوع على أحد وجهين: إمَّا بفعل مُقدَّر لتعذّر إسناد الفعل إليه، وكأنَّه جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: «مَنْ يُسَبِّحُهُ» ؟ فقيل: «يُسَبِّحُهُ رجالٌ» ، وعليه في أحد الوجهين قول الشاعر: ٣٨٣٥ - ليُبْكَ يَزِيدُ ضَارعٌ لخُصُومةٍ ... وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطيح الطَّوَائِح

стр. 8823

كأنه قيل: من يَبْكيه؟ فقيل: يَبْكيه ضارعٌ، إلَاّ أَنَّ في اقتباس هذا خلافاً: منهم من (جَوَّزهُ وقاس) عليه: «ضُرِبَتْ هندٌ زيدٌ» أي: ضَرَبَهَا زيدٌ. ومنهم من مَنَعهُ. والوجه الثاني في البيت أن «يَزِيدُ» منادى حذف منه حرفُ النِّداء، أي: ما يزيد وهو ضعيفٌ جداً. الثاني: أن «رِجَالٌ» خبر مبتدأ محذوف، أي: المُسَبِّحةٌ رجالٌ. وعلى هذه القراءة يوقف على «الآصالِ» . وباقي السبعة بكسر الباء مبنياً للفاعل، والفاعلُ «رِجَالٌ» فلا يوقف على «الآصَالِ» . وقرأ ابن وثَّاب وأبو حَيْوَة «تُسَبِّحُ» بالتاء من فوق، وكسر الباء، لأن جمع التكسير يُعَامَل معاملة المؤنث في بعض الأحكام، وهذا منها. وقرأ أبو جعفر كذلك إلَاّ أنه فتح (الباء) . وخرَّجَها الزمخشري على إسناد الفعل إلى «الغُدُوّ والآصَالِ» على زيادة الباء، كقولهم: «صيد عليه يومان» (والمراد: وحشهما) . وخرَّجها غيره على أن القائم مقام الفاعل ضمير

стр. 8824

التَّسبيحة، أي: تُسَبِّح التَّسبيحَةُ على المجاز المُسَوّغ لإسناده إلى الوقتين، كما خرجوا قراءة أبي جعفر أيضاً: «لِيُجْزَى قَوْماً» أي: «لِيُجْزَى الجَزَاء قَوْماً» ، بل هذا أولى من آية الجاثية، إذ ليس هنا مفعول صريح. فصل اختلفوا في هذا التسبيح. فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة، وهؤلاء منهم من حمله على صلاة الصبح والعصر، فقال: كانتا واجبتين في بدء الحال ثم زيد فيهما، وقال ﵇: «من صلى صلاة البردين دخل الجنة» وقيل: أراد الصلوات المفروضة، فالتي تؤدى بالغداة صلاة الفجر، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشائين لأن اسم الأصيل يجمعهما، و «الآصال» جمع أَصيل، وهو العشي. وإنما وحد «الغدو» لأنه مصدر في الأصل لا يجمع، و «الأَصيل» اسم فجمع. قال الزمخشري: «بالغدو، أي بأوقات الغد، أي بالغدوات» . وقيل: صلاة الضحى، قال ﵇: «من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهِّر، فأجره كأجر الحاجِّ المُحْرم، ومن مشى إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المُعْتَمِر، وصلاةٌ على إثر صلاة لا لَغْوَ بينهما كتاب في عِلِّيِّين» وقال ابن عباس: «إنّ صلاة الضحى لفي كتاب الله (مذكورة) (وتلا هذه) الآية. وقيل: المراد منه تنزيه الله تعالى عما لا يليق به في ذاته وفعله؛ لأنه قد عطف على ذلك الصلاة والزكاة فقال: ﴿عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصلاة وَإِيتَآءِ الزكاة﴾ . وهذا الوجه أظهر. وقرئ:» بالغدو والإيصَالِ «وهو الدخول في الأصل. قوله:» لا تُلْهِيهِمْ «في محل رفع صفة ل» رِجَالٌ «. (و) خص الرجال

стр. 8825

بالذكر في هذه المساجد، لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المسجد.» لَا تُلْهِيهِمْ «: تشغلهم،» تِجَارَةٌ «قيل: خص التجارة بالذكر، لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات. قال الحسن: أما والله إنهم كانوا يتجرون، ولكن إذا جاءتهم فرائض الله لم يلههم عنها شيء، فقاموا بالصلاة والزكاة. فإن قيل: البيع داخل في التجارة، فلم أعاد البيع؟ فالجواب من وجوه: الأول: أن التجارة جنس يدخل تحته أنواع الشراء والبيع، وإنما خص البيع بالذكر لأن الالتهاء به أعظم، لكون الربح الحاصل من البيع معين ناجز، والربح الحاصل من الشراء مشكوك مستقبل. الثاني: أن البيع تبديل العرض بالنقدين، والشراء بالعكس، والرغبة في تبديل النقد أكثر من العكس. الثالث: قال الفراء: التجارة لأهل الجَلْب، يقال: تجر فلان في كذا: إذا جلب من غير بلده، والبيع ما باعه على يديه. الرابع: أراد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعاً، لأنه ذكر البيع بعده كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً﴾ [الجمعة: ١١] يعني: الشراء. قوله: ﴿عَن ذِكْرِ الله﴾ عن حضور المساجد لإقامة الصلاة. فإن قيل: فما معنى قوله:» وَإقَامِ الصَّلَاةِ؟ «فالجواب قال ابن عباس: المراد بإقامة الصلاة: إقامتها لمواقيتها، لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة. ويجوز أن يكون قوله: «الصَّلَاة» تفسيراً لذكر الله، فهم يذكرون قبل الصلاة. قال الزجاج: وإنما حذفت الهاء، لأنه يقال: أقمت الصلاة إقامة، وكان الأصل: إقواماً، ولكن قُلِبَت الواو ألفاً، فاجتمعت ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين فبقي: أقَمْتُ الصلاة إقاماً، فأدخلت الهاء عوضاً عن المحذوف، وقامت الإضافة هاهنا في التعويض مقام الهاء المحذوفة وهذا إجماع من النحويين.

стр. 8826

فصل المراد: الصلوات المفروضة لما روى سالم (عن) ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم، فدخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت هذه الآية: ﴿رِجَالٌ لَاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله وَإِقَامِ الصلاة﴾ . وقوله: «وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» يريد: المفروضة. قال ابن عباس: إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها. وروي عن ابن عباس أيضاً: المراد من الزكاة: طاعة الله والإخلاص. وهذا ضعيف لأنه تعالى علق الزكاة بالإيتاء، وهذا لا يحتمل إلا ما يعطى من حقوق المال. قوله: «يخَافُونَ يَوْماً» يجوز أن يكون نعتاً ثانياً ل «رِجَالٌ» ، وأن يكون حالاً من مفعول «تُلْهِيهِمْ» و «يَوْماً» مفعول به لا ظرف على الأظهر، و «تَتَقَلَّبُ» صفة ل «يَوْماً» . قوله: ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار﴾ : تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشرك والكفر وتنفتح الأبصار من الأغطية بعد أن كانت مطبوعة عليها لا تبصر، وكلهم انقلبوا من الشك إلى اليقين، كقوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧] وقوله: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] . وقيل: تتقلب القلوب تطمع في النجاة وتخشى الهلاك، وتتقلب الأبصار من أي ناحية يؤخذ أمن ناحية اليمين أم من ناحية الشمال؟ ومن أي ناحية يعطون كتابهم، أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال؟ والمعتزلة لا يرضون بهذا التأويل، لأنهم قالوا: إن أهل الثواب لا خوف عليهم البتة، وأهل العقاب لا يرجون العفو. وقيل: إن القلوب تزول من أماكنها فتبلغ الحناجر، والأبصار تصير زرقاً. وقيل: تقلب البصر: شخوصه من هول الأمر وشدته.

стр. 8827

(وقال الجبائي: تقلب القلوب والأبصار) : تغير هيئاتها بسبب ما ينالها من العذاب. قال: ويجوز أن يريد به تقليبها على جمر جهنم كقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] . قوله: «لِيَجْزِيَهُمْ» . يجوز تعلقه ب «يُسَبِّحُ» أي: يُسَبِّحون لأجل الجزاء. ويجوز تعلقه بمحذوف، أي: فعلوا ذلك ليجزيهم. وظاهر كلام الزمخشري أنه من باب الإعمال، فإنه قال: والمعنى: يُسبِّحونَ وَيَخَافُونَ (لِيَجْزيهمْ «) . ويكون على إعمال الثاني للحذف من الأول. وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ أي: ثواب أحسن، أو أحسن جزاء ما عملوا، و «ما» مصدرية، أو بمعنى الذي، أو نكرة. فصل المراد بالأحسن: الحسنات أجمع، وهي الطاعات فرضها ونفلها. قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن لأنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم، بل يغفرها لهم. وقيل: يجزيهم جزاء أحسن ما عملوا على الواحد عشر إلى سبعمائة. ثم قال: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ أي: ما لم يستحقوه بأعمالهم. فإن قيل: هذا يدل على أن لفعل الطاعة أثر في استحقاق الثواب، لأنه تعالى ميز الجزاء عن الفضل، وأنتم لا تقولون بذلك، فإن عندكم العبد لا يستحق على ربه شيئاً؟ قلنا: نحن نثبت الاستحقاق بالوعد، فذلك القدر هو الذي يستحق، والزائد عليه هو الفضل. ثم قال: ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وذلك تنبيه على كمال قدرته، وكمال جوده، وسعة إحسانه، فكأنه تعالى لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة، وهم مع ذلك في نهاية الخوف، فالحق سبحانه يعطيهم الثواب العظيم على طاعاتهم ويزيدهم الفضل الذي لا حد له في مقابلة خوفهم.

стр. 8828

قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآية. لما بيَّن حال المؤمن أنه في الدنيا يكون في النور، وبسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح ثم بين أنه يكون في الآخرة فائزاً بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبع ذلك ببيان أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل واحد منهما مثلاً، أما المثل الدال على حسرته في الآخرة فقوله: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ . قال الأزهري: «السَّرَابُ: ما يتراءى للعين وقت الضحى في الفلوات شبيهاً بالماء الجاري وليس بماء، ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جارياً، يقال: سَرَبَ الماءُ يَسْرُبُ سُرُوباً: إذَا جرى، فهو سَارِبٌ» . وقيل: السَّرَابُ: مَا يَتَرَاءَى للإنْسَانِ في القَفْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ مِمَّا يُشْبهُ المَاءَ. وقيل: مَا يَتَكَاثَفُ مِنْ قُعُورِ القيعَانِ. قال الشاعر: ٣٨٣٦ - فَلَمَّا كَفَفْت الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُهم ... كَلَمْع سَرَابٍ في الفَلَا مُتَألِّقِ يضرب به المَثَلُ لمن يَظُنُّ بشيءٍ خيراً فَيُخْلَفُ ظَنُّهُ. وقيل: هو الشُّعَاعُ الذي يُرَى نِصْفَ النَّهَارِ في شدة الحَرِّ في البراري، يُخَيَّلُ للناظر أنه الماء السَّارِبُ، أي: الجاري، فإذا قرب منه لم ير شيئاً. والآل: ما ارتفع من الأرض وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه المَلَاة يرفع الشخوص، يرى فيها الصغير كبيراً، والقصير طويلاً.

стр. 8829

والرَّقْرَاقُ: يكون بالعشايا. وهو ما ترقرق من السراب، أي: جاء وذهب. قوله: «بِقِيعَةٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلِّق بمحذوف على أنه صفة ل «سَرَابٍ» . والثاني: أنه ظرف، والعامل فيه الاستقرار العامل في كاف التشبيه. والقيعة: بمعنى القاع، قاله الزمخشري، وهو المُنْبَسِطُ من الأرض، وتقدم في «طه» . وقيل: بل هي جمعه ك «جَارٍ وَجيرَة» قاله الفراء. وقرأ مسلمة بن محارب بتاء (ممطوطة) ، وروي عنه بتاء شَكل الهاء، ويقف عليها بالهاء، وفيها أوجه: أحدها: أن يكون بمعنى «قيعة» كالعامة، وإنَّما أشبع الفتحة فتولَّد منها ألف كقوله: مُخرنبقٌ لينباع. قاله صاحب اللوامح. والثاني: أنه جمع: «قيعة» وإنَّما وقف عليها بالهاء ذهاباً به مذهب لغة طيئ في قولهم: «الإخْوَه والأخَوَاه» و «دَفْنُ البَنَاه من المَكْرُماه» أي: والأخوات، والبنات، والمكرمات. وهذه القراءة تؤيد أن «قيعة» جمع قاع.

стр. 8830

قال الزمخشري: وقد جعل بعضهم «بِقِيعَاة» بتاء مدوَّرة ك «رجل عِزْهَاةٍ» . فظاهر هذا أنه جعل هذا بناء مستقلاً ليس جمعاً ولا إشباعاً. قوله: «يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ» جملة في محل الجر صفة ل «سَرَابٍ» أيضاً، وحَسُنَ ذلك لتقدم الجار على الجملة، هذا إن جعلنا الجارَّ صفةً والضمائر المرفوعة في «جَاءَهُ» ، وفي «لَمْ يَجِدْهُ» وفي «وَجَدَ» ، والضمائر في «عِنْدَهُ» وفي «وَفَّاهُ» وفي «حِسَابَهُ» كلها ترجع إلى «الظَّمْآن» لأن المراد به الكافر المذكور أولاً، وهذا قول الزمخشري وهو حسن. وقيل: بل الضميران في «جَاءَهُ» و «وَجَدَ» عائدان على «الظَّمْآن» ، والباقية عائدة على الكافر. وإنما أفرد الضمير على هذا وإن تقدمه جمع، وهو قوله: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا» حَمْلاً على المعنى؛ إذ المعنى: كلُّ واحدٍ من الكفار. والأول أولى لاتِّساق الضمائر. وقرأ أبو جعفر، ورُويَتْ عن نافع: «الظَّمَانُ» بإلقاء حركة الهمزة على الميم. فصل قال الزجاج: « (الظَّمْآن) قد تخفف همزته، وهو الشديد العطش، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثواباً مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه العقاب مع أنه يعتقد أنه ثواباً، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند الله تعالى، فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب، بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الشراب ويتعلق قلبه به، ويرجو به النجاة، فإذا جاءه وأيس مما

стр. 8831

كان يرجوه عظم ذلك عليه» . قال مجاهد: «السراب: عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا» . فإن قيل: قوله: ﴿حتى إِذَا جَآءَهُ﴾ يدل على كونه شيئاً، وقوله: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ مناقض له؟ فالجواب من وجوه: الأول: معناه: لم يجد شيئاً نافعاً، كما يقال: فلان ما عمل شيئاً، وإن كان قد اجتهد. الثاني: «إذا جَاءَهُ» أي: جاء موضع السراب لم يجد السراب، لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء، فإذا قرب منه رق وانتشر وصار كالهواء. قوله: ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ﴾ أي: وجد عقاب الله عنده الذي توعد به الكافر. وقيل: وجد الله عنده، أي: عند عمله، أي وجد الله بالمرصاد. وقيل: قدم على الله «فَوَفَّاهُ حِسَابه» أي: جزاء عمله. قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام. قوله: ﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾ لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلا يشق عليه الحساب. وقال بعض المتكلمين: «معناه: لا تشغله محاسبة أحد عن آخر كنحن، ولو كان يتكلم بآلة كما تقول مشبهة لما صح ذلك» . قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ هذا مثل آخر ضربة الله تعالى لأعمال الكفار، وفي هذا العطف أوجه: أحدها: أنه نسقٌ على «كَسَرَابٍ» على حذف مضاف واحد، تقديره: أو كَذِي ظُلُمَاتٍ، ودل على هذا المضاف قوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف. وهو قول أبي علي.

стр. 8832

الثاني: أنه على حذف مضافين، تقديره: أو كَأَعْمَالٍ ذِي ظُلُمَاتٍ فَيُقَدَّر «ذي» ليصح عود الضمير إليه في قوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ ويقدر «أَعْمَال» ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة، إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمة. الثالث: أنه لا حاجة إلى حذف البتَّة، والمعنى: أنه شَبَّهَ أعمالَ الكُفَّارِ في حَيْلُولَتِهَا بين القلب وما يهتدي به بالظلمة. وأما الضميران في «أَخْرَجَ يَدَهُ» فيعودان على محذوف دلَّ عليه المعنى، أي: إذا أخرج يده من فيها و «أَوْ» هنا للتنويع لا للشك. وقيل: بل هي للتخيير، أي: «شَبهُوا أعمالهم بهذا أو بهذا. وقرأ سفيان بن حسين:» أوَ كَظُلُمَاتٍ «بفتح الواو، جعلها عاطفة دخلت عليها همزة الاستفهام التي معناها التقرير، وقد تقدم ذلك في قوله: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى﴾ [الأعراف: ٩٨] . قوله: ﴿فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ :» في بَحْر «صفة ل» ظُلُمَاتٍ «فيتعلق بمحذوف. واللُّجِيُّ: منسوبٌ إلى» اللُّجِّ «وهو مُعْظَمُ البحر قاله الزمخشري. وقال غيره: منسوب إلى اللُّجَّةِ بالتاء، وهي أيضاً معظمه. فاللُّجّيّ: هو العميق الكثير الماء، وفيه لغتان: كسر اللام، وضمها. قوله:» يَغْشَاه موجٌ «صفة أخرى ل» بَحْرٍ «هذا إذا أعدنا الضمير في» يَغْشَاهُ «على» بَحْرٍ «وهو الظاهر. وإن قدَّرنا مضافاً محذوفاً، أي:» أَو كَذِي ظُلُمَاتٍ «كما فعل

стр. 8833

بعضهم كان الضمير في» يَغْشَاهُ «عائداً عليه، وكانت الجملة حالاً منه لتخصيصه بالإضافة، أو صفة له. قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ يجوز أن تكون هذه جملة من مبتدأ وخبر صفة ل» مَوْجٍ «الأول ويجوز أن يجعل الوصف الجار والمجرور فقط، و» مَوْجٌ «فاعل به، لاعتماده على الموصوف، قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ فيه الوجهان المذكوران قبله من كون الجملة صفة ل» مَوْجٍ «الثاني، أو الجار فقط. قوله:» ظُلُمَاتٌ «. قرأ العامة بالرفع، وفيه وجهان: أجودهما: أن يكون خبر مبتدأ مضمر تقديره: هذه أو تلك ظلمات. الثاني: أن يكون» ظُلُمَاتٌ «مبتدأ، والجملة من قوله: ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ خبره، ذكره الحوفي وفيه نظر، لأنه لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة، اللهم إلا أن يقال: إنها موصوفة تقديراً، أي: ظلمات كثيرة متكاثفة، كقولهم:» السمن منوان بِدِرْهم «. وقرأ ابن كثير:» ظُلُمَاتٍ «بالجر، إلا أنَّ البزِّي روى عنه حينئذ حذف التنوين من» سَحَابُ «فقرأ البَزِّيُّ عنه:» سَحَابُ ظُلُمَاتٍ «بإضافة» سَحَابُ «ل» ظُلُمَاتٍ «. وقرأ قُنْبُل عه التنوين في «سَحَابٌ» كالجماعة مع جره ل «ظُلُمَاتٍ» . فأما رواية البزِّي فقال أبو البقاء: جَعَلَ المَوْجَ المُتَرَاكم بمنزلة السحاب. وأما رواية قنبل فإنه جعل «ظُلُمَاتٍ» بدلاً من «ظُلُمَاتٍ» الأولى. قوله: ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ جملة من مبتدأ وخبر في موضع رفع أو جر على حسب القراءتين في «ظُلُمَاتٍ» قبلها لأنها صفة لها. وجوَّز الحوفي على قراءة رفع «ظُلُمَاتٍ»

стр. 8834

في «بَعْضُها» أن تكون بدلاً من «ظُلُمَاتٌ» ورد عليه من حيث المعنى، (إذ المعنى) على الإخبار بأنها ظلمات، وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض وصفاً لها بالتَّراكم، لا أنَّ المعنى أنَّ بعض تلك الظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات السابقة ظلماتٌ متراكمة. وفيه نظرٌ، إذ لا فرق بين قولك: بعض الظلمات فوق بعضٍ، وبين قولك: الظلماتُ بعضُهَا فوق بعض، وإن تُخُيِّل ذلك في بادئ الرأي. قوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ . تقدم الكلام في «كاد» وأنَّ بعضهم زعم أنَّ نَفْيَهَا إثباتٌ وإثباتها نفيٌ، وتقدمت أدلة ذلك في البقرة عند قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] . وقال الزمخشري هنا: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مبالغة في (لَمْ يَرَهَا) أي: لم يَقْرُب أن يَرَاهَا فَضلاً (عن) أن يراها، ومنه قوله ذي الرمة: ٣٨٣٧ - إذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الهَوَى مِنَ حُبِّ مَيَّة يَبْرَحُ أي: لم يَقْرُبْ مِنَ البِرَاحِ فَمَا بَالُهُ يَبْرحُ. وقال أبو البقاء: اختلف الناس في تأويل هذا الكلام، ومنشأ الاختلاف فيه أنَّ موضوع «كَادَ» إذا نفيت وقوع الفعل، وأكثر المفسرين على أن المعنى: أنه لا يرى يَدَهُ، فعلى هذا في التقدير ثلاثة أوجه: أحدها: أن التقدير: لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَكَدْ، ذكره جماعةٌ من النحويين، وهذا خطأ لأن قوله: «لَمْ يَرَهَا» جَزْمٌ بنفي الرؤية، وقوله: «لَمْ يَكَدْ» إذا أخرجها على مقتضى الباب كان التقدير: وَلَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، كما هو مُصَرَّحٌ به في الآية، فإن أراد هذا القائل أنه لم يكد يراها وأنه يراها بعد جَهْدٍ، تناقض، لأنه نفى الرؤية ثم أثبتها. وإن كان معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يَرَها البتَّة على خلاف الأكثر في هذا الباب فينبغي أن يحمل عليه من غير أن يقدِّر «لَمْ يَرَهَا» .

стр. 8835

الوجه الثاني: قال الفراء: إن (كَادَ) زائدة. وهو بعيد. الثالث: أن «كَادَ» خرِّجت هاهنا على معنى «قَارَبَ» والمعنى: لم يُقَارِب رؤيتها، وإذا لم يُقَارِبها بَاعَدَها، وعليه جاء قول ذي الرمة في البيت المتقدم، أي: لم يقارب البراح، ومن هنا حكي عن ذي الرُّمة أنه لما روجع في هذا البيت قال: (لم أجِد) بدل (لَمْ يَكَدْ) . والمعنى الثاني: أنه رآها بعد جَهد، والتشبيه على هذا صحيح، لأنه مع شدة الظلمة إذا أحدَّ نظره إلى يده وقرَّبها من عينه رآها انتهى. أما الوجه الأول وهو ما ذكره أن قول الأكثرين (إنه يكون نَفْيُها إثباتاً، فقد تقدم أنه غير صحيح، وليس هو قول الأكثر) وإنما غرّهم في ذلك آية البقرة، وما أنشد بعضهم: ٣٨٣٨ - أَنَحْوِيَّ هَذَا العَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ ... البيتين.

стр. 8836

وأما ما ذكره من زيادة «كاد» فهو قول أبي بكر وغيره، ولكنه مردود عندهم. وأما ما ذكره من المعنى الثاني، وهو أنه رآها بعد جهد، فهو مذهب الفراء والمبرد. والعجب كيف يعدل عن المعنى الذي أشار إليه الزمخشري، وهو المبالغة في نفي الرؤية. وقال ابن عطية ما معناه: إذا كان الفعل بعد «كاد» منفيًّا دلَّ على ثبوته، نحو: «كاد زيد لا يقوم» ، أو مثبتاً دلَّ على نفيه، نحو: «كاد زيد يقوم» وتقول: «كَادَ النَّعام يَطِير» فهذا يقتضي نفي الطيران عنه، فإذا قلت: «كاد النعام ألا يطير» وجب الطيران له، وإذا تقدم النفي على «كاد» احتمل أن يكون موجباً وأن يكون منفياً، تقول: «المفْلُوجُ لا يكاد يَسْكُنُ» فهذا يتضمَّن نفي السكون، وتقول: «رجل مُنْصَرِفٌ لا يكاد يَسْكُنُ» فهذا تضمن إيجاب السكون بعد جَهْدٍ. فصل اعلم أن الله تعالى بين أنَّ أعمال الكفار إن كانت حسنةً فمثلها السراب، وإن كانت قبيحةً فهي الظلمات، وفيه وجه آخر، وهو أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة، وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا. وقيل: إن الآية الأولى في ذكر أعمالهم، وأنهم لا يَحْصلون منها على شيء، والآية الثانية في ذكر عقائدهم، فإنها تشبه الظلمات، كما قال: ( ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ ) [البقرة: ٢٥٧] أي: من الكفر إلى

стр. 8837

الإيمان، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ . فصل وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غور الماء، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة، فإذا كانت فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى، فالواقع في قعر هذا البحر اللُّجِّيّ في نهاية شدة الظلمة. ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها، وأبعد ما يظن أنه لا يراها، فقال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ فبين سبحانه بهذا بلوغ تلك الظلمة التي هي أقصى النهايات، ثم شبه الكافر في اعتقاده، وهو ضد المؤمن في قوله تعالى: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ [النور: ٣٥] وفي قوله: ﴿يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ [الحديد: ١٢] . ولهذا قال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات إلى النار. وفي كيفية هذا التشبيه وجوه: الأول: قال الحسن: «إن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب، كذا الكافر له ظلمات ثلاث: ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل» . الثاني: قال ابن عباس: «شبه قلبه وسمعه وبصره بهذه الظلمات الثلاث» . الثالث: أن الكافر لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، ويعتقد أنه يدري، فهذه المراتب الثلاثة تشبه تلك الظلمات الثلاث. الرابع: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم. الخامس: أن هذه الظلمات متراكمة، فكذا الكافر لشدة إصراره على كفره قد تراكمت عليه الضلالات حتى لو ذكر عنده أظهر الدلائل لم يفهمه. قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ . قال ابن عباس: من لم يجعل الله له ديناً وإيماناً فلا دين له. وقيل: من لم يهده الله (فلا إيمان له) ولا يهديه أحد. قال أهل السنة: إنه تعالى لما وصف

стр. 8838

هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال: ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [النور: ٣٥] ، ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبه بقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ . والمراد من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان، وظلمة الطريق لا تمنع منه، فإن الكل مربوط بخلق الله وهدايته وتكوينه. قال القاضي: قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً﴾ يعني في الدنيا بالإلطاف ﴿فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ أي: لا يهتدي فيتحير، وتقدم الكلام عليه.

стр. 8839

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ الآية. لما وصف أنوار قلوب المؤمنين وظلمات قلوب الجاهلين أتبع ذلك بدلائل التوحيد. والمعنى: ألم تعلم، لأن التسبيح لا يرى بالبصر بل يعلم بالقلب، وهذا استفهام والمراد به: التقرير والبيان. قال ابن الخطيب: «إما أن يكون المراد من هذا التسبيح دلالته بخلق هذه الأشياء على كونه تعالى منزهاً عن النقائص، موصوفاً بنعوت الجلال، أو يكون المراد منه في حق البعض الدلالة على التنزيه وفي حق الباقين النطق باللسان. والأول أقرب، لأن القسم الثاني متعذر، لأن في الأرض من لا يكون مكلفاً لا يسبح بهذا المعنى والمكلفون منهم فمن لا يسبح أيضاً بهذا المعنى كالكفار. وأما القسم الثاني وهو أن يقال: إن من في السموات وهم الملائكة يسبحون باللسان وأما الذين في الأرض فمنهم من يسبح على سبيل الدلالة، فهذا يقتضي استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً، وهو غير جائز، فلم يبق إلا

стр. 8840

القسم الأول، وهو أن هذه الأشياء مشتركة في أن أجسامها وصفاتها دالة على تنزيه الله تعالى وقدرته وإلاهيته وتوحيده وعدله، فسمى ذلك تنزيهاً توسعاً. فإن قيل فالتسبيح بهذا المعنى حاصل بجميع المخلوقات فما وجه تخصيصه هاهنا بالعقلاء؟ قلنا: لأن خلقة العقلاء أشد دلالة على وجود الصانع سبحانه، لأن العجائب والغرائب في خلقهم أكثر، وهي العقل والنطق والفهم» . قوله: «والطَّيرُ» . قرأ العامة: «والطّيْر» رفعاً، «صَافَّاتٍ» نصباً. فالرفع عطف على «مَنْ» والنصب على الحال. وقرأ الأعرج: «والطَّيْرَ» نصباً على المفعول معه على الابتداء والخبر، ومفعول «صَافَّات» محذوف، أي: أجنحتها. قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ﴾ في هذه الضمائر أقوال: أحدها: أنَّها كلَّها عائدةٌ على «كُلٌّ» ، أي: كلٌّ قد عَلِمَ هُوَ صَلَاةَ نَفْسِهِ وتَسْبِيحَهَا، وهذا أولى لتوافق الضمائر. الثاني: أن الضمير في «عَلِمَ» عائد إلى الله تعالى، وفي «صَلَاتَهُ وتَسْبِيحَهُ» عائد على «كُلٌّ» ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ . الثالث: بالعكس، أي: عَلِمَ كلٌّ صلاةَ اللَّه وتَسْبِيحَه، أي: اللذين أمَرَ بهما وبأن يُفْعَلَا، كإضافة الخلق إلى الخالق، وعلى هذا فقوله: «واللَّه علِيمٌ» استئناف. ورَجَّحَ أبو البقاء ألَاّ يكون الفاعل ضمير «كُلٌّ» قال: «لأنَّ القراءة برفع» كُلٌّ «على الابتداء فيرجع ضمير الفاعل إليه، ولو كان فيه ضمير الله لكان الأولى نصب (كُلّ) لأن الفعل الذي بعدها قد نصب ما هو من سببها فيصير كقولك: (زَيْداً ضَرَبَ عَمْرٌو وغُلَامه) فتنصب (زيداً) بفعل دلَّ عليه ما بعده، وهو أقوى من الرفع، والآخر جائز» . قال شهاب

стр. 8841

الدين: وليس كما ذكر من ترجيح النصب على الرفع في هذه الصُّورة ولا في هذه السورة، بل نصَّ النحويون على أنَّ مثل هذه الصورة يرجَّح رفعها بالابتداء على نصبها على الاشتغال، لأنه لم يكن ثمَّ قرينة من القرائن التي جعلوها مرجحةً للنصب، والنصب يحوجُ إلى إضمار، والرفع لا يحوج إليه، فكان أرجح. وقرأت فرقة: ﴿عُلِمَ صَلَاتُهُ وتَسْبِيحُهُ﴾ بالرفع وبناء الفعل للمفعول الذي لم يسم فاعله. ذكرها أبو حاتم. فصل وجه اتصال هذا بما قبله أنه تعالى لما ذكر أن أهل السموات والأرض يسبحون، ذكر المستقرين في الهواء الذي هو بين السماء والأرض، وهم الطير يسبحون، وذلك أن إعطاء الجرم الثقيل القوة التي بها يقوى على الوقوف في جو السماء صافة باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط من أعظم الدلائل على قدرة الصانع المدبر سبحانه، وجعل طيرانها سجوداً منها له سبحانه، وذلك يؤيد أن المراد من التسبيح دلالة هذه الأمور على التنزيه (لا النطق) اللساني. وقال أبو ثابت: «كنت جالساً عند أبي جعفر الباقر فقال لي: أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها؟ (قال: لا) قال: فإنهن يقدسن ربهن ويسألنه قوت يومهن» . واستبعد المتكلمون ذلك فقالوا: الطير لو كانت عارفة بالله لكانت كالعقلاء الذين يفهمون كلامنا وإشارتنا، لكنها ليست كذلك، فإنا نعلم بالضرورة بأنها أشد نقصاناً من الصبي الذي لا يعرف هذه الأمور، فبأن يمتنع ذلك فيها أولى، وإذا ثبت أنها لا تعرف الله استحال كونها مسبحة له بالنطق، فثبت أنها لا تسبح الله إلا بلسان الحال كما تقدم. قال بعض العلماء: إنا نشاهد من الطيور وسائر الحيوانات أعمالاً لطيفة يعجز عنها أكثر العقلاء، وإذا كان كذلك (فلِمَ لا) يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه؟ وبيان أنه سبحانه ألهمها الأعمال اللطيفة من وجوه:

стр. 8842

أحدها: أن الدب يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويرمي الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه، وربما عاود يشمه ويتحسس نفسه ويصعد الشجر أخف صعود ويهشم الجوز بين كفيه تعريضاً بالواحد وصدمة بالأخرى، ثم ينفخ فيه فيدرأ قشره ويتغذى به، ويحكى عن الفأر في سرقته أمور عجيبة. وثانيها: أمر النحل وما لها من الرياسة والبيوت المسدسة التي لا يتمكن من بنائها أفاضل المهندسين. وثالثها: انتقال الكَرَاكِيّ من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طلباً لما يوافقها من الأهوية، ويقال: من خواص الخيل أن كل واحد يعرف صوت الفرس الذي قابله وقتاً ما، والفهد إذا سقي أو شرب من الدواء المعروف بخانق الفهد عمد إلى زبل الإنسان ليأكله، والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها يقال له: القطقاط وينظف ما بين أسنانها، وعلى رأس ذلك الطائر كالشوكة، فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطير تأذى من تلك الشوكة، فيفتح فاه، فيخرج ذلك الطائر، والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية صعتراً جبلياً ثم تعود من ذلك. وحكى بعض الثقاة المجربين للصيد أنه شاهد الحبارى تقاتل الأفعى وتنهزم عنه إلى بقلة تتناول منها ثم تعود، ولا تزال كذلك، وكان ذلك الشخص قاعداً في كن، وكانت البقلة قريبة من مسكنه، فلما اشتغل الحبارى قلع البقلة، فعاد الحبارى إلى منبتها فلم يجدها، وأخذ يدور حول منبتها دوراناً متتابعاً حتى خَرَّ ميتاً، فعلم الشخص أنه يعالج بأكلها من اللسعة، وتلك البقلة هي الجرجير البري. وابنُ عِرْس يستظهر في الحية أكل السّذَاب، فإن النكهة السذابية تنفر عنها الأفعى. والكلاب إذا دودت بطونها أكلت سنبل القمح. وإذا جرحت اللقالق بعضها

стр. 8843

بعضاً داوت الجراحة بالصعتر الجبلي. والقنافذ تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها، وكان رجل بالقسطنطينية قد أثرى بسبب أنه ينذر بالرياح قبل هبوبها، وينتفع الناس بإنذاره، وكان السبب فيه قنفذ في داره يفعل الصنيع المذكور، فيستدل به. والخُطَّاف صانع في اتخاذ العش من الطين وقطع الخشب فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب لتحمل جناحاه قدراً من الطين، وإذا فرَّخ بالغ في تعهد الفراخ، وتأخذ ذرقها بمنقارها وترميها عن العش، وإذا دنا الصائد من مكان فراخ القبجة ظهرت له القبحة وقربت مطمعة له ليتبعها ثم تذهب إلى جانب آخر سوى جانب الفراخ. وناقر الخشب قلما يقع على الأرض، بل على الشجر ينقر الموضع يعلم أن فيه دوداً. والغرانيق تصعد في الجو عند الطيران، فإن حجب بعضها عن بعض سحاب أو ضباب أحدثت عن أجنحتها حفيفاً مسموعاً يتبع به بعضهم بعضاً، فإذا باتت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلاّ القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه، وإذا سمع جرساً صاح. وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضاً أمر عجيب، وإذا كشف عن بيوتهم الساتر الذي كان يستره وكان تحته بيض لهم، فإن كلّ نملة تأخذ بيضة في فمها وتذهب في أسرع وقت. والاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتاب «طبائع الحيوان» . والمقصود من

стр. 8844

ذلك أن الفضلاء من العقلاء يعجزون عن أمثال هذه الحيل، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال: إنها تسبح الله وتثني عليه وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿ولكن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] . ثم قال: ﴿والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ . قرأ الجمهور بالياء من تحت على المبالغة في وصف قدرة الله تعالى وعلمه بخلقه. وقرأ عيسى والحسن بالتاء من فوق، ففيه المعنى المذكور وزيادة الوعيد والتخويف من الله تعالى وفي مصحف أبيّ وابن مسعود: «والله بصير بما تفعلون» . قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ تنبيه على أن الكل منه، لأن كل ما سواه ممكن ومحدث، والممكن والمحدث لا يوجد إلا عند الانتهاء إلى القديم الواجب، ويدخل في هذا جميع الأجرام والأعراض، وأفعال العباد وأحوالهم وخواطرهم. وقوله: ﴿وإلى الله المصير﴾ وهذا دليل على المعاد، وأنه لا بُدَّ من مصير الكل إليه.

стр. 8845

وهذه الرؤية بصرية. والإزْجَاءُ: السوق قليلاً قليلاً، ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد، وإزجاء السير في الإبل: الرفق بها حتى تسير شيئاً شيئاً. قوله: «بَيْنَهُ» إنما دخلت «بَيْنَ» على مفرد، وهي إنَّما تدخل على مثنى فما فوقه، لأنَّه إما أن يُرَاد بالسحاب: الجنس، فعاد الضمير عليه على حكمه، وإما أن يراد حذف مضافه أي: بَيْنَ قطعِهِ، فإن كل قطعة سحابة. قال ابن عطية: بين مُفترق السحاب، لأن مفهوم السحاب يقتضي أن بينه فروجاً. وورش عن نافع لا يهمز «

стр. 8846

يُؤَلِّفُ» . وقالون عن نافع والباقون يهمزون «يُؤَلِّفُ» . قوله: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ أي: متراكماً يركب بعضها على البعض ويتكاثف، والعرب تقول: إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاماً بالريح عصر بعضه بعضاً فخرج الودق منه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات مَآءً ثَجَّاجاً﴾ [النبأ: ١٤] ، ومن ذلك قول حسان بن ثابت: ٣٨٣٩ - كِلْتَاهُمَا حَلَبُ العَصِيرِ فَعَاطِنِي ... بِزُجَاجَة أرْ خَاهُمَا لِلمَفْصَلِ وروي: «لِلْمِفْصَلِ» بكسر الميم وفتح الصاد. فالمَفْصَلُ: واحد المفاصل. والمِفْصَل: اللسان. وروي بالقاف. أراد حسان الخمر والماء الذي مزجت، أي: من عصير العنب، وهذه من عصير السحاب، نقله ابن عطية. وقال أهل الطبائع: إن تكوين السحاب والمطر والثلج والبرد والطل والصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار، وفي الأقل من تكاثف الهواء. أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلاً وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء، وإن كان البخار كثيراً ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلله فتلك الأبخرة المتصاعدة إمّا أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ. فإن بلغت فإما أن يكون البرد قوياً أو لا يكون. فإن لم يكن البرد هنا قوياً تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد واجتمع وتقاطر، فالبخار المجتمع هو السحاب، والمتقاطر هو المطر، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم. وإن كان البرد شديداً فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الإجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبات كبار أو بعد صيرورتها كذلك. فإن كان على الوجه الأول نزل ثلجاً. وإن كان على الوجه الثاني نزل برداً فإن لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فإما أن تكون كثيرة أو قليلة.

стр. 8847

فإن كانت كثيرة فقد تنعقد سحاباً ماطراً، وقد لا تنعقد. أما الأول فلأسباب خمسة: أحدها: إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة. وثانيها: أن تكون الرياح (ضاغطة) إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح. وثالثها: أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتعود الأبخرة حينئذ. ورابعها: أن يعرض للبخار المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته يلتص به سائر الأجزاء الكثيرة المدد. وخامسها: لشدة برد الهواء القريب من الأرض، وقد نشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعوداً يسيراً حتى كأنه مكبة موضوعة على وَهْدَة، ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة، والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون، والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس. فإن كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة، فإذا مر بها برد الليل وكثفها، فإنها تصير ماءً محبوساً ينزل أولاً متفرقاً لا يحس به إلا عند اجتماع شيء يعتد به، فإن لم يجمد كان طلاًّ، وإن جمد كان صقيعاً، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر. والجواب (أنَّا دللنا على) حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادراً مختاراً يمكنه إيجاد الأجسام، فلا نقطع بما ذكرتموه (لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه) وأيضاً فهب أن الأمر كما ذكرتم، ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بد لها من مؤثر، ثم إنها متماثلة، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لا بد له من مخصص، فإذا كان هو سبحانه خالقاً لتلك الطبائع، فتلك الطبائع في هذه الأحوال لا بد لها من سبب، وخالق السبب خالق المسبب، فكان سبحانه هو الذي يُزْجي سحاباً، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو الهواء، ثم تلك الأبخرة

стр. 8848

ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض، فهو سبحانه هو الذي جعلها ركاماً، فعلى جميع التقديرات توجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة. قوله: ﴿فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ . تقدم الخلاف في «خِلَالِ» هل هو مفرد كحجاب أم جمع كجِبَال جمع «جبل» ؟ ويؤيد الأول قراءة ابن مسعود والضحاك - وتُرْوَى عن أبي عمرو أيضاً - «مِنْ خَلَلِهِ» بالإفراد وقرأ عاصم والأعرج: «يُنَزِّل» على المبالغة. والجمهور على التخفيف. والوَدْق: قيل: هو المطر ضعيفاً كان أو شديداً، قال: ٣٨٤٠ - فَلَا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا وقيل: هو البرق، وأنشد: ٣٨٤١ - أَثَرْنَ عَجَاجَةً وَخَرَجْنَ مِنْهَا ... خُرُوجَ الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ والوَدْقُ في الأصل مصدر، يقال: «وَدَقَ السحاب يَدِقُ وَدْقاً» و «يخرُج» حال، لأن الرؤية بصرية. قوله: ﴿مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ . «مِنْ» الأولى لابتداء الغاية اتفاقاً، لأن ابتداء الإنزال من السماء. وأما الثانية ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لابتداء الغاية أيضاً فهي ومجرورها بدلٌ من الأولى بإعادة العامل، والتقدير: ويُنَزِّلُ من جبال السماء، أي: من جبال فيها، فهو بدل اشتمال. الثاني: أنها للتبعيض، قاله الزمخشري وابن عطية، لأن جنس تلك الجبال

стр. 8849

من جنس البرد، فعلى هذا هي ومجرورها في موضع مفعول الإنزال، كأنه قال: وينزل بعض جبال. الثالث: أنها زائدة، أي: ينزل من السماء جبالاً. وقال الحوفي: (من جبال) بدل من الأولى، ثم قال: «وهي للتبعيض» . ورده أبو حيان بأنه لا تستقيم البدلية إلا بتوافقهما معنى، لو قلت: خرجت من بغداد من الكَرْخ، لم تكن الأولى والثانية إلا لابتداء الغاية. وأما الثالثة ففيها أربعة أوجه: الثلاثة المتقدمة، والرابع: أنها لبيان الجنس، قاله الحوفي والزمخشري. فيكون التقدير على قولهما ويُنَزِّل من السماء بعض جبال التي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّلُ بَردٌ، لأنَّ بعض البَرَدِ بَرَدٌ، ومفعول «يُنَزِّلُ» : هو مِنْ جِبَالٍ كما تقدم تقريره. وقال الزمخشري: «أَو الأولَيَان للابتداء، والثالثة للتبعيض» يعني: أنَّ الثانية بدلٌ من الأولى كما تقدم تقريره، وحينئذ يكون مفعول «يُنَزِّلُ» هو الثالثة مع مجرورها، التقدير: ويُنَزِّلُ بعض بردٍ من السماء من جِبَالِها. وإذا قيل بأن الثانية

стр. 8850

والثالثة زائدتان، فهل مجرورهما في محل نصب والثاني بدلٌ من الأول، والتقدير: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالاً برداً، فيكون بدل كل من كل أو بعض من كل، أو الثاني في محل نصب مفعولاً ل «يُنَزِّل» ، والثالث في محل رفع على الابتداء وخبره الجار قبله؟ خلافٌ، الأول قول الأخفش، والثاني قول الفراء، وتكون الجملة على قول الفراء صفة ل «جِبَال» ، فيحكم على موضعها بالجر اعتباراً باللفظ، أو بالنصب اعتباراً بالمحل. ويجوز أن يكون «فِيهَا» وحده هو الوَصْفُ، ويكون «مِنْ بَرَدٍ» فاعلاً به لاعتماده، أي استقر فيها بردٌ. وقال الزجاج: «معناه: ويُنَزِّلُ من السماءِ من جبالٍ بَرَدٍ فيها، كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي: خاتم حديد في يدي، وإنما جِئْتَ في هذا وفي الآية ب» مِنْ «لما فَرَّقْتَ، ولأنك إذا قلت: هذا خاتمٌ من حديدٍ، وخاتم حديدٍ، كان المعنى واحداً» انتهى. فيكون «مِنْ بَرَدِ» في موضع جرٍّ صفة ل «جِبَالٍ» كما كان «مِنْ حَدِيدٍ» صفة ل «خَاتم» ، ويكون مفعول: «يُنَزِّلُ» : «مِنْ جِبَالٍ» ، ويلزم من كون الجبال بَرَداً أن يكون المُنَزَّلُ بَرَداً. وقال أبو البقاء: والوجه الثاني: أن التقدير: شيئاً من جبال، فحذف الموصوف واكتفى بالصفة. وهذا الوجه هو الصحيح، لأن قوله: ﴿فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ يُحوجك إلى مفعول يعود الضمير إليه، فيكون تقديره: ويُنَزِّلُ مِنْ جِبَال السماء جبالاً فيها بَرَدٌ، وفي ذلك زيادة حَذْفٍ وتقدير مستغنًى عنه. وفي كلامه نَظَرٌ، لأن الضمير له شيءٌ يعود عليه وهو «السَّمَاء» ، فلا حاجة إلى تقدير شيء آخر، لأنه مستغنى عنه، وليس ثَمَّ مانعٌ يمنع من عوده على «السَّمَاء» . وقوله آخراً: وتقدير يستغنى عنه ينافي قوله: وهذا الوجه هو الصحيح.

стр. 8851

والضمير في «به» يجوز أن يعود على البَرَدِ وهو الظاهر، ويجوز أن يعود على الوَدْق والبَرَد معاً جرياً بالضمير مُجْرَى اسم الإشارة، كأنه قيل: فيصيب بذلك، وقد تقدم نظيره. فصل قال ابن عباس: أخبر الله أن في السماء جبالاً من برد، ثم ينزل منها ما شاء وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: المراد بالسماء هو الغيم المرتفع، سمي بذلك لسموه وارتفاعه، وأنه تعالى أنزل من الغيم الذي هو سماء البرد. وأراد بقوله: «مِنْ جِبَالٍ» : السحاب العظام، لأنها إذا عظمت شبهت بالجبال كما يقال: فلان يملك جبالاً من مال، ووصف بذلك توسعاً. وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله في السحاب، ثم أنزل إلى الأرض. وقال بعضهم: إنما سمي ذلك الغيم جبالاً لأنه سبحانه خلقها من البرد، وكل جسم متحجر فهو من الجبال، ومنه قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ والجبلة الأولين﴾ [الشعراء: ١٨٤] . قال المفسرون: والأول أولى، لأنَّ السماء اسم لهذا الجسم المخصوص، فتسمية السحاب سماء بالاشتقاق مجاز، وكما يصح أن يجعل الماء في السحاب ثم ينزله برداً، فقد يصح في القدرة جعل هذين الأمرين في السماء، فلا وجه لترك الظاهر. قوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي: بالبرد من يشاء فيهلك زرعه وأمواله ﴿وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ﴾ أي: يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقطه عليه. قوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ . العامة على قصر «سَنَا» وهو الضوء، وهو من ذوات الواو، يقال: سَنَا يَسْنُو سَناً، أي أضاء يُضِيء، قال امرؤ القيس: ٣٨٤٢ - يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيحُ رَاهِبِ ...

стр. 8852

والسناءُ - بالمد -: الرفعة، قال: ٣٨٤٣ - (وسِنٍّ كسُنَّيْقٍ سَنَاءً وسُنَّما) وقرأ ابن وثاب: «سَنَاءُ بُرَقِهِ» بالمد، وبضم الباء من «بَرْقِهِ» وفتح الراء وروي عنه ضم الراء أيضاً. فأما قراءة المد فإنه شبه المحسوس من البرق لارتفاعه في الهواء بغير المحسوس من الإنسان. فأما «بُرَقِهِ» فجمع «بُرْقَةٍ» ، وهي المقدار من البرق، ك «غُرْفَة وغُرَف» ، و «لُقْمَة ولُقَم» . وأما ضم الراء فإتباع، ك «ظُلُمَات» بضم اللام إتباعاً لضم الظاء، وإن كان أصلها السكون. وقرأ العامة أيضاً «يَذْهَبُ» بفتح الياء والهاء. وأبو جعفر بضم الياء وكسر الهاء من «أَذْهَبَ» . وقد خَطَّأ هذه القراءة الأخفش وأبو حاتم، قالا: «لأنَّ الباءَ تُعَاقِبُ الهمزة» .

стр. 8853

وليس ردُّهما بصوابٍ، لأنَّها تَتَخرّجُ على ما خُرِّجَ ما قُرِئَ به في المتواتر: «تُنْبِتُ بالدُّهْنِ» من أنَّ الباء مزيدةٌ، أو أنَّ المفعول محذوف والباء بمعنى «مِنْ» تقديره: يَذهب النور من الأبصار، كقوله: ٣٨٤٤ - شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الحَشْرَجِ ... فصل المعنى: يكاد ضوء برق السحاب يذهب بالأبصار من شدة ضوئه. واعلم أنّ البرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون ناراً عظيمة خالصة، والنار ضد الماء والبرد، فظهوره يقتضي ظهور الضد من الضد، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم، ثم قال: ﴿يُقَلِّبُ الله الليل والنهار﴾ يصرفهما في اختلافهما، ويعاقبهما: يأتي بالليل ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل قال ﵇: «قال الله تعالى: يُؤْذيني ابن آدم، يَسُبُّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ» وقيل: المراد ولوج أحدهما في الآخر. وقيل: المراد تغير أحوالهما في الحر والبرد وغيرهما. ﴿إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار﴾ أي: إن في الذي ذكرت من هذه الأشياء ﴿لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار﴾

стр. 8854

البصائر، أي: دلالة لأهل العقول على قدرة الله وتوحيده. قوله تعالى : ﴿والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾ الآية. لما استدل أولاً بأحوال السماء والأرض، وثانياً بالآثار العلوية استدل ثالثاً بأحوال الحيوانات. قال ابن عطية: قرأ حمزة والكسائي: ﴿واللَّهُ خَالِقُ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ على الإضافة، فإن قيل: لم قال: ﴿والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾ مع أن كثيراً من الحيوانات لم يُخْلَقْ من الماء، كالملائكة خلقوا من النور، وهم أعظم الحيوانات عدداً، وكذلك الجن وهم مخلوقون من النار، وخلق آدم من التراب لقوله: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وخلق عيسى من الريح لقوله: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] ونرى كثيراً من الحيوانات يتولد لا عن نطفة؟ فالجواب من وجوه: أحسنها: ما قال القفال: إنَّ «مَاءٍ» صلة «كُلَّ دَابَّةٍ» وليس هو من صلة «خَلَق» والمعنى: أنَّ كلَّ دَابَّةٍ متولدة من الماء فهي مخلوقة لله تعالى. وثانيها: أنَّ أصل جميع المخلوقات الماء على ما روي: «أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء، ثم من ذلك الماء خلق النار والهواء والنور» . والمقصود من هذه الآية: بيان أصل الخلقة، وكان أصل الخلقة الماء، فلهذا ذكره الله تعالى. وثالثها: المراد من «الدَّابَّة» : التي تدب على وجه الأرض، ومسكنهم هنالك، فيخرج الملائكة والجن، ولما كان الغالب من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء، إما لأنها متولدة من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء، لا جرم أطلق عليه لفظ الكل تنزيلاً للغالب منزلة الكل. وقيل: الجار في قوله: «مِنْ مَاء» متعلق ب «خَلَقَ» أي: خَلَقَ مِنْ ماءٍ كُلَّ دَابَّةٍ، و «مِنْ» لابتداء الغاية. ويرد على هذا السؤال المتقدم.

стр. 8855

فإن قيل: لم نكر الماء في قوله: «مِنْ مَاءٍ» وعرفه في قوله: ﴿مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] ؟ فالجواب: جاء هاهنا منكراً لأنّ المعنى: خلق كلّ دابة من نوع من الماء مختصاً بتلك الدابة، وعرفه في قوله: ﴿مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] لأنّ المقصود هناك: كونهم مخلوقين من هذا الجنس، وهاهنا بيان أنّ ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة. قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي﴾ . إنما أطلق «مَنْ» على غير العاقل لاختلاطه بالعاقل في المُفَضَّل ب «مِن» وهو «كُلَّ دَابَّةٍ» . وكان التعبير ب «مَنْ» أولى ليوافق اللفظ. وقيل: لَمَّا وَصَفَهُمْ بِما يُوصف به العقلاء وهو المشيُ أطلق عليها «منْ» وفيه نظرٌ، لأن هذه الصفة ليست خاصةً بالعقلاء، بخلاف قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَاّ يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] ، وقوله: ٣٨٤٥ - أَسِرْبَ القَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَنَاحَهُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . البيت. وقد تقدَّم خلاف القرَّاء في ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾ في سورة «إبراهيم» . واستعير المشي للزَّحف على البطن، كما استعير المشفر للشفة وبالعكس، كما قالوا في الأمر المستمر: قد مشى هذا الأمر، ويقال: فلان ما يمشي له أمر. فإن قيل: لم حصر القسمة في هذه الثلاثة أنواع من المشي، وقد تجد من يمشي على أكثر من

стр. 8856

أربع كالعناكب والعقارب والرتيلات والحيوان الذي أربعة وأربعون رجلاً؟ فالجواب: هذا القسم الذي لم يذكر كالنادر، فكان ملحقاً بالعدم. وأيضاً قال النقاش: إنه اكتفى بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر، لأنّ جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام مشيه، وكثرة الأرجل لبعض الحيوان زيادة في الخِلْقَة، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها. قال ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلاً، بل هي محتاج إليها في نقل الحيوان، وهي كلها تتحرك في تصرفه. وجواب آخر وهو أن قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ﴾ كالتنبيه على سائر الأقسام. وفي مصحف أبيّ بن كعب: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَكْثَر» فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان، ولكنه قرآن لم يثبت بالإجماع. قوله: ﴿يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنه هو القادر على الكل، والعالم بالكل، فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات، فأي عقل يقف عليها؟ وأي خاطر يصل إلى ذَرَّة من أسرارها؟ بل هو الذي يخلق ما يشاء كما يشاء، ولا يمنعه منه مانع. قوله: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾ . الأولى حمله على كل الأدلة. وقيل: المراد القرآن، لأن كالمشتمل على كل الأدلة والعبر. ﴿والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وتقدم الكلام في نظائر هذه الآية بين أهل السنة والمعتزلة.

стр. 8857

قوله تعالى: ﴿وَيِقُولُونَ آمَنَّا بالله وبالرسول وَأَطَعْنَا﴾ الآية. لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالذنب بألسنتهم ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في بشر المنافق وكان قد خاصم يهودياً في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ َ - وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فإن محمداً يحيف علينا، فأنزل الله هذه الآية. وقد مضت قصتها في سورة «النساء» . وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل، كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض تقاسماها، فوقع إلى عليّ ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة، فقال المغيرة: بعني أرضك. فباعها إياه، وتقابضا. فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء فقال لعلي: اقبض أرضك، فإنما اشتريتها إن رضيتها، ولم أرضها. فقال علي: بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها، لا أقبلها منك، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله ﷺ َ - فقال المغيرة: أما محمد فلا آتيه ولا أحاكم إليه، فإنه يبغضني، وأنا خاف أن يحيف علي، فنزلت الآية. وقال الحسن: نزلت هذه في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر. فصل المعنى: ﴿وَيِقُولُونَ آمَنَّا بالله وبالرسول وَأَطَعْنَا﴾ يعني: المنافقين يقولونه، «ثُمَّ يَتَوَلَّى» يعرض عن طاعة الله ورسوله ﴿فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذلك﴾ أي من بعد قولهم: آمَنَّا، ويدعو إلى غير حكم الله، ثم قال: ﴿وَمَآ أولئك بالمؤمنين﴾ . فإن قيل: إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون: «آمَنَّا» ثم حكى عن فريق منهم التولي، فكيف يصح أن يقول في جميعهم: ﴿وَمَآ أولئك بالمؤمنين﴾ مع أن المتولي فريق منهم؟ فالجواب: أن قوله: ﴿وَمَآ أولئك بالمؤمنين﴾ راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة

стр. 8858

الأولى، وأيضاً فلو رجع إلى الأولى لصح، ويكون معنى قوله: ﴿ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: يرجع هذا الفريق إلى الباقين فيظهر بضهم لبعض الرجوع، كما أظهروه، ثم بين تعالى أنهم إذا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرضُونَ، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول لقوله تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق يأتوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ منقادين لحكمه، أي: إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لتيقنهم أنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضاً بالحق، وهذا يدل على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا الحق لغيرهم أو شكوا. فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض وسارعوا إلى الحكم وأذعنوا (ببذل الرضا) . قوله: «ليَحْكُم» أفرد الضمير وقد تقدَّمه اسمان وهما: «اللَّهُ ورَسُولُهُ» فهو كقوله: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] لأنَّ حكم رَسُولِهِ هو حُكْمُهُ. قال الزمخشري: كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ وَكَرَمُهُ، أي: كَرَمُ زَيْدٍ، ومنه: ٣٨٤٦ - وَمَنْهَلٍ مِنَ الفَيَافِي أَوْسَطُهْ ... غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطَا وفَرَطُهْ أي: قبل فَرطِ (القطا) يعني: قبل تقدَّم القطا. وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن إلياس والحسن: «ليُحْكَمَ بَيْنَهُمْ» هنا، والتي بعدها مبنياً للمفعول، والظرف قائم مقام الفاعل.

стр. 8859

قوله: «إذا فَرِيقٌ» «إذَا» هي الفجائية، وهي جواب «إذَا» الشرطية أولاً وهذا أحد الأدلة على منع أن يعمل في «إذا» الشرطية جوابها، فإن ما بعد الفجائية لا يعمل فيما قبلها، كذا ذكره أبو حيان، وتقدم تحرير هذا وجواب الجمهور عنه. قوله: «إلَيْهِ» يجوز تعلقه ب «يَأْتوا» ، لأنَّ «أَتَى» و «جَاءَ» قد جاءا مُعَدَّيَيْن ب «إلى» ، ويجوز أن يتعلق ب «مُذْعِنِينَ» لأنه بمعنى: مسرعين في الطاعة. وصححه الزمخشري، قال: لتقدُّم صلته، ولدلالته على الاختصاص، و «مُذْعِنِينَ» حال والإذعان: الانقياد، يقال: أَذْعَنَ فلانٌ لفلان، انقَادَ لَهُ. وقال الزجاج: «الإذْعَانُ: الإسراع مع الطاعة» . قوله: ﴿أَمِ ارتابوا أَمْ يَخَافُونَ﴾ . «أَمْ» فيهما منقطعة، فتقدر عند الجمهور بحرف الإضراب وهمزة الاستفهام، تقديره: بل أَرْتَابُوا بل أَيَخَافُونَ، ومعنى الاستفهام هنا: التقرير والتوقيف، ويبالغ فيه تارة في الذم كقوله: ٣٨٤٧ - أَلَسْتَ مِنَ القَوْم الَّذِينَ تَعَاهَدُوا ... عَلَى اللُّؤمِ وَالفَحْشَاءِ في سَالِفِ الدَّهْرِ وتارة في المدح كقوله جرير: ٣٨٤٨ - أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايا ... وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ و «أَنْ يَحِيفَ» مفعول الخوف والحوف: الميل والجور في القضاء، يقال: حاف في قضائه، أي: (مال) . فصل قوله ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ نفاق «أَم ارْتَابُوا» شكوا، وهو استفهام ذم وتوبيخ،

стр. 8860

أي هم كذلك، ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي: يظلم ﴿بَلْ أولئك هُمُ الظالمون﴾ ، لأنفسهم بإعراضهم عن الحق. قال الحسن بن أبي الحسن: من دعا خصمه إلى حكم من أحكام المسلمين فلم يجب، فهو ظالم فإن قيل: إذا خافوا أن يحيف الله عليهم ورسوله فقد ارتابوا في الدين، وإذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض، فالكل واحد، فأي فائدة في التعديد؟ فالجواب: قوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ إشارة إلى النفاق، وقوله: «أَم ارْتَابُوا» إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون الدين بسببه. فإن قيل: هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة، فكيف أدخل عليها كلمة «أم» ؟ فالجواب الأقرب أنه تعالى أنبههم على كل واحدة من هذه الأوصاف، فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق، وكان فيها شك وارتياب، وكانوا يخافون الحيف من الرسول، وكل واحد من ذلك كفر ونفاق، ثم بين تعالى بقوله: ﴿بَلْ أولئك هُمُ الظالمون﴾ بطلان ما هم عليه، لأن الظلم يتناول كل معصية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
следующие страницы →