Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: وهو القرآن الكريم.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾:
﴿وَلَا تَتَّبِعْ﴾: لا: الناهية.
﴿تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾: أي تترك ما جاء به القرآن من حكم، أو أحكام.
و ﴿تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾: جمع هوى، والهوى: هو ما تميل إليه النفس؛ أيْ: تحبّه وتهواه، بغض النظر عمَّا أمر الله تعالى، أو نهى عنه، والهوى غالباً باطلاً، أو بعيداً عن الحق، وبلا دليل، والهوى يختلف من شخص إلى آخر.
﴿عَمَّا جَاءَكَ﴾: عما = عن + ما، عن: حرف جر؛ يفيد المجاوزة، والابتعاد، وما: اسم موصول بمعنى: الذي.
﴿جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾: أي: القرآن الكريم، فهو الحق، وهو الأمر الثابت الذي لا يتغير أبداً.
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: أيْ: لكل أمة ﴿جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، واللام: لام الاختصاص.
الشرعة: جملة الشرائع التي تشمل: العقائد، والعبادات، والأحكام، والتي تُعد أو تعتبر الأصل والمرجع لموسى وعيسى ومحمد ﵈.
والشرعة: تختلف عن: الشريعة، شريعة محمد ﷺ ، شريعة موسى ﵇، شريعة عيسى ﵇، وتعني: الطريقة الموصلة للغاية، والدين: هو جملة الشرائع بما فيها الأحكام، والآيات، والمواعظ، والوصايا، والأوامر، والنواهي، والدِّين هو واحد، هو الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٢)؛ لبيان معنى الدِّين.
وهذه الشرعة تختلف باختلاف الأمم، وجاءت في الكتب المنزلة.
وأصل كلمة الشريعة: الطريقة إلى الماء، أو النهر الذي ترده الإبل حتى
стр. 1192
تشرب، والبشر بحاجة إلى الشريعة، كما هم بحاجة إلى الماء، أو يشربون من هذا الدِّين (النهر) كي يبقوا أحياء.
﴿وَمِنْهَاجًا﴾: الطريقة الواضحة هي: ما جاء في القرآن، والسنة، وبقية المصادر الفقهية الموثوقة الموصلة إلى الغاية، الطريق المستقيم، الموصل إلى الغاية، أو المنهاج الذي يجب أن نسير عليه، والشرعة، والمنهاج مصدرهما واحد: هو الله سبحانه ورسوله ﷺ .
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: لو: شرطية.
﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: أراد الله، والمشيئة تسبق الإرادة.
﴿لَجَعَلَكُمْ﴾: اللام: للتوكيد.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أيْ: على شريعة واحدة.
﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك، وتوكيد.
﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ﴾: اللام: في ليبلوكم: للتوكيد، ويبلوكم: تفيد الاختبار بالخير، أو الشر، والابتلاء: أشد من الاختبار.
﴿فِى مَا آتَاكُمْ﴾: فيما أنزل عليكم من الشرائع، الأحكام، العبادات، والأوامر، والنواهي، جعل لكل نبي شريعة مختلفة، وأما المنهاج فهو واحد؛ فهو طاعة الله سبحانه ولا إله إلا الله.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾:
﴿فَاسْتَبِقُوا﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾: أيْ: ليسابق كل واحد منكم الآخر، في الإسراع بالقيام بالأعمال الصالحة: الفرائض، والنوافل، وأعمال الخير.
стр. 1193
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: إلى الله: تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة؛ يدلّ على الحصر؛ أيْ: إلى الله وحده حصراً، مرجعكم: مصيركم، وعودتكم.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد، والرجوع إليه.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: الفاء: تفيد المباشرة، والتعقيب.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: يخبركم.
﴿بِمَا﴾: الباء: للتوكيد، والإلصاق. ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي.
﴿كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: كنتم في الدنيا، فيه تختلفون: من الشرائع، والحق، والباطل في العقائد، والمذاهب.
سورة المائدة [٥: ٤٩]
﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾:
﴿وَأَنِ احْكُم﴾: وأن حرف مصدري، أو حرف تفسير؛ تفيد التوكيد، والتعليل.
﴿احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾: تكرار لما سبق، يفيد التوكيد بالحكم بما أنزل الله، وعدم اتباع أهواءهم.
﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾: الحذر: هو التوقِّي من الضرر، واتخاذ الاحتياطات، والانتباه لأمر ما.
﴿أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾: أن حرف مصدري؛ يفيد التوكيد.
﴿يَفْتِنُوكَ﴾: يصرفوك. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٧)؛ لمزيد من البيان عن الفتنة.
﴿عَنْ﴾: حرف جر، فيه معنى المجاوزة والابتعاد.
стр. 1194
﴿بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾: من الأحكام، كالرجم، وشأن القصاص، والدماء.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: استئنافية. إن: شرطية.
﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا، ورفضوا حكمك، أو أعرضوا عن الإيمان.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾: فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعذبهم، أو يعاقبهم ببعض ذنوبهم، والفاء في ﴿فَاعْلَمْ﴾: للتوكيد.
﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾: الباء: للإلصاق؛ أيْ: بسبب بعض، والبعض تعني: الكل، أو بعض ما يستحقونه على إعراضهم، وأما أعمالهم الأخرى، فيجازيهم عليها سواء أخيراً كانت، أم شراً.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾: إن للتوكيد.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق.
﴿لَفَاسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة الله، أو الدِّين، والقليل من الناس غير فاسق، ملتزم بدين الله وطاعته، ولمعرفة معنى الفسق؛ ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٦).
سورة المائدة [٥: ٥٠]
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾:
﴿أَفَحُكْمَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجبي، وتوبيخي.
﴿أَفَحُكْمَ﴾: مفعول به مقدَّم الأصل (أيبغون حكم الجاهلية)، وقدَّم المفعول؛ للاهتمام، والتأكيد، والمعنى: أفلا يبغون إلّا حكم الجاهلية.
﴿يَبْغُونَ﴾: يلتمسون، يطلبون، وتدل على الاستمرار في طلبهم؛ (أيْ: أهل الكتاب، أو غيرهم).
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: تحتمل معنيين:
المعنى الأول: حكم أهل الجاهلية؛ الذين جاؤوا قبل الإسلام، أفهم
стр. 1195
يريدون أن يعودوا إلى أحكام الجاهلية؛ التي يسودها الشرك، وعبادة الأصنام، ووأد البنات، والربا والفواحش.
والمعنى الثاني: الجاهلية مشتقّة من الجهل، وهو أسوأ من الأمية؛ أيْ: أفحكم الجهل والباطل يريدون أن يتبعوا.
وإضافة (الحكم) إلى كلمة الجاهلية؛ يقتضي التقبيح، والتنفير، وأنه مبني على الجهل والضلال.
﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة، من: اسم استفهام؛ بمعنى: النفي، والتقرير؛ أيْ: لا أحد أحسن وأفضل من الله حكماً، أو من المستحيل أن يكون هناك حكم أفضل، أو أحسن من حكم الله.
﴿حُكْمًا﴾: يشمل الحكم الكوني، والشرعي.
﴿لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: هذا الحسن، والحكمة في الحكم ليس ظاهراً، أو واضحاً لكل واحد، وإنما واضح وظاهر للقوم الموقنين.
﴿يُوقِنُونَ﴾: من اليقين: وهو العلم بالحق، وهو العلم بالشيء استدلالاً، وبأن ليس هناك غيره.
درجات اليقين: علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حق اليقين، وهو أعلى درجات اليقين، واليقين يعني: الإيمان الثابت المستقر في القلب، ولا يطفو إلى العقل ليناقش من جديد.
وكلما ازداد الإنسان إيماناً ازداد معرفة، وتبيَّن له عدل أحكام الله تعالى، وازداد يقيناً به سبحانه؛ فهو أحكم الحاكمين. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لمزيد من البيان في اليقين.
стр. 1196
سورة المائدة [٥: ٥١]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾:
نداء بتكليف جديد للذين آمنوا؛ أي: السائرون على درب الإيمان، والهاء: للتنبيه.
﴿لَا﴾: الناهية.
﴿تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾: الموالاة: تعني: المودة والنصرة.
المودة: المحبة، واتخاذهم بطانة، والتآمر معهم، والتجسس لأجلهم، على حساب المؤمنين، وكشف الأسرار إليهم.
النصرة: اتخاذهم أعواناً وحلفاء، ومدّهم بالعدّة والعدد.
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: يوالي بعضهم بعضاً، وهذا قد يكون السبب في عدم موالاتهم، أو اتخاذهم أولياء.
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ﴾: ومن: شرطية.
﴿يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ﴾: ينصرهم، ويعينهم، ويفشي لهم أسرارَ المؤمنين.
﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾: أيْ: مثلهم، وليس من المؤمنين، وهذا تهديد ووعيد لمن يخالف أمر الله، وهو حرمة موالاتهم.
وقد بيَّن الله سبحانه حقيقة الموالاة في سورة الممتحنة، الآية (٩).
стр. 1197
﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾:
ارجع إلى سورة الممتحنة، آية (٩)؛ لمزيد من البيان.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أيْ: من يواليهم، وينصرهم، ويخالف أمر الله، فهو ظالم لنفسه ولغيره، ويصبح من الظالمين؛ لكونه خرج عن منهاج الله سبحانه، وما وصَّى به.
سورة المائدة [٥: ٥٢]
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِى أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾:
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أيْ: فترى المنافقين أو ضعاف الإيمان.
﴿فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: النفاق، وضعف الإيمان، والشرك.
﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾: يسارعون في موالاتهم، (موالاة اليهود، والنصارى)، يسارعون فيهم، ولم يقل: يسارعون إليهم.
﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾: يدلّ على أنهم كانوا مع هؤلاء اليهود، والنصارى منذ البداية، أو سابقاً في الموالاة والنصرة، والآن ازدادت موالاتهم، ونصرتهم.
بينما (يسارعون إليهم): تعني: لم يكونوا معهم سابقاً، والآن فقط انضموا إليهم، وأصبحوا في حلفهم، وتدل على الاستمرار والتجدد في المسارعة.
﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾:
﴿يَقُولُونَ﴾: أيْ: يبرِّرون موالاتهم لهم، ويعلِّلون ذلك بقولهم: ﴿نَخْشَى
стр. 1198
أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾: نخاف أن تصيبنا دائرة. مصيبة، والخشية فيها معنى الرهبة، والتعظيم، والعلم بالذي تخشاه.
﴿دَائِرَةٌ﴾: اسم فاعل، والدائرة تعني: تغير الحال من خير إلى شرٍّ.
دوائر الدهر، نوائب الدهر؛ مثل: المجاعة، والقحط، أو الهزيمة؛ أيْ: ترى المنافقين الذين في قلوبهم مرض يتخذون اليهود والنصارى والكفار أولياء؛ خشية أن يجدوا أنفسهم في المعسكر الضعيف؛ لذلك يحاولون دائماً أن يميلوا إلى المعسكر القوي؛ حفظاً على أنفسهم، وأموالهم، ومتاعهم.
﴿فَعَسَى﴾: الفاء: استئنافية. عسى: للترجي.
﴿اللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِالْفَتْحِ﴾: الفتح: النصر من دون قتال؛ أيْ: نصر المؤمنين على الكافرين.
والفتح قد يعني: الحكم؛ كقوله: ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].
﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ﴾: بإظهار أمر المنافقين، ومعرفة أسمائهم، وفضيحتهم، أو يدبر الله لهم شيئاً خفياً؛ كالخوف، والرعب، أو الجلاء.
﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِى أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾: فيصبح (الموالون من المؤمنين لليهود نادمين)، نادمين على ما أسرّوا في أنفسهم، من النفاق، وموالاتهم لليهود والنصارى، وكراهيتهم لمحمد ﷺ ، وللإسلام.
سورة المائدة [٥: ٥٣]
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾:
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: عندما يأتي الله بالفتح، أو أمر من عنده، عندها يقول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: مخاطبين اليهود:
стр. 1199
﴿أَهَؤُلَاءِ﴾: الهمزة: استفهام توبيخي وتعجبي، أولاء: اسم إشارة للقرب، والهاء: للتنبيه، وتشير إلى المنافقين.
هؤلاء المنافقون الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم؛ أقسموا وأكدوا أيمانهم بالأيمان المغلظة بأقصى ما في وسعهم: إنهم مع المؤمنين.
﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾: أيْ: معكم على عدوكم.
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: لأنها لم تكن خالصة لوجه الله، بطلت وضاعت، فأصبحوا خاسرين دنياهم وآخرتهم معاً في الدنيا: بالفضيحة، والعار، والعقاب، وفي الآخرة: بالعذاب في النار. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١٧)؛ لمزيد من البيان عن حبطت أعمالهم.
سورة المائدة [٥: ٥٤]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾:
نداء جديد للذين آمنوا؛ أيْ: على درب الإيمان، نداء فيه تحذير، والهاء: للتنبيه.
﴿مَنْ﴾: شرطية؛ لابتداء الغاية، ومن: تشمل: المفرد، والمثنى، والجمع، وتستعمل للعاقل.
﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾: يرجع عن الإسلام إلى الكفر، ومنها الردة، وهو رجوع المسلم، العاقل، البالغ عن الإسلام إلى دِين آخر باختياره، دون إكراه من أحد، وينشرح صدره بالكفر.
بعد أن يُبيِّن له عواقب الردّة ويستتاب، سواء أكان ذكراً، أو أنثى، ويقام عليه حد الردة إذا توافرت فيه الشروط.
стр. 1200
ويستثنى من ذلك: الصبي، والمجنون، والمكره.
﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتوكيد، سوف: للاستقبال البعيد، والتراخي.
﴿يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: فسوف يأتي الله بخير منهم، ممّن يحبون الله، ويحبّهم الله تعالى. قدم حبه على حبهم؛ لأن حبه هو الغاية.
والحب هو: الميل القلبي، والإقبال على الشيء، والدوام على ذلك، وقد ينقص، أو يزيد، أو يزول.
قال تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾: يرتد: يرجع عن دينه (الإسلام) إلى الكفر، ولم يقل: يرتدد؛ بفكّ الإدغام، فما هو الفرق بين يرتدَّ ويرتدد؟
﴿يَرْتَدَّ﴾: جاءت في سياق الارتداد، في زمن السلم، والعافية ومن دون سبب يبرر الارتداد.
بينما يرتدد: جاءت في سياق الارتداد في زمن الحرب، أو الفتنة، أو القتل (الموقف أشد وأخطر)، ولذلك زيدت الدال؛ لشدّة وخطورة الحال. ارجع إلى الآية (٢١٧) من سورة البقرة؛ للبيان.
وقيل: حدثت هذه الرِّدَّة التي تحدث عنها القرآن على مرحلتين:
١ - في زمن الرسول، والذين ارتدوا هم: بنو مدلج، وبنو حنيفة (قوم مسيلمة الكذّاب)، وبنو أسد.
٢ - ردَّة في زمن أبي بكر وعمر ﵄، ارتدت قبائل غطفان، ومرارة، وبنو سليم، وبنو يربوع، وغيرهم.
стр. 1201
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أيْ: رحماء بينهم، متوادّون، متعاطفون، متواضعون، يغلب عليهم طابع الرحمة والرأفة على المؤمنين.
﴿عَلَى﴾: تفيد العلو والمدح، وعلى: تعني: الذلة المستعلية؛ أيْ: عاطفين على المؤمنين من وجه التواضع والتذلل.
ولو قال: أذلة للمؤمنين؛ لكان ذمّاً لهم لا مدحاً، وأذلة للمؤمنين؛ تعني: الخنوع، والاستكانة.
﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أيْ: أشداء على الكافرين (على عدوهم).
﴿يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾:
﴿يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يجاهدون؛ لمعرفة معنى الجهاد ارجع إلى الآية (٦) في سورة العنكبوت، لإعلاء كلمة الله تعالى، وإعلاء دِينه: ﴿وَلَا يَخَافُونَ﴾: لا: النافية؛ للحال، والمستقبل.
﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾: الواو: للتوكيد، لا يخافون قول قائل، ولا اعتراض معترض، ولا لوم لائم، واللوم: هو توبيخ، أو تقريع الفاعل على فعله، وتهجين طريقته.
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة. ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: يشير إلى الجهاد في سبيل الله، وكونهم أعزة على الكافرين.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾: واسع الفضل، والملك، والإحسان، والجود، والغنى، والعلم، واسع الملك.
стр. 1202
﴿عَلِيمٌ﴾: بمن يستحق فضله، وعليم بذات الصدور، عليم ببواطن وظواهر الأمور، صيغة مبالغة: كثير العلم.
سورة المائدة [٥: ٥٥]
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر.
﴿وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾: القائم، المتكفل بأموركم، والمناصر لأوليائه الصالحين، يتولاهم بالرعاية، والنصر، والحفظ، والمعونة، والتوفيق. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾:
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: يقيمون الصلاة: بخشوع، وخضوع لربِّهم؛ لأن الصلاة هي الصفة الغالبة في وصف الذين يؤمنون بالله، وتعني: إعلان الولاء الدائم لله خمس مرات، كلَّ يوم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٣)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: من دون تكبُّر على الفقراء، وبخضوع، والزكاة هي الركن الثاني.
﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾: الركوع هنا معناه: الخشوع، والخضوع، وعدم التكبُّر، وليس الركوع العادي. يقال: فلان راكع لفلان؛ أيْ: خاضع له.
سورة المائدة [٥: ٥٦]
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: عاطفة، من شرطية.
﴿يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: يجعل الله وليه: فإنَّ الله يعينه، وينصره، ورسوله، والذين آمنوا يعينونه وينصرونه.
стр. 1203
الولاية من الله ، هي ولاية عامة وخاصَّة، العامة تشمل كل العباد، والولاية الخاصَّة خاصَّة بالمؤمنين؛ لقوله سبحانه الله: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِىُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨].
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط. إنَّ: للتوكيد.
﴿حِزْبَ﴾: اسم جمع لا مفرد له، جمعه: أحزاب، والحزب: الجماعة: التفَّ بعضهم مع بعض، على أمر، أو اتجاه، أو فكر، أو مبادئ، أو قيم خاصَّة، وكلمة الحزب مشتقة من حزب الأمر عليه؛ معناه: أمر أتعبه، وأرهقه، وفكر به كثيراً؛ كأن المتحزبين التفوا على أمر أتعبهم، وأرهقهم، كأنَّهم أهل نائبة.
﴿هُمُ الْغَالِبُونَ﴾: هم: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد؛ أيْ: هم الغالبون حقاً؛ أيْ: هم في طليعة الغالبين.
سورة المائدة [٥: ٥٧]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾:
أسباب النزول: روي عن ابن عباس ﵄: أن قوماً من اليهود والمشركين، ضحكوا من المسلمين، وقت سجودهم، فنزلت هذه الآية.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾: نداء إلى الذين آمنوا بعدم اتِّخاذ الذين يتخذون الدّين مادةً للهزء واللعب، أولياء من الذين أوتوا الكتاب (اليهود والنصارى)، والكفار، بمن فيهم (المنافقون).
وهُزُواً: من الاستهزاء، وهو التحقير والاستخفاف والتصغير. والاستهزاء
стр. 1204
عام يشمل الأشخاص، والآيات، والأعمال، ويختلف عن السخرية التي تكون في الأشخاص فقط.
أو العيب بدينكم، وهُزُواً: مشتقة من فعل: هزأ، يهزأ، لعباً: يعني: عبثاً.
أيْ: لا يصح أن يقابل من اتَّخذ دِينكم هزواً ولعباً، بأن تتخذوه ولياً، بل يقابل بالبغضاء والشنآن.
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ الذين أوتوا الكتاب: فيها ذم مقارنة بقوله تعالى: بأهل الكتاب؛ أولياء: جمع ولي، والموالاة تعني: الإخلاص، والمودة، والقربى، والبطانة.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: في موالاة الكفار، والذين أوتوا الكتاب؛ أيْ: أطيعوا أوامر الله تعالى، وتجنبوا نواهيه في مسألة الولاية.
﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال.
﴿مُّؤْمِنِينَ﴾: حقاً؛ لأن الإيمان الحق يأبى موالاة أعداء الدِّين، أو إن كنتم مؤمنين؛ للحث والإثارة على عدم اتخاذ الذين أوتوا الكتاب والكفار أولياء. ارجع إلى الآية (٥٨) من سورة المائدة؛ لمزيد من البيان.
стр. 1205
سورة المائدة [٥: ٥٨]
﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل؛ متضمن معنى الشرط، ويدلّ على حتمية وكثرة الوقوع؛ أي: النداء للصلاة، والنداء إلى الصلاة؛ أي: الأذان ..
﴿نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾: أيْ: أذَّن المؤذِّن إلى الصلاة.
﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا﴾: هزواً: من الهزء، وهو تحقير المستهزأ به، والاستهزاء عام؛ يشمل: الأشخاص، وغير الأشخاص؛ كالصلاة، أو الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٥]؛ أي: اتخذوا من الأذان والصلاة مجالاً للحط من أهميتهما، وللفكاهة، والتحقير من شأنهما.
أما السخرية: فتنحصر في الأشخاص تحديداً، ولم ترد في القرآن إلا في الأشخاص حصراً.
﴿وَلَعِبًا﴾: ظنوا أن الصلاة حركات عبثية، لا قيمة لها، ولا هدفاً.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ يشير إلى اتخاذهم الصلاة هزواً ولعباً.
﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: سببية؛ أيْ: بسبب، أنهم: أنَّ للتوكيد.
стр. 1206
﴿قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا: النافية؛ تنفي عنهم العقل والفهم، وهو أسوأ وأشد من نفي العلم.
سورة المائدة [٥: ٥٩]
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾: الكتاب: أي: التوراة، والإنجيل، اليهود والنصارى.
﴿هَلْ﴾: استفهام؛ فيه تبكيت، وتوبيخ.
﴿تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾: من نقم ينقم منه؛ أيْ: عاقبه، أو كره منه أن يفعل أمراً ما؛ مما أدَّى إلى الكراهية، والمعاداة، والكيد، والعقاب؛ أيْ: كيف تكونون أهل توراة، وإنجيل، وتنكرون علينا الإيمان بالله، وما أنزل إلينا، وتتخذون ذلك سبباً للمعاداة، والانتقام، والكراهية.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أيْ: فقط؛ لأننا آمنا بالله .
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾؛ أي: القرآن، وما: اسم موصول؛ بمعنى: الَّذي.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾: من التوراة، والإنجيل، ومن الصحف.
﴿وَأَنَّ﴾: يفيد التوكيد، والتعليل.
﴿أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾: أيْ: كونكم تنقمون منا؛ لأننا آمنا بالله، وما أنزل إلينا؛ هذا يعدُّ فسقاً منكم، ويفعله الأكثرون، وإذا قارنا هذه مع الآية (٨١) في نفس السورة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: نجد أن أكثر تأتي
стр. 1207
في سياق الأكثر عدداً أو إذا كان السياق في تعداد أسوأ الصفات والأفعال مقارنة بكثير.
﴿فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن الدِّين؛ أيْ: طاعة الله تعالى. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٦)؛ لمزيد من البيان في معنى فاسقون.
سورة المائدة [٥: ٦٠]
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾:
أسباب النزول: حينما ذكر رسول الله ﷺ لليهود: أنه يؤمن بعيسى، وهم لا يؤمنون بعيسى؛ جحدوا بنبوَّة رسول الله ﷺ ، ونبوَّة عيسى ﵇.
وقالوا: لا نعلم دِيناً شراً من دِينكم، ولا أهل دِين أقل حظاً منكم، في الدنيا والآخرة، فرد الله عليهم بهذه الآية.
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ : ﴿هَلْ﴾: للاستفهام، والتعليم، وهل: أداة للاستفهام أقوى من الهمزة؛ كقوله أأنبئكم.
﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾: الهمزة: للاستفهام والتبكيت.
﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾: وأصلها: هل أخبركم بشرٍّ من ذلك، ذلك: اسم إشارة يشير إلى الذي تنقمون به منا، هو من لعنة الله.
﴿مِنْ ذَلِكَ﴾: للتفضيل، ولا يعني ذلك: أن المؤمنين في شرٍّ، ولكنها مجاراة لما قاله اليهود، ولمقارنة هذه الآية ﴿مِنْ ذَلِكَ﴾ مع الآية (٧٢) في سورة الحج، وهي قوله تعالى: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾؛ ارجع إلى سورة الحج الآية (٧٢).
﴿مَثُوبَةً﴾: جزاءً من ثاب يثوب، وتطلق على الجزاء، والثواب، واستعمال
стр. 1208
كلمة ثواب في سياق الشر؛ فيها معنى التهكم، والتوبيخ. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٠٣) لمزيد من البيان. والثواب الذي وعدهم الله تعالى لعنته والغضب عليهم والمسخ.
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: عند: ظرفية زمانية (يوم القيامة)، ومكانية.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية.
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾: أيْ: طرده وأبعده عن رحمته.
﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾: والغضب: هو عدم الرضا، والقبول منه، ويقضي العقاب والانتقام.
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾: الجعل: يكون بعد الخلق؛ أي: الخلق يتم أولاً ثم يجعل من الخلق ما يشاء؛ أي: هو مرحلة تالية للخلق فهو سبحانه خلقهم كبشر، ثم جعل منهم القردة والخنازير؛ ارجع إلى سورة البقرة الآية (٦٥)، وسورة الأعراف الآيات (١٦٣ - ١٦٦) للبيان؛ أيْ: مسخهم قردة، وهو الحيوان، المعروف لدى الناس.
﴿وَالْخَنَازِيرَ﴾: جمع خنزير؛ الذي حرمه الله ووصفه بأنه رجس.
﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾: وفيها قراءتان: عبُد بضم الباء (جمع عبد)، والثانية: بفتح الباء عبَد، ولمعرفة معنى الطاغوت، والشيطان، والكهنة، ورؤسائهم الضالين: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٦)؛ للبيان.
﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، وتشير إلى اليهود.
стр. 1209
﴿شَرٌّ مَّكَانًا﴾: أسوأ مكاناً، ومنزلة يوم القيامة، من غيرهم.
﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾: وأكثر ضلالاً من غيرهم عن سواء السبيل، طريق الحق، أو الصراط المستقيم الموصل إلى الغاية، والسواء: هو الوسط.
سورة المائدة [٥: ٦١]
﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾:
نزلت هذه الآية في بعض اليهود، الذين كانوا يدخلون على رسول الله ﷺ ، فيجلسون معه ﷺ ، وهم متلبسون بالكفر، فلم ينفعهم جلوسهم مع رسول الله، ولم يهتدوا، أو يتعظوا.
﴿وَإِذَا﴾: إذا: شرطية، وتفيد حتمية الحدوث.
﴿جَاءُوكُمْ﴾: جاؤوا الرسول، أو جاؤوا المؤمنين.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾: أيْ: أظهروا إيمانهم بأفواههم فقط، ولم تؤمن قلوبهم.
﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾: أيْ: لم تتغير حالتهم، فهذا يدل: أن الدخول عليهم كان نفاقاً. قد: حرف توكيد وتحقيق.
﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾: الباء: تفيد الإلصاق؛ أي: المصاحبة.
﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾: هم: ضمير منفصل؛ يدل على توكيد هويتهم الكافرة، وقلوبهم القاسية، ويدل ليس في قلوبهم ذرة إيمان، وأن الله طبع عليها، وهم يدعون أنهم يؤمنون ويسمعون قول الرسول ﷺ .
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾: أعلم: على وزن أفعل؛ للمبالغة.
стр. 1210
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾: بما كانوا يكتمون من الكفر، والنفاق.
﴿يَكْتُمُونَ﴾: من الكتم، وهو عملية قسرية، يحاول فيها الفرد أن لا يظهر وفي هذه الآية تعني: نفاقه، وكفره؛ خوفاً من أن تنكشف حقيقته للناس، ورغم كتمانه، فكفره ونفاقه، لا بُدَّ أن يظهر عاجلاً أم آجلاً.
سورة المائدة [٥: ٦٢]
﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَتَرَى﴾: الرؤية هنا قلبية وبصرية.
﴿كَثِيرًا مِّنْهُمْ﴾: أيْ: من اليهود، ولم يقل: الكل؛ إذ من المحتمل أن يكون هناك من سيؤمن في المستقبل، ويرجع عن إثمه وعدوانه.
﴿يُسَارِعُونَ فِى الْإِثْمِ﴾: يسارعون: ولم يقل يسرعون، يسارعون؛ أي: يبذلون الجهد والطاقة للمسارعة، وبدلاً من يسارعون في الخيرات هم يسارعون في الإثم؛ أي: الكسب المزيد من الإثم (فعل القبيح، ويشمل الصغائر والكبائر، والإثم يعني: الجرم والذنب)، قولاً وفعلاً، مهما كان نوعه، والإثم يعود على الإنسان نفسه، ولا يتعداه إلى غيره. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٣٣)؛ لمزيد من البيان عن الإثم.
﴿وَالْعُدْوَانِ﴾: هو مجاوزة الحد؛ أي: تعد لحدود الله وإرادة السوء، أو الشر لمن تعاديه، وأصل العدوان: الميل، والبعد عمَّن تعاديه والظلم.
﴿يُسَارِعُونَ فِى الْإِثْمِ﴾: ولم يقل: يسارعون إلى الإثم، قوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِى الْإِثْمِ﴾: يعني: أنهم قبل المسارعة كانوا منغمسين في ارتكاب الإثم، والعدوان،
стр. 1211
وهم يحاولون كسب المزيد من الإثم والعدوان. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٣٣) للبيان.
والمسارعة عادة تكون في الخيرات، واستعيرت في فعل المنكرات؛ لكثرة حدوثها، أو لأنهم يحسبون هذه المنكرات خيرات! ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٦) لمزيد من البيان في يسارعون.
﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾: أيْ: وهم يسارعون في أكلهم السحت، والسحت: هو الحرام القبيح، المبالغ في حرامه، مثل: الرشوة، والاغتصاب، والربا، والسحت قد يعني: لا بركة فيه، أو المسحوت الذي لا يبقي للحسنات أثراً، والسحت: من محبطات الأعمال الحسنة، وشبّه أخذ المال الحرام، القبيح، بالأكل؛ للدلالة على كثرة أخذه؛ حيث يحتاج إلى الكل أكثر من مرة في اليوم، وربما مرات عدة، وكذلك أكلهم السحت، يتكرر مرات، أو أخذهم المال السحت الذي يشترون به الطعام الذي يأكلونه؛ فكأنهم يأكلون السحت بدلاً من الطعام.
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: اللام: للتوكيد، بئس: من أفعال الذم، ويعملون: تشمل القول والفعل معاً؛ أيْ: بئس ما يقولونه، أو يفعلونه في ارتكاب الإثم والعدوان.
سورة المائدة [٥: ٦٣]
﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾:
﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ وطلب، وفيها معنى التوبيخ، وتعني: لم لا ينهاهم، وفيها معنى المشاركة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
стр. 1212
﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: ارجع إلى الآية (٤٤) من سورة المائدة؛ للبيان.
﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾: ارجع إلى الآية السابقة؛ للبيان.
﴿لَبِئْسَ﴾: اللام: التوكيد، وبئس: فعل ذم، وتوبيخ؛ لسكوت الأحبار، والربانيين، وترك النهي؛ لأن تارك الإنكار، وهو قادر على فعل ذلك يشارك فاعل المنكر في الإثم.
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ أي: الذين يصنعون.
﴿يَصْنَعُونَ﴾: أيْ: هؤلاء الربانيون والأحبار، وآكلي السحت، ومرتكبي الإثم والعدوان: يصنعون بدلاً من يفعلون، أو يعملون؛ لأن أعمالهم السيئة والقبيحة؛ أصبحت مهنتهم، وعملهم الدؤوب اليومي، يمارسونه بأحسن الطرق والوسائل؛ كأنه أصبح صناعة فاخرة.
سورة المائدة [٥: ٦٤]
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾:
أسباب النزول: روي عن ابن عباس ﵄: أن هذه الآية بعد أن بسط الله على اليهود؛ حتى كانوا أكثر الناس أموالاً، فلمّا عصوا الله -جل وعلا-، ومحمداً ﷺ ، وكذبوا به؛ كفّ عنهم ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنخاص (رأس يهود بني قينقاع): ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: يعني: محبوسة، مقبوضة عن الرزق، وعندما لم ينهه
стр. 1213
بقية اليهود، وينكروا عليه ما قاله، وروضوا بقوله؛ أشركهم الله سبحانه في هذه المقالة، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾: بدلاً من القول، وقال: قائل منهم.
﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: حينما كفّ الله عنهم ما بسط لهم من الرزق؛ عقوبة على عصيانهم، قالوا ذلك على الله: بأن يد الله بخيلة العطاء، مغلولة؛ كأنما وضعت فيها الأغلال، كناية عن البخل، كما يعني: بسط اليد بالكرم، وحاشا الله تعالى أن يكون كذلك.
﴿مَغْلُولَةٌ﴾: معنى الغُل: وهو ما يُقيد به الأعضاء والأطراف، وجمعهُ: أغلال، وهم الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾: دعاء عليهم بالبخل، وقيل: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾: في جهنم، أو أمسكت عن الإنفاق في الخير.
﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾: طردوا، وأبعدوا من رحمة الله.
﴿بِمَا﴾: الباء: السببية، أو البدلية؛ بسبب، أو عوض ما قالوا في ذات الله تعالى.
﴿بِمَا﴾: اسم موصول؛ أي: الذي قالوه.
﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: بل: للإضراب الإبطالي، بل ما نسبوه كذباً على الله -جل وعلا-.
﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾: كناية عن أنه كريم جواد، كثير العطاء.
هم قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، فردّ الله عليهم: بل يداه الاثنتان مبسوطتان، تعطيان؛ كناية عن جوده وكرمه -جل وعلا-.
﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: بالعطاء، أو المنع، فالمنع هو عين الإنفاق، وهذا يسمَّى
стр. 1214
عطاءَ السلب، فيمنع عنه؛ لكي لا يرتكب الفواحش؛ مثلاً، أو يصبح من المسرفين المبذرين، إخوان الشياطين، وقد برر منعه بقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِى الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] إن شاء وسع، وإن شاء أمسك.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾:
﴿وَلَيَزِيدَنَّ﴾: الواو: استئنافية. اللام: للتوكيد، والنون: كذلك لزيادة التوكيد.
﴿كَثِيرًا مِّنْهُم﴾: أي: اليهود والنصارى.
﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: ما أنزل إليك من القرآن الكريم وآياته، التي تبيِّن خبثهم، وتفضح أفعالهم القبيحة؛ من أكلهم السحت، وارتكابهم الإثم والعدوان.
﴿طُغْيَانًا﴾: الطغيان: هو المبالغة، وتجاوز الحدّ في الغلو، والكفر، والحسد.
﴿وَكُفْرًا﴾: يزداد كفرهم؛ أيْ: عدم تصديقهم لك ولأمتك.
﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾:
﴿وَأَلْقَيْنَا﴾: من ألقى، والإلقاء: هو طرح الشيء؛ حيث تجده؛ أيْ: تراه.
﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾: بين طوائف اليهود، بعضها ببعض، أو طوائف النصارى بعضها ببعض، أو بين طوائف اليهود والنصارى معاً العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. ارجع إلى الآية (١٤) من نفس السورة لمعرفة الفرق بين ألقينا وأغرينا.
﴿الْعَدَاوَةَ﴾: كراهية تصدر عن صاحبها، والكراهية: أذى محسوس يتجلى بالجفاء، والقطيعة، والضرر، والعداوة: مشتقة من العدو، وهو التجاوز والتباعد.
стр. 1215
﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾: شدة الكراهية، وتكون مضمرة في الصدر غالباً، وقد تظهر على الوجه، والبغض: ضد الحب؛ أيْ: نفور النفس عن شيء لا ترغب فيه، والعداوة والبغضاء غالباً نراهما مترادفتين الواحدة بعد الأخرى؛ لأن إحداهما تؤدِّي إلى الأخرى.
﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾: كلما: أداة شرط تفيد التكرار، إيقاد النار: كناية عن إرادة الحرب، فقد كانت العرب إذا تواعدت للقتال؛ جعلوا علامتهم إيقاد النار على جبل أو ربوة، يسمّونها: نار الحرب، وإطفاؤها عبارة عن دفع شرهم؛ أيْ: كلما أرادوا شراً بالمؤمنين؛ صرفه الله عنهم، من دون حرب، أو بحرب يَغْلبون فيها.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾:
﴿وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ﴾: من السعي، والمضي، والجري، أو العمل يسعى؛ أيْ: يعمل بجد ونشاط.
﴿فَسَادًا﴾: الفساد: يشمل الكفر، والظلم، والمعاصي، وإهلاك الحرث والنسل؛ بالقتل، والإحراق، والإفساد، وتدمير البناء، وقطع الأشجار.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾: في الأرض الذين يقومون بأعمال الفساد، وأصبحت صفة الفساد عندهم ثابتة، ولا يتوبون إلى الله، ويستغفرونه، وإنما يستمرون في فسادهم. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
стр. 1216
سورة المائدة [٥: ٦٥]
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية. لو: حرف شرط.
﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: اليهود والنصارى.
﴿آمَنُوا﴾: بالله ورسله، وبما جاء به محمد ﷺ .
﴿وَاتَّقَوْا﴾: أطاعوا أوامر الله ، وتجنبوا محارمه؛ أي: المحارم؛ مثل: أخذهم الربا، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وقولهم الإثم، وكفرهم بآيات الله، والشرك بالله، وقولهم المسيح ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وغيرها من المحرمات.
﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: اللام: لام التوكيد. كفّرنا سترنا عليهم سيئاتهم، ولم نفضحهم، ومحوناها عنهم.
﴿عَنْهُمْ﴾: تقديم الجار والمجرور؛ يدل على الأهمية، عنهم خاصَّة، ولم يقل: لكفّرنا سيئاتهم عنهم.
﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ﴾: اللام: للاختصاص، والنون في أدخلناهم: للتوكيد.
﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: نوع من أنواع الجنات، فهناك جنات: الفردوس، وجنات عدن، وجنات النعيم، وغيرها …
стр. 1217
سورة المائدة [٥: ٦٦]
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِنْ رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾: مثل نظيرتها المتقدمة في الآية السابقة؛ أيْ: أطاعوا الله، ورسله، واتقوا.
﴿أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾: الإقامة: العمل بما في التوراة والإنجيل على أتمِّ وجه، وعدم الإيمان ببعض، والكفر ببعض، وإقامة أحكامها وحدودها، والأخذ بالعقائد الصحيحة.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِنْ رَّبِّهِمْ﴾: ما: اسم موصول، بمعنى: الذي؛ أي: القرآن الكريم، ومن الوحي على أنبيائهم.
﴿لَأَكَلُوا﴾: اللام: للتوكيد والابتداء.
﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾: من: ابتدائية؛ فوقهم: أي: كان الرزق ينتظر أن ينزل عليهم، أكلوا: تعني: لوسَعَ عليهم، ويسر عليهم الأرزاق، وأنزل عليهم بركاتٍ من السماء والأرض، من مطر، ورزق، وخير، ومن تحت أرجلهم: من: ابتدائية؛ تحت أرجلهم: من نبات الأرض، والحبوب … وغيرها.
﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾: من: البعضية؛ تفيد القلة.
﴿أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾: أيْ: معتدلة في القول والفعل، من غير غلو، ولا تقصير، ولم تقل: إن عيسى ابن الله، ولا العُزير ابن الله، أمثال عبد الله بن سلام وأصحابه.
стр. 1218
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾: كثير منهم بئس ما يعملون، قولاً وفعلاً. ساء: من أفعال الذم؛ أي قبحاً لما يعملون.
سورة المائدة [٥: ٦٧]
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾:
نداء من الله تعالى إلى رسوله محمد ﷺ ، فيه التعظيم والتكريم؛ لأنه لم يناده، مثلما نادى الرسل الآخرين بأسمائهم: يا إبراهيم، يا عيسى، يا يحيى، وإنما قال: يا أيها الرسول.
وحينما ينادي: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾: يأتي ذلك في سياق الدعوة، والتبليغ. ارجع إلى الآية (٤١) في نفس السورة لمزيد من البيان في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾.
﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: ما: اسم موصول؛ يعني: الذي ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿بَلِّغْ﴾: كل من تستطيع من الوحي، أو المنهج كاملاً.
﴿وَإِنْ لَّمْ تَفْعَلْ﴾: الواو: عاطفة، إن: حرف شرط.
﴿لَّمْ﴾: حرف نفي.
﴿تَفْعَلْ﴾: أيْ: تقم بالتبليغ والدعوة.
﴿فَمَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، ما: حرف نفي.
﴿بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾: رسالة الإسلام، والإبلاغ؛ يعني: الإعلام.
стр. 1219
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾: يعصمك: يحفظك، يمنعك، ويصونك من أعدائك؛ أيْ: من القتل، أو الأسر.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: أيْ: بلغ ما أنزل إليك من ربك، والله هو الذي يهدي من يشاء، وليس عليك هداهم، إنما عليك البلاغ.
﴿إِنَّ﴾: للتأكيد. لا: نافية.
﴿لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: الذين جحدوا بالله ورسله، وما أنزل الله، لا يهديهم؛ لأنهم اختاروا طريق الكفر، والضلال؛ لأنفسهم، فالله ليس بحاجة إلى إيمانهم.
سورة المائدة [٥: ٦٨]
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿لَسْتُمْ﴾: ليس: تنفي الحال، والمستقبل، والماضي؛ فهي غير مقيدة بزمن معين.
﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ﴾: شيء: نكرة، تشمل كلَّ شيء، والشيء هو أقل القليل، أو لستم على شيء من الإيمان، حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وما أنزل إليكم من ربكم.
﴿حَتَّى﴾: تفيد انتهاء الغاية؛ أيْ: إلى أن تقيموا التوراة والإنجيل، وما أنزل إليكم من ربِّكم، والعمل بها كاملاً.
стр. 1220
﴿تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾: ارجع إلى الآية (٦٦) من السورة نفسها.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: من الآيات، بما فيها آيات القرآن الكريم، أو الوحي.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾: ارجع إلى الآية (٦٤) من السورة نفسها.
﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: الفاء: للتوكيد، لا: ناهية.
﴿تَأْسَ﴾: من الأسى: وهو أشد ألماً من الحُزن أو الحزن الشديد، وأطول زمناً من الحُزن، ويصحبه جزع أحياناً وعدم رضا.
﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: أي: الذين كفروا بالله، ورسله، وكتبه، ويريدون أن يؤمنوا ببعض، ويكفروا ببعض. القوم الذين أصبح الكفر سمة وصفة ثابتة لهم، واستمروا على ذلك.
سورة المائدة [٥: ٦٩]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
ارجع إلى الآية (٦٢) من سورة البقرة؛ للبيان، وسورة الحج الآية (١٧).
إذا نظرنا إلى هذه الآية، سنلاحظ أمرين:
الأول: هو العطف بالرفع، رفع (الصابئون)، والعطف بالرفع عادة غير مؤكد؛ أيْ: معطوف من دون إرادة التوكيد، بينما العطف بالنصب مؤكد.
стр. 1221
ورفع (الصابئون) هنا؛ لكونهم أبعد المذكورين ضلالاً، فجاء توكيدهم أقل.
الثاني: هو تقديم (الصابئون) على النصارى؛ لأن البعض يرى أن عقيدتهم لا إله إلا الله، أفضل من عقيدة النصارى التي تقوم على الشرك بالله، والتثليث.
والتقديم قد يكون بالزمن؛ فالصابئين أقدم من النصارى من حيث المجيء بالزمن، ولا بدَّ من الانتباه إلى سياق هذه الآيات ففي سورة البقرة: ذُكرت هذه الآية في سياق اليهود، وفي سورة الحج: جاءت الآية في سياق الفصل بينهم يوم القيامة، وفي سورة المائدة: جاءت في سياق الدعوة إلى الله، وفي سياق الحديث عن أهل الكتاب.
سورة المائدة [٥: ٧٠]
﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾:
﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد. قد: للتحقيق، وزيادة التوكيد.
﴿مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: أي: العهد المؤكد باليمين.
أخذنا ميثاق بني إسرائيل في التوراة، بالسمع، والطاعة، والتوحيد، وأن يعملوا بما فيها، وأن يؤمنوا برسله، وعيسى، ومحمد ﷺ .
﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾: مثل: موسى، وهارون، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وعيسى ﵈.
стр. 1222
﴿كُلَّمَا﴾: مركبة من: كل وما المصدرية الظرفية؛ فهي أداة شرط تفيد التكرار.
﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ﴾: الباء: حرف جر، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي؛ أيْ: بالذي لا تهوى أنفُسُهُم من الحق.
وتعريف الهوى: هو ما تميل إليه النفس، بما لا ينبغي بعيداً عن الحق، وبلا دليل. ارجع إلى الآية (٥٦) من سورة الأنعام.
﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾: فريقاً من الرّسل كذبوا، وفريقاً من الرسل يقتلون، ولم يقل: فريقاً كذبوا (فعل ماضي)، وفريقاً قتلوا، وإنما جاء بصيغة المضارع ﴿يَقْتُلُونَ﴾، جاء بالفعل المضارع في كلمة ﴿يَقْتُلُونَ﴾: حتى يُشعرنا بعظم وبشاعة الجرم هذا، وهو ما نسمِّيه حكاية الحال، رغم أنه حدث في الماضي.
ويجب أن ننتبه إلى أن بني إسرائيل لم يقتلوا أيَّ رسول، وإنما قتلوا بعض الأنبياء؛ لأن الرسل معصومون من القتل، والأنبياء غير معصومين، وجاء هنا بكلمة الرسل؛ لأن الرسل تطلق على الأنبياء والرسل معاً؛ لأن كلاهما مرسل من الله تعالى.
стр. 1223
سورة المائدة [٥: ٧١]
﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَحَسِبُوا﴾: اعتقدوا وظنوا: ظنوا ظناً راجحاً من الحساب القلبي، والحسي؛ القائم على النظر والتجربة.
﴿أَلَّا﴾: أن لا، أن: للتوكيد، لا: النافية.
﴿تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أيْ: لا يعذبون بذنوبهم، وأنهم لا يفتنون، ولا يُبتلون بالشدائد، والمحن في الدنيا.
﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾: الفاء: للترتيب والمباشرة.
عطلوا أدوات الإدراك عندهم: الأعين، والأذان، فلم يبصروا الحق، ورفضوا الاستماع إلى أي آية أو موعظة، فلم يتدبروا آيات الله؛ حتى إنهم ظنوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، فكذبوا الرسل، وقتلوا أنبياءهم، وعصوا ما في التوراة، وعبدوا العجل، وطلبوا رؤية الله.
﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: بعد عبادتهم العجل، وطلبهم رؤية الله، وبعد قتل الذين عبدوا العجل.
﴿ثُمَّ﴾: لبيان البعد بين التوبة، والعمى، والصم.
﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾: ثم: هنا للحال، وللتوكيد.
﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾: مرة ثانية بنقضهم ميثاقهم، وكفرهم بآيات الله قولهم ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وقيل: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾: بعد بيان الحق، ومجيء محمد ﷺ برسالته.
стр. 1224
﴿كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾: أيْ: حضَّ بعضهم بعضاً على المعصية، وعدم الاستجابة؛ لما أمر به الله تعالى، وقيل: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾: الأولى: بعد رفع الجبل فوقهم، وظنوا أنه واقع بهم، و ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾: الثانية بعد إرسال محمد ﷺ .
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ﴾: الله مطلع، ورقيب، وشاهد.
﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: يعملون: تعني: الأقوال، والأفعال، وقدَّم ﴿بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: لأنَّ العمى، والصم أعمال قلبية، لا يعلمها إلَّا الله -جل وعلا-، ولم يقل: والله بما يعملون بصير.
سورة المائدة [٥: ٧٢]
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾:
﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد، وقد: للتحقيق، وتوكيد كفر ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
﴿كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد، والكفر هنا؛ كفر العقيدة، والإيمان؛ أيْ: الشرك بالله.
﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يدلُّ على التوكيد والحصر، أن الله هو المسيح عيسى ابن مريم؛ هذا ما قالته بعض طوائفهم.
﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: وقال ذلك، وهو بين أظهرهم، قبل أن يرفعه الله إلى السماء.
﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ﴾: أي: اعبد الله وحده الذي هو ربِّي وربُّكم.
﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾:
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
стр. 1225
﴿مَنْ﴾: استغراقية.
﴿يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾: يتخذ مع الله شريكاً، أو ندّاً، أو ولداً.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ تفيد التوكيد.
﴿حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾: حرَّم عليه دخولها؛ أيْ: منعه من دخولها، ولم يكفِ ذلك، بل لا بُدَّ من دخول النار.
﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾: مقرُّه ومستقرُّه النار.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾: وما: النافية. للظالمين: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، الظالمين: جمع ظالم، وكل من يخرج عن منهج الله؛ فهو ظالم، والظالمين قد تعني: المشركين؛ لأن الظلم هو الشرك.
﴿مِنْ﴾: استغراقية.
﴿أَنْصَارٍ﴾: جمع نصير؛ أيْ: لا يجد من ينصره، ويمنع أو يدفع عنه العذاب، أو يخلصه منه. بينما ناصرين، جمع ناصر، ونصير أبلغ وأقوى من ناصر؛ ارجع إلى سورة الروم آية (٢٩) لمقارنة ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مع قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١].
وفي هذه الآية دليل على تحذير عيسى ﵇ لهؤلاء الذين يقولون: إن الله سبحانه هو عيسى ﵇.
سورة المائدة [٥: ٧٣]
﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾:
﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ﴾: ارجع إلى الآية السابقة.
﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾: الذين: اسم موصول؛ يعود على فئات النصارى مثل الملكية؛ التي قالت ذلك.
стр. 1226
﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾: الأب: هو الله، والابن: هو المسيح، وروح القدس.
أو الآلهة ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، أو أن الثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، هو عين الآخر، لا فرق بين واحد منهم والآخر، أيُّ واحدٍ منهم يمثل الإله.
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، وما: النافية، وهي للرد على قولهم غير الصحيح، والكذب.
﴿مِنْ﴾: استغراقية.
﴿إِلَهٍ﴾: معبود.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿إِلَهٌ﴾: معبودٌ (هو الله .
﴿وَاحِدٌ﴾: صفة (نعت) واحد؛ أيْ: لا يتجزأ، ويكون ثلاثة. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.
﴿وَإِنْ لَّمْ يَنتَهُوا﴾: إن: شرطية.
﴿لَّمْ﴾: حرف نفي.
﴿يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾: إنذار ووعيد لهم: بأن يتركوا ما يقولون أو يفترون، والافتراء: الكذب على الله ، سواء أكان قولهم الله هو المسيح، أم عقيدة التثليث.
﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾: عن الذين يقولون، وكلمة يقولون: تدلُّ على التكرار، والاستمرار في قولهم الباطل.
﴿لَيَمَسَّنَّ﴾: اللام: للتوكيد، وكذلك نون النسوة في ليمسن: لزيادة التوكيد، ليمسن: أيْ: يصيبن.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: منهم خاصَّة، فربما هناك منهم من يؤمن بالله وحده.
стр. 1227
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدنيا والآخرة، شديد الإيلام، وعذاب: نكرة؛ ليدل على شدَّته ونوعه.
سورة المائدة [٥: ٧٤]
﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿أَفَلَا﴾: الهمزة: استفهام توبيخي، وفيه معنى الأمر، والفاء: للتوكيد. لا: النافية.
﴿يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾: التوبة تعني: الإقلاع عن تلك العقائد الباطلة، وعدم العودة إلى أقوالهم الباطلة، والندم عليها.
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾: أيْ: يستغفرون الله؛ مما نسبوه إليه من كونه ثالث ثلاثة، أو أن المسيح هو الله، ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أو ابن الله سبحانه.
والاستغفار: أيْ: يطلبون من الله أن يمحو عنهم ذنوبهم وسيئاتهم ولا يعاقبهم عليها، ويرجعون إليه، ولا يعودون لما قالوا، وقدم التوبة على الاستغفار؛ لأنه لا بدَّ من التوبة أولاً ثم الاستغفار.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفور: صيغة مبالغة غفور للمذنبين التائبين، يغفر الذنوب جميعاً؛ إلّا الشرك.
﴿رَحِيمٌ﴾: بعباده المؤمنين الموحدين في الدنيا والآخرة، رحيم: صيغة تدل على ثبوت صفة الرحمة لذاته. ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (٢)؛ لمزيد من البيان.
سورة المائدة [٥: ٧٥]
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾:
﴿مَا﴾: النافية.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر على كونه رسولاً فقط.
﴿قَدْ﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد.
стр. 1228
﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: أيْ: مضت.
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾: مريم ﵍؛ أيْ: ليست إلهاً، صدِّيقة: صفة مبالغة في الصدق، و ﴿صِدِّيقَةٌ﴾: مؤمنة بالله، ومصدقة بالأنبياء؛ أعطيت درجة الصدِّيقين.
﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾: عيسى وأمه ﵉؛ كسائر البشر؛ لأنهما كانا يأكلان الطعام؛ للحفاظ على حياتهما، ومن يأكل، ويشرب ليس بإله، أو لا يمكن أن يكون إلهاً؛ فهذا نفي مطلق؛ لكونه وأمه ﵉ إلهين.
﴿انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾: التبين: التوضيح؛ أي: الآيات: الحقائق، والدلائل، والعلامات على وحدانية الله تعالى.
ثم انظر ﴿كَيْفَ﴾: أنَّى، ومن أين، وللاستفهام والتعجب.
﴿يُؤْفَكُونَ﴾: من الإفك: وهو الصرف والتحويل باستخدام وسيلة الكذب؛ أي: يصرفون الناس عن الحق إلى الباطل، ويعدلون.
والإفك: وهو الكذب المفترَى على الله، والمتعمَّد بأن الله هو المسيح، أو ثالث ثلاثة، أو ابن الله سبحانه وتعالى عما يشركون.
سورة المائدة [٥: ٧٦]
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ، قل لأهل الكتاب، أو المشركين، وعبدة الأوثان، أو غيرهم.
﴿أَتَعْبُدُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والنون: للتوكيد.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله؛ أمثال عيسى، وأمه، والملائكة.
﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ﴾: ما: تشمل العاقل، وغير العاقل، وقد تعني: اسماً موصولاً؛ أي: الذي لا يملك، أو ما النافية، أو تعني: الكلّ.
стр. 1229
﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾: الضَّر: البلاء، والضُّر: ما يصيب الفرد من المرض، والفقر، والعاهات في بدنه؛ ما لا يقدر على دفع الضرّ عنكم: من مرض، وقحط، وزلازل، وأوبئة، ولا يقدر على جلب النفع لكم: من رزق، وصحة؛ أيْ: ما لا يضر، وما لا ينفع.
وقدَّم الضر على النفع لأن دفع الضر أهم من جلب النفع؛ لأن عبادة الأصنام، أو عبادة عيسى، أو الشرك والكفر كلها ضر، وليس فيها نفع، ولأن النفوس أشد حرصاً على دفع الضر أولاً قبل أن تتطلع إلى جلب النفع، والآيات في سياق الكفر والشرك بالله.
﴿لَكُمْ﴾: اللام: للاختصاص، لكم أنتم خاصَّة.
﴿وَاللَّهُ هُوَ﴾: هو تفيد الحصر والتوكيد.
﴿السَّمِيعُ﴾: لأقوالكم في السرِّ، والعلن.
﴿الْعَلِيمُ﴾: بأحوالكم، وبما تعبدون، وتشركون، وبما تعتقدون، ويعلم كل معلوم، والعليم: صيغة مبالغة من علم، والعليم: كثير العلم، والعليم بنواياكم، وعالم الغيب والشهادة وحده، وعلام الغيوب، لا يشاركه أحد في ذلك.
стр. 1230
سورة المائدة [٥: ٧٧]
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ ؛ لهؤلاء أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
﴿لَا﴾ الناهية.
﴿لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ﴾: الغلو: هو الإفراط، وتجاوز الحد، وهو نقيض التقصير، والغلو هنا يعني: نسب الألوهية إلى عيسى ﵇، أو القول هو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، ﴿لَا تَغْلُوا﴾: وتجعلوا عيسى إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة.
﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾: غير: تفيد المغايرة، ذاتاً، أو صفةً، والحقّ: هو الشيء الثابت؛ الذي لا يتغير، أو يتبدل، أو يتعارض.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية، وتكرار لا: تفيد التوكيد، وفصل كلَّاً من الغلو واتباع الأهواء على حدة، أو كليهما معاً.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾: أهواء جمع هوى، وهو ما تميل إليه النفس بعيداً عن الحق، ومن دون أيِّ دليلٍ، أو برهانٍ؛ أيْ: آراء قوم، مبعثها الأهواء والشهوة، ومن دون دليل وبرهان. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (١١٩)؛ لمزيد من البيان.
آراء قوم: هم رؤوس اليهود والنصارى (رؤوس الضلال)، أو أئمة النصارى، مثل: الأحبار، والرهبان، والقسّيسين.
следующие страницы →