Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
الآيات. ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٥)؛ لبيان معنى الهلاك، وسورة الأعراف آية (٤).
﴿وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾: الإنشاء؛ يعني: إحداث جيل بعد جيل، أو نخلق قوماً غيرهم، فلا يكونوا أمثالهم.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من: تعني: مباشرة بعدهم، من دون فاصل زمني.
﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾: جماعة من الناس غيرهم، يعيشون معاً في مئة عام.
سورة الأنعام [٦: ٧]
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية، لو: شرطية.
﴿نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا﴾: كما اقترح مشركو مكة أن يُنزل عليهم كتاباً؛ من عند الله حتى يؤمنوا بأنك رسوله، والقرآن حق؛ أيْ: ولو استجبنا لطلبهم، ونزلنا عليك كتاباً في قرطاس؛ أيْ: مكتوب في صحائف الورق، نزلنا مقارنة بأنزلنا؛ نزلنا: تعني منجماً على دفعات؛ أنزلنا: أي: جملة واحدة، ونزلنا: تأتي في سياق التوكيد والاهتمام، وفي سياق الخاص، وأنزل: في سياق العام.
﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: رأوه بأعينهم، وشعروا به بأيديهم أنه حق. اللام: في كلمة لقال: لام التوكيد.
قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: من أهل مكة.
﴿إِنْ﴾: حرف نفي، وتوكيد.
﴿هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: أيْ: ما هذا إلَّا سحر مبين، سحر واضح بنفسه، وكل
стр. 1297
واحد يقرؤه، يعلم أنه سحر، وهو سحر، لا يحتاج إلى برهان. (إن): أقوى في النفي من (ما).
ووصفوه بالسحر؛ لأنهم رأوا تأثيره القوي في النفوس، والقلوب، وكانوا يظنون أن كل فعل غريب خارق للعادة سحراً، أو يشبه السحر، ولتعريف السحر: ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٠٢)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأنعام [٦: ٨]
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: أي: الذين كفروا.
﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ وتمنٍّ، أنزل عليه على محمد ﷺ ، ملك من الملائكة؛ ليصدقه، أو يكون معه نذيراً.
ولو استجاب الله سبحانه ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ﴾: أيْ: لأهلكناهم إذا لم يؤمنوا بعدها.
﴿ثُمَّ﴾: للتوكيد.
﴿لَا يُنْظَرُونَ﴾: أيْ: لا يمهلون، أو يؤخَّرون، ويكون هذا هو عاقبة كبرهم وعنادهم.
стр. 1298
سورة الأنعام [٦: ٩]
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَا يَلْبِسُونَ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: شرطية.
﴿جَعَلْنَاهُ﴾: ملكاً، ﴿لَّجَعَلْنَاهُ﴾: بصورة رجل؛ لأنهم ليس عندهم القدرة على رؤية أيِّ ملك من الملائكة، ولَالْتَبَسَ الأمر عليهم.
ولقالوا: كيف نعرف أنه ملك، ونحن بشر؟ إذا لا بُدَّ من إنزال ملك بصورة بشر، عندها سيلتبس الأمر عليهم أكثر فأكثر، وسيصبحون في ريبهم يتردَّدون، كما الْتبس عليهم أمر نبوَّتك، ونزول القرآن عليك.
سورة الأنعام [٦: ١٠]
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾:
﴿وَلَقَدِ﴾: الواو: استئنافية. لقد: اللام: للام التوكيد. قد: حرف تحقيق وتوكيد.
﴿اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ﴾: الاستهزاء: هو التحقير، والتصغير، والعيب والاستخفاف، والتهكم بالرسل، والضحك أحياناً بدون سبب يدعو إليه، والاستهزاء أعم من السخرية.
﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾.: من: تدل على القرب الزمني.
﴿بِرُسُلٍ﴾: الباء: للإلصاق، رسل: نكرة؛ للتكثير، والتفخيم.
﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم﴾: الفاء: عاطفة؛ لربط السبب بالمسبب. حاق: أحاط، ونزل، ووقع العذاب بهؤلاء الذين سخروا من رسلهم بسبب
стр. 1299
استهزائهم بهم، وتكذيبهم لهم، والحيق: هو ما يلحق بالإنسان من مكروه. ارجع إلى سورة غافر آية (٤٥) لمزيد من البيان في حاق، والفرق بين حاق ونزل.
﴿بِالَّذِينَ﴾: الباء: للإلصاق؛ أيْ: ملازمة العذاب لهم.
﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ما: بمعنى: الذي، وفي هذه الآية حث لرسول الله ﷺ على الصبر على ما يلاقيه من سخرية، واستهزاء.
سورة الأنعام [٦: ١١]
﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ، سافروا في الأرض للرزق والتجارة، أو العلم.
﴿ثُمَّ﴾: للتراخي في الزمن؛ أي: خلال سفركم أو بعد قضاء حوائجكم انظروا، أو زوروا آثار من قبلكم؛ لتعرفوا ما حلَّ بهم من العقوبات. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٣٧)؛ للبيان، والفرق بين فسيروا، ثم سيروا.
﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام عن الحال، والتعجب والتحذير.
﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: تذكير العاقبة في القرآن دائماً يأتي في سياق العذاب، أما تأنيث العاقبة؛ أيْ: لو قال -جل وعلا-: كيف كانت عاقبة؛ لدلَّ ذلك على العاقبة الحسنة.
﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾: جمع مُكذب بالرسل؛ أيْ: غير المصدقين بهم، وما حلَّ بهم من العذاب، والمكذبين: جملة اسمية تفيد ثبات صفة الكذب عندهم.
سورة الأنعام [٦: ١٢]
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿قُلْ لِمَنْ﴾: اللام: لام الاستحقاق، أو الاختصاص. ﴿لِمَنْ﴾: اسم استفهام تقريري.
﴿مَا﴾: للعموم، والشمول، العاقل وغير العاقل.
﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ما في السموات السبع نفسها، وما فيها من خلق
стр. 1300
الملائكة، والكواكب، والأقمار، والنجوم، والأرض نفسها بالطبقات السبع، وما فيها من خلق (جن وإنس)، ونباتات، وحيوانات، ومعادن، وكنوز.
﴿قُلْ لِلَّهِ﴾: وحده حكماً وملكاً، واللام في لله: لام الملكية، أو الاختصاص.
﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾: قضى، وحكم على نفسه، تفضُّلاً منه وإحساناً، ليُعلم ويطمئن عباده، أنه هو أرحم الراحمين، وكتب فيها توكيد أكثر من حكم.
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: اللام: للتوكيد، وكذلك النون في يجمعنكم: لزيادة التوكيد، إلى يوم القيامة، للحساب والجزاء، وقيل: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: في قبوركم إلى يوم القيامة.
﴿إِلَى﴾: تعني: الانتهاء.
أو ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: تعني: في يوم القيامة؛ ليجازيكم على أعمالكم.
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: تعني: الريب: أقوى من الشك، والريب: هو الشك، والاتهام، لا ريب فيه: في قدومه.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: الذين: اسم موصول.
﴿خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾: بالكفر، والشرك، والمعاصي؛ مما أدَّى إلى دخولها النار، وبذلك خسروا أنفسهم في كل زمان، ومكان، ولا تعني في الماضي فقط، وإذا نظرنا إلى الآية (٢٠) في نفس السورة نجد تشابه نهاية الآية (١٢) والآية (٢٠) وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وهذا ليس بتكرار، ولكن الآية (١٢) جاءت في سياق المشركين والكفار الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب، والآية (٢٠) في سياق أهل الكتاب الذين يعرفون الرسول ولا يؤمنون به.
﴿فَهُمْ﴾: الفاء: سببية، هم ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
стр. 1301
﴿لَا﴾: نافية.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدِّقون بيوم القيامة، أو بالجزاء، والحساب، والبعث، ولا يؤمنون برسلهم، وما أنزل الله عليهم؛ أيْ: أن سبب الخسارة لأنفسهم أنهم: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
سورة الأنعام [٦: ١٣]
﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
وكأن هذه الآية تتمة للآية السابقة (١٢).
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾: وله أيضاً ما سكن في الليل والنهار.
سبب نزول هذه الآية: عن ابن عباس ﵄ حين سألت قريش رسول الله ﷺ أن يرجع إلى دِين آبائه، ويجعلوا له نصيباً من الأموال؛ حتى يكون أغناهم؛ فنزلت هذه الآية، وتعني: وله كل ما سكن في السموات والأرض، وكل ما تحرك.
﴿مَا﴾: للعاقل، وغير العاقل؛ له في كل زمان ومكان؛ لأنه سبحانه خالق الزمان والمكان.
﴿وَلَهُ﴾: اللام: لام الملكية؛ له وحده، أو الاختصاص، له الكمال وحده، ما سكن وما تحرك في الكون كله؛ من كوكب، أو نجم، أو مجرة، أو طير، أو شيء مهما كان من كنوز، وأموال، وثروات.
﴿وَلَهُ﴾: قدَّم الجار والمجرور. له: للحصر.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: توكيد للكمال، ومن صفاته: السميع، يسمع ما في الكون، من سر وعلن، ويسمع كل ما يقوله الثقلان من الجن والإنس، وهي صيغة مبالغة من السمع.
﴿الْعَلِيمُ﴾: صيغة مبالغة؛ كثير العلم، أحاط علمه بجميع خلقه، وكونه، وكل شيء، عليم بخفايا الصدور، عليم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون.
стр. 1302
ونلاحظ أنه ذكر ﴿مَا سَكَنَ﴾، ولم يذكر ما تحرك؛ للاختصار، ويسمَّى ذلك الاكتفاء بأحد الضدين، فهنا اكتفى بالسكون، دون ذكر الحركة؛ لأن السكون هو الأغلب، وعاقبة كل متحرك السكون، ولأن السكون راحة، والراحة نعمة.
سورة الأنعام [٦: ١٤]
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
سبب نزول هذه الآية: حين سألت قريش رسول الله ﷺ ، أن يرجع إلى دِين آبائه.
﴿قُلْ أَغَيْرَ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري.
﴿اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾: أيْ: لا أتخذ ولياً غير الله، معيناً وكيلاً حفيظاً، والولي المعين، والذي يتولى أمري، والحليف، أو القريب، أو الحفيظ.
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الذي أخرج وأظهرَ الخلق للوجود لأول مرة على غير سابق مثال، وسواء أكانت السموات، أم الأرض، أم خلق الإنسان، وغيره من المخلوقات عامة.
﴿فَاطِرِ﴾: اسم فاعل، من فعل: فطر؛ كأنه شق عنه فظهر، قيل: تفطر الشجر؛ إذا تشقق بالورق.
وفطر الله السموات والأرض؛ أيْ: أوجدها وأظهرها، ولا يقال: فاطر، إلّا لله وحده.
﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾: أيْ: هو يَرزق، ولا يُرزق، وهو يُطعِم ولا يأكل؛ كقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧].
وجاء بضمير الفصل (هو): للتوكيد؛ ليدل هو وحده، هو الذي يرزق، وإن كان هناك من يُطعم، أو يرزق، فهو الرزاق الحقيقي، وغيره ممن يُطعم أو يرزق هو من المرزوقين الذين أغناهم الله سبحانه.
стр. 1303
﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ .
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾: أن أكون: حرف مصدري؛ يفيد التوكيد؛ أيْ: أول من أسلم من هذه الأُمة، أو أول من أسلم درجة، أول الموحِّدين، والمخلصين لله تعالى، ومعنى قل: إني أمرت أن أكون أول من أسلم، ولا تكوننَّ من المشركين: أُمرت بالإسلام، ونهيت عن الشرك.
﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ولا: الناهية.
﴿تَكُونَنَّ﴾: والنون: للتوكيد، توكيد النهي بدلاً من (ولا تكون).
وإن كان هذا الخطاب للنبي ﷺ ؛ فهو خطاب لأمّته بعدم الشرك.
﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: بالله تعالى، أيّاً كان نوع الشرك.
سورة الأنعام [٦: ١٥]
﴿قُلْ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
﴿قُلْ﴾: قل يا محمد ﷺ .
﴿إِنِّى﴾: يفيد التوكيد.
﴿أَخَافُ﴾: الخوف: هو توقُّع الضرر المشكوك في وقوعه، والخوف خلاف الطمأنينة.
﴿إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى﴾: إن شرطية؛ تفيد الندرة، أو الاحتمال، العصيان: عدم امتثال أوامر الله وتجنب نواهيه.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: يعني: يوم القيامة، وجاء بصيغة النكرة؛ للتهويل، والتعظيم.
﴿عَذَابَ﴾: قد تعني اليوم، يوم عظيم، أو العذاب عظيم في ذلك اليوم، أو كلاهما معاً.
стр. 1304
سورة الأنعام [٦: ١٦]
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾:
﴿مَنْ﴾: شرطية.
﴿يُصْرَفْ﴾: يبعد عنه، أو يمنع عنه العذاب.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾: أيْ: يوم القيامة.
﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ تفيد التوكيد، وقد حرف تحقيق؛ لزيادة التوكيد.
﴿رَحِمَهُ﴾: نجاه من العذاب، ومن أهوال ذلك اليوم.
﴿وَذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، يشير إلى الفوز برحمة الله تعالى.
﴿الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾: الفوز، الظاهر الواضح، لكل إنسان، والفوز البيِّن، لا يحتاج إلى برهان. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لمزيد من البيان في المعنى ومعرفة أنواع أو درجات الفوز في القرآن والفروق.
سورة الأنعام [٦: ١٧]
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية.
﴿وَإِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والندرة.
﴿يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾: من المس: أقل اللمس، أو اللمس الخفيف؛ الذي لا يكاد يُذكر، ويمسسك: تعني: المس الشديد، أو المتكرر.
﴿بِضُرٍّ﴾: الباء: للإلصاق. ضرٍّ: اسم جامع لكل ما يسوء الإنسان في نفسه، أو بدنه، أو عرضه، أو ماله، من فقر، ومرض، وحزن، وألم.
﴿فَلَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، لا: النافية للجنس.
стр. 1305
﴿كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ﴾: حصراً، لا كاشف؛ أيْ: لا صارف له، ولا مزيل له، أو منجٍ منه؛ إلّا هو سبحانه وحده.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، يمسسك: ولم يقل يمسك؛ يمسسك: تعني المس المتكرر، والمس يأتي في سياق الضر وغير الضر والشديد.
﴿بِخَيْرٍ﴾: الباء: للإلصاق. خير: أيِّ خير، والخير هو الشيء الحسن النافع.
﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: الفاء: جواب الشرط. هو: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، كامل القدرة.
لنقارن الآن بين الآية رقم (١٧) من سورة الأنعام، والآية (١٠٧) من سورة يونس.
الآية (١٧) من سورة الأنعام: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الآية (١٠٧) من سورة يونس: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
مطلع كلا الآيتين متشابه، ويتحدث عن الضر الذي لا يكشفه إلا الله، إذا وقع، والضر لا يتمنَّاه أحد أن يقع، أما الخير؛ فالكل يتمَّناه أن يقع، بعكس الضر، والخير: إما أن يكون واقعاً الآن فعلاً، أو سيقع في المستقبل.
فالآية في سورة الأنعام: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: تدل على كونه واقعاً الآن، وعبَّر عنه : بالمسِّ الشديد.
وأما في سورة يونس: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ
стр. 1306
مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: فتدل الآية على أن الخير لم يقع بعد، أو يحصل، ويتمنَّاه الإنسان أن يحدث، ونفهم ذلك من قوله سبحانه: ﴿فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: الذي يدل على المستقبل.
سورة الأنعام [٦: ١٨]
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾:
﴿الْقَاهِرُ﴾: الغالب، والقهر: الغلبة والقدرة، والقاهر: اسم فاعل من قهر؛ أيْ: غلب.
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾: وهو: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد والقصر، أن الله هو القاهر الحقيقي، القاهر الذي خضعت له الرقاب، وعنت له الوجوه، وقهر كلَّ شيء.
﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾: فوق: من الفوقية؛ فهو فوقهم بقهره، وبتذليله إياهم.
﴿وَهُوَ﴾: الواو: عاطفة، هو: ضمير منفصل؛ يفيد القصر والتوكيد.
﴿الْحَكِيمُ﴾: في خلقه وشرعه؛ أي: المدبر لشؤون خلقه، وشرعه، وكونه، بحكمه، فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
﴿الْخَبِيرُ﴾: ببواطن الأمور، والأسرار، والخفايا، وذوات الصدور.
стр. 1307
سورة الأنعام [٦: ١٩]
﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِاءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾:
سبب النزول: رُوِيَ عن ابن عباس ﵄: أن رؤساء مكة من المشركين، أتوا رسول الله ﷺ ؛ فقالوا: يا محمد! ما نرى أحداً يصدقك بما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى؛ فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، ولا صفة، فأرنا من يشهد أنك رسول الله؛ فنزلت هذه الآية.
﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾:
﴿قُلْ﴾: أيْ: اسأل يا محمد المشركين.
﴿أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾: ما هي أعظم شهادة تبغونها، أني رسول الله إليكم، والشهادة عظمتها؛ تدل على عِظم الشهيد؛ أي: المُدلي بالشهادة؛ فإن أجابوك: الله؛ كان بها، وإن لم يجيبوك عندها قل: الله .
﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾: فشهادة الله هي أكبر، وأعظم شهادة؛ على نبوَّتك، ولا تحتاج إلى شيء آخر، أو شهادة أخرى.
﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾، وقل: ﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾: لأنذركم به من عذاب الله؛ معنى الإنذار هنا: الإعلام، والتخويف، أو التحذير.
стр. 1308
﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾: أيْ: هو نذير كذلك؛ لكل من بلغه القرآن من العرب، أو العجم؛ أيْ: وصل إليه، وتبيَّن ما فيه، وفهمه بلغته الخاصة؛ لأن الكثير يصل إليه القرآن، لكن لا يفهمون منه حرفاً، ولا آية.
﴿وَمَنْ﴾: استغراقية، ويؤيِّد ذلك قوله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]، وهذا يعني: ومن بلغه إلى يوم القيامة.
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِاءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾: بعد إنذارهم؛ يوبخهم وينكر عليهم ما يقومون به من الشرك، فيقول:
﴿أَئِنَّكُمْ﴾: الهمزة: استفهام تقريري إنكاري، وتوبيخ.
﴿لَتَشْهَدُونَ﴾: اللام: للتوكيد، والنون: لزيادة التوكيد.
﴿أَنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التوكيد أيضاً.
﴿مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾: مثل اللات، والعزى، ومناة.
﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾: معكم: بأن مع الله آلهة أخرى.
﴿إِنَّمَا﴾: للحصر. قل: إنما هو إله واحد.
﴿هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: هو: ضمير منفصل؛ للتوكيد. إله واحد: لا يلد ولا يولد. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.
﴿وَإِنَّنِى﴾: النون: للتوكيد.
﴿بَرِاءٌ﴾: من برئ؛ أيْ: تخلَّى، وابتعد.
стр. 1309
﴿مِمَّا﴾: هي مركبة من + ما. من: ابتدائية، وما: اسم موصول، أو مصدرية؛ أيْ: بريء من الذين تشركون به، ومن شرككم.
﴿تُشْرِكُونَ﴾: تجعلون مع الله إلهاً آخر. تشركون: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدُّد، وتكرار شركهم، وعدم إقلاعهم عنه.
سورة الأنعام [٦: ٢٠]
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
في الآية السابقة: علمنا أن رؤساء مكة من المشركين سألوا اليهود والنصارى: أن يشهدوا لرسول الله ﷺ ، بما ذكر عندهم في كتبهم ووصفه، فأنكروا ذلك، وزعموا أنه ليس له ذكر عندهم في كتبهم، فجاء الرد المباشر من الله -جل وعلا-؛ ليفضح كذبهم.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾: أي: اليهود والنصارى، الكتاب: التوراة والإنجيل.
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾: أيْ: رسول الله ﷺ .
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾: بما عندهم من الأخبار في كتبهم؛ فإن وصفه ونعته، واسم بلده، وصفة أمته ﷺ ، كل ذلك موجود عندهم في التوراة والإنجيل.
﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾: تشبيه مرسل، في علم الجمال اللغوي، يعرفون صفات محمد ﷺ ؛ كما يعرفون أبناءَهم.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٢) من سورة الأنعام للمقارنة، وهذه الآية ليس تكراراً للآية (١٢) هذه الآية جاءت في سياق الذين
стр. 1310
أتيناهم الكتاب (اليهود والنصارى)، والآية (١٢) جاءت في سياق المشركين والكفار الذين لا يؤمنون بالبعث والحساب.
والفاء في فهم: تفيد التوكيد، هذا يدل على أن إنكار نبوَّة محمد ﷺ خسارة للنفس، وافتراء على الله تعالى.
سورة الأنعام [٦: ٢١]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِئَايَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾:
استفهام على سبيل السؤال؛ كي يشارك المخاطب بالإجابة، فيقول: لا أحد حتى تقام عليه الحُجَّة، أما لو قال: ولا أظلم؛ فهو كلام إنشائي، على سياق الخبر.
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية، من استفهام؛ يفيد النفي، والتوبيخ، والمعنى: لا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، والافتراء: هو الكذب المتعمد، مثل من قال: أوحي إليَّ، ولم يوحَ إليه، أو نسبوا له الولد، والبنات، والشريك. ومَنْ: تفيد المفرد، أو الجمع، والعاقل.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِئَايَاتِهِ﴾: أيْ: آيات القرآن، ودلائله الكونية، والمعجزات، والآيات التي جاءت في التوراة والإنجيل التي تدل على صدق نبوَّة محمد ﷺ ، وجاءت كذباً بصيغة النكرة؛ لتشمل كل أنواع الكذب، ولو جاءت بصيغة المعرف بأل؛ أي: الكذب؛ لدلت على كذب محدد بعينه.
﴿إِنَّهُ لَا﴾: إن: تفيد التوكيد. لا: النافية.
﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: سواء أكانوا من الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، أم من ظلموا الناس، وضلوا عن سواء السبيل، والظالم: هو كل من يخرج عن منهج الله تعالى، والفلاح: هو الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فهؤلاء الظالمون: لن يكونوا
стр. 1311
من المفلحين في الآخرة؛ أي: الفائزين بالجنة، والناجين من النار. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥) لبيان معنى الفلاح، وإذا قارنا هذه الآية ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ مع الآية (١٧) في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾؛ المجرمون: أعم من الظالمين، والإجرام: أوسع معنى من الظلم، الظلم: جزء من الإجرام، وكذلك سبق آية يونس قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [آية: ١٣]، وآية يونس استعمل فيها (فمن)، وآية الأنعام (ومن أظلم)؛ الفاء في آية يونس تدل أن ما قبلها سبب ما بعدها.
سورة الأنعام [٦: ٢٢]
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾:
﴿وَيَوْمَ﴾: يوم الحشر، يوم القيامة، وجاء بصيغة النكرة؛ للتهويل، والتعظيم.
﴿نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: المشركين، وآلهتهم بمن فيهم الذين كفروا من أهل الكتاب، وغيرهم، والأصنام، والأنداد، والرؤساء.
﴿جَمِيعًا﴾: توكيد.
﴿نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: لها معانٍ ثلاث:
١ - ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾: كلهم.
٢ - ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾: مجتمعين.
٣ - أو يُراد كلا المعنيين؛ أيْ: نحشرهم كلهم مجتمعين.
﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾: ثمّ: تفيد التوغل في التوكيد.
﴿لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾:
стр. 1312
﴿أَيْنَ﴾: استفهام، أو سؤال توبيخ.
﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾: الأوثان، والأصنام، وعيسى، وعزير، أو الملائكة.
﴿الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: أنهم شركاء لله، وأنداد، أو سيقربونكم إلى الله زلفى، وتزعمون: من الزعم: وهو القول غير المستند إلى دليل، وأكثر ما يقع في الباطل، أو هو: ادِّعاء العلم غير الصحيح.
سورة الأنعام [٦: ٢٣]
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف للترتيب الذكري (العددي).
﴿لَمْ تَكُنْ﴾: لم: حرف جزم.
﴿فِتْنَتُهُمْ﴾: الفتنة في هذه الآية تعني: القول، والكلام، والكذب، اعتبر فتنة، أو القول: هو فتنة في المعنى، أو المعذرة، أو فضيحتهم، أو بليتهم، أو عاقبة كفرهم. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٧٠)؛ لبيان معنى الفتنة.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أيْ: لم تكن فتنتهم إلّا مقالتهم فقط: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
﴿أَنْ قَالُوا﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التوكيد.
﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: فهم يبادرون إلى إنكار الشرك، والقسم بالله (واو القسم): للتأكيد.
ويقسمون بالله يوم القيامة: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؛ كي يصدقهم الله، وهم يعلمون أنهم كاذبون.
стр. 1313
﴿مَا﴾: للنفي تنفي الماضي والحال وخاصة وقد تنفي المستقبل.
﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾: جواب القسم؛ فهم يحاولون الكذب في الآخرة، كما كذبوا في الدنيا مشركين بالله جمع مشرك.
سورة الأنعام [٦: ٢٤]
﴿انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
﴿انظُرْ﴾: نظرة تعجُّب، نظرة قلبية.
﴿كَيْفَ﴾: استفهام للسؤال عن الحال، وتفيد التعجب، والتوبيخ، والإنكار.
﴿كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾: بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؛ أيْ: بنفي الشرك عن أنفسهم.
﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: غاب عنهم، ولم يعد يتذكرون، ما كانوا يفترون في الدنيا؛ أيْ: يكذبون الكذب المتعمد، بقولهم: إن الأصنام ستشفع لهم، أو تقربهم عند الله زلفى، أو تمنع عنهم العذاب.
﴿مَا﴾: اسم موصول، أو مصدرية؛ أيْ: غاب عنهم: لم يحضر، هؤلاء الشركاء الذين كانوا يفترون سيشفعون لهم يوم القيامة، أو أنكروا أنهم كانوا لهم أتباعاً.
سورة الأنعام [٦: ٢٥]
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِى آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ﴾: عن قصدٍ، وعمدٍ، أما لو قال: يسمع إليك؛ فقد يكون سمعه عرضاً، من دون قصد.
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾: لا لكي يتبيَّن له الحق والهداية، ولكن للاستمرار
стр. 1314
في الكفر، والتكذيب، والعناد، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤٢) في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: جاءت في سياق قلة المستمعون، وأما يستمعون إليك جاءت في سياق الكثرة.
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾: أغطية، وحُجُب أن يفقهوه.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التعليل، والتوكيد؛ أيْ: لئلّا يفقهوه؛ أي: القرآن.
﴿وَفِى آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾: صمم، وثقل، فلا يسمعونه سماع قبول.
ولم نجعل على قلوبهم أكنة، وفي آذانهم وقراً، قهراً عنهم، بل هم الذين اختاروا الكفر سبيلاً، واستمروا فيه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٨٨)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾: وإن يروا كل آية قرآنية، أو كونية، أو معجزة، لا يؤمنوا بها، لا يصدقوها، وكل آية دالة على صدق الرسول، يجحدون بها، وينكرونها.
لنقارن هذه الآية من سورة الأنعام، مع الآية (٤٢) من سورة يونس.
في سورة الأنعام؛ يقول -جل وعلا-: ﴿يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، وفي سورة يونس: ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾، والفرق بين الآيتين: ﴿يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾: تدل على قلة عدد المستمعين، قيل: كانوا (٥ - ٧)، وأما ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: فتدل على كثرة عدد المستمعين.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾:
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية.
стр. 1315
﴿إِذَا﴾: ظرف للمستقبل، وشرطية.
﴿جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾: حضروا عندك. يجادلونك: الجدال هو الحوار بين طرفين أو أكثر؛ لإثبات حق أو حقيقة، أو إظهار حجة، أو دفع شبهة، وقد يحدث فيه مشادة ومخاصمة.
﴿يُجَادِلُونَكَ﴾: ولم يقل: جادلوك، بصيغة الماضي، بل بصيغة المضارع؛ لتدل على استمرار جدالهم، وأن جدالهم لم يتوقف بعد، وإضافة النون في كلمة: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾: ولم يقل: يجادلوك، تدل على التوكيد.
﴿يَقُولُ﴾: جاء بالفعل المضارع؛ ليدل على تجدد قولهم، والاستمرار فيه، ولم يقل: قالوا.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾: إن: حرف نفي؛ أيْ: ما هذا؟ وإن: أشد نفياً من (ما).
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه، وذا: اسم إشارة، ويدل على القرب، ويشير إلى القرآن الكريم.
﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: إلّا: أداة حصر؛ أي: القرآن ما هو إلا أساطير الأولين؛ أيْ: جمع أسطورة، وأكاذيب، وخرافات، أمليت عليه، أو طلب كتابتها، وتعني كله، جميع ما فيه، كل آية وكلمة من أساطير الأولين؛ الذين جاؤوا من قبل، وانقرضوا، وماتوا.
سورة الأنعام [٦: ٢٦]
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْئَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾:
﴿وَهُمْ﴾: يعني: كفار مكة.
﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: ينهون من النهي، والهاء في ﴿عَنْهُ﴾: تعود إما إلى القرآن، أو
стр. 1316
إلى محمد ﷺ ؛ أيْ: كفار قريش ينهون الناس عن اتّباع القرآن، واتّباع محمد ﷺ ، أو كليهما، أو الاستماع لهما.
﴿وَيَنْئَوْنَ عَنْهُ﴾: من النأي: وهو الابتعاد عنه ﷺ ، عن محمد ﷺ ، أو القرآن، أو كليهما.
﴿وَإِنْ﴾: حرف نفي، بمعنى: ما، ﴿وَإِنْ﴾: أقوى نفياً من ما.
﴿يُهْلِكُونَ﴾: من الهلاك. ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٥)؛ للبيان، أو الأعراف آية (٤).
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: ما: النافية، وما يشعرون أنهم يهلكون، ويخسرون أنفسهم، بعملهم هذا، ولو شعروا؛ لربما كفوا عن النهي، والنأي.
سورة الأنعام [٦: ٢٧]
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَلَوْ تَرَى﴾: شرطية، وجوابها محذوف، تقديره: (لرأيت عجباً، أو شيئاً عظيماً).
﴿تَرَى﴾: للتعجب، رؤية قلبية، أو رؤية حقيقية بصرية.
﴿إِذْ﴾: ظرف زمان، للمستقبل؛ لأنه في حكم المحقق.
﴿وُقِفُوا﴾: فعل ماضٍ؛ فالماضي، أو الحاضر، أو المستقبل كله متساوٍ عند الله -جل وعلا-، والضمير يعود على الذين كفروا، وأشركوا بالله تعالى.
﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾: عرضوا على النار، أو عاينوها؛ لأنهم انكروها وانكروا
стр. 1317
عذابها كما قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [الرحمن: ٤٣]، فهي تعرض عليهم كقوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠]، وهم يعرضون كقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [الشورى: ٤٥].
﴿فَقَالُوا﴾: الفاء: عاطفة، وللتوكيد.
﴿يَالَيْتَنَا﴾: يا: للنداء، ليت: حرف مشبه بالفعل؛ للتمني، وتستعمل: لتمني المستحيل، ووقوعه.
﴿نُرَدُّ﴾: إلى الحياة الدنيا.
﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾: لا: النافية.
﴿نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بآيات ربنا: القرآنية، أو الكونية، أو المعجزات.
стр. 1318
سورة الأنعام [٦: ٢٨]
﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي.
﴿بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾: ظهرت لهم أعمالهم الخفية التي عملوها في الدنيا في صحائف أعمالهم من النفاق، والسيئات، والشرك، وغيرها من المعاصي.
﴿مَا كَانُوا﴾: يخفونه في قلوبهم؛ من صدق محمد ﷺ ، ونعته، وراحوا يتمنون لو عادوا إلى الدنيا.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: حين كانوا أحياء.
﴿وَلَوْ﴾: شرطية، ردوا إلى الدنيا، كما سألوا الله في سورة فاطر، آية (٣٧): ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾.
﴿لَعَادُوا﴾: اللام: لام التوكيد.
لعادوا إلى ارتكاب ما نهوا عنه؛ أيْ: سيفعلون مثلما فعلوا من قبل؛ من الشرك، وسيِّئ الأعمال.
﴿وَإِنَّهُمْ﴾: للتوكيد.
﴿لَكَاذِبُونَ﴾: اللام: للتوكيد، للإيغال في التوكيد، في وعدهم: بأن يكونوا مؤمنين.
стр. 1319
﴿لَكَاذِبُونَ﴾: جملة اسمية تدل على الثبوت؛ أيْ: صفة الكذب عندهم صفة ثابتة، ومستمرة.
سورة الأنعام [٦: ٢٩]
﴿وَقَالُوا إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: الواو: عاطفة.
﴿وَقَالُوا﴾: هم الآن في الآخرة، وقالوا حينما كانوا في الدنيا: إن هي إلا حياتنا الدنيا، وما نحن بمبعوثين.
﴿إِنْ﴾: حرف نفي، أقوى من (ما) في النفي.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أيْ: قالوا: ما هي إلَّا حياتنا الدنيا فقط حصراً، وما نحن بمبعوثين، ليس هناك آخرة.
لننظر إلى قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧]، فما هو الفرق؟
في الآية (٣٧) سورة المؤمنون: أضاف : ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، بينما في الآية (٢٩) من سورة الأنعام: لم يرد ذكر: نموت ونحيا.
السبب: هو أن آية سورة المؤمنون: جاءت في سياق الحياة الدنيا، قالوا: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وهم لا زالوا أحياء.
بينما آية سورة الأنعام: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾: من دون نموت ونحيا، قالوا ذلك وهم في الآخرة.
стр. 1320
سورة الأنعام [٦: ٣٠]
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية. لو: شرطية، حذف جواب الشرط؛ للإبهام، والمبالغة، وتقديره: لرأيت العجب، والأمور العظام.
﴿تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾: ارجع إلى الآية (٢٧) من نفس السورة؛ للبيان.
﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾: أيْ: عرضوا على ربهم؛ لأنهم انكروا لقاء ربهم فقال ربهم أليس هذا بالحق، وكما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَائِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: ٨].
﴿قَالَ أَلَيْسَ﴾: استفهام توبيخي.
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة، ويفيد القرب، ويشير إلى الوقوف أمام الرب، والبعث، والجزاء.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق.
﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾: بلى وربنا: الواو: واو القسم؛ أيْ: أقسموا بربهم أن كل ما وعده حق (البعث، والحشر، ويوم القيامة).
﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: الفاء: للتوكيد، قال فذوقوا العذاب: أيْ: عذاب النار.
﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: الباء: السببية، أو البدلية؛ أيْ: بسبب كفركم، أو بدل كفركم.
стр. 1321
سورة الأنعام [٦: ٣١]
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾:
﴿قَدْ﴾: للتحقيق، والتوكيد.
﴿خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: يوم القيامة، والباء: للإلصاق، والتوكيد، كذبوا بلقاء الله: أيْ: بالبعث، والحساب، والجزاء.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، انتهاء الغاية.
﴿جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾: جاءتهم: المجيء فيه معنى الصعوبة؛ أيْ: جاءتهم بصعوبة، وجاءتهم فجأة. الساعة: لحظة تهدم النظام الكوني الحالي، أو ساعة احتضارهم، والقيامة الصغرى.
﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا﴾: الحسرة أشد درجات الندم.
﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا﴾: من التفريط: الإهمال والتقصير، ما: اسم موصول بمعنى: الذي، أو مصدرية؛ أيْ: يا حسرة على تفريطنا في جنب الله تعالى.
﴿وَهُمْ﴾: للتوكيد.
﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾: الأوزار: أي: الذنوب، والوزر: أصله هو الحمل على الظهر، وأطلق على الذنب لثقله. ارجع إلى سورة العنكبوت، آية (١٣) للمقارنة.
﴿أَلَا﴾: أداة حضٍّ على الندم.
﴿سَاءَ﴾ فعل ماضٍ؛ لإنشاء الذمِّ؛ أيْ: بئس.
﴿مَا﴾: نكرة.
﴿يَزِرُونَ﴾: ساء ما يحملون على ظهورهم؛ من الذنوب، والآثام، والخطايا.
стр. 1322
لنقارن بين هذه الآية (٣١) من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، مع الآية (٤٠) من سورة الأنعام: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
استعمل: ﴿جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ في الآية (٣١)؛ لأن السياق في الآخرة (تتحدث عن الآخرة)، استعمل جاء؛ أيْ: فيها معنى الشدة والصعوبة؛ لأن الساعة جاءت وحصلت، واستعمل: ﴿أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ في الآية (٤٠)؛ لأن السياق في الدنيا، استعمل: أتى؛ لأن الساعة لم تحدث، وتقوم بعد، إذنْ استعمل: (أتى) قبل حدوث الساعة، و (جاء) بعد حدوث الساعة، وجاء تعني: وصل المكان وبصعوبة، وأتى: لا زال في طريقه ولم يصل بعد.
سورة الأنعام [٦: ٣٢]
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية. ما: نافية.
﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا﴾: إلا: أداة حصر، وسمّاها الحياة الدنيا؛ لأن حقيقتها دنيا، وهناك حياة تقابل الحياة الدنيا؛ هي حياة عُليا، حياة الآخرة.
﴿لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: ما هو اللعب، وما هو اللهو. ﴿لَعِبٌ﴾: هو شغل، لا يُلهي عن واجب، واللعب يسمَّى لهواً، إذا صرفك عن عمل واجب؛ مثل: الصلاة، واللعب للأطفال دون سن (١٥) أمر طبيعي، وأما البالغ، أو الكبير إن كان يلعب لعبة وأتى وقت الصلاة، ولم يصلِّ فاللعب حينها يصبح لهواً بحقِّه، وإذا كان اللعب مفيداً له؛ كالرياضة، والسباحة، فلا حرج في ذلك، إذا لم يُشغله عن واجباته، أما إذا كان اللعب تضييع للوقت يذمُّ عليه، ويعتبر عبثاً.
﴿وَلَهْوٌ﴾: هو كل ما يُلهي عن واجب، واللهو أسوأ من اللعب.
стр. 1323
وإذا تأملنا آيات القرآن (الأنعام آية: ٣٢)، (محمد آية: ٣٦)، (الحديد آية: ٢٠): نجد أن الله سبحانه قدم اللعب على اللهو، وفقط في آية واحدة (العنكبوت آية: ٦٤) قدم اللهو على اللعب، فتقديم اللعب على اللهو في الأنعام، ومحمد، والحديد يتماشى مع مرحلة الطفولة (اللعب)، ومرحلة الشباب والكهولة (مرحلة اللهو)، وهذا هو الأصل والأصل لا يسئل عنه، وهذا هو حقيقة الحياة الدنيا، وأما في آية العنكبوت تقديم اللهو على اللعب هو كون الآية جاءت في سياق المكلفين ولا يسئل هذا السؤال، والإجابة عليه إلا من جاوز سن اللعب واضح في سن التكليف ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [العنكبوت: ٦١].
حين يلعب الكبير بأي شيء يلهيه عن واجب؛ يسمَّى هذا لهواً.
أما إذا مارس الكبير لعب الرياضة؛ كالسباحة، والتمارين، ولم يُلهه ذلك عن واجب؛ فيسمَّى ذلك لعباً، واللهو: أعم من اللعب، ويحدث في كل زمن.
﴿الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾: لأنها مليئة بالشهوات التي تلهي الإنسان عن طاعة الله.
وتقديم اللهو على اللعب أسوأ من تقديم اللعب على اللهو.
﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾: اللام: لام التوكيد.
﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾: هي الجنة.
﴿خَيْرٌ﴾: أفضل.
﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص. اتقوا: أطاعوا أوامر الله، واجتنبوا محارمه.
﴿أَفَلَا﴾: الهمزة: استفهام، يحمل معنى الحث على الفعل، والتفكر،
стр. 1324
والتعجب، وإنكار ذلك الترك، ويحمل معنى الأمر بفعله؛ أيْ: فكروا، استنبطوا، وزنوا الأشياء والمعطيات.
﴿تَعْقِلُونَ﴾: من العقل: وهو الأداة التي تؤدِّي مهمة الاختيار ما بين البدائل، وللموازنة بين الدلائل واستنباط النتائج للوصول إلى الحقائق.
سورة الأنعام [٦: ٣٣]
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾:
﴿قَدْ﴾: حرف للتحقيق والتوكيد؛ أيْ: نعلم.
﴿نَعْلَمُ إِنَّهُ﴾: إنه: لزيادة التوكيد؛ أيْ: إننا نعلم بكل توكيد.
﴿لَيَحْزُنُكَ﴾: اللام: لام الاختصاص، وتفيد أيضاً التوكيد، والحزُن: بضم الزاي: هو ألم النفس؛ أيْ: ضيق في الصدر على شيء قد مضى، ضيق مؤقت، له مدة من الزمن، قد تطول، أو تقصر، ثم ينتهي.
أما الحزَن: بفتح الزاي: فهو ضيق في الصدر، ولكنه دائم، وليس مؤقتاً، كما هو الحال في الحزُن الذي يستمر إلى زمن الموت؛ أيْ: يموت ومعه حزنه؛ كالمحكوم عليه بالإعدام، أو الموت بالسرطان؛ فالحزن لا ينقضي ويزول.
﴿الَّذِى يَقُولُونَ﴾: يقولون: جاءت بصيغة المضارع، ولم يقل: (الذي قالوا)؛ بصيغة الماضي؛ ليدل على استمرار ما يقولون، وأنه لم يتوقف، أو حكاية الحال، بدل الذي قالوا؛ لبشاعة ما قالوا.
والذي يقولون: إنك ساحر، أو مجنون، أو كذاب، أو لست مرسلاً، وغيره، أو ما يقولونه في عدم إيمانهم، وكفرهم، أو تمشي في الأسواق، أو ليس لك جنة من نخيل، وعنب، ولولا أنزل إليك ملك.
стр. 1325
﴿فَإِنَّهُمْ﴾: الفاء: للتعليل، إنهم للتوكيد.
﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾: لا تفيد النفي، ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على استمرار عدم تكذيبهم لك في نفوسهم وفي السر.
وإضافة النون تفيد التوكيد، ولم يقل: يكذبوك؛ كما جاء في سورة الحج، الآية (٤٢): ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾، لم يضف نون التوكيد؛ لأنه لا حاجة لتوكيد تكذيبهم.
ولا ننسى أنه في الآية (١٤٧) من سورة الأنعام، قال -جل وعلا-: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾.
وفي سورة آل عمران، الآية (١٨٤)، قال -جل وعلا-: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
فنحن أمام آيات مختلفة:
١ - لا يكذبونك.
٢ - وإن يكذبوك (الفرق بزيادة نون التوكيد).
٣ - فإن كذبوك.
فكيف نجمع بين لا يكذبوك، وبين فإن كذبوك؟
لا يكذبونك: في باطن أنفسهم، وفي نجواهم وسرهم؛ لأنك أنت الصادق الأمين، في أعينهم؛ إذ يعرفونك منذ سن الصغر، أنك لا تكذب، وأطلقوا عليك اسم الصادق الأمين.
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال؛ أيْ: كذبوك أمام الناس؛ ليصدوا الناس عن الدخول في دِينك، واتباعك.
стр. 1326
و ﴿كَذَّبُوكَ﴾: جاءت بصيغة الماضي؛ لتدل على حادثة ما، وانتهت، أو زمن معين وانتهى؛ حين قالوا: ساحر، أو مجنون، أو يعلمه بشر، وغيرها؛ ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٨٤) لمزيد من البيان.
﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾:
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك.
﴿الظَّالِمِينَ﴾: وصفوا بالظالمين، وأن الظلم عندهم صفة ثابتة؛ لكونها جملة اسمية، تدل على الثبوت، والظلم: قد يعني الشرك؛ أي: المشركون بآيات الله، يجحدون، أو الظالمون؛ لكونهم يجحدون بآيات الله، سواء أكانت الآيات القرآنية، أم الكونية والمعجزات.
﴿يَجْحَدُونَ﴾: من الجحود؛ أيْ: ينكرون آيات الله، ولا يؤمنون بها، والباء بآيات: تدل على الإلصاق، والاستمرار.
وهناك فرق بين الإنكار والجحود:
الجحود: هو إنكار الشيء الظاهر؛ أيْ: هم ينكرون آيات الله كلها، الظاهرة، والمعلومة، مع العلم بها؛ فالجحود أخص من الإنكار، وقد يكون أمراً لسانياً قولياً، أيْ: ينكره بلسانه فقط، للعناد، ولكنه في نفسه يُقرُّ ذلك.
الإنكار: هو إنكار الشيء الخفي غالباً، وقد يشمل الشيء الظاهر.
أو الإنكار للشيء مع العلم به، أو غير العلم به، مثل إنكار النِّعمة؛ لأنها تكون خفية، كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣].
стр. 1327
سورة الأنعام [٦: ٣٤]
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ﴾:
هذه الآية تشير إلى سنة تكذيب الرسل كان أمراً شائعاً في الأمم السابقة، فما يحدث لك؛ إنما حدث لرسل من قبلك.
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: عاطفة. لقد: اللام: للتوكيد، قد: لزيادة التوكيد.
﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾: كذبت: التاء: تاء التأنيث، تدل على الكثرة؛ أيْ: كثرة الرسل الذين كُذِبوا من قبل مجيئك؛ أيْ: هناك الكثير من الرسل الذين جاؤوا من قبلك، قد كُذِّبوا، ولو قال: كذب رسل من قبلك؛ لدلَّ ذلك على القلة؛ لأن مجيء الفعل بصيغة التذكير يدل على القلة، ومجيء الفعل بصيغة التأنيث يدل على الكثرة، كما قال تعالى في سورة يوسف، آية (٣٠): ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى الْمَدِينَةِ﴾.
﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾: الفاء: تفيد التوكيد.
﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾: ما: اسم موصول، أو مصدرية؛ أيْ: صبروا على الذي كذبوا، أو على تكذيب أممهم لهم، ولم يصبروا فقط، بل أيضاً أوذوا.
﴿وَأُوذُوا﴾: من قبل الكافرين، والمستكبرين، من الملأ من أقوامهم.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية؛ تعني: نهاية الغاية، ويعني: استمرار تكذيبهم وإيذائهم، حتى النهاية، وهي: ﴿أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾.
﴿أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾: سواء كان بالنصر والغلبة، أو الفتح، ونجاة الرسل وأتباعهم الذين آمنوا بالله.
﴿أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾: أتاهم: تدل على السهولة، واليسر، وجاءهم: تدل على
стр. 1328
الصعوبة، والعسر، والمشقة وأتاهم؛ أيْ: نصرناهم بسهولة، ويسر، فكانوا هم الغالبين، والنصر: يكون بالعُدة والعتاد، والقوة، والقتال، أما الفتح: فيكون من دون قتال غالباً، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١١٠) في سورة يوسف وهي قوله تعالى: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾: نجد أن جاءهم جاءت في سياق استيئس الرسُل وهي حالة أشد وأصعب بكثير في حالة الصَّبر على تكذيب الرسل ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾ التي وردت في آية الأنعام.
﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾: لا: نافية للجنس؛ أيْ: لا تغيير، ولا تبديل في وعد الله لرسله، ولعباده المؤمنين بالنصر، كما جاء في آيات كثيرة:
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾: [الحج: ٤٠].
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَّبَإِى الْمُرْسَلِينَ﴾:
﴿جَاءَكَ﴾: أخبرناك، وقصصنا عليك، واستعمل جاء بدلاً من أتاك؛ لأن أنباءَهم كانت شديدة ومرعبة.
﴿مِنْ نَّبَإِى﴾: من: ابتدائية، أو بعضية، من بعض أنباء: والنبأ: هو الخبر العظيم، المهم؛ أيْ: أخبرناك، أو أطلعناك على أنباء الرسل المهمة في هذا القرآن كيف نصرناهم، ونجيناهم، وكيف دمرنا الذين كذبوا برسلهم.
﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: تشمل الأنبياء والرسل.
стр. 1329
سورة الأنعام [٦: ٣٥]
﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾:
﴿وَإِنْ كَانَ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية؛ تفيد الندرة، أو الاحتمال.
﴿كَانَ﴾: للتوكيد.
﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾: أيْ: شق وعظيم ﴿عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾.
﴿عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾: الإعراض: هو التولي، والانصراف عن الإيمان، وعدم استجابتهم لك، وتكذيبهم، وكفرهم بآيات الله، والإعراض عن الدخول في الإسلام، والحقيقة: أن إعراضهم قد كبُر على رسول الله ﷺ ، وشقَّ عليه ذلك، ودلَّ على ذلك قوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨].
﴿فَإِنِ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الندرة.
﴿اسْتَطَعْتَ أَنْ﴾: أن حرف مصدري؛ يفيد التعليل، والتوكيد.
﴿تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى الْأَرْضِ﴾: أيْ: أن تلتمس، أو تبحث عن نفقٍ في أعماق الأرض، فتسير فيه، حتى تعثر على آية؛ أيْ: معجزة فتأتيهم بها.
﴿أَوْ سُلَّمًا فِى السَّمَاءِ﴾: أو تلتمس سُلَّماً في السماء؛ فترقى فيها؛ حتى تأتيهم بآية، كما اقترحوا؛ تدل على نبوَّتك، فائْت بها إن استطعت، وما طلبوه منك ليس أمراً جديداً، فكثير من الأقوام طلبوا من رسلهم آية أو آيات؛ أيْ: معجزات تدل على نبوَّتهم.
والحقيقة: حتى ولو جئتهم بما طلبوا، وليست آية واحدة، بل آيات عدة؛
стр. 1330
فهم لن يؤمنوا، كما فعل من سبقهم، وهذه ليس مهمتك إن أنت إلّا نذير وبشير، فما عليك إلَّا بالصبر.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: لو: شرطية. شاء الله: المشيئة: تأتي قبل الإرادة.
﴿لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾: على الإيمان، والدِّين الواحد؛ حيث هو قادر على هدايتهم، أو إذا لم يهتدوا قهرهم، وحملهم على الإيمان، بإنزال آية من الآيات فوق رؤوسهم، وعندها يكون إيمانهم ليس اختياراً، بل قسراً، والله -جل وعلا- لا يريد ذلك، أو غني عن ذلك.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: الناهية.
﴿تَكُونَنَّ﴾: النون: لزيادة التوكيد.
﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: والرسول ﷺ معصوم من الجهل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾.
فالخطاب مُوجَّه إليه ﷺ ، لكن المقصود أمَّته المسلمة.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: لسنن الله وحكمه، وليس عليك هداهم، وإنما عليك البلاغ المبين، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، وعلى دِين واحد، أو لو شاء لهداهم أجمعين. ارجع إلى سورة الزمر آية (٦٤)، وسورة الفرقان آية (٦٣) لبيان معنى الجاهلين.
стр. 1331
سورة الأنعام [٦: ٣٦]
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾:
المناسبة: لا يكبر عليك إعراض هؤلاء الجاحدين المعرضين، وعدم الاستجابة لك؛ فإنه لا يستجيب لك إلّا الذين يسمعون ﴿يَسْتَجِيبُ﴾، ولم يقل: إنما يُجيب، فهناك فرق بين استجاب، وأجاب.
استجاب: يعني لبَّى بما دعاه إليه، وحقق ما طُلب منه، فإذا طلب منه أن يؤمن تراه حريصاً على التعلم، وتنفيذ ما يطلب منه، استجابة بالقول، والعمل.
أمَّا أجاب: فقد يجيبك بالرفض، أو القبول.
﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾: سماع تفهم وطاعة، إذنْ الذي يستجيب لدعائك إلى الإيمان فقط الذين يسمعون سماع فهم، وتدبُّر، وطاعة؛ أي: الذين آمنوا.
والموتى؛ أي: الذين كفروا فهم كالموتى؛ لكونهم لا يسمعون سماع فهم، وطاعة، ولا يستجيبون لأي دعوة للإيمان، فهم في عداد الموتى، رغم أنهم أحياء.
﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: يوم القيامة من قبورهم، كيف يتم ذلك. ارجع إلى سورة الروم، آية (١٩)؛ للبيان.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾: ثم: تفيد الترتيب والتراخي، إليه: حصراً وقصراً، لا لأحدٍ غيره، يرجعون: للجزاء، والحساب.
стр. 1332
سورة الأنعام [٦: ٣٧]
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
تستمر مواصلتهم للجدال.
﴿وَقَالُوا﴾: الواو: استئنافية. قالوا: أيْ: كفّار مكة.
﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ.
﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: معجزة.
وكأنهم لا يريدون أن يعترفوا بالقرآن كمعجزة، رغم أنهم طلبوا طلباً آخر، حين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾: إن: تفيد التوكيد، قادر: على أن ينزل آية، أو أكثر من آية، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٠) في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: نجد في آية الأنعام نزل التي هي أكد وأبلغ من أنزل، ويرجع ذلك أن آية الأنعام جاءت في سياق: ﴿أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ﴾، وآية يونس جاءت في سياق: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾: نجد أن آية الأنعام أشد وأصعب من آية يونس.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك.
﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: ولم يقل: كلهم لا يعلمون.
﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أن الله إذا استجاب لهم، وأنزلها عليهم، ولم يؤمنوا؛ لكانوا من المهلكين.
стр. 1333
سورة الأنعام [٦: ٣٨]
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النافية.
﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: من: استغراقية؛ تعني: الشمول؛ أيَّ دابة، مهما كانت. دابة: مشتقة من الدبِّ، وهو المشي، وبعضهم يطلق كلمة الدابَّة على كل ما يدبُّ على الأرض: من إنسان، أو حيوان، أو جنٍّ، وبعضهم يطلقها على الحيوان فقط. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٦٤)؛ لمزيد من البيان، وسورة العنكبوت آية (٦٠) لبيان معنى دابة.
﴿فِى الْأَرْضِ﴾: ولم يقل: على الأرض؛ لأن ﴿فِى الْأَرْضِ﴾: تعطي معنى على الأرض، وفي داخل الأرض معاً، ولأن الأرض تشمل الطبقة الغازية المحيطة بالأرض، والتي هي تخص الأرض.
ولو قال: على الأرض؛ لما شملت الدواب الكثيرة التي تعيش تحت الأرض.
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النافية؛ لتوكيد النفي.
﴿طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾: من المعلوم أن معظم الطيور تحتاج إلى أجنحة لتطير بها، وذكر ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾: للتوكيد.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾: الأمة هنا معناها: جماعة معينة لها صفات معينة، وعمل، وزمان.
﴿مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ﴾: ما: نافية.
стр. 1334
﴿فَرَّطْنَا﴾: من التفريط، وهو التقصير والتضييع؛ أيْ: لم نترك شيئاً إلا بيَّنَّاه لكم مما تحتاجون إليه من أمور الدنيا والدِّين.
﴿فِى الْكِتَابِ﴾: مثل اللوح المحفوظ، أو القرآن.
﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية، وشيء: نكرة.
يشتمل كل شيء صغير، وكبير، مهما كان نوعه وجنسه، والشيء: أقل القليل؛ إلّا وذكر في اللوح المحفوظ، أو القرآن.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾: ثم: للترتيب، والتراخي.
﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور، اسم الجلالة، وتقديم الجار والمجرور: يفيد الحصر، والقصر، بدلاً من القول: ثم يحشرون إلى ربهم.
﴿يُحْشَرُونَ﴾: إليه، وحده يحشرون.
والحشر: يتم بعد البعث من القبور، ويشمل السوق إلى أرض المحشر، والجمع.
سورة الأنعام [٦: ٣٩]
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: الذين: اسم موصول.
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أيْ: آيات القرآن، شبههم ربُّهم بالصُّم؛ الذين لا يسمعون أبداً، والبكم؛ الذين لا ينطقون رغم أنهم يسمعون، ويتكلمون، والباء: للإلصاق.
﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾: صم؛ لأنهم أصموا أذانهم عن سماع الحق وتلقي القرآن؛
стр. 1335
لا يسمعون القرآن وآياته، وما أنزل إليهم من ربهم، وبكم؛ لأنهم لا ينطقون، ويقرؤون القرآن؛ أيْ: سماع تدبر، وهداية، أو نطق بالحق.
في الظلمات: وصفهم بالصم والبكم التائه في الظلمات (لتعدد الظلمات) ومنها ظلمة الشرك، والكفر، والضلالة، والمعاصي.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية، تضم المفرد، أو الجمع، وتعني العاقل.
﴿يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾: أيْ: من اختار، واستحب الضلالة على الهدى، ولا يريد الخروج منها يتركه وشأنه؛ فيموت على الكفر، والشرك، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم، ومن اختار الهداية يساعده كي يبقى، ويستقيم على الصراط المستقيم: وهو الإسلام.
وجاء بالصمم، قبل النطق؛ لأن الإنسان لا يتكلم إلَّا إذا سمع، أو كون جهاز السمع يخلق قبل جهاز النطق.
وقوله : ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾: إضافة الواو يدل على أنهم جماعات مختلفة، منهم: الأصم، ومنهم الأبكم.
ولو قال: صم بكم، من دون الواو؛ لدلَّ ذلك أنهم جماعة واحدة، أصابها الصم والبكم معاً؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨) للمقارنة وهي قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾.
﴿يَشَإِ﴾: من المشيئة، والمشيئة تأتي قبل الإرادة، والمشيئة أو غريزة الإيمان موجودة عند كل عبد، وما عليه إلَّا أن يبعثها ويوقظها في قلبه، وكما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
следующие страницы →