Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
سورة المائدة [٥: ٢٧]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾:
المناسبة: بعد ذكر عصيان بني إسرائيل بعدم دخول الأرض المقدسة، على لسان موسى، ونقضهم المواثيق يأتي مثل آخر؛ عصيان ابن آدم لأمر الله بالزواج من أخته من الحمل الآخر، على لسان آدم، وقتله لأخيه، فيقول تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ﴾، واتل؛ أي: اقرأ، كلمة بعد كلمة، بالترتيب والتتابع، والتلاوة لا تكون إلا من كتاب الله، ولها أجر الحرف بعشر حسنات.
﴿عَلَيْهِمْ﴾: يا محمد، على قومك.
﴿نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ﴾: النبأ: هو الخبر العظيم، أو الخبر المهم، وهو أخص من الخبر؛ أي: الخبر أعم من النبأ، والنبأ فيه فائدة للمستمع.
﴿ابْنَىْ آدَمَ﴾: قابيل وهابيل.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: باء الإلصاق، بالحق: والحق: هو الشيء الثابت، الذي لا يتغير، فكل شيء منزل من عند الله ﵎ هو الحق -جل وعلا-، والله هو الحق ؛ أيْ: منزل من الحق؛ أيْ: بالصدق، لا تغيير فيه، ولا تبديل؛ لأن هناك أنباء غير صادقة تصدر من البشر فيها شك، وليست حقاً، وطالما هناك حق، هناك غير حق؛ أيْ: باطل.
ما هو النبأ؟ أوحى الله إلى آدم أن يزوِّج كلَّ واحد من أولاده توءَمة الآخر؛ فرفض قابيل الزواج من الأنثى من البطن الثاني؛ حيث كانت حواء تلد ذكراً وأنثى في كل حمل، فقال لهما آدم: قرِّبا قرباناً، فمن أيكما تُقبل؛ تزوجها، ففعلا ذلك،
стр. 1157
فتُقبل قربان هابيل؛ فازداد قابيل حسداً وسخطاً، فانتهى الأمر بأن قتل أخاه هابيل. ارجع إلى الآية (١٨٣) من سورة آل عمران؛ لبيان معنى القربان.
﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾: بمعنى حينما قرَّبا قرباناً، أو اذكر إذ قرَّبا قرباناً.
والقربان: هو ما يتقرَّب به العبد إلى الله تعالى، على وزن فعلان.
قيل: إن قربان هابيل كان من أجود غنمه (إذ كان صاحب غنم).
وقربان قابيل حزمة من سنبل، ومن أردأ زرعه (إذ كان صاحب زرع).
فتُقبِّل قربان هابيل، قيل: نزلت ناراً فأكلته، أو رفع إلى السماء، وأمّا قربان قابيل؛ فبقي مكانه، ولم يُتقبل. فقال: قابيل لهابيل؛ لأقتلنك.
﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾: تهديد من قابيل لأخيه بالقتل، والتأكيد جاء في اللام، وكذلك بزيادة النون، النون الثقيلة في كلمة: أقتلنَّك، بدلاً من قتلك.
قال هابيل: إنما: كافة ومكفوفة؛ تفيد التوكيد.
﴿يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾: جواباً على قوله: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾.
عزا تقوى الله سبحانه كونها هي السبب في تقبُّل القربان، فأيُّهما أتقى؛ يُتقبل منه.
سورة المائدة [٥: ٢٨]
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿لَئِنْ﴾: اللام: لام التوكيد، إن: شرطية؛ تفيد معنى الاحتمال، أو الندرة.
стр. 1158
﴿بَسَطْتَ﴾: أيْ: مددت إليَّ يدك لتقتلني، بسط اليد بالسوء، وبسطت: جملة فعلية تدل على التجدد والتكرار.
﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ﴾: ما: النافية. بباسط: الباء: للإلصاق، والتوكيد، وما أنا بباسط: جملة اسمية تدل على الثبوت؛ أي: لن أحاول قتلك مهما فعلت بي؛ لأني أخاف الله رب العالمين.
﴿يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾: يد واحدة.
انتبه إلى بسط إليَّ؛ تعني: بالشر، أما بسط له؛ فتعني: الخير، أو النفع، وعلل عدم الرد على أخيه بالسوء: ﴿إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿إِنِّى﴾: إن: للتوكيد.
﴿أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾: أضاف كلمة الله إلى الرب؛ للترهيب، وعدم ارتكاب جريمة القتل، أو تدل عظمة الخوف، والرهبة المستقرة في قلبه، وكأن بإمكانه الرد عليه قوة بقوة، فيقول: لا أريد أن أقتلك.
سورة المائدة [٥: ٢٩]
﴿إِنِّى أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ﴾:
﴿إِنِّى﴾: النون: للتوكيد.
﴿تَبُوءَ﴾: ترجع يوم القيامة حاملاً إثمين: إثمي، وإثمك. ارجع إلى سورة يونس، آية (٨٧)؛ لمزيد من البيان.
﴿بِإِثْمِى﴾: أيْ: إثم قتلك إياي، أو (إثم قتلي).
стр. 1159
﴿وَإِثْمِكَ﴾: إثم معاصيك في الدنيا غير القتل، والإثم: هو فعل الحرام؛ أي: القتل، وحدّه القصاص. ارجع إلى سورة النساء، آية (٩٢ - ٩٣)؛ لمزيد من البيان.
أو الإثم الأول: رفضك قبول الحكم، بما أمر الله سبحانه.
والإثم الثاني: هو قتلك إياي؛ أيْ: جريمة القتل.
﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: أصحاب: الملازمون للنار، لا يفارقونها، وهي لا تفارقهم.
﴿وَذَلِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ﴾: الواو: للتأكيد، وذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد، وتشير إلى كونهم من أصحاب النار.
﴿جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ﴾: دخول النار: هو جزاء الظالمين.
ويتبيَّن من هذه الآيات: أن هابيل حذر قابيل بثلاث مواعظ:
الخوف من الله، وبأنه سيحمل إثمين: إثم قتله، وإثم نفسه، وأنه سيكون من أصحاب النار، ومن الظالمين.
سورة المائدة [٥: ٣٠]
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
﴿فَطَوَّعَتْ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة. فطوعت: تشجعت نفسه، أو زيَّنت له نفسه أخيراً على قتل أخيه، فكل نفس لها ملكتان: ملكة الخير، وملكة الشر، وملكة الشر: خاضعة لوسوسة الشيطان والهوى؛ فطوعت: يدل على تردد طويل واستعداد نفسي، ثم الإقدام على القتل؛ تردد في نفس قابيل على قتل هابيل بين دافع الحسد من أخيه ودافع الخوف.
стр. 1160
فحينما تتغلب ملكة الشر على ملكة الخير يحدث الإثم.
﴿فَقَتَلَهُ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، وعدم التردُّد. وقيل: كانت هذه أول جريمة قتل تحدث على الأرض.
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: الفاء: للتوكيد أصبح قابيل من الخاسرين في الدنيا والآخرة؛ أي: الخاسرين لأنفسهم؛ بإدخالها النار وإهلاكها.
سورة المائدة [٥: ٣١]
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾:
بعد أن قتل أخاه، لم يدرِ ما يصنع به، فحمله على ظهره؛ كما قيل زمناً.
﴿فَبَعَثَ﴾: أيْ: أرسل غراباً، وهناك فرق بين بعث وأرسل؛ البعث: فيه تنبيه وإثارة. ارجع إلى سورة البقرة آية (١١٩) لمزيد من البيان.
﴿يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ﴾: ينبش الأرض، ويحفرها بمنقاره ورجليه؛ ليدفن؛ أيْ: ليواري غراباً آخر كان قد قتله.
﴿لِيُرِيَهُ﴾: ليعلمه كيف يواري: يستر ويخفي.
﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾: جثة أخيه، والسوءة: ما يسوء ظهوره؛ أيْ: جثة أخيه، والسوءة عادة هي القبل والدبر، أمّا العورة: فهي ما بين السرّة والركبة.
﴿قَالَ يَاوَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾:
﴿قَالَ يَاوَيْلَتَى﴾: من الويل: وهو الهلاك، والفناء، والياء: ياء النداء؛ أيْ: كأنك تنادي: يا هلاكي، احضر وخلصني ممّا أنا فيه من الغمّ والهمّ، والويلة:
стр. 1161
الفضيحة، والعار، والبلية؛ أيْ: وافضيحتاه! وكأنه يطلب حضورها، وأمّا يا ويلتي، فيا عذابي.
﴿أَعَجَزْتُ﴾: الهمزة: استفهام تعجُّبي.
﴿أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التعليل.
﴿فَأُوَارِىَ سَوْءَةَ أَخِى﴾: أيْ: كيف فاتني؟!، ولم أعرف أن أدفن جثة أخي، وأواريها في التراب، كما فعل هذا الغراب، والغراب: من أذكى الطيور، حاد الذاكرة، شديد الحذر، والغراب يدفن موتاه، وهذا هو السر من ذكر الغراب هنا، وللغربان نظم اجتماعية، ومحاكم، وأحكام تنظم حياتها، كما أن للناس نظماً اجتماعية، وأحكاماً تنظِّم حياتهم.
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾: الفاء: تدل على التعقيب، سرعة ندمه.
الندم: هو الأسف وهو من أفعال القلوب، وله درجات وعندما يشتد يتحول إلى حسرة؛ فالحسرة هي أشد الندم، والندم ناتج فقط عن فعل العبد، والأسف قد يكون ناتجاً عن فعل العبد، أو فعل غيره.
﴿النَّادِمِينَ﴾: على قتله أخيه، أو على خيبته؛ لأنه لم يعرف ما عرفه الغراب، ومجرد الندم لا يُعد توبة للقاتل العمد.
стр. 1162
سورة المائدة [٥: ٣٢]
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾: من لابتداء الغاية.
﴿مِنْ أَجْلِ﴾: أيْ: بسبب ذلك.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ يشير إلى قتل قابيل لأخيه هابيل ظلماً، وما حصل من فساد.
﴿كَتَبْنَا﴾: حكمنا، أو شرعنا.
﴿عَلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: في التوراة، والكتابة جاءت في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ﴾ [المائدة: ٤٥]، والسؤال هنا نربط بين قتل قابيل لهابيل، وتحذير بني إسرائيل من قتل أي نفس مع أن هناك أقواماً جاءوا قبل بني إسرائيل قد يكون السبب لكونهم ممن فضلهم الله على العالمين في ذلك الزمان وأنزلت على موسى التوراة وكانوا يقتلون أنبيائهم بغير حق ويُعد ذلك من أبشع القتل فجاء يحذرهم في هذه الآيات ويذكرهم بما حصل لابني آدم، ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾: أن: للتوكيد، من: شرطية.
﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾: أيْ: قتل نفساً ظلماً، وعدواناً، أو بغير سبب موجب للقصاص، الذي شرَّعه الله تعالى.
﴿أَوْ فَسَادٍ فِى الْأَرْضِ﴾: والفساد: هو إهلاك الحرث، والنسل، والكفر،
стр. 1163
والشرك، وقتل الأبرياء، وتشريدهم، وإثارة الفتن. ارجع إلى الآية (٢٠٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
﴿فَكَأَنَّمَا﴾: الفاء: جواب الشرط.
﴿فَكَأَنَّمَا﴾: الكاف: للتشبيه، ولم يقل: كأنه، وإنما قال: كأنما بزيادة ما؛ لتوسع دائرة التشبيه، وبيان شناعة فعل القتل.
﴿قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾: جميعاً: توكيد.
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: ومن: الواو: استئنافية، من: شرطية ابتدائية.
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾: تعود على النفس. أحياها: أنقذها من أسباب الهلكة؛ أيْ: أبقاها حية، أنقذها من الموت؛ كالغرق، والحريق، والقتل.
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾: كالسابقة.
إذن لا فرق بين قتل الواحد، وقتل الجميع، ولماذا ذلك؟ لتعظيم أمر قتل النفس البشرية، ولا فرق بين إحياء الواحد، وإحياء الجميع.
ولو عقلَ كل قادم على قتل نفس بريئة معنى هذه الآية؛ لربما كفَّ عن قتله وفساده، تجنباً ودرءاً لغضب الله عليه، ولعنة الله، والعذاب العظيم في جهنم.
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق، وزيادة التوكيد.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾: ولم يقل: رسلهم، وذلك لأهمية الأحكام التي جاءت بها الرسل، نسب الرسل إليه تعالى، وشرفها بنون العظمة، ولكون الآيات لم تأتي في سياق الأقوام وتكذيبهم وجدالهم مع رسلهم.
стр. 1164
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ﴾: كثيراً من الناس، أو تعود على بني إسرائيل، بعد مجيء الرسل إليهم، وبعدما كتبنا لهم وبيَّنا لهم الآيات.
﴿فِى الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾: اللام: لام التوكيد، مسرفون: جمع مسرف، مسرفون في القتل، أو مسرفون في ظلمهم وطغيانهم، وارتكاب المعاصي.
ومسرفون: جملة اسمية تدل على الثبوت على الإسراف في القتل والظلم. وقدم في الأرض بدلاً من القول لمسرفون في الأرض للفت الأنظار إلى عظم فسادهم في الأرض التي يعيشوا عليها.
سورة المائدة [٥: ٣٣]
﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد.
﴿جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أيْ: يحاربون دِينه ورسله، ويحاربون المؤمنين؛ كأنهم يحاربون الله ورسوله.
﴿يُحَارِبُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ لتدلّ على التكرار، والتجدد، والاستمرار، يحاربون الله ورسوله؛ أي: يحاربون شرعه ويعتدون على أحكامه ويحاربون بالقول، أو الاعتداء على المؤمنين.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾: بالقتل، وإهلاك الحرث، والنسل، ونشر الكفر، والشرك، وإرهاب الناس، والاعتداء على حرماتهم، وأموالهم، وأعراضهم، وتهديم بيوتهم، وتشريدهم.
﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التوكيد والتعليل.
стр. 1165
﴿يُقَتَّلُوا﴾: ولم يقل: يقتَلوا. يقتَّلوا: فيها مبالغة في القتل؛ أيْ: من دون أن تأخذكم بهم رأفة، أو رحمة، ومهما كان عددهم، أن يقتلوا على مرأى من الناس واحداً تلو الآخر.
﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾: أو: تعني: إما البيان، أو التخيير في الحكم.
﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ﴾: اليد اليمنى، والرجل اليسرى مثلاً، أو بالعكس.
﴿أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾: وينوب عن ذلك الحبس؛ أي: السجن؛ حتى ينجو الناس من شرِّهم وأذاهم.
﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ يعني: ذلك الجزاء المذكور من القتل، والصلب، والنفي.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاستحقاق، والاختصاص.
﴿خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا﴾: الخزي: الذل، أو الفضيحة، وهو نزول العقوبة بهم في الدنيا من القتل، والصلب، والنفي، هو خزي لهم في الدنيا.
و ﴿وَلَهُمْ﴾: اللام: لام الاستحقاق ﴿فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: وهو عذاب النار، المؤلم، الدائم، المهين، المقيم، والعذاب العظيم: هو أشد أنواع العذاب في الآخرة.
سورة المائدة [٥: ٣٤]
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء، يستثنى من هؤلاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً.
﴿الَّذِينَ تَابُوا﴾: جاؤوا تائبين، قبل أن تلقوا القبض عليهم، وتنفذوا حكم الله فيهم، كانوا خلال تلك الفترة في منعة، ولم تتمكنوا من القبض عليهم.
стр. 1166
﴿تَابُوا﴾: أيْ: تابوا توبة، صادقة، خالصة لوجه الله، لا تحايلاً، وهرباً من العقوبة، وكفوا عن المحاربة، والإفساد، وندموا على ما فعلوه، وأصلحوا ما أفسدوه، وأكثروا من الأعمال الصالحة، والنوافل، والتوبة تسقط حقَّ الله تعالى، وأما حقوق العباد فلا بُدَّ من إرجاعها إلى أصحابها، وردّ الأموال المسلوبة، ومعاقبتهم على أعمالهم.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ﴾: أن: للتوكيد.
﴿غَفُورٌ﴾: غفور لذنوبهم، صيغة مبالغة من غفر يغفر الذنوب مهما كانت، أو عظمت وتعددت؛ إلا الكفر والشرك، ولا يعاقب على الذنب مهما عظم، أو كثر.
﴿رَحِيمٌ﴾: بإسقاط العقوبة عنهم، وقبول التوبة، وصفة الرحمة ثابتة لذاته، ومن تاب بعد القدرة عليه إلقاء القبض عليه والسجن، فالتوبة عندها لا تنفع، ويقام عليه الحد. ارجع إلى كتب الأحكام؛ لمزيد من البيان.
سورة المائدة [٥: ٣٥]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين هم على درب الإيمان، والهاء: للتنبيه.
﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: اتقوا عذاب الله تعالى، وغضبه، وجبروته، باتباع أوامره، وتجنب نواهيه بالكف عن المحارم، وترك المنهيات.
﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾: اطلبوا أو التمسوا إليه الوسيلة.
﴿الْوَسِيلَةَ﴾: القرب أو الشيء الذي يتقرب به إلى الله تعالى؛ للحصول على مرضاته ونيل جنته، وقيل: الوسيلة أعلى درجة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ ، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، والله أعلم.
стр. 1167
كما ورد في الحديث الشريف الذي رواه أحمد، ومسلم من حديث عبد الله بن عمر: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذن؛ فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليَّ؛ فإنه من صلَّى عليَّ صلاة؛ صلَّى الله عليه عشراً، ثم سلوا لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون هو، فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة».
﴿وَجَاهِدُوا فِى سَبِيلِهِ﴾: جاهدوا في سبيل إعلاء دِينه.
ويشمل جهاد النفس عن شهواتها، وأهوائها، وجهاد الشيطان، بفعل الحسنات، وترك السيئات.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لعل: أداة رجاء؛ تستعمل في الأمور المرجو تحققها. لعلكم تفلحون: بتقديم الأسباب الأخرى كذلك المؤدِّية إلى الفلاح إضافة إلى الجهاد في سبيله؛ أيْ: لتفلحوا، والفلاح: هو الفوز بسعادة الدارين. ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
وبعد أن أمر الله المؤمنين بالتقوى، والجهاد في سبيله، أخبر بما أعده لأعدائه.
سورة المائدة [٥: ٣٦]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جحدوا بالله، وآياته، ورسله، ووحدانيته، وماتوا وهم كفار، ولم يتوبوا.
﴿لَوْ أَنَّ﴾: لو: شرطية. أن: للتوكيد.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
﴿مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: لهم يوم القيامة على سبيل الفرض، ما في الأرض:
стр. 1168
من مال، وذهب، وفضة، ومتاع، وحرث، وأنعام، وغيرها من وسائل رغد العيش والملك.
﴿جَمِيعًا﴾: توكيد.
﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾: أيْ: مثله، أو ضعفه معه.
ولو جاء أحدهم؛ أي: الكفار به يوم القيامة؛ ليفتدي به من عذاب الله، أو من كفره ما تُقبِّل منه.
﴿لِيَفْتَدُوا﴾: اللام: لام التعليل، والفداء: هو ما يُعطى، أو يجعل بدل الشيء؛ ليعود إلى حاله التي كان عليها بالمثل، أو أقل.
ولم يقل: لافتدوا به: ليفتدوا به؛ لأنهم ما زالوا على قيد الحياة الآن، ليفتدوا به في المستقبل؛ أيْ: يوم القيامة، بينما (لافتقدوا به): تشير إلى أنهم في الآخرة؛ أي: تأتي في سياق الآخرة، كما ورد في سورة الرعد الآية (١٨)، وسورة الزمر الآية (٤٧)، وسورة يونس الآية (٥٤). وانظر إلى قوله تعالى: (ليفتدوا به) ولم يقل: بهما، مع أن الهاء في (به) تعود على أمرين ما في الأرض ومثله معه، والسبب في ذلك إذا لم يجدي الافتداء بما في الأرض فلم يبقى جدوى للافتداء بمثله معه.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: شديد الإيلام، بالكيفية، والمقدار، والديمومة.
стр. 1169
سورة المائدة [٥: ٣٧]
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾:
﴿يُرِيدُونَ﴾: أي: الذين كفروا، والنون: للتوكيد.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التوكيد، يخرجوا من النار.
﴿وَمَا﴾: ما: النافية؛ تنفي الحال، والمستقبل.
﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد والحصر.
﴿بِخَارِجِينَ﴾: الباء: للتوكيد.
فقد استعمل ثلاثة توكيدات لعدم خروجهم من النار: النون، وهم، والباء.
﴿وَلَهُمْ﴾: اللام: للاستحقاق، هم: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: عذاب دائم، لا يتغير، ولا يزول، ولا يحول، ولا يبدل.
سورة المائدة [٥: ٣٨]
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾: قدَّم السارق على السارقة؛ لأن الرجل أجرأ على السرقة غالباً من المرأة.
بعكس الزِّنى؛ فقد قدَّم المرأة على الرجل؛ لأن المرأة أجرأ على الزِّنى من الرجل.
وتعريف السرقة في الشرع: أخذ العاقل البالغ مقداراً مخصوصاً من المال
стр. 1170
خفيةً، من حرز (دار أو خيمة)، دون حق، واختلف في المقدار بين الفقهاء، وفي الشروط التي تتوافر في السارق والمال المسروق. ارجع إلى كتب الفقه؛ لمزيد من البيان.
﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾: القطع يكون من الرسغ، كما قال الجمهور، واليد اليمنى. انظر كيف جمع اليد فقال أيدي، ثم ثنى الجمع فصارت أيديهما لتشمل الذكر والأنثى.
وقد رُوي عن النبي ﷺ قوله: «ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم» رواه الترمذي.
﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾: مجازاة على ظلمهما؛ أي: السرقة.
﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾: أيْ: عقوبة من الله للسارق، والسارقة، قد تجعل غيرهما لا يُقدِم على السرقة؛ أيْ: عبرة؛ فالنكال تعني: العقوبة والعبرة التي تصد المعاقب عن العودة إلى ما ارتكبه من الإثم أو الجرم.
وسُمِّيت العقوبة: نكالاً، والنكل: هو القيد الشديد، أو حديدة اللجام، التي تمنع الفرس من القيام بعمل غير مستحب.
فاقطعوا أيديهما: فهو عبرة مانعة من وقوع الجرم (السرقة)، سواء لمن ارتكب السرقة، أو لمن يشاهد كيف يقام الحدُّ على السارق.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾: القوي؛ الذي لا يُقهر، ولا يُغلب، المنيع لا يضره شيء.
﴿حَكِيمٌ﴾: في تدبر شؤون خلقه، وكونه، وفي تشريعه، وأحكامه، فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة.
стр. 1171
سورة المائدة [٥: ٣٩]
﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿فَمَنْ تَابَ﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية.
﴿تَابَ﴾: استوفى أركان التوبة: الندم، وعدم العودة إلى السرقة، والإصلاح، والإكثار من العمل الصالح، وإرجاع الحقوق إلى أهلها.
﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾: سمِّي السارق ظالماً؛ لأنه أخذ حقّ غيره. من: تفيد القرب في الزمن.
﴿وَأَصْلَحَ﴾: أيْ: أصلح ما أفسد.
يُعيد الشيء المسروق إلى صاحبه، ويطلب العفو من صاحب الشيء المسروق، إن كان يعرفه، أو يعرف عنوانه، وإن لم يعرفه، ويعرف عنوانه، ثم تاب، عندها يتصدّق بما سرق، ولا يعتبر صدقة له، بل لصاحب المال المسروق، ويقول: يا رب! ثواب ذلك لصاحب الشيء المسروق، وليعلم أن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة، وليس من الضروري أن يذكر عنوان السارق، بل يقول: هو من مجهول إذا أرجع الشيء المسروق إلى صاحبه.
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: للتوكيد، إن: لزيادة التوكيد.
﴿اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾: أيْ: يتقبل توبته.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: توكيد.
﴿غَفُورٌ﴾: غفور للسارق إذا تاب وأصلح، غفور: المغفرة تسبق الرحمة، غفور؛ كثير الغفر (صفة مبالغة)، مهما عظمت، وتعددت الذنوب والآثام.
﴿رَحِيمٌ﴾: صفة ثابتة في ذاته -جل وعلا-، مشتقة من الرحمة، رحيم لمن تاب من بعد السرقة ﴿وَأَصْلَحَ﴾: وعاد إلى درب الإيمان، واستقام عليه.
стр. 1172
سورة المائدة [٥: ٤٠]
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾:
لم يقل: الله له ملك السموات، بل قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾؛ لأنه -جل وعلا-: يريد أن يكون الخبر قادماً من المخاطب، وليس منه، ويكون إقراراً من العبد، ولو قال الله : له ملك السموات والأرض؛ لكان الخبر منه سبحانه، وهذا يكفي، ولكن قوله ألم تعلم: بصيغة الاستفهام بدلاً من الإخبار؛ أشد، وأقوى تأثيراً في نفس العبد، وتعني: ألم تعلم علماً يقينياً، أو أعلم علماً يقينياً ما أخبرك الله به هو الحق الثابت.
﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ﴾: أن: للتوكيد، له: اللام: لام الملكية والاستحقاق.
﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: الحكم، فهو الحاكم، والمالك.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾: فهو الغالب على أمره، ويغفر لمن يشاء.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: يعذب، أو يقطع، أو يغفر لمن تاب، وأصلح، كامل القدرة، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
وقدَّم العذاب على المغفرة في هذه الآية: للتحذير، وعدم الطمع في رحمة الله عند السرقة أو ارتكاب الأعمال المحرمة. ارجع إلى الآية (١٨) من سورة المائدة.
سورة المائدة [٥: ٤١]
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ
стр. 1173
اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾: الياء: ياء النداء، والهاء: للتنبيه.
وحينما ينادي -جل وعلا- أشرف أنبيائه ورسله؛ فهو ﵎ يناديهم بأسمائهم.
فيقول: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّءْيَا﴾، ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾، ﴿يَامُوسَى إِنِّى أَنَا اللَّهُ﴾، ﴿يَاعِيسَى﴾.
ولكن حين ينادي رسوله محمد ﷺ ، لا يناديه باسمه أبداً، بل يناديه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾: تعظيماً، وتكريماً له؛ إلا في حالات أربعة خاصَّة؛ فقد استعمل اسمه (محمد)؛ كقوله: ﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢]، وورد اسم أحمد مرةً واحدةً في القرآن ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
أمّا متى يستعمل: يا أيها الرسول، أو يا أيها النبي؟
في سياق التبليغ والدعوة: يستعمل يا أيها الرسول، وفي سياق الأحكام، وافعل، ولا تفعل: يستعمل يا أيها النبي.
وقد وردت يا أيها النبي (١٣) مرَّة، وأمَّا يا أيها الرسول؛ فمرَّتين فقط، وكلاهما في سورة المائدة، الآية (٤١)، والآية (٦٧).
وكلمة النبي أعمَّ من كلمة الرسول.
﴿لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾: لا: الناهية.
﴿يَحْزُنكَ﴾: الحزن: هو غمّ، يصيب النفس لرؤية، أو سماع ما يسوء إليها،
стр. 1174
وتكرهه، ولِمَ لا يحزن رسول الله ﷺ ؛ فقد جاء ﵇ مبلغاً للرسالة، حريصاً على إيمان كل فرد، فهذا الحرص كان يدفع قلبه للشعور بذلك، وخاصَّة لما بُعث رحمة للعالمين، وهناك فرق بين الحُزن، والحَزن. ارجع إلى الآية (١٣٩) من سورة آل عمران؛ للبيان.
انتبه إلى قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾: الإسراع: هو الجري أو العدو في الكفر، ولم يقل: يسارعون إلى الكفر، بل قال تعالى: ﴿يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ هم من المنافقين ومن الذين هادوا.
وقوله (في الكفر): تدل على أنّهم كانوا في الكفر، (كانوا منذ البداية، ويريدون أن ينتقلوا إلى كفر أعمق أو أشد)، أو في ازدياد. والمسارعة في الكفر تعني أيضاً: إظهار كفرهم عند أي أدنى مناسبة.
وأما (إلى)؛ فإنها تدل على أنهم كانوا خارج دائرة الكفر، والآن يريدون أن يكفروا، ويصبحوا كفاراً. ويسارعون فيها معنى شدة الحرص على المسارعة، وكثرتها، وتكرارها، وبذل قصارى جهدهم بدلاً من القول يسرعون.
﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾:
هذا التعريف ينطبق تماماً على المنافقين. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٣٨)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾: أيْ: دخلوا في اليهودية، ولم يقل: من بني إسرائيل؛ لأن هؤلاء جاؤوا بعد بني إسرائيل، وهم طبقة أقل صلاحاً، وإيماناً من بني إسرائيل.
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: أيْ: لما وقع في التوراة من تحريف وتبديل، أو الكذب الذي يقولونه بأفواههم بشأن الرسول والمؤمنين.
стр. 1175
قال: ﴿سَمَّاعُونَ﴾: وليس (سامعون)؛ لأن ﴿سَمَّاعُونَ﴾: فيها مبالغة، وتدل على احترافهم المهنة لمدة طويلة، فهم أهل خبرة، وحرفة في الاستماع إلى الكذب، وليسوا طلاباً (سامعين)، فآذانهم اعتادت السماع للكذب، وأصبح ذلك من صفاتهم الثابتة، سماعون للكذب من رؤسائهم، وكذلك سماعون لقوم آخرين.
﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾: لا يأتون إلى مجالسك؛ تكبراً، حتى لا يضعف مركزهم أمام أتباعهم، إذن هؤلاء هم المتكبرون من الرؤساء وغيرهم.
﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾: الكلم: هو جمع كلمة؛ أيْ: كلام الله؛ أي: التوراة؛ ارجع إلى سورة النساء آية (٤٦) لمزيد من البيان في معنى الكلم؛ أيْ: يحرفون التوراة مرة ثانية، أو أخرى في زمن الرسول،
وأما المرة الأولى: فقد كانت بعد موت موسى ﵇، وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
فهناك فرق بين قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.
والتحريف: يعني: تغيير المعنى، وتحميل الألفاظ غيرَ ما وُضعت له، مثل قولهم: ﴿رَاعِنَا﴾، ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾. ارجع إلى الآية (١٣) من سورة المائدة، وسورة النساء، آية (٤٦)؛ لمعرفة الفرق بين الآيتين.
﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾: إن شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الندرة.
يقولون: إن طابق ما حرَّفناه على ما جاء به محمد ﷺ ؛ فخذوه؛ أي: اقبلوه،
стр. 1176
وإن لم يطابق ما حرفناه على ما جاءكم به محمد؛ أيْ: جاءكم بغيره؛ أي: احذروا قبوله، والسماع إليه، وتطبيقه.
﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية، من: شرطية.
﴿يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾: أيْ: إضلاله، أو اختباره، وابتلاءَه بالتعذيب بالنار، أو عدم هدايته؛ لأنه اقترف الذنوب، والآثام، والكبائر، والله سبحانه لا يُضل أحداً، وأما إذا أراد أحدٌ أن يضل بنفسه وغيره عن منهج الله سبحانه، ويبتعد كثيراً؛ فلن تستطيع مساعدته.
﴿فَلَنْ﴾: الفاء: للتوكيد، لن: لنفي المستقبل القريب والبعيد.
﴿تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: لن تستطيع تغيير ذلك، ولا يحزنك مسارعته في الكفر، فمحاولة هدايته، أو منعه من العذاب مستحيلة، ولا تفيد أبداً.
﴿لَهُ﴾: تفيد الحصر، من: استغراقية، شيئاً: نكرة: هو أقل القليل؛ أيُّ شيء مهما كان من الهداية، أو النصح.
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ غرضه التحقير.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول؛ يفيد التوكيد على عدم طهارة قلوبهم من المنافقين واليهود.
﴿لَمْ يُرِدِ اللَّهُ﴾: لم: حرف نفي وجزم، لم يشأ الله سبحانه، والإرادة تكون بعد المشيئة، ولا تتغير، وتعني: العزم على القيام بالفعل.
стр. 1177
﴿يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾: من دنس الكفر، والشرك، والنفاق، والحسد، بطهارة الإيمان والإسلام.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاستحقاق والاختصاص.
﴿فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾: الخزي: هو الذل مع الافتضاح، وقيل: هو الشيء القبيح الذي تكره أن يراك الناس عليه، ويشمل الهزيمة، والخسارة، والقتل، والجلاء، والسبي.
﴿وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: يجمع كل أنواع العذاب (الألم، والمهين، والمقيم، والثابت)، وهو أشد أنواع العذاب على الإطلاق.
وتكرار ﴿وَلَهُمْ﴾: مرتين؛ يدلُّ على التوكيد، وفعل كل منهما على حدة، أو معاً.
стр. 1178
سورة المائدة [٥: ٤٢]
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾:
﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: سمّاعون: صفة مبالغة للسماع؛ أيْ: كثيرو السمع للكذب.
﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾: أكّالون: صيغة مبالغة للأكل، واللام في كلمة للسحت: للتوكيد، والسحت: هو أشد، أو أبلغ الحرام.
﴿أَكَّالُونَ﴾: أيْ: بشراهة، وبكثرة الأكل.
﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾: آخذون المال غير الحلال؛ مثل: الرشوة في الحكم، أو الدَّين، والرِّبا، والسرقة، والميسر، بكثرة. ارجع إلى الآية (٦٣) من سورة المائدة؛ لمزيد من البيان.
وأصل السحت: الهلاك، والزوال؛ كقوله سبحانه: ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾؛ أيْ: يهلكهم بعذاب، والسحت يسحت البركة؛ أيْ: يزيلها إذا اختلط بأي مال يسحت؛ أيْ: يزيل بركته، ولا يدوم طويلاً.
стр. 1179
﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾: الفاء: استئنافية. إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، وقلَّة المجيء.
﴿جَاءُوكَ﴾: المجيء فيه نوع من المشقة والجهد، ولم يقل: فإن أتوك، الإيتاء فيه سهولة وراحة، جاؤوك لحاجة لهم، أو لتحكم بينهم، جاؤوك وهم متردِّدون.
﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ﴾: الفاء: للتعقيب، والترتيب، احكم بينهم: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، لك الخيار بأحد الأمرين؛ أيْ: إنك لست ملزماً بالحكم، أو أعرض عنهم لا تلقاهم، ولا تجتمع بهم.
﴿وَإِنْ تُعْرِضْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية، تعرض عنهم: أيْ: لا تحكم بينهم، وتراهم.
﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾: لن: النافية للمستقبل القريب والبعيد.
﴿يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾: شيئاً: نكرة، أيُّ شيء، والشيء: هو أقل القليل، صغيراً، أو كبيراً، ومهما كان نوع الضرر.
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ﴾: إن: شرطية تدل على الاحتمال والندرة.
﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، احكم: افصل بينهم بالقسط، الباء: للإلصاق والتوكيد، أو اقضِ بينهم، ولم يقل: فاحكم بينهم بالعدل، وإنما قال بالقسط؛ لأن القسط: هو الحكم بالعدل مع تنفيذ الحكم، وعدم الجور، فالقسط: أعم وأشمل من العدل، والعدل يكون في الأشياء المعنوية، والمادية.
стр. 1180
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: جمع مقسط، من أقسط: أيْ: عدل، ولم يُجرْ، ويظلم. ارجع إلى سورة النساء آية (٣) لمزيد من البيان في القِسط.
سورة المائدة [٥: ٤٣]
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَكَيْفَ﴾: الواو: استئنافية.
﴿وَكَيْفَ﴾: اسم استفهام، فيه معنى التعجب من اليهود على تحكيم رسول الله ﷺ ، وعندهم التوراة.
﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾: ولم يقل: يحكموك، بل يحكمونك؛ بزيادة النون: للتوكيد؛ لتوكيد التحكيم؛ أيْ: مصرّون على تحكيمك، وعندهم التوراة فيها حكم الله، فالسؤال هنا: لماذا يحكمونك، ويتركون حكم التوراة التي يعتقدون بصحتها؟!
أهم يبحثون عن حكم آخر؛ لأن حكم التوراة لا يوافق رغباتهم؟!
أم يريدون حكماً أيسر، أو أخف مثل الجلد بدلاً من رجم المحصن؟!
وأيضاً كيف يحكمونك، وهم لا يقرون أنك نبي، ويجحدون نبوتك، ولا يؤمنون بالقرآن؟!
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: من بعد تحكيمك، ويرفضون حكمك بالرجم الموافق لحكم التوراة.
﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: من بعد تحكيمك.
стр. 1181
﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾: ولم يقل: تولوا: تدل على أنهم مستمرون في التولي والإعراض، ولن ينتهوا، ويكفوا عن ذلك.
﴿وَمَا﴾: الواو: حالية؛ تفيد التوكيد.
﴿وَمَا﴾: النافية.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ ينفي عنهم الإيمان.
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾: الباء: للإلصاق، وما أولئك بالمؤمنين؛ أي: المصدقين بك، ولا بحكمك، ولا بحكم التوراة، أو بالمؤمنين الإيمان الحقيقي.
سورة المائدة [٥: ٤٤]
﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِئَايَاتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾:
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿أَنزَلْنَا﴾: جملة واحدة، دفعة واحدة، أنزلنا التوراة على موسى ﵇.
﴿فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾: مصدر للهداية، أو هادياً للحق وللغاية.
﴿وَنُورٌ﴾: يُبيِّن الأحكام ليخرج به الذين هادوا من الظلمات.
١ - ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾: يحكم بها النبيون؛ من بني إسرائيل؛ الذين أسلموا لله تعالى؛ أي: انقادوا لأوامر الله، وأخلصوا لله تعالى، واستجابوا له.
стр. 1182
والسؤال هنا: لم قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾؟ أليس جميع الأنبياء من المسلمين؟
٢ - أو ﴿أَسْلَمُوا﴾: معناه: أخلصوا إسلامهم (إسلام الوجه)، وهو أعلى درجات الإسلام، والتوحيد، أو تعني ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾: أمثال الذين جاؤوا من بعد موسى ﵇ من أنبياء بني إسرائيل، وعيسى ﵇.
يحكم بالرجم على المحصن، وغيرها من الأحكام.
﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾: اللام: لام الاختصاص، هادوا: دخلوا في اليهودية.
﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾: جمع ربّاني، والربّاني: منسوب إلى الربّ؛ الذي يربي الناس؛ أي: المربي الذي يمتاز بالعلم بأمور الدِّين، والدنيا، والفقه، والحكيم، التقي، والتدبير بأمور الرعية، يعلم الناس ما يصلحهم في دنياهم ودينهم.
والربانيون: هم فوق الأحبار، وقيل: هم العُبّاد من اليهود.
﴿وَالْأَحْبَارُ﴾: هم العلماء من أهل الكتاب؛ أيْ: علماء اليهود، واحدهم الحبر؛ الذي يتمثل فيه الجمال والبهاء.
﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق.
﴿اسْتُحْفِظُوا﴾: تعود على الربانيين والأحبار.
﴿اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾: الألف والسين والتاء: تعني: الطلب؛ أيْ: طُلب منهم أن يحفظوا التوراة من التحريف، والتغيير، والتبديل، أو طلب منهم أن يحفظوا التوراة في صدورهم، وأن لا يضيعوا أحكامها وينسوها.
стр. 1183
٣ - ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾: من حفظ الشيء؛ أيْ: داوم على حراسته، والمحافظة عليه والمراقبة.
أيْ: وكلهم الله على حفظه، وهذا أمر تكليفي، ولكن ما حدث هو أن بعضهم نسوا حظّاً مما ذكروا به، وكتموا شيئاً منه، وحرَّفوا قسماً منه، ولووا ألسنتهم به، وأضافوا كلمات، وبدَّلوا كلمات.
﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾:
ومقارنة بالقرآن الكريم: فقد تولى الله سبحانه حفظه بنفسه، ولم يترك لأحد أن يقوم بذلك، كما حصل للتوراة والإنجيل.
﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾: كانوا على ما في التوراة من الرجم شهداء، كما قال ابن عباس ﵄، أو كانوا شهداء لمحمد ﷺ بما قاله من الحق، وفي الحكم؛ أيْ: أوصاهم الله بأن يكونوا على التوراة شهداء؛ لئلَّا يُبدل أو يُحرف بالزيادة والنقصان.
﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِئَايَاتِى ثَمَنًا قَلِيلًا﴾:
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: الناهية.
﴿تَخْشَوُا النَّاسَ﴾: الخشية: هي الخوف، المصحوب بتعظيم من تخافه، والعلم بالذي تخافه.
﴿تَخْشَوُا النَّاسَ﴾: يعني: الرؤساء، أو الحكام، أو أي أحد؛ أيْ: تخافون الناس من أي ضرر، أو أذية، قد تلحق بكم من جراء قول الحق، أو فيما
стр. 1184
جاء في نعت الرسول ﷺ ، مثلاً، أو تبيان حكم جاء في كتاب الله، مثل: الحكم بالرجم للمحصن.
﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾: واخشوا الله تعالى، إذا كتمتم ما جاء فيها، أو حرَّفتم آياتها، أو بدَّلتم أيَّ حكم، من أجل منفعة مادية، أو منصب، أو رشوة.
﴿وَاخْشَوْنِ﴾: ولم يقل واخشوني؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق التوراة والتي أنزلت فيها هدى ونور يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار ليس في ذلك إرجاف ولا فتنة أو إثارة، كما هو الحال في تغير القبلة التي أدت إلى فتنة كبيرة وإرجاف وارتداد البعض. ارجع إلى الآية (٣) في نفس السورة.
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِئَايَاتِى ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: أيْ: إياكم وتحريف ما أنزل الله؛ ابتغاء أي ثمن، فمهما كان الثمن كثيراً؛ فهو ثمن قليل وبخس، مقارنة بما عند الله من الثواب، والجزاء. ارجع إلى الآية (٤١) من سورة البقرة.
﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾:
﴿وَمَنْ لَّمْ﴾: شرطية، لم للنفي.
﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: الباء للإلصاق، والتوكيد.
﴿بِمَا﴾: اسم موصول، بمعنى الذي؛ أي: الذي أنزل الله؛ وهو التوراة.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد. أولئك: اسم إشارة للبعد.
﴿هُمُ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتوكيد، والمبالغة.
стр. 1185
﴿الْكَافِرُونَ﴾: أيْ: إذا كان هناك كفار، فهم في طليعة هؤلاء الكفار، وأسوؤهم، وهم أولى أن يسمّون بهذا الاسم، وصفة الكفر أصبحت ثابتة فيهم.
سورة المائدة [٥: ٤٥]
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾:
﴿وَكَتَبْنَا﴾: فرضنا، أو حكمنا، وسمِّي ذلك كتابة؛ دلالة للضبط، والحفظ، والإلزام، وكتبنا فيها توكيد أشد من فرضنا.
﴿عَلَيْهِمْ﴾: الذين هادوا.
﴿فِيهَا﴾: في التوراة.
﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾: أي: النفس؛ تقتل بالنفس.
﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾: العين: تفقأ بالعين؛ أيْ: تقلع.
﴿وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ﴾: يجدع الأنف بالأنف.
﴿وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾: تقطع بالأذن.
﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾: أيْ: يكسر السن بالسن، أو يقلع به إن قلع.
﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾: يكون بمثله، مساوياً له.
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾:
стр. 1186
﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾: بالقصاص؛ فهو كفارةٌ له.
أيْ: عفا المجروح عن الجارح، أو وليه، فهو كفارة له عن ذنبه، فهذه كفارة للجارح، على شرط التوبة، أما إذا بقي مصراً؛ فالعقوبة باقية.
﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: ارجع إلى الآية السابقة، التفسير نفسه.
أما ﴿الظَّالِمُونَ﴾: سماهم ظالمون؛ كونهم قد بالغوا في ظلمهم.
وذلك إذا قتل غير القاتل، أو قتل بالواحد اثنين، أو فقأ بالعين عينين، وهكذا، ولماذا سمَّاهم ﴿الظَّالِمُونَ﴾: إمّا لكونهم لم يطبقوا الحكم؛ لسبب ما، أو لكون القصاص فيه ظلم؛ كأن يقتص بقتل اثنين بدلاً من قتل واحد، وهكذا.
والظلم بشكل عام هو نقصان حق الغير، وقد يظلم الإنسان نفسه: بأن يخرج عن منهج الله سبحانه، ويتبع هواه والشيطان.
لا بُدَّ من الانتباه إلى هذا الحكم الوارد في الآية (٤٥) لبني إسرائيل، والذي ينص: إمّا القصاص، وإمّا العفو، وليس هناك ذكر للديَّة. في النفس، أو الجروح، ما يدل على أن الله -جل وعلا- خفّف على الأمة المحمدية؛ بدفع الدّية، إضافة إلى القصاص، والعفو.
стр. 1187
سورة المائدة [٥: ٤٦]
﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾:
﴿وَقَفَّيْنَا﴾: ارجع إلى الآية (٨٧) من سورة البقرة.
﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾: أي: اتبعنا بعيسى (بعثنا عيسى ﵇) مباشرة، من دون فاصل زمني خلف النبيين؛ الذين أرسلوا إلى بني إسرائيل، وقد أرسل عيسى ﵇ على آثار زكريا ﵇.
﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾: أيْ: كأن آثار أقدامهم لا تزال على الأرض، لم تُمحَ بعد؛ (دلالة على قصر الزمن) بين الرسل وعيسى ﵈.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: مقراً ومطبقاً شريعة التوراة، وما جاء به موسى ﵇ قولاً، وعملاً.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ﴾: أيْ: أنزلنا على عيسى ﵇ الإنجيل، جملة واحدة (دفعة واحدة)؛ للهدى، والموعظة.
﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾: في الإنجيل هدى من الضلال؛ أيْ: مصدر هداية، أو هادياً، ونور يُبيِّن الحق من الباطل، والحلال من الحرام.
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: أي: الإنجيل، مصدقاً للتوراة لا يخالف التوراة.
﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾: الإنجيل؛ هدى من الظلمات إلى النور، وموعظة؛ أيْ: نصح، وتذكير، وترغيب، وترهيب، وتخدير.
стр. 1188
أيْ: هادياً وواعظاً ﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، ونلاحظ تكرار ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾: مرتين؛ المرة الأولى: تتعلق بعيسى ﵇، والثانية بالإنجيل.
فليس هناك تكرار؛ فمنهج عيسى ﵇، ومنهج الإنجيل، كلاهما مطابقٌ لمنهج التوراة.
وفي الآية (٤٤) قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾.
وفي الآية (٤٦) قال تعالى: ﴿الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
فكلاهما هدى ونور، ولكن الإنجيل فيه زيادة هدى، وموعظة للمتقين، فهو يدل على كونه يتضمن شحنة روحية جديدة، وفيه مواعظ أكثر من التوراة.
سورة المائدة [٥: ٤٧]
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾:
﴿وَلْيَحْكُمْ﴾: الواو: استئنافية.
﴿وَلْيَحْكُمْ﴾: اللام: لام التوكيد، أو لام الأمر.
﴿أَهْلُ الْإِنجِيلِ﴾: أتباع عيسى ﵇؛ النصارى.
﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾: فيه: للتوكيد؛ للتوكيد على العمل بأحكام الإنجيل، وعدم ترك أحكامه، والأخذ بأحكام التوراة فقط، والباء في كلمة ﴿بِمَا﴾: تفيد الإلصاق.
﴿وَمَنْ﴾: الواو استئنافية، ومن: شرطية.
﴿لَّمْ يَحْكُم﴾: لم النافية.
﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: في التوراة، أو الإنجيل.
стр. 1189
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة؛ يفيد التحقيق، ويشير إلى الذين لم يحكموا بما أنزل الله بأنهم: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ حقاً، الخارجون عن طاعة الله تعالى.
وإذا نظرنا إلى الآيات السابقة، الآية (٤٤): ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
والآية (٤٥): ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
والآية (٤٧): ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
الكافر: هو ظالم، وفاسق، وليس كل ظالم، أو فاسق كافراً.
الظالم: أسوأ من الفاسق، وقد يترقَّى بظلمه؛ ليصبح كافراً، والظلم قد يعني: الشرك.
والفاسق: أهون من الكافر والظالم، وقد يترقَّى بفسقه ليصبح ظالماً، أو كافراً.
فالكافرون: أي: الذين جحدوا، وأنكروا وجود الله سبحانه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، أو لم يؤمنوا بما أنزل الله في الآيات والأحكام ..
أما الظالمون: هم آمنوا، ولم ينكروا أن هذه الآيات والأحكام منزلة من رب العالمين، ولكنهم أشركوا بالله، أو رفضوا تطبيق تلك الأحكام والعمل بها، أو غيَّروا تلك الأحكام.
أما الفاسقون: هم آمنوا بتلك الآيات والأحكام، ولم يشركوا بالله، ولكنهم خرجوا عن طاعة الله بشهوة، أو هوى، أو شيطان، وقيل: هذه الآيات الثلاث تعني أهل الكتاب فمنهم الكافرون، ومنهم الظالمون، ومنهم الفاسقون، فهم درجات حسب تطبيقهم لشرع الله تعالى الذي أنزل إليهم في التوراة والإنجيل.
سورة المائدة [٥: ٤٨]
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا
стр. 1190
مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر -جل وعلا- التوراة والإنجيل، يذكر الآن القرآن الكريم، ومنزلته من الكتب السابقة.
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾: وأنزلنا: تعني: دفعة واحدة (من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا)، لم يقل: ونزلنا.
﴿إِلَيْكَ﴾: ولم يقل: عليك؛ إليك: تأتي في سياق التبليغ، والرسالة. ارجع إلى الآية (٣) من سورة آل عمران؛ للبيان.
﴿الْكِتَابَ﴾: أي: القرآن.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الحق: هو الأمر الثابت، الذي لا يتغير، منزلٌ من الله سبحانه.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق، ملازمٌ للحق؛ أيْ: هو الحق، فلم يصبه تحريف، ولا تغيير.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾: مُقراً لا معارضاً لما سبقه من الكتب: (التوراة، والإنجيل، والزَّبور).
والكتاب: اسم جنس، يشمل كل الكتب السابقة.
﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾: أيْ: قائماً (حاكماً، رقيباً، شهيداً)، على كل ما سبقه من الكتب، يُقر الحق، ويبطل الباطل، وشهيد عليها، إذا أصابها تغيير، أو تحريف، وما يحكم به أهل الكتاب إن كان في القرآن ما يصدقه فصدقوه، وإلا فكذبوه فالقرآن هو: الحاكم.
﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: احكم بينهم؛ أيْ: بين اليهود، أو أهل الكتاب، أو كل من تحاكم إليك.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول بمعنى: الذي.
стр. 1191
﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: وهو القرآن الكريم.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾:
﴿وَلَا تَتَّبِعْ﴾: لا: الناهية.
﴿تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾: أي تترك ما جاء به القرآن من حكم، أو أحكام.
و ﴿تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾: جمع هوى، والهوى: هو ما تميل إليه النفس؛ أيْ: تحبّه وتهواه، بغض النظر عمَّا أمر الله تعالى، أو نهى عنه، والهوى غالباً باطلاً، أو بعيداً عن الحق، وبلا دليل، والهوى يختلف من شخص إلى آخر.
﴿عَمَّا جَاءَكَ﴾: عما = عن + ما، عن: حرف جر؛ يفيد المجاوزة، والابتعاد، وما: اسم موصول بمعنى: الذي.
﴿جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾: أي: القرآن الكريم، فهو الحق، وهو الأمر الثابت الذي لا يتغير أبداً.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: أيْ: لكل أمة ﴿جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، واللام: لام الاختصاص.
الشرعة: جملة الشرائع التي تشمل: العقائد، والعبادات، والأحكام، والتي تُعد أو تعتبر الأصل والمرجع لموسى وعيسى ومحمد ﵈.
والشرعة: تختلف عن: الشريعة، شريعة محمد ﷺ ، شريعة موسى ﵇، شريعة عيسى ﵇، وتعني: الطريقة الموصلة للغاية، والدين: هو جملة الشرائع بما فيها الأحكام، والآيات، والمواعظ، والوصايا، والأوامر، والنواهي، والدِّين هو واحد، هو الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٢)؛ لبيان معنى الدِّين.
وهذه الشرعة تختلف باختلاف الأمم، وجاءت في الكتب المنزلة.
وأصل كلمة الشريعة: الطريقة إلى الماء، أو النهر الذي ترده الإبل حتى
стр. 1192
تشرب، والبشر بحاجة إلى الشريعة، كما هم بحاجة إلى الماء، أو يشربون من هذا الدِّين (النهر) كي يبقوا أحياء.
﴿وَمِنْهَاجًا﴾: الطريقة الواضحة هي: ما جاء في القرآن، والسنة، وبقية المصادر الفقهية الموثوقة الموصلة إلى الغاية، الطريق المستقيم، الموصل إلى الغاية، أو المنهاج الذي يجب أن نسير عليه، والشرعة، والمنهاج مصدرهما واحد: هو الله سبحانه ورسوله ﷺ .
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: لو: شرطية.
﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: أراد الله، والمشيئة تسبق الإرادة.
﴿لَجَعَلَكُمْ﴾: اللام: للتوكيد.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أيْ: على شريعة واحدة.
﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك، وتوكيد.
﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ﴾: اللام: في ليبلوكم: للتوكيد، ويبلوكم: تفيد الاختبار بالخير، أو الشر، والابتلاء: أشد من الاختبار.
﴿فِى مَا آتَاكُمْ﴾: فيما أنزل عليكم من الشرائع، الأحكام، العبادات، والأوامر، والنواهي، جعل لكل نبي شريعة مختلفة، وأما المنهاج فهو واحد؛ فهو طاعة الله سبحانه ولا إله إلا الله.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾:
﴿فَاسْتَبِقُوا﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾: أيْ: ليسابق كل واحد منكم الآخر، في الإسراع بالقيام بالأعمال الصالحة: الفرائض، والنوافل، وأعمال الخير.
стр. 1193
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: إلى الله: تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة؛ يدلّ على الحصر؛ أيْ: إلى الله وحده حصراً، مرجعكم: مصيركم، وعودتكم.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد، والرجوع إليه.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: الفاء: تفيد المباشرة، والتعقيب.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: يخبركم.
﴿بِمَا﴾: الباء: للتوكيد، والإلصاق. ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي.
﴿كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: كنتم في الدنيا، فيه تختلفون: من الشرائع، والحق، والباطل في العقائد، والمذاهب.
سورة المائدة [٥: ٤٩]
﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾:
﴿وَأَنِ احْكُم﴾: وأن حرف مصدري، أو حرف تفسير؛ تفيد التوكيد، والتعليل.
﴿احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾: تكرار لما سبق، يفيد التوكيد بالحكم بما أنزل الله، وعدم اتباع أهواءهم.
﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾: الحذر: هو التوقِّي من الضرر، واتخاذ الاحتياطات، والانتباه لأمر ما.
﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾: أن حرف مصدري؛ يفيد التوكيد.
﴿يَفْتِنُوكَ﴾: يصرفوك. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٧)؛ لمزيد من البيان عن الفتنة.
﴿عَنْ﴾: حرف جر، فيه معنى المجاوزة والابتعاد.
стр. 1194
﴿بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾: من الأحكام، كالرجم، وشأن القصاص، والدماء.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: استئنافية. إن: شرطية.
﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا، ورفضوا حكمك، أو أعرضوا عن الإيمان.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾: فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعذبهم، أو يعاقبهم ببعض ذنوبهم، والفاء في ﴿فَاعْلَمْ﴾: للتوكيد.
﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾: الباء: للإلصاق؛ أيْ: بسبب بعض، والبعض تعني: الكل، أو بعض ما يستحقونه على إعراضهم، وأما أعمالهم الأخرى، فيجازيهم عليها سواء أخيراً كانت، أم شراً.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾: إن للتوكيد.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
﴿لَفَاسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة الله، أو الدِّين، والقليل من الناس غير فاسق، ملتزم بدين الله وطاعته، ولمعرفة معنى الفسق؛ ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٦).
سورة المائدة [٥: ٥٠]
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾:
﴿أَفَحُكْمَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجبي، وتوبيخي.
﴿أَفَحُكْمَ﴾: مفعول به مقدَّم الأصل (أيبغون حكم الجاهلية)، وقدَّم المفعول؛ للاهتمام، والتأكيد، والمعنى: أفلا يبغون إلّا حكم الجاهلية.
﴿يَبْغُونَ﴾: يلتمسون، يطلبون، وتدل على الاستمرار في طلبهم؛ (أيْ: أهل الكتاب، أو غيرهم).
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: تحتمل معنيين:
المعنى الأول: حكم أهل الجاهلية؛ الذين جاؤوا قبل الإسلام، أفهم
стр. 1195
يريدون أن يعودوا إلى أحكام الجاهلية؛ التي يسودها الشرك، وعبادة الأصنام، ووأد البنات، والربا والفواحش.
والمعنى الثاني: الجاهلية مشتقّة من الجهل، وهو أسوأ من الأمية؛ أيْ: أفحكم الجهل والباطل يريدون أن يتبعوا.
وإضافة (الحكم) إلى كلمة الجاهلية؛ يقتضي التقبيح، والتنفير، وأنه مبني على الجهل والضلال.
﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة، من: اسم استفهام؛ بمعنى: النفي، والتقرير؛ أيْ: لا أحد أحسن وأفضل من الله حكماً، أو من المستحيل أن يكون هناك حكم أفضل، أو أحسن من حكم الله.
﴿حُكْمًا﴾: يشمل الحكم الكوني، والشرعي.
﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: هذا الحسن، والحكمة في الحكم ليس ظاهراً، أو واضحاً لكل واحد، وإنما واضح وظاهر للقوم الموقنين.
﴿يُوقِنُونَ﴾: من اليقين: وهو العلم بالحق، وهو العلم بالشيء استدلالاً، وبأن ليس هناك غيره.
درجات اليقين: علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين، وهو أعلى درجات اليقين، واليقين يعني: الإيمان الثابت المستقر في القلب، ولا يطفو إلى العقل ليناقش من جديد.
وكلما ازداد الإنسان إيماناً ازداد معرفة، وتبيَّن له عدل أحكام الله تعالى، وازداد يقيناً به سبحانه؛ فهو أحكم الحاكمين. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من البيان في اليقين.
следующие страницы →