Полный текст (12 961 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.
стр. 8856
أربع كالعناكب والعقارب والرتيلات والحيوان الذي أربعة وأربعون رجلاً؟
فالجواب: هذا القسم الذي لم يذكر كالنادر، فكان ملحقاً بالعدم. وأيضاً قال النقاش: إنه اكتفى بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر، لأنّ جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام مشيه، وكثرة الأرجل لبعض الحيوان زيادة في الخِلْقَة، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها. قال ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلاً، بل هي محتاج إليها في نقل الحيوان، وهي كلها تتحرك في تصرفه.
وجواب آخر وهو أن قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ﴾ كالتنبيه على سائر الأقسام.
وفي مصحف أبيّ بن كعب: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَكْثَر» فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان، ولكنه قرآن لم يثبت بالإجماع.
قوله: ﴿يَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنه هو القادر على الكل، والعالم بالكل، فهو المطلع على أحوال هذه الحيوانات، فأي عقل يقف عليها؟ وأي خاطر يصل إلى ذَرَّة من أسرارها؟ بل هو الذي يخلق ما يشاء كما يشاء، ولا يمنعه منه مانع.
قوله: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾ . الأولى حمله على كل الأدلة. وقيل: المراد القرآن، لأن كالمشتمل على كل الأدلة والعبر. ﴿والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وتقدم الكلام في نظائر هذه الآية بين أهل السنة والمعتزلة.
стр. 8857
قوله تعالى: ﴿وَيِقُولُونَ آمَنَّا بالله وبالرسول وَأَطَعْنَا﴾ الآية.
لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالذنب بألسنتهم ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم.
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في بشر المنافق وكان قد خاصم يهودياً في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد ﷺ َ - وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فإن محمداً يحيف علينا، فأنزل الله هذه الآية. وقد مضت قصتها في سورة «النساء» .
وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل، كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض تقاسماها، فوقع إلى عليّ ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة، فقال المغيرة: بعني أرضك. فباعها إياه، وتقابضا. فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء فقال لعلي: اقبض أرضك، فإنما اشتريتها إن رضيتها، ولم أرضها. فقال علي: بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها، لا أقبلها منك، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله ﷺ َ - فقال المغيرة: أما محمد فلا آتيه ولا أحاكم إليه، فإنه يبغضني، وأنا خاف أن يحيف علي، فنزلت الآية.
وقال الحسن: نزلت هذه في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر.
فصل
المعنى: ﴿وَيِقُولُونَ آمَنَّا بالله وبالرسول وَأَطَعْنَا﴾ يعني: المنافقين يقولونه، «ثُمَّ يَتَوَلَّى» يعرض عن طاعة الله ورسوله ﴿فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذلك﴾ أي من بعد قولهم: آمَنَّا، ويدعو إلى غير حكم الله، ثم قال: ﴿وَمَآ أولئك بالمؤمنين﴾ .
فإن قيل: إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون: «آمَنَّا» ثم حكى عن فريق منهم التولي، فكيف يصح أن يقول في جميعهم: ﴿وَمَآ أولئك بالمؤمنين﴾ مع أن المتولي فريق منهم؟
فالجواب: أن قوله: ﴿وَمَآ أولئك بالمؤمنين﴾ راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة
стр. 8858
الأولى، وأيضاً فلو رجع إلى الأولى لصح، ويكون معنى قوله: ﴿ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: يرجع هذا الفريق إلى الباقين فيظهر بضهم لبعض الرجوع، كما أظهروه، ثم بين تعالى أنهم إذا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرضُونَ، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول لقوله تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق يأتوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ منقادين لحكمه، أي: إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لتيقنهم أنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضاً بالحق، وهذا يدل على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا الحق لغيرهم أو شكوا. فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض وسارعوا إلى الحكم وأذعنوا (ببذل الرضا) .
قوله: «ليَحْكُم» أفرد الضمير وقد تقدَّمه اسمان وهما: «اللَّهُ ورَسُولُهُ» فهو كقوله: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] لأنَّ حكم رَسُولِهِ هو حُكْمُهُ.
قال الزمخشري: كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ وَكَرَمُهُ، أي: كَرَمُ زَيْدٍ، ومنه:
٣٨٤٦ - وَمَنْهَلٍ مِنَ الفَيَافِي أَوْسَطُهْ ... غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطَا وفَرَطُهْ
أي: قبل فَرطِ (القطا) يعني: قبل تقدَّم القطا. وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن إلياس والحسن: «ليُحْكَمَ بَيْنَهُمْ» هنا، والتي بعدها مبنياً للمفعول، والظرف قائم مقام الفاعل.
стр. 8859
قوله: «إذا فَرِيقٌ» «إذَا» هي الفجائية، وهي جواب «إذَا» الشرطية أولاً وهذا أحد الأدلة على منع أن يعمل في «إذا» الشرطية جوابها، فإن ما بعد الفجائية لا يعمل فيما قبلها، كذا ذكره أبو حيان، وتقدم تحرير هذا وجواب الجمهور عنه.
قوله: «إلَيْهِ» يجوز تعلقه ب «يَأْتوا» ، لأنَّ «أَتَى» و «جَاءَ» قد جاءا مُعَدَّيَيْن ب «إلى» ، ويجوز أن يتعلق ب «مُذْعِنِينَ» لأنه بمعنى: مسرعين في الطاعة. وصححه الزمخشري، قال: لتقدُّم صلته، ولدلالته على الاختصاص، و «مُذْعِنِينَ» حال والإذعان: الانقياد، يقال: أَذْعَنَ فلانٌ لفلان، انقَادَ لَهُ. وقال الزجاج: «الإذْعَانُ: الإسراع مع الطاعة» .
قوله: ﴿أَمِ ارتابوا أَمْ يَخَافُونَ﴾ . «أَمْ» فيهما منقطعة، فتقدر عند الجمهور بحرف الإضراب وهمزة الاستفهام، تقديره: بل أَرْتَابُوا بل أَيَخَافُونَ، ومعنى الاستفهام هنا: التقرير والتوقيف، ويبالغ فيه تارة في الذم كقوله:
٣٨٤٧ - أَلَسْتَ مِنَ القَوْم الَّذِينَ تَعَاهَدُوا ... عَلَى اللُّؤمِ وَالفَحْشَاءِ في سَالِفِ الدَّهْرِ
وتارة في المدح كقوله جرير:
٣٨٤٨ - أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايا ... وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ
و «أَنْ يَحِيفَ» مفعول الخوف والحوف: الميل والجور في القضاء، يقال: حاف في قضائه، أي: (مال) .
فصل
قوله ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ نفاق «أَم ارْتَابُوا» شكوا، وهو استفهام ذم وتوبيخ،
стр. 8860
أي هم كذلك، ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي: يظلم ﴿بَلْ أولئك هُمُ الظالمون﴾ ، لأنفسهم بإعراضهم عن الحق.
قال الحسن بن أبي الحسن: من دعا خصمه إلى حكم من أحكام المسلمين فلم يجب، فهو ظالم فإن قيل: إذا خافوا أن يحيف الله عليهم ورسوله فقد ارتابوا في الدين، وإذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض، فالكل واحد، فأي فائدة في التعديد؟
فالجواب: قوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ إشارة إلى النفاق، وقوله: «أَم ارْتَابُوا» إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون الدين بسببه. فإن قيل: هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة، فكيف أدخل عليها كلمة «أم» ؟
فالجواب الأقرب أنه تعالى أنبههم على كل واحدة من هذه الأوصاف، فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق، وكان فيها شك وارتياب، وكانوا يخافون الحيف من الرسول، وكل واحد من ذلك كفر ونفاق، ثم بين تعالى بقوله: ﴿بَلْ أولئك هُمُ الظالمون﴾ بطلان ما هم عليه، لأن الظلم يتناول كل معصية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
стр. 8861
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين﴾ . العامة على نصب «قَوْلَ» خبراً ل «كَانَ» ، والاسم «أنْ» المصدرية وما بعدها. وقرأ أمير المؤمنين والحسن وابن أبي إسحاق برفعه على أنه الاسم، و «أَنْ» وما في حَيِّزها الخبر، وهي عندهم مرجُوحَةٌ، لأنه متى اجتمع مَعْرِفَتَان فالأولى جعل الأعرف الاسم، وإن كان سيبويه خيَّر في ذلك بين كل
стр. 8862
معرفتين، ولم يفرِّق هذه التفرقة، وتقدم تحقيق هذا في «آل عمران» .
فصل
قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين إِذَا دعوا إِلَى الله﴾ أي: إلى كتاب الله ﴿وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ وهذا ليس على طريق الخبر، ولكنه تعليم أدب الشرع، بمعنى أن المؤمنين ينبغي أن يكونوا هكذا، ﴿أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا الدعاء وأطعنا بالإجابة، ﴿وأولئك هُمُ المفلحون وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ﴾ قال ابن عباس: فيما ساءه وسره «وَيخْشَى اللَّهَ» فيما صدر عنه من الذنوب في الماضي «وَيَتَّقِه» فيما بقي من عمره ﴿فأولئك هُمُ الفآئزون﴾ الناجون.
قوله: «وَيَتَّقِهِ» . القراء فيه بالنسبة إلى القاف على مرتبتين:
الأولى: تسكينُ القاف، ولم يقرأ بها إلاّ حفص. والباقون بكسرها.
وأما بالنسبة إلى هاء الكناية فإنهم فيها على خمس مراتب:
الأولى: تحريكُهَا مَفْصُولةً قولاً واحداً، وبها قرأ ورشٌ وابن ذَكْوَانَ وخَلَفٌ وابن كثير والكسائيّ.
الثانية: تسكينها قولاً واحداً، وبها قرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم.
الثالثة: إسكان الهاء أو وصلها بياء، وبها قرأ خلَاّد.
стр. 8863
الرابعة: تحريكها من غير صلة، وبها قرأ قالون وحفص.
الخامسة: تحريكها موصولة أو مقصورة، وبها قرأ هشام.
فأمَّا إسكان الهاء وقصرها وإشباعها فقد مرَّ تحقيقه مستوفًى. وأما تسكين القاف فإنهم حملوا المنفصل على المتَّصل، وذلك أنهم يُسَكِّنُون عين «فَعل» فيقولون: كَبْد، وكتف، وصبر في كَبِد وكَتِف وصبِر، لأنها كلمة واحدة، ثم أجري ما أشبه ذلك من المنفصل مُجْرَى المتصل، فإن «يَتَّقِه» صار منه «تَقِه» بمنزلة «كَتِف» فسكن كما يسكن، ومنه:
٣٨٤٩ - قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا سَوِيقَا ... بسكون الراء كما سكن الآخر:
٣٨٥٠ - فَبَاتَ مُنْتَصباً وَمَا تَكَرْدَسَا ... وقول الآخر:
٣٨٥١ - عَجِبْتُ لمَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ ... وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدَهُ أَبَوَانِ
يريد: «مُنْتَصِباً» ، و «لَمْ يَلِدْهُ» .
стр. 8864
وتقدم في أول البقرة تحرير هذا الضابط في قوله: «فهي كالحجارة» و «هي» و «هو» ونحوها:
وقال مكيٌّ: كان يجب على من سَكَّنَ القاف أن يضُمَّ الهاء، لأنَّ هاء الكناية إذا سُكِّن ما قبلها ولم يكن الساكن ياءً ضُمَّتْ نحو «مِنْهُ» و «عَنْهُ» ، ولكن لما كان سكون القاف عارضاً لم يعتدَّ به، وأبقى الهاء على كسرتها التي كانت عليها مع كسر القاف، ولم يصلها بياء، لأنَّ الياء المحذوفة قبل الهاء مُقَدَّرَةٌ مَنْويَّةٌ، (فبقي الحذف الذي في الياء قبل الهاء على أصله) .
وقال الفارسيُّ: الكسرة في الهاء لالتقاء الساكنين، وليست الكسرة التي قبل الصلة، وذلك أنَّ هاء الكناية ساكنةٌ في قراءته، ولما أَجْرَى «تَقِهِ» مجرى كَتِفٍ، وسكَّن القاف التقى ساكنان، ولمَّا التقيا اضطر إلى تحريك أحدهما، فإمَّا أن يحرِّك الأول أو الثاني، (و) لا سبيل إلى تحريك الأول، لأنه يعود إلى ما فرَّ منه، وهو ثقل «فَعِل» فحرَّك ثانيهما (على غير) أصل التقاء الساكنين، فلذلك كسر الهاء، ويؤيده قوله:
٣٨٥٢ - ... ... ... ... ... ... ... ... ..... ... ... ... ... ... . لَمْ يَلْدَه أبَوَانِ
وذلك أن أصله: لم «يَلِدْه» بكسر اللام وسكون الدال للجزم، ثم لما سكن اللام التقى ساكنان، فلو حرك الأول لعاد إلى ما فرَّ منه، فحرك ثانيهما وهو الدال، وحركها بالفتح وإن كان على خلاف أصل التقاء الساكنين مراعاة لفتحة الياء. وقد ردَّ أبو القاسم بن فيره قول الفارسي وقال: لا يصحُّ قوله: إنه كسر الهاء لالتقاء الساكنين، لأن حفصاً لم يسكِّن الهاء في قراءته قطُّ وقد رد أبو عبد الله شارح قصيدته هذا الردَّ، وقال: وعجبت من نفْيِهِ الإسكان عَنْهُ مع ثُبُوتِهِ عَنْهُ في «أَرْجِهْ» و «فَأَلْقِهْ» ، وإذا قَرَأَهُ في «أَرْجِهْ» و «فَأَلْقِهْ» احتمل أن يكون «يَتَّقِهْ» عنده قبل سكون
стр. 8865
القاف كذلك، وربما يرجَّحَ ذلك بما ثبت عن عاصم من قراءته إيَّاه بسكون الهاء مع كسر القاف. قال شهاب الدين: لم يَعْنِ الشاطبيُّ بأنَّه لم يسكن الهاء قطّ، الهاء من حيث هي هي، وإنما (عَنَى هَاء) «يَتَّقِهْ» خاصة، وكان الشاطبيّ أيضاً يعترض التوجيه الذي تقدم عن مكيّ، ويقول: تعليله حذف الصلة بأن الياء المحذوفة قبل الهاء مقدَّرةٌ منويَّةٌ، فبقي في حذف الصلة بعد الهاء على أصله غير مستقيم من قبل أنَّه قرأ «يُؤَدِّهِي» وشبَّهه بالصلة، ولو كان يعتبر ما قاله من تقدير الياء قبل الهاء لم يصلها.
قال أبو عبد الله: هو وإن قرأ «يُؤَدِّ هِي» وشبَّهَهُ بالصلة فإنه قرأ: «يَرْضَهُ» بغير صلةٍ، فَألحق مكيّ «يَتَّقِه» ب «يَرْضَهْ» ، وجعله مما خرج فيه عن نظائره لاتّباع الأثر، والجمع بين اللغتين، ويرجح ذلك عنده لأنّ اللفظ عليه، ولما كانت القاف في حكم المكسورة بدليل كسر الهاء بعدها صار كأنه «يَتَّقِهِ» بكسر القاف والهاء من غير صلةٍ، كقراءة قالون وهشام في أحد وجهيه، فعلَّله بما يُعَلَّل به قراءتهما، والشاطبيُّ يرجح عنده حمله على الأكثر مما قرأ به، لا على ما قلَّ وندر، فاقتضى تعليله بما ذكر.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ . في «جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ» وجهان:
أحدهما: أنه منصوب على المصدر بدلاً من اللفظ بفعله، إذ أصل: أقسم بالله جهد اليمين: أقسم بجهد اليمين جهداً، فحذف الفعل وقدَّم المصدر موضوعاً موضعه، مضافاً إلى المفعول ك «ضَرْبَ الرِّقَابِ» ، قاله الزمخشري.
والثاني: أنه حال، تقديره: مُجتهدين في أيمانهم، كقولهم: افعل ذلك جهدك وطاقتك. وقد خلط الزمخشريّ الوجهين فجعلهما وجهاً واحداً فقال بعد ما تقدَّم عنه: وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قيل: جاهدين أيمانهم وتقدم الكلام على «جَهْد أيْمَانِهِم» في المائدة.
стр. 8866
فصل
قال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين، وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ َ -: «أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا، وإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا» فقال الله تعالى: «قُلْ» لهم «لَا تُقْسَمُوا» لا تحلفوا، وهاهنا تم الكلام.
ولو كان قسمهم لما يجب لم يجز النهي عنه، لأنّ من حلف على القيام بالبر والواجب لا يجوز أن ينهى عنه، فثبت أنّ قسمهم كان لنفاقهم، وكان باطنهم بخلاف ظاهرهم، ومن نوى الغدر لا الوفاء فقسمه قبيح.
قوله: «طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ» . في رفعها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر تقديره: «أَمْرُنَا طَاعَةٌ» ، أو «المطلوب طَاعَةٌ» .
والثاني: أنها مبتدأ والخبر محذوفٌ، أي: (أَمْثَل أَوْ أَوْلَى) .
وقد تقدَّم أَنَّ الخبر متى كان في الأصل مصدراً بدلاً من اللفظ بفعل وجب حذف مبتدأه، كقوله: «صَبْرٌ جَمِيلٌ» ، ولا يبرز إلاّ اضطراراً، كقوله:
٣٨٥٣ - فَقَالَتْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ أَمرُكَ طَاعَةٌ ... وإنْ كُنْتُ قَدْ كُلِّفْتُ مَا لَمْ أُعَوَّدِ
على خلاف في ذلك.
والثالث: أن يكون فاعله بفعل محذوف، أي: ولتكن طاعة، ولتوجد طاعة.
стр. 8867
واستضعف ذلك بأنَّ الفعل لا يحذف إلَاّ (إذا) تقدَّم مشعر به، كقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال﴾ [النور: ٣٦] في قراءة من بناه للمفعول، أي: يُسَبِّحُهُ رِجَالٌ. أو يجاب به نفيٌ، كقولك: بلى زيدٌ لمن قال: «لم يقم أحدٌ» . أو استفهام كقوله:
٣٨٥٤ - أَلَا هَلْ أَتَى أُمَّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَل ... بَلَى خَالِدٌ إنْ لَمْ تَعُقْه العَوَائِق
وقرأ زيد بن علي واليزيديّ: «طاعةً» بنصبها بفعل مضمر، وهو الأصل. قال أبو البقاء:
ولو قرئ بالنصب لكان جائزاً في العربية، وذلك على المصدر، أي: أطيعوا طاعةً وقولوا قولاً، وقد دلَّ عليه قوله بعدها: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله﴾ قال شهاب الدين: (قوله: (ولو قرئ بالنصب لكان جائزاً) قد تقدم النقل لقراءته) .
وأما قوله: (وقولوا قولاً) فكأنه سبق لسانه إلى آية القتال، وهي: ﴿فأولى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢٠ - ٢١] ولكن النصب هناك ممتنع أو بعيد.
فصل
المعنى: هذه طاعة بالقول باللسان دون الاعتقاد، وهي معروفة، أي: أمر عرف منكم أنكم تكذبون وتقولون ما لا تفعلون، قاله مجاهد. وقيل: طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل. وقال مقاتل بن سليمان: لتكن
стр. 8868
منكم طاعة معروفة. هذا على قراءة الرفع. وأما على قراءة النصب فالمعنى: أطيعوا الله طاعةً و ﴿الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من سرائركم، فإنه فاضحكم لا محالة، ومجازيكم على نفاقكم، ثم قال: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ الله (وَأَطِيعُواْ) الرسول فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي: عن طاعة الله ورسوله «فَإِنَّمَا عَلَيْه» أي: على الرسول «مَا حُمِّلَ» كلِّف وأمر به من تبليغ الرسالة ﴿وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ من الإجابة والطاعة. وقرأ نافع في رواية: ﴿فَإنَّمَا عَلَيْهِ مَا حَمل﴾ بفتح الحاء والتخفيف أي: فعليه إثم ما حمل من المعصية.
﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ أي: تصيبوا الحق، وإن عصيتموه، ف ﴿مَا عَلَى الرسول إِلَاّ البلاغ المبين﴾ ، و «البَلَاغُ» بمعنى: التبليغ. و «المُبِينُ» : الواضح.
قوله: «فَإِنْ تَوَلَّوا» يجوز أن يكون ماضياً، وتكون الواو ضمير الغائبين ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، وحسَّن الالتفات هنا كونه لم يواجههم بالتولِّي والإعراض، وأن يكون مضارعاً حذفت إحدى تاءيه، والأصل: «تَتَوَلَّوا» ، ويُرَجّح هذا قراءة البزِّيِّ: بتشديد (التاء «فَإنْ) تَّولَّوا» . وإن كان بعضهم يستضعفها للجمع بين ساكنين على غير حدِّهما.
ويرجّحه أيضاً الخطاب في قوله: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ ، ودعوى الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ثانياً بعيد.
стр. 8869
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية.
تقدير النظم: بلِّغ أيها الرسول وأطيعوا أيها المؤمنون فقد ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾ أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض فيجعلهم الخلفاء والغالبين والمالكين، كما استخلف عليها من قبلهم في زمن داود
стр. 8870
وسليمان ﵉ وغيرهما، وأنه يمكن لهم دينهم، وتمكينه ذلك بأن يؤيدهم بالنصر والإعزاز، ويبدلهم من بعد خوفهم من العدوّ أمناً، بأن ينصرهم عليهم فيقتلوهم، ويأمنوا بذلك شرهم.
قال أبو العالية: مكث النبي ﷺ َ - بعد الوحي بمكة عشر سنين مع أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار، فكانوا يصبحون ويمسون خائفين، ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة، وأمروا بالقتال، وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم سلاحه، فقال رجل منهم: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع السلاح فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أدخل اللام لجواب اليمين المضمرة، يعني: والله ليستخلفنهم في الأرض ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم فيجعلهم ملوكها وسكانها ﴿كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
(قال قتادة: داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء.
وقيل) : ﴿كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني: بني إسرائيل، حيث أهلك الجبابرة بمصر والشام، وأورثهم أرضهم وديارهم. روى عدي بن حاتم قال: «أتينا عند النبي ﷺ َ - إذ أتى إليه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع النسل، فقال:» يا عدي هل رأيت الحيرة؟ «قلت: لم أرها وقد أتيت فيها: قال:» فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله «قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين قد سعوا البلاد،» وإن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى «. قلت: كسرى بن هرمز،» ولئن طالت بك حياة لترين الرجل من مكة يخرج ملأ كفه من ذهب، أو ذهب يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله، وليلقين الله أحدكم يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان يترجم له، وليقولن: «ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالاً وأتفضل عليك» فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا الجنة، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم «قال عدي: سمعت رسول الله ﷺ َ يقول:» اتقوا النار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد تمراً فبكلمة طيبة «- قال عدي فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله تعالى وكنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النبي ﷺ َ -
«يخرج (الرجل ملأ كفه) » .
стр. 8871
قوله: «لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ» فيه وجهان:
أحدهما: هو جواب قسم مضمر، أي: أقسم ليستخلفنهم، ويكون مفعول الوَعْدِ محذوفاً تقديره: وَعَدَهُم الاسْتِخْلَاف، لدلالة قوله: «لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ» عليه.
والثاني: أن يُجْرَى «وَعَدَ» مجرى القسم لتحقُّقه، فلذلك أجيب بما يجاب به القسم.
قوله: «كَمَا اسْتَخْلَفَ» أي: اسْتِخْلَافاً كَاسْتِخْلَافِهِمْ. والعامة على بناء اسْتَخْلَفَ للفاعل.
وأبو بكر بناه للمفعول. فالموصول منصوب على الأول ومرفوع على الثاني.
قوله: «ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ» . قرأ ابن كثير وأبو بكر: «وَليُبْدلَنَّهُمْ» بسكون الباء وتخفيف الدال من أبدل وتقدم توجيهها في الكهف في قوله: ﴿أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الكهف: ٨١] .
قوله: «يَعْبُدُونَنِي» فيه سبعة أوجه:
أحدها: أنه مستأنف، أي: جواب لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما بالهم يُسْتَخْلَفُونَ ويؤمنون؟
فقيل: «يَعْبُدُونَنِي» .
والثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: هم يَعْبُدُونَنِي، والجملة أيضاً استئنافية تقتضي المدح.
الثالث: أنه حال من مفعول «وَعَدَ اللَّهُ» .
الرابع: أنه حال من مفعول «لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ» .
стр. 8872
الخامس: أن يكون حالاً من فاعله.
السادس: أن يكون حالاً من مفعول «لَيُبَدِّلَنَّهُمْ» .
السابع: أن يكون حالاً من فاعله.
قوله: «لَا يُشْرِكُونَ» . يجوز أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً من فاعل «يَعْبُدُونَنِي» أي: يعبدونني موحدين، وأن يكون بدلاً من الجملة التي قبله الواقعة حالاً، وتقدم ما فيها.
فصل
دلّ قوله: «وَعَدَ اللَّهُ» على أنه متكلم، لأن الوعد نوع من أنواع الكلام، والموصوف بالنوع موصوف بالجنس، ولأنه تعالى ملك مطاع، والملك المطاع لا بُدّ وأن يكون بحيث يمكنه وعد أوليائه ووعيد أعدائه، فثبت أنه سبحانه متكلم.
فصل
ودلت الآية على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل وقوعها خلافاً لهشام بن الحكم، فإنه قال: لا يعلمها قبل وقوعها. ووجه الاستدلال أنه تعالى أخبر عن وقوع شيء في المستقبل إخباراً على التفصيل. وقد وقع المخبر مطابقاً للخبر، ومثل هذا الخبر لا يصح إلا مع العلم.
فصل
ودلت الآية على أنه تعالى حي قادر على جميع الممكنات لقوله: «لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْضِ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً» وقد فعل كل ذلك، وصدور هذه الأشياء لا يصح إلا من القادر على كل الممكنات المقدورات.
فصل
ودلت الآية على أنه سبحانه هو المستحق للعبادة، لأن قال: «يَعْبُدُونَنِي» .
وقالت المعتزلة: الآية تدل على أن فعل الله تعالى معلل بالغرض، لأنَّ المعنى: لكي يعبدونني. وقالوا أيضاً: الآية تدل على أنه سبحانه يريد العبادة من الكل، لأنّ من
стр. 8873
فعل فعلاً لغرض، فلا بدَّ وأن يكون مريداً لذلك الغرض.
فصل
ودلت الآية على أنه سبحانه منزه عن الشريك، لقوله: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ وذلك يدل على نفي الإله الثاني، وعلى أنه لا يجوز عبادة غير الله سبحانه.
فصل
ودلت الآية على نبوة محمد ﷺ َ - لأنه أخبر عن الغيب بقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض﴾ ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ وقد وجد هذا المخبر موافقاً للخبر، ومثل هذا الخبر معجز، والمعجز دليل الصدق، فدل على صدق محمد ﵇.
فصل
دلت الآية على أنّ العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان، خلافاً للمعتزلة، لأنه عطف العمل الصالح على الإيمان، والمعطوف خارج عن المعطوف عليه.
فصل
دلت الآية على إمامة الأئمة الأربعة، لأنه تعالى وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الحاضرين في زمان محمد ﵇ بقوله: «مِنْكُمْ» بأنه يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وأن يمكن لهم دينهم المرضي، وأن يبدلهم بعد الخوف أمناً، ومعلوم أن المراد بهذا الوعد بعد الرسول هؤلاء، لأن استخلاف غيره لا يكون إلا بعده، ومعلوم ألا نبيّ بعده، لأنه خاتم الأنبياء، فإذن المراد بهذا الاستخلاف طريقة الإمامة، ومعلوم أن بعد الرسول لا يحصل هذا الاستخلاف إلاّ في أيام أبي بكر وعمر وعثمان، لأنّ في أيامهم كان الفتوح العظيم، وحصل التمكن، وظهر الدين والأمن، ولم يحصل ذلك في أيام عليّ - كرم الله وجهه - لأنه لم يتفرغ لجهاد الكفار، لاشتغاله بمحاربة من خالفه من أهل الصلاة، فثبت بهذا دلالة الآية على صحة خلافة هؤلاء. فإن قيل: الآية متروكة الظاهر، لأنها تقتضي حصول الخلافة
стр. 8874
لكل من آمن وعمل صالحاً، ولم يكن الأمر كذلك، نزلنا عنه، ولكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله: «لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ» هو أنه تعالى أسكنهم في الأرض، ومكنهم من التصرف، لأنّ المراد خلافة الله، ويدل عليه قوله: ﴿كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ واستخلاف من كان قبلهم لم يكن بطريق الأمانة، فوجب أن يكون الأمن في حقهم أيضاً، كذلك نزلنا عنه، لكن هاهنا ما يدل على أنه لا يجوز حمله على خلافة رسول الله ﷺ َ - لأن من مذهبكم أنه ﵇ لم يستخلف أحداً، وروي عن علي ﵁ أنه قال: «أنزلتكم كما نزلت نبي الله» فعبر عنه بلفظ الجمع على سبيل التعظيم كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: ١] ، وقال في حق علي ﵁: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكاة وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] ، نزلنا عنه، ولكن محمله على الأئمة الاثني عشر؟
والجواب عن الأول: أن كلمة «مِنْ» للتبعيض، فقوله: «مِنْكُمْ» يدل على أنَّ المراد من هذا الخطاب بعضهم.
وعن الثاني: أن الاستخلاف بالمعنى الذي ذكرتموه حاصل لجميع الخلق، والمذكور هاهنا في معرض البشارة، فلا بدَّ وأن يكون مغايراً له.
وأما قوله تعالى: ﴿كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ فالذين كانوا قبلهم قد كانوا خلفاء تارة بسبب النبوة وتارة بسبب الملك، فالخلافة حاصلة في الصورتين.
وعن الثالث: أنه وإن كان مذهبنا أنه ﵇ لم يستخلف أحداً بالتعيين، ولكن قد استخلف بذكر الوصف والأمر والإخبار، فلا يمتنع في هؤلاء أنه تعالى استخلفهم، وأن الرسول استخلفهم، وعلى هذا الوجه قالوا في أبي بكر ﵁ خليفة رسول الله، والذي قيل: إنه ﵇ لم يستخلف أريد به على وجه التعيين، وإذا قيل: استخلف فالمراد على طريق الوصف والأمر.
وعن الرابع: أن حمل لفظ الجمع على الواحد مجاز، وهو خلاف الأصل.
стр. 8875
وعن الخامس: أنه باطل لوجهين:
أحدهما: قوله تعالى: «مِنْكُمْ» يدل على أنّ الخطاب كان مع الحاضرين، وهؤلاء الأئمة ما كانوا حاضرين.
الثاني: أنه تعالى وعدهم القوة والشوكة والبقاء في العالم، ولم يوجد ذلك فيهم. فثبت بهذا صحة إمامة الأئمة الأربعة، وبطل قول الرافضة الطاعنين على أبي بكر وعمر وعثمان، وعلى بطلان قول الخوارج، الطاعنين على عثمان وعلي.
قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك﴾ أراد كفر النعمة، ولم يرد الكفر بالله تعالى، ﴿فأولئك هُمُ الفاسقون﴾ العاصون لله . قال المفسرون: أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان، فلما قتلوه غير الله ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخواناً. روى حميد بن هلال قال: قال عبد الله بن سلام في عثمان: إن الملائكة لم تزل محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول الله ﷺ َ - حتى اليوم، فوالله لئن قتلتموه لتذهبون ثم لا تعودون أبداً، فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يد له، وإن سيف الله لم يزل مغموداً عنكم، والله لئن قتلتموه ليسللنه الله ثم لا يغمده عنكم إما قال أبداً، وإما قال إلى يوم القيامة، فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفاً، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفاً.
وروى علي بن الجعد قال: أخبرني حماد - وهو ابن سلمة - عن ابن دينار عن سعيد بن جهمان عن سَفِينَة قال: سمعت رسول الله ﷺ َ - يقول: «الخلافة ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً، ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر
стр. 8876
عشر، وعثمان اثني عشر، وعلي ست» قال علي: «قلت لحماد: سفينة القائل لسعيد: أمسك؟ قال: نعم» .
стр. 8877
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ فيه وجهان:
أحدهما: أنه معطوف على ﴿أَطِيعُواْ الله (وَأَطِيعُواْ) الرسول﴾ [النور: ٥٤] وليس ببعيدٍ أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل، وإن طال، لأنّ حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه، قاله الزمخشري. قال شهاب الدين: وقوله: (لأن حقَّ المعطوف ... إلى آخره) لا يظهر عِلَّةً للحكم الذي ادَّعاه.
والثاني: أَنَّ قوله: «وَأَقِيمُوا» من باب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وحسنه الخطاب في قوله قبل ذلك: «مِنْكُمْ» ثم قال: ﴿وَأَطِيعُواْ الرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: افعلوها على رجاء الرحمة.
قوله: «لَا تَحْسَبَّن» . قرأ العامة: «لَا تَحْسَبَّنَ» بتاء الخطاب، والفاعل ضمير المخاطب، أي: لا تحسبن أَيُّها المخاطب، ويمتنع أو يبعد جعله للرسول ﵇ لأنَّ مثل هذا الحُسبان لا يُتصوَّرُ منه حتى يُنْهى عنهُ. وقرأ حمزة وابن عامر: «لَا يَحْسَبَّن» بياء الغيبة، وهي قراءة حسنةٌ واضحةٌ، فإنَّ الفاعل فيها مضمرٌ، يعودُ على ما دلَّ السياق عليه، أي: «لَا يَحْسَبَّن حاسِبٌ واحدٌ» . وإما على الرسول لتقدُّمِ ذكره، ولكنه ضعيف للمعنى المتقدم، خلافاً لمن لَحَّنَ قارئ هذه القراءة كأبي حاتم
стр. 8878
وأبي جعفر والفراء. قال النحاس: ما عَلِمْت أحداً من أهل العربية بصرياً ولا كوفياً إلا وهو يُلَحِّنُ قراءة حمزة، فمنهم من يقول: هي لحنٌ، لأنه لم يأت إلا مفعولُ واحدٌ ل «يَحْسَبن» . وقال الفراء: هو ضعيفٌ، وأجازه على حذف المفعول الثاني والتقدير: «لَا يَحْسَبن الذين كفروا أنفسهم معجزين» قال شهاب الدين: وسبب تلحينهم هذه القراءة: أنهم اعتقدوا أنَّ «الَّذِينَ» فاعل، ولم يكن في اللفظ إلا مفعولٌ واحدٌ، وهو «مُعْجِزِينَ» فلذلك قالوا ما قالوا.
والجواب عن ذلك من وجوهٍ:
أحدها: أنَّ الفاعل مضمر يعود على ما تقدم، أو على ما يفهم من السياق، كما سبق تحريره.
الثاني: أنَّ المفعول الأول محذوف تقديره: ولَا يَحْسَبن الَّذِين كفروا أنفسهم معجزين، إلاّ أن حذف أحد المفعولين ضعيف عند البصريين، ومنه قول عنترة:
٣٨٥٥ - وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ ... مِنِّي بِمَنْزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ
أي: تظني غيره واقعاً. ولما نحا الزمخشريُّ إلى هذا الوجه قال: وأن يكون الأصل: لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين. ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول، وكان الذي سوّغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث. فقدّر المفعول الأول ضميراً متصلاً. قال أبو حيان: وقد رَدَدْنَا هذا التخريج في أواخر «آل عمران» في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ﴾ [آل عمران: ١٨٨] في قراءة من قرأ بالغيبة، وجعل الفاعل: «الَّذِين يَفْرَحُونَ» ، وملخصه: أنَّ هذا ليس من الضمائر التي يُفَسِّرها ما بعدها، فلا يتقدَّر «لَا يَحْسَبَنَّهُمْ» إذ لا يجوز ظنَّهُ زيدٌ
стр. 8879
قائماً، على رفع (زيدٌ) ب (ظنه) .
وقد تقدم هذا الرد في الموضع المذكور.
الثالث: أن المفعولين هما قوله: ﴿مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾ قاله الكوفيون. ولما نحا إليه الزمخشري قال: والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أحداً يُعْجِزُ الله في الأرض يطمعوهم في مثل ذلك، وهذا معنى قويٌّ جَيِّدٌ. قال شهاب الدين: قيل: هو خطأ، لأنَّ الظاهر تعلق «فِي الأَرْض» ب «مُعْجِزينَ» فجعلهُ مفعولاً ثانياً كالتهيئة للعمل والقطع عنه، وهو نظير: «ظَنَنْتُ قَائِماً فِي الدَّارِ» .
قوله: «وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن هذه الجملة عطفٌ على الجملة التي قبلها من غير تأويل ولا إضمار، وهو مذهب سيبويه، أعني: عطف الجمل بعضها على بعض وإن اختلفت أنواعها خبراً وطلباً وإنشاءً. وقد تقدم تحقيقه في أول الكتاب.
الثاني أنها معطوفة عليها، ولكن بتأويل جملة النهي بجملة خبرية، والتقدير: الذين كفروا لا يَفُوتُونَ اللَّهَ ومأواهم النارُ. قاله الزمخشري، كأنه يرى تناسب الجمل شرطاً في (صحة) العطف، هذا ظاهر حاله.
الثالث: أنها معطوفة على جملة مقدرة.
قال الجرحاني: لا يحتمل أن يكون «وَمَأْوَاهُم» متصلاً بقوله: «لَا يَحْسَبن» ذلك
стр. 8880
نهيٌ وهذا إيجابٌ، فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله، تقديره: «لَا يَحْسَبن الَّذين كفروا مُعْجزين في الأرض بل هم مَقْهُورُونَ ومَأْوَاهُمُ النَّارُ» .
قوله
تعالى
: ﴿يا أيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾ الآية.
قال ابن عباس: وجَّه رسول اللَّهِ ﷺ َ - غلاماً من الأنصار يقال له: «مُدْلج بن عمرو» إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل، فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مَرْثَد، كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقت كرهته، فأتت رسول الله ﷺ َ - فقالت: إنّ خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله ﴿يا أيها الذينءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾ اللام للأمر «مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» يعني: العبيد والإماء.
قال القاضي: هذا الخطاب وإن كان ظاهره للرجال، فالمراد به الرجال
стр. 8881
والنساء، لأنّ التذكير يغلب على التأنيث. قال ابن الخطيب: والأولى عندي أنّ الحكم ثابت في النساء بقياس جليّ، لأنّ النساء في باب (حفظ) العورة أشد حالاً من الرجال، فهو كتحريم الضرب بالقياس على حرمة التأفيف. وقال ابن عباس: هي في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال في الليل والنهار. واختلف العلماء في هذا الندب: فقيل للأمر. وقيل: للوجوب، وهو الأظهر. قوله: ﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ﴾ أي: من الأحرار، وليس المراد: الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا أمر النساء، ولكن لم يبلغوا.
واتفق الفقهاء على أنّ الاحتلام بلوغ. واختلفوا في بلوغ خمس عشرة سنة إذا لم يوجد احتلام: قال أبو حنيفة: لا يكون بالغاً حتى يبلغ ثماني عشرة سنة، ويستكملها الغلام والجارية تستكمل سبع عشرة. وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: في الغلام والجارية خمس عشرة سنة إذا لم يحتلم، لما روى ابن عمر أنه عرض على النبي يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزه، وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة، فأجازه. قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر مضطرب، لأنّ أُحُداً كان في سنة ثلاث، والخندق كان في سنة خمس، فكيف يكون بينهما سنة؟ ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ، فقد لا يؤذن للبالغ لضعفه، ويؤذن لغير البالغ لقوته ولطاقته لحمل السلاح، ولذلك لم يسأله النبي ﵇ عن الاحتلام والسن. واختلفوا في الإنبات: هل يكون بلوغاً؟ فأصحاب الرأي لم يجعلوه بلوغاً، لقوله ﵇: «وعن الصبي حتى يحتلم» وقال الشافعي: هو بلوغ، لأنّ النبي ﵇: أمر بقتل من أنبت من بني قريظة. قال الرازي: الإنبات يدل على القوة البدنية، فالأمر بالقتل لذلك لا للبلوغ.
فصل
قال أبو بكر الرازي: دلَّت هذه الآية على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع، وينهى عن ارتكاب القبائح، فإن الله تعالى أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات.
وقال ﵇: «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على تركها وهم أبناء عشر» .
стр. 8882
وقال ابن عمر: يعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله. وقال ابن مسعود: إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له حسناته، ولا تكتب عليه سيئاته حتى يحتلم. واعلم أنه إنما يؤمر بذلك تمريناً ليعتاده ويسهل عليه بعد البلوغ.
فصل
قال الأخفش: الحلم: من حلم الرجل بفتح اللام، ومن الحلم: حلم بضم اللام يحلم بكسر اللام.
قوله: «ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» فيه وجهان:
أحدهما: أنَّه منصوب على الظرف الزماني، أي: ثلاثة أوقات، ثم فسَّر تلك الأوقات بقوله: ﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر وَحِينَ تَضَعُونَ (ثيابكم مِّنَ الظهيرة) وَمِن بَعْدِ صلاة العشآء﴾ .
والثاني: أنه منصوب على المصدرية، أي ثلاثة استئذانات.
ورجح أبو حيان هذا فقال: والظاهر من قوله: ثَلاثَ مرَّاتٍ: ثلاثة استئذاناتٍ، لأنك إذا قلت: ضربتُ ثَلاثَ مراتٍ، لا يفهم منه إلاّ ثلاث ضرباتٍ، ويؤيده قوله ﵇: «الاستئذانُ ثَلَاثٌ» قال شهاب الدين: مسلَّم أنّ الظاهر كذا، ولكن الظاهر هنا متروك للقرينة المذكورة، وهي التفسير بثلاثة الأوقات المذكورة.
وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية: «الحُلْم» بسكون العين، وهي تميمية.
قوله: ﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر﴾ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه بدلٌ من قوله: «ثَلَاثَ» فيكون في محل نصب.
стр. 8883
الثاني: أنه بدلٌ من «مَرَّاتٍ» فيكون في محل جرّ.
الثالث: أنه خبرُ مبتدأ مضمر، أي: هي من قَبْلُ، أي: تلكَ المرات، فيكون في محل رفع.
وقوله: «وَحِينَ تَضَعُونَ» عطف على محل ﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر﴾ .
قوله: «من الظَّهِيرةِ» فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ «مِنْ» لبيان الجنس، أي: حين ذلك الذي هو الظهيرة.
الثاني: أنها بمعنى «في» أي: تضعونها في الظهيرة.
الثالث: أنها بمعنى اللام، (أي) : من أجل حرّ الظهيرة.
وقوله: ﴿وَمِن بَعْدِ صلاة العشآء﴾ : عطف على ما قبله. والظَّهيرةُ شِدّةُ الحرِّ، وهو انتصاف النهار.
قوله: «ثلاث عورات» . قرأ الأخوان وأبو بكر: «ثَلَاثَ» نصباً. والباقون رفعاً. فالأولى تحتمل ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنها بدلٌ من قوله: «ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» .
قال ابن عطية: إنما يصح البدلُ بتقدير: أوقاتُ ثلاث عوراتٍ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وكذا قدره الحوفي والزمخشري وأبو البقاء، ويحتمل أنه جعل نفس ثلاث المرات نفس ثلاث العورات مبالغة فلا يحتاج إلى حذف مضاف، وعلى هذا الوجه - أعني: وجه البدل - لا يجوز الوقف على ما قبل «ثَلَاثَ عَوْرَاتٍ» لأنه بدل منه وتابع له، ولا يوقف على المتبوع دون تابعه.
стр. 8884
الثاني: أنَّ «ثَلَاثَ عَوْراتٍ» بدل من الأوقات المذكورة، قاله أبو البقاء. يعني قوله: ﴿مِّن قَبْلِ صلاة الفجر﴾ وما عُطِفَ عليه، ويكون بدلاً على المحل، فلذلك نصب.
الثالث: أن ينْتصب بإضمار فعل.
فقدره أبو البقاء: «أعني» وأحسن من هذا التقدير: اتقوا، أو احذروا ثلاث.
فأمّا الثانية: ف «ثَلَاثُ» خبر مبتدأ محذوف تقديره: «هُنَّ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ» .
وقدره أبو البقاء مع حذف مضاف، فقال: أي: هي أوقات ثلاث عورات، فحذف المبتدأ والمضاف. قال شهاب الدين: وقد لا يحتاجُ إليه على جعلِ العَوْرات نَفْسَ الأوقاتِ مبالغةً، وهو المفهوم من كلام الزمخشري، وإن كان قد قدَّر مضافاً، كما تقدم عنه.
قال الزمخشري: ويسمى كل واحد من هذه الأحوال عَوْرةً، لأنَّ الناس يختل تسترهم وتحفظُهم فيها. والعَوْرةُ: الخللُ، ومنه أعور الفارسُ، وأعور المكانُ. والأعور: المختل العين. فهذا منه يؤذن بعدم تقدير «أوقاتٍ» مضاف ل «عوراتٍ» بخلاف كلامه أولاً فيؤخذ من مجموع كلاميه وجهان.
وعلى قراءة الرفع وعلى الوجهين قبلها في تخريج قراءة النصب يوقف على ما قبل «ثَلَاثَ عوراتٍ» لأنها ليست تابعة لما قبلها. وقرأ الأعمش: «عَورَاتٍ» بفتح الواو، وهي لغة هذيل وبني تميم، يفتحون عين «فَعْلاء» واواً أو ياءً، وأنشد:
٣٨٥٦ - أَخُو بَيَضَاتٍ رَائِحٌ مُتَأَوِّبٌ ... رَفِيقٌ بِمَسْحِ المِنْكَبَيْنِ سَبُوحُ
فصل
المعنى: يستأذنوا في ثلاثة أوقات: من قبل صلاة الفجر، ووقت القيلولة، ومن بعد
стр. 8885
صلاة العشاء. وخصَّ هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد من العبيد والصبيان، فأمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، فأما غيرهم فيستأذنون في جميع الأوقات. وسميت هذه الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته.
فصل
قال بعضهم: إن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] يدل على أنّ الاستئذان واجب في كل حال، فنسخ بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة. قال ابن عباس: لم يكن للقوم ستور ولا حجاب، وكان الخدم والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق، واتخذ الناس الستور، فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان.
وقال آخرون: الآية الأولى أريد بها المكلف، لأنه خطاب لمن آمن، والمراد بهذه الآية غير المكلف، لا يدخل في بعض الأحوال إلاّ بإذن، وفي بعضها بغير إذن، ولا وجه للنسخ. فإن قيل: قوله: ﴿الذين مَلَكَتْ أيمانكم﴾ يدخل فيه من بلغ، فالنسخ لازم؟
فالجواب أن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧] لا يدخل تحته العبيد والإماء، فلا يجب النسخ.
قال أبو عبيد: لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ. وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس لا أرى أحداً يعمل بهن، قال عطاء: حفظت آيتين ونسيت واحدة، وقرأ هذه الآية، وقوله ﴿يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ [الحجرات: ١٣] ذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى ... ﴾ [النساء: ٨] الآية.
стр. 8886
قوله: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ» هذه الجملة يجوز أن يكون لها محل من الإعراب، وهو الرفع نعتاً ل «ثَلَاثُ عَوْرَات» في قراءة من رفعها، كأنه قيل: هُنَّ ثَلَاثُ عَوْراتٍ مخصوصةٌ بالاستئذان، وأَلَاّ يكون لها محل، بل هي كلام مقرر للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة، وذلك في قراءة من نصب «ثَلَاثَ عَوْرَاتٍ» .
قوله: «بعدهن» . قال أبو البقاء: التقدير: بعد استئذانهم فيهن، ثم حذف حرف الجر والفاعل فبقي «بعد استئذانهم» ثم حذف المصدر.
يعني بالفاعل: الضمير المضاف إليه الاستئذان، فإنه فاعل معنوي بالمصدر، وهذا غير ظاهر، بل الذي يظهر أن المعنى: ليس عليكم جناح ولا عليهم أي: العبيدُ والإماءُ والصبيانُ «جُنَاحٌ» في عدم الاستئذان بعد هذه الأوقات المذكورة، ولا حاجة إلى التقدير الذي ذكره.
قوله: «طَوَّافُونَ» خبر مبتدأ مضمر تقديره: «هُمْ طَوَّافُونَ» ، و «عَلَيْكُم» متعلق به.
قوله: ﴿بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ﴾ . في «بَعْضُكُم» ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه مبتدأ، و «عَلَى بَعْضٍ» الخبر، فقدره أبو البقاء: «يَطُوفُ على بعض» وتكون هذه الجملة بدلاً مما قبلها، ويجوز أن تكون مؤكدة مبينة، يعني: أنها أفادت إفادة الجملة التي قبلها، فكانت بدلاً أو مؤكدة. وردّ أبو حيان هذا بأنه كونٌ مخصوص، فلا يجوز حذفه.
والجواب عنه: أن الممتنع الحذف إذا لم يدل عليه دليل، وقُصِدَ إقامةُ الجار والمجرور مقامه. وهنا عليه دليل ولم يُقْصَد إقامة الجار مقامه. ولذلك قال الزمخشري: خبره «عَلَى بَعْضٍ» على معنى: طائف على بعض، وحذف لدلالة «طوافون» عليه.
الثاني: أن يرتفع بدلاً من «طَوَّافُونَ» قاله ابن عطية قال أبو حيان: ولا يصحُّ إن قدَّر الضميرَ ضمير غيبةٍ لتقدير المبتدأ «هم» لأنه يصير التقدير: هُمْ يطوفُ بعضكُم على بعضٍ وهو لا يصح، فإن جعلت التقدير: أنتم يطوف بعضكم على بعض، فَيَدْفَعهُ أنَّ قوله: «عَليْكُم» يدل على أنهم هم المطوفُ عليهم، و «أنتُمْ طَوَّافُونَ» يدل على أنهم طائفون، فتعارضا. قال شهاب الدين: الذي نختار أن التقدير: أنتم، ولا يلزمُ
стр. 8887
محذور، وقوله: فيدفعه إلى آخره، لا تعارض فيه، لأن المعنى: كل منكم ومن عبيدكم طائف على صاحبه، وإن كان طوافُ أحد النوعين غير طواف الآخر، لأنَّ المراد الظهور على أحوال الشخص، ويكون «بعضكم» بدلاً من «طَوَّافُونَ» و «على بعض» بدلاً من عليكم بإعادة العامل، فأبدلت مرفوعاً من مرفوع ومجروراً من مجرور، ونظيره قوله:
٣٨٥٧ - فَلَمَّا قَرَعْنَا النَّبْعَ بالنَّبْعِ بَعْضَهُ ... بِبَعْضٍ أَبَتْ عيدَانُه أَنْ تَكَسَّرَا
ف «بعضه» بدل من «النَّبع» المنصوب، و «ببعض» بدل من المجرور بالياء.
الثالث: أنه مرفوعٌ بفعل مقدر، أي: يطوفُ بعضُكُم على بعض، لدلالة «طَوَّافُونَ» عليه، قاله الزمخشري. وقرأ ابن أبي عبلة: «طَوَّافينَ» بالنصب على الحال من ضمير «عَلَيْهِمْ» .
فصل
المعنى «ليس عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهم» يعني: العبيد والإماء والصبيان «جُنَاحٌ» في الدخول عليكم بغير استئذان «بَعْدَهُنَّ» أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة، «طَوَّافُونَ علَيْكُمْ» أي: العبيد والخدم يطوفون عليكم: يترددون ويدخلون ويخرجون في أشغالهم بغير إذن ﴿بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ﴾ . فإن قيل: هل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة (لهم؟ فالجواب، لا، وإنما أباح تعالى ذلك من حيث كانت العادة لا تكشف العورة) في غير تلك الأوقات، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم فذلك يحرم عليها. فإن كان الخادم مكلفاً حرم عليه الدخول إن ظن أن هناك كشف عورة.
فإن قيل: أليس في الناس من جوَّز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر مولاته؟
فالجواب: من جوَّز ذلك فالشعر عنده ليس بعورة في حق المماليك كما هو في
стр. 8888
حق الرحم، إذ العورة تنقسم أقساماً وتختلف بالإضافات.
فصل
هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم.
وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ﴾ هذا الحكم مختص بالصغار دون البالغين، لقوله بعد ذلك: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
قوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم﴾ أي: الاحتلام، يريد: الأحرار الذين بلغوا «فَلْيَسْتَأْذِنُوا» أي: يستأذنون في جميع الأوقات في الدخول عليكم ﴿كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأحرار (الكبار) . وقيل يعني الذين كانوا مع إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ ﴿كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلالاته. وقيل: أحكامه «واللَّهُ عَلِيمٌ» بأمور خلقه «حَكِيمٌ» بما دبر لهم. قال سعيد بن المسيب: يستأذن الرجل على أمه، فإنما أنزلت الآية في ذلك وسئل حذيفة: أيستأذن الرجل على والدته؟ قال: «نعم وإن لم تفعل رأيت منها ما تكره» .
قوله: ﴿والقواعد مِنَ النسآء﴾ . القواعدُ: من غير تاء تأنيث، ومعناه: القواعدُ عن النكاح، أو عن الحيض، أو عن الاستمتاع، أو عن الحبل، أو عن الجميع ولولا تخصيصهُنَّ بذلك لوجبت التاء نحو ضاربة وقاعدة من القعود المعروف.
стр. 8889
وقوله: «مِنَ النِّسَاءِ» وما بعده بيان لهن. و «القَوَاعِدُ» مبتدأ، و «مِنَ النِّسَاءِ» حال، و «اللَاّتِي» صفة القواعد لا للنساء، وقوله: «فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ» ، الجملة خبر المبتدأ، وإنما دخلت الفاء لأن المبتدأ موصوف بموصول، لو كان ذلك الموصول مبتدأ لجاز دخولها في خبره، ولذلك منعت أن تكون «اللاتي» صفة للنساء، إذ لا يبقى مسوغ لدخول الفاء في خبر المبتدأ.
وقال أبو البقاء: ودخلت الفاءُ لما في المبتدأ من معنى الشرط، لأن الألف واللام بمعنى الذي وهذا مذهب الأخفش، وتقدم تحقيقه في المائدة، ولكن هنا ما يُغني عن ذلك، وهو وصف المبتدأ بالموصول المذكور، و «غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ» حال من «عليهن» . (والتَّبرُّجُ الظهور من البُرْج) وهو البناء الظاهر، والتبرج: سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها كله، لا يغيب منه شيء والتبرج: إظهار ما يجب إخفاؤه بأن تكشف المرأة للرجال (بإبداء) زينتها وإظهار محاسنها. و «بزينة» متعلق به. قوله: «وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ» مبتدأ بتأويل: «اسْتِعْفَافُهُنَّ» ، و «خَيْرٌ» خبره.
فصل
قال المفسرون: القواعد: هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر، ولا مطمع لهن في الأزواج.
والأولى ألا يعتبر قعودهن عن الحيض، لأن ذلك ينقطع، والرغبة فيهن باقية، والمراد: قعودهن عن الأزواج، ولا يكون ذلك إلا عند بلوغهن إلى حيث لا يرغب فيهن الرجال لكبرهن قال ابن قتيبة: سميت المرأة قاعداً إذا كبرت، لأنها تكثر القعود وقال ربيعة: هنَّ العجز اللواتي إذا رآهنَّ الرجل استقذرهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال، وهي محل الشهوة، فلا تدخل في هذه الآية. ﴿فَلَيْسَ
стр. 8890
عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ عند الرجال، يعني: يضعن بعض ثيابهن، وهي الجلباب، والرداء الذي فوق الثياب، والقناع الذي فوق الخمار، فأما الخمار فلا يجوز وضعه لما فيه من كشف العورة.
وقرأ عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: ﴿أن يضعن من ثيابهن﴾ . وروي عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿أن يضعن جلابيبهن﴾ . وعن السدي عن شيوخه: أن يضعن خمرهن عن رؤوسهن وإنما خصهن الله بذلك لأن التهم مرتفعة عنهن، وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهنّ وضع الثياب، ولذلك قال: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾ وإنما جعل ذلك أفضل لأنه أبعد عن الظنة، فعند الظنة يلزمهن ألا يضعن ذلك كما يلزم الشابة، والله سميع عليم.
стр. 8891
قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ﴾ الآية.
قال ابن عباس: لما أنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ [النساء: ٢٩] تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعُمْي والعرج وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول، فلا يستوفي الطعام، فأنزل الله هذه الآية. وعلى هذا التأويل تكون «على» بمعنى «في» أي: ليس في الأعمى، أي: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض حرج. وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما: «كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن الناس
стр. 8892
يتقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم، ويقول الأعمى: ربما أكل أكثر، ويقول الأعرج: ربما أخذ مكان اثنين، فنزلت هذه الآية» .
وقال مجاهد: نزلت هذه الآية (ترخيصاً لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله بهذه الآية) لأن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب العلم، فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم، أو بعض من سمى الله في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام ويقولون: ذهب بنا إلى بيت غيره، فأنزل الله هذه الآية وقال سعيد بن المسيب: كان المسلمون إذا غزوا اختلفوا منازلهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم. وقال الحسن: نزلت الآية رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد، وقال: تم الكلام عند قوله: ﴿وَلَا عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ وقوله تعالى: «وَعَلى أَنْفسكُمْ» كلام منقطع عما قبله.
وقيل: لما نزل قوله: ﴿وَلَا تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله : ﴿وَلَا على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾ ، أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم، نسب بيوت الأولاد إلى الآباء كقوله ﵇: «أنت ومالك لأبيك» .
فصل
دلَّت هذه الآية بظاهرها على إباحة الأكل من هذه المواضع بغير استئذان، وهو
стр. 8893
منقول عن قتادة، وأنكره الجمهور، ثم اختلفوا: فقيل: كان ذلك في صدر الإسلام، فنسخ بقوله ﵇: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» ويدل على هذا النسخ قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلَاّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾
[الأحزاب: ٥٣] وكان في أزواج الرسول من لهنَّ الآباء والأخوات، فعم بالنهي عن دخول بيوتهن إلا بالإذن في الأكل. فإن قيل: إنما أذن الله تعالى في هذه الآية، لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا في بيوتهم، حضروا أو غابوا، فجاز أن يرخص في ذلك؟
فالجواب: لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى، لأن غيرهم كهم في ذلك. وقال أبو مسلم: المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين، لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله: ﴿لَاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] ثم إنه تعالى أباح في هذه الآية ما حظره هناك، قال: ويدل عليه أن في هذه السورة (أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال: ﴿حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ على أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وفي بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك، بل) أمر أن يسلموا على أنفسهم، فالمقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة لا إثبات الإباحة في جميع الأوقات.
وقيل: لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم، والعادة كالإذن، فيجوز أن يقال: خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأصل توجد منهم، ولذلك ضم إليهم الصديق، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت لأجل حصول الرضا فيها، فلا حاجة إلى النسخ.
قوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ .
قال ابن عباس: عنى بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخر، وملك المفتاح: كونه في يده وحفظه قال المفضل: «المفاتح» واحدها «مَفْتَح» بفتح الميم، وواحد
стр. 8894
المفاتيح: مِفْتح (بكسر الميم) . وقال الضحاك: يعني: من بيوت عبيدكم ومماليككم، لأن السيد يملك منزل عبده والمفاتيح: الخزائن، لقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب﴾ [الأنعام: ٥٩] ، ويجوز أن يكون الذي يفتح به. وقال عكرمة: «إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير» .
وقال السُّديّ: الرجل يولي طعامه غيره يقوم عليه، فلا بأس أن يأكل منه. وقيل: ﴿أو ما ملكتم مفاتحه﴾ : ما خزنتموه عندكم. قال مجاهد وقتادة: من بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم.
قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾ العامة على فتح الميم واللام مخففة. وابن جُبير: «مُلِّكْتُم» ، بضم الميم وكسر اللام مشدّدة؛ أي: «مَلَّكَكُمْ غَيْرُكُمْ» . والعامة على «مَفَاتِحَه» دون ياء، جمع «مَفْتَح» . وابن جُبَير «مَفَاتِيحَهُ» بالياء بعد التاء، جمع «مِفْتَاح» .
وجوَّز أبو البقاء أن يكون جمع «مِفْتَح» بالكسر، وهو الآلة، وأن يكون جمع «مَفتح» بالفتح، وهو المصدر بمعنى الفتح. والأول أقيس. وقرأ أبو عمرو في رواية هارون عنه: «مِفْتَاحَهُ» بالإفراد، وهي قراءة قتادة.
قوله: «أَوْ صَدِيقكُمْ» . العامة على فتح الصاد. وحُمَيد الجزَّارُ روى كسرها إتباعاً لكسرة الدّال والصديق: يقع للواحد والجمع كالخليط والفطين وشبههما.
فصل
الصديق: الذي صدقك في المودة. قال ابن عباس: نزلت في الحارث بن عمرو خرج غازياً مع رسول الله ﷺ َ - وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده
стр. 8895
مجهوداً، فسأله عن حاله فقال: تحرجت من أكل طعامك بغير إذنك، فأنزل الله هذه الآية وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والتحرم بطعامه من غير استئذان منه في الأكل بهذه الآية. والمعنى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا من غير أن تتزودوا وتحملوا. يحكى أن الحسن دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد أخرجوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة مكبون عليها يأكلون، فتهلل أسارير وجهه سروراً وضحك، وقال: «هكذا وجدناهم» يعني: كبراء الصحابة. وعن ابن عباس: الصديق أكبر من الوالدين، لأن أهل جهنم لمّا استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات، بل قالوا: ﴿مَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] .
وحكي أن أخا الربيع بن خيثم دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل، فلما قدم أخبرته بذلك، فانسر لذلك وقال: إن صدقت فأنت حرة.
فصل
احتج أبو حنيفة بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع، لأن الله تعالى أباح لهم الأكل من بيوتهم، ودخولها بغير أذنهم، فلا يكون ماله محرزاً منهم. فإن قيل: فيلزم ألا يقطع إذا سرق من مال صديقه؟
فالجواب: من أراد سرقة ماله لا يكون صديقاً له.
قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ قال الأكثرون: نزلت في بني ليث بن عمرو حي من كنانة، كان الرجل منهم لا يأكل وحده، ويمكث يومه حتى يجد ضيفاً يأكل معه، فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئاً، وربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا
следующие страницы →