← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

﴿مُّذَبْذَبِينَ﴾: المذبذب: كالمعلّق في خيط متدلٍّ غير ثابت، تقذفه الريح من ناحية إلى أخرى. أيْ: كالبندول: وهو رقَّاص الساعة (الذي نراه في الساعات القديمة). وتدل الكلمة على التحرك والاضطراب، وعدم الاستقرار، وهذه هي حالة المنافق المضطرب نفسياً، لا يستقر على الكفر، أو على الإيمان. أو المذبذب: مشتقة من ذب، ومذبة الذباب. والمذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين؛ فيحرك يده أمام وجهه يمنة ويسرة؛ كي يمنع عودة الذباب، وهذه حالة المنافق لا ينسب إلى المؤمنين، ولا ينسب إلى الكفار. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾: ومن: الواو: استئنافية. ﴿وَمَنْ﴾: اسم شرط جوابه: فلن تجد له سبيلاً. ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾: الله سبحانه، لا يضل عبداً أبداً، بل يرسل الرسل والكتب، ويبين له طريق الهدى، وطريق الضلال، وميّزه بالعقل، وترك له الخيرة، فمن يصر على عدم الإيمان يتركه على ضلاله وعماه، والله قادر على أن يجبره على الإيمان قهراً، ولكنه -جل وعلا- لم يشأْ ذلك، وترك له حرية الاختيار؛ فإن اختار طريق الإيمان أعانه على ذلك؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. وأما إذا اختار طريق الضلال فتركه في تيه الضلال، وسيطرة الشيطان والهوى. ﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد. لن: حرف نفي، ونصب، واستقبال؛ لنفي المستقبل القريب والبعيد.

стр. 1052

﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾: أيْ: لا تجد لهدايته، وعودته إلى الإيمان ﴿سَبِيلًا﴾: أيْ: طريقاً. هذه الآية: ﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ترسم صورة فنية رائعة للمنافقين الذين هم في اهتزاز، وعدم استقرار دائم في الدنيا، وأما في الآخرة فسوف يستقر بهم الحال في الدرك الأسفل من النار!! سورة النساء [٤: ١٤٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: نداء إلى الذين آمنوا بأمر، وتكليف آخر. ﴿لَا﴾: الناهية؛ أيْ: لا تكونوا كالمنافقين. ﴿تَتَّخِذُوا﴾: أيْ: لا تجعلوا، و ﴿تَتَّخِذُوا﴾: فعل مضارع فيه معنى الاستمرار، وكذلك التعب، والمشقة بموالاة الكافرين، مقارنة بلا تأخذوا. ارجع إلى الآية (١٣٩) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان. ﴿الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي، والولي: هو الذي يليك؛ أي: القريب؛ أيْ: خلفك بجانبك، تلجأ إليه وتفزع إليه فيعينك (من العون)، ويسمع منك وينصحك، وينصرك إذا كان قادراً على ذلك. ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أيْ: من غير المؤمنين، وقد حدّد القرآن هؤلاء الذين نهى الله عن موالاتهم من الكافرين في آية أخرى من سورة الممتحنة، آية (٩)، فقال عزَّ من قائل: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿أَتُرِيدُونَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري.

стр. 1053

﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: بموالاتهم وبطانتهم. ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: حُجَّة بينة في عدم الطاعة، فيما نهاكم الله عنه، والسلطان نوعان: سلطان حُجَّة وإقناع، أو سلطان قوة وقهر. الولاء والبراء: من لوازم العقيدة، وهي جزء من الشهادة، والآيات التي جاءت في الولاء والبراء كثيرة، وهي قضية سِيءَ فهمها من قبل الكثير، فمنهم من فرط، فأطلق لنفسه العنان، ومنهم من غالى فيها، ونسي كلا الطرفين الوسطية التي ميّزنا الله سبحانه بهما؛ لحمل الرسالة إلى الأجيال، فلا بُدَّ من الفهم الكامل للولاء والبراء؛ فلا يفتي كلٌّ بما يراه. سورة النساء [٤: ١٤٥] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبّه بالفعل؛ يفيد التوكيد. ﴿فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾: الدرك، أو الدرك بفتح الراء، أو تسكين الراء، قيل: النزول إلى أسفل: هو الدرك، والصعود إلى أعلى: هو صعود التدرُّج، ومستوى البحر هو المقياس. قال المفسرون: النار دركات، كما أن الجنة درجات. وقالوا: إن النار سبع دركات، وهي: جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية، وهي قعرها، أو هي سبع أسماء للنار. وكلمة جهنَّم؛ قد تطلق على أيٍّ من هذه الدركات السبع. ﴿وَلَنْ﴾: الواو: استئنافية. لن: نافية مؤكدة، تنفي المستقبل القريب والبعيد. ﴿تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾: ولن يجدوا يوم القيامة من ينقذهم، أو يمنع عنهم العذاب، أو حتى من يخفِّف عنهم العذاب، ولننظر إلى من هم أشدُّ الناس

стр. 1054

عذاباً يوم القيامة هم عدة منهم المنافقون؛ لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، وآل فرعون: و ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، أو: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، و: ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٧٤]. سورة النساء [٤: ١٤٦] ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: في هذه الآية يفتح الله باب التوبة، حتى لهؤلاء المنافقين الّذين كان مصيرهم الدرك الأسفل من النار؛ ليكونوا مع المؤمنين، فهل هناك رحمة أوسع من هذه الرحمة؟! وحدد الله سبحانه أربعة شروط للنجاة: أن يتوب، ويصلح، ويعتصم بالله، ويخلص دِينه لله. أولاً: ﴿تَابُوا﴾: التوبة بأركانها الأربع: الإقلاع عن النفاق، والندم، وعدم العودة إليه، والإكثار من العمل الصالح. ثانياً: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾: أيْ: صلحوا ما أفسدوا بنفاقهم في الأرض، أو بين الناس. ثالثاً: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾: أيْ: ليكن اعتصامهم بالله وحده، وابتغاؤهم العزة عند الله، وليس عند الكافرين، والاعتصام بحبل الله ودينه. رابعاً: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾: مقارنة بالقول: وأخلصوا لله دينهم: تقديم دينهم؛ أي: تقديم الأهم لهم، وهو دينهم، وانظر إلى سياق الآية فرغم توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله فكل ذلك لا يكفي؛ فلا بد من إخلاص الدين لله أيضاً حتى تقبل توبتهم وأعمالهم الصالحة، والالتجاء إلى الله، وذلك لأن

стр. 1055

المنافق قلبه منغمس في النفاق، فيحتاج إلى مقدار أعظم من الإخلاص لغسل قلبه وتطهيره وشفائه، والإكثار من الأعمال الصالحة التي تدل على إخلاص النية، والإنابة إلى الله وحده. ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الفاء: للتوكيد. أولئك: اسم إشارة يفيد البعد، ويحمل معنى المدح. ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ﴾: سوف: حرف استقبال للبعد، أو التراخي، وفيه معنى التوكيد. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: وهو الجنة ونعيمها. لنقارن هذه الآية بالآية (٧٤) من سورة التوبة، يقول سبحانه: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾: فهذه الآية تتحدث فقط عن أول شرط للعودة إلى صف المؤمنين، أما في الآية (١٤٦) من سورة النساء: فقد حددت شروطاً أربعة. سورة النساء [٤: ١٤٧] ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾: ﴿مَا﴾: للاستفهام، والتقرير؛ أيْ: أنتم أجيبوا عن هذا السؤال. ﴿إِنْ﴾: شرطية جواب الشرط محذوف، والباء: للإلصاق. ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾: أيها الناس؛ أيْ: منفعة يحققها سبحانه بعذابكم بسبب عصيانكم، أو عدم طاعتكم، أو نفاقكم، أو كنتم على أفجر قلب رجل منكم؟

стр. 1056

الجواب: هو لا شيء، أو: أيُّ فائدةٍ يحققها إن أنتم آمنتم وشكرتم وتبتم، وكنتم على أتقى قلب رجل منكم: لا شيء. ولا نقص من ملكه من شيء، ولا زاد في ملكه شيء. فتعذيبه لعباده لا يزيد في ملكه شيئاً، وترك تعذيبهم لا ينقص من سلطانه شيئاً؛ لأنه سبحانه متصف بصفات الكمال قبل أن يخلق خلقه. ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ﴾: إن: شرطية؛ تدل على قلة الحدوث، أو الاحتمال. ولم يقل: إذا شكرتم التي تدل على حتمية الحدوث وكثرته. ﴿شَكَرْتُمْ﴾: من الشكر: وهو إسداء الثناء إلى المنعم باللسان والقلب، وذكر نعمه عليك، وطاعته، والإكثار من العمل الصالح، وسجود الشكر له، والصدقة، وغيرها من مظاهر الشكر. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لمزيد من البيان. ﴿وَآمَنتُمْ﴾: بالله وحده، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. والسؤال لماذا قدَّم الشكر على الإيمان؟ لأن الشكر متعلِّق بالنعمة، والإيمان متعلِّق بالذات التي وهبت النِّعم؛ فهو سبحانه أعطاك النعمة أولاً لتسأل من أين جاءت هذه النعمة، ومن أعطاك إياها، ثم تدرك أنها منه -جل وعلا-؛ فتشكره أولاً، ثم تؤمن به ثانياً، وقيل: إن العبد لن يوفَّق للإيمان إلَّا بالشكر. ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. كان سبحانه منذ الأزل، والآن، وإلى الأبد شاكراً عليماً، فهذه من صفات ذاته العلية.

стр. 1057

﴿شَاكِرًا﴾: أيْ: راضياً عنهم، والرضا يؤدِّي إلى الثواب، فشكره لعباده يعني يثيبهم على طاعتهم، ومعنى يثيب العبد على طاعته؛ يجعل الحسنة بعشرة أمثالها إلى (٧٠٠) ضعف، أو أكثر. يقبل العمل القليل، ويعطي الثواب الكبير، فهذا من مظاهره، وشكره، وهذا الثواب هو من فضله، وإحسانه على خلقه؛ لأنه ليس للعباد حق واجب على الله تعالى مهما كان، أو يكن عملهم. وهو لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فكل هذه من مظاهر شكره. ﴿عَلِيمًا﴾: يحيط بعلمه كل شيء، وكل مخلوق، ويعلم القول في السموات والأرض، وما يفعله كل مخلوق، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب، ولا يابس إلا يعلمها، ولا يخفى عليه خافية.

стр. 1058

سورة النساء [٤: ١٤٨] ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾: ﴿لَا﴾: الناهية. ﴿يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ﴾: هو رفع الصوت، والجهر هو عموم الإظهار والإشاعة. ﴿بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: الباء: للإلصاق. ﴿بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: أيْ: إشاعة عيوب الناس، مثلاً: فلان يشرب الخمر، فلان يزني، فلان منافق، أو كافر، واللعن، والطعن، والسب، والشتم، والغيبة، والنميمة. والسوء: هو كل ما يسيء إلى صاحبه، أو إلى الناس، وهو القبيح من القول الذي يؤدِّي إلى إثارة البغضاء، والعداوة، والكراهية، وانتشار الفساد، والحقد، والحسد، وعدم الجهر، والصبر، والتريث، والكتمان أفضل عند الله تعالى. ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿مَنْ﴾: ابتدائية، أو استغراقية، تستغرق كلّ من ظُلم؛ أيْ: يباح للمظلوم أن يجهر بما في ظالمه من السوء؛ ليدفع عن نفسه الشر، أو أن يجهر لظالمه بالسوء؛ أيْ: يدعو عليه، أو أن يخبر الآخرين بما يفعله الظالم، أو بما يحدث له من شر، ويجوز أن يشتكي على الظالم، إذا ضاقت به السبل. ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾: (كان) تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.

стр. 1059

﴿سَمِيعًا﴾: ما يقال من الجهر من القول، وكل ما يقال خيراً، أو شراً، وفي السر والعلن، عليماً بظواهر الأمور وبواطنها، بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وعليماً صيغة مبالغة؛ تعني: كثير العلم، أحاط علمه بجميع خلقه، وبكل شيء. وانتبه إلى الربط بين الآية (١٤٨)، والآية (١٤٩)، كما سيلي في نهاية الآية (١٤٩). سورة النساء [٤: ١٤٩] ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو القلّة. ﴿تُبْدُوا خَيْرًا﴾: أيْ: تظهروا، أو تخبروا، أو تعلنوا خيراً من قول، أو فعل، مثل: أعمال البرّ، والإصلاح بين الناس، وصيام النفل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغيرها. ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾: فلا يعلم به إلا الله سبحانه، أو القليل من الناس. ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾: العفو: هو ترك العقوبة على الذنب، والسيئات. والسوء: يشمل القول، والفعل، مثل: الشتم، والتقبيح، والغيبة، والنميمة، والعفو هنا مقرونٌ بالقدرة؛ أيْ: قادرين على أن تعفوا، أو لا تعفوا، وتعاقبوا المسيء. ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: للتوكيد. ﴿اللَّهَ كَانَ﴾: كان ولا يزال، وسيظل عفواً قديراً، فهذه هي صفات ذاته منذ الأزل لا تتغير. ﴿عَفُوًّا﴾: ذكر -جل وعلا- هذا الاسم (العفو) خمس مرات في القرآن؛ أربع مرات مع الاسم الغفور، والخامسة والوحيدة مع الاسم (القدير)؛ أيْ: ليمحو الذنوب،

стр. 1060

ويتجاوز عن السيئات، يعفو عن الجاني مع قدرته على الانتقام منه، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله وتعفوا. ﴿قَدِيرًا﴾: لا يعجزه شيءٌ في السموات، ولا في الأرض، ذو القدرة العظيمة على مخلوقاته إذا أراد شيئاً؛ فإنما يقول له: كن؛ فيكون، وهو على كل شيء قدير، وتعني: أن يعفو عن مقدرة، وليس عن عجز، فهو عفوٌّ، ويقدر أن يعاقب، ولكن قدرته اقترنت مع العفو، فهو قادرٌ على العفو، وقادرٌ على العقاب. ﴿قَدِيرًا﴾ على أن يعفو، ﴿قَدِيرًا﴾: على ألا يعفو. وهذه الآية تحث الناس أن يتخلّقوا بهذا الخلق الحسن؛ وهو العفو عن مقدرة، لا عن عجز، ولا ضعف، ولا احتياج. لو نظرنا إلى الآية (١٤٩): لوجدناها مرتبطة بالآية (١٤٨)، أو تتمة لها، كما يلي: الربط الأول: في الآية (١٤٨) قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾؛ أي: استثنى المظلوم. وفي الآية (١٤٩) قال تعالى: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾: فالربط يكون: لا يحب اللهُ الجهر بالسوء من القول، ويحب أن تعفو عن السوء. الربط الثاني: لا تجهر بالسوء الآية (١٤٨)، واعفوا عنه الآية (١٤٩). وأما الخير فأبدوه، أو أخفوه فلكم الخيار، آية (١٤٩). الربط الثالث: في الآية (١٤٨): ذكر السوء، وفي الآية (١٤٩): ذكر الخير. ولنقارن هذه الآية مع آية (٥٤) من سورة الأحزاب:

стр. 1061

في سورة النساء، الآية (١٤٩) قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾. في سورة الأحزاب، آية (٥٤) قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾. في سورة النساء قال: ﴿تُبْدُوا خَيْرًا﴾، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾. وفي الأحزاب: شيئاً (نكرة)، شيئاً من الخير، أو شيئاً من الشر، وفي النساء ذكر السوء في الآية (١٤٨)، وذكر الخير في الآية (١٤٩). إذن كلمة شيئاً عامة تشمل الخير والشر. لننظر في السياق في سورة الأحزاب في نساء النبي، ودخول المنازل، والسؤال من وراء الحجاب، وعدم إيذاء النبي؛ فالآية تخاطب عامة الناس. الجميع: المؤمنين، والكفار، والمنافقين، واستعملت كلمة شيئاً كلمة عامة تشمل: الخير، والشر، وانتهت بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾، بينما سورة النساء جاءت في سياق الخطاب للمؤمنين وحدهم، فهي تتحدث عن جانب الخير غالباً، وانتهت بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. سورة النساء [٤: ١٥٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: المناسبة: بعد ذكر المنافقين، وصفاتهم، ومنزلتهم، ومن تاب منهم، يذكر بعض صفات الكفار حقاً فيقول: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.

стр. 1062

﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾: يكفرون (جاءت بالمضارع): ليدل على التجدُّد، والاستمرار في كفرهم، ويشمل: الكفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، واقتصر اللهُ الكفر بالله ورسوله في هذه الآية: الكفر بالله؛ بأن لا يؤمن، ويصدق أن الله رب كل شيء، ومليكه، وخالقه، وأنه هو المعبود وحده، ولا يؤمن بوحدانيته في الألوهية، والربوبية، والصفات، والكمال، والمنزه عن كل نقص. ﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق. ﴿وَرُسُلِهِ﴾: ورسله تشمل الأنبياء والرسل، والكفر برسول واحد يعني الكفر بهم جميعاً، وتصديق رسالاتهم فرض من فروض الإيمان. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: أيْ: أن يؤمنوا بالله، ويكفروا برسله، وكفرهم بالرسل: هو كفر بالله تعالى. ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾: أيْ: نؤمن ببعض الرسل، ونكفر ببعضهم، أو نؤمن برسول واحد، ونكفر بالآخرين؛ أيْ: لا نصدقهم، كما فعل اليهود؛ إذ آمنوا بموسى ﵇، وكفروا بعيسى، وبمحمد عليهم الصلاة والسلام، وكذلك النصارى آمنوا بعيسى، وكفروا بمحمد ﷺ ، أو يؤمنوا ببعض الفرائض، ويكفروا ببعضها، أو يؤمنوا بالقرآن، ولا يؤمنوا بالسنة. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: ويريدون أن يتّخذوا بين الإيمان والكفر طريقاً وسطاً؛ أيْ: يأخذون من الدِّين ما يشاؤون، وتهوى أنفسهم، فيؤمنون ببعض الأحكام، والأوامر، ويرفضون الأخرى.

стр. 1063

﴿وَيُرِيدُونَ﴾: بصيغة المضارع: تدل على استمرار إرادتهم، وقيامهم بذلك، فهم لم ينتهوا بعد. سورة النساء [٤: ١٥١] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد. ﴿هُمُ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التأكيد على أنهم الكافرون حقاً. ﴿حَقًّا﴾: أيْ: يقيناً لا شك فيه. حقاً: تفيد التأكيد. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: لهم: هيأنا وأعددنا، واستعمل ضمير الشأن (نا): للدلالة على سوء عاقبتهم، والتحذير مما يفعلون. ﴿عَذَابًا مُّهِينًا﴾: جهنم، والعذاب المهين يعني: الأليم، مع الإهانة؛ لكونه أمام الآخرين، وعدم الاستجابة لهم، وهم يصرخون فيها: ربنا أخرجنا نعمل غير الذي كنا نعمل، أو مخاطبتهم مثل: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وغيرها من أنواع الإهانة. سورة النساء [٤: ١٥٢] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: أيْ: صدقوا، وآمنوا بالله سبحانه، وأقرُّوا بجميع الرسل والأنبياء، وآمنوا بهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٨)؛ للبيان. ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾: أيْ: لم يؤمنوا ببعض الرسل، ويكفروا ببعضهم كما يفعل الكافرون.

стр. 1064

﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعيد، يشير إلى الذين آمنوا بالله ورسله، وارتفاع منزلتهم. ﴿سَوْفَ﴾: حرف للاستقبال، وتدل على البعد، أو التراخي، والتوكيد؛ لإيتائهم أجورهم. ﴿أُجُورَهُمْ﴾: الأجر يكون مقابل العمل، وتعني هنا: ثواب أعمالهم. ﴿وَكَانَ﴾: ولا يزال، وسيظل غفوراً رحيماً؛ لأن هذه صفة ذاتية لا تزول أو تتغير. ﴿غَفُورًا﴾: يغفر الذنوب جميعاً، كثير الغفر، يستر الذنوب، ويغفر الذنوب مهما كبرت أو كثرت. ﴿رَحِيمًا﴾: اسم الرحيم ذكر (١١٤) مرة في القرآن، الرحيم: على وزن فعيل؛ أيْ: راحم، وفعيل للمبالغة، وكون رحيماً صفة ثابتة فيه، رحيم بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة. ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (٢)؛ لمزيد من البيان. سورة النساء [٤: ١٥٣] ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾: أي: اليهود. ﴿يَسْئَلُكَ﴾: ولم يقل: يسألونك. يسألك السائل، وليس بالضروري أن يكون السائل أمامك ويسألك، ولو قال: يسألونك، السائل يقف أمامك ويسألك، هذا هو الفرق بين يسألك ويسألونك، وجاءت يسئلك بصيغة المضارع للدلالة

стр. 1065

على تكرار السؤال المرة بعد الأخرى بقصد التحدي والإعجاز، وكذلك لحكاية الحال؛ أي: استحضار الماضي حتى يصبح كأن السؤال يحدث الآن لبشاعة السؤال أو كونه غريب أو مستحيل. ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: ١ - ﴿أَنْ﴾: للتوكيد، تؤكد حرصهم على هذا السؤال. ٢ - أن تنزل أنت (يا محمد)، وليس الله سبحانه؛ أيْ: يسألون محمد ﷺ بدلاً من سؤالهم الله سبحانه، وهذا يدل على جهلهم وغباوتهم. ٣ - ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ﴾: ولم يقولوا: يُنزل عليك؛ لأنك أنت الرسول، بل عليهم مباشرة. ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ: أنت، وليس الله سبحانه، وكيف يمكن أن تنزل عليهم، والنزول يعني: من أعلى إلى أسفل، وأنت لست في السماء، وإنما معهم على الأرض؛ أيْ: هم يريدون كتاباً يُنزل عليهم مباشرة منك، وليس من الله سبحانه، وقد تعني: أن تسأل الله أن ينزل عليهم كتاباً، وقد ردَّ الله سبحانه عليهم حين سألوه سؤالاً آخر بأن ينزل عليهم آية بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. ٤ - ﴿كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: كتاباً تاماً دفعةً واحدةً، جملةً واحدةً، ومن السماء. وسؤالهم هذا سؤال من قبيل التعجيز، وليس سؤال استرشاد وهداية، وإنما سؤال جدل وعناد؛ أيْ: لا تتعجب من سؤالهم. ﴿فَقَدْ﴾: قد: للتحقيق.

стр. 1066

﴿سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾: أيْ: أرنا الله بأعيننا، وتمادوا في طغيانهم حتى أرادوا رؤية الله جميعاً، الكل يريد أن يرى الله سبحانه. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة بعد سؤالهم. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾: أهلكتهم، وقضت عليهم. ﴿الصَّاعِقَةُ﴾: مثل رعد، وبرق فيه نار (تيار كهربائي) قضى عليهم. ارجع إلى سورة فصلت، آية (١٣)؛ لمزيد من البيان. ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾: الباء: للإلصاق، وقيل: باء السببية؛ أيْ: بسبب ظلمهم، أو بدل ظلمهم، الظلم: هو الخروج عن المنهج الرباني. ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: كان يكفي ذلك الظلم، حين طلبوا رؤية الله ، وكان يكفي أنهم اتخذوا العجل الذي صنعه السامري لهم، وثم: هنا لا تدل على الترتيب والتراخي، وإنما فقط على التعداد الذكري. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: من: الابتدائية لابتداء الغاية والمباشرة. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾: اتخذوا العجل، فلم يكن هناك زمن طويل يدعو إلى النسيان، والبينات مثل: فلق البحر، ونجاتهم من فرعون وجنوده، وغيره من الآيات، ولمقارنة جاءتهم البينات وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ٨٦]؛ ارجع إلى سورة آل عمران آية (٨٦) للبيان والفرق بين الآيتين.

стр. 1067

﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقب. ﴿فَعَفَوْنَا﴾: عن عبادتهم العجل بعد توبتهم، وقتل أولئك الذين عبدوا العجل. ﴿ذَلِكَ﴾: أي: اتخاذهم العجل، وطلبهم رؤية الله جهرةً وغيرها. ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: وآتينا موسى ﵇، والإيتاء: هو أعم من العطاء وأوسع، وليس فيه تملك؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمزيد من البيان في الإيتاء والعطاء. ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: هو التوراة و ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: الحُجَّة القوية الواضحة. ﴿مُبِينًا﴾: الواضح البيِّن لكل من قرأ التوراة، والذي لا يحتاج إلى تبيُّن من أحد، فهو واضح بنفسه؛ لما فيه من الأحكام، والأوامر الربانية. سورة النساء [٤: ١٥٤] ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِى السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ﴾: فوق بني إسرائيل. ﴿الطُّورَ﴾: أقل من الجبل حجماً وارتفاعاً وطولاً. ﴿وَرَفَعْنَا﴾: وفي آية أخرى، قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]. والنتق: يكون أولاً، ثم الرفع ثانياً، والنتق: يعني: القلع من جذره. وذكر الجبل والنتق في سياق التهديد الأشد، وذكر الطور والرفع في سياق التهديد الأقل شدة.

стр. 1068

حدث هذا النتق، ثم الرفع بعد أن امتنعوا من الأخذ والالتزام بتطبيق أحكام التوراة، وأعرضوا عن طاعة الله، وما جاء به موسى ﵇، والاستجابة له بعد أن أخذ عليهم الميثاق من قبل أن يعملوا على تطبيق ما أمرهم الله به، ونهاهم عنه، فلما رفع فوقهم الطور وأيقنوا أنه واقع بهم، عاهدوا الله عهداً مؤكداً جديداً للعمل بما في التوراة، فقبل الله منهم عهدهم. ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: ادخلوا باب بيت المقدس سجداً؛ أيْ: خاضعين خاشعين لله، فرفضوا. ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِى السَّبْتِ﴾: عدم اصطياد الحيتان (السمك) في يوم السبت؛ فخالفوا واصطادوا. ارجع إلى سورة الأعراف، الآيات (١٦٣ - ١٦٦). ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: عهداً، موثقاً مؤكداً جديداً بالإيمان، والأخذ بالتوراة، بقوةٍ وجدٍّ، والعمل بها، وذكر الميثاق الغليظ في ثلاث آيات. ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة.

стр. 1069

سورة النساء [٤: ١٥٥] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ﴿فَبِمَا﴾: الفاء: للتعقيب، والترتيب، والمباشرة؛ أيْ: لم يمضِ وقتاً طويلاً عليهم حتى عادوا إلى نقض الميثاق من جديد. والباء: للإلصاق، والتوكيد (باب السببية)، وما: للتوكيد. ﴿نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾: أيْ: بسبب نقضهم ميثاقهم (العهد المؤكد الذي أخذوه على أنفسهم بالالتزام بأوامر الله -جل وعلا-). ونقض الميثاق: يعني: حلّه؛ أيْ: رفض العمل به، أو التخلي عنه. وما فع له الله بهم، لم يبيِّنه في هذه الآية، بل بيَّنه في سورة المائدة، آية (١٣): ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾. ﴿وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: كفروا بآيات التوراة، والآيات الدالة على صدق نبوة محمد ﷺ ، وأنبياء الله ورسوله؛ الذين أرسلوا إليهم، أو المعجزات التي كانوا يشاهدونها بين الحين والآخر. ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾: كزكريا ﵇، ويحيى ﵇، وغيرهما من الأنبياء بغير ذنب. ارجع إلى سورة البقرة آية (٦١) للبيان المفصل بين الآيات المتشابهة في قتلهم الأنبياء، أو النبيين بغير حق، وبغير الحق. ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: أي: ادعوا أن قلوبهم غلف، ذوات غلف؛ أيْ:

стр. 1070

مغشاة بأغطية تمنع وصول أيِّ شيءٍ مما يدعو إليه من الإيمان والموعظة، أو لا تعي، ولا تفقه ما يقال لها من كلام الرسل والأنبياء، أو لسنا بحاجة إلى العلم، عندنا ما يكفينا من الهدى والرشاد الذي تركه آباؤنا، بسبب هذه الأمور الأربع؛ طبع الله على قلوبهم. بل: للإضراب الانتقالي. والحقيقة: أن الله هو الذي طبع على قلوبهم، ولعنهم بكفرهم؛ لأنهم تمادوا في كفرهم وطغيانهم. والطبع أشد من الختم، والذي يطبع على قلبه يُفقد الأمل منه في غالب الأحوال، إلّا ما رحم الله، فلا يدخل قلبه ذرة أو شعاع إيمان، ولا يخرج من قلبه ذرة كفر. ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: بالله ورسله، وما أنزل الله على رسله. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿قَلِيلًا﴾: أيْ: فلا يؤمن منهم إلّا القليل؛ (أمثال: عبد الله بن سلام وأصحابه)؛ أي: العدد القليل، أو إذا آمنوا يكون إيمانهم قليلاً كيفاً أو كماً. ولمقارنة هذه الآية بالآية (٨٨) في سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ ارجع إلى الآية (٨٨) في سورة البقرة للبيان.

стр. 1071

سورة النساء [٤: ١٥٦] ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾: الواو: عاطفة. بكفرهم: الباء: باء السببية؛ أيْ: سبب كفرهم. انتبه: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾: هذه ليس تكراراً لكفرهم الأول، وإنما يدل على نوع آخر من الكفر، فالكفر الأول بآيات الله والتوراة، والكفر الثاني بعيسى ابن مريم ﵇، والبهتان على مريم ﵍. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾: ﴿بُهْتَانًا﴾: البهتان: هو الكذب المتعمد الذي يبهت سامعه ويدهشه، والبهتان: نوع من أنواع الكذب المذكورة في القرآن، ومنها: الإفك، والاختلاق، والافتراء، والظن، والخرص … ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾: والبهتان العظيم: هو قذفهم مريم ﵍ بالزِّنى. ﴿عَظِيمًا﴾: العظيم: صفة للبهتان، يمثل أعلى درجات البهتان. سورة النساء [٤: ١٥٧] ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾: ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾: أي: اليهود؛ قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، هم لم يؤمنوا بعيسى أصلاً، فكيف قالوا: رسول الله؟ له ثلاثة احتمالات: الأول: قالوا: رسول الله على سبيل التهكم، والاستهزاء، مثل قول فرعون لموسى على سبيل التهكم: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]. الثاني: أو اعترفوا بأنه رسول الله بعد قتله، تبيَّن لهم ذلك.

стр. 1072

الثالث: أنه من قول الله سبحانه، وليس من قولهم، وهذا يدل على بشاعة ما فعلوه بعيسى ﵇. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾: الواو: استئنافية، وما: النافية؛ تنفي قتل عيسى ﵇. ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾: وما: للتأكيد، وللنفي بعدم القتل والصلب؛ أيْ: ما قتلوا عيسى، ولا صلبوه. ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾: أيْ: قتلوا، وصلبوا من أُلقي عليه شبهه، أو شبِّه لهم أنهم قتلوه، وفيمن ألقي عليه شبهه قولان: أحدهما: أنه كان رجلاً منافقاً من أصحاب عيسى ﵇، خرج ليدل عليه، فألقى الله شبه عيسى عليه، فأُخذ وصلب. والثاني: أنه كان رجلاً من أصحاب عيسى ﵇؛ لما علم عيسى أنه سيُرفع إلى السماء، سأل حواريه: أيكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي، فقام شاب، وقال: أنا، ثم أعاد عيسى القول ثلاث مرات، وكل مرة كان يقوم الشاب، فتمَّ ذلك. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾: ﴿الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: أي: اليهود، أو النصارى. فاليهود: اختلفوا في الذي ألقوا عليه القبض، هل كان هو عيسى حقيقة أم غيره، والنصارى اختلفوا فيه، هل هو إله أم هو ثالث ثلاثة، أم هو ابن الله -جل وعلا-. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ﴾: أي: اليهود والنصارى الذين اختلفوا في عيسى؛ لفي: اللام: للتوكيد؛ في: ظرفية؛ شك: التردد بين الشيئين استوى طرفاه. ﴿مِّنْهُ﴾: أي: عيسى ﵇.

стр. 1073

وقد اختلفت الروايات في هذه النهاية العجيبة لعيسى ﵇، كما كانت ولادته أمراً عجيباً، والقرآن يخبرنا بحقائق ثابتة هي أنهم ما قتلوه، وما صلبوه، بل رفعه الله إليه. وقوله: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾: شبه: أي: في الكيفية؛ أي: شبهه الله لهم بأنه عيسى، ولم يكن عيسى، وإنهم: ﴿لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾: فتدل على اضطراب حالتهم الفكرية حينذاك، واختلاط الأمور عليهم؛ الظن: هو رجحان طرف الثبات على طرف النفي. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾: إعادة النفي، وتكرار كلمة ما قتلوه، تؤكد عدم قتلهم له، وهم أنفسهم كانوا غير متيقنين من قتله، بل شاكّين بمن قتلوا، وكان كل علمهم به ظناً. سورة النساء [٤: ١٥٨] ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: ﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي؛ أيْ: إبطال الكلام السابق أنهم قتلوه، أو صلبوه. ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾: وقد ذكر الله سبحانه في آية (٥٥) من سورة آل عمران كيف تمت عملية الرفع والوفاة معاً، أو الوفاة والرفع. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ﴾: ورفع عيسى ﵇ ليس أمراً عجيباً، بل أعجب من ذلك حادثة المعراج التي قام بها رسول الله ﷺ . ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾: كان، وما يزال، وسيظل عزيزاً حكيماً، فالعزة، والحكمة: صفات لذاته، لا تنفك عنه، ولا تزول.

стр. 1074

﴿عَزِيزًا﴾: الذي لا يُغلب، ولا يقهر، وغالب على أمره إذا أرادوا قتل عيسى ﵇. ﴿حَكِيمًا﴾: حكيم فيما يدبره، ويقدره، وفيما يفعله من الأمور سبحانه، لا يُسأل عمّا يفعل، وهم يسألون، حكيم من الحكمة، وحكيم من الحكم، فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. وهناك احتمال آخر: حينما ذهبوا لقتله؛ رأى بعض هؤلاء الذين دخلوا على عيسى ﵇، وهو يُرفع إلى السماء، وخافوا أن يعلم الناس بذلك، فيؤمنوا به، ويفضح أمرهم، فأخذوا الذي دلّهم عليه مكانه وصلبوه، وسواء أكان انتقاماً منه، أو خوفاً من أن يخبر الناس بحقيقة عيسى ﵇، الله أعلم. والبحث هذا لا يهمنا، المهم أن الله رفعه إليه، ويكفينا أنه يقول الحق لنا: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾: إذن نؤمن بذلك، وأنه سوف يكون من علامات الساعة. لقد وردت في الآية ثلاث كلمات معاً: الشك، والظن، واليقين، ولكل منها معنى يختلف عن الآخر. الشك: هو التردد بين أمرين، أو طرفين على حد سواء. أو تتساوى فيه كفة النفي، وكفة الإثبات؛ أي: النسبتين كما نقول: (٥٠%، ٥٠%)، وهو اضطراب نفسي. أما الظن: التردد الراجح؛ أي: إذا رجحت كفة الإثبات، وأصبحت أكثر من (٥٠%).

стр. 1075

واليقين: هو الأمر الثابت المعقود في الواقع، والقلب بحيث لا يطفو إلى الذهن؛ ليناقش من جديد، أو يتغير، أو هو العلم بالحق، مع العلم أنه لا يكون غيره. سورة النساء [٤: ١٥٩] ﴿وَإِنْ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾: ﴿وَإِنْ﴾: تفسيرية؛ تفيد التوكيد. ﴿مِّنْ﴾: استغراقية تشمل كل ﴿أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، وكذلك النون في يؤمنن به، أو من بعضية، بعض أهل الكتاب، وليس الكل إلا ليؤمنن به قبل موته، أقل احتمالاً من الاستغراقية. ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: الهاء قبل موته: تعود إلى عيسى ﵇ بعد عودته إلى الأرض، وموته الحقيقي قبيل حدوث الساعة، وهناك من قال: الهاء تعود على من يموت من أهل الكتاب. ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد؛ أيْ: ليصدقنه، ويؤمنن به رسولاً، وبشراً، وعبداً، وليس إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة. ﴿بِهِ﴾: تعود على عيسى ﵇. ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: الهاء: تعود على عيسى ﵇، أو إلى الميت من أهل الكتاب، وهناك عدة احتمالات في التفسير: الاحتمال الأول: لا تخرج روح أو نفس أيِّ نصراني من ملَّة عيسى ﵇ حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وليس إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة.

стр. 1076

الاحتمال الثاني: قالوا: بعد موت عيسى ﵇ الموتة الحقيقية؛ أيْ: بعد نزوله قبل الساعة، فكل نصراني في ذلك الزمن سيؤمن ويصدق بعيسى ﵇: أنه رسول الله، وعبده، وليس ثالث ثلاثة، أو إله، أو ابن إله. الاحتمال الثالث: بعد نزول عيسى ﵇، وكسره الصليب، والحكم بالإسلام؛ عندها كل واحد من أهل الكتاب عند موته يشهد أن محمداً حق، والإسلام حق، ويؤمن بمحمد ﷺ ، ويشهد أن عيسى هو رسول، وعبد، وليس إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾: أيْ: يكون عيسى ﵇ شهيداً على أهل الكتاب. أنه بلغ رسالات ربه، ويشهد على الذين ادّعوا له بالألوهية وكفرهم، وعلى الذين كذّبوه من اليهود وغيرهم، ودين الإسلام هو الدِّين الحق، وتميل الأدلة وأقوال المفسرين إلى القول: ما من أحد من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان؛ إلا ليؤمنن بأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وقبل موته، الهاء: تعود هنا إلى كل كتابي؛ أيْ: قبل أن يموت إلّا ليؤمن بأن عيسى رسول، وعبد، وليس إلهاً، أو ابن إله. وقد تحمل الآية معنى الإيمان بمحمد ﷺ ؛ لأن عيسى ﵇ سوف يكسر الصليب أمام أهل الكتاب، ويدين بالإسلام، ويصلي وراء أحد المسلمين. سورة النساء [٤: ١٦٠] ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: بعض أسباب تحريم الطيبات على الذين هادوا:

стр. 1077

السبب الأول: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾: الفاء: للتوكيد؛ أيْ: بسبب ظلمهم بسبب ما ارتكبه اليهود من ذنوب، مثل نقضهم الميثاق، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق. حرَّم الله طيبات أحلت لهم سابقاً، وقد ذكرها الله في سورة الأنعام، الآية (١٤٦)، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾. وحدث هذا في زمن موسى ﵇، ثم جاء عيسى ﵇، فأحلَّ لهم بعض الذي حرَّم عليهم. السبب الثاني: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾: فالتحريم كان سببه الظلم من جهة، وصدّ الناس كثيراً عن سبيل الله، من جهة أخرى. الباء: باء السببية، أيْ: بسبب. ﴿وَبِصَدِّهِمْ﴾: الصد: المنع والصرف؛ أي: منع الناس من الدخول في دِين الله، واتباع الحق، وقيل: عن سبيل الله؛ أي: الإسلام، وذلك بسبب كتمانهم البشارة بالنبي محمد ﷺ . ﴿كَثِيرًا﴾: تعني: الكثير من الناس، أو تعني: القيام بالصد المتكرر، والمتجدد، والمستمر، أو تعني: الوقت، يصرفون الوقت الطويل في القيام بالصد عن سبيل الله، أو تعني: الكل.

стр. 1078

سورة النساء [٤: ١٦١] ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: وهذا هو السبب الثالث للتحريم؛ فهو: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: أخذهم الربا، وقد نهوا عنه؛ أي: التعامل بينهم بالربا والفائدة، وأكلهم له وهو محرم عليهم. وقد: تفيد التحقيق والتوكيد، نهوا عنه في التوراة. وأما السبب الرابع: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾: فمثل الرشوة، السرقة، الغش. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: هيَّأنا وأعددنا للكافرين، وأعتدنا: حالة خاصة من أعددنا؛ أعددنا: أعم وتشمل كثير من الإعدادات، وأعتدنا: غالباً ما يكون في العذاب. ﴿لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾: من البعضية منهم، وليس كلهم؛ لأن هناك فئة مؤمنة، سيأتي ذكرها بعد قليل. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾: عذاباً شديد الإيلام ودائماً. سورة النساء [٤: ١٦٢] ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: ﴿لَكِنِ﴾: حرف استدراك. تعريف الراسخ في العلم: هو الثابت على إيمانه، لا يتزحزح عنه، ولا تأخذه الأهواء، أو النزوات، وهو صاحب يقين. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٧)؛ لمزيد من البيان. ﴿مِنْهُمْ﴾: من أهل الكتاب.

стр. 1079

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: أيْ: ليس كل أهل الكتاب نقضوا الميثاق، وكفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء، وأكلوا أموال الناس، هناك فئة منهم. ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: وهو القرآن، أمثال: عبد الله بن سلام، وأصحابه. ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: من سائر الكتب الأخرى. ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾: بدل من المقيمون الصلاة؛ لكونها معطوفة على مرفوع (المؤمنون)، فعطف بالنصب على المرفوع؛ أيْ: كسر الحق إعراب هذه الكلمة؛ ليلفتنا إلى (أهمية الصلاة). وإثارة الانتباه إليها وفضلها، وهناك في الشعر ما يقال له: كسر الإعراب بقصد المدح، فهي منصوبة على الاختصاص. لأن إقامة الصلاة فيها دوام وإعلان الولاء لله، حيث لا ينقطع الولاء في أيِّ حالٍ من أحوال المسلم، ولا في أيِّ زمنٍ ما دام فيه العقل. ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: عاد إلى الرفع، فقال: المؤتون، المؤمنون. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: قمَّة وبداية الإيمان، الإيمان بالله تعالى، والإلوهية، والربوبية، والصفات، والأسماء، والتنزيه، والإيمان باليوم الآخر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨) لمزيد من البيان. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، يدل على بعد المنزلة، وارتفاع مكانتهم. ﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾: السين حرف استقبال لاستقبال القريب. ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾: هو الجنة ونعيمها، وتنكير الأجر؛ للتفخيم والتعظيم.

стр. 1080

سورة النساء [٤: ١٦٣] ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: ﴿إِنَّا﴾: ضمير متصل بصيغة الجمع؛ للتعظيم. ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: الوحي لغةً: هو إعلام بخفاء؛ أيْ: كلام خفي، لا يعلمه أحد سوى الموحى إليه، والوحي بالمعنى الشرعي هو ما يُلقي الله تعالى إلى أنبيائه ورسله من آيات، ومن تكاليف، وتعاليم دِينية، ووعد ووعيد. والوحي قد يكون بإرسال رسول؛ أيْ: ملك من الملائكة، كما هو الحال في جبريل، إلى رسول من الرسل، أو التكليم من وراء حجاب. والوحي قد يكون بالإلهام؛ أي: القذف بمعانٍ تلقى في القلب في حالة اليقظة، أو المنام، كما حدث لإبراهيم حين رأى في المنام أن يذبح ابنه، وكما حدث لأم موسى بإلقاء موسى في التابوت. والوحي: أصله الإشارة السريعة، كما فعل زكريا حين أوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً، وكان الوحي يأتي رسول الله ﷺ بشكل خفي، ويبدأ مثل صلصلة الجرس، يبدأ بعدها الوحي، أو بشكل رجل، وكانت بعض علامات الوحي تظهر على رسول الله ﷺ مثل: يتفصد جبينه بالعرق، أو يشعر بالثقل في الحركة، والله سبحانه قادر أن يوحي السماء، أو الأرض، أو الجبال، أو الطير، أو الحيوان، أو غيرها بطرق غريزية، أو غيرها.

стр. 1081

والخلاصة: الوحي بالمعنى الشرعي: يطلق على الإعلام بخفاء من الله تعالى لرسله، وبقية الإيحاءات تأخذها بالمعنى اللغوي. ارجع إلى سورة الشورى، آية (٥١). ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: والخطاب هنا إلى رسول الله ﷺ . ﴿كَمَا﴾: الكاف للتشبيه، ما: مصدرية؛ أيْ: أوحينا إليك، كما أوحينا، كما؛ أيْ: مثل ما أوحينا إلى نوح، والنبيين من بعده. وبدأ بنوح، ولم يبدأ بآدم؛ لأنه أبو البشر، وأقدم الأنبياء، وأول أولي العزم من الرسل. ﴿وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: أمثال هود، وصالح، وشعيب: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: وأوحينا: هذا يسمَّى عطف الخاص على العام؛ لزيادة التنبيه على شرف هؤلاء الرسل، والنبيين الذين ذكر أسماءَهم، ومنهم: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط؛ ارجع إلى سورة آل عمران آية (٨٤) للبيان. ﴿وَعِيسَى﴾: ارجع إلى الآيات (٤٥ - ٦٢) من سورة آل عمران. ﴿وَأَيُّوبَ﴾: ارجع إلى الآية (٨٣ - ٨٤) من سورة الأنبياء. ﴿وَيُونُسَ﴾: ارجع إلى الآيات (٨٧ - ٨٨) من سورة الأنبياء، والآيات (١٣٩ - ١٤٧) من سورة الصافات. ﴿وَهَارُونَ﴾.

стр. 1082

﴿وَسُلَيْمَانَ﴾: ارجع إلى الآيات (٣٤ - ٣٥) من سورة (ص)، والآيات (١٥ - ٤٤) من سورة النمل. ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾: الزبور: بفتح الزاي؛ يعني: الكتاب الذي أنزل على داود. وجمع الزبور: الزُّبر: بضم الزاي، إذن: الزَّبور كتاباً، والزُّبر: الكتب، والزَّبور: يمتاز بالحمد والثناء على الله سبحانه، وليس فيه أحكام، إنما أمثال وحكم (جمع حكمة)، والزَّبور: مشتقة من زبر البئر؛ أيْ: أصلحها بحيث لا ينهال التراب من أطرافها فتطمر، ويكون ذلك بالبنيان بالحجارة، وغيرها. وزَبْرا: قد يعني العقل، وكما يسيطر العقل على أفعال الفرد، والحجارة على تراب البئر، وكما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦]، وقوله تعالى: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [آل عمران: ١٨٤]. سورة النساء [٤: ١٦٤] ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: ﴿وَرُسُلًا﴾: جمع رسول، والرسل تشمل الرسل والأنبياء، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، وهناك فرق بين الرسول والنبي؛ فقد ذكر رسول الله ﷺ في حديث صحيح رواه الإمام أحمد في «مسنده»: أن عدَّة الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألف نبي، وعدَّة الرسل: ثلاثمئة وبضعة عشر رسولاً (٣١٤). والتعريف العام، أو المختار: أن الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي: هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، والكل مأمورون بالتبليغ .... ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد، وتقريب؛ أيْ: قصصناهم عليك منذ زمن قريب.

стр. 1083

﴿قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: قصصنا عليك أخبارهم في القرآن، وعددهم (٢٥) رسولاً. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: إنزال سورة النساء؛ أيْ: في السور الأخرى التي أنزلت قبل سورة النساء، وسورة النساء من أواخر السور ترتيبها في النزول (٩٢). ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾: أيْ: رسلاً آخرين لا تعرفهم، وعليك الإيمان بهم جميعاً: ﴿لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾، حيث قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦]. ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾: أيْ: من وراء حجاب، حين نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة من جانب الطور الأيمن. ﴿تَكْلِيمًا﴾: للتوكيد أنه تكليم مباشر ومن وراء حجاب، وليس عبر جبريل ﵇. سورة النساء [٤: ١٦٥] ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾: من البشارة؛ وهي الأخبار بما يسر به المخبر به، ولأول مرة، والسرور يؤدِّي إلى تغير، يبدو على وجه الإنسان وبشرته. ﴿مُبَشِّرِينَ﴾: المؤمنين الذين يعملون الصالحات، مبشرين بالجنة، والنجاة من النار. ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾: من الإنذار، وهو: الإعلام المصاحب بالتخويف، والزجر عن القبيح.

стр. 1084

﴿وَمُنْذِرِينَ﴾: الكافرين، والمنافقين، والمكذبين، والعاصين، وغيرهم منذرين بالنار، والحميم، وشجر الزقوم، وغيرها. ﴿لِئَلَّا﴾: اللام: لام التعليل. أن: حرف مصدري يفيد التوكيد، لا: النافية. ﴿يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾: الحُجَّة: البينة، أو الدلالة، والحُجَّة: مشتقة من معنى الاستقامة في القصد. ﴿وَكَانَ﴾: تشمل كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾: ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة. سورة النساء [٤: ١٦٦] ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾: أيْ: إذا كان المشركون، وأهل الكتاب لا يشهدون بنبوّتك، وطلبوا بمن يشهد لك، فالله سبحانه يشهد لك بالنبوَّة، وبإنزال الكتاب إليك؛ أي: القرآن العظيم. ﴿بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، ﴿أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾: هو القرآن يشهد على نبوتك. ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾: فيها تأكيد للشهادة، والهاء في أنزله: تعود على القرآن العظيم، و ﴿بِعِلْمِهِ﴾: تعني: بأنك رسوله إلى الناس كافة، وبعلمه الذي أراد أن يطلع عليه عباده. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾: على نبوتك. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: أيْ: حتى شهادة الملائكة لا يُحتاج إليها.

стр. 1085

ويكفي أن يكون الله شهيداً لك. وحرف الباء بـ: ﴿بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: تفيد التوكيد؛ أيْ: ولا تحتاج بعد شهادته إلى أيِّ شهيدٍ. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٣)؛ لمزيد من البيان. سورة النساء [٤: ١٦٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالله، وبما أنزل، وجحدوا بنبوة محمد ﷺ ، وكتبه ورسله. ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الصد: المنع وصرف الغير؛ أي: صرفوا، أو منعوا الناس عند الدخول في الإسلام، واتباع الرسول ﷺ بشتى الوسائل. ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد. ﴿ضَلُّوا﴾: ابتعدوا بعيداً عن طريق الهداية والحق، ويصعب عليهم العودة إليه مرة أخرى. ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: أيْ: تعدَّوا الضلال (ضلال أنفسهم) إلى الضلال البعيد؛ حيث أضلوا غيرهم، وامتدّ ضلالهم حتى بعد موتهم إلى إضلال الأجيال القادمة، ولم يقتصر ضلالهم على زمنهم، بل امتد أزماناً طويلةً. ارجع إلى الآية (٦٠) من سورة النساء؛ لمزيد من البيان. سورة النساء [٤: ١٦٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾: هذه الآية ليست تكراراً للآية السابقة؛ فهي آية يبيِّن الله فيها حُكمه في ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: الذين ذكرهم الله في الآية (١٦٧). ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول فيه معنى التحقيق.

стр. 1086

﴿كَفَرُوا﴾: ارجع إلى الآية (١٦٧)، من نفس السورة. ﴿وَظَلَمُوا﴾: أيْ: أشركوا، وظلموا بارتكاب المعاصي، والآثام، والمحرمات، وظلموا بكتمان نبوة محمد ﷺ ، وظلموا بصدِّ الناس عن دِين الإسلام، أو ظلموا أنفسهم بالخروج عن طاعة الله ورسوله، وغيرهم وبأوجه الظلم الأخرى. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي. ﴿يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾: اللام في كلمة ليغفر: للتوكيد (لام النفي)؛ أيْ: لم يكن الله ليغفر لهم إذا ماتوا وهم على الكفر والظلم، ولم يتوبوا إلى الله ، ويكفوا عن ظلمهم. ﴿وَلَا﴾: لا: نافية مؤكدة لحرف لم؛ لنفي المغفرة لهم، ولنفي الهداية، ونفي كلٍّ منهما وحده، أو معاً. ﴿لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾: طريقاً نكرة؛ تعني: أيَّ طريقٍ يوصل إلى الهدى. وكلمة طريق ذكرت في القرآن في أربع آيات في سورة النساء الآية (١٦٨ - ١٦٩)، وفي سورة الأحقاف الآية (٣٠)، وهي قوله تعالى: ﴿يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وفي سورة طه الآية (٧٧)، وهي قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا﴾، والطريق عادة يكون صعباً غير سهلاً أو وعراً إلا إذا اقترن بالمستقيم. سورة النساء [٤: ١٦٩] ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر وقصر؛ أيْ: لا طريق أمامهم يوم القيامة سوى طريق جهنم. ﴿طَرِيقَ﴾: ارجع إلى الآية السابقة (١٦٨) للبيان.

стр. 1087

﴿جَهَنَّمَ﴾: قيل: اسم من أسماء دركات النار، ارجع إلى الآية (١٢) من سورة آل عمران؛ لمزيد من البيان. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود: المكث، الذي لا نهاية له، ويبدأ من زمن دخولهم فيها، ولا خروج بعده منها أبداً؛ لأن هناك من يدخل جهنم، ويخرج منها، وهؤلاء يقال لهم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ من دون ﴿أَبَدًا﴾، وهم أصحاب الكبائر من المسلمين، فهؤلاء يمكثون فيها مدة، قد تقصر، أو تطول حسب مشيئة الله، ثم يخرجون منها. ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد، ويشير إلى أن إدخالهم في جهنم أمرٌ سهلٌ هيِّنٌ على الله، وفي الحقيقة ليس هناك أيُّ أمرٍ يصعب على الله سبحانه، فهو لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، وقوله: ﴿يَسِيرًا﴾: هو فقط لتقريبه من الأذهان. سورة النساء [٤: ١٧٠] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَّبِّكُمْ فَئَامِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿يَاأَيُّهَا﴾ يا: أداة نداء، والهاء: للتنبيه، نداء إلى الناس كافة، ويراد به المشركون، كما قال ابن عباس ﵄. ﴿النَّاسُ﴾: مشتقة من النوس؛ أي: الحركة. ارجع إلى سورة البقرة، الآية (٢١)؛ لمزيد من البيان. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿الرَّسُولُ﴾: محمد ﷺ . ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للتوكيد والإلصاق، الحقّ: وهو القرآن الكريم، أو الدِّين

стр. 1088

الحق، والحق: هو الشيء الثابت؛ الذي لا يتغير، مهما تغيرت الأحوال والأزمان، ويعني الوحي. ﴿مِنْ رَّبِّكُمْ﴾. ﴿فَئَامِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾: فآمنوا بما جاءكم به؛ أيْ: صدقوه واتبعوه، وهو القرآن، خيرٌ لكم، وفي قوله إنذار. ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: ﴿وَإِنْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال. ﴿تَكْفُرُوا﴾: بمحمد ﷺ ، وبما أنزل الله، وكتبه، ورسله، وملائكته، واليوم الآخر. ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ارجع إلى الآية (١٢٦) من سورة النساء. ﴿وَكَانَ﴾: تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿اللَّهُ عَلِيمًا﴾: بخلقه، وبمن يستحق الثواب، أو العقاب، بالمسيء، والمحسن، وبأفعال، وأقوال خلقه. ﴿حَكِيمًا﴾: في تدبير خلقه، وكونه، وشرعه، وأقواله، وأفعاله. ارجع إلى الآية (١٧) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان. فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ووردت كلمة ﴿حَكِيمًا﴾: في هذه السورة سبع مرات. وفي هذه الآية: تهديد ووعيد للكافرين.

стр. 1089

سورة النساء [٤: ١٧١] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: ﴿يَاأَهْلَ﴾: يا: أداة نداء، والهاء: للتنبيه. ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: النصارى، واليهود، وناداهم بأهل الكتاب (أهل التوراة، والإنجيل)؛ فيه مدح لهم، وناداهم مباشرة، ولم يناديهم بالذين أوتوا نصيباً من الكتاب. ﴿لَا﴾: الناهية. ﴿تَغْلُوا﴾: الغلو: مجاوزة الحدّ، والغلو: إما إفراط، أو تفريط. إفراط: كما فعلت النصارى بعيسى ابن مريم ﵇؛ إذ قالوا: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. تفريط: كما فعل اليهود حين اتهموا مريم ﵍ بالزِّنى، ولم يؤمنوا بعيسى ﵇. وقيل: الغلو: هو التشدد في الدِّين، والتنطُّع، والافتراء على الله. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية، وتكرار لا: تفيد التوكيد.

стр. 1090

﴿تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾: لا تقولوا عيسى ابن الله، أو له صاحبة، وإن الملائكة بنات الله، وغيرها من الافتراءات، أو له شريك (ثالث ثلاثة). ﴿إِلَّا الْحَقَّ﴾: أداة حصر، وقصر، فقط قولوا الحق، وهو الأمر الثابت الذي لا يتغيَّر. وإذا قارنا هذه الآية بالآية (٧٧) في سورة المائدة وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾: ١ - نجد آية النساء جاءت في سياق القول: (لا تقولوا على الله إلا الحق)، ونجد آية المائدة جاءت في سياق اتباع أهواء قوم. ٢ - وإلا تفيد الاستثناء وغير تفيد المغايرة، فالآية: (لا تغلوا في دينكم غير الحق): تشمل معنى لا تقولوا على الله إلا الحق، وقد تكون لمعنى آخر هو عدم اتباع أهواء قوم؛ أي: لها مثال لا تعبد إلا الله؛ أي: الأمر بعبادة الله فقط، وقولك: لا تعبد غير الله: فيها نهي عن عبادة غير الله ومتضمنة الأمر بعبادة الله تعالى وحده. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد. ﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: انتبه إلى قوله: عيسى ابن من!! ابن مريم. ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: ردٌّ على اليهود الذين أنكروا نبوة عيسى، وردٌّ على النصارى الذين قالوا: إن المسيح هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة. ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾: أطلق عليه كلمته؛ لأنه خُلق بالكلمة، بكلمة كن فيكون ﵇، فعيسى ليس كلمة بمعنى الكلمة التي تقال، بل يأكل ويشرب، وهو بشر، وإنسان ككلِّ البشر.
следующие страницы →