Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
سورة النساء [٤: ١٢٢]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾: السين للاستقبال القريب.
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع من تحتها الأنهار.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود الاستمرار، والبقاء إلى ما لا نهاية، والخلود يبدأ من زمن، وهو زمن دخولهم الجنة بعد الحساب، ويوم القيامة.
﴿أَبَدًا﴾: المستقبل الذي ليس له نهاية، وقد تعني دخولهم الجنة من دون حساب، ولا انتظار، يدخلون الجنة بعد البعث مباشرة.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾: الوعد: يحمل معنى الخبر، والشيء السار غالباً، وإذا جاء في معنى الشر يعني: التوبيخ والتقريع.
أما الوعيد: فيحمل معنى الشر دائماً.
﴿حَقًّا﴾: الحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغير؛ أيْ: وعداً من الله تعالى لا يتغير، ولا يتبدل، وعد الصدق.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: استفهام تقريري.
стр. 1017
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾: معناه: أيوجد أصدق من الله تعالى؟ والإجابة: لا يوجد حاشا لله.
﴿قِيلًا﴾: مصدر سماعي لفعل قال يقول قيلاً؛ أيْ: قولاً؛ أيْ: ومن أصدق (على وزن أفعل) من الله قولاً، وللتفريق بين: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾: ارجع إلى الآية (٨٧) من نفس السورة.
سورة النساء [٤: ١٢٣]
﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
المناسبة: بعد قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: يأتي قوله: ليس بأمانيكم متعلق بقوله: ويُمنيهم.
والتقدير: ليس الفوز بالجنة، أو النجاة من النار أمراً متعلقاً بأمانيكم، أو أماني الشيطان، أو أماني أهل الكتاب، أو أيِّ أحدٍ، وإنما الأمر متعلق بالإيمان، والعمل الصالح، فلا تغرنَّكم الأماني الكاذبة.
﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾:
﴿لَّيْسَ﴾: للنفي؛ تنفي الحال، وغير الحال.
﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: الباء: للإلصاق، والخطاب موجَّه إلى المؤمنين.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. لا: النافية؛ لتأكيد النفي السابق.
﴿أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: اليهود والنصارى الذين يقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
وكذلك قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤].
стр. 1018
ولم يذكر أماني الكفار؛ كالذي يقول: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦].
﴿مَنْ﴾: شرطية استغراقية تشمل الإنس والجن.
﴿يَعْمَلْ سُوءًا﴾: جاءت كلمة سوء نكرةً؛ لتشمل كل أنواع السوء: الظلم، والشرك، وكل أمر منهي عنه، والذنب، والقبيح، والمعصية، والسيئات.
وقيل: السوء: هو كل ما يسيء إلى النفس، وإلى الغير، أو يسوء إظهاره.
﴿يُجْزَ بِهِ﴾: في الدنيا، أو في الآخرة.
الجزاء: وهو مقابل العمل، فالجزاء منوط بالعمل؛ أيْ: يعاقب عليه.
﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ﴾: الواو: عاطفة.
﴿وَلَا﴾: نافية؛ أيْ: من يعمل سوءاً لا يجد له من دون الله، من غير الله تعالى.
﴿وَلِيًّا﴾: الولي: القريب المعين.
﴿وَلَا﴾: تكرار لا: يفيد توكيد النفي، وفصل الولي عن النصير.
﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: يدافع عنه وينصره، أو يدفع عنه عذاب الله سبحانه.
والولي غير النصير، فلو وجدت ولياً قد لا يكون قادراً على نصرك، أو وجدت نصيراً قد لا يكون قادراً على ولايتك، أو قد لا تجد لا هذا، ولا ذاك.
стр. 1019
سورة النساء [٤: ١٢٤]
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة. ومن: شرطية ابتدائية للعاقل، وقد تعني المفرد أو الجمع.
﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: ولم يقل: يعمل الصالحات، وإنما قال: من؛ التي تدل على التبعيض؛ أيْ: بعض الصالحات؛ لأنه لا يوجد إنسان يستطيع أن يعمل كل الصالحات.
والصالحات: قيل تشمل كل الفروض، والأركان، والنوافل، وغيرها من العبادات بما فيها العبادات القلبية.
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: من: استغراقية؛ تشمل كل ذكر، وأنثى، وهو مؤمن، لا فرق بين ذكر، أو أنثى ما دام مؤمناً.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتأكيد. أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب؛ تشير إلى الذين يعملون الصالحات.
﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾: لا يظلم، ولا ينقص من حقه مقدار النقير.
والنقير: نقرة في ظهر نواة التمر.
وأما الفتيل: فهو الخيط في بطن النواة.
وأما القطمير: فهو غلاف النواة الرقيق.
أيْ: لا يظلمون حسنة، ولا سيئة.
стр. 1020
سورة النساء [٤: ١٢٥]
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: استفهام تقريري.
الجواب: لا أحد أحسن ممن أسلم وجهه لله، واتخذ الإسلام دِيناً، وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفاً؛ فليس ثمة أحسن دِيناً ممن أخلص وجهه لله، وآمن بتوحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.
لنقارن قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، وهناك آية: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢].
أسلم وجهه لله: أيْ: وصل مرحلة من الإيمان، والتقوى هي القمة والغاية.
بينما أسلم وجهه إلى الله: لا زال في طريقه إلى الغاية، وهي إسلام الوجه، فهو ما زال بحاجة إلى عمل، وتقوى، وإخلاص.
فالذي أسلم وجهه لله أفضل من الذي أسلم وجهه إلى الله.
وإسلام الوجه عملية شاقة تحتاج إلى جهد كبير، وسيطرة على الشهوات، ومحاربة الشيطان؛ أيْ: أخلص نفسه، وتوجه بعبادته لله وحده.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: وهو ضمير منفصل يفيد الحصر، والتوكيد، والإحسان: يتضمن إحسان الكيف، وإحسان الكم. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة.
﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: ملة إبراهيم: شريعة إبراهيم الحنيفية.
﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً عن سائر الأديان الباطلة إلى الحق.
﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾: خليلاً من الخلة، والخلة: هي الصداقة، والمودة مع التكريم، المودة التي لا مشاركة فيها.
стр. 1021
وقيل: الخلة من الخِل، وهو طريق في الصحراء، أو طريق ضيقة في الرمل حين يسير فيه اثنان يتكاتفان، هذا التكاتف القريب جداً يمثل مقدار الود بينهما، فكلاهما متخلل للآخر بالحب والإسرار له.
سورة النساء [٤: ١٢٦]
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾:
﴿وَلِلَّهِ﴾: الواو: عاطفة.
لله: جار ومجرور، لفظ الجلالة، وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أيْ: ما في السموات وما في الأرض لله وحده لا شريك له في الملك والحكم.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ﴾: نفسها كظرف، وما فيها كمظروف: ملكاً، وخلقاً، وملائكة.
وله ما في الأرض: نفسها كظرف، وما فيها كمظروف: ملكاً، وخلقاً، وعبيداً.
﴿وَمَا فِى﴾: للعاقل، وغير العاقل.
فهو المالك مالك الملك، والحاكم معاً.
وبما أنه سبحانه له ما في السموات، وما في الأرض؛ فطاعته واجبة؛ لأنه جل وعلا هو المعبود الحق، والخالق الحق.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾: (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، كان ولا زال، وسيظل منذ الأزل إلى الأبد.
بكل شيء: الباء: للإلصاق. شيء: نكرة مهما صغر، أو كبر، وكان نوعه وشكله: هو ملكه سبحانه.
﴿بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾: علماً، وقدرة، وتدبيراً، وسيطرة، وعالماً بأعمال عباده، فهو مجازيهم على خيرها، وشرها، لا يفوته شيء مهما كان.
стр. 1022
سورة النساء [٤: ١٢٧]
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ فِى يَتَامَى النِّسَاءِ الَّاتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾:
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾: الواو: استئنافية؛ أيْ: ما زالوا يطلبون منك الفتيا في شأن النساء، ما يحل لهنَّ، أو ما يحرم عليهنَّ.
والفتيا: هي الإخبار بحكم الله عن دليل لمن سأل عنه في أمر نازل، وإذا نظرنا إلى الآية (١٧٦) في نفس السورة يقول تعالى: (يستفتونك) بدون الواو، وذلك لأن يستفتونك هذه عامة؛ أي: فيما يخطر على بالهم من الأمور من الكلالة وغير الكلالة.
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾: قل لهم أيها الرسول: الله يفتيكم فيهنَّ مباشرة، ومن دون تأخير، أو تأجيل؛ لاستنباط الحكم، أو قل لهم يا رسول الله: الله يفتيكم من جديد، فربما أخبروا بالفتوى سابقاً، وما يتلى عليكم في الكتاب في القرآن من الأحكام، كذلك يُعد فتوى لكم.
﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ فِى يَتَامَى النِّسَاءِ﴾: انتبه إلى ما طلبوا؛ هم طلبوا الفتوى في النساء عامة؛ أيْ: عامة النساء: صغيرات، أو كبيرات، يتيمات، غير يتيمات، فجاء الرد خاصاً في اليتامى من النساء، والمستضعفين من الوالدين فقط، لماذا؟
لأن الله سبحانه قد أفتاهم في النساء بما فيه الكفاية سابقاً؛ بما بين لهم من الأحكام في كتابه الكريم (القرآن).
فقد ذكر لهم أحكام الميراث، والطلاق، والزواج، والخطبة، والرضاعة.
стр. 1023
فجاء الرد في هذه المرة في يتامى النساء؛ لأن اليتيمة ضعيفة، وتحتاج إلى عون.
أما النساء الأخريات؛ فلهنَّ القدرة على الوصول إلى الفتوى الخاصَّة بهنَّ.
﴿الَّاتِى﴾: اسم إشارة تعود على يتامى النساء.
﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾: ما كتب لهنَّ؛ أيْ: ما فرض لهنَّ من الميراث، أو المهر.
﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: ترغبون: من الرغبة وهي الطلب بحرص، والرغبة قد تكون (في) أو (عن)؛ في: تعني الطلب بحرص، وعن: تعني عدم الطلب وتركه، وهنا عندنا احتمالين: الأول: ترغبون عن أن تنكحوهنَّ؛ لأنهنَّ غير جميلات مثلاً، فلا تعضلوهنَّ أن ينكحن؛ أيْ: يتزوجن بغيركم؛ (فقد كان لا يسمح لها بالزواج من غيره؛ كي لا يخسر مالها، ويصبح زوجها أولى بمالها).
الاحتمال الثاني: ترغبون في أن تنكحوهنَّ؛ لأنهنَّ جميلات، وذوات مال (فالوصي كان ينكحها، ويستمتع بمالها، ويستولي على مالها، ولا يعطيها حتى مهرها)، فالله يفتيكم ألا تفعلوا ذلك.
﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: وهذا هو الصنف الثاني: المستضعف، وهو اليتيم الذي لم يبلغ الحلم بعد، والذي فقد (مات) أباه؛ حيث كانوا لا يورثون الصغير من الغلمان، فنهاهم الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه، وللذكر مثل حظ الأنثيين.
﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾: وأن: للتوكيد.
﴿تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل؛ أيْ: تعاملوا اليتامى بالعدل، كما ذكر في أول السورة.
стр. 1024
والقِسط: هو الحكم بالعدل، وتنفيذ الحكم، وليس مجرد الحكم.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: بكسر القاف.
أما القَسط بفتح القاف؛ فيعني: الجور والظلم؛ ارجع إلى الآية (٣) في نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة. ما: شرطية.
﴿تَفْعَلُوا﴾: تقوموا به.
﴿مِنْ﴾: استغراقية تستغرق كل خير.
﴿خَيْرٍ﴾: نكرة تشمل كل خير، والخير: هو الشيء الحسن النافع؛ مثل: الإحسان، والعدل إلى المرأة، واليتيم، ومراعاة حقوقهما.
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: للتوكيد.
إن: لزيادة التوكيد.
﴿كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾: (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. يعلم النيات، والأعمال، والخفايا، وما يفعل بهؤلاء الضعفاء من خير، أو غدر، أو مكر، والله يعلم ذلك حتى قبل وقوعه، وفي كل زمان ومكان، فلا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء.
стр. 1025
سورة النساء [٤: ١٢٨]
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾:
﴿وَإِنِ﴾: الواو: استئنافية.
إن: شرطية تدل على قلة الحدوث، أو الاحتمال مقارنة بـ (إذا) التي تدل على كثرة الحدوث.
﴿امْرَأَةٌ﴾: نكرة؛ أيُّ امرأةٍ، ولم يقل: زوجة؛ لأن هناك اختلافاً في المعنى بين امرأة وزوجة. الزوجة: تعني هناك توافق بين الزوجين؛ أيْ: متكافئين في العقيدة، والدِّين، إذا حدث بينهما شيء من الاختلاف يزول.
امرأة: كلمة امرأة تستعمل حين يوجد ما يخل بالحياة الزوجية مثل هناك اختلاف مثل: عدم الاستقرار الأسري والنشوز والإعراض أو اختلاف في العقيدة؛ كقوله: امرأة فرعون، امرأة نوح، وامرأة لوط، بين الزوجين، أو قد تكون عاقراً، أو فيها مرض ما يطلق عليها القرآن امرأة. ارجع إلى سورة القصص آية (٩) لمزيد من البيان.
﴿خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾:
والخوف: هو توقع الضر المشكوك في وقوعه، وهو خلاف الطمأنينة.
стр. 1026
وهناك فرق بين الخوف والحذر؛ فالحذر: هو توقي الضرر المتوقع، سواء كان ظناً، أو يقيناً، والحذر: لدفع الضرر، والحذر: لا يدفع الخوف.
وأما الخشية: فهي خوف حقيقي؛ أي: الشيء الذي تخافه هو حقيقة، مع الشعور بعظمة الذي تخافه، مع العلم به.
والخوف: إذا اشتدّ أصبح خشية، وإذا اشتد أكثر أصبح وجَلاً.
﴿مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾: البعل: وهو الزوج، والسيد، والقائم عليها (والمنفق عليها)، والمباعلة تعني: في طياتها المحبة، والمعاشرة الزوجية. وقوله تعالى بعلها، ولم يقل زوجها؛ لوجود الاختلاف بين الزوجين بسبب النشوز وعدم الاستقرار الأسري، وكذلك ليذكرها بكلمة البعل الحامل لمعنى المعاشرة الزوجية لعلها تحن وترجع عن النشوز وتصبح زوجة.
نشوزاً: مصدر سماعي لفعل نشز ينشز، وهو مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع وظهر من الأرض.
والمفروض: أن الأرض أن تكون مبسوطة؛ فإن وجد فيها ارتفاعاً فهذا يسمَّى نشوزاً، ويعني: تكبر وارتفاع من الزوج عن زوجته؛ أي: التباعد، والكراهية، وترك مضاجعتها، والتقصير في نفقتها، والرغبة في تركها، وفراقها، وحب غيرها، سواء لكبر سنها، أو مرضها.
أو إعراضاً: أيْ: عدم الكلام إليها وتجنبها؛ كأن يكون إعراضاً بالوجه، أو إعراضاً بالبدن، ومنعها نفسه والكراهية لها.
والنشوز: قد يحصل من الزوجة، وليس من الزوج، كما قال تعالى في نفس السورة، آية (٣٤): ﴿وَالَّاتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ
стр. 1027
وَاضْرِبُوهُنَّ﴾: بأن تتكبر عليه، وتهمل واجباتها، فلا بُدَّ من علاج النشوز بمجرد وقوعه، وعدم الانتظار حتى يصعب علاجه.
﴿فَلَا جُنَاحَ﴾: الفاء: للتوكيد.
لا جناح؛ أيْ: لا أثم.
وجناح من جنح؛ أيْ: مال عن القصد، وسُمِّيَ الجناح إثم؛ لأنه ميل عن الحق. عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً: الزوج والزوجة. ارجع إلى الآية (١٠١) من سورة النساء؛ للبيان.
﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾: أصلها يتصالحا، ثم أدغمت التاء في الصاد، وقد تعني: يصلحا من أصلح، والإصلاح: يبدأ بمجرد ما تشعر الزوجة بنشوز زوجها، تبحث عن الأسباب؛ فإذا كانت هذه الأسباب تعود إليها مثل: تقصيرها في حق زوجها، أو معاملتها السيئة، أو غيره تحاول أن تتجنب ذلك، وإن كانت أسباب قاهرة، مثل: كبرها، أو مرضها، أو جمالها؛ فيمكن أن تتنازل عن شيء من حقوقها من قبيل الإحسان، مثلاً: تتنازل له عن حقها في الفراش، أو النفقة، أو غيرها، أو تسمح له بالزواج، وتبقى كزوجة له، ولها حق النفقة والصحبة مثلاً، بدلاً من الطلاق، أو الفضيحة.
﴿صُلْحًا﴾: تقديره فيصلح الأمر صلحاً، بأي نوع من أنواع الصلح يمكن القيام به، أو التوصل إليه خير من الدوام على العشرة بالنشوز؛ أي: الإعراض.
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾:
﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: خير من الفرقة، والطلاق، أو استمرار النشوز والإعراض، وسوء المعاشرة والخصومة.
﴿الشُّحَّ﴾: هو أشد البخل مع شدة الحرص على منع الخير.
стр. 1028
﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ﴾: يعني: الشح كان في الأنفس، ولم يقل: النفوس. النفوس تعني: كل نفس، أما الأنفس: فلا تعني كل نفس قبل أن تحضر، أو تجيء للصلح، أو قبل النشوز، أو هي مطبوعة عليه، أو جُبلت عليه لا يغيب عنها، أو هو يسيطر عليها.
وكلمة الأنفس: تدل على أن الشح يشمل الجنس البشري من: رجال، ونساء، وأطفال، وشيوخ.
وموجود في معظم الأنفس البشرية: فالمرأة تشح على زوجها، والزوج يشح على زوجته، وكلاهما بخيل على الآخر.
وهذا ليس فرضاً من الله، أو هو خلقها سبحانه كذلك، وإنما هي اختارت أن تكون شحيحة، وهو سبحانه شاء لها ذلك أيضاً، فهناك نفوس كريمة تعفو وتصفح، ونفوس شحيحة، فالشح يؤدِّي إلى عدم تنازل أحد الزوجين للآخر عن أيِّ شيءٍ من الحقوق، والكل يطمع أكثر فأكثر، فيؤدِّي ذلك إلى الطلاق، وتفكك الأسرة، وإهانتها.
﴿وَإِنْ﴾: إن: شرطية؛ تدل على الاحتمال، والندرة في الحدوث.
﴿تُحْسِنُوا﴾: معاشرتهن وتصبروا، وتحسنوا إلى بعضكم بعضاً، كما أوصاكم الله سبحانه، وتتركوا النشوز وعدم نسيان الفضل بينكم وكيف أفضى بعضكم إلى بعض.
﴿وَتَتَّقُوا﴾: الظلم، والجور من كلا الطرفين.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾:
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: للتوكيد. إن: لزيادة التوكيد.
стр. 1029
﴿كَانَ﴾: تفيد الماضي، والحاضر، والمستقبل، وكون ذاته خبيراً: فهي صفة ملازمة لذاته من الأزل.
﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: الباء: للإلصاق.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: تشمل الأفعال، والأقوال، وقدَّم كلمة تعملون على كلمة (خبيراً)؛ لأن السياق في أعمال العباد.
وما: مصدرية، أو اسم موصول بمعنى الذي.
﴿خَبِيرًا﴾: يعلم نواياكم وبواطن أموركم، وخبير بذات الصدور، وأحاط علمه بكل شيء، وبخلقه وكونه.
سورة النساء [٤: ١٢٩]
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾:
﴿وَلَنْ﴾: الواو: استئنافية. ولن: حرف نفي، ينفي المستقبل القريب والبعيد، وليس النفي المؤبد.
﴿تَسْتَطِيعُوا﴾: الاستطاعة: تعني القدرة، ولكن الاستطاعة أخصّ من القدرة، فكلّ مستطيع قادرٌ، وليس كل قادر بمستطيع، والقدرة من الاستطاعة، والاستطاعة هنا هي الاستطاعة المعنوية القلبية، وليست الاستطاعة المادية (كالنفقة، والمأكل، والمشرب، والكسوة، وقضاء الوقت عند هذه، أو تلك).
﴿أَنْ﴾: للتوكيد.
﴿تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾: من العدل، ويقصد بالعدل هنا: العدل العاطفي القلبي؛ أي: الحب، فهذا الأمر صعب، أو مستحيل، ولذلك لا يطالب
стр. 1030
به الشرع، أمّا العدل في النفقة، والموآنسة، والملبس، والمعاملة الحسنة، فهذا ما يطالب به الشرع.
﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: فلا: الفاء: للتوكيد. لا: النافية للحال، والاستمرار والاستقبال.
﴿فَلَا تَمِيلُوا﴾: ميلاً عاطفياً قلبياً، لا تستطيعون السيطرة عليه، رغم أن الميل العاطفي مباح لكم، ولكن لا ينبغي أن يكون الميل العاطفي القلبي سبباً إلى الإخلال بالنفقة، أو سبباً للمعاملة السيئة، أو الظلم للزوجة الأخرى.
﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾: أيْ: كالعازبة من دون زوج، فتتزوج أو المتزوجة لها زوج، ولكن لا يُحسب زوجاً لها؛ لأنه لا يعاملها كزوجة له.
﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: وإن: الواو عاطفة. إن: شرطية.
﴿تُصْلِحُوا﴾: معاشرتهن وتعاملوهن بالعدل، ورفع الظلم، وتتجنبوا الأسباب التي أدت بها إلى كونها كالمعلَّقة؛ فتصلحوها.
﴿وَتَتَّقُوا﴾: الله سبحانه، وتطيعوا أوامره بالمعاملة بالمعروف والإحسان، وتتجنبوا نواهيه من الظلم، والجور.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: فإن: الفاء: للتوكيد، إنّ: لزيادة التوكيد.
﴿كَانَ﴾: تفيد الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾: أي: يغفر لكم ميل القلب، وما ليس باستطاعتكم؛ لأنه سبحانه غفوراً رحيماً؛ ارجع إلى الآية (٢٥) في سورة النساء لمزيد من البيان.
стр. 1031
سورة النساء [٤: ١٣٠]
﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية تدل على احتمال الحدوث، أو قلة.
﴿يَتَفَرَّقَا﴾: من الفرق خلاف الجمع؛ أي: يتفرقا الزوجان بالطلاق بعد فشل الصلح، وكل المحاولات.
﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾: من رزقه وفضله، يرزقُ كليهما، ويغني أحدهما عن الآخر، بحيث لم يعد يحتاج أحدهما إلى الآخر، ويذهب كلٌّ في سبيله، ويعوض الله الزوجة بما هو خيرٌ لها منه، ويعوض الله الزوج بما هو خير له منها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾: و (كان): تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
الواسع: الذي وسع كل شيء علماً، ووسع خلقه برزقه، وعفوه، ورحمته؛ كرماً، وحلماً، واسع الملك، والفضل، والإحسان، عظيم الجود، والكرم.
﴿حَكِيمًا﴾: في تدبير خلقه، وكونه، وكل شيء، ذو الحكمة البالغة، فهو الحاكم، والحكيم، وهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (٢٩) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة النساء [٤: ١٣١]
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾:
﴿وَلِلَّهِ﴾: الواو: استئنافية. لله: جار ومجرور اسم الجلالة، يدل التقديم عليه قصراً، وحصراً، وتوكيداً، له: ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: واللام: في لله: تفيد الملكية.
стр. 1032
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: ما: اسم موصول؛ أي: الذي في السموات، والذي في الأرض؛ للعاقل، ولغير العاقل، فهو المالك، والحاكم، والملك الحق؛ أيْ: له (السموات)، (وما في السموات) خلقاً، وملكاً، وجنداً.
وله: الأرض، وما في الأرض، فالظرف والمظروف؛ ملكه سبحانه، لا يشاركه فيه أحد.
﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾: لم يقل شرّعنا، أو فرضنا، وصينا فيها إشعار بقرب الموصي للموصى إليه؛ أيْ: عهدنا. ارجع إلى الآية (١١) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أيْ: أهل التوراة، والإنجيل (اليهود، والنصارى)، وسائر الكتب، والكتاب: اسم للجنس يشمل كل الكتب السماوية من قبلكم؛ أيْ: وسائر الأمم المتقدِّمة.
﴿وَإِيَّاكُمْ﴾: ضمير منفصل معطوف على: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
﴿أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أن: مصدرية، تفيد التوكيد.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أيْ: أطيعوا أوامر ربكم، واجتنبوا نواهيه، وقيل: ﴿أَنِ﴾: هي المفسرة للوحي، والتي هي اتقوا ربكم ووحّدوه بما أوصاكم به، وإن تكفروا نِعَمُهُ وإحسانه، وأن تعرضوا عن طاعته، وتتجنبوا نواهيه، فإن لله ما في السموات، وما في الأرض.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾: عنكم، وعن عبادتكم، وطاعتكم، ولا تضروه شيئاً، فهو ذو الغنى والحمد؛ لأن له كلَّ ما في السموات والأرض.
﴿حَمِيدًا﴾: المحمود: من جميع صفات الحمد كلها، ومحموداً في صنعه
стр. 1033
سواء حمدتموه، أم لم تحمدوه، فهو صاحب الحمد، ومستحقه في كل الأحوال، حميداً من الأزل إلى الأبد.
سورة النساء [٤: ١٣٢]
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾:
في هذه الآية كرر تعالى فيها الإعلان عن استحقاقه الحمد، والغنى، وأنه المعبود الحق؛ لأنه مالك كل شيء، ما في السموات، وما في الأرض، ولقيوميَّته عليها، وهو في الحقيقة ليس تكرار، كما سيأتي بعد قليل.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: بالله: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
الوكيل: هو الكافي يفوض إليه الأمر كله، والمتولي تدبير خلقه بعلمه، وكمال قدرته، وحكمته الذي يكفيكم، ويغنيكم عن كل ما سواه؛ أيْ: هو المعين على كل شيء، والقادر المقتدر على فعل ذلك وحده؛ لأنه مالك كل شيء، والقائم عليه، وهو الحفيظ. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان.
وتكرار هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ في الآية (١٢٦)، والآية (١٣٠)، والآية (١٣١)، والآية (١٣٢): له دلالات بيانية مختلفة:
ففي الآية (١٢٦): فيها تحذير وإنذار بأن تعلموا بأن: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾: محيطاً بما تقولون، وتفعلون.
وفي الآية (١٣٠): ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾؛ لأن لله ما في السموات وما في الأرض، فهو قادر على إغناء الزوج والزوجة من سعته إذا حدث الطلاق، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾.
وفي الآية: (١٣١): فهي استجابة أو رداً على قوله تعالى: أن اتقوا ربكم
стр. 1034
وإن تكفروا فإن الله غني عنكم وعن إيمانكم؛ لأن: ﴿لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾.
وفي الآية: (١٣٢): هي استجابة، أو رداً على قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِئَاخَرِينَ﴾ أفضل منكم؛ لأنه سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
سورة النساء [٤: ١٣٣]
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِئَاخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾:
﴿إِنْ﴾: شرطية.
﴿يَشَأْ﴾: من المشيئة، وهي المرحلة التي تسبق الإرادة. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (٢٧)؛ للبيان.
﴿يُذْهِبْكُمْ﴾: يهلكّم، أو يميتكم، أو يقضي عليكم.
﴿وَيَأْتِ بِئَاخَرِينَ﴾: أفضل منكم، أو خلق جديد مغاير لخلقكم.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: (كان) تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿عَلَى ذَلِكَ﴾: ذلك: اسم إشارة للبعيد، تشير إلى الذهاب بكم، وإلى فنائكم.
﴿قَدِيرًا﴾: صيغة مبالغة من قادر؛ الذي لا يعجزه شيء، كامل القدرة. القادر: ﴿يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٢٠].
سورة النساء [٤: ١٣٤]
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾:
﴿مَنْ﴾: شرطية، وجواب الشرط جملة: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
﴿كَانَ يُرِيدُ﴾: للتأكيد.
стр. 1035
﴿يُرِيدُ﴾: جاء بفعل مضارع، ولم يقل: أراد، من أراد ثواب الدنيا؛ ليدل على استمراره في إرادة الدنيا وطلبها، فهو لا يشبع منها.
﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: الثواب: المكافأة على عمل معين في الخير، أو الشر، وكلمة الثواب تشير غالباً إلى الخير والثواب، قد يأتي بمعنى العقاب، ولا ثواب من دون عمل. ارجع إلى الآية (١٠٣) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾: أيْ: نعيمها بالمال، والجاه، والزينة، والشهرة، وغيرها.
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: يُبين الله سبحانه لمن يرجو فقط ثواب الدنيا، أنه يمكن له أن يحصل على ذلك، وعلى ثواب أعظم من ذلك، وهو ثواب الدنيا والآخر معاً.
وهذا من عظمته ، وفضله، ورحمته: أن جعل ثواب الدنيا جائزة لمن يعمل للآخرة، وأما من أراد أن يكتفي بثواب الدنيا فله ذلك، ولكنه من الحماقة أن يُعطى له ثوابين، ثم يُقصر جهده، وعمله على جزاء واحد، أو ثواب واحد، وهو أدنى الثوابين، وهذا ما يقوم به عادة الكافر، والمشرك، والمنافق.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: (كان) تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿سَمِيعًا﴾: لكل ما يقوله عباده وخلقه، ويسمع ما في الكون من سر وعلن.
﴿بَصِيرًا﴾: يبصر كل شيء مهما دقَّ، أو صغر، أو كبر، أحاط بصره بجميع المبصرات، وبصير بما تعملون.
стр. 1036
سورة النساء [٤: ١٣٥]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء من الله للذين آمنوا بتكليف جديد، وهو: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾.
﴿قَوَّامِينَ﴾: جمع قوّام (وليس قائم)؛ قوّام: صيغة مبالغة لقائم، فلم يقل: كونوا قائمين، بل ﴿قَوَّامِينَ﴾: ومن قام بالشيء فعله، وقوامين: تدل على كثرة القيام؛ أيْ: كونوا: ﴿قَوَّامِينَ﴾: بالقسط؛ بكثرة، واستمروا على ذلك، وابذلوا جهدكم.
﴿بِالْقِسْطِ﴾: لغةً: هو الحظ والنصيب، ويستعمل في سياق الموازين، وكذلك القسط: هو الحكم بالعدل، وإزالة ورفع الظلم عن المظلوم. ارجع إلى الآية (٣) في نفس السورة.
أما العدل: فهو الحكم بالحق، والمساواة في الأحكام: إعطاء كل ذي حق حقه؛ فلا يكفي الحكم، بل لا بُدَّ من تطبيق الحكم، وهذا يعني: بالقسط.
فهناك فرق بين العدل، والقسط: كلاهما يعني: المساواة والإنصاف، ولكن العدل: هو الحكم بالعدل، والقسط: هو إظهار العدل؛ أي: تطبيق العدل، وتنفيذه باستعمال الميزان وغيره من الوسائل، وعدم الاكتفاء بإصدار الحكم.
﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾: جمع شاهد، شهداء بالحق، دون تحريف، أو زيغ ابتغاء
стр. 1037
مرضاة الله. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٣)؛ لمزيد من البيان في معنى شهداء، وقدم في هذه الآية قوامين بالقسط على شهداء لله، بينما في الآية (٨) في سورة المائدة قدم قوامين لله على شهداء لله؛ انظر في نهاية تفسير الآية إلى الفرق بين الآيتين.
﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾: الواو: عاطفة، لو: حرف شرط.
﴿وَلَوْ﴾: تفيد البعد؛ لأن الإنسان أبعد شيئاً أن يشهد على نفسه، وانتبه إلى قوله : ﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾: ولم يقل: لأنفسكم؛ تعني: لمصلحة أنفسكم، فقوله: ﴿عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾: أيْ: وإن كانت الشهادة ضدكم، ولغير مصلحتكم.
﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: أيْ: حتى لو كانت الشهادة؛ أيْ: شهادتكم ضد أبويكم، أو ضد أقاربكم، أو أقرب الخلق إليكم؛ فإياكم أن تشهدوا مودةً، أو تعصباً.
﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾:
﴿إِنْ﴾: شرطية.
﴿يَكُنْ﴾: المشهود عليه، أو المشهود له.
﴿غَنِيًّا﴾: فلا يراعى لأجل غناه، أو طمعاً في ماله، أو استجلاباً لمنفعة، أو دفعاً لمضرة، فيترك الشهادة عليه.
﴿أَوْ فَقِيرًا﴾: كذلك لا يراعى لأجل فقره، أو رأفة به، وإشفاقاً عليه، فلا تشهد عليه.
﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾: أيْ: أنت أيها العبد، لم تخلق أحدهما، فالله أحقُّ بهما؛ أيْ: بالنظر إليهما من ناحية الغنى والفقر؛ أيْ: هذه إرادة الله في أن يكون غنياً،
стр. 1038
أو فقيراً، فلا تتأثر بحالهما، بل اشهد بالحق، وأما بالنسبة للصدقة؛ فهذا موضوع آخر.
﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾: فتنحازوا إلى الغني، أو إلى الفقير، فلا دخل للشهادة بالغنى، أو الفقر، والهوى تعريفه: هو:
﴿الْهَوَى﴾: هو ميل النفس إلى شيء تحبه وتهواه، بغض النظر عما أمرَ الله تعالى، أو نهى عنه، والهوى يختلف من شخص إلى آخر، فالأهواء مختلفة، والهوى غالباً ما يكون مذموماً، أو باطلاً؛ أيْ: بعيداً عن الحق، وبلا دليل.
﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التوكيد؛ أيْ: تقيموا الشهادة بحق وإخلاص، وتتجنبوا الزيغ والهوى.
﴿غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾: أو: تفيد في تصريف المعنى على أربعة أوجه:
الأول: الخصم الأول: غني، والخصم الثاني: غني.
الثاني: الخصم الأول: فقير، والخصم الثاني: فقير.
الثالث: الخصم الأول: فقير، والخصم الثاني: غني.
الرابع: الخصم الأول: غني، والخصم الثاني: فقير.
وتصريف آخر:
الأول: الله أولى بغنى الغني، وفقر الفقير، مهما كانت درجة غناه، ومهما كانت درجة فقره.
الثاني: أيُّ غني، أو أيُّ فقير (نكرة)، فالله كذلك أولى بهما.
﴿وَإِنْ تَلْوُا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية. إن: شرطية.
стр. 1039
﴿تَلْوُا﴾: في الشهادة، والتي هي التحريف؛ أيْ: وإن تحرِّفوا الشهادة، أو تعمدوا إلى الكذب.
﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾: من الإعراض؛ أي: الامتناع عن أداء الشهادة؛ لكونه يخاف من المشهود عليه، أو يمتنع عنها؛ ضراً بالمشهود له، والإعراض يعني: كذلك الكتمان، أو يعرض عن الشهادة؛ لكون الشهادة ترجح الطرف الذي يعاديه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: ٨].
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء: للتوكيد، وإن: لزيادة التوكيد.
﴿كَانَ﴾: كان، وما زال، وسيظل تشمل كل الأزمنة.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: تشمل الأفعال، والأقوال.
﴿خَبِيرًا﴾: عليماً بكل شيء، ببواطن الأمور وظواهرها، يعلم ما تسرونه، وتقولونه، وتفعلونه.
وقدَّم كلمة: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ على كلمة: ﴿خَبِيرًا﴾: لأن السياق في الشهادة والأعمال.
لنقارن آية سورة النساء، آية (١٣٥): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
مع الآية (٨) من سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾:
في النساء قدَّم: ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ على ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾.
وفي المائدة قدَّم: ﴿قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾ على ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾.
стр. 1040
لأن الآية في سورة النساء جاءت في سياق نشوز الرجال، والإصلاح بين الزوجين، ومعاملة اليتيم، والمستضعفين من الولدان، وقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾: إذن السياق والحديث هنا عن القسط، والعدل، فناسب ذلك تقديم القسط؛ أيْ: كونوا قوامين بالقسط بين الأزواج، واليتيم، والمستضعفين من الولدان، وعند الصلح.
أمّا الآية في سورة المائدة: فسبقها ذكر ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، والعهود، والدَّين، والمحرمات.
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾.
إذن جاءت في سياق العقود، والعهود، والمواثيق؛ فناسب ذلك الوفاء بما أمركم الله تعالى، وتجنب ما نهاكم عنه، ولذلك قدَّم قوامين لله؛ أيْ: بالوفاء بالعهود، والعقود، والمواثيق أولاً، وهو الأهم، وأخر القيام بالقسط.
وهناك فرق بين ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾، و: ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾: هناك فرق بين أن تكون أنت المتهم، أو الجاني؛ أي: المشهود عليه، كما في سورة النساء، وبين أن تكون أنت الشاهد، كما في سورة المائدة.
سورة النساء [٤: ١٣٦]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء للذين هم على درب الإيمان بأمر جديد، أو تكليف، أو حكم، والهاء: للتنبيه.
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: انتبه هنا! ناداهم بـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم يقول لهم: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
стр. 1041
﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: لا تعني هنا: الإيمان الأول، وإنما تعني: استقيموا على إيمانكم، وارتقوا في درجاته، والثبات عليه.
والباء: ﴿بِاللَّهِ﴾: للإلصاق. آمنوا بوحدانيته، وألوهيته، وربوبيته، وأسمائه وصفاته.
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾: أي: القرآن الكريم نزل على رسوله ﷺ ؛ أيْ: منجَّماً على دفعات استمرت ٢٣ عاماً.
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِى أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾: الكتاب: اسم جنس، يشمل كل الكتب السماوية الأخرى التي نزلت قبل القرآن، مثل: التوراة، والإنجيل، والزبور، والصحف.
وقوله سبحانه: ﴿وَالْكِتَابِ﴾: بدلاً من الكتب؛ إشارة إلى أن الكتب كلها تعتبر واحدة، وتمثل كتاباً واحداً، ورسالة واحدة.
﴿أَنْزَلَ﴾: تعني: جملة واحدة، دفعة واحدة، وفي هذه الآية كذلك دعوة لأهل الكتاب بالإيمان الصحيح؛ أيْ: آمنوا بالله ورسوله محمد ﷺ ، والقرآن.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة. من: شرطية.
﴿يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾: جاء بالفعل المضارع، ولم يقل: ومن كفر بالماضي؛ لأن الذي كفر ربما تاب من كفره وانتهى، وأما من يكفر؛ فإنه يستمر في كفره، أو يكفر من جديد، أو يعود إلى الكفر.
﴿بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أركان الإيمان الخمسة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٧٧)؛ للبيان.
стр. 1042
﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد. قد: للتحقيق، وزيادة التوكيد.
﴿ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ارجع إلى الآية (١١٦) في نفس السورة؛ للبيان.
سورة النساء [٤: ١٣٧]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾:
اختلفوا فيمن نزلت: قالوا نزلت في اليهود الذين آمنوا بالتوراة، وبموسى، ثم كفروا بالإنجيل، وبعيسى، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد ﷺ ، وبالقرآن، وقيل: هم المنافقون الذين آمنوا، ثم ارتدوا، ثم ماتوا وهم كفار.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾: لم تبين الآية من هؤلاء الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا، وذلك سواء أكانوا من المسلمين أم المنافقين أم اليهود أم النصارى، ويعني: آمنوا بهذا وكفروا بذلك؛ أي: آمنوا بموسى أو بعيسى وكفروا بمحمد، أو آمنوا بالتوراة أو الإنجيل وكفروا بالقرآن، و آمنوا ثم ارتدوا عن دينهم، أو أظهروا الإيمان وأخفوا الكفر، أو آمنوا ببعض وكفروا ببعض ولم يستقيموا على الهدى؛ ثم ازدادوا كفراً: وكانت هذه محصلة حياتهم وماتوا وهم على الكفر.
﴿لَّمْ يَكُنِ﴾: لم: حرف نفي، ينفي عنهم الغفران، ولم: تنفي الحال، والمستقبل، وثم: تفيد الترتيب العددي.
﴿اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾: اللام: في ﴿لِيَغْفِرَ﴾: تفيد توكيد النفي؛ ليغفر لهم، ويمحو عنهم سيئاتهم.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. لا: نافية أقوى بالنفي من (لم)، وتنفي الماضي، والحاضر، والمستقبل.
стр. 1043
﴿لِيَهْدِيَهُمْ﴾: اللام: للتوكيد، سبيلاً وطريقاً إلى الهداية.
ويبدو أن هؤلاء ماتوا وهم كفار، فلن يغفر الله لهم، ولا يهديهم سبيلاً إلّا طريق جهنم، أو هم من الذين ضرب الكفر على قلوبهم، وارتدوا عن الإسلام أكثر من مرة، ولم يستحقّوا المغفرة، وتمادوا في كفرهم، أو من طبقة المنافقين الذين أعلنوا الإيمان، وأبطنوا الكفر حتى ماتوا، وهم على هذه الحالة من النفاق.
وقوله: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾: بدلاً من: ولا ليهديهم طريقاً، كما ورد في الآية (٦٩) من نفس السورة.
فكيف استعمل كلمة ﴿سَبِيلًا﴾: التي تحمل معنى الخير غالباً بدلاً من (طريقاً) التي تحمل معنى الشر في القرآن؛ لأنَّ هؤلاء عرفوا السبيل مرتين، آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا.
فالله سبحانه لن يهديهم مرة أخرى إلى سبيل مثل السبيل الذي عرفوه سابقاً، حين عادوا إلى الإيمان، ثم عادوا إلى الكفر، أو تحمل معنى: التقريع، والتوبيخ، أو السياق في الآيات حيث ذكرت كلمة سبيلاً في هذه السورة حوالي (١١) آية، وسبيل حوالي (١٦) آية.
سورة النساء [٤: ١٣٨]
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾:
﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾: بشِّر: البشارة عادةً تحمل أو تأتي بخير، أو خبر يُسر، ولأول مرة، واستعملت مع المنافقين في أسلوب تهكمي.
وكان يمكن القول: أنذر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً.
المنافقين: جمع منافق: وهو الذي يتظاهر للناس بالإيمان، ولكنه يبطن الكفر، ويخشى أن يكشفه الناس، فهو يقول بلسانه ما لا يعتقده قلبه، وهو أشد كفراً وشراً من الكافر نفسه.
стр. 1044
كلمة المنافق: مشتقة من نافقاء اليربوع، وهو حيوان يشبه الفأر، ويسكن في الصحراء، يحفر لنفسه نفقاً في الأرض، له بابان لا تدري من أي باب يخرج؛ كالمنافق له وجهان، يظهر الإيمان، ويبطن الكفر.
﴿بِأَنَّ﴾ الباء: للتوكيد، وأن: لزيادة التوكيد.
﴿لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: اللام: لام الاستحقاق. عذاباً أليماً: في نار جهنم، شديد الإيلام، لن يقدروا على طاقته.
سورة النساء [٤: ١٣٩]
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم إشارة، نصب يفيد الذم، ويجوز أن يرفع بمعنى هُمُ الذين.
﴿يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: يتَّخذون: من اتّخذ، والاتّخاذ: هو الجعل، والتصيير، وفيها معنى الاستمرار؛ أيْ: هم يستمرون في اتّخاذ الكافرين أولياء، وكذلك فيها معنى الاختيار والاصطفاء؛ أيْ: هم يجعلون الكافرين أولياء بمحض إرادتهم، واختيارهم، ولا أحد يجبرهم على ذلك.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي: وهو الذي يليك؛ أي: المعين.
﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أيْ: من غير المؤمنين، أو بدلاً من اتّخاذ المؤمنين أولياء؛ اتّخذوا الكافرين.
﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾:
﴿أَيَبْتَغُونَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري.
﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ﴾: يلتمسون عندهم؛ أيْ: عند الكافرين.
﴿الْعِزَّةَ﴾: ولها أنواع: القوة (الغلبة والنصر)، والحماية، والمنع، والقهر.
стр. 1045
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: تعليلية. إن: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التوكيد.
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: عزة القوة، وعزة القهر، والغلبة، والمنعة، كلها لله وحده سبحانه، وجميعاً: تفيد التوكيد.
في هذه الآية قال تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾.
وفي سورة المنافقون، آية (٨): ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
فلا تعارض بين هذه الآية، وبين الآية في سورة النساء.
﴿الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: لأنه هو مالكها، ولله سبحانه وحده العزة جميعاً، حصراً، وقصراً، لكنه يُؤتي العزة لعباده بفضله عليهم، أو تفضلاً عليهم، ولمن يشاء منهم، ولكن عزتهم عزة زائلة، ومحدودة تنتهي بانقضاء آجالهم، وليس كعزة الله سبحانه الدائمة.
سورة النساء [٤: ١٤٠]
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾:
﴿وَقَدْ﴾: الواو: استئنافية. قد: للتحقيق، والتوكيد.
﴿نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ﴾: أيْ: في القرآن الكريم.
﴿أَنْ﴾: للتوكيد.
﴿إِذَا﴾: ظرفية بمعنى: حين، وتحمل معنى الحتمية، وكثرة الحدوث.
﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: آيات القرآن.
﴿يُكْفَرُ بِهَا﴾: يجحدون بها، أو ينكرونها.
﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾: أيْ: يحقرونّها ويستخفونّها.
стр. 1046
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد. لا: الناهية.
﴿تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾: فلا تجلسوا معهم.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية؛ أيْ: حتى يخوضوا في حديث آخر.
﴿يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾: حتى يتحدثوا بحديث آخر؛ لأنكم إذا لم تنكروا عليهم كنتم كالراضين عنهم، و ﴿يَخُوضُوا﴾: مشتقة من الخوض في الماء، وحين تخوض في الماء لا تعلم إن كانت هناك حفرة، أو تزل قدَمُك، والخوض قد يكون في الباطل.
﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾:
﴿إِنَّكُمْ﴾: للتوكيد.
﴿إِذًا﴾: حرف جواب يفيد التوكيد، جالستموهم على ما هم عليه، ولم تنكروا عليهم أقوالهم وأفعالهم، وقعدتم معهم؛ فأنتم مثلهم.
﴿إِذًا﴾: تعني: أيْ: مثلهم.
فأنتم ﴿مِّثْلُهُمْ﴾: والمماثلة: في العصيان، والنفاق، والكفر.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى جَهَنَّمَ﴾: في جهنم: اسم من أسماء النار. ارجع إلى الآية (٩٧) من هذه السورة؛ للبيان.
وقدَّم المنافقين؛ لأنهم أشد كفراً، وسوءاً من الكافرين.
стр. 1047
سورة النساء [٤: ١٤١]
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: تعود على المنافقين.
﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾: التربُّص: هو الانتظار (طول الانتظار)، مع المراقبة، والرصد؛ لما يحدث لكم، أو يحل بكم من مكروه، أو فتح.
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للتوكيد، إن: شرطية.
﴿كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾: لكم: الخطاب للمؤمنين؛ نصر (من دون قتال) وغنيمة؛ لأن النصر من عند الله مهما كانت العدَّة والعدد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
﴿قَالُوا أَلَمْ﴾: الهمزة: استفهام، وتعجب.
﴿نَكُنْ مَّعَكُمْ﴾: مظاهرين لكم، مؤيدين، فأسهموا لنا في الغنيمة؛ أيْ: أعطونا من الغنيمة.
﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ﴾: اللام: لام الاستحقاق، والاختصاص.
﴿نَصِيبٌ﴾: قسم من الغنيمة، والنصيب يكون في الخير أو الشرع، ويعني: قسم من الغنيمة، أو الظفر، أو مجرد غلبة مؤقتة.
стр. 1048
ويجب الانتباه هنا! كيف عبَّر الله سبحانه عن انتصار المؤمنين بالفتح، وعن انتصار الكافرين بأنه نصيب وحظٌّ لن يدوم طويلاً.
﴿قَالُوا﴾: أي: المنافقون؛ قالوا للكافرين.
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام، فيه تعجب، لم: نافية.
﴿نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾: من استحوذ على الشيء؛ أيْ: حازه، أو جعله في حيزه، وملَكَهُ، ألم نتمكن من قتلكم، فأبقينا عليكم؛ أيْ: كان باستطاعتنا أن نخرج ونحارب مع المؤمنين، ونتمكن من قتلكم، والقضاء عليكم، ولكننا لم نفعل ذلك، حفظاً لأرواحكم.
﴿وَنَمْنَعْكُم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أن يظفروا بكم، أو يقتلوكم بعدم مظاهرتهم، أو تثبيطهم من الخروج إليكم وقتالكم.
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أيْ: بين المؤمنين والمنافقين؛ فيجازي كلاً على عمله.
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾:
﴿وَلَنْ﴾: الواو: عاطفة. لن: لنفي المستقبل القريب، والمستقبل البعيد.
﴿يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾: بالظهور، أو الحُجَّة، أو الاستيلاء، أو الاستئصال.
وإذا حصل للكافرين ظفر، أو نصر، فهو مؤقت، وعلى شرط أن يتمسك المؤمنون بدينهم، وكتابهم، وسنتهم.
يجب الانتباه إلى أن كلمة ﴿سَبِيلِ﴾: تكررت في سورة النساء (١٦) مرةً، وكلمة ﴿سَبِيلًا﴾: تكررت في سورة النساء (١١) مرةً.
стр. 1049
سورة النساء [٤: ١٤٢]
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾: الخداع: هو نوع من الحيلة والمكر، بحيث تظهر للآخر خلاف الحقيقة، أو تستر عنه الصواب؛ لكي يجلب لنفسه منفعة، ويدفع مضرةً، وتكون عادة في الخفاء.
كيف يخادعون الله تعالى، وهم في الحقيقة يخادعون المؤمنين؟
لأن خداعهم للمؤمنين يعتبر خداعاً لله ، فهم في تصورهم يخادعون المؤمنين بإظهار إيمانهم، والجلوس مع المسلمين، والذهاب إلى المساجد، واستماعهم للقرآن، والحديث.
وكلمة يخادعون: مشتقة من يخادع، بوزن يفاعل؛ تدل على شدة المخادعة، والمفاعلة، وكثرتها، والعزم على تكرارها، ولم يقل: يخدعون، وإنما يخادعون.
﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾: جملة فعلية، تدل على التجدّد، والتكرار بعكس يخدعون التي قد تدل على عدم القصد، وعدم التكرار.
﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾: أيْ: مجازيهم على خداعهم، وهو خادعهم جملة اسمية تدل على الثبوت، وعدم التغيير، والجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية، فالله سبحانه أقوى منهم.
والسؤال هنا: هل الله سبحانه يخدع؟ أو يحتاج إلى ذلك؟
والجواب: حاشا لله أن يخدع، وليست من صفاته الخداع، ولا حاجة له به. إذن فكيف ينسب الخداع، أو المكر له ، كما في قوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]؟
стр. 1050
الجواب: هذا الأداء البياني يسمَّى المشاكلة في اللفظ، والله سبحانه لا يضرُّه كيدهم شيئاً، بل بالعكس، ويؤخر عنهم العقوبة؛ ليزدادوا إثماً، ومأواهم الدرك الأسفل من النار.
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾: إذا: شرطية زمانية؛ تدل على كثرة الحدوث.
﴿كُسَالَى﴾: من الكسل: هو التراخي في أداء المهمة، فهم يُصلون بتثاقل ورياء، وكراهية.
﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾: يصلون لكي يراهم الناس، وللسمعة فقط، وليس لوجه الله، ولكي يحمدوهم، ويثنوا عليهم.
﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: فهم لا يصلّون، ولا يذكرون الله إلّا أمام الناس فقط، أما إذا كانوا غائبين عن أعين الناس فهم نادراً ما يصلّون، أو يسبحون الله، أو يحمدونه، أو يذكرونه.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿وَلَا يَذْكُرُونَ﴾: لا: النافية.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: أي: العدد القليل منهم من يذكر الله ، أو أن كمية ذكرهم لله تعالى قليلة جداً.
سورة النساء [٤: ١٤٣]
﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾:
﴿مُّذَبْذَبِينَ﴾: متردِّدين بين المؤمنين، وبين الكافرين؛ أي: الجانبين أقوى؛ لكي يميلون إليه.
стр. 1051
﴿مُّذَبْذَبِينَ﴾: المذبذب: كالمعلّق في خيط متدلٍّ غير ثابت، تقذفه الريح من ناحية إلى أخرى.
أيْ: كالبندول: وهو رقَّاص الساعة (الذي نراه في الساعات القديمة).
وتدل الكلمة على التحرك والاضطراب، وعدم الاستقرار، وهذه هي حالة المنافق المضطرب نفسياً، لا يستقر على الكفر، أو على الإيمان.
أو المذبذب: مشتقة من ذب، ومذبة الذباب.
والمذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين؛ فيحرك يده أمام وجهه يمنة ويسرة؛ كي يمنع عودة الذباب، وهذه حالة المنافق لا ينسب إلى المؤمنين، ولا ينسب إلى الكفار.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾: ومن: الواو: استئنافية.
﴿وَمَنْ﴾: اسم شرط جوابه: فلن تجد له سبيلاً.
﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: الله سبحانه، لا يضل عبداً أبداً، بل يرسل الرسل والكتب، ويبين له طريق الهدى، وطريق الضلال، وميّزه بالعقل، وترك له الخيرة، فمن يصر على عدم الإيمان يتركه على ضلاله وعماه، والله قادر على أن يجبره على الإيمان قهراً، ولكنه -جل وعلا- لم يشأْ ذلك، وترك له حرية الاختيار؛ فإن اختار طريق الإيمان أعانه على ذلك؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. وأما إذا اختار طريق الضلال فتركه في تيه الضلال، وسيطرة الشيطان والهوى.
﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد. لن: حرف نفي، ونصب، واستقبال؛ لنفي المستقبل القريب والبعيد.
стр. 1052
﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾: أيْ: لا تجد لهدايته، وعودته إلى الإيمان ﴿سَبِيلًا﴾: أيْ: طريقاً.
هذه الآية: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾:
ترسم صورة فنية رائعة للمنافقين الذين هم في اهتزاز، وعدم استقرار دائم في الدنيا، وأما في الآخرة فسوف يستقر بهم الحال في الدرك الأسفل من النار!!
سورة النساء [٤: ١٤٤]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾:
نداء إلى الذين آمنوا بأمر، وتكليف آخر.
﴿لَا﴾: الناهية؛ أيْ: لا تكونوا كالمنافقين.
﴿تَتَّخِذُوا﴾: أيْ: لا تجعلوا، و ﴿تَتَّخِذُوا﴾: فعل مضارع فيه معنى الاستمرار، وكذلك التعب، والمشقة بموالاة الكافرين، مقارنة بلا تأخذوا. ارجع إلى الآية (١٣٩) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
﴿الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي، والولي: هو الذي يليك؛ أي: القريب؛ أيْ: خلفك بجانبك، تلجأ إليه وتفزع إليه فيعينك (من العون)، ويسمع منك وينصحك، وينصرك إذا كان قادراً على ذلك.
﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أيْ: من غير المؤمنين، وقد حدّد القرآن هؤلاء الذين نهى الله عن موالاتهم من الكافرين في آية أخرى من سورة الممتحنة، آية (٩)، فقال عزَّ من قائل: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿أَتُرِيدُونَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري.
стр. 1053
﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: بموالاتهم وبطانتهم.
﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: حُجَّة بينة في عدم الطاعة، فيما نهاكم الله عنه، والسلطان نوعان: سلطان حُجَّة وإقناع، أو سلطان قوة وقهر.
الولاء والبراء: من لوازم العقيدة، وهي جزء من الشهادة، والآيات التي جاءت في الولاء والبراء كثيرة، وهي قضية سِيءَ فهمها من قبل الكثير، فمنهم من فرط، فأطلق لنفسه العنان، ومنهم من غالى فيها، ونسي كلا الطرفين الوسطية التي ميّزنا الله سبحانه بهما؛ لحمل الرسالة إلى الأجيال، فلا بُدَّ من الفهم الكامل للولاء والبراء؛ فلا يفتي كلٌّ بما يراه.
سورة النساء [٤: ١٤٥]
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾:
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبّه بالفعل؛ يفيد التوكيد.
﴿فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾: الدرك، أو الدرك بفتح الراء، أو تسكين الراء، قيل: النزول إلى أسفل: هو الدرك، والصعود إلى أعلى: هو صعود التدرُّج، ومستوى البحر هو المقياس.
قال المفسرون: النار دركات، كما أن الجنة درجات.
وقالوا: إن النار سبع دركات، وهي: جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وهي قعرها، أو هي سبع أسماء للنار.
وكلمة جهنَّم؛ قد تطلق على أيٍّ من هذه الدركات السبع.
﴿وَلَنْ﴾: الواو: استئنافية. لن: نافية مؤكدة، تنفي المستقبل القريب والبعيد.
﴿تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾: ولن يجدوا يوم القيامة من ينقذهم، أو يمنع عنهم العذاب، أو حتى من يخفِّف عنهم العذاب، ولننظر إلى من هم أشدُّ الناس
стр. 1054
عذاباً يوم القيامة هم عدة منهم المنافقون؛ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، وآل فرعون: و ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، أو: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، و: ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤].
سورة النساء [٤: ١٤٦]
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾:
في هذه الآية يفتح الله باب التوبة، حتى لهؤلاء المنافقين الّذين كان مصيرهم الدرك الأسفل من النار؛ ليكونوا مع المؤمنين، فهل هناك رحمة أوسع من هذه الرحمة؟!
وحدد الله سبحانه أربعة شروط للنجاة: أن يتوب، ويصلح، ويعتصم بالله، ويخلص دِينه لله.
أولاً: ﴿تَابُوا﴾: التوبة بأركانها الأربع: الإقلاع عن النفاق، والندم، وعدم العودة إليه، والإكثار من العمل الصالح.
ثانياً: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: أيْ: صلحوا ما أفسدوا بنفاقهم في الأرض، أو بين الناس.
ثالثاً: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾: أيْ: ليكن اعتصامهم بالله وحده، وابتغاؤهم العزة عند الله، وليس عند الكافرين، والاعتصام بحبل الله ودينه.
رابعاً: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾: مقارنة بالقول: وأخلصوا لله دينهم: تقديم دينهم؛ أي: تقديم الأهم لهم، وهو دينهم، وانظر إلى سياق الآية فرغم توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله فكل ذلك لا يكفي؛ فلا بد من إخلاص الدين لله أيضاً حتى تقبل توبتهم وأعمالهم الصالحة، والالتجاء إلى الله، وذلك لأن
стр. 1055
المنافق قلبه منغمس في النفاق، فيحتاج إلى مقدار أعظم من الإخلاص لغسل قلبه وتطهيره وشفائه، والإكثار من الأعمال الصالحة التي تدل على إخلاص النية، والإنابة إلى الله وحده.
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الفاء: للتوكيد. أولئك: اسم إشارة يفيد البعد، ويحمل معنى المدح.
﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ﴾: سوف: حرف استقبال للبعد، أو التراخي، وفيه معنى التوكيد.
﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: وهو الجنة ونعيمها.
لنقارن هذه الآية بالآية (٧٤) من سورة التوبة، يقول سبحانه: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾: فهذه الآية تتحدث فقط عن أول شرط للعودة إلى صف المؤمنين، أما في الآية (١٤٦) من سورة النساء: فقد حددت شروطاً أربعة.
سورة النساء [٤: ١٤٧]
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾:
﴿مَا﴾: للاستفهام، والتقرير؛ أيْ: أنتم أجيبوا عن هذا السؤال.
﴿إِنْ﴾: شرطية جواب الشرط محذوف، والباء: للإلصاق.
﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾: أيها الناس؛ أيْ: منفعة يحققها سبحانه بعذابكم بسبب عصيانكم، أو عدم طاعتكم، أو نفاقكم، أو كنتم على أفجر قلب رجل منكم؟
следующие страницы →