← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾: الأب: هو الله، والابن: هو المسيح، وروح القدس. أو الآلهة ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، أو أن الثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، هو عين الآخر، لا فرق بين واحد منهم والآخر، أيُّ واحدٍ منهم يمثل الإله. ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، وما: النافية، وهي للرد على قولهم غير الصحيح، والكذب. ﴿مِنْ﴾: استغراقية. ﴿إِلَهٍ﴾: معبود. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿إِلَهٌ﴾: معبودٌ (هو الله . ﴿وَاحِدٌ﴾: صفة (نعت) واحد؛ أيْ: لا يتجزأ، ويكون ثلاثة. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد. ﴿وَإِنْ لَّمْ يَنتَهُوا﴾: إن: شرطية. ﴿لَّمْ﴾: حرف نفي. ﴿يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾: إنذار ووعيد لهم: بأن يتركوا ما يقولون أو يفترون، والافتراء: الكذب على الله ، سواء أكان قولهم الله هو المسيح، أم عقيدة التثليث. ﴿عَمَّا يَقُولُونَ﴾: عن الذين يقولون، وكلمة يقولون: تدلُّ على التكرار، والاستمرار في قولهم الباطل. ﴿لَيَمَسَّنَّ﴾: اللام: للتوكيد، وكذلك نون النسوة في ليمسن: لزيادة التوكيد، ليمسن: أيْ: يصيبن. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: منهم خاصَّة، فربما هناك منهم من يؤمن بالله وحده.

стр. 1227

﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدنيا والآخرة، شديد الإيلام، وعذاب: نكرة؛ ليدل على شدَّته ونوعه. سورة المائدة [٥: ٧٤] ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿أَفَلَا﴾: الهمزة: استفهام توبيخي، وفيه معنى الأمر، والفاء: للتوكيد. لا: النافية. ﴿يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾: التوبة تعني: الإقلاع عن تلك العقائد الباطلة، وعدم العودة إلى أقوالهم الباطلة، والندم عليها. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾: أيْ: يستغفرون الله؛ مما نسبوه إليه من كونه ثالث ثلاثة، أو أن المسيح هو الله، ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أو ابن الله سبحانه. والاستغفار: أيْ: يطلبون من الله أن يمحو عنهم ذنوبهم وسيئاتهم ولا يعاقبهم عليها، ويرجعون إليه، ولا يعودون لما قالوا، وقدم التوبة على الاستغفار؛ لأنه لا بدَّ من التوبة أولاً ثم الاستغفار. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفور: صيغة مبالغة غفور للمذنبين التائبين، يغفر الذنوب جميعاً؛ إلّا الشرك. ﴿رَحِيمٌ﴾: بعباده المؤمنين الموحدين في الدنيا والآخرة، رحيم: صيغة تدل على ثبوت صفة الرحمة لذاته. ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (٢)؛ لمزيد من البيان. سورة المائدة [٥: ٧٥] ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: ﴿مَا﴾: النافية. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر على كونه رسولاً فقط. ﴿قَدْ﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد.

стр. 1228

﴿خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾: أيْ: مضت. ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾: مريم ﵍؛ أيْ: ليست إلهاً، صدِّيقة: صفة مبالغة في الصدق، و ﴿صِدِّيقَةٌ﴾: مؤمنة بالله، ومصدقة بالأنبياء؛ أعطيت درجة الصدِّيقين. ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾: عيسى وأمه ﵉؛ كسائر البشر؛ لأنهما كانا يأكلان الطعام؛ للحفاظ على حياتهما، ومن يأكل، ويشرب ليس بإله، أو لا يمكن أن يكون إلهاً؛ فهذا نفي مطلق؛ لكونه وأمه ﵉ إلهين. ﴿انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾: التبين: التوضيح؛ أي: الآيات: الحقائق، والدلائل، والعلامات على وحدانية الله تعالى. ثم انظر ﴿كَيْفَ﴾: أنَّى، ومن أين، وللاستفهام والتعجب. ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: من الإفك: وهو الصرف والتحويل باستخدام وسيلة الكذب؛ أي: يصرفون الناس عن الحق إلى الباطل، ويعدلون. والإفك: وهو الكذب المفترَى على الله، والمتعمَّد بأن الله هو المسيح، أو ثالث ثلاثة، أو ابن الله سبحانه وتعالى عما يشركون. سورة المائدة [٥: ٧٦] ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ، قل لأهل الكتاب، أو المشركين، وعبدة الأوثان، أو غيرهم. ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والنون: للتوكيد. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله؛ أمثال عيسى، وأمه، والملائكة. ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ﴾: ما: تشمل العاقل، وغير العاقل، وقد تعني: اسماً موصولاً؛ أي: الذي لا يملك، أو ما النافية، أو تعني: الكلّ.

стр. 1229

﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾: الضَّر: البلاء، والضُّر: ما يصيب الفرد من المرض، والفقر، والعاهات في بدنه؛ ما لا يقدر على دفع الضرّ عنكم: من مرض، وقحط، وزلازل، وأوبئة، ولا يقدر على جلب النفع لكم: من رزق، وصحة؛ أيْ: ما لا يضر، وما لا ينفع. وقدَّم الضر على النفع لأن دفع الضر أهم من جلب النفع؛ لأن عبادة الأصنام، أو عبادة عيسى، أو الشرك والكفر كلها ضر، وليس فيها نفع، ولأن النفوس أشد حرصاً على دفع الضر أولاً قبل أن تتطلع إلى جلب النفع، والآيات في سياق الكفر والشرك بالله. ﴿لَكُمْ﴾: اللام: للاختصاص، لكم أنتم خاصَّة. ﴿وَاللَّهُ هُوَ﴾: هو تفيد الحصر والتوكيد. ﴿السَّمِيعُ﴾: لأقوالكم في السرِّ، والعلن. ﴿الْعَلِيمُ﴾: بأحوالكم، وبما تعبدون، وتشركون، وبما تعتقدون، ويعلم كل معلوم، والعليم: صيغة مبالغة من علم، والعليم: كثير العلم، والعليم بنواياكم، وعالم الغيب والشهادة وحده، وعلام الغيوب، لا يشاركه أحد في ذلك.

стр. 1230

سورة المائدة [٥: ٧٧] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾: ﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ ؛ لهؤلاء أهل الكتاب من اليهود والنصارى. ﴿لَا﴾ الناهية. ﴿لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ﴾: الغلو: هو الإفراط، وتجاوز الحد، وهو نقيض التقصير، والغلو هنا يعني: نسب الألوهية إلى عيسى ﵇، أو القول هو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، ﴿لَا تَغْلُوا﴾: وتجعلوا عيسى إلهاً، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة. ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾: غير: تفيد المغايرة، ذاتاً، أو صفةً، والحقّ: هو الشيء الثابت؛ الذي لا يتغير، أو يتبدل، أو يتعارض. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية، وتكرار لا: تفيد التوكيد، وفصل كلَّاً من الغلو واتباع الأهواء على حدة، أو كليهما معاً. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا﴾: أهواء جمع هوى، وهو ما تميل إليه النفس بعيداً عن الحق، ومن دون أيِّ دليلٍ، أو برهانٍ؛ أيْ: آراء قوم، مبعثها الأهواء والشهوة، ومن دون دليل وبرهان. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (١١٩)؛ لمزيد من البيان. آراء قوم: هم رؤوس اليهود والنصارى (رؤوس الضلال)، أو أئمة النصارى، مثل: الأحبار، والرهبان، والقسّيسين.

стр. 1231

﴿قَدْ ضَلُّوا﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد؛ أيْ: هم أنفسهم قد ضلّوا منذ القديم. ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾: وأضلّوا كثيراً من الخلق عن عبادة الله وحده، وعن طريق الحق. ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾: هم وأتباعهم ضلوا عن سواء السبيل: دِين الله، منهج الله، بالشرك، والسواء: هو الوسط. والسبيل: هو الطريق الموصل إلى الغاية بأقصر زمن، أو مسافة، وبسهولة. وأما الصراط: فهو أوسع وأسهل من السبيل، والموصل إلى الغاية بأقصر زمن ومسافة وبسهولة، وإذا وصف بالصراط المستقيم: فهو دِين الله؛ أي: الإسلام. الدِّين القيم، ولمقارنة هذه الآية مع الآية (١٧١) في سورة النساء، والاختلاف بين الآيتين؛ ارجع إلى سورة النساء الآية (١٧١). سورة المائدة [٥: ٧٨] ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: ﴿لُعِنَ﴾: اللعن: الطرد من الرحمة، رحمة الله، والإبعاد عن الخير، في الدنيا والآخرة. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: الذين كفروا من بني يعقوب وذريته. ﴿مِنْ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: كانوا يسمّون بني إسرائيل في زمن يعقوب ﵇، وكذلك في زمن موسى ﵇، فلما تغيروا وعصوا؛ دعاهم اليهود، وكلمة بني إسرائيل أفضل من كلمة اليهود تعريفاً ومعنىً. ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾: أيْ: لعن داود الذين اعتدوا يوم

стр. 1232

السبت من أصحاب القرية التي كانت حاضرة البحر، وعصوا الله؛ أيْ: دعا عليهم بالعذاب، والطرد من رحمة الله، وكذلك لعن عيسى ﵇ الذين كفروا وعصوا من بني إسرائيل، ومن خالف من أصحاب المائدة. وقيل: لعنوا في التوراة، والإنجيل، والزبور. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، ويعني: اللعن، والطرد من رحمة الله تعالى. ﴿بِمَا عَصَوْا﴾: الباء: باء السببية، أو البدلية، عصوا: أوامر الله ورسله، ولم يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، وبسبب بغيهم، وظلمهم، وفسادهم في الأرض. ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾: يعتدون بصيغة المضارع التي تدل على تجدد والتكرر الاعتداء منهم وأنه مستمر. سورة المائدة [٥: ٧٩] ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾: لا: الناهية. ﴿يَتَنَاهَوْنَ﴾: ينهى بعضهم بعضاً عن ارتكاب المنكر، والفواحش. ﴿عَنْ مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾: جاء بالمنكر؛ كنكرة؛ ليدلّ على الإطلاق، قولاً، أو فعلاً، مثل: صيد البحر يوم السبت، أو أخذ الرشوة، والربا، أو يشمل كل ذلك، وغيره من أنواع المنكر. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٠٤)؛ للبيان. ﴿لَبِئْسَ﴾: اللام: للتوكيد، بئس: فعل من أفعال الذم. ﴿مَا﴾: بمعنى الذي، أو مصدرية.

стр. 1233

﴿يَفْعَلُونَ﴾: ما يفعلون من المنكر، ويقومون به. سورة المائدة [٥: ٨٠] ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ﴾: من اليهود، كثيراً منهم؛ أي: الغالبية، يتولون الذين كفروا، ونفى عن القليل منهم ولاية الذين كفروا. ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾: من الولاية؛ أيْ: تقديم النصرة، والمعونة، والمحبة، بانضمامهم إلى معسكر الكفر، أو تحالفوا معهم. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أيْ: مشركو قريش والمنافقون، ضد رسول الله ﷺ ، والمسلمين؛ لأن رسول الله ﷺ قد حدَّ من سلطتهم، وجاههم، وفضح مكرهم، وخداعهم. ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾: بصيغ المضارع؛ ليدلَّ على تجدد هذه الولاية للكفار، وتكرّرها، واستمرارها، وكذلك يعلمون أن موالاة الكفار محرم عليهم في دِينهم، ومع ذلك يعصون ما أمرهم الله به. ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾: لبئس: اللام: للتوكيد، بئس: من أفعال الذم، والتحقير. ﴿قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾: أيْ: زينت لهم أنفسهم، أو حملتهم أنفسهم، أو لبئس ما قدَّموا لأنفسهم في الآخرة. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ للتعليل والتوكيد. ﴿سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: السخط: هو شدة الكراهية وعدم الرضا، والسخط

стр. 1234

يؤدي إلى غضب الله عليهم، وعقابه، وعدم رضاه، والسخط: خلاف الرضا، والسخط: الغضب المؤدِّي للعقاب. ﴿وَفِى الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾: من الخلود؛ أي: الإقامة الأبدية في النار، من نقطة بداية تبدأ بعد حسابهم ودخولهم فيها. سورة المائدة [٥: ٨١] ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِىِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة، لو: شرطية. ﴿كَانُوا﴾: هؤلاء الذين كفروا من اليهود. ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِىِّ﴾: محمد ﷺ ، وما أُنزل إليه: ما: اسم موصول بمعنى الذي أُنزل إليه: أي القرآن. ﴿مَا﴾: حرف نفي. ﴿اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي، والاتخاذ: فيه معنى الشدة، والقوة. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٣٩). أيْ: حلفاء، وأنصار، وتعاونوا معهم؛ أيْ: ما تعاون أهل الكتاب مع كفار قريش. ارجع إلى الآية (٥١) من نفس السورة؛ لبيان معنى الولاية. ﴿وَلَكِنَّ﴾: للاستدراك. ﴿كَثِيرًا مِّنْهُمْ﴾: تعود على أهل الكتاب. ﴿فَاسِقُونَ﴾: خارجون عن طاعة الله، متمردون في كفرهم، ونفاقهم، وعاصون لما أمرهم الله، وبنقض مواثيقهم، وعدم الوفاء بها، وأمَّا الأقلية؛ فنفى عنهم الولاية والفسق.

стр. 1235

سورة المائدة [٥: ٨٢] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد. ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾: أشدَّ على وزن أفعل؛ للمبالغة في العداوة، فعداوة اليهود للذين آمنوا أشد العداوات وأظهرها. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿الْيَهُودَ﴾ قيل: هم الذين جاؤوا من بعد بني إسرائيل، ومن دخل في اليهودية، وقدَّم اليهود على المشركين؛ لأنهم أشد عداوة منهم للمؤمنين. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: ولم يقل: المشركين؛ لأن المشركين؛ تعني: الشرك عندهم أصبح سمة وصفة ثابتة، أما ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: أيْ: من قد يؤمن منهم، ويرجع عن عداوته، وشركه. ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾: ﴿وَلَتَجِدَنَّ﴾: مثل الأولى. ﴿أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً﴾: هي المحبة التي تتجلَّى آثارها بالمودة، فالمحبة تسبق المودة، فهي سبب المودة، فكل مودة محبة، وليس كل محبة مودة، فالمودة= محبة+ إخلاص، ووفاء وغيرها. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾: مثل السابقة. ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾: قيل: هم النجاشي، وأصحابه، أو غيرهم من النصارى، حينما هاجر إليهم المؤمنون، الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة. ﴿ذَلِكَ﴾: أيْ: قرب مودتهم من المؤمنين، إشارة إلى أقربهم مودة.

стр. 1236

﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ﴾: الباء: للإلصاق، أو السببية. ﴿قِسِّيسِينَ﴾: علماء النصارى. ﴿وَرُهْبَانًا﴾: العُباد من النصارى. ﴿وَأَنَّهُمْ لَا﴾: أن: للتوكيد، لا: النافية. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾: أيْ: فيهم تواضع، ولا يتكبرون عن الحق. ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾: الألف والسين والتاء: للطلب، ولم يقل: يتكبرون، فهناك فرق بين المتكبر والمستكبر، المتكبِّر: قد يتكبر لامتلاكه بعض مؤهلات التكبر، مثل الغنى، أو الجاه، أو السلطة، أمّا المستكبر: فهو لا يملك مؤهلات التكبُّر؛ لكنه يطلب الكبر، وهو ليس كُفؤاً له، ومعظم آيات القرآن جاءت في سياق المستكبرين، أو الذين استكبروا في الدنيا. والمستكبر: هو أسوأ من المتكبر، في ميزان التقوى والإيمان، وكلاهما ممّن يكرههم الله -جل وعلا-. أما أسباب هذه المودة؛ فقد بينتها الآيات (٨٢، ٨٣، ٨٤): ١ - عدم التكبر (وأنهم لا يستكبرون). ٢ - وإذا سمعوا ما أنزل على الرسول ﷺ ؛ ترى أعينهم تفيض من الدمع. ٣ - مما عرفوا من الحق؛ أي: القرآن من عند الله. ٤ - وما لنا لا نؤمن بالله؛ أيْ: أقروا بالإيمان بالله تعالى. ٥ - واكتبنا من الشاهدين، وأشهدوا على إيمانهم.

стр. 1237

سورة المائدة [٥: ٨٣] ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني، متضمن معنى الشرط. ﴿سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ﴾: إلى الرسول ﷺ من الآيات والقرآن. ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾: أدَّى التأثير الشديد لسماعهم لآيات الله إلى الخشية والوجل الذي يؤدي إلى تحريض منطقة في الدفاع تسمَّى منطقة تحت السرير البصري، ثم هذه بدورها مرتبطة بالغدة الدمعية بالأعصاب، ما يؤدِّي إلى إفراز الدمع؛ دلالة على الخشية، والوجل، والخشوع، والإخلاص. ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾: تفيض: أيْ: تمتلئ بالدمع، ثم تسيل بالدمع، من: لابتداء الغاية. ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: من: للتبعيض؛ أيْ: بعضاً من الحق؛ لأنّه لم يسمعوا القرآن كلّه. ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: ﴿يَقُولُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ التي تدل على التجدد والاستمرار، ولم يقل: قالوا؛ لأنهم استمروا في إيمانهم. ﴿رَبَّنَا﴾: ولم يقولوا: يا ربنا؛ لأنهم يشعرون: أن الله قريب؛ فهو مطلع عليهم، فلم يستعملوا ياء النداء؛ التي تدل على البعد.

стр. 1238

﴿آمَنَّا فَاكْتُبْنَا﴾: آمنا: صدقنا بما أنزلت، الفاء: عاطفة رابطة؛ أي: السبب بالمسبب. ﴿فَاكْتُبْنَا﴾: اجعلنا: ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: لم يقولوا: من الشاهدين؛ لأن من: تعني: الأنبياء والرسل، وهم ليسوا من الأنبياء والرسل. ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾: جمع شاهد؛ أي: الذين يشهدون بألوهيتك، وبربوبيَّتك، ووحدانيَّتك، وبنبوَّة رسولك. سورة المائدة [٥: ٨٤] ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿وَمَا لَنَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿وَمَا﴾: للاستفهام، والتعظيم، ورداً على لوم قومهم لهم بالإيمان؛ كما قال ابن عباس ﵄. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، بألوهيته، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته، إيمان العقيدة، والإيمان بالله؛ يقتضي الإيمان بالملائكة، وكتبه، والرسل، واليوم الآخر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨) لمزيد من البيان. ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾: الواو: عاطفة. ﴿وَمَا﴾: بمعنى: الذي. ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾: من: استغراقية، الحق: الآيات، أو القرآن، أو الوحي. ﴿وَنَطْمَعُ﴾: الطمع: الرغبة في توقع الخير في المستقبل، مع عدم تقديم الأسباب الكافية.

стр. 1239

﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا﴾: أي: الجنة، أن: حرف مصدري؛ يفيد الاستقبال؛ أيْ: أن يدخلنا ربنا الجنة في المستقبل. ﴿مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾: جمع صالح؛ أيْ: من صلح إيمانه، وصلح عمله، (قوله وفعله)، واستقام حاله، والصلاح تعريفه بشكل عام: كل ما يتمكن به من الخير، أو يتخلص به من الشر، وهو ما يفعله العبد لنفسه. ارجع إلى الآية (١٣٠) في سورة البقرة؛ لبيان معنى الصالحين. سورة المائدة [٥: ٨٥] ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿فَأَثَابَهُمُ﴾: الفاء: للتأكيد، أثابهم: مشتقة من ثوب، وثياب؛ إذ كان الناس قديماً يأخذون أصواف أغنامهم؛ ليصنعوا منها ملابسهم، فبعد جزّها يعطونها الغازل؛ لكي تُغزل، فيصنع لهم ثياباً، فهم يرسلونه صوفاً، ثم يتسلمونه ثوباً. ﴿فَأَثَابَهُمُ﴾: معناها: أعطاهم جزاء طاعتهم، وجزاء ما قالوا. ﴿بِمَا قَالُوا﴾: الباء: سببية، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي؛ أي: الذي قالوا؛ أيْ: بسبب الإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع من تحتها الأنهار. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود، والاستمرار، والبقاء إلى الأزل من نقطة البدء، يبدأ لحظة دخولهم الجنة. ﴿وَذَلِكَ﴾: اسم إشارة للبعد، يشير إلى الثواب العظيم. ﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾: هؤلاء الذين آمنوا بالله وبالقرآن، أمثال: النجاشي، وأصحابه، وغيرهم، وقد وصلوا إلى درجة الإحسان، وأصبح الإحسان صفة

стр. 1240

ثابتة لهم، ولذلك سمّاهم ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: أيْ: أحسنوا إحسان الكم، وإحسان الكيف. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٢)؛ لمزيد من البيان. سورة المائدة [٥: ٨٦] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: استئنافية. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾: أيْ: جحدوا، وأنكروا، ولم يؤمنوا بوجود الخالق، وصفاته ووحدانيته، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: القرآنية منها، والكونية، والمعجزات. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يدلُّ على البعد، وسوء منزلتهم. ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: جمع صاحب، والصاحب: هو الذي يألف صاحبه، ويلازمه، ملازمة دائمة، وفيه دلالة على عشق النار لهم، وأنها لا تفارقهم أبداً، وهم لا يفارقونها. و ﴿الْجَحِيمِ﴾: مأخوذة من الجحوم، يقال: جحمت النار: اضطربت، وتأججت، فلا تخمد. سورة المائدة [٥: ٨٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: أخرج البخاري ﵀ في «صحيحه»: حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرنا حميد بن أبي حميد الطويل: أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ ، يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؛ قد غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا؛ فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء؛ فلا أتزوج

стр. 1241

أبداً، فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله! إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني»، فنزلت هذه الآية؛ لتبين لهم الصواب. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الذين هم على درب الإيمان، والهاء: للتنبيه. ﴿لَا﴾: الناهية. ﴿تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾: الطيبات: جمع طيب، والطيب الطاهر اللذيذ الطعم المستساغ للنفس هو والحلال ما أحله الشرع وأباحه، وتشمل: الأطعمة، والأشربة، والنساء، أمّا التحريم والتحليل؛ فإنما موكول إلى الخالق، وليس لكم أن تحرموا، أو تحلِّلوا، كما تريدون. ارجع إلى الآية التالية (٨٨) في نفس السورة لمزيد من البيان. ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: لا: الناهية. وتكرار (لا): لتوكيد النفي؛ أيْ: لا تتعدوا حدود الله فيما أحلَّه الله لكم إلى ما حرَّمه، ولا تسرفوا في تناول الطيبات. والاعتداء: هو تجاوز الحد، فيما حرَّم الله، أو فيما حلَّله، مثل: أكل لحم الميتة، أو الخنزير من دون اضطرار وشدة، أو تحرموا الزواج، أو تصوموا صيام الوصال؛ أيْ: كل يوم من أيام السنة، أو تحرِّموا أكل اللحوم؛ للزهد. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿اللَّهَ لَا﴾: النافية. ﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: المتجاوزين لحدود الله، الذين يحرِّمون ما أحلَّ الله تعالى؛ كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، أو يحلون ما حرَّم الله تعالى. ارجع إلى الآية (١١٣) من نفس السورة.

стр. 1242

سورة المائدة [٥: ٨٨] ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: ﴿وَكُلُوا مِمَّا﴾: أيْ: من ما؛ أيْ: من بعض ما رزقكم الله؛ لأننا غير قادرين أن نأكل كلّ ما رزقنا الله ، والرزق: هو كل ما انتفع به؛ من مأكل، ومشرب، وملبس، وعلم، وأولاد، وأخلاق، فما يتغذى به الإنسان يجوز أن يكون حلالاً أو حراماً. وليس كل ما يتغذَّى به الإنسان يُعد رزقاً؛ فالذي يتغذَّى بما جاء به عن طريق السرقة، والظلم، والرشوة، والبغي: لا يعد رزقاً. الحلال: ما نص الشارع على حِلِّه، وكذلك ما لم ينصَّ الشارع على تحريمه في حكم عام، أو خاص يعتبر مباحاً، ويحلُّ أكله. الطيب: الطاهر غير النجس. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا ما يأمركم الله به، واجتنبوا ما ينهاكم عنه، فهذا يقيكم من عقابه وعذابه. ﴿الَّذِى أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: إيماناً ثابتاً، لا يتغير، ودائم، ومستمر. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، فيه تقديم؛ أيْ: لم يقل: الذي أنتم مؤمنون به، وذلك للحصر؛ أيْ: فقط به وحده مؤمنون. ولو أخّر به، فقال: الذي أنتم مؤمنون به؛ لكان يعني: تؤمنون بغيره، وهذا غير مباح.

стр. 1243

سورة المائدة [٥: ٨٩] ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ﴿كَذَلِكَ﴾: أيْ: كما بيّن لكم ما ذكر في مسألة اليمين، واللغو، والكفارة. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾: ﴿يُبَيِّنُ﴾: يوضح، ويفصل، ويصرف، التبين قد يكون عن طريق التفصيل والتصريف. ﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: لكم خاصَّة. ﴿آيَاتِهِ﴾: آيات الأحكام، والفرائض، والأوامر، والنواهي، وغيرها، وقال: آياته، ولم يقل: الآيات: نسب الآيات إليه تشريفاً؛ فهي آيات مهمة وخاصَّة. ﴿آيَاتِهِ﴾: آيات القرآن. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعل: أداة رجاء، تستعمل للأمور الميسور تحققها. ﴿تَشْكُرُونَ﴾: الشكر: هو الثناء على المنعم، وهو الله -جل وعلا-، بالنِّعمة؛ لأن هذه التشريعات تستحق منا الشكر؛ إذ جعلت اللغو غير مؤاخذ عليه، كما جعلت اليمين الذي نعقده له كفارة، وفي كل الأمور تيسير، فالحق سبحانه يستحق الشكر الدائم. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لمزيد من البيان عن الشكر.

стр. 1244

سورة المائدة [٥: ٩٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: نداء جديد للذين آمنوا؛ بتكليف جديد، أو حكم، واستعمل فيها ياء النداء، والهاء: للتنبيه. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة، ومكفوفة؛ تفيد التوكيد. ﴿الْخَمْرُ﴾: اسم لكل ما خامر العقل؛ أيْ: خالطه، أو غطاه، أو ستره. ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾: القمار، مشتقة من اليسر: وهو كسب المال بلا جهد. ﴿وَالْأَنصَابُ﴾: قيل: هي النصب: حجارة كانت حول الكعبة في الزمن القديم، كانوا يذبحون عليها؛ تقرباً للآلهة، وقيل: هي الأصنام، والتماثيل. ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾: أقداح كان يكتب عليها: أمرني ربي، أو نهاني ربي، أو افعل، أو لا تفعل، وهي سبعة أقداح، أو أكثر. ﴿رِجْسٌ﴾: عمل قذر، قبيح، خبيث، مستقذر، حساً، أو معنىً؛ لأن النفس الحكيمة، والعقل الحكيم يعافه (يستقبحه). منها ما هو مستقذر حساً: مثل الخمر، والميتة، والدم المسفوح. ومنها ما هو مستقذر معنىً: الأزلام، الأنصاب، الميسر، وتسمَّى الأوثان. بينما الرجز: هو العذاب، والرجس: يطلق على الأصنام، والأوثان، والآثام،

стр. 1245

والمعاصي، والرجس: أعم من الرجز؛ فهي تشمل الشيء أو القبيح والمستقذر وأيضاً العذاب. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩) لمزيد من البيان. ﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾: من تزيين الشيطان، ووساوسه، وإضلاله. وكما قال تعالى في سورة النساء، آية (١١٩ - ١٢٠): ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ﴾، ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾: كونه رجساً من عمل الشيطان؛ فلذلك يقتضي اجتنابه؛ أي: ابتعدوا عنه، ولا تقربوه. ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾: من الاجتناب: وهو أن يعطي الإنسان الشيء المتجنب جانبه، ويعني: عدم الاقتراب منه، فلا يكفي عدم القيام به، بل عدم الاقتراب منه، وقالوا: الاجتناب: أقوى من التحريم، والهاء: في ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾: تعود على عمل الشيطان والرجس. والرجس: يعني: الأربعة المذكورة، وهي: الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، ولم يترك -جل وعلا- هذا الأمر؛ للاستحسان العقلي، والاستنباط؛ لكي يُفتي فيه، بل صرّح به، فقال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعلَّ هنا: للتعليل. ﴿تُفْلِحُونَ﴾: أيْ: تفوزون في الآخرة بالجنة، ورضا الله. ولبيان مزيد من معنى (تفلحون)؛ ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة. سورة المائدة [٥: ٩١] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة، تفيد التوكيد.

стр. 1246

﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾: الخطاب موجَّه إلى الذين آمنوا. وهل الشيطان قادر على إنفاذ ما يريد؟ الجواب: نعم إذا أطاعه الإنسان، واتبع خطواته، وأمرته نفسه الأمارة بالسوء، وضعف إيمانه، ولا يستطيع الشيطان أن يقهر أو يكره إنساناً على فعل شيء، ولكنه يُزين له الفعل، ويوسوس له، وليس له سلطة، أو قدرة على الإكراه، أو الإقناع: ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]. فحين يُزين للإنسان شرب الخمر، ولعب الميسر: هذا بدوره يؤدِّي إلى العداوة والبغضاء. ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾: البغضاء: شدة الكراهية وعدم الرضا؛ ارجع إلى الآية (٦٤) من نفس السورة؛ للبيان. والعداوة: تؤدِّي إلى البغضاء، أو بالعكس، وكثيراً ما نرى حوادث القتل والإجرام تحدث في أماكن شرب الخمر والقمار. ﴿فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾: ولم يذكر الأنصاب والأزلام، واكتفى بالخمر والميسر، ونسب وقوع العداوة والبغضاء إلى الشيطان؛ لأنه هو المُزين لهما، والموسوس بفعلها. ﴿فِى﴾: هنا تفيد السببية؛ أيْ: بسبب الخمر، والميسر، أو ظرفية؛ تعني: في فعلها العداوة والبغضاء. ﴿وَيَصُدَّكُمْ﴾: أيْ: يصرفكم عن ذكر الله، وعن الصلاة.

стр. 1247

ونلاحظ تكرار (عن)؛ لأن الشيطان قد يصدّ عن ذكر الله وحده، أو عن الصلاة وحدها، أو كليهما معاً، فكلٌّ من الذكر والصلاة منفرد بذاته. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾: الفاء: للتوكيد، هل: للاستفهام بمعنى: الأمر، والنهي؛ أي: انتهوا. وكان تحريم الخمر تدريجياً على أربع مراحل: المرحلة الأولى: قيل: إن أول آية جاءت في سياق التحريم هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧]. المرحلة الثانية: ثم نزلت الآية: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. بعد أن سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الخمر والميسر. المرحلة الثالثة: ثم نزلت الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. المرحلة الرابعة: ثم نزلت الآية الأخيرة، وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]. بالتحريم المطلق في الدنيا. وهكذا كان تدرّج الأحكام، خطوةً خطوةً، حتى تألف النفوس، وتتربَّى على التقوى، وتبتعد عن الإثم، والمعصية بحكمة، وتفكير، فلا تعود إليها بعد تركها. وهذه المراحل تتناسب، أو تطابق ترتيب نزول السور، فسورة النحل ترتيب

стр. 1248

نزولها (٧٠)، أما سورة البقرة فترتيب نزولها (٨٧)، وأما سورة النساء فترتيب نزولها (٩٢)، وأما سورة المائدة فترتيب نزولها (١١٢). سورة المائدة [٥: ٩٢] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ =﴾: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: وفي الآية (٣٢) من سورة آل عمران قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ولمعرفة الفرق بين هاتين الآيتين: ارجع إلى الآية (٥٩) من سورة النساء. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: فيما أمركم به، أو نهاكم عنه، وأطيعوا الرسول فيما فصل لكم من الأحكام، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق. فالله -جل وعلا- أمر بالصلاة بشكل مجمل، ولم يفصل كيفية الصلاة، وعدد الركعات، وماذا نقول في كل ركعة، فجاء الرسول ﷺ ؛ ليفصل لنا ما أمرنا الله به، فهنا علينا أن نطيع الله ونطيع رسوله. ﴿وَاحْذَرُوا﴾: من الحذر: وهو توقي الضرر سواء أكان ظناً أم يقيناً، هذه هي الآية الوحيدة التي ذكر فيها واحذروا، جاء التحذير هنا؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق ذكر الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، وكلها رجس من عمل الشيطان، فناسب ذلك ذكر التحذير من الوقوع فيها. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة للتوكيد، إن: الشرطية؛ تفيد أو تحمل معنى الاحتمال، والقلَّة. ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: التولي: وهو أشد الأغراض؛ أي: الابتعاد؛ أي: أعرضتم، ورفضتم الإذعان لما أمركم الله به؛ من الاجتناب، والطاعة.

стр. 1249

﴿فَاعْلَمُوا﴾: جواب الشرط لجملة ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾. فاعلموا أنكم لن تضروا الله تعالى، ولا رسوله ﷺ شيئاً؛ لأن وظيفة رسول الله ﷺ : هي التبليغ فقط. ﴿أَنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد. ﴿عَلَى رَسُولِنَا﴾: على: تفيد العلو، والمشقة على رسولنا محمد ﷺ ، وتقديم على: تفيد الحصر. ﴿الْبَلَاغُ﴾: الإيصال، إيصال ما أنزل الله تعالى من الآيات، والأحكام، وأيضاً تبيان ما نُزل إليكم. و ﴿الْمُبِينُ﴾: تعني: إيصال البلاغ، أو تبليغ كل فرد بصورة مباشرة، أو غير مباشرة المنهج بشكل كامل دون أي نقص. سورة المائدة [٥: ٩٣] ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: سبب النزول: بعد نزول الآية السابقة؛ بتحريم الخمر والميسر، سأل أناس رسول الله ﷺ عن مصير إخوانهم الذين أسلموا، وكانوا يشربون الخمر، ويتعاطون الميسر، وماتوا، أو قتلوا في سبيل الله قبل نزول هذه الآية؛ فجاء الرد الإلهي على سؤالهم. ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾: أيْ: إثم، أو ذنب، أو جرم. ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾: طعموا هنا: تشمل الطعام، والشراب (أي: الخمر).

стр. 1250

واستعمل ﴿لَيْسَ﴾: للنفي بدلاً من (لا)؛ فقال: ليس عليهم جناح، بدلاً من: لا جناح عليهم؛ لأن لا جناح عليهم: لا: نافية للجنس أقوى توكيداً في النفي من ليس؛ لأن (لا جناح عليهم) جملة اسمية، بينما ليس عليهم جناح جملة فعلية، والجملة الاسمية أقوى من الفعلية، ولذلك نجد القرآن يستعمل (لا جناح عليهم) في العبادات، والأمور الأسرية، والحقوق الزوجية؛ أي: الأمور الأكثر أهمية، ويستعمل (ليس عليهم جناح) في أمور الطعام، والشراب، ودخول البيوت، واللباس؛ أي: الأمور الأقل أهمية من السابقة. ثم صنَّف ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: وشربوا الخمر، وتعاطوا الميسر، وماتوا أو قتلوا قبل نزول هذه الآية: ليس عليهم جناح (إثم) على شرط أنهم ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أيْ: ماتوا، أو قتلوا؛ وهم في حالة التقوى، والإيمان، والأعمال الصالحة. الصنف الثاني: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: وشربوا الخمر، أو تعاطوا الميسر، ولا زالوا أحياء؛ ليس عليهم إثم أو حرج قبل نزول هذه الآية على شرط أن يتجنبوا شربها بعد نزول الآية، وأن لا يتعاطوا الميسر، ويستمروا على إيمانهم وتقواهم. الصنف الثالث: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: ولم يشربوا الخمر، أو يتعاطوا الميسر قبل نزول هذه الآية، أو بعد نزولها؛ أيْ: هؤلاء الذين ﴿اتَّقَوْا وَّأَحْسَنُوا﴾: أيْ: استمروا في تقواهم، وإحسانهم؛ فهؤلاء لهم أعظم الدرجات.

стр. 1251

وانتبه! إلى مجيء ﴿ثُمَّ﴾، وتكرارها مرتين: لا تفيد الترتيب والتراخي في الزمن، وإنما تفيد في تباين الدرجات بين هؤلاء الأصناف، فالصنف الثالث: أعظم درجة، وأفضل من الصنف الثاني، والصنف الثاني: أعظم درجة، وأفضل من الصنف الأول. لننظر مرة أخرى إلى الآية: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَّأَحْسَنُوا﴾: هنا ثلاث تقوات، وآمنوا مرتين، وعملوا الصالحات مرة، وأحسنوا مرة، فما تفسير كل ذلك؟ ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾: إذا: شرطية، ما: للتوكيد زائدة، اتقوا: شرب الخمر، والمعاصي، والشرك، اتقوا: أيْ: أطاعوا أوامر الله سبحانه، وتجنبوا نواهيه. ﴿وَآمَنُوا﴾: بالله، ورسله، وملائكته، وكتبه، واليوم الآخر. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أقاموا الفرائض، والنوافل، وذكر الله. ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾: اتقوا شرب الخمر، بعد تحريمها، وآمنوا بالله، ورسله، وملائكته، وكتبه، واليوم الآخر. ثم اتقوا: استقاموا على تقواهم بامتثال أوامر الله، وتجنب نواهيه بما فيها شرب الخمر، والميسر. ﴿وَّأَحْسَنُوا﴾: وأحسنوا العمل الصالح، (كمّاً وكيفاً)، وأحسنوا الإيمان بعد ترك شرب الخمر، والتقوى.

стр. 1252

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: جمع محسن، وهو من أحسن في إيمانه، وتقواه، وعبادته، كمَّاً وكيفاً؛ فهؤلاء مع الذين يحبهم الله تعالى. فالتقوى الأولى: في الآية تعني: امتثال ما أمر الله به، ونهى عنه. والتقوى الثانية: تعني: عدم شرب الخمر، والميسر، والأزلام. التقوى الثالثة: الاستقامة على طاعة الله، وامتثال أوامر الله. سورة المائدة [٥: ٩٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: المناسبة: بعد ذكر المحرمات الدائمة في كل زمان ومكان في مطلع السورة؛ كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، وذكر الخمر وغيره من المحرمات في الآية (٩٠). يذكر في هذه الآية محرمات من نوع خاص؛ أيْ: في أزمنة خاصَّة، وأمكنة خاصَّة؛ مثل: الصيد المحرم فقط، في زمن الإحرام، وفي مكان خاص، هو الحرم وقت الحج، على نحو ما، ابتلى الله -جل وعلا- به بني إسرائيل في تحريم الصيد عليهم يوم السبت. ارجع إلى سورة الأعراف، الآيتان (١٦٣ - ١٦٤). ابتلى اللهُ المؤمنين في زمن الإحرام، وداخل الحرم بعدم الصيد، فينادي

стр. 1253

الله تعالى الذين آمنوا بأمر جديد، فيقول تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون في (يبلونكم): لزيادة التوكيد. وقيل: حدث هذا الابتلاء في عام الحديبية، عندما كان رسول الله ﷺ وصحابته في طريقهم إلى العمرة، فكان الطير والصيد تأتيهم من كل مكان، ونزلت هذه الآية؛ تنهاهم عن الصيد، وهم في حالة الإحرام للعمرة، فكان ذلك ابتلاءً وامتحاناً؛ لمعرفة صدق إيمانهم، وطاعتهم. ﴿بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾: الباء: للإلصاق، من: للتبعيض؛ أيْ: بعض الصيد، وهو صيد البر، أما صيد البحر؛ فقد كان حلاً لهم. ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾: تلتقطه أيديكم من دون جهد؛ أيْ: سهلة الصيد، أو باستعمال أدوات الصيد من الجوارح والكلاب؛ التي تستعمل لصيد الغزلان، وغيرها. ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾: اللام: لام التعليل، ليس المقصود هنا ليعلم الله من يخافه بالغيب، كما هو الظاهر في الآية، فالله -جل وعلا- يعلم ذلك منذ الأزل، يعلم ما سيحدث لكم؛ من الطاعة، أو المعصية قبل خلقكم، وليعلم هنا؛ أيْ: لكي يقيم عليكم الحُجَّة؛ أيْ: تعلموا أنفسكم من أطاع ممن عصى، فلا يدعي أحد أنه لو ابتُلي لفعل كذا، وكذا، والابتلاء هنا؛ ليرى هو نفسه نتيجة ابتلائه. ﴿مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾: الخوف من الله بالغيب، أشد من الخوف منه بالعلن. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية. ﴿اعْتَدَى﴾: تجاوز حدود الله، واصطاد، وعصى، وأخلَّ بإحرامه.

стр. 1254

﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد هذا الأمر بالنهي. ﴿فَلَهُ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، فله: اللام: لام الاستحقاق. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدنيا والآخرة. سورة المائدة [٥: ٩٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾: يخاطب الله سبحانه الذين آمنوا بأمر تكليفي جديد، وينبههم باستعمال هاء التنبيه في كلمة يا أيها، فيقول: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾: لا: الناهية؛ أيْ: لا تصطادوا وأنتم حرم؛ أيْ: وأنتم مُحرمون، زمن الإحرام للحج، أو العمرة، أو كليهما معاً، وداخل الحرم؛ أيْ: ممنوع أن يصطاد المحرم شيئاً، منذ بلوغه الميقات. ﴿وَمَنْ﴾: شرطية. ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾: بعد النهي قتله؛ أيْ: أخطأ حين قتله، سواء لم يعلم بالحكم، أو نسي الحكم، أو تعمد الصيد؛ الحكم واحد. كلمة ﴿مُّتَعَمِّدًا﴾: اعتبر الخطأ هنا عمداً؛ لأن الحكم واحد (أي: الجزاء واحد)، وذلك لكي ينتبه المسلم، وليكون في منتهى اليقظة الإيمانية والحذر. ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾: الفاء: جواب للشرط؛ أيْ: عليه جزاء مماثل لما قتل، من النِّعم، والإبل، والبقر، والغنم، والماعز.

стр. 1255

﴿مِّثْلُ﴾: تعني: المثلية بالقيمة، والشكل، مثال: قتلَ نعامة؛ عليه بعير. إذا قتل ضبعاً؛ فعليه كبش، ضباً؛ عليه شاة، غزالاً؛ عليه عنزة، وهكذا. ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾: أي: الذي يحكم، ويقرر ذلك اثنان: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾: أيْ: رجلان، معروفان بالإيمان والعدل، ممن تثقون بهم. ﴿ذَوَا﴾: ذو؛ بمعنى: صاحب؛ أيْ: يتصفان بالعدل. ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾: هدياً ما يهدى من الذبائح ابتغاء وجه الله؛ أيْ: يصل إلى الحرم، ويذبح بالحرم، وخصت الكعبة للتعظيم. ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾: هذا هو الخيار الثاني، للذي اصطاد خطأ، ولا يملك القدرة على أن يقدم الهدي، فعليه إطعام مساكين، يحدِّد عددَهم الاثنان ذوا العدل. ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾: وإذا كان المخطئ لا يستطيع الإطعام فعليه أن يصوم أياماً بعدد الفقراء الذين كان يستحقون الطعام. ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾: اللام: لام التعليل، أو الاستحقاق؛ أيْ: ليذوق جزاء ذنبه، سوء عاقبة قتله للصيد، والوبال مأخوذة من الثقل، والشدة، والوخامة، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾: أيْ: شديداً. انتبه! إلى أن الله -جل وعلا- شبه الإنسان الذي هتك حرمة الإحرام بالإنسان الذي يذوق طعاماً وخيماً. ارجع إلى سورة الحشر، آية (١٥)؛ لمزيد من البيان.

стр. 1256

﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾: عفا الله بذلك الإطعام، أو الصيام، أو الهدي عن الصيد في حال الإحرام، قبل نزول هذه الآية، وصدور الحكم. ﴿وَمَنْ عَادَ﴾: إلى قتل الصيد، وهو محرم، بعد نزول النهي. ﴿وَمَنْ﴾: ابتدائية، استغراقية. ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾: والانتقام: أو الثأر، سلب النِّعمة منه أولاً، ثم تعذيبه ثانياً؛ لأن الانتقام نقيض الإنعام، وهناك فرق بين الانتقام والعقاب؛ فالعقاب: هو الجزاء الذي يعقب الجرم. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾: والله عزيز، لا يُغلب، ولا يُقهر، ذو انتقام؛ أيْ: قادر على الانتقام، لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض. وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. انتبه! ﴿أَوْ﴾: في هذه الآية؛ تعني: التخيير، وليس الترتيب. وعلى ذوي العدل تقرير، أو اختيار؛ أي: الكفارات التي تناسب المخطئ، الذي قتل الصيد.

стр. 1257

سورة المائدة [٥: ٩٦] ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾: أبيح لكم. ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾: سواء أكنتم محرمين أم غير محرمين، وصيد البحر يشمل كل الحيوانات البحرية، واللؤلؤة والمرجان. ﴿وَطَعَامُهُ﴾: ما يؤكل من صيده، فهناك حيوانات بحرية، لا تؤكل. ﴿مَتَاعًا﴾: أيْ: ما ينتفع منه، والمتاع. ارجع إلى الآية (١٤) من سورة آل عمران؛ لمزيد من البيان. ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾: اللام: لام الاختصاص، السيارة؛ أي: المسافرون. ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾: يعيد تأكيد تحريم صيد البر أثناء الإحرام، بعكس صيد البحر فهو مباح للمقيم والمسافر. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: امتثلوا أوامره، وتجنبوا محارمه، واجعلوا بينكم وبين عذابه حاجزاً وافياً. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول؛ يفيد التعظيم والإجلال. ﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور، وتقديمها؛ ليدل على الحصر والقصر، أنه إليه فقط

стр. 1258

لا إلى غيره سوف ﴿تُحْشَرُونَ﴾: يوم القيامة يوم الحشر، والحشر؛ يعني: إخراج الموتى من قبورهم، وسوقهم إلى أرض المحشر والجمع؛ للحساب والجزاء. الاختلاف بين نهاية هذه الآية: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، ونهاية الآية (٨٨) من السورة نفسها: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. ﴿الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: يعني: في الآخرة الآية في سياق الآخرة. ﴿الَّذِى أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: يعني: في الدنيا، الآية جاءت في سياق الدنيا. سورة المائدة [٥: ٩٧] ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْىَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: الجعل؛ أي: التصيير؛ أيْ: صيَّر الله الكعبة البيت الحرام، قياماً للناس، والجعل؛ يستعمل في الأشياء الحسّية. ﴿الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: البيت الحرام، بدلٌ من الكعبة. ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾: أيْ: قواماً لحياتهم؛ أي: الكعبة شيء، يحفظ لهم قيام حياتهم، كما أن الطعام والشراب، واستبقاء النسل، أشياء تقوم عليها الحياة، وكذلك الكعبة شيء ضروري، يحفظ قيام الحياة الدنيوية والأخروية، فقوله تعالى: ﴿قِيَامًا﴾ لها عدة معانٍ: فالكعبة ﴿قِيَامًا﴾: تحفظ للناس (للمسلمين) بقاء دِينهم وقبلتهم. و ﴿قِيَامًا﴾: لإتمام فريضة الحج والعمرة. و ﴿قِيَامًا﴾: لحفظ حياتهم؛ إذ هي مثابة وأمن، ومكان لكل خائف وملجأ، و ﴿قِيَامًا﴾: لما يحصل في الحج من تبادل المنافع، والمصالح، والتعايش، والتجارة الضرورية؛ لحفظ حياة القائمين عليها.

стр. 1259

و ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾: البيت من البيتوتة، المكان الذي تأوي إليه، وتستريح فيه. ﴿الْحَرَامَ﴾: مشتقة من حرمته وقدسيته، فلا قتال فيه. ارجع إلى سورة الحج، آية (٢٥)؛ لبيان معنى البيت الحرام، الكعبة المسجد الحرام. ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾: اسم جنس؛ يعني: الأشهر الحرم الأربعة. والحرمة في كلمة الشهر الحرام، جاءت من حرمة القتال فيه. ﴿وَالْهَدْىَ﴾: ما يُهدى إلى الكعبة، وإلى البيت، حيث أقيمت بوادٍ غير ذي زرع. ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾: جمع قلادة، والقلادة ما يقلد به الهدي؛ علامة له، وإشعاراً أنه مهداة إلى البيت الحرام، فلا يؤذى، أو يتعرض له. ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام للبعيد، يشير إلى جعل الكعبة، قياماً للناس، وما ذكر من حرمة الصيد في الإحرام، وحرمة الأشهر الحرم. ﴿لِتَعْلَمُوا﴾: اللام: لام التعليل؛ أيْ: جعل كل ذلك، وحقق ذلك، ليدلكم على: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أن: للتوكيد ﴿يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: أيْ: كل ما يجري في كونه من أفعال وأقوال حلال، أو حرام. ﴿مَا﴾: للعاقل، وغير العاقل. ارجع إلى الآية (٢٩) من سورة آل عمران. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: عليم بما يصلح لكم قوام حياتكم، وأمور دِينكم، ودنياكم، وآخرتكم، ولذلك أمركم بها، وكلفكم بالقيام بها لحكمة ما، وليس عبثاً.

стр. 1260

سورة المائدة [٥: ٩٨] ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ﴾: علم اليقين؛ للتوكيد. ﴿اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: لمن انتهك محارمه وخالفه. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: صفة من صفات الجلال، يقابلها صفتان من صفات الجمال، هي الغفور الرحيم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١١)؛ لبيان معنى العقاب. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: أن: للتوكيد. ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لمن أطاعه، وأمن به، ولم يشرك به. ﴿غَفُورٌ﴾: صفة مبالغة، لغافر، كثير الغفر؛ أي: الستر، بمعنى محو الخطايا، مهما عظمت وتعددت إلا الكفر والشرك. ﴿رَحِيمٌ﴾: صفة مبالغة، من الرحمة، لا يعجل العقوبة؛ لمن أذنب، لعلَّه يتوب ويرجع؛ أيْ: رحيم بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، رحيم على وزن فعيل؛ أيْ: صفة ثابتة لذاته. سورة المائدة [٥: ٩٩] ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾: ﴿مَا﴾: النافية. ﴿عَلَى﴾: تفيد العلو والمشقة. ﴿الرَّسُولِ﴾: محمد ﷺ ، أو غيره من الرسل. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر فقط. ﴿الْبَلَاغُ﴾: البلاغ؛ أي: التبليغ، وليس عليه الهداية، إيصال ما أنزل الله من الآيات، والأحكام، والذكر الحكيم، إلى الناس، وتبيان ما أُنزل إليهم من ربهم.

стр. 1261

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الذي ﴿تُبْدُونَ﴾، أو مصدرية: ما أبديتم. ﴿مَا تُبْدُونَ﴾: تظهرون للعلن. ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾: تكرار ما؛ يفيد التوكيد، وفصل كلٍّ من الإبداء والكتمان، على حدة، أو كليهما معاً؛ أيْ: ما تسرون، أو تخفون. والإخفاء أعم من الكتمان، والكتمان غالباً ما يكون بالمعاني. والإخفاء يكون في الأشياء الحسية والمعاني معاً. سورة المائدة [٥: ١٠٠] ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أسباب النزول: عن جابر أن رجلاً، قال للنبي ﷺ : إن الخمر كانت تجارتي، فأخرجت من بيع الخمر مالاً، فهل ينفعني ذلك المال، إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي ﷺ : «إن الله لا يقبل إلَّا الطيب». انظر في أسباب النزول للواحدي. ﴿لَا﴾: النافية. ﴿يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾: أيْ: لا يساوي الخبيث الطيب؛ أي: الحلال والحرام، أو الجيد والخبيث مقداراً، ولا إنفاقاً، ولا مصيراً، ولا درجة. ﴿الْخَبِيثُ﴾: الحرام، السُّحت، الرِّجس. ﴿وَالطَّيِّبُ﴾: الحلال الطاهر. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾: لو: هنا شرطية. والعجب هو السرور؛ أيْ: لا تفرح بـ ﴿الْخَبِيثِ﴾: لأنه زائل وممحوق البركة، وفائدته باطلة، أو ليس له ثواب، فالطيب القليل، هو أربى، وأفضل من

стр. 1262

الخبيث الكثير. وفي الآية حث على التأمل في كل شيء لتميز خبثه من طيبه، والعبرة ليست بالكثرة أو الجم أو الكم، وإنما بالكيف والنوع والجودة؛ الطيب والطهارة. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: التزموا بالطيب الحلال، واجتنبوا الخبيث الحرام. ﴿يَاأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: يا أصحاب العقول النيرة، الصفوة؛ الذين هداهم الله الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: بالعمل، بالطيب، وتجنب الحنث، واتّخاذكم الأسباب الأخرى؛ للفلاح، وتدعون الله، راجين القبول، والنجاة من النار، والفوز بالجنة. ارجع إلى الآية ٥ من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. سورة المائدة [٥: ١٠١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: سبب النزول: قيل: نزلت هذه الآية حينما فرض الله الحج، فقال أحد الصحابة: أكلَّ عامٍ يا رسول الله، فلم يجبه رسول الله ﷺ ، حتى كرَّر السؤال ثلاث مرات، فقال عندها رسول الله ﷺ للسائل: ويحك ما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله، لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت، ثم تركتم؛ لضللتم، اسكتوا عني ما سكتُّ عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، هذا ما رواه مسلم عن أبي هريرة. وقيل: نزلت في رجل سأل رسول الله ﷺ عن أبيه: أفي الجنة أم في النار؟ رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك. وقيل: نزلت حينما سألوا رسول الله ﷺ عن البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام.

стр. 1263

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الذين آمنوا، بتكليف جديد، والهاء في أيها: للتنبيه. ﴿لَا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾: لا: الناهية. ﴿تَسْئَلُوا﴾: أسئلة اللغو؛ أيْ: لا حاجة، ولا داعي للسؤال عنها، لا تسألوا الرسول ﷺ . ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾: سكت عنها القرآن. ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾: إن شرطية، تفيد الاحتمال والقلة. ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾: أيْ: تظهر لكم الإجابة عنها. ﴿تَسُؤْكُمْ﴾: تحزنكم، أو تسيء إليكم، أو لا تعجبكم. ﴿وَإِنْ﴾: شرطية. ﴿تَسْئَلُوا عَنْهَا﴾: حين ينزل القرآن، فإن أجيب عنها بفرض، أو إيجاب، أو نهي، أو حكم؛ كان بها؛ أيْ: إن سألتم عن أشياء ضرورية، عندها انتظروا نزول الوحي بالجواب، مثل: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾، أو المحيض، أو اليتامى، ولا تقولوا: أن الرسول ﷺ لا يعلم. ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾: أيْ: أمسك الله عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكماً، رحمة بكم، أو لحكمة ما، ولا تقولوا: إن الرسول لا يعلم الإجابة عنها، أو هو ليس نبياً. وقد تعني: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾: لم يحاسب السائل عليها، أو يؤاخذه على سؤاله، ويفرض عليه كفارة أو عقوبة. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: غفور: كثير الغفر، أو المغفرة، صيغة مبالغة، يغفر الذنوب جميعاً، مهما كانت كبيرة، أو صغيرة، أو كماً أو نوعاً؛ إلّا الشرك، حتى يتوب العبد.

стр. 1264

﴿حَلِيمٌ﴾: لا يعجل لكم العقوبة؛ مع قدرته على ذلك. حليم لمن عصاه؛ ينعم على خلقه، كثير الصفح، والأناة. سورة المائدة [٥: ١٠٢] ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق؛ يفيد التوكيد. ﴿سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: مثل قوم صالح، حينما سألوا عن الناقة؛ كآية، أو معجزة، أو بني إسرائيل حين سألوا عن أوصاف البقرة التي أمروا أن يذبحوها، أو عيسى ﵇ حينما سألوه أن ينزل عليهم مائدةً من السماء. ﴿ثُمَّ﴾: للحال، والتوكيد. ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾: أيْ: كانوا يسألون رسلهم، فإذا أخبروهم، أو تحقق ما طلبوه، أصبحوا بسبب عدم تصديقها كافرين، وصفة الكفر ثابتة لهم. سورة المائدة [٥: ١٠٣] ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: ﴿مَا جَعَلَ﴾: ما شرع، ما أوجب، ما أمر، ما صير. والجعل: الجعل: يكون بعد الخلق؛ أي: مرحلة تالية للخلف، وقد يعني: توجيه المخلوق إلى مهمته في الحياة. فالخلق والجعل لله تعالى وحده، وعلينا أن لا نتدخل في ذلك، فالله سبحانه خلق الخنزير؛ ليأكل القاذورات، فعلى الإنسان ألَّا يُغير هذا الجعل، فلا يحوله إلى غير مهمته، فيذبحه ويأكل لحمه. مثال آخر: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الَّائِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: التبني هو إفساد في الجعل. ﴿مَا﴾: النافية؛ للعاقل، ولغير العاقل.

стр. 1265

﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾: من: الاستغراقية. ﴿بَحِيرَةٍ﴾: إذا ولدت الناقة خمسة بطون؛ آخرها: أنثى شقوا أذنها شقاً واسعاً؛ يعني: بحروا الناقة، وتركوها، فلا تنحر، ولا يُحمل عليها، ولا تطرد من الماء، أو أي مرعى؛ أيْ: تأكل، وترعى أينما تشاء. ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾: الناقة: التي تُسيب بنذرها للآلهة، ولا يحمل عليها، وترعى حيث تشاء. ﴿وَصِيلَةٍ﴾: إذا ولدت ذكراً وأنثى في بطن واحد، فلا يذبحونها، ويقال: وصلت أخاها. ﴿حَامٍ﴾: الفحل؛ الذي لقح عشرة أجيال من الإناث، فيقولون: حمى ظهره، فلا يُحمل عليه، ولا يُمنع الماء، والمرعى. ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: الافتراء: هو اختلاف الكذب، والكذب في هذه الآية معرف بأل التعريف مقارنة بـ يفترون على الله كذباً: نكره فالكذب في هذه الآية يتعلق بالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وكل هذه: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام: هي اختراعات أهل الجاهلية والكفر؛ الذين يفترون على الله الكذب؛ أيْ: يختلقون الكذب، وينسبونه إلى الله، مع أنها مُسخَّرة لخدمة الإنسان؛ ليأكل من لبنها، ويسخِّرها لما يريد، وكيف يشاء، وليس كما زعم الكفار. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: أكثرهم تعود على الذين كفروا. ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا: النافية، يعقلون: يفهمون؛ لأنهم يحلِّلون ويحرِّمون كما يشاؤون من دون علم، ولأنهم يفترون على الله الكذب.
следующие страницы →