Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
﴿كَفَرُوا﴾: ارجع إلى الآية (١٦٧)، من نفس السورة.
﴿وَظَلَمُوا﴾: أيْ: أشركوا، وظلموا بارتكاب المعاصي، والآثام، والمحرمات، وظلموا بكتمان نبوة محمد ﷺ ، وظلموا بصدِّ الناس عن دِين الإسلام، أو ظلموا أنفسهم بالخروج عن طاعة الله ورسوله، وغيرهم وبأوجه الظلم الأخرى.
﴿لَمْ﴾: حرف نفي.
﴿يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾: اللام في كلمة ليغفر: للتوكيد (لام النفي)؛ أيْ: لم يكن الله ليغفر لهم إذا ماتوا وهم على الكفر والظلم، ولم يتوبوا إلى الله ، ويكفوا عن ظلمهم.
﴿وَلَا﴾: لا: نافية مؤكدة لحرف لم؛ لنفي المغفرة لهم، ولنفي الهداية، ونفي كلٍّ منهما وحده، أو معاً.
﴿لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾: طريقاً نكرة؛ تعني: أيَّ طريقٍ يوصل إلى الهدى.
وكلمة طريق ذكرت في القرآن في أربع آيات في سورة النساء الآية (١٦٨ - ١٦٩)، وفي سورة الأحقاف الآية (٣٠)، وهي قوله تعالى: ﴿يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، وفي سورة طه الآية (٧٧)، وهي قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَبَسًا﴾، والطريق عادة يكون صعباً غير سهلاً أو وعراً إلا إذا اقترن بالمستقيم.
سورة النساء [٤: ١٦٩]
﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر وقصر؛ أيْ: لا طريق أمامهم يوم القيامة سوى طريق جهنم.
﴿طَرِيقَ﴾: ارجع إلى الآية السابقة (١٦٨) للبيان.
стр. 1087
﴿جَهَنَّمَ﴾: قيل: اسم من أسماء دركات النار، ارجع إلى الآية (١٢) من سورة آل عمران؛ لمزيد من البيان.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود: المكث، الذي لا نهاية له، ويبدأ من زمن دخولهم فيها، ولا خروج بعده منها أبداً؛ لأن هناك من يدخل جهنم، ويخرج منها، وهؤلاء يقال لهم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ من دون ﴿أَبَدًا﴾، وهم أصحاب الكبائر من المسلمين، فهؤلاء يمكثون فيها مدة، قد تقصر، أو تطول حسب مشيئة الله، ثم يخرجون منها.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعد، ويشير إلى أن إدخالهم في جهنم أمرٌ سهلٌ هيِّنٌ على الله، وفي الحقيقة ليس هناك أيُّ أمرٍ يصعب على الله سبحانه، فهو لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، وقوله: ﴿يَسِيرًا﴾: هو فقط لتقريبه من الأذهان.
سورة النساء [٤: ١٧٠]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَّبِّكُمْ فَئَامِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾:
﴿يَاأَيُّهَا﴾ يا: أداة نداء، والهاء: للتنبيه، نداء إلى الناس كافة، ويراد به المشركون، كما قال ابن عباس ﵄.
﴿النَّاسُ﴾: مشتقة من النوس؛ أي: الحركة. ارجع إلى سورة البقرة، الآية (٢١)؛ لمزيد من البيان.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿الرَّسُولُ﴾: محمد ﷺ .
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للتوكيد والإلصاق، الحقّ: وهو القرآن الكريم، أو الدِّين
стр. 1088
الحق، والحق: هو الشيء الثابت؛ الذي لا يتغير، مهما تغيرت الأحوال والأزمان، ويعني الوحي.
﴿مِنْ رَّبِّكُمْ﴾.
﴿فَئَامِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾: فآمنوا بما جاءكم به؛ أيْ: صدقوه واتبعوه، وهو القرآن، خيرٌ لكم، وفي قوله إنذار.
﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾:
﴿وَإِنْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال.
﴿تَكْفُرُوا﴾: بمحمد ﷺ ، وبما أنزل الله، وكتبه، ورسله، وملائكته، واليوم الآخر.
﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ارجع إلى الآية (١٢٦) من سورة النساء.
﴿وَكَانَ﴾: تستغرق كل الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.
﴿اللَّهُ عَلِيمًا﴾: بخلقه، وبمن يستحق الثواب، أو العقاب، بالمسيء، والمحسن، وبأفعال، وأقوال خلقه.
﴿حَكِيمًا﴾: في تدبير خلقه، وكونه، وشرعه، وأقواله، وأفعاله. ارجع إلى الآية (١٧) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء.
ووردت كلمة ﴿حَكِيمًا﴾: في هذه السورة سبع مرات.
وفي هذه الآية: تهديد ووعيد للكافرين.
стр. 1089
سورة النساء [٤: ١٧١]
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾:
﴿يَاأَهْلَ﴾: يا: أداة نداء، والهاء: للتنبيه.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: النصارى، واليهود، وناداهم بأهل الكتاب (أهل التوراة، والإنجيل)؛ فيه مدح لهم، وناداهم مباشرة، ولم يناديهم بالذين أوتوا نصيباً من الكتاب.
﴿لَا﴾: الناهية.
﴿تَغْلُوا﴾: الغلو: مجاوزة الحدّ، والغلو: إما إفراط، أو تفريط.
إفراط: كما فعلت النصارى بعيسى ابن مريم ﵇؛ إذ قالوا: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة.
تفريط: كما فعل اليهود حين اتهموا مريم ﵍ بالزِّنى، ولم يؤمنوا بعيسى ﵇.
وقيل: الغلو: هو التشدد في الدِّين، والتنطُّع، والافتراء على الله.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية، وتكرار لا: تفيد التوكيد.
стр. 1090
﴿تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾: لا تقولوا عيسى ابن الله، أو له صاحبة، وإن الملائكة بنات الله، وغيرها من الافتراءات، أو له شريك (ثالث ثلاثة).
﴿إِلَّا الْحَقَّ﴾: أداة حصر، وقصر، فقط قولوا الحق، وهو الأمر الثابت الذي لا يتغيَّر. وإذا قارنا هذه الآية بالآية (٧٧) في سورة المائدة وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾:
١ - نجد آية النساء جاءت في سياق القول: (لا تقولوا على الله إلا الحق)، ونجد آية المائدة جاءت في سياق اتباع أهواء قوم.
٢ - وإلا تفيد الاستثناء وغير تفيد المغايرة، فالآية: (لا تغلوا في دينكم غير الحق): تشمل معنى لا تقولوا على الله إلا الحق، وقد تكون لمعنى آخر هو عدم اتباع أهواء قوم؛ أي: لها مثال لا تعبد إلا الله؛ أي: الأمر بعبادة الله فقط، وقولك: لا تعبد غير الله: فيها نهي عن عبادة غير الله ومتضمنة الأمر بعبادة الله تعالى وحده.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد.
﴿الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾: انتبه إلى قوله: عيسى ابن من!! ابن مريم.
﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾: ردٌّ على اليهود الذين أنكروا نبوة عيسى، وردٌّ على النصارى الذين قالوا: إن المسيح هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة.
﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾:
أطلق عليه كلمته؛ لأنه خُلق بالكلمة، بكلمة كن فيكون ﵇، فعيسى ليس كلمة بمعنى الكلمة التي تقال، بل يأكل ويشرب، وهو بشر، وإنسان ككلِّ البشر.
стр. 1091
وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٩٥].
وعيسى هو نفس، أو ذات كأي نفس، أو ذاتٍ خلقها الله، وأضاف إلى الكلمة الهاء: فقال: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾: تشريفاً لعيسى ﵇، كقوله -جل وعلا-: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ﴾، وعيسى ذات بائنة وميته.
﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾: أيْ: أعلمها، وأخبرها بها، وهي: كن؛ فكان بشراً من غير أب، أو أوصلها الله إلى مريم ﵍ عن طريق جبريل ﵇.
ولنعلم: أن الله سبحانه لم يذكر في القرآن امرأة باسمها العَلم سوى مريم؛ فقد ذكرت في نحو ثلاثين موضعاً، مع أن العرب من عادتهم لا يذكرون اسم الزوجة، أو المرأة، ومع ذلك ذكرها الله ثلاثين مرة؛ لكونها مطهَّرة ومصطفاة، وأم عيسى ﵇، فلو كان لعيسى أبٌ لما ذُكر اسمها ﵍؛ لأنه سيقول آنذاك: ابن فلان.
﴿وَرُوحٌ﴾: أيْ: صار جسده ﵇ بالكلمة، فنفخت فيه الروح بعدئذٍ، كما يحدث لأي جنين، حينما يتشكل في رحم أمه.
والروح خلق من مخلوقات الله ، كما قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى﴾ [الإسراء: ٨٥].
﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾: هذه العبارة هي التي أضلت الكثير؛ فضلُّوا، وأضلُّوا، ولذلك علينا الانتباه إلى ما يلي:
أولاً: من: لا تعني: بعضاً؛ أيْ: جزءاً من الله سبحانه.
стр. 1092
وإنما هي للابتداء؛ أي: ابتدائية؛ كقوله : ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣].
ثانياً: روح عيسى: هي روح من الأرواح التي خلقها الله سبحانه لا أكثر، ولا أقل.
ثالثاً: كونه سبحانه أضافها إليه، فقال: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾: من باب التشريف، وذلك بإضافة المخلوقة إلى خالقها؛ كقوله: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾، ﴿إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ﴾، ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ﴾، وهكذا، هذه الإضافة لا تعني أنها ناقة الله، فهي ناقة كغيرها من النوق، وشرفها الله بأن قال: ناقة الله، فقد كانت معجزة عظيمة لقوم صالح ﵇.
﴿فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: ارجع إلى الآية (١٥٢) من سورة النساء، وسورة البقرة، آية (٢٨٥)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية.
﴿تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾: الأب، والابن، وروح القدس، بل قولوا: إلهاً واحداً.
﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ﴾: أيْ: كفُّوا عن كلمات الباطل خيراً لكم، وأفضل لدنياكم وآخرتكم.
﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد.
﴿اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: الله: مبتدأ، إله: خبر، واحدٌ: نعت لإله، مرفوع مثله.
стр. 1093
﴿وَاحِدٌ﴾: ولم يقل: أحد.
فالواحد يعني: لا يتجزأ، ولا يكون منه ولد، أو جاء من أب.
أما الأحد: فلا مثيل له أبداً. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.
﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيه لله عما لا يليق به من كل نقصٍ.
وسبحانه: اسم مصدر سماعي، تقديره: أسبح سبحانه أن هذا لا يكون (له ولد)، وأن الله منزّه عن ذلك. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (١)؛ لمزيد من البيان في التسبيح، وسورة الحديد، آية (١).
والقاعدة: في القرآن إذا جاءت بعد كلمة ولد سبحانه، الأفضل الوقوف على ولد في التلاوة، ثم البدء بسبحانه.
﴿أَنْ يَكُونَ﴾: أن حرف مصدري؛ يفيد التوكيد.
﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: له ما: اسم موصول؛ أي: الذي في السموات، والذي في الأرض ملكاً، وخلقاً، وعبيداً.
ولننتبه: إلى أنه سبحانه حين يريد أن يتكلَّم عن أهل الأرض بشيء ما يخصهم، يكرِّر كلمة (ما في) فيقول: ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾ بدلاً من قوله: ﴿مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: هذا يدل على غناه، فلا حاجة له بالولد، أو الشريك، وكل ما في السموات وكل ما في الأرض ملكه وحده لا يشاركه فيه أحد، ويشمل ذلك الظرف (السموات والأرض)، والمظروف؛ أيْ: (ما فيهنَّ من شيء).
стр. 1094
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: كفى بالله قيِّماً على خلقه، ومدبِّراً لهم، وتقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة: ﴿بِاللَّهِ﴾: تدل على الحصر والقصر؛ كفى به وكيلاً، ولا تحتاج إلى سواه. ارجع إلى الآية (١٣٢) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان، وسورة الأعراف، آية (٨٩).
سورة النساء [٤: ١٧٢]
﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾:
﴿لَنْ﴾: لنفي المستقبل القريب والبعيد.
﴿يَسْتَنكِفَ﴾: الاستنكاف: هو التكبر والامتناع؛ فهو أشد من الاستكبار من يأنف، وأصله في اللغة: النكف، ونكف الدمع، النكف: عملية حسية، تتمثل في مسح الدمع بأصبعه من خدِّه مخافة أن يراه الناس باكياً؛ لأن البكاء من الرجل يُعدُّ ضعفاً، أو عيباً، فيحاول عدم إظهار دمعه للناس، وقيل: الاستنكاف: عدم الإقرار بالعبودية، والاستكبار؛ أيْ: عدم القيام بالطاعة تكبراً.
فالمسيح ﵇ لا يرى في نفسه عيباً أن يكون عبداً لله، أو يأنف، أو يترفَّع عن عبوديته، وطاعته لله تعالى. وعبداً لله: من جملة العبيد، أو العباد، ولم يقل: عبد الله؛ لدل ذلك على التشريف والتخصيص، كما قال تعالى في سورة الجن آية (١٩): ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾؛ أي: رسول الله محمد ﷺ .
﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾: لا يستنكفون، ولا يستكبرون أن يكونوا عباداً لله.
وهم: حملة العرش، أو الحافُّون حول العرش، ويطلق عليهم العالون، أو الكربيون.
стр. 1095
وتكرار (لا) النافية: تفيد التوكيد في عدم الاستنكاف، والتكبر.
﴿وَمَنْ﴾: من: شرطية تشمل الواحد، أو الجمع، وللعاقل.
﴿يَسْتَنكِفْ﴾: أيْ: يظن أنه من العيب أن يعبد الله، أو لا يقر بعبودية الله في قلبه.
﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾: يطلب الكبر، ولا يملك مؤهلاته، مثل كونه غنياً، أو ذا جاه، أو من عائلة كبيرة، ولا يجب عليه أن يعبد الله، أو يطيعه.
﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة، والتوكيد، والسين في سيحشرهم: للاستقبال القريب؛ أيْ: سيحشرهم قريباً.
﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾: الحشر: هو السوق والجمع، والضمير يعود على الكل الذين لم يستنكفوا ويستكبروا، والذين استنكفوا واستكبروا.
﴿إِلَيْهِ﴾: تقديم الجار والمجرور، يفيد الحصر، سيحشرهم إليه وحده، حصراً لا إلى غيره.
﴿جَمِيعًا﴾: تفيد التوكيد.
سورة النساء [٤: ١٧٣]
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة. أما: حرف شرط وتفصيل.
انتبه! إلى ما طرأ هنا: هو أن الله سبحانه لم يواصل الحديث عن الذين استنكفوا، واستكبروا، وما هو مصيرهم، بل قدَّم الذين آمنوا وعملوا
стр. 1096
الصالحات، وذكر ثوابهم، وهذا يُعد تقديم تفضيل لهؤلاء المؤمنين على غيرهم من المستنكفين، والمستكبرين؛ فيوفيهم أجورهم، ويعطيهم ثواب أعمالهم الصالحة كاملة غير منقوصة، ولا يقف عند ذلك، بل يزيدهم على أجورهم من فضله وإحسانه.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾:
﴿وَأَمَّا﴾: الواو: عاطفة. أما: حرف شرط، وتفصيل، وتوكيد.
﴿الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾: سبق توضيح المعنى في الآية السابقة؛ أيْ: لم يُقرُّوا بعبادة الله، وامتنعوا عن طاعة الله وعبادته؛ بسبب استنكافهم، وتكبرهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لبيان معنى الاستكبار.
﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: في الآخرة؛ أيْ: عذاباً شديد الإيلام والدوام.
﴿وَلَا يَجِدُونَ﴾: لا: النافية. يجدون: لهم من دون الله من سواه؛ أيْ: من غيره.
﴿وَلِيًّا﴾: الولي القريب، الذي يليك، المعين، ويحفظك، ويتولى أمرك حين تكون عاجزاً، أو الحليف القائم بأمرك الذي يتوكل أمرك، وتحمل معنى المودة والشفاعة.
وتكرار حرف لا: يفيد التوكيد، وفصل الولاء عن النصر؛ فقد يكون هناك ولي، ولا يستطيع تقديم المساعدة والنصرة لك، ولياً في الدنيا.
﴿نَصِيرًا﴾: في الدنيا، أو الآخرة ينصرك حتى لا تدخل النار، أو يدافع عنك، أو يخفف عنك العذاب، أو يشفع لك، أو ينصرك في الدنيا. ارجع إلى
стр. 1097
سورة العنكبوت، آية (٢٢)؛ لمعرفة الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
سورة النساء [٤: ١٧٤]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾:
﴿يَاأَيُّهَا﴾: الياء: أداة نداء للناس، الهاء: للتنبيه؛ لكافة الناس، وليس للمؤمنين فحسب. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١)؛ لبيان معنى الناس.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: البرهان: هو الحُجَّة، والبينة، والبرهان كما قال أكد المفسرون هو النبي ﷺ ، والذي يشير إلى ذلك قوله في الآية من سورة البينة: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾.
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾: إليكم خاصَّة، أيها المؤمنون، وإلى الناس عامة.
﴿نُورًا مُبِينًا﴾: وهو القرآن، وسُمِّيَ نوراً؛ لأنه يهدي من ظلمات الضلال إلى النور؛ أيْ: هادياً.
﴿مُبِينًا﴾: جلياً، واضحاً؛ أيْ: كل من يطلع عليه يراه نوراً، وهو بنفسه نورٌ واضحٌ، لا يحتاج لأي برهان، أو دليل أن يشهد بذلك، فهو يشهد لنفسه أنه نورٌ.
سورة النساء [٤: ١٧٥]
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾:
﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: استئنافية. أما: حرف شرط وتفصيل.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (٨) من سورة البقرة للبيان.
стр. 1098
﴿وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾: به: تعود إما على الله سبحانه، وإما تعود على النور؛ أي: القرآن، أو كلاهما.
كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فالاعتصام بالله: هو الاستمساك به، واللجوء إليه، دائماً وأبداً في الشدائد، وغيرها. والعصم: هو المنع؛ أي: المناعة، والمناعة من المرض تكون بأخذ اللقاح.
والاعتصام بالله: يعني: تجنب الوقوع في المعصية والآثام.
ويتم ذلك بتطبيق شرعه، وعدم مخالفة أوامره.
والاعتصام بالنور (بالقرآن): هو العمل به، أو تطبيق ما جاء فيه، وكذلك من يعتصم بالقرآن، يمتنع، يصبح عنده مناعة من الوقوع في المعاصي، ومخالفة أوامر الله؛ فهو شفاء ورحمة.
﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة.
﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾: السين: للاستقبال القريب؛ أيْ: عن قريب سيدخلهم ربُّهم في رحمته.
﴿فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾: وهل الرحمة مكان يحل به المؤمن الذي توافرت فيه الشروط السابقة؟
نعم! الرحمة منه؛ أي: الجنة.
﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾: في رحمة منه؛ أيْ: في الدنيا. رحمة: جاءت بصيغة
стр. 1099
الهم: هو ما دون العزم، والعزم أعلى درجة في الهم وبدء التنفيذ، واللام: في لهمتْ: للتأكيد.
﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾: أن: للتوكيد، والتعليل.
﴿يُضِلُّوكَ﴾: بالتزيين، والقول، والتدبير (التبيُّت)، ويضلوك هنا: تعني: يصرفونك عن الحكم العادل، والحق، ولا يعني: ضلال العقيدة، والدِّين.
ويضلونك: بألسنتهم، وبجدالهم للباطل.
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَىْءٍ﴾:
﴿وَمَا﴾: النافية.
﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾: أي: الضلال الذي جادلوك به يرجع وزره ووباله عليهم أنفسهم.
﴿إِلَّا﴾: تفيد الحصر؛ أيْ: حصراً على أنفسهم وحدهم.
﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَىْءٍ﴾: ما: النافية. يضرونك: بالتهمة، والافتراء.
بالقول: انظروا كيف يعاقب محمد بريئاً، أو هو غير عادل، أو يتعصب محمد لأصحابه، ولم يقل: يضروك، بل قال: يضرونك؛ لتأكيد النفي بالنون.
وكذلك المجيء بـ (ما) مرة ثانية؛ لتأكيد نفي الضرر، والضلال عنك.
﴿مِنْ﴾: استغراقية تشمل كل شيء.
﴿شَىْءٍ﴾: نكرة.
﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: شيء مهم، مهما كان نوعه، أو صغره، وكبره.
стр. 1100
سورة النساء [٤: ١٧٦]
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾:
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾: يطلبون منك الفتيا في حكم شرعي، وهو وراثة الكلالة. ارجع إلى الآية (١٢٧) من سورة النساء؛ لبيان كلمة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ وعدم ذكر الواو كقوله تعالى: (ويستفتونك).
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَالَةِ﴾: ارجع إلى الآية (١٢)؛ لبيان معنى الكلالة.
والكلالة: هنا في ميراث الإخوة، والأخوات من الميت الكلالة.
﴿إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، وندرة الحدوث.
﴿امْرُؤٌا هَلَكَ﴾: أيْ: مات، ليس له ولد، ولا والد له؛ لأن الكلالة تعني: ليس له ولد، ولا والد له.
﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾: من أبيه وأمه؛ الإخوة الأشقاء الذين هم من نفس الأم والأب، أو إخوته من الأب، أو أخت من أبيه، فلها نصف ما ترك، والنصف
стр. 1101
الآخر يذهب إلى الزوجة، أو الجد، أو غير ذلك. ارجع إلى الآية (١٢) من نفس السورة؛ لمعرفة الفروق.
وهو يرثها إن لم يكن لها ولد؛ أيْ: هو يرث أخته: إن لم يكن لها ولد، ولا والد (أب وأم).
إذن: هذه الآية تخص الإخوة والأخوات من نفس الأم والأب؛ الإخوة الأشقاء، أو من الأب فقط.
﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾: كانتا بالتثنية تشير إلى اثنتين، واثنتين تشير إلى كانتا.
فلماذا كرر ذكر اثنتين؟ كانتا: جاءت للوصف.
(وصف الاثنتين): صغيرتان، أو كبيرتان، أو صالحتان، أو طالحتان، فلهما الثلثان من تركة أخيهما الميت.
﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾: أيْ: إذا ورث الميت في الكلالة إخوته، وكانوا ذكوراً وإناثاً، فللذكر مثل حظ نصيب الأنثيين.
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾:
﴿يُبَيِّنُ﴾: يوضِّح، ويفصِّل لكم الأحكام، والآيات، وما أنزل إليكم.
﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، أيها المسلمون.
﴿أَنْ﴾: مصدرية؛ تفيد التعليل، والتوكيد، وتعني: لئلّا تضلوا؛ كما قال بعض المفسرين.
стр. 1102
﴿تَضِلُّوا﴾: عن طريق الهدى، والصراط المستقيم، وتسيروا في طريق الضلال.
﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
﴿شَىْءٍ﴾: نكرة تفيد التعظيم، والتفخيم؛ أيِّ شيءٍ مهما كان نوعه، وشكله، ومكانه.
﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من عالم؛ أيْ: كثير العلم. العليم: يحيط علمه بكل شيء، وبما تفعلونه في الميراث، والقسمة، والوصية.
стр. 1103
سورة المائدة [٥: ١]
سورة المائدة
ترتيبها في القرآن السورة (٥)، وترتيبها في النزول السورة (١١٣).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا﴾: أداة نداء إلى الذين آمنوا بتكليف جديد: هو الإيفاء بالعقود، والهاء في (أيُّها): للتنبيه.
﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: العقد: ما يتعاقد عليه اثنان؛ أيْ: دائماً يكون بين طرفين، والعقد: هو الربط، وعلى كل طرف أن يلتزم بما عليه.
وقد يكون العقد بين العبد وربه، أو بين العبد وعبد آخر، أو بين العبد ونفسه، ويسمَّى ذلك: بالنذر.
والعقود لها أنواع كثيرة، مثل: عقود البيع، والشراء، والنكاح، والشراكة، ثُمَّ بيَّن الله -جل وعلا- بعض ما أحله، وبعض ما حرَّمه.
﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾: أيْ: أحلّ لكم أكل لحم بهيمة الأنعام بعد الذبح.
﴿الْأَنْعَامِ﴾: هي ثمانية أزواج: من البقر اثنان، ومن الغنم اثنان، ومن المعز اثنان، ومن الإبل اثنان.
стр. 1104
أما بهيمة الأنعام: تشمل الأنعام وكل ما يماثل الأنعام، مثل الغزلان، والضباء، وبقر الوحشي، وكل حيوان مجتر. قيل: من بهيمة الأنعام.
وبهيمة الأنعام أعمّ، والأنعام أخصّ!، وسمِّيت بهيمة الأنعام؛ لأنّ أسرارها، وأمورها لا زالت مجهولة، ويصعب إدارتها، أو لا نعرف الكثير عنها.
ولم تسمى بهيمة؛ لأنها لا تفهم؛ كما كان يعتقد الأقدمون.
﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: إلا: أداة استثناء.
﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: في القرآن، أو في السنة النبوية، مثل: الميتة، وكل ذي ناب، مثل: السباع، والكلاب، وكل ذي مخلب من الطير.
﴿غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾: أيْ: وحُرمَ عليكم الصيد، وأنتم حرم؛ أيْ: في زمن الإحرام، وفي الحرم.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾: إن للتوكيد، يحكم ما يريد.
الإرادة: هي العزم على القيام بأمر ما أو تركه، ولم يقل: إن الله يحكم ما يشاء؛ لأن الإرادة: تكون بعد المشيئة؛ أي: المشيئة تسبق الإرادة، والمشيئة. قيل: هي ابتداء العزم على الفعل، ومتى حصلت الإرادة صدر الفعل لا محالة، والإرادة من الله، كذلك تعني: أنه -جل وعلا- يقع منه الفعل، أو الحكم، حسب ما يُريد (على وجه دون وجه).
سورة المائدة [٥: ٢]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْىَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ
стр. 1105
قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد إلى الذين آمنوا بتكليف جديد.
﴿لَا تُحِلُّوا﴾: لا: الناهية.
﴿تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: لا تستبيحوا، أو تحلوا شعائر الله (سائر ما فرض وأوجب) من الفرائض، والحرمات، لا تستحلوا بترك واجب، ولا بفعل محرم، ومنها: مناسك الحج، والشعائر غالباً ما تطلق على ما نسمِّيه: مناسك الحج، ومن الشعائر؛ أي: العبادات: الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، ورمي الحجرات؛ كل هذه تعد من شعائر الله.
والشعائر: جمع شعيرة، وقيل: العلامة، والإشعار: هو الإعلام، وشعائر الحج: هي معالمه الظاهرة للحواس؛ أيْ: مواضع النسك، أو العبادة، ونسمِّيها المشاعر؛ أي: المعالم المكانية، فنقول هنا: مطاف، وهذا مسعى، مقام إبراهيم، الحجر الأسود، والمشعر الحرام، وغيرها.
مثال: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٥٨)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾: أيْ: ولا تحلوا الشهر الحرام بالقتال فيه، أو تبدِّلوها بغيرها، وتأخير حرمة شهر إلى غيره؛ أيْ: تقوموا بعملية النسيء.
وقال: الشهر الحرام، ولم يقل: الأشهر الحرم، وهي كما نعلم أربعة: ذو القعدة، وذو الحُجَّة، ومحرم، ورجب.
﴿الشَّهْرَ﴾: اسم جنس، والمفرد يطلق على الجنس.
стр. 1106
وحرمة أيِّ شهر تمثل حرمة الأشهر كلها، ولا يختلف عنها.
﴿وَلَا الْهَدْىَ﴾: أيْ: لا تحلوا الهدي؛ أيْ: لا تتعرضوا للهدي بالسرقة، أو الحبس، ومنعه من الوصول إلى محلها؛ أي: المواضع الذي يحل فيه إراقة دمه، أو تأكلونه في الطريق إلى مكة.
﴿الْهَدْىَ﴾: ما يُهدى إلى البيت الحرام؛ تقرباً إلى الله تعالى.
والهدي: جمع هدية، فالحرم المكي كان قديماً بواد غير ذي زرع، ولم تكن به حيوانات كثيرة، أو أطعمة متوافرة، فكانوا يأتون بالهدي؛ للطعام، وإطعام الآخرين، ويذبحون في منى.
﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: أي: الأنعام المقلدة بالقلائد عند إهدائها للبيت.
والقلائد: جمع قلادة، وهو ما يعلق بالرقبة؛ رقبة الهدي؛ ليُعلم أنها مهداة للبيت؛ إذ كانوا قديماً يضعون هذه القلادة في رقبة الهدي؛ حتى يعلم أنه مهدى إلى الحرم، فلا يتعرضون له بالأذى، والسرقة.
لا تحلوها: أيْ: لا تأخذوها غصباً، أو تزيلوا القلادة من رقبتها.
﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾:
﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: أيْ: تمنعون القاصدين، والقادمين إلى البيت الحرام للحج، والعمرة من الوصول إليه للعبادة، ولم يذكر مكة أو بكة؛ لأن قاصدين مكة قد يكون للتجارة أو غيرها، ولنعلم أن هذه الآية نزلت قبل نزول آية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
إذن يستثنى من ذلك أي مشرك، أو غير مسلم؛ فهؤلاء يمنعون من أن يقربوا المسجد الحرام، كما بيَّن رسول الله ﷺ .
стр. 1107
﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: يعني: الحجاج، والعمار المسلمين، لا تمنعوهم من الحج، والزيارة، والعمرة.
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَّبِّهِمْ﴾: قال: فضلاً من ربهم، ولم يقل: فضلاً من الله؛ لأن عطاء الربوبية يتمثل في الرزق، والأرباح، والتجارة، ويشمل الكافر، والمؤمن.
وعطاء الألوهية يتمثل في: افعل، أو لا تفعل، ولا يشمل إلّا المؤمن.
﴿وَرِضْوَانًا﴾: أيْ: يلتمسون نيل رضوان ربهم بقيامهم بأعمال الحج، والعمرة في سبيل الله، إضافة للسماح لهم بالتجارة، وطلب الرزق في أيام الحج.
﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾: إذا: شرطية؛ تفيد الحتمية.
وإذا أتممتم أعمال الحج، وتحللتم من إحرامكم، فاصطادوا، كما تشاؤون، ولكن في غير أرض الحرم، والإجماع هنا للإباحة بالصيد، وليس للوجوب، وهناك قاعدة أصولية مفادها: كل أمر بعد حظر؛ فهو للإباحة.
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية. لا: الناهية.
﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: من جرم؛ كسب، ويعني: غالباً كسب مالاً، لا خير فيه؛ أيْ: لا يكسبنكم شنآن قومٍ.
وقيل: جرمه: حمله على فعل شرٍّ، أو إثم؛ أيْ: لا يحملنكم شنآن، ومنه الجريمة، والجرم: قطع الثمرة من الشجر.
والشنآن: هو البغض الشديد الذي يسبب التباعد وربما العداوة.
يقال: شنأه؛ إذا أبغضه، اشنأه؛ أيْ: أبغضه.
فمعنى الآية: لا يحملنكم، أو لا يكسبنكم بغض قومٍ، أو عداوة قوم أن
стр. 1108
صدوكم، أن: مصدرية؛ للتعليل؛ لأجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، كما حدث يوم الحديبية: أن تعتدوا عليهم، والخطاب كان موجَّهاً للرسول والصحابة؛ إذ صدهم المشركون عن الدخول إلى مكة للعمرة، وتم صلح الحديبية، فجاء الأمر بالنهي عن قتال هؤلاء، أو الاعتداء عليهم، وإياكم والعواطف أن تكون هي السبب للاعتداء عليهم.
ولنعلم ما هي مراحل البغض: تبدأ بالبغض، ثم القلى، ثم الشنآن، ثم المقت.
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾:
﴿الْبِرِّ﴾: هو الإيمان الحقيقي الكامل لأصول الاعتقاد، وما يتقرب به إلى الله من إيمان، وعمل صالح، واعتقاد، وأخلاق، ومعاملات، وباختصار: هو فعل الخير والتقوى؛ أيْ: تعاونوا على فعل الطاعات، واجتناب المنكرات والمنهيات.
﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾:
﴿الْإِثْمِ﴾: في اللغة: التقصير، وشرعاً: هو فعل الحرام، أو ترك واجب، وقيل: فعل القبيح الذي عليه تبعة. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٣٣)؛ لمزيد من البيان.
والعدوان: هو الظلم، والاعتداء، ويشمل: التعدي على حدود الله، وتعريف العدوان: إرادة السوء، أو الشر لمن تعاديه، والبعد عنه.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: قيل: هي كفُّ النفس عمّا نهى الشارع عنه، سواء حراماً كان، أم مكروهاً.
والطاعة: قيل: هي القيام بما أمر الشارع به، سواء أكان واجباً، أم مستحباً.
وباختصار: التقوى: الالتزام بأوامر الله تعالى، وتجنب نواهيه.
стр. 1109
والتقوى: مأخوذة من الوقاية من عذاب الله وسخطه، وبالتالي الوقاية من النار.
﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: إن: تفيد التوكيد على ﴿اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
كلمة العقاب وردت في (٦٤) موضعاً من القرآن.
ولتعلم: أن العذاب نوع من العقاب، ولتعلم: أن العذاب أوسع من العقاب؛ لأنه يقع في الدنيا والآخرة، بينما العقاب يقع فقط في الدنيا.
﴿الْعِقَابِ﴾: وسمِّي العقاب؛ لأنه يقع بعد الفعل، أو الذنب، والفاعل يستحق العقاب عقب فعله، وقد وردت الآيات الكثيرة في أن الله سريع العقاب، شديد العقاب، ولم ترد في القرآن أي آية بأن الله سريع العذاب.
الفرق بين العقاب والعذاب:
العقاب: نوع من العذاب.
١ - يكون فقط في الدنيا.
٢ - لا يؤخر.
العذاب: أعم من العقاب.
١ - يكون في الدنيا وفي الآخرة.
٢ - يؤخر.
﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: صفة ثابتة وعامة.
وورد أن الله شديد العقاب (١٤) مرة في القرآن.
стр. 1110
سورة المائدة [٥: ٣]
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾:
﴿حُرِّمَتْ﴾: مبني للمجهول، مع العلم أن الله هو الذي حرمها؛ لأن الله -جل وعلا- هو المحلل، والمحرم وحده، وما حلل وحرم رسول الله ﷺ ، يدخل فيما حلل وحرم الله -جل وعلا-.
الميتة: بسكون الياء التي ذهبت منها الحياة؛ أيْ: خرجت روحها منها وماتت، وانتهت، يستثنى من ذلك السمك والجراد، والميِّتة بتشديد الياء التي لم تخرج منها الروح؛ أي: لا زالت حية وعلى وشك الموت بعد فترة من الزمن.
﴿وَالدَّمُ﴾: أي: الدم المسفوح، الجاري من الأوردة والشرايين، عند الذبح، أو غير الذبح؛ أيْ: شربه، وغليه، واستعماله في الأكل، ويستثنى من ذلك الكبد والطحال.
﴿وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾.
﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: ما: اسم موصول؛ أي: الذي لم يذكر اسم الله عليه، أو ذكر اسم غير الله عليه؛ مثل: الصنم، أو الولي، أو الوثن؛ ففي هذه الآية قدم
стр. 1111
اسم الله؛ لأن الآيات في سياق تعظيم شعائر الله، وفي آية البقرة (١٧٣) قدم به؛ لأنها في سياق الذبائح المحرمة؛ أي: الطعام. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٧٣)؛ للمقارنة بين ما أُهلَّ به لغير الله، وما أُهلَّ لغير الله به.
﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾:
وحرمت عليكم: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾: أي: التي ماتت خنقاً.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾: التي ماتت ضرباً.
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾: التي وقعت من ارتفاع، ثم ماتت.
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾: التي نطحها حيوان، ثم ماتت.
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾: وما بقي من الحيوان بعد أكل السبع منه؛ أيْ: ما افترسه ذو ناب؛ كالأسد، والذئب، والضبع، والكلب.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، تعود على المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، ولا يشمل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهلَّ به لغير الله؛ لأن ذلك محرم تحريماً عُقدياً (بالعقيدة).
﴿مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: ما: اسم موصول؛ أي: الذي ذكّيتم.
التذكية: هي الإتمام، يقال: ذكَّيت النار إذا أتممت إشعالها، فهذه الحيوانات إذا ذكّيتموها، ولا زال فيها حياة، ثم أتممتم ذبحها وسال منها دم، وصدر عنها حركة، أو صوت، تدلّ على حياة، فيجوز أكلها.
﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾: النُّصب: هي حجارة، كانت منصوبة حول الكعبة، يذبح عليها المشركون الذبائح تقرُّباً للآلهة، والأصنام.
стр. 1112
﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾: الاستقسام: طلب القسم، والنصب: طلب معرفة ما قسم له؛ أيْ: نصيبه مما يقسم له بالأزلام.
والأزلام: أقداح مكتوب عليها: افعل، أو لا تفعل، أو أمرني ربي، أو نهاني ربي، يحرك هذه الأقداح، ويختار قدحاً، فيقرأ ما فيه، وهي عشرة أقداح، أو أقل، قدح يقول: خذ نصيباً، وآخر يقول: خذ نصيبين، وهكذا ثلاثة، أربعة …
﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾:
﴿ذَلِكُمْ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب.
﴿ذَلِكُمْ﴾: تشير إلى جميع ما حرَّم الله سبحانه.
واستعمل ﴿ذَلِكُمْ﴾، ولم يستعمل ذلك؛ لأن ﴿ذَلِكُمْ﴾: تستعمل لكثرة الأمور المذكورة، وتستعمل في التوكيد، أو الحكم العام المستمر، وذلك تستعمل للقلة، أو الأمر الواحد، والأقل توكيداً.
﴿فِسْقٌ﴾: خروج عن طاعة الله إلى معصية، أو خروج عن شرع الله، ومن يفعل ذلك؛ يسمَّى فاسقاً، واشتُقت الكلمة من فسقت الرطبة عن قشرتها؛ أيْ: خرجت عن قشرتها، وللفسوق درجات قد تصل إلى الكفر، والفسق شيء عام، أعمُّ من الظلم، وكل ظالم، أو كافر هو فاسق، وليس كل فاسق ظالماً، أو كافراً، وفي سورة الحجرات آية (٧) يقول تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾، فما هو الفرق بين الفسق والفسوق؟ الفسوق: عام وهو الخروج عن طاعة الله أو الدين. أما الفسق: أمر خاص بالأطعمة والذبائح.
﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمني في علم الفلك، يقدر (٢٤ ساعة).
وفي القرآن يقدر بـ: (١٢ ساعة) من شروق الشمس إلى غروبها.
ويُراد به اليوم الذي نزلت به تلك الآية، وكان يوم عرفة، يوم الجمعة،
стр. 1113
وحج الوداع، حيث نزلت اليوم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وله معانٍ أخرى، سنوردها في آيات أُخر.
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾:
﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾: اليأس: هو انقطاع الرجاء في شيء.
﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾: أيْ: يئس الذين كفروا أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه قبل الإسلام؛ أيْ: ترتدوا؛ أيْ: ترجعوا عن دِينكم الإسلام إلى الكفر؛ لما رأوه من قوته، ودخول الناس فيه أفواجاً.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾: الخشية: هي الخوف؛ المقرون بالعلم، والمهابة، والتعظيم، ولا: الناهية.
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾: أيْ: لا تخشوا الكفار، أو المشركين؛ أيْ: تخافونهم وتهابونهم.
﴿وَاخْشَوْنِ﴾: ولم يقل: (واخشوني) بزيادة الياء، زيادة الياء (زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى)، فزيادة الياء؛ تدل على زيادة التوكيد، فجاءت من دون زيادة في هذه الآية؛ لأنها جاءت في سياق الأطعمة المحرمة، بينما جاءت (واخشوني) بزيادة الياء في سياق تحويل القبلة: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِى﴾ [البقرة: ١٥٠]؛ الذي أثار عقول المشركين واليهود، وضعاف الإيمان، وأدَّى إلى فتنة وإرجاف في المدينة، وارتداد بعض ضعاف الإيمان، فهذا الحدث لا يقارن بالحديث عن الأطعمة المحرمة؛ لذلك زاد الياء؛ للدلالة على عظم الحدث. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٥٠)؛ للبيان.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
стр. 1114
﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف زمان، يعني: اليوم، يوم الجمعة، يوم عرفة من حَجَّة الوداع، معرف بأل تعريف؛ لتدل على عظمته، وكان ﷺ قد صلَّى راكباً على ناقته؛ حين نزول هذه الآية.
والسؤال هنا: ما مناسبة ذكر هذا اليوم في سياق آيات تحريم الأطعمة، وذكر الأطعمة المحرمة في سياق هذا اليوم؟ وما هو الفرق بين ﴿أَكْمَلْتُ﴾ ﴿وَأَتْمَمْتُ﴾؟
قيل في الرد على هذا السؤال: إن تحريم هذه الأطعمة والخبائث من خصائص هذا الدِّين الكامل، ومن النِّعم التامة، ومما ارتضاه الله سبحانه للمؤمنين، فجاء ذكرها مع ذكر اليوم العظيم.
والفرق بين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾:
أكملت: والكمال لا يزاد عليه؛ لأنه الحالة المثلى، وأكملت جاءت في سياق الدِّين قد اكتمل، والكمال يتجلى في أن أحكامه صالحة لكل زمان ومكان، وفيه كل ما تحتاجون من الأحكام، والشرائع، والحلال والحرام، والحق والباطل، إلى يوم القيامة؛ فهو الدين الخالد ختم الله به الشرع ونسخ ما قبله.
بينما: ﴿وَأَتْمَمْتُ﴾: من التمام، وجاءت في سياق النِّعم، والنِّعم يمكن أن يزاد عليها، ومن النِّعم: نصر الله تعالى عباده المؤمنين على الكفار، وفتح لهم البلاد، وأيَّدهم، ومكَّن لهم الدِّين.
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾: أي: اخترته لكم، كدين خاص بكم إلى يوم القيامة، وليس هناك غير الإسلام دِيناً أصلاً. أما بقية الشرائع (اليهودية، والنصرانية): فهي ديانات، وليست دِيناً؛ أيْ: شرائع مختلفة تناسب كل أمة.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
стр. 1115
﴿فَمَنِ﴾: الفاء: استئنافية. من: شرطية.
﴿اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ﴾: المخمصة: هي خلاء البطن من الطعام، وأصله ضمور البطن من الجوع، يقال: رجل خامص؛ أيْ: ضامر، والمخمصة: جوع فردي، بينما المسغبة: مجاعة عامة، والسغب: هو الجوع.
ومراتب الجوع: السغب، ثم الفرث، ثم الطوى، ثم المخمصة، ثم الضرم، ثم السعار.
ومراتب العطش: العطش، ثم الظمأ، ثم الصدى.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ﴾: أيْ: من أُلجئ وأُكره ـ بحكم الضرر ـ على أكل الميتة، أو الدم المسفوح، أو لحم الخنزير، واستنفذ الأسباب كلها، وأخذ بها، وخاف على نفسه الهلاك، فلا مانع أن يأكل فقط ليسد جوعه.
﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾: أيْ: غير مائل بأن يكون باغياً، ولا عادياً، غير مائل عن الحق، والجنف: هو الميل عن الحق، والباغي: هو الذي يأكل فوق حاجته، والعاد: هو الذي يأكل من المحرمات، وعنده أطعمة أخرى، تسدُّ رمقه. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٣٣) للبيان.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: الفاء: للتوكيد، وإن: لزيادة التوكيد.
﴿غَفُورٌ﴾: صيغة مبالغة؛ من غفر؛ أيْ: كثير الغفران، لا يعاقب على الأكل إذا كان الإنسان مضطراً، يغفر الذنوب جميعاً إلّا الشرك، والكفر.
﴿رَحِيمٌ﴾: حيث أباح له أكل المحرمات، وإلّا هلك العبد.
رحيم: صفة ثابتة لذاته العليا، رحيم بالمؤمنين في الدنيا والآخرة. ارجع إلى سورة الحمد، آية (٢)، وارجع إلى الآية (١١٥) من سورة النحل للبيان المفصل.
سورة المائدة [٥: ٤]
﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ
стр. 1116
تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر عشر محرمات؛ يسألونك ماذا أحل لهم، ولم يقولوا: ماذا أُحل لنا.
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: بلفظ الغيبة، وفي السؤال معنى القول؛ فإنهم يقولون: ماذا أحل لهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١٥)؛ لمزيد من البيان عن معنى كلمة يسألونك.
﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾: استفهام حقيقي، ماذا: فيها مبالغة في الاستفهام، وهي أقوى من (ما).
﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ﴾: لنتذكر أنه كلما جاءت كلمة: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: جاء بعدها الجواب: ﴿قُلْ﴾ في كل القرآن؛ إلّا مرة واحدة في سورة طه، قال تعالى: فقل؛ لأنهم لم يسألوا حينذاك السؤال بعد، وربما يسألوه في المستقبل.
﴿الطَّيِّبَاتُ﴾: جمع طيب، وهو الحلال الطاهر؛ أيْ: أحل لكم الطيبات.
﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ﴾: المقصود بها الحيوانات التي نُعلمها؛ أيْ: ندربها، كيف تصطاد لنا من كلاب، وصقور، وغيرها، وسمِّيت جوارح: جمع جارحة؛ لأنها تجرح ما تصيد؛ أيْ: تكسب.
﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾: مكلّبين: جمع مكلب: هو الذي يحترف حرفة تدريب الكلاب للصيد، مكلّبين؛ أيْ: مدربو الكلاب.
﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾: آداب الصيد؛ أيْ: يأتي بالصيد سليماً لم يأكل منه، إذا أكل منه يصبح غير معلم.
﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾: فكلوا مما أحضرن لكم (من خلال عملية الصيد)، لماذا قال: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾؛ لأن الجوارح (الكلاب، والصقور المعلمة)
стр. 1117
حين تمسك بالصيد لا تأكله، وتمنع الصيد عن نفسها، ولا تمسكه عن صاحبها؛ أيْ: لا تمنع صاحبها من أكل الصيد، وهي تمنع نفسها من أكله، رغم قدرتها على أكله.
﴿مِمَّا﴾: من ما، من: للتوكيد. ما: زائدة.
﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: قولوا: بسم الله الرحمن الرحيم عند إرسالها وإطلاقها للصيد، حتى لا يقع في دائرة مما لم يذكر اسم الله عليه، وإذا لم يقل: باسم الله وأطلقها للصيد، وعاد الكلب بالصيد، وهو ميت عندها، لا يأكل منه، ويرميه، وأما إذا لا زال فيه حياة مثل: حركة، أو صوت؛ فعندها يقول: باسم الله ويذبح الصيد، ويأكل منه.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أيْ: أطيعوا أوامره، واحذروا مخالفة أوامره، واتخذوا لكم وقاية من عذابه، وسخطه، وعقابه، واتقوا ناره.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: قيل: إنه -جل وعلا- قادر على أن يحاسب الناس جميعاً في لمحة بصر، أو في مقدار نصف يوم، أو أقل فقط؛ لتقريب ذلك من الأذهان، والحساب يعني في اللغة: العد، أو إطلاع الناس على أعمالهم، وما لهم، وما عليهم من الثواب والعقاب.
سورة المائدة [٥: ٥]
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
﴿الْيَوْمَ﴾: ارجع إلى الآية (٣).
стр. 1118
﴿أُحِلَّ لَكُمُ﴾: اللام: لام الاختصاص، لكم خاصَّة.
﴿الطَّيِّبَاتُ﴾: جمع طيب، وهو الحلال الطاهر، وما يستطاب ويشتهى، وتشمل الطعام، والشراب، وغيرها من المتاع، وقيل: هي كل ما لم يحرِّمه الكتاب والسنة، أو القياس، أو غيرها من مصادر الشريعة.
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾:
كلمة الطعام: كلمة عامة، وهنا في هذه الآية؛ تعني: الذبائح، أو اللحم فقط، وهل كل طعام أهل الكتاب حل لنا؟
الجواب: لا؛ لأنهم يأكلون الخنزير، وبعض أطعمتهم تدخلها الخمور، أو لحم الخنزير، أو لا يذكرون اسم الله عليها.
إذن الذي يحل للمسلمين من طعام أهل الكتاب ما هو حلالاً في دِين الإسلام، وبما أن الطعام وسيلة لاستبقاء الحياة والتناسل، ووسيلة لاستبقاء النوع البشري، انتقل -جل وعلا- إلى ذكر الزواج: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾:
أحل لكم الزواج من المحصنات من المؤمنات.
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي: العفيفات الحرائر. ارجع إلى الآية (٢٤) من سورة النساء؛ لمعرفة معنى الإحصان. إذن المحصنة هنا تعني: التي تحصن فرجها، فلا تزني؛ أي: العفيفات الحرائر من المؤمنات، وإذا قارنا هذه بالآية (٢٥) في سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فقد جاءت هذه الآية في سياق نكاح ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات (الإماء).
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾:
أي: العفيفات الحرائر (جمع حرّة).
стр. 1119
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: اليهود والنصارى، الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبلكم.
﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ﴾:
﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾:
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية، تفيد الحتمية؛ أيْ: لا بُدَّ من إعطائهنَّ مهورهنَّ.
﴿آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: الإيتاء: هو العطاء؛ أيْ: تعطي المهر، أو الصداق قبل الزواج.
﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مهورهنَّ.
﴿مُحْصِنِينَ﴾: من الإحصان؛ أي: الزواج الشرعي، والإحصان له أربعة معانٍ: الزواج، والعفة، والإسلام، والحرية.
﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: غير زناة، والسفح: هو صبُّ المني الملازم للجماع، وخصَّ به الزِّنى، وقد يكون لمرة واحدة بأيِّ زانية، وإذا قارنا هذه الآية بالآية (٢٥) في سورة النساء نجد أن آية المائدة جاءت في وصف الرجال بالإحصان؛ فكلا الطرفين مطالب بالإحصان (أي العفة).
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية.
﴿مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ﴾: الخدن: الصديق، ذكراً أو أنثى، يزني بها سراً، وهي تزني به باستمرار. ارجع إلى الآية (٢٤) من سورة النساء؛ لمزيد من البيان.
وتقديم المحصنات من المؤمنات على المحصنات الكتابيات؛ يدل على تفضيل الزواج بالمسلمات المؤمنات على المحصنات الكتابيات.
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
стр. 1120
﴿يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾: أيْ: يُحل ما حرم الله، أو يُحرم ما أحله الله، أو يكفر بشرائع الإسلام؛ أيْ: يجحد بها، وبالتوحيد، وبالشهادة، أو يؤمن ببعض، ويكفر ببعض.
﴿يَكْفُرْ﴾: يتجدَّد كفره، ويستمر، ولم يقل: من كفر.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد. قد: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿حَبِطَ عَمَلُهُ﴾: بطل ثوابه، أو جزاء عمله.
﴿حَبِطَ﴾: اشتُقَّت من حبطت الماشية؛ أيْ: أصابها مرض الحبن؛ أي: انتفاخ البطن، ويظُن أنها نمت، وزادت شحماً ولحماً، وإنما هي في الحقيقة مريضة ومتورِّمة، ثم تموت، وكذلك أعمال الكافر؛ يظن أنها أعمال ضخمة، وحسنة (كانتفاخ البطن في الماشية)، ولحمها نتن، لا يباع، ولا يؤكل، ولا فائدة منه؛ كأعمال الكفرة.
وقد شبَّه الله عمل الكفار والمشركين في آيات أخرى بالسراب، والرماد الذي اشتدّت به الريح، والهباء المنثور.
﴿وَهُوَ﴾: الواو: عاطفة، هو: ضمير منفصل، يفيد التوكيد.
﴿فِى الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: الخاسرين لنفسه؛ لأنه أدخلها النار، وقد تعني: الخاسرين لأهله كذلك. ارجع إلى سورة الزمر، آية (١٥)؛ لمزيد من البيان.
стр. 1121
سورة المائدة [٥: ٦]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بتكليف جديد، استعمل فيها ياء النداء: للبعد، والهاء: للتنبيه.
﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية؛ تعني: حين، وتفيد حتمية الوقوع وكثرته؛ يعني: القيام إلى الصلاة والوضوء.
﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾: أردتم ونويتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير وضوء.
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾: غسل الوجه يشمل: غسل الجبهة، والذقن، وما بين الأذنين، والفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة.
﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: يشمل غسل الكفين، والذراعين، والمرفقين.
﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾: الباء: باء الإلصاق، وتعني: اللصق، والمسح
стр. 1122
برؤوسكم، أو قيل: الباء تعني: امسحوا جميع الرأس، من مقدم الرأس إلى الخلف، ومن الخلف إلى الإمام.
ومنهم من قال: الباء تعني: التبعيض؛ أي: امسحوا بعض الرأس.
ومنهم من قال: الباء: للتوكيد، وغيرها من التفسيرات.
﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾:
﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: قيل: معطوفة على أيديكم واللغة تسمح العطف على الأبعد أي: أيديكم؛ أي: اغسلوا أيديكم إلى المرافق، واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين.
﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال.
﴿كُنتُمْ جُنُبًا﴾: بجماع، أو احتلام إنزال المني، في نوم، أو يقظة.
﴿فَاطَّهَّرُوا﴾: أيْ: فاغتسلوا بالماء، ويسمَّى غسلَ الجنابة (التطهر يكون بالوضوء، وغسل الجنابة).
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾: ويخاف الضرر، أو الأذى باستعمال الماء.
﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: مسافرين.
﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: كناية عن الجماع.
﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾: للوضوء، أو الغسل؛ فتيمموا.
стр. 1123
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾:
﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾: الصعيد: وجه الأرض؛ أي: التراب. لماذا التراب؟ أو الحكمة من التيمم بالتراب؟
فقد ثبت علمياً: أن التراب مادة معقمة تحوي على كثير من الكائنات الحية التي لها القدرة على إنتاج بعض المضادات الحيوية التي تعجز المضادات الحيوية المستعملة أن تقضي على مسببات الأمراض من الجراثيم، أو البكتيريا، أو الحمَّات الراشحة، وتعادل الماء في التطهير، وهناك من يعالج بالطين، فعلينا أن لا نظن أن التيمم عملية رمزية معنوية، بل هي معجزة إلهية حقيقية.
﴿طَيِّبًا﴾: أيْ: طاهراً من النجاسة (تراباً طاهراً).
﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾: منه: تعود على الصعيد، فيضرب بكفيه وجه الأرض (الصعيد الطيب)، فيمسح بهما وجهه، وكفيه، ظاهراً وباطناً مرة واحدة.
وبعض المفسرين قالوا: منه: تعني: التراب وحده، وليس الحجارة، أو الرمل، أو الخشب، ومنهم من قالوا: منه تعني: ابتداء الغاية، وغيرها من الأقوال، فالوضوء فرضاً، ويعني: طهارة أربعة أعضاء: الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرأس، والرجلين إلى الكعبين.
والتيمم: يعني: طهارة عضوين (الوجه واليدين).
والغسل: طهارة كل البدن. ارجع إلى الكتب الفقهية الأخرى؛ لمزيد من البيان، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤٣) في سورة النساء نجد في آية النساء حذف منها كلمة (منه) وهناك اختلاف بين الآيتين فآية المائدة جاءت عامة في
стр. 1124
سياق الوضوء وفي سياق غير الجنب والجنب ذوي الأعذار، وأما آية النساء جاءت في سياق الجنب وذوي الأعذار فقط.
﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾:
﴿مَا﴾: النافية.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾: جاء بالفعل المضارع يريد، ولم يقل: أراد الله؛ ليدل على التجدد والتكرار في التيسير، ورفع الحرج، وتكرار الثواب والأجر، وإتمام النِّعمة، ولو قال: أراد الله؛ تعني: مرة واحدة، لا تتكرر.
﴿لِيَجْعَلَ﴾: اللام: لام التوكيد.
﴿عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾: الحرج: هو الضيق، والمشقة، وكلمة حرج؛ مشتقة من الحرج، وهي الشجر الملتف؛ الذي لا يمكن الدخول فيه، ولا الخروج منه.
﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك؛ يفيد التوكيد.
﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: اللام: لام التوكيد. يطهركم: طهارة حسية، وكذلك معنوية، يطهركم من الذنوب والآثام ومن الشرك.
﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾: اللام: لام التوكيد، يتم نعمته عليكم: بالترخيص في التيمم، والواو في وليتم؛ تعني: إضافة إلى النِّعم الأخرى التي أنعمها الله عليكم، وبالثواب على ما شرعه لكم، وعلى طاعتكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: لعلَّ: تفيد التعليل. تشكرون: تؤدُّون الشكر
стр. 1125
الواجب عليكم، على هذه الرخص في العبادات، ولا تنسوا المنعم هو الله، والدوام على الشكر. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لمزيد من البيان.
سورة المائدة [٥: ٧]
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: نعمة الإسلام، والإيمان.
وتعني: النِّعم كلها، وفي هذا حثٌّ على الشكر.
﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾: وميثاقه: فيه عدة تفسيرات: واثقكم به؛ أيْ: عاهدكم به.
١ - الميثاق الذي أخذه من بني آدم، حين أخرجهم من ظهر آدم (ميثاق الذر). كما جاء في الآية (١٧٢) من سورة الأعراف.
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾.
٢ - ميثاقه؛ عندما دخلتم في الإسلام، وأعلنتم الشهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً ﷺ رسول الله.
٣ - وقيل: ما أخذ عليكم من عهود، ومواثيق على لسان رسوله ﷺ ؛ بالوفاء، كما في الآية (١٠) من سورة الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾.
﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: إذ: ظرفية زمانية؛ تعني: حين قلتم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: بايعتموه على السمع والطاعة، في السرَّاء والضرَّاء، وفي المنشط والمكره.
следующие страницы →