← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

سورة المائدة [٥: ٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بتكليف جديد، استعمل فيها ياء النداء: للبعد، والهاء: للتنبيه. ﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية؛ تعني: حين، وتفيد حتمية الوقوع وكثرته؛ يعني: القيام إلى الصلاة والوضوء. ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾: أردتم ونويتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير وضوء. ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾: غسل الوجه يشمل: غسل الجبهة، والذقن، وما بين الأذنين، والفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة. ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾: يشمل غسل الكفين، والذراعين، والمرفقين. ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾: الباء: باء الإلصاق، وتعني: اللصق، والمسح

стр. 1122

برؤوسكم، أو قيل: الباء تعني: امسحوا جميع الرأس، من مقدم الرأس إلى الخلف، ومن الخلف إلى الإمام. ومنهم من قال: الباء تعني: التبعيض؛ أي: امسحوا بعض الرأس. ومنهم من قال: الباء: للتوكيد، وغيرها من التفسيرات. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: قيل: معطوفة على أيديكم واللغة تسمح العطف على الأبعد أي: أيديكم؛ أي: اغسلوا أيديكم إلى المرافق، واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين. ﴿وَإِنْ كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾: ﴿وَإِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال. ﴿كُنتُمْ جُنُبًا﴾: بجماع، أو احتلام إنزال المني، في نوم، أو يقظة. ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾: أيْ: فاغتسلوا بالماء، ويسمَّى غسلَ الجنابة (التطهر يكون بالوضوء، وغسل الجنابة). ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى﴾: ويخاف الضرر، أو الأذى باستعمال الماء. ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾: مسافرين. ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: كناية عن الجماع. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾: للوضوء، أو الغسل؛ فتيمموا.

стр. 1123

﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾: الصعيد: وجه الأرض؛ أي: التراب. لماذا التراب؟ أو الحكمة من التيمم بالتراب؟ فقد ثبت علمياً: أن التراب مادة معقمة تحوي على كثير من الكائنات الحية التي لها القدرة على إنتاج بعض المضادات الحيوية التي تعجز المضادات الحيوية المستعملة أن تقضي على مسببات الأمراض من الجراثيم، أو البكتيريا، أو الحمَّات الراشحة، وتعادل الماء في التطهير، وهناك من يعالج بالطين، فعلينا أن لا نظن أن التيمم عملية رمزية معنوية، بل هي معجزة إلهية حقيقية. ﴿طَيِّبًا﴾: أيْ: طاهراً من النجاسة (تراباً طاهراً). ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾: منه: تعود على الصعيد، فيضرب بكفيه وجه الأرض (الصعيد الطيب)، فيمسح بهما وجهه، وكفيه، ظاهراً وباطناً مرة واحدة. وبعض المفسرين قالوا: منه: تعني: التراب وحده، وليس الحجارة، أو الرمل، أو الخشب، ومنهم من قالوا: منه تعني: ابتداء الغاية، وغيرها من الأقوال، فالوضوء فرضاً، ويعني: طهارة أربعة أعضاء: الوجه، واليدين إلى المرفقين، والرأس، والرجلين إلى الكعبين. والتيمم: يعني: طهارة عضوين (الوجه واليدين). والغسل: طهارة كل البدن. ارجع إلى الكتب الفقهية الأخرى؛ لمزيد من البيان، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤٣) في سورة النساء نجد في آية النساء حذف منها كلمة (منه) وهناك اختلاف بين الآيتين فآية المائدة جاءت عامة في

стр. 1124

سياق الوضوء وفي سياق غير الجنب والجنب ذوي الأعذار، وأما آية النساء جاءت في سياق الجنب وذوي الأعذار فقط. ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ﴿مَا﴾: النافية. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾: جاء بالفعل المضارع يريد، ولم يقل: أراد الله؛ ليدل على التجدد والتكرار في التيسير، ورفع الحرج، وتكرار الثواب والأجر، وإتمام النِّعمة، ولو قال: أراد الله؛ تعني: مرة واحدة، لا تتكرر. ﴿لِيَجْعَلَ﴾: اللام: لام التوكيد. ﴿عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾: الحرج: هو الضيق، والمشقة، وكلمة حرج؛ مشتقة من الحرج، وهي الشجر الملتف؛ الذي لا يمكن الدخول فيه، ولا الخروج منه. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك؛ يفيد التوكيد. ﴿يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾: اللام: لام التوكيد. يطهركم: طهارة حسية، وكذلك معنوية، يطهركم من الذنوب والآثام ومن الشرك. ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾: اللام: لام التوكيد، يتم نعمته عليكم: بالترخيص في التيمم، والواو في وليتم؛ تعني: إضافة إلى النِّعم الأخرى التي أنعمها الله عليكم، وبالثواب على ما شرعه لكم، وعلى طاعتكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: لعلَّ: تفيد التعليل. تشكرون: تؤدُّون الشكر

стр. 1125

الواجب عليكم، على هذه الرخص في العبادات، ولا تنسوا المنعم هو الله، والدوام على الشكر. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لمزيد من البيان. سورة المائدة [٥: ٧] ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: نعمة الإسلام، والإيمان. وتعني: النِّعم كلها، وفي هذا حثٌّ على الشكر. ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾: وميثاقه: فيه عدة تفسيرات: واثقكم به؛ أيْ: عاهدكم به. ١ - الميثاق الذي أخذه من بني آدم، حين أخرجهم من ظهر آدم (ميثاق الذر). كما جاء في الآية (١٧٢) من سورة الأعراف. ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾. ٢ - ميثاقه؛ عندما دخلتم في الإسلام، وأعلنتم الشهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً ﷺ رسول الله. ٣ - وقيل: ما أخذ عليكم من عهود، ومواثيق على لسان رسوله ﷺ ؛ بالوفاء، كما في الآية (١٠) من سورة الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾. ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: إذ: ظرفية زمانية؛ تعني: حين قلتم: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: بايعتموه على السمع والطاعة، في السرَّاء والضرَّاء، وفي المنشط والمكره.

стр. 1126

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: بامتثال أوامره وطاعته، فيما أمر به، وما نهى عنه، سواء لتتَّقوا سخطه، وغضبه، وناره. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنَّ: للتوكيد. ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة آل عمران. سورة المائدة [٥: ٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: نداء للذين آمنوا بتكليف جديد، استعمل فيها ياء النداء: للبعد، والهاء: للتنبيه. ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ﴾: قوّامين لله: جمع قوَّام، تدل على كثرة القيام؛ لأن قوَّام صيغة مبالغة لقائم، ولم يقل: كونوا قائمين، بل قوّامين. ﴿قَوَّامِينَ﴾: لله، بحقوقه، وواجباته، وطاعته، وبالإيفاء بالعقود، والعهود، والمواثيق، وما عاهدتم عليه الله، ورسوله ﷺ . ﴿لِلَّهِ﴾: لأجل مرضاة الله وحده، والإخلاص له، وليس لأجل السمعة والرياء. ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾: شهداء: جمع شاهد، أو شهيد. شهداء بالقسط: تعني: الحكم بالعدل أولاً، وبتنفيذ ذلك الحكم ثانياً وقدم قوامين لله على شهداء بالقسط؛ لأن الآية جاءت في سياق الوفاء بالعقود وشعائر الله والحل والحرام. ارجع إلى سورة النساء آية (١٣٥) للمقارنة؛ حيث قدم القسط على شهداء لله؛ لأن الآية جاءت في سياق العدل والقسط لليتامى والمستضعفين، والإصلاح بين الأزواج.

стр. 1127

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾: ارجع إلى الآية (٢) من نفس السورة للبيان. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: أيْ: لا يحملنكم شنآن قوم؛ أيْ: بغضكم الشديد لقوم: أن يحملكم ذلك على الجور والظلم، وعدم تحرِّي العدل، واحترام العهود والمواثيق، وعدم الاعتداء على الآخرين؛ لأن المسلم يجب أن يكون قدوة للآخرين، مهما كانت عقيدتهم، وأن يكون عمله خالصاً لوجه الله تعالى. والشنآن: هو البغض الذي يسبب العداوة. ولا يحملنَّكم بغض قوم ﴿عَلَى أَلَّا﴾: على أن: حرف مصدري؛ يفيد التعليل والتوكيد، وإذا نظرنا في هذه نجد أنه أضاف (على) مقارنة بالآية (٢) حيث قال أن تعتدوا بدون (على)، وعلى: تفيد المشقة والعلو والمقارنة تشير إلى أن الآية (٢) نزلت في صلح الحديبية حين صدوا رسول الله ﷺ والصحابة عنه العمرة وانتهى الأمر، أما الآية الثانية (٨) فهي عامة ومحكمة؛ أي: وهي الأمر بالعدل إلى يوم القيامة فهي أبلغ وآكد من الآية (٢). ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: اعدلوا في القريب والبعيد، والغني والفقير، والقوي والضعيف، ومهما كانت ملَّته. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل، يفيد التوكيد والحصر. ﴿أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾: أيْ: إقامة العدل والقسط يقرِّبكم للتقوى؛ أيْ: أقرب إلى أن تكونوا من المتّقين. ﴿اعْدِلُوا﴾: هو تكرار لقوله: ﴿عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾: والتكرار يفيد التوكيد على أهمية العدل، وعدم الجور.

стр. 1128

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: تكرار، واتقوا الله: لا يدل على التكرار؛ لأن اتقوا الله في الآية (٧) جاءت في سياق إن الله عليم بذات الصدور نوايا الناس والآية (٨) اتقوا الله جاءت في سياق (بواطن الأمور). ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: إنَّ: للتوكيد. ﴿اللَّهَ خَبِيرٌ﴾: ببواطن الأمور وخفايا الصدور. خبير: بما تقومون به من عدل، أو جور. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: أيْ: تقولون وتفعلون. وقدَّم كلمة ﴿خَبِيرٌ﴾: على كلمة: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ لأن السياق في الغيب، وخفايا الأمور، وليس أعمال العباد، ثم أوضح الله -جل وعلا- جزاء الفريقين: الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، والذين كفروا، أو كذبوا. سورة المائدة [٥: ٩] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾: الوعد غالباً يأتي في سياق الخير، والوعيد: في سياق الشر دائماً. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قرن الإيمان بالعمل الصالح، فلا بُدَّ منهما، كلاهما معاً، فلا يقبل إيمان من دون عمل صالح، ولا عمل صالح من دون إيمان. ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ﴾: لهم: اللام لام الاختصاص، المغفرة تعني: التجاوز عن الذنب، وإسقاط العقاب، والأجر العظيم أو الثواب هو الفوز بالجنة والنجاة من النار.

стр. 1129

لنقارن هذه الآية من سورة المائدة، وهي: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، مع الآية (٢٩) من سورة الفتح: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الآية (٩) من سورة المائدة: تتحدث عن المؤمنين عامة، ولذلك قال: ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، بينما آية سورة الفتح: تتحدث عن الصحابة ﵃، والذين كانوا مع رسول الله ﷺ في صلح الحديبية (في بيعة الرضوان)، ولذلك قال: ﴿مِّنْهُمْ﴾؛ أي منهم (خاصَّة بأصحاب رسول الله ﷺ المخلصين)؛ لأن من أصحاب رسول الله ﷺ من لم يكن حاضراً الصلح، ومنهم منافقين أيضاً؛ فلذلك قال: ﴿مِّنْهُمْ﴾: تميزاً، وتفضيلاً، ونصاً.

стр. 1130

سورة المائدة [٥: ١٠] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿كَفَرُوا﴾: أيْ: سائرون على درب الكفر، والكفر: هو الستر، والجحود، وإنكار وجود واجب الوجود، والكفر يشمل: الكفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦)؛ لمزيد من البيان. ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: الكفر أعم من التكذيب، والكذب حالة جزئية من الكفر؛ أيْ: جحدوا بها، أو أنكروها. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: آيات القرآن، والآيات الكونية، والمعجزات، أو البينات. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، ويعني: سوء منزلتهم. ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: سمّوا أصحاب؛ لمصاحبتهم الجحيم، (وهي النار)، صحبة ناشئة عن كونهم لا يفارقونها، وهي لا تفارقهم؛ أيْ: صحبة دائمة، لا تنقطع. وكلمة الجحيم؛ مأخوذة من الجحوم (من جحم)، ومعناها النار شديدة التأجج، والتي لا تخمد.

стр. 1131

سورة المائدة [٥: ١١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: نداء جديد للذين آمنوا، وتذكير لهم بنعمة خاصَّة، حصلت لهم. أسباب النزول: القوم قيل: هم بنو النضير، همّوا بإلقاء رحى عظيمة من سطح أحد منازلهم على رسول الله ﷺ ، عندما تآمروا على قتله، فجاء جبريل ﵇، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فانصرف ﷺ ، وباءت مؤامرتهم بالفشل. وهناك من قال: إن هؤلاء القوم هم بنو ثعلبة، وبنو محارب، حينما حاولوا قتل رسول الله ببطن نخلة، حين قام ﷺ لصلاة العصر، فأخبر جبريل ﵇ رسول الله ﷺ بذلك. وقيل: نزلت هذه الآية عندما حاول رجل من بني محارب قتل رسول الله ﷺ ، وهو نائم تحت الشجرة، وفشل في ذلك، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب. ﴿إِذْ﴾: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حينئذٍ. ﴿هَمَّ﴾: الهم: هو حديث النفس؛ الذي يطرأ على فكر الإنسان، ولم يصل إلى درجة العزم. ﴿قَوْمٌ﴾: يعني: بنو النضير، أو بنو ثعلبة، أو بنو محارب، والقوم يعني: الرجال دون النساء أحياناً. ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾: أن: للتوكيد، والبسط: هو مد اليد بالبطش، والفتك، أو الأذى.

стр. 1132

﴿إِلَيْكُمْ﴾: ولم يقل: إليه ﷺ ؛ لأنَّ بسط اليد لإيذاء رسول الله ﷺ ، هو بسط اليد إلى المؤمنين كافة. ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾: أيْ: منع أيديهم أن تصل إليكم (كناية عن عدم القتل)، وتشمل رسول الله ﷺ والصحابة. وعصم رسول الله ﷺ ، وعصمكم من الأذى والقتل، وهذه نعمة من نعمه عليكم. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: ارجع إلى الآية (٢) من نفس السورة. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: تقديم الجار والمجرور: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾: تفيد الحصر؛ أي: التوكل، لا يكون إلا على الله وحده؛ لأنه هو الوكيل؛ أي: الكفيل بالخلق القائم بأمورهم، والكافي. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان. سورة المائدة [٥: ١٢] ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: المناسبة في نزول هذه الآية: تذكير للمؤمنين بأن لا تكون عهودهم ومواثيقهم؛ كمواثيق بني إسرائيل، ويسيرون على سيرهم:

стр. 1133

﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية. لقد: اللام: للتوكيد. قد: للتحقيق، والتوكيد. ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: الميثاق: هو العهد المؤكد. ارجع إلى الآية (٨٣) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. بعد نجاة موسى، وبني إسرائيل من فرعون وجنوده ومن الغرق، أمر الله موسى بالسير إلى الأرض المقدسة، التي كان يسكنها الكنعانيون (القوم الجبارون). وقبل التوجه لقتال الكنعانيين، أمر الله موسى بأن يختار (١٢) نقيباً من كل سبط، ويأخذ عليهم الميثاق، ووعدهم الله بأن يدخلوا الأرض المقدسة، وأخذ منهم الميثاق على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل، والتعزير، والقرض الحسن. ولكن هؤلاء النقباء حين دنوا من أرض كنعان، ورأوا القوم الجبارين، رفضوا القتال، ونقضوا الميثاق، وقالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. والنقيب: هو كبير القوم، القائم بأمورهم، ينقب عنها، ويرعاها؛ أي: المندوب عن قومه، والممثل لهم، مشتقة من التنقيب: وهو البحث عن مصالح القوم، وتحمل معنى: أنه لا يكتفي بظواهر الأمور، بل يكشف بواطن الأمور، ويعلم الكثير عن قومه. ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ﴾: ينتقل الله سبحانه من التكلم بصيغة الغيبة إلى صيغة المخاطب؛ للفت أسماعهم، والاهتمام بما سيقول لهم.

стр. 1134

﴿إِنِّى مَعَكُمْ﴾: بالعون، والنصرة؛ أيْ: ناصركم، ومعينكم، وحافظكم. ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾: اللام: للتوكيد، إن شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الندرة؛ أيْ: إقامتها بفروضها، وأركانها، وشروطها. ﴿وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾: دفعتم زكاة أموالكم. ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِى﴾: أيْ: صدقتموهم بما جاؤوكم به من الوحي؛ أيْ: أطعتموهم. ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾: أنفقتم في سبيل مرضاته؛ أيْ: إضافة إلى الزكاة، والقرض الحسن. ارجع إلى الآية (٢٤٥) من سورة البقرة؛ لمعرفة معنى القرض الحسن. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: لئن أطعتم ما أمرتكم؛ لأنصرنكم على عدوكم. و ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد. ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ﴾: التكفير؛ يعني: الستر، والمحو. ﴿سَيِّئَاتِكُمْ﴾: الصغائر، والكبائر. ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ﴾: اللام: للتوكيد، والنون: لزيادة التوكيد. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع من تحتها الأنهار.

стр. 1135

﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: ﴿فَمَنْ كَفَرَ﴾: الفاء: استئنافية، فمن كفر؛ أي: نقض الميثاق، وترك العمل بما فيه، ولم يطع اللهَ فيما أمر ونهى عنه. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد الميثاق. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط. قد: للتوكيد، والتحقيق. ﴿ضَلَّ﴾: تاه، وأخطأ، وابتعد عن الحق والهدى. ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: السواء: هو الوسط، ومن يمشِ في الوسط يصعب عليه أن يتيه ويضل. ﴿السَّبِيلِ﴾: الطريق السهل، الواضح، الموصل إلى الغاية، وهي رضوان الله تعالى وجنته، والنجاة من النار. سورة المائدة [٥: ١٣] ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿فَبِمَا﴾: الفاء: استئنافية، الباء: سببية؛ أيْ: بسبب نقضهم الميثاق: ﴿لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، وما: للتوكيد. ﴿نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾: النقض ضد الإبرام، والنقض؛ يعني: عدم العمل بالميثاق؛ أي العمل بالتوراة. والميثاق: هو العهد المؤكد، ورفضوا تطبيق بنوده، فماذا حلَّ بهم؟

стр. 1136

﴿لَعَنَّاهُمْ﴾: أبعدناهم، وطردناهم عن رحمة الله. ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾: أيْ: صلبة قاسية؛ كالحجارة، والصلابة مذمومة حين تصيب القلوب؛ أيْ: لا تتأثر بموعظة، ولا تقبل الحق، ولذلك هم اعترفوا حين قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: التحريف: يكون بتغيير المعنى؛ أيْ: تحميل الألفاظ على غير ما وضعت له، والتحريف يكون بالتغيير، والتقديم، والتأخير، والزيادة، والنقص، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤١) في نفس السورة، وهي قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ نجد أن الآية (١٣) جاءت في سياق التحريف الأول الذي حدث من اليهود بعد موسى، وأما الآية (٤١) جاءت في سياق التحريف الثاني الذي حدث من اليهود في زمن رسول الله ﷺ . ﴿الْكَلِمَ﴾: جمع كلمة: وهو كلام الله تعالى في التوراة. ارجع إلى سورة النساء آية (٤٦) لمزيد من البيان في معنى الكلم. ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: نسوا، من النسيان: وهو الترك عن عمدٍ، وعدم الاهتمام بما هو مكتوب في التوراة، أو نسوا حظاً مما ذكروا به بسبب عدم قدرة عقولهم على استيعاب ما يوعظون به، وبسبب عدم الكتابة والنسخ،

стр. 1137

ويختلف النسيان عن السهو؛ لأن النسيان يكون عما كان، والسهو يكون عما لم يكن. ﴿حَظًّا﴾: نصيباً جزءاً، ممَّا ذكروا به في التوراة، والحظ: يكون في المحبوب أو يستعمل في الخير أو الفضل، فكل ما جاء في التوراة كان خيراً. ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾: الخطاب إلى النبي ﷺ ، وأمته؛ أيْ: لا تزال تظهر خيانة منهم لك وللمؤمنين، وخيانتهم لك ولغيرك لن تتوقف، سوف تتوالى، فهذا دأبهم. ﴿عَلَى خَائِنَةٍ﴾: خيانة، واختار كلمة خائنة؛ لأنها مستوعبة لكل مصادر الخيانة. خائنة: إما اسم فاعل خائن، والتاء: للمبالغة؛ أيْ: شخص، أو أشخاص خائنين، أو تعني: طائفة خائنة، أو نفس خائنة، أو مصدر، وتقرأ بدلاً من خائنة: خيانة، فخائنة: تشمل كل تلك المعاني. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾: إلّا: أداة استثناء؛ أيْ: هناك القليل منهم، لا تبدر منهم خيانة، ويلتزمون بمواثيقهم وعهودهم. ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾: العفو: هو ترك العقوبة على الذنب. ﴿وَاصْفَحْ﴾: الصفح: أبلغ من العفو، فالصفح: ترك العقوبة، وترك اللوم، والمن، وعدم التذكير بما حدث (ترك التثريب). ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن

стр. 1138

تراه؛ فهو يراك. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان عن الإحسان. والذي يعفو، ويصفح يصل إلى درجة الإحسان. فهذه مراحل الترقي من العفو إلى الصفح إلى الإحسان. لنقارن هذه الآية (١٣) من سورة المائدة، مع الآية (٤١) من السورة نفسها: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾. وقال في الآية (٤١) من سورة المائدة: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾: ما هو الفرق: لنعلم أن هناك تحريفين للتوراة: الأول: حدث بعد نزول التوراة، وهي قوله : ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: قام به اليهود الأوائل من بعد موت موسى ﵇، وتحريف ثانٍ: حدث في زمن الرسول ﷺ ، وهو يمثل قوله -جل وعلا-: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.

стр. 1139

سورة المائدة [٥: ١٤] ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: بعد أن ذكر كيف نقض اليهود ميثاقهم، وماذا كانت عاقبة أمرهم. يذكر الآن النصارى، وميثاقهم، وماذا كانت عاقبة أمرهم. ﴿وَمِنَ﴾: ابتدائية. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾: نسبة إلى قرية الناصرة في فلسطين، كان عيسى ﵇ ينزلها. ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾: ميثاقهم: الإيمان بالله، والرسل، وطاعة الله، فيما أمر، والتوحيد، والعمل بما أمر الله على لسان عيسى ﵇. ﴿فَنَسُوا﴾: الفاء: للتعقيب، والترتيب، والمباشرة. ﴿فَنَسُوا حَظًّا﴾: عمداً، ارجع للآية السابقة (١٣)؛ لبيان معنى الآية. ممّا ذكروا به في الإنجيل، ومن الإيمان، وتركوا العمل به، ونقضوا العهد، ومما ذكروا به: هو اتباع محمد ﷺ . ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾:

стр. 1140

﴿فَأَغْرَيْنَا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. ﴿فَأَغْرَيْنَا﴾: أصلها من الغراء: وهو المادة الصمغية المستعملة للصق الخشب على بعضه. والإغراء هنا يعني: الحث على فعل ما، وتحسينه في نظر الذي يراد إغراؤه واستخدم أغرينا ليدلنا على عظم العداوة والبغضاء التي انتشرت بينهم. ﴿بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾: أيْ: أوقعنا بين طوائف، وفرق النصارى العداوة والبغضاء، بسبب اعتقاداتهم الفاسدة؛ مثل: كون عيسى ﵇ إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، وتحريفهم الإنجيل، وكفرهم بمحمد ﷺ وبالقرآن، فأصبحت كل فرقة منهم تُكفر الأخرى، وتعادي الأخرى. ﴿وَسَوْفَ﴾: سوف للتراخي، والاستقبال؛ أيْ: في الآخرة. ﴿يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: ينبئهم في الآخرة، بما: الباء: للإلصاق. ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾: في الدنيا، واختار كلمة ﴿يَصْنَعُونَ﴾: بدلاً من يعملون، أو يفعلون؛ لأنهم امتازوا بصنعة التحريف، والنسيان، والكتم، وأصبحوا ذوي خبرة، وترك ما أمروا العمل به؛ فتحول من فعل عادي إلى صناعة (تعني: الجودة، في التحريف والكتم). هذه الآية (١٤) لا بُدَّ من مقارنتها بآية أخرى، وهي الآية رقم (٦٤) من نفس السورة، وهي قوله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾.

стр. 1141

فمع النصارى استعمل كلمة: ﴿فَأَغْرَيْنَا﴾، ومع اليهود استعمل كلمة ﴿وَأَلْقَيْنَا﴾: ﴿فَأَغْرَيْنَا﴾: أشد قوة وتأكيداً من ﴿وَأَلْقَيْنَا﴾. أيْ: أغرينا بين طوائف وفرق النصارى العداوة والبغضاء؛ أيْ: جعلنا عداوتهم وبغض بعضهم لبعض أشد بكثير ممّا جعلناه بين فرق وطوائف اليهود؛ والسبب في ذلك: أن الحروب، والخلافات بين طوائف النصارى أشد من الخلافات والحروب بين طوائف اليهود، وكلاهما اختلفوا وتفرقوا من بعد ما جاءتهم البينات؛ والسبب في ذلك اعتقاد النصارى أن عيسى ﵇ إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة وغيرها، هي اعتقادات باطلة وفاسدة، إضافة إلى تحريفهم الإنجيل، وأما اليهود؛ وإن كانوا قد حرفوا التوراة مرتين، لكن اعتقاداتهم لا ترقى إلى اعتقادات النصارى من جهة الوحدانية. سورة المائدة [٥: ١٥] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: (نداء إلى اليهود والنصارى)، نداء مباشر، والياء: للبعد، وهذا النداء أفضل من النداء بالذين أوتوا الكتاب أو أوتوا نصيباً من الكتاب. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾: محمد ﷺ ، وقوله : ﴿رَسُولُنَا﴾: هنا؛ للتشريف، والتعظيم. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾: يُبيِّن؛ أيْ: يُظهر الكتاب؛ أي: التوراة والإنجيل، وما كنتم تخفون في صفات ونعت

стр. 1142

محمد ﷺ ، وبعض الأحكام؛ مثلك آية الرجم، وذكر وصفة الرسول ﷺ ، وقصة أصحاب السبت، وأخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وبشارة عيسى ﵇ بمجيء محمد ﷺ كما في الآية (٦) في سورة الصف وهي قوله تعالى على لسان عيسى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾: أيْ: يُعرض، ولا يذكر الكثير ممّا تكتمونه. ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾: ﴿نُورٌ﴾: محمد ﷺ ، أو الإسلام، أو المنهج، أو الإيمان. ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾: القرآن الكريم، مبين ظاهر، ومظهر لنفسه، يُبيِّن لكم الحق من الباطل، ظاهر لكل إنسان يقرؤه. سورة المائدة [٥: ١٦] ﴿يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: ﴿يَهْدِى بِهِ اللَّهُ﴾: بالقرآن. ﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾: من: اسم موصول للعاقل؛ بمعنى: الذي اتبع رضوانه (أيْ: شرعه ودينه). أيْ: يهدي بالقرآن أي إنسان يريد الحصول على رضا الله، بأن يتبع سبل السلام؛ أي: الطرق المؤدّية للنجاة من النار. ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾: سُبلُ: جمع سبيل، سُبلُ السلام؛ أي: السبل المؤدية إلى السلامة والنجاة من عذاب الله، طرق الخير، وطرق العبادة، والذكر، والتقرب من الله تعالى. وسبل السلام متعددة: مع الله، ومع النفس، ومع الجماعة، ومع العالم،

стр. 1143

ومع الكون، ويقابلها: سبل الضلال. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (١٥٣)، وسورة يوسف، آية (١٠٨)؛ لمزيد من البيان؛ لمعرفة الفرق بين سبل السلام، وأن هذا صراطي مستقيماً، قل هذه سبيلي. ﴿وَيُخْرِجُهُم﴾: إما أن تعود على الله، أو على رسوله، أو على القرآن، أو على الكل. ﴿وَيُخْرِجُهُم﴾: أي: المُتَّبعين رضوان الله. ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾: من ظلمات الكفر، والشرك، والجهل، والشك، إلى نور الإيمان بإذنه ، فالظلمات متعددة، والنور واحد. ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾: ويهديهم تعود على الله، أو الرسول، أو القرآن، أو الكل معاً. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: الدِّين القيم: وهو الإسلام (دِين الحق)، والصراط المستقيم: هو أسهل، وأقصر، وأسرع، وأوسع السبل المؤدية إلى الغاية. سورة المائدة [٥: ١٧] ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿لَّقَدْ﴾: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق (للتوكيد). ﴿كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾: قيل: هم فرقة من فرق

стр. 1144

النصارى؛ تسمَّى اليعقوبية، وساد مذهبهم هذا بعدئذٍ بين جميع المسيحيين، وهو: أن اللهَ سبحانه هو المسيحُ ابن مريم. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: ، ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل، يفيد الحصر، والتوكيد. ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٥) من سورة آل عمران. ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ . ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: للتوكيد، من: استفهامية؛ تفيد الإنكار، والتوبيخ. ﴿يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: من: استغراقية. ﴿شَيْئًا﴾: نكرة؛ للتهويل، والشيء: هو أقل القليل؛ أيُّ شيء مهما كان نوعه، وشكله، وحجمه. ﴿يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: أيْ: يدفع، ويمنع من عذاب الله شيئاً، إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ﵉، وجواب الاستفهام: لا أحد يملك ذلك. ﴿وَأُمَّهُ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: استغراقية. ﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد. واستعمل ﴿أَرَادَ أَنْ﴾: أن: شرطية؛ تفيد الاحتمال والندرة. ﴿أَرَادَ﴾: ولم يقل: يريد؛ لأن الإهلاك لا يحصل إلَّا مرة واحدة. وفي هذه الآية: دليل على أن عيسى ﵇ ليس إلهاً، ولا ابن إله، ولا ثالث ثلاثة. وفي هذه الآية: إنذار لمن قالوا: إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم.

стр. 1145

﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: فالألوهية إذن لمن!! الجواب: لمن له ملك السموات والأرض، وما بينهما؛ أي: المُلك والحكم، حصراً لله وحده، وتقديم ﴿وَلِلَّهِ﴾: الجار والمجرور ولفظ الجلالة: يفيد الحصر. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾: قادر أن يخلق آدم من تراب، وعيسى من أم، وحواء من آدم، وأنتم من أب وأم، فإذا أراد شيئاً: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. يخلق من الخلق، وهو الإيجاد من لا شيء، أو من شيء، والخلق هو التقدير. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، يعود على الله سبحانه وحده، وقادر على عقاب العاصي، وثواب المطيع، وقادر على نصر نبيه، ودينه، وإعلاء كلمته. ارجع إلى سورة البقرة؛ آية (٢٠)؛ لمزيد من البيان. وإذا نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾: وقارنّا هذه بقوله تعالى في سورة الفتح، الآية (١١): ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، أضاف كلمة: ﴿لَكُمْ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: تعني: هؤلاء المذكورين خصوصاً وليس غيرهم؛ أي: الأعراب الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ حين دعاهم للخروج إلى العمرة، وحدث صلح الحديبية. وفي هذه الآية من سورة المائدة، لم يضف -جل وعلا-: ﴿لَكُمْ﴾؛ لأن الخطاب عام لكل الناس، وليس إلى فئة خاصَّة معينة.

стр. 1146

سورة المائدة [٥: ١٨] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاؤُا اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاؤُا اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾: قالوا ذلك افتراءً، أو ظناً أنهم أبناء ذرية إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب ﵈؛ أيْ: أنهم أبناء الرسل، وقيل: إنهم وجدوا في التوراة آية يا أبناء أحباري، فظنوا أو ادعوا أنهم بذلك أصبحوا أبناء الله، وأحباؤه، أو حين ظنوا ظن الباطل: أن المسيح ابن الله، قالوا: معنا ابن الله، فنحن أبناء الله؛ أيْ: هو كالأب لنا في الحنو والعطف، أو نحن أشياع وأتباع ابني الله، المسيح وعزير، فردَّ الله عليهم عن طريق نبيِّه، وليس مباشرة. قل لهم يا محمد: إذا كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأعزته، فلم يعذبكم الله بذنوبكم؟! لأن الأب لا يعذّب ابنه، والحبيب لا يعذّب حبيبه، فلستم أبناءَ الله، ولا أحباءَه. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾: من جملة ما خلق، أو من عامة خلقه. ﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي، ﴿أَنْتُمْ﴾: للتوكيد. ﴿أَنْتُمْ بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾: فلو صحَّ أنكم أبناء الله؛ لما عصيتموه، ولما عاقبكم، بل أنتم بشر: أي: خلقاً ممن خلق، وبشر قد تأتي للمفرد أو الجمع كقوله تعالى في سورة القمر آية (٢٤): ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾. ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾:

стр. 1147

﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: لمن يستحق المغفرة، وهم أهل الطاعة. ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: من يستحق العذاب، وهم العصاة، ومن يفترون على الله الكذب، أو يكفرون بالله تعالى. وقدَّم المغفرة على العذاب في هذه الآية، وكما هو الحال في جميع القرآن، إلا في آيتين اثنتين فقط، قدَّم العذاب على المغفرة، وهما الآية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ من سورة المائدة، الآية (٣٨)، وجاءت في سياق التحذير من السرقة، والآية (٢١) من سورة العنكبوت في قوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾؛ التي جاءت في سياق الإنذار، إنذار إبراهيم لأبيه وقومه على عبادة الأصنام، والشرك بالله، وهي أمور توجب العذاب؛ فقدَّم العذاب أولاً، وأخَّر المغفرة. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: ارجع إلى الآية السابقة. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾: إليه المنتهى والعودة، وحصراً وقصراً، لا إلى أحد غيره للمحاسبة والجزاء، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. سورة المائدة [٥: ١٩] ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: نداء مباشر إلى أهل الكتاب (أهل التوراة، والإنجيل، و (يا): للبعد. ارجع إلى الآية (١٥) في نفس السورة للبيان، وهذه الآية ليست تكرار للآية (١٥) لكل منهما سياق مختلف عن الأخرى انظر في الشرح. ﴿قَدْ﴾: للتحقيق. ﴿جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾: أيْ: محمد ﷺ ، وقوله: رسولنا: للتشريف، والتعظيم. ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾: يُبيِّن: يُظهر لكم على حين فترة من إرسال الرسل.

стр. 1148

الفترة: هي من فتر الشيء: سكنت حدته؛ أي: السكون والفتور؛ يعني: الضعف؛ أي: انقطاع من الوحي، وهي الفترة ما بين عيسى ﵇، ومجيء الرسول محمد ﷺ حوالي (٥٦٩ عام). ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾: كثيراً من الشرائع التي أنزلت إليكم، ويُظهر لكم ما أنزل إليكم من ربكم، وما تحتاجون إليه من أمور العقيدة والتوحيد. وقيل: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مئة سنة، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون، وبين إبراهيم وموسى عشرة قرون، وبين موسى وعيسى (١٧٠٠ سنة)، وبين عيسى ومحمد ﷺ حوالي (٥٦٩ سنة) خمسة إلى ستة قرون. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾: أن: مصدرية للتعليل؛ تعني: لكيلا تقولوا. ﴿مَا جَاءَنَا﴾: ما: النافية. جاءنا: أتانا من بشير. ﴿مِنْ﴾: الاستغراقية. ﴿وَلَا نَذِيرٍ﴾: أيْ: ما جاءنا أحد من جنس الرسل. ﴿بَشِيرٍ﴾: الذي يجيء بأخبار سارة، أو بما يسرُّ، ولأول مرة. ﴿نَذِيرٍ﴾: من الإنذار، وهو الإعلام مع التخويف والتحذير. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ لمزيد من البيان. ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد. قد: للتحقيق، وزيادة التوكيد. ﴿جَاءَكُمْ﴾: المجيء عادةً يكون بمشقَّة، وتعب، والمجيء؛ يعني: وصل إليكم رسولنا محمد ﷺ . ﴿بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾: البشير والنذير معاً؛ فقد أرسل إلى الثقلين بشيراً ونذيراً. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: لا يعجزه شيء في السموات، ولا في الأرض. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠)؛ للبيان.

стр. 1149

سورة المائدة [٥: ٢٠] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: أيْ: (واذكر إذ قال موسى لقومه)، أو (اذكر حين قال موسى لقومه). ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾: هم بنو إسرائيل، بعد نجاتهم من فرعون، وجنوده، وفلق البحر. ﴿يَاقَوْمِ﴾: يا: النداء، فيه نوع من التحبُّب واللين، وأبلغ وأفضل من القول لقومه اذكروا نعمة الله عليكم بدون يا قوم. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ عَلَيْكُمْ﴾: اسم جنس، وتعني: النِّعم الكثيرة؛ اذكروا النِّعم الكثيرة، التي أنعمها الله عليكم. ﴿إِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي. ﴿جَعَلَ فِيكُمْ﴾: أيْ: بعث فيكم. ﴿أَنْبِيَاءَ﴾: فيكم: ظرفية زمانية؛ أي: الماضي، والحاضر. ﴿فِيكُمْ﴾: أنبياء من لدن إبراهيم إلى زمن موسى وهارون؛ أيْ: أصبح من ذرية إبراهيم وإسرائيل أنبياء. ﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكًا﴾: أحراراً بعد أن كنتم عبيداً، مملوكين، مستعبدين من فرعون وملئه؛ أيْ: كالملوك في التمكين، ورغد العيش، والحرية، والأمان، أو ملوكاً في حرية التصرف بأنفسكم كما تشاؤون. ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: أيْ: عالمي زمانهم؛ من النِّعم مثل المن، والسلوى، وفلق البحر، وغيرها.

стр. 1150

سورة المائدة [٥: ٢١] ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: جاء هذا الأمر الإلهي بدخول الأرض المقدسة، بعد نزول التوراة على موسى، وعبادتهم العجل، ورفع الطور. ﴿الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾: الأرض المباركة المطهرة، قيل: هي بيت المقدس، أرض الشام، وفلسطين، والأردن. ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: أيْ: فرض الله عليكم دخولها. ﴿الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾: فسّرت هذه الكتابة: كتابة مؤقتة، كتابة موقوتة بزمان محدد، حينما كانوا مؤمنين؛ فإن الله قد كتب لهم الأرض المقدسة؛ لكنها ليست كتابة دائمة حتى قيام الساعة، وإنما كتابة موقوتة، كتبها لهم عندما كانوا مؤمنين موحِّدين، وكان غيرهم في ذلك الزمن كافرين ووثنيين، ولكنهم حينما ارتكبوا المعاصي، وغضب الله عليهم، ولعنهم؛ فقد فقدوا حقَّ تملُّك تلك الأرض المقدسة. أو كتبها كتابة تشريعية؛ أيْ: أن يكون للمريد أو المدعو اختيار في أن يفعل أو لا يفعل؛ أيْ: يدخلها فينال الثواب والأجر، أو لا يدخلها؛ فيعاقب على ذلك. أو كتابة كونية؛ أيْ: إن الدخول لا اختيار فيه، أو إرادة، يجب أن يحدث رغم أنف الإنسان. ويُرجَّح أنها كتابة تشريعية؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾؛ أيْ: لهم الخيار بالدخول، أو الارتداد، وعدم الدخول. ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾: تتراجعون، أو تنهزمون، ولا ترجعوا عن أمر الله إلى معصيته. ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾: في دنياكم وآخرتكم.

стр. 1151

سورة المائدة [٥: ٢٢] ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾: الكنعانيون: (جبارين): جمع جبار، والجبار: الرجل القوي، عظيم الجسم، الذي يُجبر ويكره الناس؛ لقوته، وقهره لهم (رجل عملاق). ﴿وَإِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا﴾: لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد، نفوا دخولها نفياً مؤقتاً؛ حتى يخرج منها القوم الجبارون. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية. ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾: الفاء: للتوكيد، إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال والندرة. ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾: الفاء: للتوكيد، والتعقيب مباشرة. داخلون: جملة اسمية تدل على الثبوت، وعلى شرط أن يخرج منها القوم الجبارين. سورة المائدة [٥: ٢٣] ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿قَالَ رَجُلَانِ﴾: أغلب الروايات ترجح أنهما: يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف ﵇، وكالب بن يوقنه، وهو من سبط يهوذا، وقيل: كانا ابني يوسف ﵇، وقيل: هما من القوم الجبارين، أسلما مع بني إسرائيل. ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾: يخافون الله وحده، يخافون معصية الله، ومخالفة أمره تعالى، قيل: يخافون الجبارين، ولم يمنعهم خوفهم من قول الحق. ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾: وقيل: بالإسلام، أو الصلاح، والفضل، واليقين؛ بالخوف من الله، وبنعمة الإيمان، والصدق.

стр. 1152

﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾: لاحظ تقديم الجار والمجرور ﴿عَلَيْهِمُ﴾، بدلاً من قولهم: ادخلوا الباب عليهم؛ لأن الدخول على القوم الجبارين أهم من دخول الباب؛ فالباب ليس له أهمية، بينما المهم هو ملاقاة القوم الجبارين. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾: الفاء: للترتيب المباشر، إذا: ظرفية، ظرف زماني، متضمنة معنى الشرط؛ تفيد الحتمية. ﴿فَإِنَّكُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، والتعقيب؛ أيْ: ما دام الله قد كتب عليكم الدخول؛ فهو سوف يكون عوناً لكم؛ إذ لا يطلب منكم إلَّا الجهاد، وبالرعب قد ينصركم؛ لأن الله منجز وعده. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾: تقدَّم الجار والمجرور، ولفظ الجلالة: يدل على الحصر؛ أيْ: على الله وحده، ولا غيره. ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾: الفاء: عاطفة؛ تفيد التوكيد. بعد تقديم الأسباب المطلوبة منكم؛ لأن الله سبحانه قد جعل لكل شيء سبباً. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: إن: شرطية. أين جواب الشرط؟ جواب الشرط: محذوف؛ دلَّ عليه ما قبله، وهو قوله: فتوكلوا على الله. فيصبح تقديرها: أيْ: إن كنتم مؤمنين؛ فتوكلوا على الله. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان في التوكل.

стр. 1153

سورة المائدة [٥: ٢٤] ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أيْ: بنو إسرائيل. ﴿لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَدًا﴾: لن: حرف نفي للاستقبال القريب والبعيد. ﴿أَبَدًا﴾: ظرف زمان للتوكيد، وللنفي بعدم دخولها، ما داموا فيها. ﴿مَا﴾: حرف مصدري. ﴿مَا دَامُوا فِيهَا﴾: مقيمين؛ أي: القوم الجبارين. ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ﴾: الواو: عاطفة، تدل على التعقيب والمباشرة. ﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل للتوكيد. ﴿وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾: لم يقولوا: (ربنا)، بل قالوا: ﴿وَرَبُّكَ﴾: وهذا يدل على مدى استهانتهم بالله تعالى ورسوله، وجهلهم، وقلة احترامهم، وعدم المبالاة، بل الاستهزاء، وليس هذا بغريب أن يصدر مثل هذا عن أفواههم؛ فقد قالوا من قبل: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وعبدوا العجل، وسألوا رؤية الله سبحانه جهرة. ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾: قاعدون: جمع قاعد، وقاعد تجمع على قعود، والفرق بينهما؛ قاعدون: تدل على الحدث، وقعود: تدل على الاسم مثل كافرون،

стр. 1154

وكفار، وقولهم قاعدون يدلُّ على مدى جبنهم، وخورهم، وحبهم للدنيا، ويدلُّ على تمرُّدهم، وعصيانهم لأوامر الله ورسوله. ﴿إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾: ننتظركم، ولن نبرح هذا المكان بانتظار النتيجة. سورة المائدة [٥: ٢٥] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: قال موسى ﵇: ﴿إِنِّى﴾: إني: أكثر تأكيداً من (أنا) بالنون المشددة. ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى﴾: لا: النافية للحال، ﴿أَمْلِكُ إِلَّا﴾: إلّا: أداة حصر، ﴿نَفْسِى وَأَخِى﴾: أيْ: هارون، وقد تعني: لا أملك إلا نفسي، وأخي لا يملك إلَّا نفسه؛ أيْ: ليسا بقادرين على سؤال أحد آخر لنصرتنا. في هذه الآية معنى الأسى، والحزن؛ لعدم استجابة قومه له بالدخول. وفيها معنى الاعتذار. ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: أيْ: احكم، أو افصل، أو اقض بيننا وبين هؤلاء الفاسقين؛ أي: الخارجين عن الطاعة، والإيمان، وكأنه يقول: إني بريءٌ من هؤلاء القوم الفاسقين الذين عصوا أمرك. سورة المائدة [٥: ٢٦] ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا﴾: أي: الأرض المقدسة. ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: لا يدخلونها، هذا هو الحكم الأول.

стр. 1155

والحكم الثاني هو: ﴿يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ﴾: فلان تاه؛ أيْ: سار على غير هدى، لا يعرف لنفسه مدخلاً ولا مخرجاً. أيْ: محرمة عليهم (٤٠ سنة) لا يدخلونها، وخلال ذلك الزمن (٤٠ سنة يتيهون في الأرض)، وقيل: تاهوا (٤٠ سنة)، يصبحون حيث أمسوا، ويمسون حيث أصبحوا، وبعد (٤٠ سنة) دخلوها على يد يوشع بن نون، وإذا وقف القارئ عند كلمة: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ وبدأ بـ: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ﴾: عندها تعني: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾: إلى الأبد، والتيه يكون أربعين سنة. ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: ﴿فَلَا تَأْسَ﴾: لا: الناهية. ﴿تَأْسَ﴾: من الأسى: هو أشد ألماً من الحزن؛ أي: حزن شديد، يخالطه جذع، وأطول فترة من الحزن، بينما الحزن أقل ألماً من الأسى، ومؤقت. لماذا قال ﵎: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: يبدوا أن موسى ﵇ شعر بالأسى والحزن، فدعا على بني إسرائيل، بعد أن أعلنوا عصيانهم وتمردهم على الدخول، ولم يدعُ لهم بالهداية، أو لم يمهلهم ربُّهم زمناً أطول للدخول؛ فجاءت الاستجابة مباشرةً بقوله: ﴿فَإِنَّهَا﴾: الفاء: للتعقيب والسرعة، وتشبه حالتهم في التيه؛ كحالة السجين، وكما لا بُدَّ للسجين من أن يُطعم ويُسقى؛ فقد أمدهم الله بالطعام بالمن والسلوى، وفجَّر لهم الحجر اثنتي عشرة عيناً: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: ٦٠].

стр. 1156

سورة المائدة [٥: ٢٧] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: المناسبة: بعد ذكر عصيان بني إسرائيل بعدم دخول الأرض المقدسة، على لسان موسى، ونقضهم المواثيق يأتي مثل آخر؛ عصيان ابن آدم لأمر الله بالزواج من أخته من الحمل الآخر، على لسان آدم، وقتله لأخيه، فيقول تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ﴾، واتل؛ أي: اقرأ، كلمة بعد كلمة، بالترتيب والتتابع، والتلاوة لا تكون إلا من كتاب الله، ولها أجر الحرف بعشر حسنات. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: يا محمد، على قومك. ﴿نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ﴾: النبأ: هو الخبر العظيم، أو الخبر المهم، وهو أخص من الخبر؛ أي: الخبر أعم من النبأ، والنبأ فيه فائدة للمستمع. ﴿ابْنَىْ آدَمَ﴾: قابيل وهابيل. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: باء الإلصاق، بالحق: والحق: هو الشيء الثابت، الذي لا يتغير، فكل شيء منزل من عند الله ﵎ هو الحق -جل وعلا-، والله هو الحق ؛ أيْ: منزل من الحق؛ أيْ: بالصدق، لا تغيير فيه، ولا تبديل؛ لأن هناك أنباء غير صادقة تصدر من البشر فيها شك، وليست حقاً، وطالما هناك حق، هناك غير حق؛ أيْ: باطل. ما هو النبأ؟ أوحى الله إلى آدم أن يزوِّج كلَّ واحد من أولاده توءَمة الآخر؛ فرفض قابيل الزواج من الأنثى من البطن الثاني؛ حيث كانت حواء تلد ذكراً وأنثى في كل حمل، فقال لهما آدم: قرِّبا قرباناً، فمن أيكما تُقبل؛ تزوجها، ففعلا ذلك،

стр. 1157

فتُقبل قربان هابيل؛ فازداد قابيل حسداً وسخطاً، فانتهى الأمر بأن قتل أخاه هابيل. ارجع إلى الآية (١٨٣) من سورة آل عمران؛ لبيان معنى القربان. ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾: بمعنى حينما قرَّبا قرباناً، أو اذكر إذ قرَّبا قرباناً. والقربان: هو ما يتقرَّب به العبد إلى الله تعالى، على وزن فعلان. قيل: إن قربان هابيل كان من أجود غنمه (إذ كان صاحب غنم). وقربان قابيل حزمة من سنبل، ومن أردأ زرعه (إذ كان صاحب زرع). فتُقبِّل قربان هابيل، قيل: نزلت ناراً فأكلته، أو رفع إلى السماء، وأمّا قربان قابيل؛ فبقي مكانه، ولم يُتقبل. فقال: قابيل لهابيل؛ لأقتلنك. ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾: تهديد من قابيل لأخيه بالقتل، والتأكيد جاء في اللام، وكذلك بزيادة النون، النون الثقيلة في كلمة: أقتلنَّك، بدلاً من قتلك. قال هابيل: إنما: كافة ومكفوفة؛ تفيد التوكيد. ﴿يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: جواباً على قوله: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾. عزا تقوى الله سبحانه كونها هي السبب في تقبُّل القربان، فأيُّهما أتقى؛ يُتقبل منه. سورة المائدة [٥: ٢٨] ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿لَئِنْ﴾: اللام: لام التوكيد، إن: شرطية؛ تفيد معنى الاحتمال، أو الندرة.

стр. 1158

﴿بَسَطْتَ﴾: أيْ: مددت إليَّ يدك لتقتلني، بسط اليد بالسوء، وبسطت: جملة فعلية تدل على التجدد والتكرار. ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ﴾: ما: النافية. بباسط: الباء: للإلصاق، والتوكيد، وما أنا بباسط: جملة اسمية تدل على الثبوت؛ أي: لن أحاول قتلك مهما فعلت بي؛ لأني أخاف الله رب العالمين. ﴿يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾: يد واحدة. انتبه إلى بسط إليَّ؛ تعني: بالشر، أما بسط له؛ فتعني: الخير، أو النفع، وعلل عدم الرد على أخيه بالسوء: ﴿إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. ﴿إِنِّى﴾: إن: للتوكيد. ﴿أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: أضاف كلمة الله إلى الرب؛ للترهيب، وعدم ارتكاب جريمة القتل، أو تدل عظمة الخوف، والرهبة المستقرة في قلبه، وكأن بإمكانه الرد عليه قوة بقوة، فيقول: لا أريد أن أقتلك. سورة المائدة [٥: ٢٩] ﴿إِنِّى أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ﴾: ﴿إِنِّى﴾: النون: للتوكيد. ﴿تَبُوءَ﴾: ترجع يوم القيامة حاملاً إثمين: إثمي، وإثمك. ارجع إلى سورة يونس، آية (٨٧)؛ لمزيد من البيان. ﴿بِإِثْمِى﴾: أيْ: إثم قتلك إياي، أو (إثم قتلي).

стр. 1159

﴿وَإِثْمِكَ﴾: إثم معاصيك في الدنيا غير القتل، والإثم: هو فعل الحرام؛ أي: القتل، وحدّه القصاص. ارجع إلى سورة النساء، آية (٩٢ - ٩٣)؛ لمزيد من البيان. أو الإثم الأول: رفضك قبول الحكم، بما أمر الله سبحانه. والإثم الثاني: هو قتلك إياي؛ أيْ: جريمة القتل. ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: أصحاب: الملازمون للنار، لا يفارقونها، وهي لا تفارقهم. ﴿وَذَلِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ﴾: الواو: للتأكيد، وذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد، وتشير إلى كونهم من أصحاب النار. ﴿جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ﴾: دخول النار: هو جزاء الظالمين. ويتبيَّن من هذه الآيات: أن هابيل حذر قابيل بثلاث مواعظ: الخوف من الله، وبأنه سيحمل إثمين: إثم قتله، وإثم نفسه، وأنه سيكون من أصحاب النار، ومن الظالمين. سورة المائدة [٥: ٣٠] ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: ﴿فَطَوَّعَتْ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة. فطوعت: تشجعت نفسه، أو زيَّنت له نفسه أخيراً على قتل أخيه، فكل نفس لها ملكتان: ملكة الخير، وملكة الشر، وملكة الشر: خاضعة لوسوسة الشيطان والهوى؛ فطوعت: يدل على تردد طويل واستعداد نفسي، ثم الإقدام على القتل؛ تردد في نفس قابيل على قتل هابيل بين دافع الحسد من أخيه ودافع الخوف.

стр. 1160

فحينما تتغلب ملكة الشر على ملكة الخير يحدث الإثم. ﴿فَقَتَلَهُ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، وعدم التردُّد. وقيل: كانت هذه أول جريمة قتل تحدث على الأرض. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: الفاء: للتوكيد أصبح قابيل من الخاسرين في الدنيا والآخرة؛ أي: الخاسرين لأنفسهم؛ بإدخالها النار وإهلاكها. سورة المائدة [٥: ٣١] ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾: بعد أن قتل أخاه، لم يدرِ ما يصنع به، فحمله على ظهره؛ كما قيل زمناً. ﴿فَبَعَثَ﴾: أيْ: أرسل غراباً، وهناك فرق بين بعث وأرسل؛ البعث: فيه تنبيه وإثارة. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩) لمزيد من البيان. ﴿يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ﴾: ينبش الأرض، ويحفرها بمنقاره ورجليه؛ ليدفن؛ أيْ: ليواري غراباً آخر كان قد قتله. ﴿لِيُرِيَهُ﴾: ليعلمه كيف يواري: يستر ويخفي. ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾: جثة أخيه، والسوءة: ما يسوء ظهوره؛ أيْ: جثة أخيه، والسوءة عادة هي القبل والدبر، أمّا العورة: فهي ما بين السرّة والركبة. ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾: ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَى﴾: من الويل: وهو الهلاك، والفناء، والياء: ياء النداء؛ أيْ: كأنك تنادي: يا هلاكي، احضر وخلصني ممّا أنا فيه من الغمّ والهمّ، والويلة:
следующие страницы →