Полный текст (5 934 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
سورة البقرة [٢: ٥٨]
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾:
قبل البدء بتفسير هذه الآية لنعلم أن هذه الآية جاءت في سياق تعداد النعم على بني إسرائيل لقوله تعالى لما افتتح ذكر بني إسرائيل قال تعالى: ﴿يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧].
﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكروا؛ إذ قلنا.
﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾: أسند القول إليه سبحانه؛ اهتماماً بهم؛ الخطاب المباشر من اله سبحانه لبني إسرائيل. وفي سورة الأعراف آية (١٦١) قال تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ ارجع إلى سورة الأعراف: آية (١٦١) لبيان الاختلاف.
﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: قيل: هي بيت المقدس، أو أريحا، أو غيرها، أمروا بدخولها، بعد التيه. وفي سورة الأعراف آية (١٦١) قال تعالى: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦١) لبيان الاختلاف.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾: الفاء؛ هنا، للتعقيب، والسرعة؛ أي: كلوا؛ بمجرد دخولكم، وكأنّ الطعام مهيئ لهم، كما نفعل في حالة إقراء الضيف.
﴿حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾: هذه الآية؛ تدل على أنّ هناك أصناف كثيرة من الطعام، ﴿رَغَدًا﴾: كلوا هنيئاً، لا عناء فيه، وتأخير كلمة ﴿رَغَدًا﴾؛ في هذه الآية بدلاً فكلوا منها رغداً حيث شئتم؛ لكونها في سياق الدّنيا، بينما في الحديث، عن الجنة، وآدم، قدَّم ﴿رَغَدًا﴾؛ فقال: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: ٣٥]. وفي سورة
стр. 107
الأعراف آية (١٦١) حذف رغداً وقال تعالى: (وكلوا حيث شئتم)؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦١) لبيان الاختلاف.
وهذا التأخير، والتقديم في الرغد؛ لكون الجنة والدنيا، لا تتساويان في لذة العيش، فرغد الجنة مقدَّم على رغد الدّنيا.
﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: وادخلوا الباب؛ باب القرية، الّتي ذكرت في مطلع الآية. وفي سورة الأعراف آية (١٦١) قدم (حطة) وقال تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦١) لبيان الاختلاف.
﴿سُجَّدًا﴾: ولم يقل سجوداً؛ سجداً: تدل على المبالغة في السجود؛ أي: في منتهى الخضوع، والتواضع، واسجدوا عند الانتهاء، إلى الباب؛ شكراً لله، وتواضعاً، سجود الشكر، وقدَّم السجود على القول، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾؛ لأنّ السجود أعظم، وأشرف من الدعاء، (القول)، وأقرب ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد.
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: حطة؛ من الحط، بمعنى: الوضع، والإنزال، وأصله إنزال الشيء، من علو، واستحطه؛ أي: سأله أن يحطه عنه؛ أي: حط، عنا ذنوبنا يا ربنا، واغفر لنا، (ويمثل الاستغفار).
﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: الغفر، هو الستر، والمغفرة؛ هي ستر الذنب، وأما العفو؛ فهو ترك العقوبة.
﴿لَكُمْ﴾: أي: نغفر لهؤلاء، الّذين قاموا، بما أُمروا به.
﴿خَطَايَاكُمْ﴾: جمع خطيئة جمع كثرة، مقارنة بخطيئاتكم في الأعراف آية (١٦١) (جمع قلة)، والخطايا تشمل كل الذنوب.
стр. 108
﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾: مهما كثرت، أو تنوعت، سواء أكانت في العبادات، أو غيرها، ولم يقل من خطاياكم؛ من: البعضية؛ أي: بعض خطاياكم.
﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: الواو؛ هنا، تدل على الاهتمام والتأكيد. وفي سورة الأعراف آية (١٦١) قال تعالى: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ بدون الواو؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦١) لبيان الاختلاف.
وماذا بعد الغفران؛ قيل لهم: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾، ولمعرفة معنى الإحسان، ارجع إلى الآية (٨٢) من سورة البقرة، وارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦١) للمقارنة والمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ٥٩]
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
﴿فَبَدَّلَ﴾: أي: الّذين ظلموا أوامر الله، ولم يتبعوها، فقد أمروا بالاستغفار، والتوبة، والسجود، فخالفوا ذلك، ولم يفعلوها، وقالوا ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾، وقيل: إنهم بدلوا قول الحطة، بالحنطة، ولم يدخلوا ساجدين، ولم يتمثلوا أوامر الله ﵎.
وفي آية سورة الأعراف (١٦٢): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، تدل على التخصيص؛ أي: هناك من ظلم نفسه، وهناك من لم يظلم، واتبع أوامر الله، ارجع إلى الآية (١٦٢) من سورة الأعراف، وفي آية سورة البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ ولم يقل: منهم؛ كأنه لا يريد أن يصرح من هم الظالمون، ولكنه أعاد ذكرهم في آخر الآية؛ فقال: ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، وفي هذا تقبيح، وتهويل لظلمهم.
﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
الرجز: بكسر الراء يعني: العذاب كما روي عن ابن عباس وغيره؛ وأصل
стр. 109
الرجز هو الاضطراب، ومنه ناقة رجزاء، إذا تقارب خطوُها، واضطرب؛ لضعف فيها، وسمي العذاب رجزاً؛ لما فيه، من الفزع والاضطراب.
وأما قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]؛ تعني: الأصنام كما قال ابن عباس، أو المعصية كما قال آخرون، وأما قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأنفال: ١١]؛ تعني: وسوسته وشك الشيطان.
فالرجز: تعني العذاب، أو الأصنام، أو وسوسة الشيطان وكيده، ووردت الرجز في عشر مواضع بهذه المعاني الثلاثة، وأما الرَّجْزَ: بفتح الراء والتشديد تعني: الذنب أو العذاب وعبادة الأوثان؛ أي: الشرك.
وأما الرجس: فهي أوسع معنى من الرجز؛ تعني: الشيء أو الأمر المستقبح القذر النجس، وتعني العذاب؛ فالرجس أعم من الرجز؛ أي: الرجس تشمل العذاب وغيره من القبيح والقذر من عبادة الأوثان والشرك.
﴿فَأَنزَلْنَا﴾: الفاء؛ تدل على المباشرة، والتعقيب.
الإنزال؛ يعني: مرة، أو عدَّة مرات، أما الإرسال؛ فيعني: التواصل، والاستمرار، والشدة في الإنزال كما قال تعالى في الآية (١٦٢) في سورة الأعراف: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.
أمثلة على آيات الإرسال: في سورة الحجر الآية (٢٢): ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾؛ وتلقيح الأزهار، والثمار، يكون بشكل مستمر.
في سورة طه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾؛ لأنه؛ أراد لهم الغرق، والطوفان يحتاج إلى استمرار هطول المطر، وكذلك قوله على لسان هود في سورة هود الآية (٥٢): ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾، من هذه الآيات؛ نلاحظ الإنزال، يكون مرة أو مرتين، والإرسال يكون بشكل متواصل، مسترسل.
стр. 110
﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾: عذاباً، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ قيل: هو الطاعون، أو غيره؛ من أنواع العذاب.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق السببية، أو المقابلة.
﴿كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: لتعريف الفسق؛ ارجع إلى الآية (٥٩) من سورة البقرة، وفي الآية (١٦٢) في سورة الأعراف قال تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
ويجب معرفة أنّ هناك فرقاً بين كلمة ﴿يَظْلِمُونَ﴾ و ﴿يَفْسُقُونَ﴾.
فالظلم: أشد من الفسق، والفسق: يسبق الظلم، وكل ظالم فاسق، وليس كل فاسق ظالم، وانظر في آية البقرة كيف جاءت كلمة (يفسقون) مع كلمة (الإنزال)، وفي آية الأعراف كيف جاءت كلمة (يظلمون) مع كلمة (الإرسال)، والإرسال أشد من الإنزال، والظلم أشد من الفسق.
سورة البقرة [٢: ٦٠]
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾:
﴿وَإِذِ﴾: أي: واذكر إذ أوحينا.
﴿اسْتَسْقَى مُوسَى﴾: طلب السقيا؛ أي: المطر، وكان ذلك في التيه؛ بعد أن قل الماء وعطشوا عندها طلب موسى السقيا لقومه.
وقوله: ﴿لِقَوْمِهِ﴾: فالله سبحانه يقي أنبياءه، وعباده الصالحين، من الشكوى، أو التذمر في حالة الشدة، بل يصبرون، وكأنّ موسى ﵇، هنا؛ لم يكن ظمآن، أو كان صابراً، واستسقى لقومه فقط، ولم يدعُ موسى لنفسه.
﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾؛ والحق -جل وعلا- كان قادراً على أن ينزل عليهم مطراً من السماء مباشرة، وينتهي الأمر، ولكن الله -جل وعلا-؛ أراد أن يُريهم
стр. 111
معجزة أخرى، بأن يضرب موسى بعصاه الحجر، وكلمة الحجر فيها: ألف ولام التعريف، إذن هو حجر مُعين، وليس أيَّ حجر، وإلَّا فجاء، بصيغة النكرة.
﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾:
أي: فضرب ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ﴾: الانفجار، هو خروج الماء، بشدة، وغزارة، وصوت، بعكس الانبجاس، الذي يدل على سيلان الماء، بقلة، وببطء، كما ورد في سورة الأعراف، آية (١٦٠)، وقيل: الماء قل، بسبب ازدياد، وكثرة معاصيهم، وقيل: إن الانفجار حدث أولاً، ثم بعد ذلك الانبجاس ثانياً، وهو السيلان؛ فأصبح الماء يسري كالعيون، كل سبط له مجرى.
﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: بعدد الأسباط؛ فلكل سبط عينٌ؛ حتّى لا تقع بينهم البغضاء والشحناء.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾؛ ﴿قَدْ﴾: للتحقيق؛ أي: ثبت، ووقع.
كلُّ أناس؛ أي: كل سبط، ﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾: عينهم الّتي يشربون منها.
والمشرب: موضع الشرب. وفي الآية (١٦٠) من سورة الأعراف قال تعالى: ﴿إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾؛ ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٦٠) لمزيد من البيان.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِّزْقِ اللَّهِ﴾: كلوا من المن، والسلوى، وغيرها، واشربوا من هذا الماء، فهذا كله من رزق الله، يأتيكم بلا تعب، ولا مشقة.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: والعثو: هو أشد الفساد، أو كثرة الفساد.
وانتهوا عن نشر الفساد في الأرض، ولا تتمادوا فيه؛ كي لا يصبح الفساد، من صفاتكم الثابتة. ارجع إلى الآية (٢٥١) من نفس السورة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ٦١]
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ
стр. 112
الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾:
﴿لَنْ﴾: حرف؛ لنفي المستقبل، القريب، والبعيد.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾: نلاحظ في هذه الآية أنّ الطعام، وصف بأنه طعام واحد، رغم أنه ذكر سابقاً، أنه صنفان: المن والسلوى، ويبدو أنهم قد سئموا، وضجروا من أكل المن، والسلوى في التيه طعام واحد: أرادوا بالواحد ما لا يختلف، ولا يتبدل، ويتكرر كل يوم.
وقيل: إنهم كانوا يأكلون المن بالسلوى.
﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾: لم يقولوا: (ربنا)، ربما لكون موسى أقرب إلى الله منهم. ﴿فَادْعُ﴾: هو الطلب من الأدنى إلى الأعلى، ويسمى دعاء، وإذا كان الطلب من الأعلى إلى الأدنى؛ يسمى أمراً، ومن مساوٍ إلى مساوٍ قيل: طلب.
وقوله تعالى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾: يفيد أنّ الدعاء مطلوب منهم ضروري، بخلاف قوله: أن تدع لنا ربك؛ فإنه لا يدل على أنّ الدعاء مطلوب منهم؛ أي: غير ضروري.
﴿مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾:
يخرج لنا مما تنبت الأرض، ﴿مِنْ بَقْلِهَا﴾، والبقل؛ هو كل نبات لا ساق له، مثل الخس، والفجل، والكراث، والجرجير، ﴿وَقِثَّائِهَا﴾: صنف من الخيار، ﴿وَفُومِهَا﴾: والفوم هو القمح، أو الثوم، والحبوب، ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾: والعدس، والبصل؛ معروفان.
стр. 113
﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾: الباء؛ تدخل عادة على المتروك؛ أي: إنهم يريدون استبدال الذي هو خير، وهو المن والسلوى، الذي هو رزق مباشر، من الله بالذي هو أدنى، ولا يقصد هنا الدناءة، فالرزق؛ مهما كان، لا يمكن أن يوصف بذلك، وبالذي هو أدنى هنا قيمة، أو أردأ؛ بالذي هو أفضل وأشرف.
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: عندما أصروا على الطلب، قيل لهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾؛ أي: انزلوا مصراً، ولم يقل مصرَ، بل مصراً بالتنوين؛ تعني: مصراً من الأمصار؛ أي: بلداً من البلدان.
ومصرُ: بغير تنوين؛ تعني: مصر الحقيقية، (جمهورية مصر العربية)، وقد وردت مصر، بالتنوين في آية واحدة، هي هذه الآية، ومصر بغير تنوين، وردت في (٤) آيات في القرآن.
﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾: فإن؛ الفاء للتوكيد، وإن لزيادة التّوكيد.
﴿سَأَلْتُمْ﴾: من تلك النباتات: البقل، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾: ضربت، أحاطت بهم، لازمتهم الذلة، أو طبعت عليهم.
﴿الذِّلَّةُ﴾: هي المشقة، الّتي تؤدي إلى الانكسار، والذلة، والذل بمعنى واحد، وتعني كذلك: الهوان، والخضوع. وقيل: ضربت عليهم الذلة زمن موسى، وفي زمن محمّد ﵈.
﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾: قيل: الفقر، والفاقة، أو انكسار في الهيئة، وسمي الفقير مسكيناً؛ لأنّ الفقر أسكنه، وأقعده، وهناك فرق بين الفقير والمسكين، سنراه في سورة الكهف.
стр. 114
والذلة: تبدو على الإنسان من مظهره الخارجي، وأما المسكنة: فشعور داخلي للإنسان يظهر في سلوكه.
وقيل: إن بني إسرائيل؛ كانوا يرتدون الثياب القديمة، الرثة، ويتظاهرون بالمسكنة، والفقر، حتّى تخفف عنهم الجزية.
لنقارن الآية (٦١) من سورة البقرة: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾.
وآية (١١٢) من سورة آل عمران: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾.
والاختلاف بين الآيتين؛ يرجع إلى:
١ - آية سورة البقرة؛ جاءت في سياق زمن موسى ﵇، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾؛ مثل: الهزائم في الحروب دائماً، مع العماليق مثلاً.
وآية سورة آل عمران؛ جاءت في سياق زمن الرسول ﷺ ، ضربت عليهم الذلة، بسبب حروب خيبر، وبني قريظة وقينقاع؛ كما جاء في سورة الحشر؛ بينهم وبين المسلمين.
٢ - في آية سورة البقرة؛ الذلة، والمسكنة، ضربت عليهم في آن واحد، في زمن واحد.
بينما في آية سورة آل عمران، ضربت عليهم الذلة في زمن، والمسكنة في زمن آخر؛ أي: في زمنين مختلفين، ارجع إلى آية سورة آل عمران لمزيد من البيان.
﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: رجعوا مستحقين لغضب الله، بسبب عصيانهم.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أي: الغضب والذلة والمسكنة، ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ
стр. 115
اللَّهِ﴾؛ أي: بالقرآن، والإنجيل مثلاً، وبصفة محمّد ﷺ ، وآية الرحم، وينكرون نعم الله عليهم. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: ويقتلون: جاء بالفعل المضارع هنا، بدلاً من: قتلوا النبيين بغير الحق؛ ليدل على بشاعة، وعظم هذا الذنب، وهذا يسمى حكاية الحال، وكأنه يحدث الآن، رغم كونه حدث في القديم: وقتل النبيين أو الأنبياء دائماً، هو بغير حق، فلماذا جاء في هذه الآية بغير الحق، فنحن نعلم أنّ القتل العادي، لأي فرد يكون بالحق، أو بغير الحق.
بالحق إذا ارتكب جريمة ما، توجب القصاص؛ كالقاتل يُقتل، وبغير الحق إذا قتل بريئاً.
فالأنبياء أو النّبيون؛ لم يرتكبوا أي جريمة، لكي يقتلوا بحق، أو بغير حق.
﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أعاد ذكر ﴿ذَلِكَ﴾: للتوكيد، على ما استحقوه من الغضب، والذل، والمسكنة، ﴿بِمَا عَصَوْا﴾؛ الباء السببية للإلصاق؛ أي: ارتكابهم المعاصي، ومخالفة أوامر الله.
﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: حدود الله بظلم الغير، وظلم أنفسهم، إضافة إلى كفرهم بآيات الله، وقتلهم النبيين، والأنبياء، بغير حق، وعصيانهم المتكرر المتجدد.
لنقارن الآيات المتشابهة:
في سورة البقرة، الآية (٦١): ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
في سورة آل عمران، الآية (٢١): ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّنَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
في سورة آل عمران، الآية (١١٢): ﴿وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
في سورة النّساء، الآية (١٥٥): ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
стр. 116
يقتلون؛ جاءت بصيغة المضارع، وهي صورة أبشع وأسوأ من قتلهم؛ بصيغة الماضي؛ الّتي تدل على القتل مرة واحدة، بينما يقتلون؛ تدل على التجدد والتكرار.
الأنبياء؛ أكثر عدداً؛ (جمع كثرة)، من النبيين؛ أقل عدداً، جمع قلة؛ لأنّ ﴿الْأَنبِيَاءَ﴾: جمع تكسير، و ﴿النَّبِيِّنَ﴾: جمع مذكر سالم.
بغير حق: نكرة، أبشع وأسوأ من القول بغير الحق.
الحق يعني: الذي شرعه الله في القصاص؛ القاتل يُقتل.
ومعنى الآيات: أنهم، إذا وجدوا القليل من النبيين، قتلوهم، وإذا وجدوا الكثير من الأنبياء، قتلوهم، فلم ينجوا منهم، فهم يقتلون النبيين، والأنبياء، بغير حق أصلاً، فليس هناك مبرر، مهما كان يدعو إلى قتل أي نبي بحق، أو بغير حق، أو حتّى إلى إيذاء نبي؛ لأنهم ﵈ لم يرتكبوا أي جريمة بالحق، أو بغير الحق.
قتل النبيين بغير حق؛ أبشع، وأشد عقوبة، من قتل النبيين بغير الحق؛ لأنّ حق؛ نكرة، والحق؛ معرفة، فالسبب أشد وأسوأ.
وقتل الأنبياء بغير حق؛ أبشع وأشد عقوبة من قتل النبيين بغير حق؛ لأنّ العدد أكثر.
стр. 117
سورة البقرة [٢: ٦٢]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: من أمة محمّد ﷺ .
﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾: ولم يقل: وبني إسرائيل، أو اليهود، بل قال: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾: دخلوا في اليهودية، ولم يكونوا من سبط يهوذا، أو بني إسرائيل، أو الذين قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] من أتباع موسى ﵇.
﴿وَالنَّصَارَى﴾: أتباع عيسى ﵇، وسُمُّوا بالنصارى؛ نسبة لقرية الناصرة، نزل فيها المسيح ﵇، أو سُمُّوا نصارى؛ لأنهم نصروا المسيح ﵇؛ حين قال: ﴿مَنْ أَنصَارِى إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢].
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: جمع صابئ، من صبأ؛ أي: خرج من ملَّة إلى ملَّة. قيل: هم قوم خرجوا من ملَّة اليهودية، والنصرانية، وعبدوا الملائكة، ولهم بقايا في العراق، أو هم قوم، كانوا يعبدون الكواكب، ويزعمون أنهم على ملَّة ابن شيث بن آدم، وقيل: هم قوم، يعبدون النجوم، والكواكب، أو يتبعون النّبي يحيى ﵇.
﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: آمن بالله: هو الاعتقاد الجازم بوجوده، وأنه الإله الحق، وبوحدانيته وربوبيته وإلوهيته وأسمائه وصفاته بدون تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف. من أمة محمّد ﵇، ولم يشرك بالله ،
стр. 118
ومن كان على دين موسى ﵇، ولم يبدلوا ويحرفوا، ويشركوا بالله ، ومن كان على دين عيسى ﵇، ولم يشرك بالله.
والصابئون زمن استقامتهم.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: وأطاع أوامر الله تعالى، وتجنب ما نهى عنه؛ أي: أقام فرائض الله، وتجنب نواهيه. وإذا قارنا قوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ كما في سورة الفرقان آية (٧٠) نجد مع آيات الإيمان يأتي ذكر عمل صالحاً، وفي سياق آيات الأعمال يأتي ذكر عمل عملاً صالحاً.
﴿فَلَهُمْ﴾: الفاء؛ للتوكيد، لهم: اللام؛ لام الاختصاص.
﴿أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: الأجر، مقابل العمل؛ أي: يسبق الأجر عمل وجهد وبذل، ولا يأتي الأجر في القرآن إلا في سياق الخير، والأجر قد يكون في الدنيا أو في الآخرة، والأجر هو من الله تعالى، أو قد يكون من غيره.
﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة البقرة، وبعض المفسرين؛ قال: هذه الآية تعني: المؤمنين حقاً من كل أمة.
وبعض المفسرين قال: هذه الآية تعني: من انحرف عن دين الله من الّذين آمنوا؛ أي: (المنافقين)، والّذين هادوا، انحرفوا، وبدلوا التّوراة، والنصارى الّذين أشركوا بالله، وقالوا: المسيح ابن الله، أو ثالث ثلاثة، والصابئين الّذين عبدوا الكواكب، من آمن من هؤلاء بالله، واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون …
في هذه الآية من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾: نلاحظ أنه نصب ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: وأخّرهم عن النصارى، وعن
стр. 119
كل الملل، وقدَّم النصارى وغيرهم على الصابئين؛ لأنّ النصارى وغيرهم هم أهل كتاب، فالتقديم هنا مبني على التفضيل بالمنزلة، فالكل أفضل من الصابئين.
أما في سورة المائدة، الآية (٦٩): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾.
نلاحظ أنه رفع الصابئين، وقال: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾، وقدَّمهم على النصارى.
عطف بالرفع ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾؛ بدلاً من العطف بالنصب، ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الذي هو القاعدة الّتي كانت يجب اتباعها.
والعطف بالرفع أقل توكيداً كما هو العطف بالنصب، فهو مؤكد.
عطفهم بالرفع؛ لأنهم أشد المذكورين ضلالاً، وقدَّمهم على النصارى؛ لأنّ الآيات جاءت في سياق ذم عقيدة النصارى، القائمة على التثليث، وأنّ عيسى ابن الله؛ فإذا كانت هذه هي الحال؛ فعقيدة الصابئين أفضل من عقيدة النصارى، القائمة على الشرك، والتثليث.
وأما في سورة الحج، الآية (١٧): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.
في هذه الآية؛ نلاحظ أنه نصب كلمة ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾؛ وقدَّمهم على النصارى، والنصب هو القاعدة.
فلماذا قدَّمهم؟
التقديم هنا بالزمن، فـ (الصابئين) أقدم من النصارى من حيث زمن وجودهم.
وقيل: إنّ الصابئين لم يكونوا على عقيدة واحدة، أو منزلة واحدة، فإذا
стр. 120
فرضنا أنّ بعضهم كان ضالاً، والبعض الآخر أشد ضلالاً، رغم أنهم من نفس الملَّة.
فالصابئين: الضالين.
والصابئون: من هم أشد ضلالاً. والله أعلم.
سورة البقرة [٢: ٦٣]
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكروا إذ، أو: واذكروا حين، إذ: ظرف للزمن الماضي.
واذكروا حين ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾، والميثاق؛ العهد الموثق، أو المؤكد، على العمل بالتوراة، وتطبيق أحكامها، وامتثال أوامر الله، وتجنب ما نهى عنه، ثم تقاعستم، وأعرضتم عن الأخذ بها، بجد، واهتمام، وتطبيقها ممّا أدَّى بنا إلى رفع الطور فوقكم.
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: الطور؛ هو الجبل، ولكنه أقل حجماً، وشدة في التكوين، ارجع إلى الآية (١٧١) في سورة الأعراف للبيان، والمقارنة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾، ونلاحظ في آية سورة البقرة، أنه استعمل كلمات: الطور، والرفع، وقدَّم كلمة ﴿فَوْقَكُمُ﴾، وفي آية سورة الأعراف، أنه استعمل كلمات: الجبل، والنتق، وآخر كلمة ﴿فَوْقَكُمُ﴾، كلمات تشير إلى الشدة، والقوة، والعنف، والسبب في ذلك قد يعود إلى أنّ السياق في سورة البقرة في تعداد النِّعم، والتذكير بها، والمخاطبون أكثر إيماناً من المخاطبين في سورة الأعراف، والسياق في سورة الأعراف، جاء بالتهديد والوعيد؛ لبني إسرائيل؛ بسبب كثرة معاصيهم، ولذلك استعمل الكلمات، الأكثر شدة، وعنفاً لتناسب الموقف.
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾: أي: خذوا تكاليف التّوراة، واعملوا بها بجد
стр. 121
واجتهاد، وقوة، ومن دون تخاذل، وإن لم تفعلوا ذلك أسقط عليكم الطور، والباء تفيد الإلصاق.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾: احفظوا، وادرسوا ما فيه من الأحكام، ولا تنسوْها، وتضيِّعوها، واعملوا بها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: لعلّ: للتعليل، ﴿تَتَّقُونَ﴾: إسقاط الطور فوقكم، والهلاك، أو تتقون سخط الله، وغضبه، وعذاب الآخرة.
سورة البقرة [٢: ٦٤]
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، في الذكر، والأحداث.
﴿تَوَلَّيْتُم﴾: تولى: ابتعد، ولم يطع، ولم يستمع؛ أي: لم تطيعوا، وتعملوا بالتوراة.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: من بعد رفع الطور فوقكم، أو من بعد ميثاقكم، للعمل بجد واجتهاد، في طاعة أوامر الله تعالى.
﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء؛ للتأكيد، لولا: حرف امتناع لوجود، امتناع خسارتكم؛ لوجود رحمة الله.
﴿فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: الفضل؛ هو ما يتفضل به من غير سبب يوجبه، والفضل هو الزّيادة على ما يستحق، وفضل الله عليكم بالإمهال، وتأخير العذاب عنكم، ولم يعاجلكم بالعقوبة.
﴿وَرَحْمَتُهُ﴾: بأنْ أرسل إليكم رسله، ومنهم: عيسى ﵇، ورسول الله محمّد ﷺ ، ورحمته، بأنْ فتح لكم أبواب التوبة.
﴿لَكُنْتُمْ﴾: اللام؛ لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
стр. 122
﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: في الدّنيا والآخرة. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١١٩) للبيان.
سورة البقرة [٢: ٦٥]
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام للتأكيد، قد: لزيادة التّوكيد.
﴿عَلِمْتُمُ الَّذِينَ﴾: علمتم؛ من العلم، من الآباء، والأجداد، نبأ الّذين اعتدوا في السبت، ولقد علمتم، لا تعني: ولقد عرفتم، هناك فرق كبير، بين علم وعرف، علم؛ تستعمل للصفات، وعرف؛ تستعمل للذوات، ولو قال: عرفتم؛ لكان خطأ؛ لأنهم لا يعرفونهم بذواتهم؛ لأنّ بينهم قروناً طويلة.
﴿اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى السَّبْتِ﴾: تجاوزوا حدود الله، حين حرم عليهم الصيد يوم السبت، فاصطادوا، وتحايلوا على الله ﵎.
ارجع إلى قصة هؤلاء، في سورة الأعراف، الآيات (١٦٣ - ١٦٦).
﴿فَقُلْنَا لَهُمْ﴾: بكلمة؛ كن فيكون؛ أي: بمجرد أنّ قال لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾؛ كانوا؛ أي: تحولوا إلى قردة وتمت عملية المسخ وكم عاشوا وكيف انقرضوا وما حل بهم الله أعلم بذلك.
﴿خَاسِئِينَ﴾: جمع خاسئ، والخاسئ هو المبعد، أو المطرود؛ من رحمة الله تعالى.
﴿خَاسِئِينَ﴾: جملة اسمية، تدل على ثبوت صفة الخسء.
سورة البقرة [٢: ٦٦]
﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾:
﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾: الفاء؛ للترتيب، والمباشرة، جعلناها: من الجعل، التصيير، جعل: صير؛ أي: مسخهم إلى قردة.
стр. 123
﴿نَكَالًا﴾: من النكال، وهو القيد؛ يستعمل للعقوبة، وجمعه: أنكال، ونكل به تنكيلاً؛ صنع به صنيعاً، يُحذر به غيره.
وتعني: عقاباً شديداً، فالعقوبة؛ أي: المسخ قردة، سميت نكالاً؛ لأنها تحذر الآخرين، من الاعتداء، وتجاوز حدود الله، وإلّا حل بهم كما حل بأصحاب السبت، أو أصبح عبرة للآخرين، أو منعاً لهم للإقدام على فعل ذلك.
﴿لِمَا﴾: ظرفية.
﴿بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: لمن عاصرها، أو من الأجيال القادمة.
﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: أي: ما بعدها من الأجيال القادمة، أو ما خلفها، للأجيال الماضية، الّتي خلت؛ منذ تلك الحادثة. ما: لغير العاقل، وكذلك صفات العاقل.
﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾: موعظة؛ هنا تعني: تحذير، وتخويف، فلا يقوم بها، أو يُقدِم عليها أحد من المتقين. ارجع إلى سورة الشعراء آية (١٣٦) لبيان معنى الوعظ.
﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾: اللام؛ لام الاختصاص. المتقين: الّذين يطيعون أوامر الله، ويجتنبون نواهيه.
سورة البقرة [٢: ٦٧]
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكر إذ قال موسى لقومه، أو: حين قال موسى لقومه، وإذ؛ ظرف للزمان الماضي.
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ﴾: للتوكيد، والقوم: تعني الرجال دون النّساء، أو كليهما معاً.
﴿لِقَوْمِهِ﴾: لام الاختصاص، وفيها؛ معنى الحنان، والعطف.
﴿يَأْمُرُكُمْ أَنْ﴾: أن؛ مصدرية للتعليل، والتوكيد.
стр. 124
﴿تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾: الأمر؛ جاء بذبح بقرة، لماذا؟ لم يُبين السبب هنا، في مطلع القصة، ولكن بيّنه في النهاية؛ كما سنرى.
فكأنه -جل وعلا-، يقول: قم، أو نفذ الأمر الإلهي، سواء عرفت العلة، أو السبب، أو الحكمة، أم لم تعرفه، و ﴿بَقَرَةً﴾؛ جاءت بصيغة النكرة، تعني: أي: بقرة، من البقر.
﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾: أي: قومه قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا﴾، الهمزة؛ همزة استفهام، إنكاري؛ أي: أتهزأ بنا؛ فنحن نسألك، من قتل القتيل، فتأمرنا أنّ نذبح بقرة.
﴿هُزُوًا﴾: من الاستهزاء؛ وهو تحقير المستهزأ به، وتصغير قدره، وفيه؛ معنى العبث.
﴿قَالَ﴾: موسى.
﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ﴾: ألتجأ إلى الله، وأعتصم به، ﴿بِاللَّهِ﴾؛ الباء، باء الإلصاق.
﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: أن؛ تفسيرية للتوكيد.
﴿أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: جمع جاهل؛ لأنّ الهزل، في حادثة كهذه، حادثة قتل، يدل على السفه، وعدم العلم بما يقوم به، وكيف أهزأ بكم، وأنا أبلِّغكم ما أمرت به، من ربي.
﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾؛ ولم يقل: من المستهزئين.
﴿الْجَاهِلِينَ﴾: تضم المستهزئين، وغيرهم. ارجع إلى سورة الزمر آية (٦٤)، وسورة الفرقان آية (٦٣) لمزيد من البيان في الجاهلين.
سورة البقرة [٢: ٦٨]
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾:
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾: ادع: اسأل لنا ربك، ولم يقولوا: ربنا، فهذا يدل على نقص إيمانهم، وأنّ موسى ﵇ ـ طبعاً ـ أقرب إلى الرب، وأنهم ليسوا أهل دعاء.
стр. 125
﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ﴾: يوضح لنا، ما أوصاف هذه البقرة، وكان يكفي أن يذبحوا أي بقرة، وينتهي الأمر.
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾: إنَّه للتوكيد.
﴿لَا فَارِضٌ﴾: لا مسنة؛ أي: كبيرة في السن، وفرضت سنها؛ أي: قطعت سنها.
﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: الصغيرة؛ الّتي لم تلد، أو الفتية.
﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾: العوان؛ الوسط؛ أي: لا مسنة، ولا فتية.
﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾: أي: يكفي أسئلة، ونفذوا الأمر؛ بالذبح.
سورة البقرة [٢: ٦٩]
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾:
واستمروا في أسئلتهم لموسى ﵇، عن أوصاف تلك البقرة، فهم يسألون عن اللون، بعد أن سألوا عن سنها.
﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾: أي: بقرة لونها شديد الصفرة، يعني: لا يكفي أن يكون لونها أصفر، بل لا بدَّ أن يكون لونها فاقعاً، ولون الصفرة؛ نادر في البقر، والفقوع؛ يعني شديد الصفرة، وأنصعه؛ من أنصع؛ لأنّ اللون الأصفر، له درجات في الصفار.
﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: أي: كل من ينظر إليها، يُسر بحسنها أو تعجبه.
стр. 126
سورة البقرة [٢: ٧٠]
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾:
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِىَ﴾: ما هذه البقرة؟ ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾: أي: اختلط، والتبس علينا، لكثرته؛ أي: جنس البقر.
التشابه: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾: التشابه: يكون في وجه من الوجوه مثل الصورة الخارجية، أو الشكل أو النوع، وأما لو قال: مشتبهاً فذلك يعني: في أكثر من وجه من الوجوه، أو يعني عدة أمور أشكال، ويصعب معه التفريق بين الأشياء المتشابهة.
كقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٩٩).
﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾: يدل هذا على أنهم قد بدؤوا يشعرون بالخوف، من عدم العثور على مثل هذه البقرة، وهم الآن يدعون الله ويطلبون منه الهداية. اللام في ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾: لام الاختصاص والتوكيد.
سورة البقرة [٢: ٧١]
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْئَانَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾:
﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾: أي: لم تستخدم في حراثة الأرض، أو فلاحتها.
﴿وَلَا تَسْقِى الْحَرْثَ﴾: أي: لم تستخدم في إدارة السواقي؛ لسقي الزّرع، إدارة
стр. 127
النواعير؛ لإخراج الماء، والحرث هو الأرض المهيأة للزراعة، أو الزّرع؛ إلقاء البذور في الأرض المقلوبة.
﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: خالية من العيوب، والأمراض، مثلاً: لا عرجاء.
﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: وهي في الأصل مصدر وشى وشياً؛ أي: إذا خلط لون بلون آخر، يخالف لون سائر جلدها؛ أي: يخالف لونها الأصفر الفاقع، فهي صفراء كلها، لا توجد فيها، بقع ألوان أخرى، وقيل: لا شية فيها؛ أي: لامعة من لون آخر، بياض، أو سواد، وغيرهما.
﴿قَالُوا الْئَانَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: الآن جئت بالبيان، والوصف التام، والذي لا إشكال فيه، وأوضحت لنا الحقيقة.
والباء: للإلصاق، والحق؛ هو الأمر الثابت الذي لا يتغير.
﴿فَذَبَحُوهَا﴾: قيل: لم يجد بنو إسرائيل إلّا بقرة واحدة؛ تنطبق عليها كل المواصفات، فاشتروها، فذبحوها، ونفذوا أمر الله.
الفاء؛ تدل على الترتيب، والمباشرة.
﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾: وما كادوا يجدونها، أو ما كادوا يشترونها، لثمنها الباهظ، أو ما كادوا يذبحونها؛ لكونهم كانوا يخافون انكشاف فضيحة من هو القاتل.
كاد: من أفعال المقاربة؛ أي: ذبحوها، قيل: كانت هذه البقرة لرجل صالح من بني إسرائيل، ومات، وترك زوجة، وابناً، وبقرة فتية أصبحت بقرة بتلك الأوصاف، وكان الابن باراً بوالدته، ولما أمرهم الله بذبح بقرة، بتلك الأوصاف، وجدوا تلك البقرة فقط، عند هذا الابن، الذي ورثها عن أبيه، وباعها بملء جلدها ذهباً.
стр. 128
سورة البقرة [٢: ٧٢]
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَائْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾:
الملاحظ تقديم الأمر بذبح البقرة، وتأخير ذكر السبب لذبحها في هذه الآية وذلك لإثارة التشويق لمعرفة السبب.
﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكر إذ، أو: اذكر حين، إذ: ظرف للزمن الماضي.
﴿قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾: القاتل؛ كان فرداً، وليس جماعة، فلماذا جاء بصيغة الجمع؛ لأنّ القبيلة، أو العائلة، أو الجماعة مسؤولة عن أفرادها.
﴿فَادَّارَائْتُمْ فِيهَا﴾: أصلها؛ تدارأتم، والدرء هو الدفع بسرعة، ﴿فَادَّارَائْتُمْ فِيهَا﴾؛ تدافعتم بسرعة؛ أي: كل واحد يدفع عن نفسه التهمة، ويلصقها بالآخر، أو يلقي كل منكم تهمة القتل على الآخر.
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: أي: مظهر ما كنتم تكتمون بينكم، من أمر القاتل، ستراً عليه، ودفعاً للفضيحة. ارجع إلى الآية (٣٣) لبيان معنى تكتمون.
﴿مَا﴾: اسم موصول، أو مصدرية، ولم يقل تخفون؛ لأنّ الإخفاء يكون للشيء الحسي المادي، والكتمان يكون للشيء المعنوي، مثل: كتمان الخبر، أو السر، أو كتمان المعاني.
سورة البقرة [٢: ٧٣]
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾:
﴿فَقُلْنَا﴾: للتعظيم.
﴿اضْرِبُوهُ﴾: أي: اضربوا القتيل (الميت) ببعضها؛ أي: بعض أجزاء البقرة، ولم يحدد الجزء، فيحيا القتيل، ويخبركم من قتله.
стр. 129
﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كما يُحيي الله القتيل الميت، كذلك يُحيي الله الموتى بالبعث.
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾: معجزاته؛ الدالة على كمال قدرته، كيف تضربون ميتاً بأجزاء ميت آخر، فيحيا، ويكلمكم مَنْ قتله، فهذا من عجائب قدرة الله -جل وعلا-، وتصلون إلى الحقيقة، وهي أنّ الله سبحانه قادر على البعث والإحياء.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: تعقلون: من عقل الشيء أي: عرفه بدليله. لعل: للتعليل.
كيف اتخذتم العجل إلهاً، وها أنا آمركم بأن تذبحوا بقرة، وآمركم أن تضربوا المقتول ببعض أجزائها، فيرجع حياً، وهل هناك أعظم من هذه الآيات، الّتي تهديكم للحق، والإيمان بالبعث والحساب.
وما هو الفرق بين آياته، ويبين لكم الآيات، وآياتي:
الآيات؛ تعني الآيات العامة؛ الشمس، والقمر، والليل، والنهار.
آياته: إضافة هنا الضمير العائد إليه سبحانه تشريف لها، فهي آيات خاصة.
آياتي: أعلى الآيات درجة، وأقربها، أو أحبها إلى الله تعالى، وهي أهم، وأشرف، وأكبر من آياته، وآياته أهم، وأكبر من الآيات.
سورة البقرة [٢: ٧٤]
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي الزمني.
﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: بعد أن أراكم آياته، وكيف يُحيي الموتى.
واختار القلب؛ لأنه منبع اليقين، ومصب الإيمان؛ لأنّ الإيمان محله القلب.
стр. 130
﴿قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: خلت من الطاعة، والخشوع، والإنابة، ولم تعد تتأثر بالآيات، والنذر، والوعد، والوعيد.
ومن أهم الأسباب الداعية، أو المسببة لقسوة القلب، نسيان ذكر الله، واقتراف المعاصي، والظلم، والطغيان، ونقص المواثيق.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: من بعد كل تلك الآيات، والأدلة على قدرة الله على الإحياء، والبعث، وإنزال التّوراة عليكم.
﴿فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ﴾: الكاف؛ كاف التشبيه، والحجارة: هي الشيء القاسي، الذي تدركه حواسنا والمألوف لدينا، ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾: من الحجارة، ولم يشبهها بالحديد؛ لأنّ الحديد يلين بالنار.
وقوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾: أو تعني: بل هي أشد قسوة من الحجارة.
﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿مِنَ﴾: ابتدائية، بعضية. ﴿الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾: كما حدث، حين ضرب موسى ﵇ بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾: والتشقق؛ يعني: تدفق الماء تدريجياً.
﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: كما حدث؛ حين تجلى الرب للجبل، فجعله دكاً، وخر موسى صعقاً، وتكرار ﴿وَإِنَّ مِنْهَا﴾؛ يفيد التّوكيد.
﴿يَهْبِطُ﴾: يخر؛ ويسقط من أعلى إلى أسفل؛ من خشية الله. وتعريف
стр. 131
الخشية: هي خوف حقيقي مقرون بالعلم والتعظيم والمهابة من الخالق. وليس فقط الخوف كما يظن البعض.
فالحجارة؛ وغيرها من الجمادات، والنباتات؛ تسبح بحمد ربِّها؛ كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وتنقاد لأمر ربها.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وما؛ النّافية، ﴿بِغَافِلٍ﴾: الباء؛ للإلصاق، غافل: لا يعلم. والغافل: هو الساهي عن الأمر؛ لعدم اليقظة، أو الانتباه، أو عدم التفطن للشيء، أو عدم حضور الشيء في البال، وأما النسيان فهو عبارة عن الغفلة عن الشيء، وانمحاء صورته كاملاً في الذاكرة. ومنهم من قال: الغفلة هي ترك الشيء سهواً، وربما كان عن عمد، وغفل فلان عن الشيء تركه ساهياً، أو أغفلته إذا تركته على ذكر منك له؛ أي: تركه للشيء باختيار الغافل وأما النسيان فقيل ترك بغير اختيار الإنسان، والغفلة أعم من النسيان فكل نسيان غفلة وليس كل غفلة نسيان.
والغفلة كما عرفها الراغب الأصبهاني: هي سهو يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، والغفلة وردت في القرآن بمعنى الجهل كقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦]، وردت بمعنى النسيان والترك لأمر الله تعالى كقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨].
والغافلون: هم المعطلون أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم عن التدبر والتأمل بآيات الله.
والغفلة أنواع: الغفلة عن الله تعالى، وهي أعظمها إثماً، والغفلة عن سنن الله في الكون، والغفلة عن الآخرة والحساب والجزاء والعقاب.
стр. 132
﴿عَمَّا﴾: عن تفيد المجاوزة، والابتعاد، ما: اسم موصول، بمعنى: الذي، أو مصدرية بمعنى: عملتم.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: تشمل الأقوال، والأفعال، ولم يقل عما يعملون؛ لأن تعملون فيها تحذير وترهيب أقوى مما يعملون.
سورة البقرة [٢: ٧٥]
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾: الهمزة؛ همزة استفهام إنكاري، واستبعاد، والخطاب، لرسول الله ﷺ ، والمؤمنين، والفاء للتوكيد، والطمع؛ هو رغبة النفس الشديدة في شيء غير حقها لهذا ذم الطمع، ولها الحق أن تطمع في حقها.
﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾؛ وتعني: أن يصدقوكم، ويؤمنوا لكم؛ أي: اليهود، ويؤمنوا بمحمد ﷺ ، وما جاء به.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري، يفيد التعليل، والتوكيد.
﴿يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾: ولم يقل: يؤمنوا بكم، بل ﴿يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾؛ أي: يصدقونكم، والإيمان الذي يتعدى بالباء؛ مثل آمنوا بالله؛ يعني: إيمان العقيدة.
﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾: من اليهود؛ وفريق: اسم جمع، بمعنى: طائفة، أو جماعة، وليس كل اليهود يسمعون كلام الله؛ أي: التّوراة.
﴿يَسْمَعُونَ﴾: فعل مضارع، يدل على التجدد، والتكرار، ولحكاية الحال.
﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾: ثم: للترتيب والتراخي في الزمن.
﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾: فعل مضارع؛ يدل على التجدد والتكرار، وعلى التحريف، وإن تحريفهم مستمر.
стр. 133
والتحريف: يعني: زيادة في الألفاظ، أو النقص، أو تبديل كلمة بكلمة، أو آية، أو تغير معنى الكلمة، كانوا يقولون: السأم عليكم، بدلاً من السلام عليكم، فهم قد بدلوا صفة النّبي ﷺ ، وآية الرجم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾؛ أي: سمعوه، وفهموا معناه.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد.
﴿يَعْلَمُونَ﴾: أنّ الذي فعلوه تحريف، مخالف لأمر الله ، ويعلمون أنهم كاذبون مفترون.
سورة البقرة [٢: ٧٦]
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية للمستقبل، شرطية؛ تفيد حتمية الحدوث، وتفيد الكثرة.
﴿لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾:
﴿لَقُوا﴾: الضمير؛ يعود على نفر من اليهود، أو منافقي اليهود، إذا لقوا الّذين آمنوا من المسلمين، قالوا: آمنا؛ فهم من الّذين قالوا: آمنا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم.
﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: إذا خلا بعضهم إلى بعض: أي: انفرد، أو رجع إليه، أو مضى إليه، وتعني: خلا الّذين لم ينافقوا بالمنافقين.
﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ﴾: الهمزة للاستفهام، والتوبيخ: أتخبروهم.
﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: الفتح؛ يعني: الحكم والقضاء. ويعني: الكشف، ويعني التوفيق والتيسير.
стр. 134
أي: أتخبروهم بما حكم الله عليكم، أو قضى الله لكم، أو علمكم الله في التّوراة أنّ محمداً حق … وأنه يجب الإيمان به ونصرته، أو تخبروا المؤمنين من المسلمين بما بيَّن الله لكم في التّوراة وفتح عليكم؛ (أي: أعلمكم)، أو أنزل عليكم في التّوراة في صفة محمّد.
﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: اللام لام التعليل والتوكيد.
والمحاجة: تعني: إظهار الحجة أو الدليل.
أي: لا تخبروهم بأسراركم، وبما أخبر الله في التّوراة في صفة محمّد فتكون عليكم حُجة يوم القيامة عند ربكم.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٤) لمزيد من البيان.
أفلا تفهمون، وتتفكرون، وتتدبرون: أنّ حديثكم مع المؤمنين سيكون عليكم حُجةً ودماراً.
стр. 135
سورة البقرة [٢: ٧٧]
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾:
﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ﴾: الهمزة: استفهام؛ للتقرير، والتوبيخ.
﴿أَنَّ﴾: للتوكيد.
﴿اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾: ما؛ اسم موصول، بمعنى: الذي، ﴿يُسِرُّونَ﴾: من السر، وهو ما تسره في نفسك، ولا يطلع عليه أحد، ولا تخبر به أحداً.
﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: ما: تفيد التّوكيد، وفصل كلاً من الإسرار، والإعلان، أو كليهما معاً.
﴿يُعْلِنُونَ﴾: من العلن، وهو ما تجهر به لغيرك، فإذا علمه اثنان أو أكثر؛ فهو العلن.
سورة البقرة [٢: ٧٨]
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾:
﴿وَمِنْهُمْ﴾: تعود على قسم من اليهود، غير قادرين على قراءة التّوراة، والاطِّلاع على ما فيها.
﴿أُمِّيُّونَ﴾: جمع أمي، والأمي هو الذي لا يعرف الكتابة، وبعض المفسرين يُعرّف الأمي: بالذي لا يقرأ، ولا يكتب، وكلمة أُمّي مشتقة من كلمة الأم، والأُمّي سمّي بذلك؛ لأنه يبقى على حالته، كما ولدته أمه، لا يكتسب شيئاً من العلم، ولا يتغيَّر.
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِىَّ﴾: لا النّافية.
стр. 136
﴿يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾: التّوراة؛ أي: ما فيها، من أحكام، وشرائع، أو لا يفهمون ما يقرؤون.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿أَمَانِىَّ﴾: أكاذيب مختلفة، سمعوها من أحبارهم؛ أي: هم لا يعرفون إلَّا ما قاله لهم أحبارهم، وهي أماني، مستحيلة الحدوث؛ أي: أماني يتمنى الإنسان أن تحدث له، ولكن حدوثها مستحيل؛ أي: أماني كاذبة، ولو كانوا يعلمون التّوراة حقيقةً لعلموا صفات النّبي محمّد ﷺ ؛ ولآمنوا به.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: إن النّافية.
﴿هُمْ﴾: للتوكيد.
﴿إِلَّا﴾: للحصر. ﴿يَظُنُّونَ﴾: لا يعرفون شيئاً عن التّوراة إلّا ظناً، فهم يظنون أنهم أبناء الله وأحباؤه، ويظنون لن تمسهم النار إلّا أياماً معدودات، وأنهم سيغفر لهم، ويرحمهم الله تعالى.
والظن: هو الشك؛ الذي ترجَّح فيه كفة الإثبات، على كفة النفي.
سورة البقرة [٢: ٧٩]
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾:
نزلت هذه الآية؛ كما قال ابن عبّاس ﵄: في الّذين حرفوا التّوراة، وغيَّروا صفة النّبيِّ ﷺ ؛ فالله يتوعدهم بالويل.
﴿فَوَيْلٌ﴾: الفاء للتأكيد. والويل: هو العذاب، والهلاك، وقد تستعمل كلمة الويل؛ للحسرة، والغفلة، والفضيحة.
﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ﴾: أي: يحرفونه؛ بالتغيير، والتبديل، والإضافة والحذف، وتغيير المعنى، فيكتبونه من جديد.
стр. 137
﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾: الباء: جاءت للتوكيد؛ لأنّ من المعلوم أنّ الكتابة؛ تتم باليد.
﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: لتباين الصفات، بين كونه من عند الله، أو مكتوباً بأيديهم، أو أنّ ما يقولونه؛ هو من عند الله؛ أعظم، وأشد، من الكتابة بأيديهم.
﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: اللام في ليشتروا؛ للتوكيد.
أي: هم يحرفونه؛ ليأخذوا ثمناً، على تحريفهم، ومهما أخذوا مالاً؛ كثمن لتحريفهم، ومهما بلغ هذا الثمن العظيم، فهو قليل مقابل ما خسروا في آخرتهم من الجنة والنعيم.
ارجع إلى الآية (٧٧) من سورة آل عمران للبيان.
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: تكرار كلمة الويل، ثلاث مرات للتوبيخ، والتقريع، على جريمة التحريف.
﴿لَهُمْ﴾: اللام؛ لام الاختصاص؛ لهم خاصة.
﴿مِمَّا﴾: مركبة من + ما، من البعضية، وما اسم موصول، بمعنى الذي.
وتكرار كلمة الكتابة؛ تدل على التّوكيد، وعلى وقوع الكتابة، والتحريف، بأيديهم.
﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾: من مال ورشوة، وسحت، وحرام، ولم يقل: وويل لهم مما يكتسبون؛ لأنّ الكسب يستعمل في الأمر الحلال، واكتسب على وزن افتعل. في الأمر الحرام، فلماذا استعمل يكسبون بدلاً من يكتسبون؟ لأنّ كسبهم للمال الحرام أصبح أمراً عادياً لا حرج فيه، واعتادوا عليه، فأصبح أخذه سهلاً، كما يأخذوا المال الحلال.
стр. 138
فبدلاً من كلمة يكتسبون استعمل يكسبون.
ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ٨٠]
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: الواو عاطفة، قالوا؛ أي: اليهود.
﴿لَنْ﴾: حرف نفي، تنفي المستقبل القريب، والبعيد.
أي: لن تمسنا النار في القريب، أو البعيد، ﴿تَمَسَّنَا﴾: مشتقة من المس؛ وهو: اللمس الخفيف.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾: معدودة؛ بصيغة التذكير، ولم يقل: أياماً معدودات، بصيغة التأنيث، والعدد أحد عشر؛ يعتبر الميزان، فما زاد على إحدى عشر (١١)، يعتبر كثرة، وما نقص عن أحد عشر، يعتبر قلة.
﴿مَّعْدُودَةً﴾: بصيغة التذكير؛ للدلالة على الكثرة، وهي كما زعموا (٤٠) يوماً تعادل مدة عبادتهم العجل.
أما ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾: كما سيرد في سورة آل عمران، الآية (٢٤)، للدلالة على القلة؛ وتعني: (٧ أيام) لاعتقادهم أن عمر الدنيا (٧ آلاف سنة)، وأنهم سوف يعذبون مقابل كل (١٠٠ سنة) يوماً واحداً.
و ﴿مَّعْدُودَةً﴾: هنا تعادل (٤٠) يوماً؛ قال ذلك ابن عبّاس؛ أي: مدَّة اتخاذهم العجل، وهذا كل مبني على أوهام، ولذلك قال -جل وعلا- لرسوله محمّد ﷺ .
﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ .
стр. 139
﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري.
﴿عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؛ أي: أعَهِدَ (العهد وعد موثق. ارجع إلى الآية (٢٧) من سورة البقرة)، اللهُ إليكم في التّوراة، أو على لسان أحد، أو أوحى إليكم أنه لن يعذبكم، إلّا كما زعمتم.
فإذا عهد إليكم ذلك، ﴿فَلَنْ﴾: الفاء (الفاء للتوكيد)، ولن لنفي المستقبل القريب، والبعيد، يخلف الله عهده، للإضراب الانتقالي، وتعني: حقاً، أو بل، والهمزة في أم: للاستفهام الإنكاري.
﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أم: أتفترون على الله الكذب.
سورة البقرة [٢: ٨١]
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
﴿بَلَى﴾: رداً على قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾؛ ﴿بَلَى﴾: حرف جواب؛ لنفي ما قبله، وما قبله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾؛ أي: بلى تمسسكم النار، وليس صحيحاً ما تقولونه، أو أنكم اتخذتم عند الله عهداً.
﴿مَنْ﴾: شرطية.
﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: السيئة: الفعلة القبيحة بين الإنسان وبين العباد، وقال ابن عبّاس ﵄: السيئة هنا تعني: الشرك، أو كبيرة من الكبائر.
قال: ﴿كَسَبَ﴾؛ ولم يقل: اكتسب؛ لأنّ الشرك أصبح أمراً سهلاً، وحرفته يمارسها بلا جهد، أو حرج، ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة للبيان والفرق بين كسب واكتسب.
стр. 140
﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: الخطيئة: قيل: هي صغائر الذنوب، وقد تكون من غير تعمد، وأما الخطء: فهو الذنب العظيم، والخطيئة من الخطأ مثل: نسيان حكم من أحكام الصلاة، أو الصيام بدون تعمد، وهي ما كان بين الإنسان وربه.
والإحاطة؛ تعني: من كل الجهات، استولت عليه من كل جانب، ومات مشركاً.
أو تحيط سيئاته بحسناته، فتحبطها، أو أنّ المحيط أكثر من المحاط، أو معنى أحاطت به: أهلكته.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء جواب الشرط.
أولئك: اسم إشارة؛ للبعد.
﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: فهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾، والله سبحانه يرد عليهم بأنّ النار سوف تمسهم، ليس أياماً معدودة فقط ـ كما زعموا ـ بل سيصبحون هم أصحاب النار، وهم فيها خالدون.
﴿أَصْحَابُ﴾: أي: كأنهم أصحاب النار، المالكون لها؛ كما نقول: صاحب الدار، أو الملازمون لها.
﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد.
﴿فِيهَا﴾: في النار.
﴿خَالِدُونَ﴾: من الخلد، وهو البقاء الدائم، الذي لا انقطاع فيه، ويبدأ من زمن دخولهم إياها؛ أي: بعد بعثهم يوم القيامة، وحسابهم.
стр. 141
سورة البقرة [٢: ٨٢]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
بعد أن ذكر الله تعالى أصحاب النار، يذكر ما يقابل ذلك، وهم الّذين آمنوا.
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول، يفيد المدح.
﴿آمَنُوا﴾: بالله؛ وما أنزل إليهم من ربهم.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفرائض، والنوافل، وما أمرهم الله، ورسوله ﷺ ، أو حثهم عليه؛ أي: قرنوا العمل الصالح بالإيمان.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعيد، ويفيد المدح، والعلو، والشرف.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: الملازمون للجنة، لا يفارقونها، وكأنهم مالكون لها، كما يملك صاحب الدار داره.
﴿هُمْ﴾: تفيد التّوكيد.
﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾: فيها في الجنة خالدون، من الخلود، وهو البقاء المستمر، لا انقطاع فيه، ويبدأ من زمن دخولهم إياها؛ أي: له بداية، وليس لها نهاية.
سورة البقرة [٢: ٨٣]
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: الواو.
أي: واذكروا ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: أو اذكروا حين أخذنا.
стр. 142
الميثاق: هو العهد الموثق، المؤكد بأدلة، أو شهود، أو بأيمان أو قسم مأخوذ عليهم في التّوراة.
﴿مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: بنو إسرائيل هم الأجداد والآباء، أخذنا الميثاق من الأجداد، والآباء الأولين؛ أي: السلف.
وهذا الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل، جاء على ألسنة أنبيائهم، ورسلهم، يتضمن ثمانية تكاليف.
١ - ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: لا: الناهية.
﴿تَعْبُدُونَ﴾: من العبادة، وهي طاعة المعبود فيما أمر، ونهى عنه، ولا تكون إلَّا للخالق، ولها أجر. وله منهج.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر إلَّا الله وحده، وهذا قمة الإيمان؛ أي: لا تشركوا به شيئاً.
٢ - ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: ارجع إلى سورة النّساء، آية (٣٦)، وسورة الإسراء آية (٢٣)، وسورة الأحقاف لمزيد من البيان، والباء: للإلصاق.
٣ - ﴿وَذِى الْقُرْبَى﴾: والإحسان إلى ذي القربى؛ أي: أن تصلوا أرحامكم، وباقي القرابات، ولو قال: بذي القربى كما في سورة النساء آية (٣٦)، لكان ذلك؛ يعني: أولادكم، وأبناء أولادكم، وأبناء بناتكم؛ أي: أقرب الأقرباء، وتعني: التوكيد.
٤ - ﴿وَالْيَتَامَى﴾: والإحسان إلى اليتامى، واليتيم هو الذي فقد والده وهو طفل قبل سن البلوغ.
٥ - ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: والإحسان إلى المساكين، وتعريف المسكين: الذي لا يملك ما يكفيه لحاجاته.
стр. 143
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾:
﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: ﴿حُسْنًا﴾: من الحسن، و ﴿حُسْنًا﴾: مصدر حسن، وهو ما حسنه الشرع؛ أي: كلاماً طيباً، ليناً. ﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص، النّاس. ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٣) من سورة البقرة.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: ثم: تشير إلى الترتيب، والتراخي في الزمن، حيث هناك زمن طويل، بين الآباء؛ الّذين أخذنا منهم الميثاق، وبين الأبناء.
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: أي: الكل تولى، أو توليتم، كما تولى آباؤكم، ولم يذكر الآباء؛ لأنّ ذكرهم متضمن في قوله: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾، والتولي يعني عن الوفاء بالميثاق، ولم تعملوا به، بقصد ونية.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ﴾: إلّا أداة استثناء؛ أمثال: عبد الله بن سلام وأصحابه.
﴿وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: معرضون عن الوفاء بالميثاق، والالتزام بما وصَّاكم الله به، كما أعرض آباؤكم وأنتم معرضون، تدل على أنهم متعمِّدون الإعراض عن العمل بالميثاق، كما فعل آباؤهم.
стр. 144
سورة البقرة [٢: ٨٤]
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾:
الخطاب لا يزال موجَّهاً إلى بني إسرائيل.
﴿وَإِذْ﴾: للزمن الماضي؛ بمعنى: واذكر إذ أخذنا ميثاقكم، وفي الآية السابقة، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾.
أي: الميثاق؛ يتضمن جزأين: الجزء الأول؛ الذي ذكر في الآية السابقة: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
والجزء الثّاني؛ المذكور في هذه الآية: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾: أو هو ميثاق آخر أخذه الله عليهم.
﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾: لا: الناهية. ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾: السفك: هو الصب؛ أي: سيل الدماء، أو إهراق الدماء، والقتل الجماعي؛ أي: لا يسفك كل واحد دم أخيه، ولا يسفك بعضكم دم بعض، والخطاب هنا للجماعة، وليس للفرد، وذلك؛ لأنّ الحكم هو عائد للجماعة الإيمانية؛ الّتي تمثل الفرد، والفرد يمثل الجماعة؛ لأنّ المؤمنين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.
فحين يقتلون إخوانهم كأنهم يقتلون أنفسهم، وهذا معنى ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾.
стр. 145
﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: أي: لا تخرجون إخوانكم من ديارهم، بالجلاء، والحرب، فإذا فعلتم ذلك كأنكم أخرجتم أنفسكم من دياركم﴾.
﴿ثُمَّ﴾: للتعقيب، والتراخي الزمني؛ أي: أقررتم بالميثاق، الذي أقرَّه آباؤكم وأجدادكم.
﴿أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: وأنتم اليوم، تشهدون على ذلك الميثاق، بعدم القتل، وبعدم الإخراج.
فالإقرار على الميثاق، كان من السلف، ثم تم الإقرار، والشهادة، من الخلَف، على الميثاق نفسه.
سورة البقرة [٢: ٨٥]
﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي الزمني.
فالخطاب موجَّه إلى اليهود في المدينة، الّذين عاصروا رسول الله ﷺ .
﴿أَنتُمْ﴾: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد.
﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة، يفيد معنى التعجب، من حالهم، والإنكار عليهم.
﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾: إذا قتل غيره، ومن دون حق، فكأنما قتل نفسه (بالحروب).
следующие страницы →