← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

﴿غَفُورًا﴾: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير المغفرة كمَّاً، ونوعاً، وأصل المغفرة الستر، فهو يغفر الذنوب العظام، ويغفر الذنوب، ولا يعاقب عليها. ﴿رَحِيمًا﴾: صيغة مبالغة رحيم كثير الرحمة لعباده المؤمنين في الدارين. سورة النساء [٤: ٩٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: سبب النزول: كما روى ابن عباس؛ قيل: نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة، وادعوا أنهم مستضعفون، عاجزون عن الهجرة، وعاجزون عن إقامة شعائر الدِّين، وإذا هاجروا تسلب أموالهم، وحين خرج المشركون إلى بدر، خرج هؤلاء معهم، وقاتلوا مع المشركين، فقتلوا وهم كفار، فبذلك أصبحوا ظالمين لأنفسهم. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: أيْ: توفتهم الملائكة بعد أن قتلوا في بدر. توفاهم الملائكة، وفي آيات أخرى، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]. وفي آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، فالوفاة قد تنسب إلى الله، وإلى ملك الموت، وإلى الملائكة، فالأمر من الله ينزل إلى ملك الموت، ثم ملك الموت يأمر الملائكة الموكلين بوفاة العبد بالحضور لاستلام روحه بعد أن يقبضها ملك الموت؛ كي يصعدوا بها إلى عليين، أو سجين.

стр. 982

قال سبحانه: ﴿تَوَفَّاهُمُ﴾: الوفاة: قد تعني الموت؛ أي: خروج الروح من الجسم، وقد تعني: المرحلة التي تسبق نزع الروح من الجسم، ولم يقل: تتوفاهم الملائكة، كما ورد في سورة النحل، آية (٢٨): ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾. توفاهم في سورة النساء؛ تعني: قسماً من الظالمين الذين ادعوا بأنهم مستضعفون؛ فلما كان عددهم قليل قال تعالى: (توفاهم الملائكة). أما تتوفاهم في سورة النحل تشمل كل الظالمين، وبما فيهم الظالمون المذكورون في سورة النساء. فعدد الظالمين في آية النحل أكبر بكثير من عدد الظالمين في آية النساء، ولذلك زاد التاء التي تدل على الكثرة في آية النحل. ﴿ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾: بسبب عدم الهجرة في سبيل الله رغم أنهم كانوا قادرين على الهجرة، وعدم طاعة الرسول ﷺ . ﴿قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ﴾: أيْ: سألتهم ملائكة الموت قبيل نزع أرواحهم فيما كنتم. فيمَ: في ظرفية، وما: للاستفهام التوبيخي. ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾: أيْ: في أيِّ الفريقين كنتم، أفي المسلمين، أم في المشركين، أو ما فعلتم بدينكم، وظلمتم أنفسكم بعدم الطاعة والهجرة. ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ﴾: كنا مستذَلِّين، ومقهورين في مكة، أو عاجزين في الأرض، ولم نتمكن من إقامة الدِّين. ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا﴾:

стр. 983

﴿قَالُوا﴾: أيْ: الملائكة قالوا لهم. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، وتوبيخي. ﴿تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾: أيْ: ألم تكن أرض الله واسعة، وكنتم قادرين على الخروج من مكة إلى مكان آخر؛ مثل المدينة المنورة؛ لممارسة دِينكم. ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾: وليس عليها؛ لأن الأرض تشمل الطبقة الغازية المحيطة بالأرض. ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد. أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، وتفيد التحقير. ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: المأوى: اسم مكان، ويعني: منزلهم، أو المكان من آوى يأوي؛ أيْ: مكان إقامتهم واستقرارهم. ﴿جَهَنَّمُ﴾: مشتقة من الجهومة: الشيء المخوف، أو الكريه المنظر، والباعث على الكراهية، وجهنم تعني: بعيدة القعر. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان. ﴿وَسَاءَتْ﴾: من ساء؛ أيْ: قبح؛ أيْ: قبحت. ﴿مَصِيرًا﴾: المرجع، أو المآل، والمنتهى. سورة النساء [٤: ٩٨] ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء للقعود عن الهجرة.

стр. 984

﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾: بالعلل، والأمراض المزمنة، والعجز، والفقر، وغيرها من الأسباب. ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾: غير مكلفين، ولا يستطيعون حماية أنفسهم. ﴿وَالنِّسَاءِ﴾: لا تستطيع أن تحمي نفسها، وتحتاج إلى زوج، أو محرم. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾: لا قوة لهم على الهجرة، ولا النفقة، أو حماية أنفسهم إذا هاجروا. ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: السبيل: هو الطريق الموصل إلى الغاية. لا يعرفون طريقاً يسلكونه، أو السبل المؤدية إلى المدينة المنورة للهجرة، أو غيرها من المدن. سورة النساء [٤: ٩٩] ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾: ﴿فَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة إلى من جاء ذكرهم في الآية السابقة من المستضعفين، أو الوالدين، والنساء. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾: ولم يقل: فأولئك عفا الله عنهم؛ لأن عسى: تحمل معنى الترجي والطمع؛ أيْ: ليحثهم على الرجاء، والطمع في عفو الله سبحانه، ويدل كذلك على أن أمر الهجرة أمر لا توسعة فيه، ولا بُدَّ منه. ﴿أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾: أن: حرف مصدري يفيد التوكيد؛ أيْ: لا يؤاخذهم، ويغفر لهم ما قصروا فيه لضعفهم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾: كان أزلاً وأبداً، كان: للماضي، والحاضر، والمستقبل. العفو: ترك العقاب على الذنب ومحوه، وهو أبلغ من الستر، وقيل: هو إسقاط اللوم، والذم.

стр. 985

الغفران: يعبر عن الستر. الغفور: من الغفر؛ أيْ: غفر الذنب ستره، وقيل: الغفران: إسقاط العقاب، وإيجاب الثواب. ارجع إلى الآية (٩٦) من نفس السورة. سورة النساء [٤: ١٠٠] ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: شرطية. ﴿يُهَاجِرْ﴾: من الهجرة، وهي الانتقال من بلد إلى بلد. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: لإعلاء كلمة، أو دِين الله، أو لطلب العلم. ﴿يَجِدْ﴾: جواب للشرط. ﴿فِى الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾: أماكن للهجرة، أو أمكنة يُهاجَر إليها، وتسمى مهاجر. وسُمِّيَت مراغم: من الرغام، وأصله: هو التراب. أو سُمِّيَت مراغم؛ لأن المُهاجر الذي يفارق قومه الذين يعذبونه، ويضطهدونه، وهم يودون لو بقي تحت سيطرتهم، وعذابهم، ولم يهاجر؛ كأنه ألصق أنوفهم بالتراب وأذلهم حين تركهم، وهاجر، ولم يقدروا على منعه من الهجرة. ويقال: راغمت الرجل: إذا فارقته؛ وهو كاره، وهو يكره مفارقتك؛ لمذلة تلحقه بعد تركك له. ومراغم: اسم مفعول، وتعني: مكاناً متى ما وصلت إليه أرغمت أنف خصمك الذي كان يذلك؛ لكونك خرجت من تحت سيطرته، فكأنك جعلت أنفه ملتصق بالتراب.

стр. 986

﴿وَسَعَةً﴾: في الرزق، وسعة في التمكن من إظهار شعائر الدِّين من دون خوف، بالإضافة إلى النجاة من الاضطهاد، والعذاب. ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: أسباب النزول: كما روى ابن عباس؛ قيل: نزلت هذه الآية في جندب بن ضمرة، فقد خرج مهاجراً من مكة إلى المدينة، ومات وهو في طريقه، ولم يصل إلى المدينة، وكان رجلاً مسناً، خرج لاحقاً برسول الله ﷺ ، وقالوا: لو مات بالمدينة؛ لكان أتم أجراً، وقالوا: ما أدرك ما طلب! فنزلت هذه الآية رداً عليهم. ﴿وَمَنْ﴾: من: للعاقل، وقد تعني: الواحد، أو أكثر من الواحد، ومن: شرطية ابتدائية. ﴿يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾: المهاجر: هو الذي أُرغم على الهجرة، وترك بيته لسبب من الأسباب؛ للفرار بدينه، أو لكسب لقمة العيش، أو اضطهاد وتعذيب، فقد يهاجر الإنسان بإرادته، ورغبته، ومن دون سبب، أو إرغام من أحد؛ لغرض شخصي؛ للمتعة، أو الزواج، أو غيره. ﴿مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: هجرة للفرار بدينه من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام وطاعة لله ورسوله، ومن التضييق، أو الموت، أو العذاب من قبل الكفار، أو المشركين، أو من أجل ابتغاء الرزق، أو طلب علم، أو جهاد في سبيل الله. ﴿ثُمَّ﴾: حرف تعقيب، وتراخٍ؛ أيْ: ولو بعد فترة. ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ﴾: يلحق به الموت، أو يموت قبل أن يصل إلى مكان هجرته، أو مراغمه. ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾:

стр. 987

﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد، وقد: لزيادة التوكيد؛ أيْ: ثوابه على الله، كما في قوله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾. ﴿وَقَعَ أَجْرُهُ﴾: وقع: من الوقوع: وهو من أعلى إلى أسفل وبسرعة، ووقع أجره؛ أي: ثبت أجره؛ أيْ: إذا مات، أو قتل، فجزاؤه الذي هو من عند الله تعالى ينزل عليه بسرعة، كأنه يقع عليه من السماء؛ كأنه يعرفه معرفة كاملة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ارجع إلى سورة التحريم، آية (١)؛ للبيان. سورة النساء [٤: ١٠١] ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرف زمان للاستقبال، متضمن معنى الشرط، ويدل على حتمية الوقوع، وكثرته، الضرب في الأرض؛ أي: السفر. ﴿ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: أيْ: سافرتم، والضرب في الأرض قيل: هو الإبعاد فيها سيراً (السفر البعيد). والضرب: إيقاع شيء على شيء؛ أيْ: ضرب الأرض بالأرجل المشي بصلابة، وعزم، وقوة بعكس الانتشار، يكون من دون جهد، ومشقة. ﴿فَلَيْسَ﴾: الفاء: للتوكيد، وهي رابطة لجواب الشرط. ليس: من أدوات النفي، تنفي الحال، والمستقبل أحياناً، وأقل قوة في النفي من (لا) النافية. ﴿عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: جُناح من جنح؛ أيْ: مال عن القصد؛ أي: الإثم للميل عن الحق. فما الفرق بين: لا جناح عليكم، وليس عليكم جناح. لا جناح عليكم: جملة اسمية، وليس عليكم جملة فعلية.

стр. 988

والقاعدة اللغوية تقول: الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية؛ حيث الجملة الاسمية تدل على الثبوت، والجملة الفعلية تدل على التجدد والتحول، فلا جناح عليكم أقوى في النفي من: ليس عليكم جناح؛ لأن النفي درجات، ولذلك تستعمل: لا جناح في القضايا الهامة مثل العبادات، والحقوق الزوجية والعقيدة، وتستعمل ليس في القضايا الأقل أهمية ونادرة، مثل: آيات الأكل والشرب، ودخول البيوت، وصلاة الخوف (النادرة). ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: أيْ: ليس عليكم إثمٌ أن تقصروا من الصلاة بأن تصلوا الصلاة الرباعية ركعتين؛ على شرط: وهو الخوف من الذين كفروا. ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ﴾: بالقتل، أو الهجوم، أو الاعتداء عليكم، والفتنة: هي الأذى، أو القتل، والتعرض لكم، والكفر، والشرك، وغيرها، وقد وردت صلاة الخوف عند رسول الله ﷺ بعدة أوجه. ارجع إلى صلاة الخوف في كتب الفقه. ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾: عدواً، ولم يقل: أعداء؛ لأن عداوتهم واحدة؛ أيْ: لها سبب واحد هو الدِّين، ولو كان لها أسباب كثيرة؛ لقال: كانوا لكم أعداء. ﴿مُبِينًا﴾: عداوة واضحة، وظاهرة لكل إنسان، وعداوة ظاهرة بينة، لا تحتاج إلى برهان، أو دليل.

стр. 989

سورة النساء [٤: ١٠٢] ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾: كيفية صلاة الخوف التي ذكرت في هذه الآية: هي أن يقسم الجيش إلى طائفتين: طائفة تصلي مع قائد الجيش، وطائفة تقف أمام العدو؛ لتمنعه من الهجوم، أو يتقدَّم نحوها، وهي صلاة قصر ركعتين، فيصلي القائد بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الثانية وقاموا معه نووا الانفراد، وأتموا لأنفسهم، والإمام لا يزال قائماً، ثم إذا أتموا الصلاة بأنفسهم الركعة الثانية؛ ذهبوا ووقفوا مكان الطائفة الأولى أمام العدو، وجاءت الطائفة الثانية ودخلت مع الإمام في الركعة الثانية، وهو في هذه الحالة يطيل الركعة الثانية أكثر من الأولى؛ لتدركه الطائفة الثانية، فيصلون الركعة الثانية معاً، ثم يجلس القائد، أو الإمام للتشهد، عندها تقوم الطائفة من دون القائد، أو الإمام؛ فيصلون الركعة الثانية، ويجلسون للتشهد، والإمام ينتظرهم، ثم يسلم الإمام، ويسلمون معه. ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾: إذا: ظرفية شرطية.

стр. 990

﴿كُنْتَ فِيهِمْ﴾: أيْ: معهم، وبينهم، ولا تعني: إذا لم يكن فينا رسول الله ﷺ لا نصلي صلاة الخوف، كما ظن البعض. ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾: أيْ: تقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، وصليت فيهم إماماً، يقسم الجنود إلى طائفتين: طائفة أولى، وطائفة ثانية. ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَعَكَ﴾: الفاء: للمباشرة، والتعقيب؛ لتقم طائفة منهم معك؛ أي: الطائفة الأولى تقف للصلاة مع الرسول ﷺ ، أو الإمام. ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾: اللام: للتوكيد؛ أيْ: تقف الطائفة الأولى لتصلي مع الرسول، أو الإمام، وهم يحملون أسلحتهم معهم. ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾: أيْ: سجدت الطائفة الأولى في الركعة الأولى مع الإمام. ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾: أي: الطائفة الثانية تقف من ورائهم تحرسهم؛ لأن المصلين لا يرون العدو حين السجود. ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾: أيْ: تقف، أو يقف الإمام مع الطائفة الأولى، فيتموا الصلاة بأنفسهم (أي: الركعة الثانية) من دونك، أو من دون الإمام؛ لأنك ستقف تنتظر في الركعة الثانية حتى تنتهي الطائفة الأولى. ثم تأتي الطائفة الثانية، وتنضم إلى الإمام الذي ينتظرها ليصلوا معاً، ثم تسجد الطائفة الثانية مع الإمام، ثم تقف لصلاة الركعة الثانية، أما الإمام فيبقى ينتظر الطائفة الثانية؛ لتسجد سجود الركعة الثانية، ثم تلحق بالإمام، وهو ساجد ينتظرها، ثم يسلم الإمام، والطائفة الثانية معاً، وبهذا تنتهي الصلاة. ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾: أيْ: بعد انتهاء الطائفة الأولى من الصلاة تقوم هذه الطائفة بنفس الدور الذي قامت به الطائفة الثانية التي بدأت تصلي مع الإمام.

стр. 991

﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾: لماذا أضاف حذرهم؛ لأن العدو قد يكون انتبه إلى أن الجيش قد انقسم قسمين، فيكون جيش العدو يريد أن ينقض في هذا الزمن، فلذلك أمر بالحذر، وحمل السلاح معاً، وهكذا تحظى الطائفة الأولى بتكبيرة الإحرام مع الإمام، والطائفة الثانية بالتسليم معه. ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾: ثم يبيِّن علّة حمل السلاح، والحذر في الصلاة؛ لكون العدو يودّ، أو يتمنى لو تغفلون. ﴿لَوْ﴾: حرف تمني. ﴿تَغْفُلُونَ﴾: ولم يقل: تغفلوا، وقال: تغفلون: أضاف نون التوكيد. ﴿عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾: بالانشغال بالصلاة؛ كي ينقضوا عليكم، ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾: بالقتل والنهب. ثم بيَّن الأعذار التي يشق معها حمل السلاح فقال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: ولا إثم عليكم، ارجع إلى الآية (١٥٨) من سورة البقرة؛ لبيان معنى جُناح عليكم. ﴿إِنْ﴾: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشك. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَنْ تَضَعُوا

стр. 992

أَسْلِحَتَكُمْ﴾: وصلوا من دونها، ولكن مع الحذر، ولا تغفلوا عن عدوكم، واستمروا راقبوه، وراقبوا تحركاته. ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿أَعَدَّ﴾: هيأ، وجهز. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: اللام: لام الاستحقاق. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: الذين أصبحت صفة الكفر عندهم صفة ثابتة. ﴿عَذَابًا مُّهِينًا﴾: العذاب المهين الذي فيه إهانة وذل، وفضيحة أمام الناس، أو الخلائق، سواء في الدنيا، أو الآخرة إضافة إلى كونه شديداً، وأليماً، ودائماً. سورة النساء [٤: ١٠٣] ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: على التعقيب والمباشرة ومن دون تأخير. إذا: ظرفية شرطية تدل على حتمية الحدوث. ﴿قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: أديتم الصلاة؛ صلاة الخوف. ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾: فبعد انتهاء صلاة الخوف، وعدتم إلى القتال، أو حالة الخوف، عليكم بالتكبير، والتحميد، والدعاء، وذكر الله. ولا إله إلا الله، والدعاء، فذكر الله سبحانه يقوِّي القلب ويشد الهمة، ويعين على الصبر والنصر. وهذا ما أشارت إليه آية أخرى من سورة الأنفال، آية (٤٥): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

стр. 993

﴿قِيَامًا﴾: وقوفاً؛ أيْ: اذكروا الله وقوفاً. ﴿وَقُعُودًا﴾: واذكروه حين الجلوس. ﴿وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾: وحين الاستراحة، والقيلولة، وأنتم منبطحون على الأرض، أو أيِّ حالٍ رجالاً، أو ركباناً، وجاء ذلك في سياق آية أخرى في سورة البقرة (٢٣٩). ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: والذكر يشمل الصلاة، والذكر العادي، من تسبيح، وتكبير، وتحميد، وتهليل؛ لأن هذا ما يميز المسلم المؤمن من عدوه: هو إيمانه، وذكره لله تعالى. ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: اطمأننتم: انتهت الحرب، فأقيموا الصلاة تامة بأركانها وشروطها، والفاء في إذا: تدل على عدم التأخير، وإذا: شرطية ظرفية تدل على حتمية الحدوث. ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿كِتَابًا﴾: فرضاً، موقوتاً، محدد بأوقات لا يجوز تجاوزها. كان: تحمل معنى منذ القدِم، والمعنى في الحكم. ﴿كَانَتْ﴾: أيْ: فرضت عليهم منذ القدِم، ولا زالت كذلك (في الحال، والمستقبل)، فهي تشمل كل الأزمنة.

стр. 994

سورة النساء [٤: ١٠٤] ﴿وَلَا تَهِنُوا فِى ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: أسباب نزول هذه الآية: قيل: إنها نزلت في أعقاب غزوة أُحُدٍ؛ حيث طلب النبي ﷺ من أصحابه الخروج للقاء أبي سفيان وأعوانه. ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: الناهية. ﴿تَهِنُوا﴾: من الوهن، والوهن: هو أن يفعل الإنسان فعل الضعيف، أو يخاف؛ أيْ: لا تفعلون أفعال الضعفاء، وأنتم أقوياء، أو تخافون. والوهن: يشمل كذلك الجبن، والخوف، والضعف من دون سبب حقيقي. ﴿فِى ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾: في طلب القوم؛ أي: الأعداء الذين يبغون قتالكم، وكلمة ابتغاء لا تعني فقط الدفاع، بل الردع والحذر. ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾: من الألم، بسبب الجراح، أو المشقة والألم: يشمل كل ما يُلحقُه بك غيرك، أما الوجع: فهو ما يلحقك من قبل نفسك، ومن قبل غيرك. ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾: أيْ: أنتم متساوون معهم في الألم، والمشقة، ولكن هناك أمر تمتازون به عليهم: وهو إيمانكم. وإنكم ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾: إنكم: إن: للتوكيد. ﴿وَتَرْجُونَ﴾: الرجاء: هو توقع الخير الذي يشاركه الخوف؛ أي: ترجون من الله مساعدتكم، وعونكم، ونصركم؛ لإعلاء كلمته ودينه. وترجون: قد تعني إحدى الحسنيين، أو ثواب الآخرة، والحسنيين: إما

стр. 995

النصر، وإما الشهادة في سبيل الله، وهم لا يرجون إلا الدنيا. كما جاء في الآية (٥٢) من سورة التوبة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ارجع إلى الآية (٩٢) من نفس السورة؛ للبيان. سورة النساء [٤: ١٠٥] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: سبب النزول: كما روى ابن عباس؛ روي أن هذه الآيات نزلت في طعمة بن أبيرق؛ فقد سرق درعاً من دار جارٍ له، ووضعها في جراب من دقيق، ثم خبَّأها عند يهودي اسمه زيد بن السمين، فالتمسوا الدرع عند طعمة، فلم يجدوها، وأنكر أنه سرقها، وعندما وجدوها عند اليهودي أخبرهم أن طعمة قد أودعها عنده، ولكن طعمة أنكر ذلك، فجاؤوا إلى الرسول ﷺ ، وحلف قوم طعمة على براءته، فصدقهم رسول الله ﷺ ، وراح رسول الله ﷺ يجادل عن طعمة، وهمَّ في معاقبة اليهودي، فنزلت هذه الآيات تفضح طعمة أنه هو السارق، فهرب طعمة إلى مكة، وارتد، وعاد إلى السرقة، فسقط عليه حائط فمات مرتداً كافراً. ﴿إِنَّا﴾: يتكلم الله عن ذاته، فيستعمل صيغة التعظيم، والجمع: إنا. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: أنزلنا تدل على الإنزال دفعة واحدة، وأما نزلنا فتدل على مراحل متعددة، ونزل أقوى وأكد من أنزل. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. أما بالنسبة إليك وأحياناً يقول: أنزلنا عليك، فعلى، أو إلى تفيدان إنزال الكتاب؛ أي: المنهج الذي نزل على رسول الله ﷺ ، و (على) تفيد العلو، والسمو، فحين يستعملها يعني: الحديث موجَّه إلى رسول الله ﷺ ، وفيما يخصه بشكل عام.

стр. 996

وحين يستعمل (إليك): تأتي في سياق التبليغ والتكليف، وإيصال المنهج إلى الناس. ارجع إلى الآية (٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن الكريم بالحق، والباء: للإلصاق. ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالحق: (هو الشيء الثابت الذي لا يتغير)، سواء في خبره، وحكمه، وبيانه. ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾: اللام: لام التعليل، والتوكيد. ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾: الباء: للإلصاق والتوكيد. أراك الله: أيْ: بما أوحى إليك وعلمك الله تعالى من الأحكام، وأطلعك عليه من الأخبار، والرؤية هنا تعني: هذا العلم الذي يعتبر كأنه رؤية يقينية، وليست ظنية، لا ريب فيها، ولا شك، وهي خاصَّة به ﷺ . ﴿وَلَا تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية. لا: الناهية. ﴿تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿لِّلْخَائِنِينَ﴾: جمع خائن، والخائن: الذي ائتُمن؛ فأخذ؛ فخان. والخائن: هو الذي تصدر عنه الخيانة مرة واحدة، أو تصدر منه الخيانة في أمر صغير. أما الخوان: فهو الذي تصدر عنه الخيانة مرات عديدة، أو تصدر منه الخيانة في أمر عظيم. ﴿خَصِيمًا﴾: مدافعاً عن الخائنين، ومعيناً لهم، أو تقف لصالح الخائنين.

стр. 997

ولم يقل الحق سبحانه: ولا تكن عن الخائنين خصيماً، بل قال: للخائنين: الغاية من الدفاع عن الخائن أن ترجح كفته، وتكون له لا عليه، والسؤال هل خاصم ﷺ أم لا؟ الجواب على ذلك: همَّ أن يخاصم، وكان مجرد خاطر أن ينصر طعمة، ولم يحدث ذلك. همَّ ﷺ ؛ لأنه ظن أن طعمة، وقومه لا يكذبون. ولِمَ عبَّر بقوله: للخائنين مع أن الخائن، أو السارق هو طعمة فقط؟ الجواب على ذلك: أن بني ظفر (قوم طعمة وإخوته) شهدوا له بالبراءة، ونصروه، فكانوا شركاء له في الإثم. للخائنين: تشمل طعمة، وكل من خان خيانته؛ أيْ: لا تجادلوا عنهم، وإن كان الخطاب موجَّه إلى الرسول ﷺ ؛ فهو يشمل أمته.

стр. 998

سورة النساء [٤: ١٠٦] ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿وَاسْتَغْفِرِ﴾: الواو: عاطفة، استغفر الله: ممّا هممت به، أو تردد في خاطرك فيما حدث في هذه القضية، ونزلت هذه الآيات قبل الحكم في هذه القضية، وبين الله سبحانه لرسوله حقيقة الأمر. والاستغفار لا يقدح في عصمة الأنبياء، والموعظة في هذه القصة إرشاد الله لرسوله وإرشاد الأمة، إلى وجوب التثبت والتحقق قبل إصدار أيِّ حكمٍ، أو قضاءٍ. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. كان: تشمل، أو تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿غَفُورًا﴾: كثير الغفران: صيغة مبالغة، والغفر: هو الستر، يغفر الذنوب مهما عظمت إلا الكفر، والشرك به. ﴿رَحِيمًا﴾: كثير الرحمة بعباده وخلقه؛ فهو أرحم الراحمين. ارجع إلى الآية (٩٦) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.

стр. 999

سورة النساء [٤: ١٠٧] ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾: ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾: الواو: عاطفة. ﴿وَلَا﴾: الناهية. ﴿تُجَادِلْ﴾: من الجدل، وأصله الفتل، والجدال: هو الحوار الذي يقع بين طرفين، أو أطراف؛ لإثبات حق، أو إظهار حجة، أو دفع شبهة، والجدال أشد من الحوار. ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾: تعني هنا: لا تدافع، أو تجادل عن طعمة بن أبيرق وقومه. ﴿يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾: كيف يختان الإنسان نفسه، ولم يقل: يخونون أنفسهم؟ عادة يخون الإنسان غيره: بعدم إتمام العهد، أو إرجاع الأمانة، أو السرقة، ويخون غيره من أجل مصلحة، أو ارتكاب معصية، أو سيئة، ثم يرمي بها بريئاً، وعندما يخون الإنسان نفسه؛ فهذا أمر غريب، ويحتاج إلى جهد أكبر من خيانة الغير. ولذلك جاء بفعل يختان، وجاء بفعل يختانون (بصيغة المضارع)؛ للدلالة على بشاعة الفعل، وفيها معنى: التجدد، والاستمرار، فمن خان مرة قد يعود ويخون مرات كثيرة. فهم حين يرتكبون المعصية؛ فهم يختانون أنفسهم؛ أي: المعصية خيانة منهم لأنفسهم.

стр. 1000

والذي يخون غيره كأنه يخون نفسه؛ لأن إثم الخيانة الحاصل من جراء ذلك يعود على الخائن. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد. لا يحب: النافية تشمل كل الأزمنة. ﴿خَوَّانًا﴾: كثير الخيانة؛ أيْ: تصدر منه الخيانة مراراً أمثال طعمة بن أبيرق. ﴿أَثِيمًا﴾: كثير الإثم، والإثم يشمل الصغائر والكبائر. والفرق بين الخائن، والخوّان؛ الخائن: قد تصدر منه الخيانة مرة، أو خيانة في أمر صغير. والخوّان: تصدر منه الخيانة مراراً، أو في أمر كبير. سورة النساء [٤: ١٠٨] ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾: أيْ: يستترون من الناس؛ كي لا يروهم، سواء كان خوفاً، أو حياءً؛ أيْ: يستتر بنو أبيرق، قوم طعمة من الناس. ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾: ولا يخافون الله، ولا يستخفون منه بما فعلوه من الخيانة. ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾: هو ضمير متصل تفيد التوكيد؛ أيْ: والله مطلع عليهم، وعلى ما يفعلونه، ولا يخفى عليه خافية. ﴿إِذْ﴾: ظرفية زمانية بمعنى: حين. ﴿يُبَيِّتُونَ﴾: من التبيُّت، أو التدبير الخفي الذي يتم ليلاً، وليس في وضح

стр. 1001

النهار؛ لكون فاعل التبيُّت خائفاً وجباناً. ارجع إلى الآية (٨١) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان. ﴿مَا لَا يَرْضَى﴾: أيْ: ما لا يرضاه الله، ولا يقرّه. ﴿مِنَ الْقَوْلِ﴾: أيْ: كيف يلصقون التهمة باليهودي البريء، ويحلفون على براءة أخيهم طعمة. وهذا القول، أو التبيُّت لا يرضاه الله، ولا يقرُّه، ويترتب عليه أثم عظيم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق. ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: من التبيُّت، والمكر، ويعملون تشمل الأقوال والأفعال. ﴿مُحِيطًا﴾: بعلمه، ولا تخفى عليه خافية، ومحيط بكل شيء، فلا يخرج، أو يفلت أحد منه؛ لكونه محيطاً بعلمه، وقدرته كل شيء. سورة النساء [٤: ١٠٩] ﴿هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: ﴿هَاأَنتُمْ﴾: ضمير منفصل للمخاطبين، والهاء: للتنبيه. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: والهاء: لتكرار التنبيه؛ لأن الموقف يحتاج إلى زيادة في التنبيه والحذر من الوقوف إلى جانب أهل طعمة، وزيادة الوعظ واللوم مقارنة بقوله تعالى: ﴿هَاأَنتُمْ أُولَاءِ﴾ [آل عمران: ١١٩]. أولاء: اسم إشارة يشير إلى المجادلين أهل طعمة وقبيلة بنو أبيرق، ها أنتم الذين جادلتم عنهم في الحياة الدنيا.

стр. 1002

﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: جادلتم: خاصمتم عنهم؛ أيْ: جادلتم عن طعمة بن أبيرق؛ لتبرِّئوه من الخيانة (خيانة السرقة). واستعمل صيغة الجمع عنهم بدلاً من صيغة المفرد جادلتم عنه؛ لأنهم كانوا شركاء في الإثم، ويدافعون عنه وينصرونه. ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: جادلتم رسول الله ﷺ والصحابة؛ لكي تبرِّئوا طعمة. ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: للتوكيد. من: استفهامية؛ للإنكار، والتوبيخ. ومن: للعاقل تشمل المفرد، والجمع. ﴿يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أيْ: من يتولَّى الدفاع عنهم يوم القيامة، أو الدفاع عن طعمة بن أبيرق. ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي. ﴿مَنْ﴾: للاستفهام الإنكاري، والتوبيخ. ﴿يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾: كفيلاً، أو قائماً بأمورهم، يدافع عنهم يوم القيامة أمام الله تعالى. إذن: لا يجوز الوقوف إلى جانب الخونة، أو الظالمين، ولا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ . سورة النساء [٤: ١١٠] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية، من: شرطية.

стр. 1003

السوء: الأمر المنهي عنه من الله سبحانه ورسوله، ويعني: الإثم والذنب، وسُمِّيَ بالسوء؛ لأنه يسيء إلى النفس، وإلى الغير، مثل السارق، يسيء إلى نفسه وإلى غيره. وأسوأ الذي عملوا؛ يعني: الكفر، والشرك، والقتل. ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾: هنا الإساءة، أو الظلم مقتصر على نفسه وحدها، ولا يصيب الآخرين بظلمه، مثال: الذي يشرب الخمر في بيته، وفي عزلة من الناس. ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾: ثم لا تفيد الترتيب والتراخي، وإنما التباين في الدرجة بين ظلم النفس وعمل السوء والاستغفار، وإذا دلت على الترتيب والتراخي؛ فهي تدل على رحمة الله بعبده حيث يعطيه الزمن الكافي، والوسع ليتوب من ذنبه وإثمه، والاستغفار يسبق التوبة. ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: الفرق بين يجد الله ويغفر الله القول يجد المستغفر المغفرة والرحمة من باب التوكيد ليكون المؤمن واثقاً من رحمة الله تعالى ومغفرته بدلاً من الوعد والانتظار يجد أمامه أبوابه سبحانه مفتوحة للتوبة، والاستغفار والإنابة إليه. ارجع إلى الآية ١٠٠ من نفس السورة. سورة النساء [٤: ١١١] ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة، ومن: شرطية. ﴿يَكْسِبْ إِثْمًا﴾: الإثم هو الذنب المتعمد (المنهي عنه، والمسمى بالسوء) ويشمل الصغائر والكبائر، ويكسب من كسب، وكسب تستعمل لكسب الخير عادة، واكتسب تستعمل للشر، أو الحرام على وزن افتعل، تحتاج إلى

стр. 1004

جهد ومشقة، وكسب تستعمل للحصول على الحرام بدلاً من اكتسب إذا أصبح الإنسان مدمناً على فعل الحرام، ومهنته تلك، عندها يسهل عليه فعل الحرام. ﴿فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: أيْ: ضرر، وعقوبة، أو ما قام به يعود عليه، ويرجع وبال ما كسب عليه وحده. على تفيد الاستعلاء، والمشقة. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾: (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، عليماً بما يقوله خلقه ويفعلونه عليماً بكل شيء، بنواياهم، وأقوالهم، وأفعالهم، وذوات صدورهم. ﴿حَكِيمًا﴾: في تدبير خلقه، وكونه، وحكيماً تعني: الحكمة، والحكم فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. سورة النساء [٤: ١١٢] ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ﴾: ارجع إلى الآية السابقة. ﴿خَطِيئَةً﴾: أي: صغائر الذنوب، أو الأمر غير المتعمد. ﴿إِثْمًا﴾: الذنب المتعمد (المنهي عنه). ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾: (مثل ما فعل طعمة بن أبيرق)؛ أيْ: يتهم، أو يقذف بما جناه من الإثم بريئاً. ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾: أيْ: حمل الإثم، أو الخطيئة على ظهره، وبذل جهداً؛

стр. 1005

لكي يحملها كما يُرفع الحمل من الأسفل إلى الأعلى. إذن احتمل تعني حمل وفيه جهد، ومشقة. ﴿بُهْتَانًا﴾: الكذب المتعمد المفترى الذي يبهت السامع من شدته، فهو قد كذب؛ لكي ينفي الإثم عن نفسه. أولاً: ثم أكبر من ذلك بأن ألصق الإثم، أو الخطيئة بشخص بريء. ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: إثما ظاهراً لمن سمع به، أو اطلع عليه، وكل إنسان يعلم أنه إثم، والإثم نفسه لا يبقى خافياً، بل يُظهر نفسه. والبهتان هو أمر معنوي، ولكن في هذه الآية (لقوله: احتمل)، فقد حوَّلَه من أمر معنوي إلى أمر حسي مادي، كي يشعر به صاحبه كأنه يحمله على كتفه وظهره. سورة النساء [٤: ١١٣] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَىْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾: ﴿وَلَوْلَا﴾: الواو: استئنافية. لولا: حرف شرط يدل على امتناع شيء لوجود غيره؛ أيْ: حرف امتناع لوجود (وجود رحمة الله وفضله منعت إضلالك). ﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ﴾: القرآن والإسلام. ﴿وَرَحْمَتُهُ﴾: النبوَّة والعصمة. ﴿لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾: الطائفة: هم بنو أبيرق.

стр. 1006

الهم: هو ما دون العزم، والعزم أعلى درجة في الهم وبدء التنفيذ، واللام: في لهمتْ: للتأكيد. ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾: أن: للتوكيد، والتعليل. ﴿يُضِلُّوكَ﴾: بالتزيين، والقول، والتدبير (التبيُّت)، ويضلوك هنا: تعني: يصرفونك عن الحكم العادل، والحق، ولا يعني: ضلال العقيدة، والدِّين. ويضلونك: بألسنتهم، وبجدالهم للباطل. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَىْءٍ﴾: ﴿وَمَا﴾: النافية. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾: أي: الضلال الذي جادلوك به يرجع وزره ووباله عليهم أنفسهم. ﴿إِلَّا﴾: تفيد الحصر؛ أيْ: حصراً على أنفسهم وحدهم. ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَىْءٍ﴾: ما: النافية. يضرونك: بالتهمة، والافتراء. بالقول: انظروا كيف يعاقب محمد بريئاً، أو هو غير عادل، أو يتعصب محمد لأصحابه، ولم يقل: يضروك، بل قال: يضرونك؛ لتأكيد النفي بالنون. وكذلك المجيء بـ (ما) مرة ثانية؛ لتأكيد نفي الضرر، والضلال عنك. ﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل كل شيء. ﴿شَىْءٍ﴾: نكرة. ﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: شيء مهم، مهما كان نوعه، أو صغره، وكبره.

стр. 1007

والشيء: هو أقل القليل. ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: الكتاب: القرآن، والحكمة قيل: هي النبوَّة، أو مقاصد الشريعة، وفهم الأحكام، والدِّين. ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾: من أمور الدِّين، والشريعة، والكتاب، والغيبيات، والعلوم، والمعارف، ما لم تكن تعلم: أيْ: تعرف. ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾: الفضل: تعريفه: هو الزيادة على الأجر؛ أيْ: كرمه وإحسانه، كرَّر كلمة فضل الله مرتين؛ للتأكيد. الفضل الأول: صرفك عن القضاء، أو الحكم غير العادل بما أوحى إليك من الاطلاع على سرهم، وأعمالهم الضالة. والفضل الثاني: إنزال القرآن عليك، والنبوَّة، وعلمك ما لم تكن تعلم من أمور الدِّين والشريعة. وكذلك العصمة، وكونك خاتم النبيين، وكونك أرسلت للناس كافة بشيراً، ونذيراً، وشهيداً عليهم يوم القيامة، وغيرها من النعم العظيمة التي لا تعد، ولا تحصى.

стр. 1008

سورة النساء [٤: ١١٤] ﴿لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: النجوى: هي الكلام الخفي الذي تناحي به صاحبك، وهناك شخص ثالث؛ لا يسمع ما تقولانه، والنجوى لا تكون أدنى من ثلاثة: اثنان يتناجيان، والثالث لا يشارك في النجوى، وتتم النجوى عادة بخفض الصوت حتى يصعب على القريب سماعه. والنجوى قد تكون بين أكثر من اثنين (ثلاثة، أو أربعة … )، والآخرون الحاضرون في المجلس لا يسمعون ما يتناجى به إخوانهم. والنجوى مشتقة من: نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع في الجبل، وحين تناجي أحداً، فكأنك ترفع من تناجي عن غيره من الحاضرين في المجلس. ارجع إلى سورة المجادلة، آية (٧)؛ لمزيد من البيان. ﴿لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ﴾: ﴿لَا﴾: النافية للجنس. ﴿خَيْرَ﴾: لا فائدة، ولا نفع. ﴿فِى كَثِيرٍ مِنْ نَّجْوَاهُمْ﴾: أيْ: كثير من النجوى، لا فائدة منها، ولا نفع، وهناك نجوى قليلة، فيها خير، وتعين على الحق، مستثناة من النجوى السابقة،

стр. 1009

وهي التي تدور حول صدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، وهي ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من النجوى المحرمة النجوى التي تدور حول صدقة، أو إصلاح، أو معروف. أمر بصدقة: أيْ: حث على صدقة. ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾: المعروف تعريفه: هو كل ما أمر به الشرع، واستحسنه العقل والعرف الصحيح. ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾: الإصلاح: يشمل العقيدة، والأخلاق، وعمارة الأرض، وتربية النفوس، والأعمال الصالحة، والإصلاح ضد الفساد. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو عاطفة. من: شرطية للعاقل، وتشمل الواحد، أو الاثنين، أو الجماعة. ﴿يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾: ذلك: اسم إشارة، يشير إلى الصدقة، والمعروف، والإصلاح بين الناس. ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾: سوف: تدل على التراخي في الزمن، وتدل على الأجر العظيم، وهو جنات النعيم؛ أيْ: سيكون في الآخرة، ولو قال سنؤتيه: السين تدل على الاستقبال القريب؛ أيْ: سنؤتيه في الدنيا الأجر العظيم. سورة النساء [٤: ١١٥] ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: شرطية. ﴿يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾: أيْ: يخالف الرسول ﷺ ، ويعاديه؛ أيْ: يخالف سنته

стр. 1010

في التوحيد، أو الحدود، وما أمر به، ونهى عنه ﷺ ، وهناك فرق بين يشاقق ويشاق؛ انظر في نهاية الآية للبيان. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾: الإسلام، والحق. ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الكتاب، والسنة، وهما السبيل الوحيد. والواو في ويتبع: واو العطف انظر كيف عطف اتباع غير سبيل المؤمنين على مشاقة الرسول ﷺ ، وللدلالة على أهمية الوحدة الإسلامية. ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾: نتركه لكفره، وضلاله، ونخلي بينه وبين ما اختاره لنفسه من الضلال. ﴿وَنُصْلِهِ﴾: ندخل، ونحرقه بجهنم، يقال: صليت اللحم؛ أيْ: شويته، وأصليته: حرقته. ﴿جَهَنَّمَ﴾: ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٢)؛ للبيان. ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾: ساء فعل ذم، ساءت مرجعاً يُصار إليه. ونعود إلى كلمة يشاقق الرسول: فيها فك للإدغام، بينما يشاق الرسول فيه إدغام، وفك الإدغام هو الأصل، ولكن يجوز كلا الأمرين: فك الإدغام، أو الإدغام، وقد لوحظ في القرآن أنه سبحانه إذا فك الإدغام يصاحبه بذكر الله، وذكر الرسول ﷺ ، وإذا لم يفك الإدغام: (كقوله: يشاقّ): يأتي بذكر الله ﷻ وحده فقط. سورة النساء [٤: ١١٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: سبب النزول: قيل: نزلت في حق طعمة بن أبيرق؛ لما هرب إلى مكة، ومات على الشرك وهذا قول الجمهور.

стр. 1011

وقيل: كما روي عن ابن عباس ﵄: أن شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: إني منهمك في الذنوب إلّا أني لم أشرك بالله منذ عرفته، وإني لنادم مستغفر، فما حالي؟ فنزلت هذه الآية. وقيل: نزلت هذه الآية بعد نزول الآية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. ولا بد من مقارنة هذه الآية (١١٦) في سورة النساء مع الآية (٤٨) في نفس السورة لنجد تشابه الآيتين والاختلاف في نهاية كل آية؛ فالآية (١١٦) يقول الله تعالى: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وأما الآية (٤٨) يقول الله تعالى: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾؛ فالآية (٤٨): نزلت في سياق اليهود وتحريفهم للتوراة، وافترائهم على الله فكانت خاتمة الآية: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وأما الآية (١١٦): نزلت في سياق كفار مكة وضلالهم، وعبادة الأصنام فكانت خاتمة الآية: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وتختلف نهاية هذه الآية عن الآية (٤٨) بقوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. ﴿فَقَدْ﴾: فالفاء: رابطة لجواب الشرط. قد: للتحقيق، والتوكيد. ﴿ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ابتعد عن طريق الحق إلى غاية الابتعاد قليلاً ما يُرجى لصاحبه الاهتداء، والرجوع من الضلال. وضل: مصدرها الضلال، وأضل: مصدرها الإضلال، وضلالاً: جمعت المعنيين الإضلال والضلال، ومعنى ذلك: أن الشيطان يريد أن يضلهم، وأن يشاركوا هم بأنفسهم في الضلال، وأن يسلكوا سبل الضلال المختلفة. سورة النساء [٤: ١١٧] ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾: إن: حرف نفي بمعنى ما، والنفي بـ (إن) أقوى من النفي بما.

стр. 1012

النفي بـ (إن): تفيد زيادة في توكيد النفي، وتنفي كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿يَدْعُونَ﴾: ما يعبدون، أو ما يدعون. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿إِنَاثًا﴾: جمع أنثى؛ أيْ: أصناماً آلهة، سمّوها إناثاً (مثل الّلات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى)، فكان لكل قبيلة صنم يمثلها، أو إناثاً تعني الملائكة كانوا يسموها إناثاً، وفي قراءة أخرى: إن يدعون إلا أوثاناً: جمع وثن. ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾: أيْ: وما يدعون من دون الله إلا شيطاناً مريداً؛ من مرد، والمتمرِّد لها معانٍ عدة: الخارج عن طاعة الله . البالغ الغاية في الشر والفساد. أو عتا، وتجبر. أو الأملس الذي يتملَّص من أتباعه. سورة النساء [٤: ١١٨] ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾: اللعن: هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله. ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون في كلمة اتخذنَّ: لزيادة التوكيد. ﴿مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾: حظاً معيناً؛ أيْ: حصة معلومة؛ أيْ: حظاً افترضته لنفسي فيهم، والفرض هنا تعني القطع الذي قطعه إبليس على نفسه، وهو لا يعني الفرض الذي فرض الله على عباده، وقد قيل: في حديث مسلم: «وكان نصيبه من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعون».

стр. 1013

سورة النساء [٤: ١١٩] ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾: الواو واللام والنون: للتوكيد؛ ثلاثة توكيدات. ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾: يعني: لأضلنهم عن سبيل الهدى، أو عن الحق، أو لأغوينَّهم بالوساوس والتزيين، والنزغ. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾: فيها ثلاث توكيدات كما في لأضلنَّهم. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾: الأماني الباطلة التي لن تحصل؛ مثل: افعل ما تشاء سيُغفر لك وطول العمر، وليس هناك بعث، ولا حساب، ولا جنة ولا نار، وأخِّر التوبة، وركوب المعاصي. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾: البتك: هو القطع، وقيل: الشق؛ أيْ: قطع، أو شق الآذان، آذان الأنعام: وهي الإبل، والبقر، والغنم، والماعز، كالبحيرة والسائبة والوصيلة، والبتك: يعني: أصبحت منذورة للأصنام، فلا تركب، أو تذبح. ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾: ليغيرن دِين الله بالكفر، وتحريم ما أحل الله، وإحلال ما حرم الله، أو تغيير خلق الله؛ يعني: بالوشم، والاستنساخ البشري، وتزينه في عقول العاملين في علو الجنين والوراثة. ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ﴾: والفاء، والنون: للتوكيد.

стр. 1014

﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: شرطية. من: للعاقل، وتشمل الفرد والجماعة. ﴿يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا﴾: الشيطان: كلمة الشيطان مشتقة من شطن. ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿وَلِيًّا﴾: عوناً: يقتدي به، ويتبع خطواته، ويطيعه. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد. قد: للتحقيق، وزيادة التوكيد. ﴿خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾: ظاهراً في الدنيا والآخرة، وهو دخول النار؛ أيْ: خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. ﴿مُبِينًا﴾: ظاهراً لكل إنسان، وخسران مظهر لنفسه لا يخفى. وهناك فرق بين الخُسر، والخسارة، والخسران: الخُسر: مطلق الخسارة، سواء كانت خسارة صغيرة، أو كبيرة. أما الخسارة: فما زاد عنه الخُسر خسارة، أو خسار؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر: ٣٩]. أما الخسران: فهو أعظم الخسارة، أو أشدها. ارجع إلى الآية (٢٢، ٦٣) من سورة هود لمزيد من البيان، ومعرفة معنى الأخسرون، وتخسير. سورة النساء [٤: ١٢٠] ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: ﴿يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ﴾: يعد أولياءَه، بالباطل، وبالفقر، والفحشاء، ويعدهم: بالمعونة، والنصرة يوم القيامة.

стр. 1015

﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾: التمني: معنى في النفس قد يقع على المستقبل، أو الماضي، ويتعلق هذا التمني بالأماني الباطلة الكاذبة لا دليل عليها؛ بأنهم هم الفائزون، وطول العمر، وأن الله سيغفر لهم ويرحمهم مهما عملوا من الآثام والكبائر. ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ﴾: وما: الواو: حالية، وما: نافية. ﴿يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ﴾: تكرار يعدهم: للتوكيد. ﴿إِلَّا﴾: للحصر. ﴿غُرُورًا﴾: الغُرور بضم الغين؛ يعني: الخداع، والباطل، أو هو إظهار خلاف ما يُبطن، يظهر لهم النفع وهو في الحقيقة ضرر. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٨٥)، وسورة فاطر، آية (٥). سورة النساء [٤: ١٢١] ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، يشير إلى الذين يتخذون الشياطين أولياء. ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مقرهم، ومكان إقامتهم، واستقرارهم جهنم. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٢). ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: النافية. ﴿يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ المحيص: اسم مكان، وهو المفر والمهرب؛ أيْ: لا يجدون مكاناً يفرون، أو يهربون إليه مما حاق بهم ونزل.

стр. 1016

سورة النساء [٤: ١٢٢] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾: السين للاستقبال القريب. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع من تحتها الأنهار. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود الاستمرار، والبقاء إلى ما لا نهاية، والخلود يبدأ من زمن، وهو زمن دخولهم الجنة بعد الحساب، ويوم القيامة. ﴿أَبَدًا﴾: المستقبل الذي ليس له نهاية، وقد تعني دخولهم الجنة من دون حساب، ولا انتظار، يدخلون الجنة بعد البعث مباشرة. ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾: الوعد: يحمل معنى الخبر، والشيء السار غالباً، وإذا جاء في معنى الشر يعني: التوبيخ والتقريع. أما الوعيد: فيحمل معنى الشر دائماً. ﴿حَقًّا﴾: الحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغير؛ أيْ: وعداً من الله تعالى لا يتغير، ولا يتبدل، وعد الصدق. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: استفهام تقريري.

стр. 1017

﴿وَمَنْ أَصْدَقُ﴾: معناه: أيوجد أصدق من الله تعالى؟ والإجابة: لا يوجد حاشا لله. ﴿قِيلًا﴾: مصدر سماعي لفعل قال يقول قيلاً؛ أيْ: قولاً؛ أيْ: ومن أصدق (على وزن أفعل) من الله قولاً، وللتفريق بين: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾: ارجع إلى الآية (٨٧) من نفس السورة. سورة النساء [٤: ١٢٣] ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: المناسبة: بعد قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾: يأتي قوله: ليس بأمانيكم متعلق بقوله: ويُمنيهم. والتقدير: ليس الفوز بالجنة، أو النجاة من النار أمراً متعلقاً بأمانيكم، أو أماني الشيطان، أو أماني أهل الكتاب، أو أيِّ أحدٍ، وإنما الأمر متعلق بالإيمان، والعمل الصالح، فلا تغرنَّكم الأماني الكاذبة. ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: ﴿لَّيْسَ﴾: للنفي؛ تنفي الحال، وغير الحال. ﴿بِأَمَانِيِّكُمْ﴾: الباء: للإلصاق، والخطاب موجَّه إلى المؤمنين. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. لا: النافية؛ لتأكيد النفي السابق. ﴿أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: اليهود والنصارى الذين يقولون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. وكذلك قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤].

стр. 1018

ولم يذكر أماني الكفار؛ كالذي يقول: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]. ﴿مَنْ﴾: شرطية استغراقية تشمل الإنس والجن. ﴿يَعْمَلْ سُوءًا﴾: جاءت كلمة سوء نكرةً؛ لتشمل كل أنواع السوء: الظلم، والشرك، وكل أمر منهي عنه، والذنب، والقبيح، والمعصية، والسيئات. وقيل: السوء: هو كل ما يسيء إلى النفس، وإلى الغير، أو يسوء إظهاره. ﴿يُجْزَ بِهِ﴾: في الدنيا، أو في الآخرة. الجزاء: وهو مقابل العمل، فالجزاء منوط بالعمل؛ أيْ: يعاقب عليه. ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ﴾: الواو: عاطفة. ﴿وَلَا﴾: نافية؛ أيْ: من يعمل سوءاً لا يجد له من دون الله، من غير الله تعالى. ﴿وَلِيًّا﴾: الولي: القريب المعين. ﴿وَلَا﴾: تكرار لا: يفيد توكيد النفي، وفصل الولي عن النصير. ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾: يدافع عنه وينصره، أو يدفع عنه عذاب الله سبحانه. والولي غير النصير، فلو وجدت ولياً قد لا يكون قادراً على نصرك، أو وجدت نصيراً قد لا يكون قادراً على ولايتك، أو قد لا تجد لا هذا، ولا ذاك.

стр. 1019

سورة النساء [٤: ١٢٤] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة. ومن: شرطية ابتدائية للعاقل، وقد تعني المفرد أو الجمع. ﴿مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: ولم يقل: يعمل الصالحات، وإنما قال: من؛ التي تدل على التبعيض؛ أيْ: بعض الصالحات؛ لأنه لا يوجد إنسان يستطيع أن يعمل كل الصالحات. والصالحات: قيل تشمل كل الفروض، والأركان، والنوافل، وغيرها من العبادات بما فيها العبادات القلبية. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾: من: استغراقية؛ تشمل كل ذكر، وأنثى، وهو مؤمن، لا فرق بين ذكر، أو أنثى ما دام مؤمناً. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتأكيد. أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب؛ تشير إلى الذين يعملون الصالحات. ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾: لا يظلم، ولا ينقص من حقه مقدار النقير. والنقير: نقرة في ظهر نواة التمر. وأما الفتيل: فهو الخيط في بطن النواة. وأما القطمير: فهو غلاف النواة الرقيق. أيْ: لا يظلمون حسنة، ولا سيئة.

стр. 1020

سورة النساء [٤: ١٢٥] ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: استفهام تقريري. الجواب: لا أحد أحسن ممن أسلم وجهه لله، واتخذ الإسلام دِيناً، وهو محسن، واتبع ملة إبراهيم حنيفاً؛ فليس ثمة أحسن دِيناً ممن أخلص وجهه لله، وآمن بتوحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات. لنقارن قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾، وهناك آية: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان: ٢٢]. أسلم وجهه لله: أيْ: وصل مرحلة من الإيمان، والتقوى هي القمة والغاية. بينما أسلم وجهه إلى الله: لا زال في طريقه إلى الغاية، وهي إسلام الوجه، فهو ما زال بحاجة إلى عمل، وتقوى، وإخلاص. فالذي أسلم وجهه لله أفضل من الذي أسلم وجهه إلى الله. وإسلام الوجه عملية شاقة تحتاج إلى جهد كبير، وسيطرة على الشهوات، ومحاربة الشيطان؛ أيْ: أخلص نفسه، وتوجه بعبادته لله وحده. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: وهو ضمير منفصل يفيد الحصر، والتوكيد، والإحسان: يتضمن إحسان الكيف، وإحسان الكم. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة. ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾: ملة إبراهيم: شريعة إبراهيم الحنيفية. ﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً عن سائر الأديان الباطلة إلى الحق. ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾: خليلاً من الخلة، والخلة: هي الصداقة، والمودة مع التكريم، المودة التي لا مشاركة فيها.
следующие страницы →