← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الذي ﴿تُبْدُونَ﴾، أو مصدرية: ما أبديتم. ﴿مَا تُبْدُونَ﴾: تظهرون للعلن. ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾: تكرار ما؛ يفيد التوكيد، وفصل كلٍّ من الإبداء والكتمان، على حدة، أو كليهما معاً؛ أيْ: ما تسرون، أو تخفون. والإخفاء أعم من الكتمان، والكتمان غالباً ما يكون بالمعاني. والإخفاء يكون في الأشياء الحسية والمعاني معاً. سورة المائدة [٥: ١٠٠] ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِى الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أسباب النزول: عن جابر أن رجلاً، قال للنبي ﷺ : إن الخمر كانت تجارتي، فأخرجت من بيع الخمر مالاً، فهل ينفعني ذلك المال، إن عملت فيه بطاعة الله؟ فقال له النبي ﷺ : «إن الله لا يقبل إلَّا الطيب». انظر في أسباب النزول للواحدي. ﴿لَا﴾: النافية. ﴿يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾: أيْ: لا يساوي الخبيث الطيب؛ أي: الحلال والحرام، أو الجيد والخبيث مقداراً، ولا إنفاقاً، ولا مصيراً، ولا درجة. ﴿الْخَبِيثُ﴾: الحرام، السُّحت، الرِّجس. ﴿وَالطَّيِّبُ﴾: الحلال الطاهر. ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾: لو: هنا شرطية. والعجب هو السرور؛ أيْ: لا تفرح بـ ﴿الْخَبِيثِ﴾: لأنه زائل وممحوق البركة، وفائدته باطلة، أو ليس له ثواب، فالطيب القليل، هو أربى، وأفضل من

стр. 1262

الخبيث الكثير. وفي الآية حث على التأمل في كل شيء لتميز خبثه من طيبه، والعبرة ليست بالكثرة أو الجم أو الكم، وإنما بالكيف والنوع والجودة؛ الطيب والطهارة. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: التزموا بالطيب الحلال، واجتنبوا الخبيث الحرام. ﴿يَاأُولِى الْأَلْبَابِ﴾: يا أصحاب العقول النيرة، الصفوة؛ الذين هداهم الله الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: بالعمل، بالطيب، وتجنب الحنث، واتّخاذكم الأسباب الأخرى؛ للفلاح، وتدعون الله، راجين القبول، والنجاة من النار، والفوز بالجنة. ارجع إلى الآية ٥ من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. سورة المائدة [٥: ١٠١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: سبب النزول: قيل: نزلت هذه الآية حينما فرض الله الحج، فقال أحد الصحابة: أكلَّ عامٍ يا رسول الله، فلم يجبه رسول الله ﷺ ، حتى كرَّر السؤال ثلاث مرات، فقال عندها رسول الله ﷺ للسائل: ويحك ما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله، لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت، ثم تركتم؛ لضللتم، اسكتوا عني ما سكتُّ عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، هذا ما رواه مسلم عن أبي هريرة. وقيل: نزلت في رجل سأل رسول الله ﷺ عن أبيه: أفي الجنة أم في النار؟ رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك. وقيل: نزلت حينما سألوا رسول الله ﷺ عن البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام.

стр. 1263

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الذين آمنوا، بتكليف جديد، والهاء في أيها: للتنبيه. ﴿لَا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾: لا: الناهية. ﴿تَسْئَلُوا﴾: أسئلة اللغو؛ أيْ: لا حاجة، ولا داعي للسؤال عنها، لا تسألوا الرسول ﷺ . ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾: سكت عنها القرآن. ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾: إن شرطية، تفيد الاحتمال والقلة. ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾: أيْ: تظهر لكم الإجابة عنها. ﴿تَسُؤْكُمْ﴾: تحزنكم، أو تسيء إليكم، أو لا تعجبكم. ﴿وَإِنْ﴾: شرطية. ﴿تَسْئَلُوا عَنْهَا﴾: حين ينزل القرآن، فإن أجيب عنها بفرض، أو إيجاب، أو نهي، أو حكم؛ كان بها؛ أيْ: إن سألتم عن أشياء ضرورية، عندها انتظروا نزول الوحي بالجواب، مثل: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾، أو المحيض، أو اليتامى، ولا تقولوا: أن الرسول ﷺ لا يعلم. ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾: أيْ: أمسك الله عن ذكرها، فلم يوجب فيها حكماً، رحمة بكم، أو لحكمة ما، ولا تقولوا: إن الرسول لا يعلم الإجابة عنها، أو هو ليس نبياً. وقد تعني: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾: لم يحاسب السائل عليها، أو يؤاخذه على سؤاله، ويفرض عليه كفارة أو عقوبة. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: غفور: كثير الغفر، أو المغفرة، صيغة مبالغة، يغفر الذنوب جميعاً، مهما كانت كبيرة، أو صغيرة، أو كماً أو نوعاً؛ إلّا الشرك، حتى يتوب العبد.

стр. 1264

﴿حَلِيمٌ﴾: لا يعجل لكم العقوبة؛ مع قدرته على ذلك. حليم لمن عصاه؛ ينعم على خلقه، كثير الصفح، والأناة. سورة المائدة [٥: ١٠٢] ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق؛ يفيد التوكيد. ﴿سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: مثل قوم صالح، حينما سألوا عن الناقة؛ كآية، أو معجزة، أو بني إسرائيل حين سألوا عن أوصاف البقرة التي أمروا أن يذبحوها، أو عيسى ﵇ حينما سألوه أن ينزل عليهم مائدةً من السماء. ﴿ثُمَّ﴾: للحال، والتوكيد. ﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾: أيْ: كانوا يسألون رسلهم، فإذا أخبروهم، أو تحقق ما طلبوه، أصبحوا بسبب عدم تصديقها كافرين، وصفة الكفر ثابتة لهم. سورة المائدة [٥: ١٠٣] ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: ﴿مَا جَعَلَ﴾: ما شرع، ما أوجب، ما أمر، ما صير. والجعل: الجعل: يكون بعد الخلق؛ أي: مرحلة تالية للخلف، وقد يعني: توجيه المخلوق إلى مهمته في الحياة. فالخلق والجعل لله تعالى وحده، وعلينا أن لا نتدخل في ذلك، فالله سبحانه خلق الخنزير؛ ليأكل القاذورات، فعلى الإنسان ألَّا يُغير هذا الجعل، فلا يحوله إلى غير مهمته، فيذبحه ويأكل لحمه. مثال آخر: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الَّائِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: التبني هو إفساد في الجعل. ﴿مَا﴾: النافية؛ للعاقل، ولغير العاقل.

стр. 1265

﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾: من: الاستغراقية. ﴿بَحِيرَةٍ﴾: إذا ولدت الناقة خمسة بطون؛ آخرها: أنثى شقوا أذنها شقاً واسعاً؛ يعني: بحروا الناقة، وتركوها، فلا تنحر، ولا يُحمل عليها، ولا تطرد من الماء، أو أي مرعى؛ أيْ: تأكل، وترعى أينما تشاء. ﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾: الناقة: التي تُسيب بنذرها للآلهة، ولا يحمل عليها، وترعى حيث تشاء. ﴿وَصِيلَةٍ﴾: إذا ولدت ذكراً وأنثى في بطن واحد، فلا يذبحونها، ويقال: وصلت أخاها. ﴿حَامٍ﴾: الفحل؛ الذي لقح عشرة أجيال من الإناث، فيقولون: حمى ظهره، فلا يُحمل عليه، ولا يُمنع الماء، والمرعى. ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: الافتراء: هو اختلاف الكذب، والكذب في هذه الآية معرف بأل التعريف مقارنة بـ يفترون على الله كذباً: نكره فالكذب في هذه الآية يتعلق بالبحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وكل هذه: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام: هي اختراعات أهل الجاهلية والكفر؛ الذين يفترون على الله الكذب؛ أيْ: يختلقون الكذب، وينسبونه إلى الله، مع أنها مُسخَّرة لخدمة الإنسان؛ ليأكل من لبنها، ويسخِّرها لما يريد، وكيف يشاء، وليس كما زعم الكفار. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾: أكثرهم تعود على الذين كفروا. ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا: النافية، يعقلون: يفهمون؛ لأنهم يحلِّلون ويحرِّمون كما يشاؤون من دون علم، ولأنهم يفترون على الله الكذب.

стр. 1266

سورة المائدة [٥: ١٠٤] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: الواو: عاطفة، إذا: ظرف زمان، متضمن معنى الشرط، يدل على حتمية الحدوث. ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾: أيْ: للذين أشركوا، ومن هو القائل لا يهم معرفته، والمهم المقولة. ﴿قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾: ﴿تَعَالَوْا﴾: تعني: ارتفعوا؛ أي: التزموا أو اتبعوا ما أنزل الله وإلى الرسول؛ كأنهم انحطوا وانحدروا بقولهم: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: وتعني: دعونا نبيِّن لكم ما أحلَّ الله تعالى، وما حرَّم، وما أحلَّ الرسول ﷺ ، وما حرَّم عليكم بدلاً من تقليد آبائكم. ﴿إِلَى مَا﴾: ما: اسم موصول؛ أي: الذي أنزل الله في القرآن، من تحليل وتحريم. ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾: فيما آتاكم به، ونهاكم عنه؛ أيْ: ما حلل وحرم. أيْ: تعالوا لنبيِّن لكم كذبكم وباطلكم. قالوا: حسبنا، يكفينا، ولسنا بحاجة إلى غير ما وجدنا عليه آباءنا. ﴿مَا وَجَدْنَا﴾: ما: اسم موصول؛ يعني: الذي ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾،

стр. 1267

ولمقارنة هذه الآية مع الآية (١٧٠) في سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. ارجع إلى سورة البقرة الآية (١٧٠) للبيان. ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، توبيخي، والواو: استئنافية، وتقديره: أيكفيكم ذلك، ولو كان آباؤكم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون. ﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾: انتبه! إلى أنه وصفهم في الآية السابقة (١٠٣) بلا يعقلون، وأما آباؤهم؛ فقد وصفهم بلا يعلمون، ولا يهتدون؛ أيْ: لا علم، ولا هداية. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: من الدِّين، وما حكمُ الله تعالى؛ أيْ: جميعهم جهلة، و ﴿شَيْئًا﴾: نكرة؛ لتشمل أيَّ شيء مهما كان، والشيء: هو أقل القليل. ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾: إلى ما شرع الله، وإلى الحق، لا هم، ولا آباؤهم. فهم وآباؤهم: لا يعقلون، ولا يعلمون، ولا يهتدون، ثلاث صفات تدل على الجهل، وعدم الفهم، والضلال. سورة المائدة [٥: ١٠٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: نداء جديد إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بتوجيه آخر، ووصية أخرى. ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾: أيْ: حافظوا على أنفسكم، أو احفظوا أنفسكم، من الوقوع في المعاصي، والشرك. وألزموا أنفسكم هدايتها، وإصلاحها؛ أيْ: أصلحوا أنفسكم أولاً، وذلك بطاعة الله، وأداء الواجبات، والفرائض، وتطبيق الإسلام.

стр. 1268

كذلك احذروا التقليد الأعمى؛ الذي وقع به هؤلاء الذين جاء ذكرهم في الآية السابقة، حينما قلَّدوا آباءَهم. ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾: إذا: شرطية، تعني: الحتمية؛ يعني: يجب أن تهتدوا أولاً، ثم يبقى عليكم واجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأن الهداية لا تتم حتى تهدوا غيركم إلى ما اهتديتم إليه. فإذا قمتم بذلك وبيَّنتم لهم طريق الخير، والهدى، والصلاح، وبعدها ضلَّ هؤلاء، فلا يضرُّكم بعد ذلك ضلالهم، وقال أبو بكر ﵁ في تفسير هذه الآية، حينما قام خطيباً، أنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وَإِنِّي سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ». رواه الإمام أحمد في المسند، وأصحاب السنن، وابن حبان. ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: إلى الله: تقديم الجار والمجرور، لفظ الجلالة؛ يدل على الحصر؛ أيْ: إلى الله وحده مرجعكم. ﴿جَمِيعًا﴾: توكيد. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: الفاء: استئنافية. ينبئكم: يخبركم في يوم القيامة، أو يطلعكم على صحيفة أعمالكم في الدنيا. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد. ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: في الدنيا من خير وشر، وتعملون: تشمل الأقوال، والأعمال.

стр. 1269

سورة المائدة [٥: ١٠٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾: أسباب النزول: روى البخاري وغيره: «خرج بديل السهمي، مولى عمرو بن العاص مع عدي بن زيد، وتميم بن أوس، وكانا نصرانيين، تجاراً إلى الشام، حتى إذا كانوا ببعض الطريق مرض بديل، فكتب وصية بيده، ثم دسَّها في متاعه، وأوصى تميماً وعدياً أن يدفعا متاعه إلى أهله، فلما مات فتحا متاعه، وأخذا إناءً من فضة منقوشاً بالذهب، وقدِما المدينة على أهله، فدفعا متاعه، ففتح أهله متاعه، فوجدا فيها الوصية، ولم يجد أهله إناء الفضة، فسألوهما؛ فأنكرا سرقتهما للإناء، فترافعوا إلى النبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية مشيرةً إلى ما يجب فعله في هذه الحالة». ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾: نداء جديد بوصية أخرى: لا تنسوا في لحظة مواجهة الموت الوصية، إن كان مديناً لأحد، أو كان له دَين على أحد، وكذلك إن سافر أحدكم في الأرض؛ فعليه أن يوصي (يكتب وصيته حتى لا يضيع على ورثته حقٌّ لهم، ويسدد ما عليه من دين ويبرئ ذمته. ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: إذا: شرطية تفيد الحتمية والكثرة؛ حضر أحدكم الموت: من خصائص القرآن استعمال حضر في سياق الأحكام، والوصايا المتعلقة بالموت، وحضر تعني: شهد أو قارب على الموت، ويستعمل القرآن جاء أو المجيء للأجل، ويستعمل الموت حين نتكلم عن الموت.

стр. 1270

﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾: وأن يشهد على الوصية اثنان من المسلمين، يتصفان بالعدل، والإيمان، والأخلاق لحسنة. ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: أو آخران من غيركم: أيْ: من غير المسلمين. أيْ: إذا كان مسافراً مع غير أناس مسلمين فأصابته مصيبة الموت؛ فعليه أيضاً أن يشهدهم على الوصية، فلا عذر، ولا بُدَّ من شهادة اثنين مسلمين، أو غير مسلمين، والأفضل أن يكونا ذوي عدل. ﴿فَأَصَابَتْكُم مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾: أيْ: حضر أحدكمُ الموت: عندها اكتبوا الوصية، وأشهدوا ذوي عدل. ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾: أيْ: بعد موت الموصي، وترك الوصية: إن حدث شك في صدق الشاهدين؛ أيْ: في شهادتهما أنهما لا يقولان الحقيقة، أو شك في أمانتهما. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾: تستدعونهما للقسم بعد الصلاة (أيِّ صلاة)، والقسم في القرآن: يقترن بالصدق، وأما اليمين فينطلق على القسم مقارنة بالخلق الذي يأتي في سياق الكذب أو إضمار الكذب. ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾: نص القسم هو: أقسم بالله ﴿لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾. وانظر كيف أضاف الله الشهادة إليه فقال: (ولا نكتم شهادة الله)؛ لتعظيم خطر الشهادة حين القسم بها. ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ﴾: اللام: للتوكيد.

стр. 1271

﴿الْآثِمِينَ﴾: جمع آثم: ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٣٣)؛ لبيان معنى الإثم. سورة المائدة [٥: ١٠٧] ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، ظهر كذب الشاهدين، أو ظهر خيانتهما، أو شك يُستدعى للشهادة اثنان ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾: يُدعى آخران. ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾: أيْ: من أقارب الميت، فيقسمان بالله أن شهادتهما أحق من شهادة الآخرين؛ أيْ: أصدق. ونص الشهادة: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. سورة المائدة [٥: ١٠٨] ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ يشير إلى الحكم، أو الذي تم فيه ردُّ اليمين على الورثة. ﴿أَدْنَى﴾: أقرب. ﴿أَنْ﴾: للتوكيد. ﴿يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾: من دون تحريف، أو خيانة. ويقال جاء بالشيء

стр. 1272

الفلاني على وجهه؛ أي: أحسنه أو أكمله، واستفيد اسم الوجه ليدل على كمال الشيء؛ أي: كمال الشهادة تشبيهاً بوجه الإنسان الذي يعرف به. ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: ﴿أَوْ يَخَافُوا﴾: تعود على ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ أيْ: عليهما أن يعلما أن أولياء الميت يمكن أن ترد أيمانهم؛ أي: لا تُقبل فيخافوا أن ترد أيمانهم، وتنكشف، أو تظهر فضيحتهم إذا خانوا، أو كذبوا. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: بعدم الخيانة، والكذب، وإياكم واليمين الغموس، وأطيعوا أوامر الله، وتجنبوا نواهيه. ﴿وَاسْمَعُوا﴾: لأوامره، ونواهيه، وما يوصي به إياكم. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: والله لا يهدي هؤلاء الذين خرجوا عن طاعة الله، وساروا على طريق الفسق، واستمروا عليه؛ حتى أصبحوا من الفاسقين (جملة اسمية)؛ تفيد ثبوت صفة الفسق عندهم، ولم يقل: الذين فسقوا (جملة فعلية)؛ تدل على التجدُّد، أو التكرار، وليس الثبوت.

стр. 1273

سورة المائدة [٥: ١٠٩] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾: يوم الحساب، يوم القيامة، والرسل هم الأنبياء والرسل. ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾: أيْ: ماذا كانت إجابة أممكم لكم؟ ﴿مَاذَا﴾: استفهام للتقرير، أكثر توكيداً مما لو قال: ما أجبتم. وانظر إلى قوله تعالى (يوم الجمع) فيقول ماذا أجبتم بصيغة المضارع، وهذا سيكون يوم القيامة، ثم جاء بصيغة الماضي بقولهم (لا علم لنا) رغم أنه لم يقع بعد ليدلنا على تأكيد وقوعه وكأنه حصل أو وقع، والله سبحانه خالق الزمان فالكل متساوي عنده الماضي والحاضر والمستقبل. ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾: يا لها من إجابة دقيقة! لا علم لنا! على الرغم من أنهم يعلمون أن هناك قسماً من الناس، استجابوا لدعوتهم، أو كثيراً لم يستجب، ولكون الرسل غير مطلعين على نوايا القلوب والسرائر، وإن كانوا يعلمون ظواهر الأمور، ولكنهم لا يعلمون ماذا حدث لمن آمن أو كفر من هؤلاء الذين استجابوا لهم، بعد موت الرسل. ولذلك أجابوا: إنك أنت علام الغيوب، وهذا يعتبر قمة الأدب، والحكمة، والأمانة؛ لأنهم لا علم لهم بما حدث بعد موتهم.

стр. 1274

﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: ﴿إِنَّكَ﴾: تفيد التوكيد. ﴿أَنْتَ﴾: تفيد الحصر. لأنك أنت وحدك: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: علام: صيغة مبالغة، علام ما غاب عن العباد، ما غاب عن عيونهم وحواسهم، الغيب: مصدر غاب يغيب، ويشمل علم الآخرة، وعلم البرزخ، والجنة والنار، وردت علام الغيوب في أربع آيات في سورة المائدة، آية (١٠٩)، وآية (١١٦)، وسورة سبأ، آية (٤٨)، وسورة التوبة، آية (٧٨). ارجع إلى سورة التوبة، آية (٧٨)؛ لمزيد من البيان. سورة المائدة [٥: ١١٠] ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِى وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِى وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: المناسبة: بعد سؤال الرسل: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، وردهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. ينتقل -جل وعلا- ليسأل عيسى ابن مريم ﵇ من بين الرسل كافة، سؤالاً خاصاً به وبأمه، وهذا الحدث، والأسئلة يوم القيامة، وفي أرض المحشر، وإذا انتبهنا إلى كلام الله سبحانه؛ سنجده بصيغة الماضي، ويوم القيامة في المستقبل! لأن الزمن بالنسبة إليه واحد، سواء أكان في الماضي، أم الحاضر، أم المستقبل؛ فهو خالق الزمن، وله الخيرة في اختيار أي زمن، أو جاء بصيغة الماضي؛ كأنه حدث وانتهى.

стр. 1275

قبل السؤال الخاص عن: كيف اتخذوا عيسى وأمه ﵇ إلهين، يبدأ يسرد بعض النِّعم الخاصَّة بعيسى وأمه ﵇. ويبدأ بذكر تأييده بروح القدس؛ أيْ: بجبريل ﵇. والتأييد؛ يعني: (قوَّيناك)، والتأييد: مأخوذ من اليد، وبما أن اليد هي آلة القوة، والدفاع عن النفس ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾: اسم لجبريل ﵇؛ لطهارته، والقدس: هو الله سبحانه، وإضافة القدس للروح هي للتشريف فقط، مثل القول: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾، وسمِّي (روحاً): لأن المنهج الذي حمل للرسل هو حياة للنفوس، فقد سمِّي جبريل بالروح، كما سمِّي القرآن روحاً؛ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]. ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾: تكلم الناس في المهد؛ كمعجزة خارقة حين قلت للناس: ﴿إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِى بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١]. ﴿وَكَهْلًا﴾: تدعوهم إلى الإيمان حين تكون كهلاً. ارجع إلى سورة آل عمران، الآية (٤٦)؛ لمزيد من البيان. ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ﴾: وإذ، تعني: واذكر. ﴿الْكِتَابَ﴾: الكتابة، والخط. ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: فقه الأحكام، والشريعة، والدِّين. ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾: كتاب موسى ﵇. ﴿وَالْإِنجِيلَ﴾: الكتاب الذي أُنزل عليك.

стр. 1276

﴿وَإِذْ﴾: واذكر: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى﴾: ارجع إلى سورة آل عمران، الآية (٤٩)؛ للمقارنة بين فتنفخ فيه وتنفخ فيها. النفخ: في آية المائدة هنا يعود إلى الهيئة، ولذلك أنث، وجاء بكلمة ﴿فِيهَا﴾. والمعجزة: ليست في تشكيل الطير؛ كطير، وكهيئة، وإنما في تحول الطير الجامد إلى طير يطير بجناحيه. وذكر كلمة ﴿بِإِذْنِى﴾ أربع مرات؛ للتوكيد أنه -جل وعلا-: هو الذي قام بذلك، وليس عسى ﵇. ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِى﴾: تشفي الأكمه: وهو الذي يولد أعمى؛ العمى الجنيني، والأبرص: وهو مرض فقدان الجلد للون البشرة، فيصبح مصاباً ببقع بيضاء متناثرة؛ بسبب نقص هرمون الملانيين. ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِى﴾: واذكر: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ﴾: أيْ: تحيي الموتى بإذني (بإذن الله -جل وعلا-). ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. ﴿وَإِذْ﴾: واذكر ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ﴾: منعت وصرفت. ﴿بَنِى إِسْرَاءِيلَ عَنْكَ﴾: حينما همُّوا بقتلك برفعك إلي. ﴿إِذْ﴾: ظرف زمان للماضي. ﴿جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾: المعجزات التي ذكرت سابقاً.

стр. 1277

﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الفاء: استئنافية؛ الذين كفروا من بني إسرائيل. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: إن: حرف نفي؛ أيْ: ما هذا، والنفي: بـ (إن) أقوى من النفي: بـ (ما). ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: سحر واضح، لا يخفى على أيِّ إنسانٍ، والسحر نفسه واضح وبيِّن، وفي قراءة أخرى قالوا: (إن هذا إلا ساحر مبين)؛ أيْ: عيسى ﵇، ساحر، وما جاء به السحر؛ لتعريف السحر: ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٠٢)، وسورة طه، آية (٥٨). ووصف ما جاء به عيسى بالسحر يعني أن عيسى ﵇ ساحر وحكم الساحر في شريعة بني إسرائيل أن يقتل؛ إذ أن السحر عندهم كفر. واتَّهموه بالسحر لما رأوا من تأثيره القوي في النفوس، وكانوا يظنون أن كل فعل غريب خارق للعادة سحراً، والحقيقة: هو ليس سحراً، بل هو حقيقة. سورة المائدة [٥: ١١١] ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّنَ أَنْ آمِنُوا بِى وَبِرَسُولِى قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾: واذكر ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّنَ﴾: الوحي: هو إعلام بخفاء؛ أيْ: ألهمتهم أن يؤمنوا بي وبرسولي ﵇؛ أيْ: ألقى في قلوبهم خواطر الإيمان؛ أيْ: إلهام قلبي. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ للبيان. ﴿بِى وَبِرَسُولِى﴾: الباء: للإلصاق، والتأكيد. ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾: قالوا؛ أي: الحواريون، آمنا: بألوهيَّتك، وربوبيَّتك، ووحدانيَّتك، بأننا: فيها تأكيد بنون النسوة. ولنلاحظ الاختلاف بين قولهم.

стр. 1278

﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾: في هذه الآية، وقولهم في سورة آل عمران الآية (٥٢): ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٥٢) من سورة آل عمران؛ لمعرفة التباين. سورة المائدة [٥: ١١٢] ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿إِذْ﴾: أيْ: واذكر إذ قال الحواريون، أو حين قال الحواريون. ﴿الْحَوَارِيُّونَ﴾: ارجع إلى سورة آل عمران، الآية (٥٢)؛ لبيان معنى الحواريين. ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: يا: النداء للبعد. ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: نادوه باسمه، ولم يقولوا: يا رسول الله، أو: يا نبي الله، نداء خال من التوقير والاحترام؛ لأن القاعدة هي حين ينادي الأدنى الأعلى باسمه؛ هذا يدل على قلة احترام. ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾: هل: للاستفهام، أقوى وأكد من الاستفهام بالهمزة. انتبه! إلى قولهم: قالوا: ربك، ولم يقولوا: ربنا، فهذا يدل على أنهم يعتبرون عيسى أقرب إلى الله منهم. ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾: الحواريون آمنوا سابقاً، وقالوا: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، وأشهدوا الله كذلك بقولهم: أننا مسلمون؛ أيْ: موحِّدون. فهم لا يشكون بأن الله قادر على إنزال مائدة، ولكن السؤال هنا معناه: هل يستجيب لنا ربك؟ هم يسألون كما سأل إبراهيم ﵇؛ إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الْمَوْتَى﴾؛ أيْ: أراد رؤية الكيفية، وعملية إحياء الموتى، وهو لا يشك بقدرة الله أبداً على الإحياء.

стр. 1279

﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾: قال عيسى ﵇ للحواريين: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا الله، وامتثلوا أوامره، وتجنبوا نواهيه؛ أفضل لكم. ﴿إِنْ﴾: شرطية. أو ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: بقدرة الله؛ فاتقوا الله؛ أيْ: لا تسألوا مثل هذا السؤال. سورة المائدة [٥: ١١٣] ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: معلِّلين سؤالهم. ﴿نُرِيدُ أَنْ﴾: حرف مصدري؛ تفيد التعليل؛ للأكل منها، فنحن بحاجة إلى الطعام. ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾: تزداد قلوبنا يقيناً. ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾: بأنك رسول الله، علم اليقين نشهد أنها نزلت من السماء. ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾: نخبر بني إسرائيل؛ الذين لم يشهدوا نزول المائدة من السماء إذا رجعنا إليهم، أو شاهدين لك بالنبوَّة، وشاهدين لله بالوحدانية والقدرة، وشاهدين: تدل على الثبوت، وفيها مبالغة مقارنة بقوله: من الشهداء؛ لأنها جملة اسمية.

стр. 1280

سورة المائدة [٥: ١١٤] ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾: ولم يقل: اللهم ربي، ولم يستعمل ياء النداء؛ يا ربنا؛ للدلالة عن شعوره بقربه من الله، بل قال: اللهم ربنا؛ أيْ: راح يصحِّح ما قاله الحواريون؛ إذ قالوا: هل يستطيع ربك، فقد دعا بالألوهية، والربوبية معاً، بقوله: اللهم ربنا؛ أي: جمع بين الإلوهية والربوبية استعطافاً لله ليجيب دعاءهم. وهذا يدل على كمال الإيمان في قلب عيسى ﵇، مقارنة بإيمان هؤلاء الحواريين الناقص. ﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾: قدَّم الجار والمجرور؛ أيْ: علينا خاصَّة؛ للقصر والحصر. ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾: أيْ: يكون اليوم الذي أنزلت فيه المائدة عيداً لنا نعظمه، نحن ومن بعدنا، وقيل: نزلت يوم الأحد، ثم اتخذه النصارى عيداً؛ أيْ: مجمعاً لهم؛ كيوم الجمعة بالنسبة للمسلمين، وكلمة العيد؛ أي: الذي يعود ويتكرر. ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾: أيْ: أولنا من جاء أولاً، وآخرنا لمن جاء بعدنا. ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾: معجزة منك؛ دالة على عظمتك وقدرتك. ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: استعمل عيسى ﵇ بدلاً من الطعام الرزق؛ لأن الرزق كلمة عامة، تشمل: الطعام، والشراب، والمال، والعلم، والأخلاق، وكلُّ شيء، ينتفع به هو رزق.

стр. 1281

﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾: أنت: ضمير منفصل؛ يدل على القصر والتأكيد. سورة المائدة [٥: ١١٥] ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّى أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّى﴾: نون الإفراد؛ للدلالة على الوحدانية. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ﴾: من: شرطية للعاقل، وتشمل: المفرد، والجمع، يكفر بعد: أيْ: من بعد نزول المائدة. ﴿مِنكُمْ﴾: أنتم خاصَّة، وليس غيركم؛ لأنهم هم الذي سألوا ذلك. ﴿فَإِنِّى﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، وهي للتوكيد. ﴿أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: ففي هذه الآية تهديد ووعيد، بأشد العذاب؛ لأهل المائدة إن كفروا بعد نزولها. وبسبب هذا التهديد قال بعض المفسرين: لم تنزل، وبعضهم قالوا: نزلت، والروايات ترجِّح أنها نزلت. سورة المائدة [٥: ١١٦] ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: واذكر حين قال الله: يا عيسى ابن مريم، هذا المشهد مشهد يوم القيامة، وبدلاً من سيقول، ﴿قَالَ﴾؛ لأن الزمن عند الله الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل كله واحد؛ لأنه سبحانه خالق الزمان، والمكان، وقوله: ﴿قَالَ﴾ بالماضي: يدل كأنه حدث. ﴿أَأَنْتَ﴾: الهمزة: همزة استفهام تقريري.

стр. 1282

﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَهَيْنِ﴾: والله سبحانه يعلم أن عيسى ﵇ لم يقل ذلك، وإنما قال ذلك أتباعه، قالوا: اتخذوا عيسى وأمه إلهين، ونسبوه إلى عيسى ﵇؛ افتراءً على عيسى، فالله سبحانه يريد أن يبرِّئَ عيسى يوم القيامة من كذبهم. ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾: ﴿قَالَ﴾: عيسى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: انظر كيف نزه عيسى ﵇ ربه أولاً قائلاً سبحانك فهو لا يطيق سماع الشرك بالله قبل أن ينزه نفسه مما قالوا. ثانياً: قوله سبحانه تنزيه الله أولاً أهم من تنزيه عيسى لنفسه تنزيهاً لك؛ أيْ: أنزهك تنزيهاً عما لا يليق بك؛ من الشريك، والولد، والندِّ، والمثيل. ﴿مَا﴾: النافية. ﴿يَكُونُ لِى﴾: يحق لي، أو ينبغي لي. ﴿أَنْ﴾: للتوكيد. ﴿أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ﴾: أي: اتخذوني إلهاً، وأمي. ﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال. ﴿كُنْتُ﴾: قلته؛ فقد علمته. ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: أيْ: تعلم ما في نفسي؛ أيْ: تعلم ما أخفيه، وتعلم قولي، وعملي، والنفس تعني: الذات. ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾: ذاتك المنزَّهة عن كل تشبيه، وتعطيل، وأن تكون نفساً كنفوس البشر. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: ﴿عَلَّامُ﴾: صيغة مبالغة: من علم، تعلم غيب خلقك، وغيب كونك، وكل

стр. 1283

ما يغيب عن العيون، والحواس. ارجع إلى الآية (١٠٩) من نفس السورة، والآية (٧٨) من سورة التوبة لمزيد من البيان. سورة المائدة [٥: ١١٧] ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: ﴿مَا﴾: النافية. ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾: إلا حصراً ﴿مَا﴾: الذي أمرتني به. ﴿أَنِ﴾: للتوكيد. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّى﴾: وربكم؛ أيْ: وحدوا ربي وربكم، وأخلصوا له العبادة. ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾: ﴿شَهِيدًا﴾: من شهد، أو شاهد، أو علم، أو عاين، الشهيد: من شاهد وعاين؛ لفترة معينة ومحدودة، والشهيد: لا يمتد علمه وشهادته إلى الذات الداخلية والنية، كما هي شهادة الله سبحانه؛ الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. أما البشر، أو عيسى ﵇ حين يكون شهيداً عليهم؛ فشهادته محدودة مدَّة بقائه بينهم، والإنسان يكون شهيداً لحادثة معينة، أو فترة ما، بينما الله سبحانه شهادته ليلاً ونهاراً في كل ثانية، ورقابته مطلقة غير محدودة بفترة معينة؛ من خلق آدم إلى آخر فرد يُخلق، وتمتد شهادته إلى يوم القيامة. ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: عاطفة. لما: ظرفية زمانية؛ أيْ: حين. ﴿تَوَفَّيْتَنِى﴾: رفعتني إلى السماء، والتوفِّي: هو أخذ الشيء وافياً كاملاً: بالجسد، والروح، والنفس.

стр. 1284

وجاء ذلك في قوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]. ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾: المراقب لأعمالهم، الشاهد عليهم، والحفيظ، والرقابة مطلقة، وأقوى من الشهادة. الرقيب: من رقب، والمراقب الحارس، والناظر عن قصد، ولا تفوته حركة من الحركات. و ﴿أَنْتَ﴾: تفيد توكيد القصر الحقيقي، على أن الله سبحانه هو الرقيب الحقيقي، وليس غيره. ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾: تكرار ﴿وَأَنْتَ﴾: للتوكيد، والقصر الحقيقي، أن الشهيد الحقيقي هو الله، وليس غيره؛ لأن شهادته لا تنتهي على مر العصور، ومطلقة، وسواء أكان الله سبحانه رقيباً، أو شهيداً، فشهادته ورقابته مطلقة، وتمتد إلى كل ذات، وكل نفس. ارجع إلى سورة البقرة الآية (١٣٣) لمزيد من البيان في معنى الشهيد والشاهد. سورة المائدة [٥: ١١٨] ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿إِنْ﴾: شرطية. ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾: فهذا حقك؛ لأنهم أخطؤوا؛ أشركوا. ﴿عِبَادُكَ﴾: الكل في الآخرة عباد، لم يعد هناك طاعات؛ ليقول: عباد وعبيد، ولم يقل: إنك أنت الغفور الرحيم؛ لأنهم أشركوا، فعيسى ﵇ لا يضمن لهم المغفرة، أو الشفاعة. ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، تغفر لهم: تستر وتمحو خطاياهم، وذنوبهم، ولا تعاقبهم عليها.

стр. 1285

﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: أنت: ضمير منفصل، وتوكيد، وحصر، على أن الله وحده: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ﴿الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يغلب، ولا يُقهر، والممتنع ليس بحاجة إلى أحدٍ من خلقه. ﴿الْحَكِيمُ﴾: المدبر لشؤون خلقه؛ بالحكمة المطلقة، لا يثيب، ولا يعاقب؛ إلا عن حكمة، والحكيم من الحكم، أو الحكمة، فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٢٩)؛ لمزيد من البيان. لنقارن قول إبراهيم ﵇، وقول عيسى ﵇: في سورة إبراهيم، الآية (٣٦) قال: ﴿وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: جاءت هذه الآية في سياق الفتنة بالأصنام. وفي سورة المائدة، الآية (١١٨): ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾: جاءت هذه الآية في سياق فتنة عيسى وأمه ﵇، اتخذوني وأمي إلهين. والفتنة بالأصنام أقل فتنة بعيسى وأمه، ولذلك اختلفت نهاية الآيات. سورة المائدة [٥: ١١٩] ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا﴾: هذا: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقريب؛ أيْ: هذا يوم القيامة. ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾: صدقهم في الدنيا، ينفعهم في يوم الجزاء. ﴿الصَّادِقِينَ﴾: كعيسى ابن مريم ﵇، وأمه الصدِّيقة، والذين صدقوا الله بإيمانهم، فعبدوه، ولم يشركوا به. ﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.

стр. 1286

﴿جَنَّاتٌ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: جناتٌ مثل جنات عدن، أو الخلد، أو جنات النعيم، أو الفردوس. ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع من تحتها الأنهار. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود: استمرار البقاء من وقت مبتدأ؛ من بداية دخولهم إلى ما لا نهاية له، أبداً: تفييد التوكيد على الخلود. ﴿﵃﴾: بطاعتهم، وإيمانهم. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾: بثوابه، وجزائه، وإحسانه. ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: ذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد. ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: هو أعظم أنواع الفوز، ويعني: الفوز بالجنة، ورضوان الله، والنجاة من النار. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لبيان أنواع الفوز ودرجاته. سورة المائدة [٥: ١٢٠] ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ﴾: لله: اللام: لام الاختصاص، الملك: الحكم، والقضاء في السموات والأرض، وما بينهنَّ لله وحده سبحانه. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور، اسم الجلالة، تقديمه يدل على الحصر، فقط لله سبحانه؛ فهو الحاكم، والمالك، والمدبِّر، والمصرف. ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾: ما: تشمل الأجناس كلها: الملائكة، والإنس، والجن. ما: للعاقل، وغير العاقل. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: وهو: ضمير منفصل؛ يدل على التوكيد، والحصر. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠)؛ للبيان.

стр. 1287

سورة الأنعام [٦: ١] سورة الأنعام ترتيبها في القرآن (٦)، وفي النزول (٥٥)، نزلت بعد سورة الحجر. مقدِّمة: رُوِيَ عن ابن عباس ﵄: أن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة ليلاً بمكة، وحولها (٧٠) ألف ملك يجأرون بالتسبيح. وقيل: بعض آياتها القليلة مدنية. تهتم بأصول العقيدة، والإيمان، والبعث، والجزاء، وإثبات الألوهية، والوحدانية له تعالى، والوحي، ومحاجة إبراهيم لقومه، ومفاتح الغيب، والوصايا العشر، وغيرها. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: بدأت هذه السورة بالحمد لله، ولتعلم أن هناك خمسَ سورٍ في القرآن؛ بدأت بالحمد لله، وهي: ١ - سورة الفاتحة. ٢ - سورة الأنعام.

стр. 1288

٣ - سورة الكهف. ٤ - سورة سبأ. ٥ - سورة فاطر. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: اللام: في لله: لام الاستحقاق. له الثناء والجلال على نعمه علينا وعلى الناس باللسان وبالطاعة. (ال) التعريف في الحمد: تفيد الاستغراق لكل المحامد. المحمود على وجه الإطلاق حمداً مستمراً، غير مقيد بزمن، وسواء أأنعم أم لم ينعم . و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: جملة اسمية؛ تدل على ثبات الحمد لله، واستمراره، منذ الأزل. ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (٣)؛ لمزيد من البيان. ﴿الَّذِى خَلَقَ﴾: الذي اسم موصول يفيد التعظيم. ﴿خَلَقَ﴾: الخلق: هو الإيجاد ابتداءً، ويعني: التقدير، والتسوية، والحساب. والخلق: إذا نسب إلى الله هو الإيجاد من العدم على مثال غير سابق. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: خلق السموات والأرض؛ من أعظم المخلوقات بعد خلق العرش، وأعظم من خلق الإنسان، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٢)، والآية (٢٩)، والأعراف، آية (٥٤)، وسورة فصلت (٩ - ١٢)؛ للبيان العلمي المفصل لخلق السموات والأرض.

стр. 1289

﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾: الجعل: يأتي بعد الخلق، أو يلي الخلق. والجعل: إيجاد شيء من شيء، والخلق: أعم من الجعل، أو الجعل قد يحمل معانيَ كثيرة؛ منها: الصنع، والتبديل، والاعتقاد، والظن، والتغيير. الخلق: لا يتعلق بشيء آخر، أما الجعل فيكون متعلق بشيء آخر، فالله سبحانه خلق السموات والأرض، وبعد ذلك جعل الظلمات والنور. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ﴾: الظلمات: جمع ظلمة ويقصد بها في هذه الآية الظلمات الحسية، والأصل في الكون هو الظلمة، وهي أسبق في الوجود من النور، والظلمات: جمع؛ تشمل ظلمات الكون، والبر، وظلمات البحر، وظلمة الليل، وظلمة القبر، وهناك الظلمات الفكرية والاعتقادية كظلمة الكفر والشرك والجهل والنفاق … وغيرها. ﴿وَالنُّورَ﴾: النور الحسي واحد، وهو الذي يمحو الظلام. ارجع إلى سورة يونس، آية (٦٧) للبيان، وهناك فرق بين النور والضياء؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (١٧) للبيان، وهناك النور الذي يمثل نور الإيمان والقرآن والإسلام وهو نور واحد. ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: ثم: تفيد الاستبعاد؛ أيْ: من المستبعد بعد كل هذا الخلق، والجعل من الله؛ ينحرف، وينصرف الذين كفروا؛ أي: يشركون به إلى عبادة غيره، ويجعلون له عدلاً مساوياً له في العبادة والدعاء. ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: الباء: للإلصاق، والرب: يعني: المربي، والرزاق، والمدبر، والخالق، والمقيت.

стр. 1290

﴿يَعْدِلُونَ﴾: من الفعل عدل، ويعني: الميل عن الحق والصواب، والانحراف مع الهوى، والعدل يعني: المساواة والحكم بالعدل، فهذا الفعل عدل من أفعال التضاد، ويفهم المعنى من سياق الآيات؛ أي: يميلون عن عبادة الإله الحق إلى غيره. وذكر كلمة بربهم رغم كونهم لا يستحقون إضافة كلمة الرب إليهم؛ فهو ما زال خالقهم، ومربيهم، ورازقهم. وكلمة ﴿يَعْدِلُونَ﴾: ذكرت في القرآن في خمسة مواضع: ١ - سورة الأنعام، آية (١): ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. ٢ - سورة الأنعام، آية (١٥٠): ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. ٣ - سورة الأعراف، الآية (١٥٩): ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. ٤ - سورة الأعراف، آية (١٨١): ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. ٥ - سورة النمل، آية (٦٠): ﴿أَءِلَاهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾. سورة الأنعام [٦: ٢] ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾: ﴿هُوَ﴾: هو ضمير منفصل؛ يفيد معنى الحصر. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول؛ يفيد التوكيد؛ أيْ: هو الوحيد القادر على أن يخلقكم من طين، ولا يوجد غيره يخلق مثل هذا الخلق.

стр. 1291

﴿مِنْ﴾: للابتداء. ﴿طِينٍ﴾: أيْ: خلق آدم من طين، وخلقكم من آدم، والسؤال هنا: كيف تحول الطين إلى بشر، فالجنين يتغذَّى من دم الأم، والدم مستمد من الغذاء الطعام والشراب، وغذائها وشرابها مستمد من تراب الأرض، فكل هذه الخضار والثمار واللحوم والألبان تستمد غذائها من الأرض وتربتها، فجسم الإنسان فيه أكثر من (١٧) معدن من معادن الأرض، فالإنسان خلق من تراب، وبعد الموت يفنى يتحول إلى تراب مرة أخرى. ارجع إلى سورة الروم، آية (٢٠)؛ لمزيد من البيان، وسورة الحجر آية (٢٦) لبيان مراحل خلق آدم. ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾: ثم: للتراخي في الزمن، بين الخلق والموت. ﴿قَضَى﴾: حكم، وحدّد لكم ﴿أَجَلًا﴾: تموتون عند انتهائه، والأجل هو الوقت المحدد، أو المضروب؛ لانقضاء الشيء، وأجل الإنسان هو الوقت؛ لانقضاء عمره. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾: يوم القيامة. ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾: ثم: حرف عطف؛ تفيد الاستبعاد؛ أيْ: إنكم تشكُّون في البعث، بعد هذه الدلائل، والخلق من طين والموت، وتمترون: من المرية، وهي التردد في الأمر، والمرية: مأخوذة من مري الناقة، يَمْريها، إذا مسح ضرعها للدرّ؛ لاستخراج اللبن بعد أن انتهى من حلبها؛ لأنه يشك لا زال فيها لبن يمكن استخراجه. أيْ: أنتم تمترون بالبعث والحساب، والمراء: هو الجدال بالباطل بعد

стр. 1292

ظهور وتبيَّن الحق من هذه الآيات، والدلائل على أنه سبحانه الخالق، وأنه الإله الواحد الذي يجب أن يُعبد ويطاع أمره. سورة الأنعام [٦: ٣] ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِى السَّمَاوَاتِ وَفِى الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾: هو: للتوكيد، الإله المعبود، والمدبر، والحاكم، والمالك للسموات، والأرض، والمسيطر عليهن. ﴿اللَّهُ فِى السَّمَاوَاتِ وَفِى الْأَرْضِ﴾: في: ظرفية؛ السموات وفي الأرض: تكرار (في) تفيد فصل السموات عن الأرض؛ أي: كل على حده، وكلاهما معاً في السموات، وفي الأرض بعلمه وقدرته. ﴿اللَّهُ﴾: الاسم الدال على ذات الله العليا. ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (١). ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾: السر: هو إخفاء الشيء في النفس فلا يطلع عليه أحد ويعلم نواياكم، وما يدور في خواطركم، وما تخفونه، وتكتمونه، وتسرونه؛ من أفعال، وأقوال. ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾: ما تقولونه في العلن، والجهر: يعني: رفع الصوت. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾: إعادة، وتكرار، يعلم: للتوكيد. ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ أي: الذي تكسبون من حسنات، وسيئات، ورزق، وأموال، وذنوب، وخطايا. سورة الأنعام [٦: ٤] ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم﴾: الواو: استئنافية، وما: نافية. تأتيهم: أيْ: كفار قريش.

стр. 1293

﴿مِّنْ﴾: للابتداء، والاستغراق. ﴿آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: آية من آيات القرآن، أو معجزة، أو آية كونية. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾: معرضين: جمع معرض: والمعرض هو التارك والمبتعد. أيْ: كانوا مبتعدين عنها، وغير مهتمين، غير مصدِّقين بها، والتولي أشد من الإعراض. سورة الأنعام [٦: ٥] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتحقيق، والتوكيد. ﴿كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق، والتأكيد، الحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل، والذي لا يكون غيره، ويتمثل بالوحي (القرآن) والإسلام. ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾: لما: ظرفية زمانية. ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتوكيد. سوف: أداة للاستقبال، وتدل على التراخي في الزمن؛ أيْ: حينما ﴿يَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾. إذنْ: هناك ثلاث مراحل: ١ - الإعراض عن الدِّين الصراط المستقيم. ٢ - التكذيب بمحمد ﷺ ، والقرآن، والآيات. ٣ - الاستهزاء بالله، وآياته، ورسوله، والاستهزاء: هو التصغير، والتحقير، والعيب من الشيء، أو الآخر.

стр. 1294

والغاية واحدة، وهي رفضهم للدخول، أو قبول الإسلام. لنقارن بين الآيتين: سورة الأنعام، الآية (٥): ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾. سورة الشعراء، الآية (٦): ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾. في آية سورة الأنعام: استعمل (سوف)؛ كونها أبعد في الاستقبال من السين؛ أيْ: سوف نؤخِّر عنهم العذاب ليوم القيامة، وهذه الآية جاءت في سياق عموم الكافرين. أما الآية من سورة الشعراء؛ فاستعمل السين مبنية على تعجيل العقوبة لقريش؛ فهؤلاء سنعجل لهم العقوبة في الدنيا؛ بسبب إعراضهم، وتكذيبهم. ﴿أَنبَاؤُا مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: أي: سوف يعلمون عاقبة استهزائهم يوم القيامة، ولبيان معنى الاستهزاء؛ ارجع إلى الآية (١٠) في نفس السورة. سورة الأنعام [٦: ٦] ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِنْ قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِى الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام، والتعجب، ألم مقارنة بـ (أولم) ألم: تدل على القلة، وأولم: تدل على الكثرة، كذلك زيادة الواو في أولم تدل على شدة الإنكار؛ أي: الآية فيها توكيد وإنكار أشد من (ألم). ﴿كَمْ﴾: خبرية؛ تفيد العدد الكثير، أو الكبير من القرون المهلكة.

стр. 1295

﴿مِنْ قَبْلِهِم﴾: من: الابتدائية، الاستغراقية، وتدل على القرب، وتعني: الذين جاؤوا مباشرة من القرون قبل قريش. ﴿مِنْ قَرْنٍ﴾: القرن: اسم أهل كل عصر، فهو بمعنى جماعة من الناس يعيشون معاً في مدة من الزمن؛ لاقترانهم في زمن معين، أو القرن؛ وهو مئة سنة. ﴿مَّكَّنَّاهُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: أيْ: أعطيناهم القوة، والسلطان، والسعة، والمال، وكل مستويات التمكين، ويشمل الأمن، والرخاء، ورغد العيش، والقدرة على إقامة شعائر الدِّين، والحرية. ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَّكُمْ﴾: ما لم نعطِكم، ونمدَّكم به، أو نزوِّدكم به. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾: ﴿وَأَرْسَلْنَا﴾: أيْ: أنزلنا المطر عليهم، وأرسلنا: تعني باستمرار وكثرة، وأنزلنا: تعني القلة. وعبَّر عن المطر بالسماء، وتعريف السماء: كل ما علاك، ومنها: السحاب. ﴿مِّدْرَارًا﴾: يدل على الكثرة، ويدلُّ على الرحمة، وليس العذاب، ومدراراً: من الدر؛ أيْ: سيلان اللبن بكثرة، ثم استعير للمطر الغزير، المتتابع. ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمْ﴾: دلالة على كثرة الأنهار، وبناء الجسور، فتجري الأنهار من تحتهم، وتعني: سعة العيش، والرفاهية. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾: الفاء: للتعقيب، والترتيب، أهلكناهم، الهلاك يعني: العذاب والموت بكفرهم، ومعاصيهم، وتكذيبهم لرسلنا، وما جاؤوهم به من

стр. 1296

الآيات. ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٥)؛ لبيان معنى الهلاك، وسورة الأعراف آية (٤). ﴿وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾: الإنشاء؛ يعني: إحداث جيل بعد جيل، أو نخلق قوماً غيرهم، فلا يكونوا أمثالهم. ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من: تعني: مباشرة بعدهم، من دون فاصل زمني. ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾: جماعة من الناس غيرهم، يعيشون معاً في مئة عام. سورة الأنعام [٦: ٧] ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية، لو: شرطية. ﴿نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا﴾: كما اقترح مشركو مكة أن يُنزل عليهم كتاباً؛ من عند الله حتى يؤمنوا بأنك رسوله، والقرآن حق؛ أيْ: ولو استجبنا لطلبهم، ونزلنا عليك كتاباً في قرطاس؛ أيْ: مكتوب في صحائف الورق، نزلنا مقارنة بأنزلنا؛ نزلنا: تعني منجماً على دفعات؛ أنزلنا: أي: جملة واحدة، ونزلنا: تأتي في سياق التوكيد والاهتمام، وفي سياق الخاص، وأنزل: في سياق العام. ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: رأوه بأعينهم، وشعروا به بأيديهم أنه حق. اللام: في كلمة لقال: لام التوكيد. قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: من أهل مكة. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي، وتوكيد. ﴿هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أيْ: ما هذا إلَّا سحر مبين، سحر واضح بنفسه، وكل

стр. 1297

واحد يقرؤه، يعلم أنه سحر، وهو سحر، لا يحتاج إلى برهان. (إن): أقوى في النفي من (ما). ووصفوه بالسحر؛ لأنهم رأوا تأثيره القوي في النفوس، والقلوب، وكانوا يظنون أن كل فعل غريب خارق للعادة سحراً، أو يشبه السحر، ولتعريف السحر: ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٠٢)؛ لمزيد من البيان. سورة الأنعام [٦: ٨] ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: أي: الذين كفروا. ﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ وتمنٍّ، أنزل عليه على محمد ﷺ ، ملك من الملائكة؛ ليصدقه، أو يكون معه نذيراً. ولو استجاب الله سبحانه ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ﴾: أيْ: لأهلكناهم إذا لم يؤمنوا بعدها. ﴿ثُمَّ﴾: للتوكيد. ﴿لَا يُنْظَرُونَ﴾: أيْ: لا يمهلون، أو يؤخَّرون، ويكون هذا هو عاقبة كبرهم وعنادهم.

стр. 1298

سورة الأنعام [٦: ٩] ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: شرطية. ﴿جَعَلْنَاهُ﴾: ملكاً، ﴿لَّجَعَلْنَاهُ﴾: بصورة رجل؛ لأنهم ليس عندهم القدرة على رؤية أيِّ ملك من الملائكة، ولَالْتَبَسَ الأمر عليهم. ولقالوا: كيف نعرف أنه ملك، ونحن بشر؟ إذا لا بُدَّ من إنزال ملك بصورة بشر، عندها سيلتبس الأمر عليهم أكثر فأكثر، وسيصبحون في ريبهم يتردَّدون، كما الْتبس عليهم أمر نبوَّتك، ونزول القرآن عليك. سورة الأنعام [٦: ١٠] ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ﴿وَلَقَدِ﴾: الواو: استئنافية. لقد: اللام: للام التوكيد. قد: حرف تحقيق وتوكيد. ﴿اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ﴾: الاستهزاء: هو التحقير، والتصغير، والعيب والاستخفاف، والتهكم بالرسل، والضحك أحياناً بدون سبب يدعو إليه، والاستهزاء أعم من السخرية. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾.: من: تدل على القرب الزمني. ﴿بِرُسُلٍ﴾: الباء: للإلصاق، رسل: نكرة؛ للتكثير، والتفخيم. ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم﴾: الفاء: عاطفة؛ لربط السبب بالمسبب. حاق: أحاط، ونزل، ووقع العذاب بهؤلاء الذين سخروا من رسلهم بسبب

стр. 1299

استهزائهم بهم، وتكذيبهم لهم، والحيق: هو ما يلحق بالإنسان من مكروه. ارجع إلى سورة غافر آية (٤٥) لمزيد من البيان في حاق، والفرق بين حاق ونزل. ﴿بِالَّذِينَ﴾: الباء: للإلصاق؛ أيْ: ملازمة العذاب لهم. ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ما: بمعنى: الذي، وفي هذه الآية حث لرسول الله ﷺ على الصبر على ما يلاقيه من سخرية، واستهزاء. سورة الأنعام [٦: ١١] ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ، سافروا في الأرض للرزق والتجارة، أو العلم. ﴿ثُمَّ﴾: للتراخي في الزمن؛ أي: خلال سفركم أو بعد قضاء حوائجكم انظروا، أو زوروا آثار من قبلكم؛ لتعرفوا ما حلَّ بهم من العقوبات. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٣٧)؛ للبيان، والفرق بين فسيروا، ثم سيروا. ﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام عن الحال، والتعجب والتحذير. ﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: تذكير العاقبة في القرآن دائماً يأتي في سياق العذاب، أما تأنيث العاقبة؛ أيْ: لو قال -جل وعلا-: كيف كانت عاقبة؛ لدلَّ ذلك على العاقبة الحسنة. ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾: جمع مُكذب بالرسل؛ أيْ: غير المصدقين بهم، وما حلَّ بهم من العذاب، والمكذبين: جملة اسمية تفيد ثبات صفة الكذب عندهم. سورة الأنعام [٦: ١٢] ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿قُلْ لِمَنْ﴾: اللام: لام الاستحقاق، أو الاختصاص. ﴿لِمَنْ﴾: اسم استفهام تقريري. ﴿مَا﴾: للعموم، والشمول، العاقل وغير العاقل. ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما في السموات السبع نفسها، وما فيها من خلق

стр. 1300

الملائكة، والكواكب، والأقمار، والنجوم، والأرض نفسها بالطبقات السبع، وما فيها من خلق (جن وإنس)، ونباتات، وحيوانات، ومعادن، وكنوز. ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾: وحده حكماً وملكاً، واللام في لله: لام الملكية، أو الاختصاص. ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾: قضى، وحكم على نفسه، تفضُّلاً منه وإحساناً، ليُعلم ويطمئن عباده، أنه هو أرحم الراحمين، وكتب فيها توكيد أكثر من حكم. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: اللام: للتوكيد، وكذلك النون في يجمعنكم: لزيادة التوكيد، إلى يوم القيامة، للحساب والجزاء، وقيل: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: في قبوركم إلى يوم القيامة. ﴿إِلَى﴾: تعني: الانتهاء. أو ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: تعني: في يوم القيامة؛ ليجازيكم على أعمالكم. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: تعني: الريب: أقوى من الشك، والريب: هو الشك، والاتهام، لا ريب فيه: في قدومه. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: الذين: اسم موصول. ﴿خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾: بالكفر، والشرك، والمعاصي؛ مما أدَّى إلى دخولها النار، وبذلك خسروا أنفسهم في كل زمان، ومكان، ولا تعني في الماضي فقط، وإذا نظرنا إلى الآية (٢٠) في نفس السورة نجد تشابه نهاية الآية (١٢) والآية (٢٠) وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وهذا ليس بتكرار، ولكن الآية (١٢) جاءت في سياق المشركين والكفار الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب، والآية (٢٠) في سياق أهل الكتاب الذين يعرفون الرسول ولا يؤمنون به. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء: سببية، هم ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
следующие страницы →