← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

سورة البقرة [٢: ٨٢] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: بعد أن ذكر الله تعالى أصحاب النار، يذكر ما يقابل ذلك، وهم الّذين آمنوا. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول، يفيد المدح. ﴿آمَنُوا﴾: بالله؛ وما أنزل إليهم من ربهم. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفرائض، والنوافل، وما أمرهم الله، ورسوله ﷺ ، أو حثهم عليه؛ أي: قرنوا العمل الصالح بالإيمان. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعيد، ويفيد المدح، والعلو، والشرف. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: الملازمون للجنة، لا يفارقونها، وكأنهم مالكون لها، كما يملك صاحب الدار داره. ﴿هُمْ﴾: تفيد التّوكيد. ﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾: فيها في الجنة خالدون، من الخلود، وهو البقاء المستمر، لا انقطاع فيه، ويبدأ من زمن دخولهم إياها؛ أي: له بداية، وليس لها نهاية. سورة البقرة [٢: ٨٣] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: الواو. أي: واذكروا ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: أو اذكروا حين أخذنا.

стр. 142

الميثاق: هو العهد الموثق، المؤكد بأدلة، أو شهود، أو بأيمان أو قسم مأخوذ عليهم في التّوراة. ﴿مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: بنو إسرائيل هم الأجداد والآباء، أخذنا الميثاق من الأجداد، والآباء الأولين؛ أي: السلف. وهذا الميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل، جاء على ألسنة أنبيائهم، ورسلهم، يتضمن ثمانية تكاليف. ١ - ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾: لا: الناهية. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: من العبادة، وهي طاعة المعبود فيما أمر، ونهى عنه، ولا تكون إلَّا للخالق، ولها أجر. وله منهج. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر إلَّا الله وحده، وهذا قمة الإيمان؛ أي: لا تشركوا به شيئاً. ٢ - ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: ارجع إلى سورة النّساء، آية (٣٦)، وسورة الإسراء آية (٢٣)، وسورة الأحقاف لمزيد من البيان، والباء: للإلصاق. ٣ - ﴿وَذِى الْقُرْبَى﴾: والإحسان إلى ذي القربى؛ أي: أن تصلوا أرحامكم، وباقي القرابات، ولو قال: بذي القربى كما في سورة النساء آية (٣٦)، لكان ذلك؛ يعني: أولادكم، وأبناء أولادكم، وأبناء بناتكم؛ أي: أقرب الأقرباء، وتعني: التوكيد. ٤ - ﴿وَالْيَتَامَى﴾: والإحسان إلى اليتامى، واليتيم هو الذي فقد والده وهو طفل قبل سن البلوغ. ٥ - ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: والإحسان إلى المساكين، وتعريف المسكين: الذي لا يملك ما يكفيه لحاجاته.

стр. 143

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: ﴿حُسْنًا﴾: من الحسن، و ﴿حُسْنًا﴾: مصدر حسن، وهو ما حسنه الشرع؛ أي: كلاماً طيباً، ليناً. ﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص، النّاس. ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمزيد من البيان. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٣) من سورة البقرة. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: ثم: تشير إلى الترتيب، والتراخي في الزمن، حيث هناك زمن طويل، بين الآباء؛ الّذين أخذنا منهم الميثاق، وبين الأبناء. ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: أي: الكل تولى، أو توليتم، كما تولى آباؤكم، ولم يذكر الآباء؛ لأنّ ذكرهم متضمن في قوله: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾، والتولي يعني عن الوفاء بالميثاق، ولم تعملوا به، بقصد ونية. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ﴾: إلّا أداة استثناء؛ أمثال: عبد الله بن سلام وأصحابه. ﴿وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: معرضون عن الوفاء بالميثاق، والالتزام بما وصَّاكم الله به، كما أعرض آباؤكم وأنتم معرضون، تدل على أنهم متعمِّدون الإعراض عن العمل بالميثاق، كما فعل آباؤهم.

стр. 144

سورة البقرة [٢: ٨٤] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: الخطاب لا يزال موجَّهاً إلى بني إسرائيل. ﴿وَإِذْ﴾: للزمن الماضي؛ بمعنى: واذكر إذ أخذنا ميثاقكم، وفي الآية السابقة، ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾. أي: الميثاق؛ يتضمن جزأين: الجزء الأول؛ الذي ذكر في الآية السابقة: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. والجزء الثّاني؛ المذكور في هذه الآية: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾: أو هو ميثاق آخر أخذه الله عليهم. ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾: لا: الناهية. ﴿تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾: السفك: هو الصب؛ أي: سيل الدماء، أو إهراق الدماء، والقتل الجماعي؛ أي: لا يسفك كل واحد دم أخيه، ولا يسفك بعضكم دم بعض، والخطاب هنا للجماعة، وليس للفرد، وذلك؛ لأنّ الحكم هو عائد للجماعة الإيمانية؛ الّتي تمثل الفرد، والفرد يمثل الجماعة؛ لأنّ المؤمنين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. فحين يقتلون إخوانهم كأنهم يقتلون أنفسهم، وهذا معنى ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾.

стр. 145

﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: أي: لا تخرجون إخوانكم من ديارهم، بالجلاء، والحرب، فإذا فعلتم ذلك كأنكم أخرجتم أنفسكم من دياركم﴾. ﴿ثُمَّ﴾: للتعقيب، والتراخي الزمني؛ أي: أقررتم بالميثاق، الذي أقرَّه آباؤكم وأجدادكم. ﴿أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: وأنتم اليوم، تشهدون على ذلك الميثاق، بعدم القتل، وبعدم الإخراج. فالإقرار على الميثاق، كان من السلف، ثم تم الإقرار، والشهادة، من الخلَف، على الميثاق نفسه. سورة البقرة [٢: ٨٥] ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي الزمني. فالخطاب موجَّه إلى اليهود في المدينة، الّذين عاصروا رسول الله ﷺ . ﴿أَنتُمْ﴾: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد. ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء للتنبيه، أولاء: اسم إشارة، يفيد معنى التعجب، من حالهم، والإنكار عليهم. ﴿تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ﴾: إذا قتل غيره، ومن دون حق، فكأنما قتل نفسه (بالحروب).

стр. 146

﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾: بالجلاء والطرد، ومظاهرة الآخرين، والمظاهرة؛ هي المعاونة، والتظاهر هو التعاون، وأصله؛ الظهر؛ أي: أن يجعل كل واحد من القوم، أو الرجلين الآخر ظهراً له، يتقوى به، ويستند إليه، أو يساعده على الحمل، أو يحمل عنه. ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾: الإثم: في اللغة: التقصير، وأَثِمَ: أي: قصَّر، والإثم المعصية؛ كشهادة الزور، وشرب الخمر. والإثم: الذنب القبيح الذي يستحق فاعله العقاب، ويشمل الصغائر والكبائر. والعدوان: هو الظلم، والاعتداء على الآخرين. فقد كان بنو قريظة، وهم من اليهود، حلفاء للأوس. وكان بنو قينقاع وبنو النظير وهم من اليهود أيضاً حلفاء للخزرج. وكل قبيلة أو طائفة تقاتل مع حليفها، فكان اليهودي من هذ القبيلة يقاتل مع حليفه، ضد اليهودي من القبيلة الأخرى، فيقتله أو يخرجه من بيته، وربما وقع أسيراً في يد الفريق الآخر، وإذا أُسر أحدهم، حاولوا دفع الفدية؛ ليفكوه من الأسر، طاعة لله تعالى، فوبخهم الله سبحانه، فقال : ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾؛ وإن: للتوكيد. ﴿وَإِنْ﴾: للتوكيد ﴿يَأْتُوكُمْ أُسَارَى﴾: جمع أسير، أو مأسور، وهو من يؤخذ بالغلبة، فيُشد بالإسار، وهو القيد، وأصل الأسر: الشد بالقيد، وأسير؛ تجمع على أسرى، وأسرى تجمع على أسارى (جمع الجمع). ﴿أُسَارَى﴾: جمع أسير. والذين هم في وثاق، أو الذين ليسوا في أيدي الأعداء.

стр. 147

وأُسارى: جمع أسرى، إذن أُسارى: جمع الجمع، كقوله -جل وعلا-: ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الْأَرْضِ﴾. والأسرى: الذين هم في يد الأعداء. ﴿تُفَادُوهُمْ﴾: المفاداة: إعطاء شيء، وأخذ شيء مكانه؛ أي: تنقذوهم من الأسر بالفداء، بالمال، أو إبدال الأسرى. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد. ﴿مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾: بالأصل؛ أي: محرم عليكم إخراجهم، أو إجلاؤهم من بيوتهم، ومحاربتهم؛ لكي لا يقعوا أسرى في يد عدوهم. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ﴾: الهمزة؛ همزة استفهام إنكاري؛ للتوبيخ، وفيه فضيحة لهم. ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾: وهو فكاك الأسرى. ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: وهو القتل والإخراج، وقال مجاهد: تفديه من يد غيرك، وتقتله أنت بيدك؟! ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. ﴿فَمَا﴾: الفاء للترتيب، والمباشرة. ما: استفهامية. ﴿مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾: من شرطية. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة للبعيد، تعود على القتل والإخراج. ﴿مِنكُمْ﴾: خاصة؛ لأنكم أعطيتم العهد على الطاعة. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.

стр. 148

﴿خِزْىٌ﴾: نكرة؛ للتهويل، والتعظيم، وتشمل: الذل، والفضيحة. ﴿خِزْىٌ﴾: ذل مع فضيحة، يقال: الرجل يخزي خزياً؛ إذا وقع في بلية؛ فذلّ، وأخزاه الله؛ أي: فضحه. وقيل: الخزي هو الشيء القبيح، الذي تكره أن يراك عليه النّاس. ﴿فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أصابهم على يد رسول الله ﷺ ، والمؤمنين، فخزي بني قريظة، كان بالقتل والسبي. وخزي بني النظير وقينقاع كان بالجلاء، والنفي، من منازلهم، وديارهم. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾: الواو: استئنافية. وسمي يوم القيامة؛ لقيام أمور ثلاثة: فيه: ١ - قيام النّاس من قبورهم لرب العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٥ - ٦]. ٢ - قيام الأشهاد؛ الّذين يشهدون للرسل، وعلى الأمم. ٣ - قيام العدل. ﴿يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾: أي: عذاب النار، وجهنم، ويعني: العذاب الأليم الدائم. أي: ما أصابهم في الدّنيا من خزي، لم يكن لهم كحدٍّ؛ أي: لم يكن نتيجة إقامة حدود الله عليهم، ولو كان حدّاً؛ لما ردُّوا يوم القيامة أشد العذاب. ﴿يُرَدُّونَ﴾: من الرد، هو الرجوع بكراهة؛ أي: وأنت مكره مجبر. وأصل الردّ: الذهاب من مكان، وعدم النية في العودة إليه، ثم تجبر على

стр. 149

العودة إلى المكان نفسه، فهذا يسمى ردّاً، وليس رجوعاً. الرجوع يكون بنية؛ أي: قصد، وإرادة، وإلى نفس المكان الذي خرج منه. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة. ما: النّافية؛ أشد نفياً من ليس. ﴿بِغَافِلٍ﴾: الباء للإلصاق، والتوكيد. غافل: غير منتبه، أو مطلع على ما تعملون. ارجع إلى الآية (٧٤) من نفس السورة لمزيد من البيان. ﴿عَمَّا﴾: عن + ما. عن: تفيد المجاوزة والمباعدة، وما: اسم موصول؛ بمعنى الذي، أو مصدرية؛ أي: ما عملتم. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: تعني: الأفعال والأقوال، فالعمل يشمل (القول والفعل). سورة البقرة [٢: ٨٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول، يفيد الذم. ﴿اشْتَرَوُا﴾: استبدلوا؛ أي: اشتروا الحياة الدّنيا، وباعوا آخرتهم؛ أي: دفعوا ثمن الحياة الدّنيا الّتي اشتروها بالآخرة. ﴿فَلَا﴾: الفاء السببية، أو الرابطة. لا: النّافية، تنفي كل الزمنة. ﴿يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: لا مقداراً، ولا زمناً، ولا كمَّاً، ولا نوعاً. ﴿وَلَا هُمْ﴾: الواو عاطفة.

стр. 150

تكرر لا؛ يفيد التّوكيد والنفي، ويفيد فصل، واستقلال تخفيف العذاب عن نصرتهم. ﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿يُنْصَرُونَ﴾: بيوم القيامة، لا يجدون من يدفع العذاب عنهم، ولا يجدون من ينصرهم بالشفاعة، أو دفع الفدية عنهم، أو تحمل العذاب عنهم، أو ردّه عنهم، أو تخفيفه. سورة البقرة [٢: ٨٧] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو استئنافية، لقد: اللام للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: ثبت وتحقق. ﴿آتَيْنَا مُوسَى﴾: الإيتاء: هو العطاء الذي لا يعني التملك؛ أي: يمكن نزع الشيء المعطى؛ كقوله: ﴿تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. والإيتاء أوسع من العطاء، ويشمل: الأمور المادية والمعنوية. أما العطاء؛ ففيه تملك، وليس فيه نزع، كقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ارجع إلى الآية (٢٥١) لمزيد من البيان. ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: التّوراة آتاه إياها جملة واحدة. ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: أعطيناه التّوراة، وقد ننزع التّوراة منه. ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾: ولكي نفهم معنى ﴿وَقَفَّيْنَا﴾؛ لا بدَّ من معرفة معنى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾.

стр. 151

﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾: أي: أتبعنا بعضهم بعضاً، مشتقة من قفا، وتقول: قفوت فلاناً؛ أي: سرت خلفه، والقفا؛ قد تعني مؤخر العنق؛ أي: وقفينا من بعده؛ (بعد موسى) بالرسل، أتبعنا بعضهم بعضاً؛ أي: أرسلنا من بعد موسى يوشع، وأشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان، وشعيباً، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى، وعيسى ابن مريم ﵈، وهناك رسل أو أنبياء أرسلوا إلى بني إسرائيل، لا نعرفهم، كما قال -جل وعلا- في سورة النّساء الآية (١٦٤): ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ﴾. وهناك فرق بين قفينا، ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾. ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾: تعني: أنّ الزمن بين إنسان، يمشي في الصحراء، وإنسان آخر يمشي خلفه قصير جداً؛ إذ إن آثار قدَمي الماشي أولاً، لا يزال يُرى آثارهما في الرمل، وذلك يعني أنّ الزمن بين الرسولين قصير جدّاً. وحين يقول: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾: من دون على آثارهم؛ يعني: أنّ الزمن بين الرسولين أطول. ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: ﴿وَآتَيْنَا﴾: ارجع إلى مطلع الآية لمعرفة معنى ﴿وَآتَيْنَا﴾. ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: عيسى رسول الله أُرسل إلى بني إسرائيل، ابن مريم ابنة عمران، الّتي أحصنت فرجها ﵍. ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: هي المعجزات، الواضحة، الدالة على صدق نبوته، مثل: إحياء الموتى؛ بإذن الله، وإبراء الأكمه، والأبرص؛ بإذن الله، وخلقه من الطين؛ كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً، وإخبار عيسى النّاس بما يأكلون، وما يدَّخرون في بيوتهم، وغير ذلك من المعجزات.

стр. 152

﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: أيَّدناه؛ قويناه، والأيد تعني: القوة. أيدناه؛ مأخوذة من اليد، واليد هي آلة القوة، والدفاع عن النفس، أو الآخرين. ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: الباء؛ للإلصاق، وتعني: الملازمة، روح القدس هو جبريل ﵇، والقدس: المطهر. أي: أيّدناه بالروح المطهرة المقدسة من كل شائبة؛ أي: جبريل ﵇. والروح: في الأصل اسم؛ لما به حياة النفوس، وسمي روحاً. و ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: هو جبريل ﵇، وإضافة القدس للروح؛ للتشريف، لا غير. ويطلق عليه الروح الأمين، الأمين على وحي الله تعالى ورسالاته. وصَفه الله -جل وعلا-: ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]؛ مطاع في السموات والأرض؛ تطيعه الملائكة. ﴿ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠]؛ أي: ذو مكانة رفيعة، ومنزلة عظيمة عند الله تعالى، ولمزيد من البيان عن جبريل ﵇؛ ارجع إلى الآية (٩٧) من سورة البقرة. وقد ذكر عيسى ﵇، في كثير من الآيات، بأنه مؤيد بروح القدس؛ أي: جبريل ﵇، ولم يذكر غيره بهذه الصفة، مع العلم أنّ باقي الرسل والأنبياء كان جبريل ﵇ ينزل عليهم. وقد يكون السبب ـ والله أعلم ـ أنّ جبريل ﵇ كان لا يفارق عيسى ﵇ كثيراً، في تلك الفترة الّتي عاشها عيسى على الأرض، قبل رفعه إلى السموات.

стр. 153

﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: ﴿أَفَكُلَّمَا﴾: الهمزة؛ همزة استفهام إنكاري توبيخي، وللتعجب، الفاء؛ للتوكيد. كلما: ظرفية، حينية، (ظرف زمان)، يفيد التكرار، ويقتضي الجواب، وجوابه هنا: ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾. ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾: ﴿جَاءَكُمْ﴾: فيها؛ معنى المشقة، والصعوبة، (أي: المجيء كان بمشقة وصعوبة)، بينما قوله: أتى؛ تحمل معنى السهولة، واليسر، والمجيء يكون بالحق، ولذلك يكون أصعب، والخطاب موجَّه إلى بني إسرائيل. ﴿بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾: أي: بما يخالف أهوائكم، مثل مجيء عيسى ﵇، أو محمّد ﷺ ، وغيرهم من الرسل ﵈. ﴿بِمَا﴾: الباء للإلصاق، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري. ﴿تَهْوَى﴾: تحب، وتشتهي أنفسكم، ويجب الانتباه إلى كلمة هَوَى؛ بالفتحة على الواو، بمعنى سقط إلى أسفل، وهوِي بالكسرة على الواو؛ بمعنى أحب واشتهى، وجمع هوى أهواء، والهوى غالباً ما يكون مذموماً؛ أي: ما تريده النفس، وغالباً ما يكون بعيداً عن الحق. ولا بد أن نفرِّق بين الهوى، وهو يختص بالأداء؛ أي: بالأفعال، والاعتقادات، وأما الشهوة، فتختص بنيل المستلذات، وهوِي بالكسرة (وهو حب الشهوات) قد يهوي بصاحبه إلى الأسفل، والانحدار أي النار. ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾: عن الإيمان بذلك الرسول، أو النبي، أو بما جاء به من الحق، وأردتم أن تكونوا أنتم المشرعين، من دون الله سبحانه. ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾: أي: أعطيتم لأنفسكم كبراً لستم أهلاً له، والكبر هو الشعور

стр. 154

بالعظمة. ورفع النفس فوق ما تستحق، أو إظهار عظم الشأن، والكبر أو التكبر أنواع منها: أولاً: الكبر على الله سبحانه، أو آياته، وهو أعظم وأبشع أنواع الكفر. ثانياً: الكبر على الرسل والأنبياء كقول قوم ثمود لنبيهم صالح: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥]، أو قول فرعون وملئه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]. ثالثاً: الكبر على الناس، والكبر أو التبكر صفة ذميمة، والمتكبر مذموم في الأرض والسماء، ومعظم الآيات جاءت بصيغة استكبروا، استكبر، استكبرتم، تستكبرون، يستكبرون، استكباراً، والقليل بصيغة يتكبرون، متكبرين، متكبر. والفرق بين المستكبر، والمتكبر: الألف والسين والثاء: تفيد الطلب؛ أي: المستكبر لا يملك وليس عنده مؤهلات الكبر مثل السلطان، والغني، والجاه، والعلم، والقوة، والحكم؛ أي: هو يظهر من نفسه ما ليس فيه بأن يرفض عبادة الله وطاعته، أو لا يقبل الحق من أحد مثلاً، والاستكبار والتكبر غالباً يكون بغير الحق، وقليلاً ما يكون بالحق مثل التكبر على العدو، أو لنصرة المظلوم، وأما المتكبر: فهو من حاز على بعض الصفات مثل الغنى، والسلطان، والحكم، والجاه؛ فهو في حال الكبر مثل فرعون وقارون، أو غيرهم الذين طغوا في الأرض وأكثروا فيها الفساد وظلموا وبطشوا وتجبروا. ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ﴾: مثل عيسى ﵇، ومحمد ﷺ . ﴿وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: أمثال زكريا ويحيى ﵉، وغيرهم. ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: في هذا الجزء من الآية، يجب الانتباه إلى ثلاثة أمور في البلاغة:

стр. 155

الأول: تقديم المفعول على الفعل، فريقاً وهو المفعول على الفعل كذبتم للاهتمام، والتشويق، تشويق السامع، بما بعده. الثّاني: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: فلم يقل: فريقاً كذبتم وفريقاً قتلتم، وإنما جاء بفعل ﴿تَقْتُلُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ لاستحضار فعل القتل في نفوس السامعين، وتصويره أمام أعينهم بصورته البشعة، وهذا ما يسمى حكاية الحالة، وهي أن يعبَّر عن الحدث في الماضي بفعل مضارع، أو أن ينقل المخاطب إلى الماضي، فيجعله كأنه يعاصر الحدث، ولأنّ القتل أعظم من التكذيب جاء بصيغة الماضي لفعل التكذيب، وبصيغة الفعل المضارع للقتل. ثالثاً: وتكرار فريقاً مرتين؛ للتوكيد، وفصل كلاً من الفعلين، عن بعضهما؛ أي: فعلتم كلا الأمرين: القتل، والتكذيب، كلاً على حدة، أو التكذيب والقتل معاً، فالتكذيب أمر مهم، ولكن القتل أعظم وأشد. سورة البقرة [٢: ٨٨] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: الواو استئنافية. ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: مأخوذة من الغلاف، والتغليف، وغُلف؛ بسكون اللام، كما يقرؤها الجمهور، أو غُلُف؛ كما يقرؤها بعض العلماء. ﴿غُلْفٌ﴾؛ لها معان عدَّة؛ معاً: ١ - غُلُف: بضم اللام؛ أي: جمع غلاف، أو مغلفة بأغشية، أو أغطية، تمنع وصول الموعظة، والنور إليها، والإيمان والهداية، لا يدخلها شعاع من النور، والهداية، ولا يخرج منها شعاع من الكفر؛ أي: قلوبٌ مطبوع عليها. ٢ - عُلف: أي: مغلفة، وفيها من العلم، ما يكفيها، ويزيد، وكأنهم يقولون: قلوبنا لا تسع شيئاً آخر، فلسنا بحاجة إلى كلام الرسل، أو الهداية.

стр. 156

٣ - خلقت غلفاً: لا تتدبر، ولا تعتبر، ولا تعي، ولا تفقه، ما يقال لها؛ أي: مخلوقة على الكفر. فرد الله -جل وعلا- على افتراءاتهم، أن تكون قلوبهم مخلوقة على الكفر، وامتناع قبول الحق. ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾: بل؛ للإضراب الإبطالي. ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: أي: طردهم الله تعالى، وأبعدهم عن رحمته. ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾: الباء؛ للإلصاق، باء السببية، أو المقابلة؛ أي: بسبب زعمهم أنّ قلوبهم غلف، وكفرهم. ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾: الفاء؛ للتوكيد، وما؛ للتوكيد أيضاً؛ أي: فقليل من يؤمن منهم؛ أي: عدد المؤمنين منهم قليل، والأكثرية لم يؤمنوا، أو أنّ إيمانهم قليل جداً؛ أي: سطحياً، وبألسنتهم فقط، وليس في قلوبهم. أو تعني: لا يؤمنون قليلاً، ولا كثيراً، لا هذا وذاك.

стр. 157

سورة البقرة [٢: ٨٩] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: هذه صورة أخرى من صور كفرهم. ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾: الواو عاطفة، لما: ظرفية زمانية بمعنى حين جاءهم؛ أي: اليهود، والمجيء فيه معنى المشقة؛ أي: لم يكن سهلاً مجيء الكتاب. ﴿كِتَابٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: القرآن الكريم الذي أنزل على محمّد ﷺ . ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾: موافق ولا يخالف ومؤكد لما معهم وهو التّوراة. ﴿مُصَدِّقٌ﴾: نعت أو صفة للكتاب والكتاب مرفوع فالصفة تتبع الموصوف؛ أي: مرفوعة. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: مجيء القرآن وبعثة محمّد ﷺ . ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾: يستفتحون أي: يطلبون الفتح، الألف والسين والتاء للطلب. والفتح؛ هو الغلبة، والنصر من دون قتال، أو حرب؛ أي: يطلبون من الله أن ينصرهم على المشركين، بالنّبي المبعوث؛ آخر الزمان؛ أي: يقولون: اللهم

стр. 158

انصرنا بالنبي؛ المبعوث على الّذين كفروا، وهم الأوس والخزرج؛ قبل ظهور الإسلام. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان. وينتظرون مجيء النّبي الأمي، المكتوب عندهم، في التّوراة والإنجيل. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء للتوكيد. لما: ظرفية زمانية، بمعنى حين. ﴿جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾: عرف: بمعنى علم، وهناك فرق بينهما أن المعرفة تستعمل في المعرفة بالذوات، والعلم يستعمل فيما يتعلق بالصفات؛ أي: الحق، أو محمّد ﷺ ، ﴿مَا عَرَفُوا﴾: ما: اسم موصول، بمعنى: الذي عرفوا صفته، ونعته، كما في التّوراة. ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾: أي: بمحمد ﷺ ؛ أي: جحدوا به، وبما أنزل عليه من القرآن، ولم يؤمنوا به، ولم يُبين سبب كفرهم به، وبيّنه في آيات أخر، [سورة البقرة، آية ١٠٩]. ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: الفاء للتوكيد، لعنة الله: الطرد من رحمة الله تعالى. ارجع إلى الآية (١٦٢) من نفس السورة لمزيد من البيان. سورة البقرة [٢: ٩٠] ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: ﴿بِئْسَمَا﴾: بئس من أفعال الذم. ما: نكرة؛ أي: بئس الشيء، الذي اشتروا به أنفسهم، وبئس الذي اشتروا به أنفسهم؛ أي: باعوا أنفسهم، واشتروا الكفر، بعد أن رفض اليهود الإيمان برسول الله ﷺ ، وطردهم الله من رحمته. يُقبح

стр. 159

الله سلوكهم؛ إذ باعوا أنفسهم رخيصة، باعوها بالكفر، فلم يؤمنوا بالقرآن ونبيه ﷺ . ﴿بَغْيًا﴾: والبغي: هو أخذ حق الغير بقوة، وقهر، وتعسف يعني: التعدي والظلم المؤدي إلى الفساد، والحسد: هو تمني زوال النعمة عن المحسود؛ فهذا ظلم للمحسود وبغياً عليه، والمحسود هو رسول الله ﷺ ، أن تنزل عليه الرسالة من بينهم؛ إذ كانوا يظنون أنهم أحق بها؛ لأنهم ورثوا كل الرسالات السابقة. وقد فوجئوا بأنه ليس منهم؛ فملأ الحسد قلوبهم، وأعلنوا مقاومتهم وعصيانهم. ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: الوحي، وبالتالي النبوة، والكتاب، فاختيار الرسل فضل من الله سبحانه. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾؛ أمثال: محمّد ﷺ ، أو الأنبياء، والرسل من قبله، حسب ما تقتضيه حكمته سبحانه. ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾. ﴿فَبَاءُوا﴾: الفاء؛ للتوكيد. باؤوا: استحقوا، ورجعوا. ﴿بِغَضَبٍ﴾: الباء: للإلصاق، بمعنى: لزمهم الغضب، ولحق بهم، وهو أشد اللعن، ولم يفارقهم. واستعمال الغضب، في صفات الله؛ مجاز، وحقيقته إيجاب العقاب على المغضوب عليه. ﴿بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: والتنكير؛ للتعظيم. فالغضب الأول: هو لأنهم لم ينفِّذوا ما جاء في التّوراة، ولأنهم حرَّفوها. وقيل: لعبادتهم العجل. وقيل: بسبب كفرهم بعيسى والإنجيل.

стр. 160

والغضب الثّاني: بسبب كفرهم بمحمد ﷺ ، والقرآن، رغم أنه مذكور عندهم في التّوراة، ومطلوب منهم أن يؤمنوا به. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: وللكافرين؛ اللام لام الاختصاص، والاستحقاق. (الكافرين)؛ الّذين أصبح الكفر صفة ثابتة عندهم، واستمروا عليه. ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: شديد الألم؛ مرفوق بالإهانة، والذل؛ لكونه أمام النّاس، أو أمام أتباعهم. سورة البقرة [٢: ٩١] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية؛ تدل على حتمية الحدوث، وكثرته. ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾: لا يهم هنا؛ من القائل، وإنما المقولة. ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾: أي: اليهود. ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: أي: آمنوا بالقرآن، وصدقوا به، وبآياته. ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾: أي: نؤمن، ونصدق فقط بالتوراة، الذي أنزل علينا. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾: أي: بما نزل بعده، الواو واو الحال للتأكيد. ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾: وهو القرآن الكريم، وهو الحق، أو الإنجيل. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾: أي: التّوراة، وهم لا يدرون، أنّ من يكفر بالقرآن، يكفر بالتوراة، فهو يكفر بهما معاً؛ لأنّ القرآن يصدق ما جاء في التّوراة، والكفر

стр. 161

هو الستر، ومحمد ﷺ لم يأت ليهدم ما آمنوا به، ولكنه جاء بالحق ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾. ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد: إذا كنتم تؤمنون بالتوراة، الذي أُنزل إليكم، هل في التّوراة آية تُحل لكم قتل أنبياء الله؟! ﴿فَلِمَ﴾: الفاء للتوكيد. ما: استفهامية؛ تفيد التعجب، والتوبيخ. ﴿تَقْتُلُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ لاستحضار الفعل الماضي إلى الحاضر (حكاية الحال). ارجع إلى الآية (٨٧)، (ولم يقل: قتلهم أنبياء الله). ﴿أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾: مجيء محمّد ﷺ . وقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ فيها طمأنينة لرسول الله ﷺ ، إلى أنّ قتلهم الأنبياء انتهى، وما جرى للأنبياء السابقين، من بني إسرائيل، لن يجري على رسول الله ﷺ . ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: إن: شرطية، وتفيد الشك، أو الاحتمال ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾. سورة البقرة [٢: ٩٢] ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو عاطفة، واللام؛ للتوكيد، قد، تفيد الإثبات والتحقق.

стр. 162

﴿جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾: جمع بينة، والبينة؛ هنا، تعني: المعجزة، مثل: العصا، واليد، والنجاة من فرعون، وجنوده ومن الغرق، وفلق البحر. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتراخي. ﴿اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾: عبدتم العجل. ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد ذهاب موسى ﵇ إلى الطور، ﴿مِنْ﴾: تعني: مباشرة، حين واعدناه أربعين ليلة. فلو كنتم تؤمنون بما أُنزل عليكم، كما زعمتم؛ ما اتخذتم العجل من بعده، وأنتم ظالمون. ﴿وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾: وأنتم ظالمون؛ بشرككم، وظالمون لأنفسكم، وظالمون: جملة اسمية، تدل على صفة ثبوت الظلم فيهم. سورة البقرة [٢: ٩٣] ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: مطلع هذه الآية يشبه الآية (٦٣) من سورة البقرة، فارجع إليها. ويبدأ الاختلاف بقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: سمع طاعة، واستجابة، وقبولاً؛ لا مجرد سماع بالأذن. ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾: بأفواههم، أو ألسنتهم. ﴿وَعَصَيْنَا﴾: بأفعالهم؛ أي: لم يتمثلوا أوامر الله، ويطبقوا أحكامه.

стр. 163

أو ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ قولك: ﴿وَعَصَيْنَا﴾: أمرك، أو ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾، ولكن لا سمع طاعة، وبدلاً من ندمهم على اتخاذهم العجل، تداخلهم حبه، حتّى أصبح يسري حبه في دمهم ولحمهم، كما يسري الماء بعد شربه إلى الأوعية الدموية؛ وذلك كله، بسبب كفرهم. ﴿قُلْ﴾: لهم: يا محمّد ﷺ . ﴿بِئْسَمَا﴾: من أفعال الذم؛ أي: بئس هذا الإيمان، الذي تدَّعوه بالتوراة، الذي يأمركم، أو يدعوكم، لمثل هذا الحب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: إن شرطية، وتدل على الشك في إيمانهم. وإضافة حب العجل إلى إيمانهم هو تهكُّم بهم، واستنكار لفعلهم.

стр. 164

سورة البقرة [٢: ٩٤] ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم، يا محمّد ﷺ . ﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الشك. ﴿كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾: أي: الجنة. وقدَّم ﴿لَكُمُ﴾، لكم وحدكم؛ خاصة، اللام لام الاختصاص، والاستحقاق. كما تزعمون؛ فقد قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾: [سورة البقرة، الآية ١١١]. ﴿خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾: أي: خاصة بهم، ولا يشاركهم فيها أحد. ﴿النَّاسِ﴾: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمعرفة معنى النّاس. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾: أي: اطلبوا الموت، الذي يوصلكم إليها. الفاء؛ في ﴿فَتَمَنَّوُا﴾: الفاء للتوكيد. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: لأنّ تمني الموت، من شأنّ المقربين الأبرار، و ﴿إِنْ﴾: شرطية، وتفيد الشك؛ أي: الشك بأنهم ﴿صَادِقِينَ﴾: في أنّ الجنة هي خالصة لهم، وأنّ ادعاءهم باطل وزيف، وقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾:

стр. 165

فيها تعجيز لهم، وتحدي؛ لأنّ ليس من سماتهم تمني الموت، بل بالعكس حب الحياة. سورة البقرة [٢: ٩٥] ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَلَنْ﴾: الواو: استئنافية، لن: حرف نفي، يفيد نفي المستقبل القريب، والبعيد. ﴿يَتَمَنَّوْهُ﴾: من التمني، والأمنية، والتمني: هو طلب شيء محبوب، إلَّا أنه مستحيل الحدوث، أو غير ممكن، أو لا يمكن أن يقع، أما الرجاء فهو طلب شيء محبوب، ممكن الحدوث. ﴿أَبَدًا﴾: أي: في جميع الأزمنة الحاضرة، أو المستقبلية، إلى غير نهاية. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، باء السببية، أو المقابلة، بسبب أو مقابل ما عملته أيديهم، من قتل الأنبياء، وتحريفهم التّوراة، وتكذيبهم للرسل، وغيرها من المعاصي، ولماذا اختار الأيدي على سائر الأعضاء؛ لأنّ أعظم الذنوب، الّتي ارتكبوها؛ مثل: قتل الأنبياء، وتحريف التّوراة، وأخذ الربا، وقد نهوا عنه، كانت بفعل أيديهم، فاليد؛ هي الآلة الّتي قامت بذلك. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: عليم، صيغة مبالغة. ﴿عَلِيمٌ﴾: من هم، وعددهم، وما يعمله كل واحد منهم، من صغيرة أو كبيرة. ارجع إلى الآية (٥٤) من نفس السورة لمعرفة معنى الظلم. ولا بدَّ من مقارنة هذه الآية، من سورة البقرة مع الآية (٦ - ٧) من سورة الجمعة.

стр. 166

في سورة البقرة، آية (٩٤ - ٩٥): ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. في سورة الجمعة، آية (٦ - ٧): ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾. ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. الاختلاف في ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ في سورة البقرة ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ﴾؛ في سورة الجمعة. أولاً: لن: تفيد نفي المستقبل القريب، والبعيد، وأكد، وأقوى في النفي من لا، الّتي تفيد الإطلاق، والعموم، (عموم الأزمنة). فاستعمل لن الأقوى في النفي، في سياق زعمهم، أنّ لهم الدار الآخرة؛ أي: الجنة (خالصة لهم عند الله)، فهذا الزعم الباطل أشد، وأقوى من زعمهم أنهم أولياء الله. الذي استعمل معه لا. فالنفي في آية البقرة أشد من النفي في آية الجمعة. ثانياً: في آية البقرة يستعمل يتمنوه وتشير إلى قلة العدد، عدد الّذين يزعمون أنّ الجنة خالصة لهم يوم القيامة، بينما في آية الجمعة يتمنونه، وتشير إلى كثرة العدد الّذين يزعمون أنهم أولياء لله. زيادة المبنى (الحروف) تدل على زيادة المعنى، أو العدد.

стр. 167

شرح آخر للآيتين: في آية البقرة: السياق في زعمهم أنّ الجنة لهم خالصة من دون النّاس؛ إذا كان هذا الزعم صحيحاً؛ فتمنوا الموت، لتحققوا هذه الأمنية. الجواب: لن يتمنوه أبداً، لن أقوى حروف نفي، ونفيها مؤكد. فمن يتمنى الموت؟ لا أحد، ولذلك استعمل (لن)، وإذا وجد من يتمنى الموت، فعددهم قليل، ولذلك استعمل ﴿يَتَمَنَّوْهُ﴾؛ الأقل حروفاً من ﴿يَتَمَنَّوْنَهُ﴾. أما في آية الجمعة: السياق في زعمهم أنهم أولياء لله من دون النّاس. إذا كان هذا الزعم صحيحاً، فتمنوا الموت؛ لتحققوا هذه الأمنية. الجواب: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾. لا: أقل نفياً من (لن)، وأقل توكيداً. ومن يتمنى أن يكون ولياً لله؟ الكثير؛ ولذلك استعمل (لا)، وبما أنّ عددهم كثير، استعمل ﴿يَتَمَنَّوْنَهُ﴾؛ الكثيرة الحروف. زيادة الحروف؛ تدل على زيادة العدد؛ لأنّ زيادة المبنى؛ تدل على زيادة المعنى. سورة البقرة [٢: ٩٦] ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾: الواو عاطفة، لتجدنهم: اللام؛ لام التّوكيد، والنون في تجدنهم، (بدلاً من تجدهم)، تدل على زيادة التّوكيد. ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾: النّاس. ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة للبيان.

стр. 168

﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾: الحرص؛ هو شدة الطمع، والحرص؛ طلب الشيء بجشع. ﴿عَلَى حَيَاةٍ﴾: حياة؛ جاءت نكرة، وغرض التنكير؛ التحقير، والذم. فهم يحرصون على أي نوع من أنواع الحياة، ولو كانت دنيئة، أو رخيصة، أو حياة ذلٍّ وعبودية، المهم حياة، ويحرصون أن تكون حياة طويلة، ليست قصيرة؛ أي: عمراً طويلاً. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: أي: أنّ حرصهم على حياة، مهما كان نوعها، يفوق حرص الّذين أشركوا، قيل: هم مشركو العرب، أو المجوس. ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: يود: من الود: وهو ميل القلب والتمني؛ أي: يتمنى أحدهم، تعود على اليهود، والّذين أشركوا، يتمنى أحدهم. ﴿لَوْ﴾: للتمني، والتمني في هذه الحالة مستحيل أن يحصل. ﴿يُعَمَّرُ﴾: يعيش؛ أي: يبقى في الدّنيا، ﴿يُعَمَّرُ﴾: بفتح العين، وتشديد الميم، وتدل على المبني للمجهول؛ لأنّ العمر ليس ملكاً للإنسان، والعمر كلمة مشتقة من العمار؛ لأنّ الجسد تعمره الحياة. والعمر كما نعلم هو السن، الذي يقطعه الإنسان بين ميلاده، ووفاته. ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾: أي: يعيش ألف سنة، والعرب كانت تضرب الألف؛ للمبالغة في العدد. ﴿وَمَا﴾: الواو، ما؛ النّافية. ﴿هُوَ﴾: للتوكيد. ﴿بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾: أي: ليس تعميره في هذه الدّنيا؛ أي:

стр. 169

بقاؤه في الحياة الدّنيا، وإن طال وبلغ ألف سنة، أو أكثر، فسوف يزحزحه؛ أي: يبعده، ويخلصه من نيل العقاب، أو العذاب، الذي يستحقه. ولماذا كانوا يتمنون أن يعمروا ألف سنة أو أكثر؟ إما لأنهم يخافون من عذاب الآخرة؛ الذي ينتظرهم لسوء أعمالهم، فلا يرون في الآخرة خيراً، وإما لأنهم لا يؤمنون بالبعث والحساب، ويرون أنّ الموت هو النهاية، فهم يطلبون أن يعيشوا أطول مدَّة. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: أي: الله سبحانه محيط، ومطلع على أقوالهم، وأفعالهم الظاهرة، والباطنة، ولا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، وقدَّم كلمة ﴿بَصِيرٌ﴾ على ﴿يَعْمَلُونَ﴾: لأنّ السياق في الأعمال الباطنة. ﴿بِمَا﴾: الباء؛ للإلصاق، وما اسم موصول بمعنى الذي، أو مصدرية؛ (أي: عملوا). ﴿يَعْمَلُونَ﴾: تضم الأقوال، والأفعال. سورة البقرة [٢: ٩٧] ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اليهود؛ إضافة إلى كفرهم، وعصيانهم، وقتلهم الأنبياء، وتحريفهم للتوراة، كذلك؛ كانوا يعادون جبريل ﵇، أقرب الملائكة إلى الله سبحانه. وسبب نزول هذه الآية؛ كما روى الترمذي، أنّ اليهود قالوا للنبي ﷺ : ليس هناك من نبي من الأنبياء إلَّا ويأتيه ملك من الملائكة، من عند ربه، بالرسالة، وبالوحي، فمن صاحبك حتّى نتبعك، ونصدقك؟ قال ﷺ : جبريل. قالوا: ذلك الذي ينزل بالحرب والقتال، ذلك عدونا، لو قلت: ميكائيل، الذي نزل بالقطر، والرحمة، لاتبعناك، فنزلت هذه الآية.

стр. 170

﴿قُلْ﴾: لهم، يا محمّد ﷺ ، لليهود. ﴿مَنْ﴾: ابتدائية استغراقية، تستغرق كلَّ من هو عدوٌّ لجبريل. ﴿كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾: واسم جبريل، له عدَّة ألفاظ: جبرائيل، جبريل، جبرين، وروح القدس. ﴿فَإِنَّهُ﴾: الفاء للتوكيد، وإن لزيادة التّوكيد؛ أي: جبريل ﵇. ﴿نَزَّلَهُ﴾: أي: القرآن الكريم، نزله: تعني هنا، بالتدرج، منجماً، ولم يقل: (أنزله): الّتي تعني دفعة واحدة. ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾: ولم يقل: عليك، وإنما قال: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾: لأنّ القلب هو الأصل، فلولا القلب؛ لما عمل العقل والدماغ. لأنّ منطقة الوعي، والإدراك والذاكرة، هي في الدماغ، وتسمى جهاز أولمبيك، ولولا القلب، وضخه للدم والأوكسجين، لتعطلت تلك المنطقة، ولما استطاع أن يذكر كلمة واحدة، إذن القلب هو القابل الحقيقي للوحي، ومحل الفهم، والحفظ، مجازاً عن الدماغ. ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٦) لمزيد من البيان. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بإرادة الله، وأمره، ومشيئته. ويستعمل بإذن الله للعمل الذي ليس لنا دخل، بل هو تدبير خارج عن إرادتنا. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: القرآن الكريم ﴿مُصَدِّقًا﴾: لما تقدَّمه، من الكتب السماوية؛ كالتوراة، والإنجيل. ﴿وَهُدًى﴾: ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة. ﴿وَبُشْرَى﴾: من البشارة، وهي الخبر السار، الذي يصل إليك لأول مرة،

стр. 171

أو الخبر السار، والسابق لكل خبر سواه، الخبر السار، الذي يؤدي إلى السرور والفرحة، الّتي تبدو على بشرة الإنسان، وعلى وجهه، وتسمى البشارة والبشر. ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام؛ لام الاختصاص. المؤمنين: جمع مؤمن؛ أي: مؤمن بالله، وبما أنزل، فالقرآن هدى، وبشرى لهم خاصة؛ لأنهم هم الذين، ينتفعون، ويعملون به. سورة البقرة [٢: ٩٨] ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾: ﴿مَنْ﴾: شرطية. ﴿كَانَ﴾: تشمل جميع الأزمنة؛ الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾: عدواً؛ من العداوة، وأصلها: الميل، والبعد، عمن تعادي، وإرادة الضر له، ومحاربته، وقهره، والعمل ضده. ﴿لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾: ﴿لِلَّهِ﴾: اللام لام الاختصاص، ولم يقل: لملائكته، ولرسله، وعطف الملائكة والرسل على الله، فمن يعادي أحداً من الملائكة، أو من الرسل، فكأنما عادى الله، وعادى كل الملائكة، وكل الرسل؛ فالله، وملائكته، ورسله، بما فيهم جبريل، وميكال، وحدة واحدة؛ لا تتجزأ. ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾: أليس جبريل وميكال من الملائكة؟ نعم، وإعادة ذكرهما؛ للتشريف، وعلو منزلتهما، وتعظيماً لهما، وهذا ما نسميه، عطف الخاص على العام. ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء للتوكيد، وإن لزيادة التّوكيد. ﴿اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾: ولم يقل: فإن الله عدوٌّ له، أو عدوٌّ لهم، وإنما قال:

стр. 172

﴿عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ﴾: حكم عليهم بالكفر؛ بسبب عداوتهم للملائكة، أو الرسل، وأثبت لهم صفة الكفر، (الكافرين): جملة اسمية تفيد الثبوت. ومن عادى واحداً من الملائكة، أو الرسل، كأنه عادى الله ، ودخل في الكفر. سورة البقرة [٢: ٩٩] ﴿وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية. لقد: اللام: للتوكيد، قد: أي: تحقق، وثبت الإنزال. ﴿أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾: الإنزال: يعني دفعة واحدة، و ﴿إِلَيْكَ﴾: ولم يقل: عليك، تعني: آيات للتبليغ، ولتنتهي إلى النّاس كافة، ومن اتبعك خاصة. ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: آيات واضحة في الأحكام، والحدود، والحلال، والحرام. ﴿وَمَا يَكْفُرُ﴾: ما: النّافية. ﴿يَكْفُرُ بِهَا﴾: أي: يجحد بها، ولا يؤمن بها، أو لا يصدقها، ويكذب بها. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: جمع فاسق، وهو الخارج عن طاعة الله ورسوله، أو الخروج عن الدِّين، أو الملَّة. ارجع إلى الآية (٢٦) من سورة البقرة لمزيد من البيان عن الفسق. سورة البقرة [٢: ١٠٠] ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿أَوَكُلَّمَا﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والتوبيخ؛ أي: لم يكتفوا بالكفر بالآيات البينات، وأيضاً كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم. ﴿أَوَكُلَّمَا﴾: مركبة من: كل وما المصدرية الظرفية، فهي أداة شرط، تفيد التكرار.

стр. 173

﴿عَاهَدُوا عَهْدًا﴾: تعريف العهد، ارجع إلى الآية (٢٧) من سورة البقرة. ﴿عَهْدًا﴾: نكرة، يعني: أي: عهد، مهما كان صغيراً أو كبيراً، وفي أي مسألة، أو أمر من الأمور كانوا ينقضونه، ولم يُوفوا به، إشارة إلى العهود، الّتي كانت بين رسول الله ﷺ ، وبين اليهود، على عدم نصرة المشركين ضد رسول الله، تلك العهود أبرمت مع بني قريظة وبني النضير. نقضوها: كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ﴾ [الأنفال: ٥٦]. ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾: النبذ؛ هو طرح الشيء، والاستهانة به، أو الاستغناء عنه، واستعمل كلمة النبذ أو الطرح؛ لأنّ العهود كانت تكتب في صفائح، وعندما كانوا يريدون أن ينقضوها، يطرحون أو يلقون تلك الصفائح أرضاً؛ إشارة إلى تخليهم عنها. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بل: للإضراب الانتقالي. ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: تعود على اليهود؛ أي: الغالبية، ولم يقل: الكل. ﴿لَا﴾: النّافية للجنس. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بمحمد ﷺ ، ولا بالقرآن، ولا بالتوراة، ولا بالعهود المبرمة. سورة البقرة [٢: ١٠١] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: ظرفية زمانية، بمعنى حين. ﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: ﴿رَسُولٌ﴾: نكرة، وإضافة من عند الله، حوله إلى معرفة، ولم يكتف بذلك، بل زاده تشريفاً وتكريماً، بقوله ﴿مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وهو محمّد ﷺ .

стр. 174

﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾: موافقٌ ومؤيدٌ؛ لما معهم؛ أي: التّوراة، من حيث التوحيد، والبعث، والإيمان بالله، وطاعته، وغيرها من الأحكام. ومصدقٌ لما في التّوراة، من أوصاف النبي، المبعوث في آخر الزمان. ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: ﴿نَبَذَ﴾: ارجع إلى الآية السابقة؛ لمعرفة معنى النبذ. ﴿فَرِيقٌ﴾: جماعة من الّذين أوتوا الكتاب، ولم يقل: أهل الكتاب؛ قوله: أهل الكتاب، فيها معنى التكريم، والتفضيل، والمدح، أما قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: فيدل على الّذين هم أقل درجة، وفضل من اليهود والنصارى. وقوله: ﴿فَرِيقٌ﴾: فهناك جماعات أخرى، وفرق أخرى، لم تنبذه، وقبلت به. ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾: قيل: التّوراة، ومنهم من قال: القرآن. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: عادة النبذ، يكون أمام الشخص، أو عن يمينه، أو يساره، أما كونهم نبذوه وراء ظهورهم، فكأنهم لا يريدون الالتفات، أو الاستماع إليه، وتذكره، أو كأنهم أعرضوا عنه، كاملاً، وكأنهم يريدون نسيانه. ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الكاف: للتشبيه، أنهم: للتوكيد، لا: النّافية. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: ببشارة محمّد ﷺ ، وصفاته، وزمن قدومه، أو كأنهم لا يعلمون ما جاء في التّوراة، أنه مطلوب منهم الإيمان بمحمد ﷺ ، وتصديقه.

стр. 175

سورة البقرة [٢: ١٠٢] ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: هذه الآية تتمة للآية السابقة. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾: بعد أن نبذ فريق من الّذين أوتوا الكتاب (أي: فريق من اليهود) كتاب الله (أي: التّوراة)، وراء ظهورهم، كأنهم لا يعلمون. ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا﴾: بدلاً من اتباع كتاب الله، اتبعوا ﴿مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ﴾ جاء بالفعل المضارع، الذي يدل على التجدد، والتكرار؛ لأنهم استمروا على قيامهم، بالسحر، وتصديقه، ولم يقل ما تلت الشياطين، وانتهى الأمر. ما تتلوا: التلاوة؛ أي: القراءة المتتابعة من كتب السحر والشعوذة. ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾: أي: اتبعوا كتب السحر والشعوذة في زمن سليمان وأراد اليهود أن يضلوا النّاس ويزعموا أنّ منهج سليمان مبني على السحر، ومصدره الشياطين.

стр. 176

﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾: فسليمان لم يتعلم السحر، ولم يعلم السحر لأحد، ولم يكفر، ومنهجه؛ منهج رباني، وليس من منهج الشياطين، الّذين يعملون له بإذن ربهم. وحين اتَّهمه اليهود بأنه يعلم السحر، أخذ سليمان كل كتب السحر، ودفنها تحت عرشه، وبعد موت سليمان عثرت الشياطين على مخبأ الكتب، فأخرجتها، وأذاعتها بين النّاس، وانتشر بين النّاس، أنّ سليمان كان يسيطر على الإنس والجن بسحره، وأنه ليس نبياً، وأنّ منهجه مبنيٌّ على السحر، وما تتلوه الشياطين. ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: ولكن حرف استدراك، وتوكيد، كفروا؛ لأنهم كانوا يعلمون النّاس السحر، واستمروا على ذلك حتّى أنّ أهل المدينة المنورة، كانوا يخافون من سحر اليهود. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: أما هاروت وماروت؛ اسمان أعجميان، لملكين من الملائكة، أنزلهما الله إلى الأرض؛ ليتعلم النّاس منهما علم السحر، والسحر: هو التمويه، وتخيل الشيء، بخلاف حقيقته، فالسحر لا يقلب حقيقة الشيء، بل يظل الشيء على حقيقته، ولكن السحر يقع للرائي، فيرى الأشياء على غير حقيقتها، فهو شيء مؤثر في النفوس، ومن خلال ذلك يستطيع المرء أن يفرق بين السحر والخوارق والمعجزات، الّتي تؤيد نبوة الرسل، وإزالة الشك من عقول النّاس، والتفريق بين السحر الباطل من الخوارق والمعجزات، الّتي قد تبدو كالسحر، وما هي من السحر، وكان لهما منهج واضح؛ كما يلي: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾: ﴿وَمَا﴾: النّافية. ﴿يُعَلِّمَانِ مِنْ﴾: ابتدائية، استغراقية.

стр. 177

﴿أَحَدٍ حَتَّى﴾: حتّى؛ حرف غاية نهاية الغاية. ﴿يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾: قد تؤدي إلى الكفر، فلا تكفر. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾: أي: السحرة، والشياطين، يتعلمون من الملكين هاروت، وماروت. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي. ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾: أي: بالبغضاء، أو الكره، الذي يؤدي إلى الطلاق، والتفريق بين المرء وزوجه. ﴿وَمَا هُمْ﴾: وما السحرة والشياطين بضاربين به بالسحر. ﴿بِضَارِّينَ﴾: للتوكيد، والباء للإلصاق، والتوكيد. ﴿بِهِ﴾: بالسحر، ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾: من: للتوكيد. ﴿بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: ولا يحصل الضرر إلّا بإذن الله، إلّا أداة استثناء، إلّا: بمشيئة الله، وإرادته، والسماح بذلك، وبإذن الله تستعمل للعمل الذي لا دخل لنا فيه ولا إرادة. بينما يستعمل ما شاء الله، أو شاء الله في الأعمال الّتي تقوم بها أنفسنا، أو نتدخل بها شخصياً. ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾: أي: تعلم السحر يضر، ولا ينفع، ومهما افترى الساحرون، أنه مهارة، وحرفة، أو للتسلية، أو ربح المال، أو فن، كل ذلك أكاذيب. ﴿مَا﴾: اسم موصول، بمعنى الذي يضرهم. ﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾: لها نفس المعنى، لا يضرهم، وتفيد زيادة التّوكيد، بعدم النفع، وجلب الضرر. وقدم دفع الضر على النفع في هذه الآية؛ لأنه أهم وأعظم

стр. 178

من جلب النفع؛ أي: الضر الناجم عن السحر أعظم من المنافع المادية التي قد تحصل نتيجة السحر. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو؛ عاطفة، لقد: اللام للتوكيد، قد: تحقق وثبت. ﴿عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: اللام: لام التّوكيد، والابتداء، من: بمعنى الذي. ﴿عَلِمُوا﴾: اليهود. ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: أي: اختار السحر، أو تعلمه. ﴿مَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: الخلاق: من الخلق؛ أي: التقدير، وتعني: النصيب فهي تفيد كلا المعنيين؛ أي: ما له في الآخرة من أي نصيب قُدِّر له، ومن: استغراقية للتوكيد؛ أي: عمله الصالح حابط، أو باطل. ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾: الواو عاطفة، واللام لبئس؛ للتوكيد، وبئس؛ فعل من أفعال الذم. ﴿مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾: باعوا به بالسحر أنفسهم؛ أي: اشتروا السحر، وباعوا أنفسهم. ارجع إلى الآية (١٦) من نفس السورة لبيان الفرق بين شرى واشترى. ﴿لَوْ﴾: شرطية. ﴿كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: ما ينتظرهم من عقاب. سورة البقرة [٢: ١٠٣] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع. ﴿أَنَّهُمْ﴾: أي: اليهود. ﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾: آمنوا بالتوراة، والإيمان الحق، وتركوا السحر، واتقوا الله؛ بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، لاستحقوا الثواب العظيم، أو آمنوا برسول الله، أو القرآن.

стр. 179

﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾: المثوبة هي الثواب على العمل الصالح، يقابلهما العقوبة على العمل السيِّئ، ومشتقة من ثاب: أي: رجع. وكلمة مثوبة؛ مأخوذة من نفس معنى كلمة ثوب، وجمعه ثياب، والثياب؛ قد تصنع من الصوف، فكانوا قديماً؛ يأخذون أصواف الغنم، فيعطونها لغيرهم لتغزل، وتنسج ثوباً، ثم تعود الأصواف إلى أصحابها كثوب، ولذلك؛ سمِّيت المثوبة؛ لأنّ الخير يعود على صاحبه بالنفع. والثواب يقال في الخير والشر، وفي الخير غالباً. ومثوبة نكرة، ولكن قوله: ﴿مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: تصبح أقرب إلى المعرفة. وأصل الجملة: ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا، ولكن أبدل لأثيبوا بمثوبة؛ فعبَّر بالجملة الاسمية، الّتي تفيد الثبوت والاستقرار بدلاً من الفعلية لأثيبوا. ﴿لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أنّ ثواب الله خيرٌ مما تعلموا من السحر وليس عندهم أي علم حقيقي، ولأنّ ما ادعوا أنه علم (أي: السحر)، سيكون حُجة عليهم؛ لأنهم لم ينتفعوا بعلمهم، وخالفوا أمر الله وكتابه، واتبعوا أهواءهم. سورة البقرة [٢: ١٠٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا﴾: أداة للنداء البعيد، والهاء للتنبيه. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء للذين آمنوا، الّذين هم على طريق الإيمان، بأمرٍ جديد. ﴿لَا﴾: الناهية. ﴿تَقُولُوا رَاعِنَا﴾: أي: راعنا سمعك؛ أي: اسمع لنا، ولا تعجل علينا، أو تأنَّ بنا، حتّى نفهم ما تقوله، ونحفظه، وتعني الرعاية؛ أي: تمهل بنا، وارفق بنا.

стр. 180

والسبب في نزول هذه الآية: أنّ المسلمين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! اسمع لنا، أو ترفق بنا، أو تمهل بنا. وكلمة راعنا في اللغة العبرانية تعني: سباً قبيحاً، أو بمعنى اسمع لا سمعت، وقيل: هي من الرعونة؛ أي: الجهل والحماقة. فلما سمع اليهود هذه الكلمة، أخذوا يخاطبون رسول الله ﷺ بها، قاصدين بها السب، والاستهزاء، يقولون: يا محمّد راعنا، ويضحكون. فجاء الأمر من الله سبحانه، بالنهي عن استعمال كلمة (راعنا)، لكي يحمي رسوله ﷺ ، من أي شتم، أو استهزاء، وأبدلها بلفظ آخر، هو ﴿انظُرْنَا﴾. ﴿وَقُولُوا انظُرْنَا﴾: أي: تأنَّ علينا، أو أمهلنا، أو أنظر إلينا، أو انتظرنا. ﴿وَاسْمَعُوا﴾: إلى ما يأمركم به الله ورسوله، وإلى ما ينهاكم عنه سمع طاعة. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: اللام؛ لام الاستحقاق أو الاختصاص. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾، ومنهم: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ لمن أذى رسول الله ﷺ ، وأساء إليه، وهذا تهديد ووعيد. سورة البقرة [٢: ١٠٥] ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: ﴿مَا﴾: النّافية؛ للحال، والمستقبل. ﴿يَوَدُّ﴾: من الود، وهو ميل القلب إلى ما يحبه. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أي: الّذين كفروا من اليهود والنصارى. ﴿مِنْ﴾: استغراقية، تستغرق كل الّذين كفروا.
следующие страницы →