Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
سورة الأنعام [٦: ٣٦]
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾:
المناسبة: لا يكبر عليك إعراض هؤلاء الجاحدين المعرضين، وعدم الاستجابة لك؛ فإنه لا يستجيب لك إلّا الذين يسمعون ﴿يَسْتَجِيبُ﴾، ولم يقل: إنما يُجيب، فهناك فرق بين استجاب، وأجاب.
استجاب: يعني لبَّى بما دعاه إليه، وحقق ما طُلب منه، فإذا طلب منه أن يؤمن تراه حريصاً على التعلم، وتنفيذ ما يطلب منه، استجابة بالقول، والعمل.
أمَّا أجاب: فقد يجيبك بالرفض، أو القبول.
﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾: سماع تفهم وطاعة، إذنْ الذي يستجيب لدعائك إلى الإيمان فقط الذين يسمعون سماع فهم، وتدبُّر، وطاعة؛ أي: الذين آمنوا.
والموتى؛ أي: الذين كفروا فهم كالموتى؛ لكونهم لا يسمعون سماع فهم، وطاعة، ولا يستجيبون لأي دعوة للإيمان، فهم في عداد الموتى، رغم أنهم أحياء.
﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾: يوم القيامة من قبورهم، كيف يتم ذلك. ارجع إلى سورة الروم، آية (١٩)؛ للبيان.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾: ثم: تفيد الترتيب والتراخي، إليه: حصراً وقصراً، لا لأحدٍ غيره، يرجعون: للجزاء، والحساب.
стр. 1332
سورة الأنعام [٦: ٣٧]
﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
تستمر مواصلتهم للجدال.
﴿وَقَالُوا﴾: الواو: استئنافية. قالوا: أيْ: كفّار مكة.
﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ.
﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: معجزة.
وكأنهم لا يريدون أن يعترفوا بالقرآن كمعجزة، رغم أنهم طلبوا طلباً آخر، حين قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾: إن: تفيد التوكيد، قادر: على أن ينزل آية، أو أكثر من آية، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٠) في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: نجد في آية الأنعام نزل التي هي أكد وأبلغ من أنزل، ويرجع ذلك أن آية الأنعام جاءت في سياق: ﴿أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ﴾، وآية يونس جاءت في سياق: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾: نجد أن آية الأنعام أشد وأصعب من آية يونس.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك.
﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: ولم يقل: كلهم لا يعلمون.
﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أن الله إذا استجاب لهم، وأنزلها عليهم، ولم يؤمنوا؛ لكانوا من المهلكين.
стр. 1333
سورة الأنعام [٦: ٣٨]
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النافية.
﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: من: استغراقية؛ تعني: الشمول؛ أيَّ دابة، مهما كانت. دابة: مشتقة من الدبِّ، وهو المشي، وبعضهم يطلق كلمة الدابَّة على كل ما يدبُّ على الأرض: من إنسان، أو حيوان، أو جنٍّ، وبعضهم يطلقها على الحيوان فقط. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٦٤)؛ لمزيد من البيان، وسورة العنكبوت آية (٦٠) لبيان معنى دابة.
﴿فِى الْأَرْضِ﴾: ولم يقل: على الأرض؛ لأن ﴿فِى الْأَرْضِ﴾: تعطي معنى على الأرض، وفي داخل الأرض معاً، ولأن الأرض تشمل الطبقة الغازية المحيطة بالأرض، والتي هي تخص الأرض.
ولو قال: على الأرض؛ لما شملت الدواب الكثيرة التي تعيش تحت الأرض.
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النافية؛ لتوكيد النفي.
﴿طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾: من المعلوم أن معظم الطيور تحتاج إلى أجنحة لتطير بها، وذكر ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾: للتوكيد.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾: الأمة هنا معناها: جماعة معينة لها صفات معينة، وعمل، وزمان.
﴿مَا فَرَّطْنَا فِى الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ﴾: ما: نافية.
стр. 1334
﴿فَرَّطْنَا﴾: من التفريط، وهو التقصير والتضييع؛ أيْ: لم نترك شيئاً إلا بيَّنَّاه لكم مما تحتاجون إليه من أمور الدنيا والدِّين.
﴿فِى الْكِتَابِ﴾: مثل اللوح المحفوظ، أو القرآن.
﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية، وشيء: نكرة.
يشتمل كل شيء صغير، وكبير، مهما كان نوعه وجنسه، والشيء: أقل القليل؛ إلّا وذكر في اللوح المحفوظ، أو القرآن.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾: ثم: للترتيب، والتراخي.
﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور، اسم الجلالة، وتقديم الجار والمجرور: يفيد الحصر، والقصر، بدلاً من القول: ثم يحشرون إلى ربهم.
﴿يُحْشَرُونَ﴾: إليه، وحده يحشرون.
والحشر: يتم بعد البعث من القبور، ويشمل السوق إلى أرض المحشر، والجمع.
سورة الأنعام [٦: ٣٩]
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: الذين: اسم موصول.
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أيْ: آيات القرآن، شبههم ربُّهم بالصُّم؛ الذين لا يسمعون أبداً، والبكم؛ الذين لا ينطقون رغم أنهم يسمعون، ويتكلمون، والباء: للإلصاق.
﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾: صم؛ لأنهم أصموا أذانهم عن سماع الحق وتلقي القرآن؛
стр. 1335
لا يسمعون القرآن وآياته، وما أنزل إليهم من ربهم، وبكم؛ لأنهم لا ينطقون، ويقرؤون القرآن؛ أيْ: سماع تدبر، وهداية، أو نطق بالحق.
في الظلمات: وصفهم بالصم والبكم التائه في الظلمات (لتعدد الظلمات) ومنها ظلمة الشرك، والكفر، والضلالة، والمعاصي.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية، تضم المفرد، أو الجمع، وتعني العاقل.
﴿يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾: أيْ: من اختار، واستحب الضلالة على الهدى، ولا يريد الخروج منها يتركه وشأنه؛ فيموت على الكفر، والشرك، ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم، ومن اختار الهداية يساعده كي يبقى، ويستقيم على الصراط المستقيم: وهو الإسلام.
وجاء بالصمم، قبل النطق؛ لأن الإنسان لا يتكلم إلَّا إذا سمع، أو كون جهاز السمع يخلق قبل جهاز النطق.
وقوله : ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾: إضافة الواو يدل على أنهم جماعات مختلفة، منهم: الأصم، ومنهم الأبكم.
ولو قال: صم بكم، من دون الواو؛ لدلَّ ذلك أنهم جماعة واحدة، أصابها الصم والبكم معاً؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (١٨) للمقارنة وهي قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾.
﴿يَشَإِ﴾: من المشيئة، والمشيئة تأتي قبل الإرادة، والمشيئة أو غريزة الإيمان موجودة عند كل عبد، وما عليه إلَّا أن يبعثها ويوقظها في قلبه، وكما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
стр. 1336
سورة الأنعام [٦: ٤٠]
﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾:
﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ﴾: أيْ: أخبروني إِخبارَ من له علم ودراية، أخبروني بشيء من التأكيد.
والهمزة في ﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾: للاستفهام، والتقرير، والتعجب، والرؤية هنا رؤية بصرية، ورؤية قلبية، فكرية؛ بمعنى: العلم.
وزيادة الكاف كلمة ﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾: مقارنة بقوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ﴾: لزيادة التنبيه، والتوكيد، فكأن المخاطب غافلٌ، والأمر يستوجب التنبيه؛ لأن الآية التي قبلها تحدثت عن الذين في الظلمات، والصم والبكم، فمثل هؤلاء يحتاجون إلى تنبيه شديد، ولذلك أعقبها بقوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ﴾، بدلاً من أرأيتم، مبالغة في الإخبار؛ لأن هناك عذاباً، وهلاكاً قادماً عليهم.
﴿إِنْ أَتَاكُمْ﴾: إن شرطية، وتفيد القلة في الحدوث؛ لأن هذا الحدث؛ أيْ: وقوع العذاب، أو مجيء الساعة يحدث مرة واحدة فقط.
﴿عَذَابُ اللَّهِ﴾: الذي كان يأتي الأمم السابقة؛ كالريح الحاصبة، والعقيم، والصيحة، والرجفة.
﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾: أيْ: ساعة تهدم النظام الكوني الحالي، أو ساعة الاحتضار، أو ساعة الكرب والهلاك.
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾: الهمزة: للاستفهام التوبيخي، أتدعون عندها حجراً، أو وثناً، أو صنماً؛ لمساعدتكم، وإنقاذكم من العذاب.
стр. 1337
﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: المعنى: إن كنتم حقاً صادقين أخبروني من تدعون، وتستغيثون حين نزول البلاء بكم؛ لكشف الضر عنكم، آلله سبحانه، أم غيره.
إذنْ: ﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾: فيها تنبيه أشد وأكثر من أرأيتم، وكذلك مبالغة في الإخبار، وذلك كلُّه ناتج عن زيادة الكاف.
ومثال آخر: هو كلمة ﴿قَالَ أَرَءَيْتَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] مقارنة بكلمة: ﴿أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣].
﴿أَرَءَيْتَكَ﴾: فيها تعجب، وإخبار أشد؛ أيْ: أعلمني، وأخبرني بكل تأكيد مقارنة بكلمة ﴿أَرَءَيْتَ﴾.
سورة الأنعام [٦: ٤١]
﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾:
﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي.
﴿إِيَّاهُ﴾: ضمير منفصل؛ يدل على القصر الحقيقي، والتوكيد فقط.
﴿إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾: أيْ: فقط إياه وحده تدعون لإنقاذكم.
﴿تَدْعُونَ﴾: عند الشدائد.
﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾: أيْ: يرفع عنكم العذاب، أو يزيله، أو يكشف الضر، أو البأس.
﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الندرة إن شاء أن يستجيب لكم، فله الخيرة.
﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾: في تلك الفترة، فترة الإنقاذ، وكشف الضر، تنسون
стр. 1338
ما كنتم تشركون به من قبل؛ لأنكم حينئذٍ تعلمون حق اليقين: أن الله هو الذي بيده الملك، والحاكم، والقادر على إنقاذكم.
سورة الأنعام [٦: ٤٢]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية (٣٤)؛ للبيان.
﴿أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾: قال: ﴿أَرْسَلْنَا﴾: ولم يقل: بعثنا؛ إذ هناك فرق بينهما؛ ارجع إلى الآية (٦٤) من سورة النساء؛ للبيان، أو البقرة، آية (١١٩).
﴿فَأَخَذْنَاهُم﴾: أيْ: بعد أن كذبوا رسلهم، عاقبناهم، والأخذ يعني: بشدة، وقوة.
﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: القحط، والفقر، والجوع، والخوف، والعواصف، والبراكين، والأوبئة، والكوارث الجوية تصيب الجميع.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: المرض، والألم، والفقر، والجوع، يصيب الفرد وحده.
فالبأساء؛ تعني: الإصابة عامة تشمل الجميع، والضراء: خاصة تصيب الفرد.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾: التضرع: هو التذلل، والاستكانة، والخضوع؛ لعلَّهم يرجعون إلى طريق الإيمان، والتضرع: قد يُقبل، أو لا يُقبل.
لنقارن هذه الآية مع الآية (٩٤) من سورة الأعراف.
في سورة الأنعام، الآية (٤٢): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾.
стр. 1339
وسورة الأعراف، الآية (٩٤): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِنْ نَّبِىٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾. الاختلاف الأول بكلمة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾: اللام: للتوكيد. قد: للتحقيق.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾: ما: للنفي؛ أيْ: آية الأنعام: تؤكد، وآية الأعراف: تنفي.
الاختلاف الثاني: ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى﴾، ﴿أَرْسَلْنَا فِى﴾: إلى: تفيد الانتهاء، أرسلنا إلى الإرسال، لا يقتضي المكث، وإنما يقتضي التبليغ والعودة.
أما أرسلنا في: فتفيد الظرفية، أرسلنا في: الإرسال؛ يعني: المكث، والدخول فيهم، مع التبليغ، والانتظار.
الاختلاف الثالث: أمم مقابل قرية، الأمم أكثر عدداً من القرية.
الاختلاف الرابع: ﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾: أطول بعدد الحروف، وفيها تشديد واحد، عدد المتضرعين أكثر بكثير، من القرية، فزيادة البناء في كلمة ﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾: لتناسب زيادة عدد السكان، وتضرعهم أقل شدة من تضرع أهل القرية.
﴿يَضَّرَّعُونَ﴾: الكلمة أقصر، وفيها تشديدان؛ لأن عدد المتضرعين في القرية أقل من عدد المتضرعين من الأمم، ولكن تضرع أهل القرية رغم عددهم القليل هو أشد تضرعاً من تضرع الأمم.
سورة الأنعام [٦: ٤٣]
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء: استئنافية. لولا: حرف توبيخ، وندم؛ لأنها دخلت على فعل ماض، ولو دخلت على المضارع؛ فهي للحضِّ والحثِّ.
стр. 1340
﴿إِذْ﴾: ظرف زماني للماضي.
﴿بَأْسُنَا﴾: عذابنا.
﴿تَضَرَّعُوا﴾: أظهروا الخضوع، والتذلل لله تعالى، وأنابوا إلى ربهم وتابوا.
﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك.
﴿قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: بدلاً من أن تلين، وتتوب، وتندم على العكس قست قلوبهم، وأقاموا على كفرهم، ولم يرتدعوا.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: قبل مجيئهم بأسنا.
وقال: ما يعملون: ولم يقل: ما عملوا؛ لأن عملهم استمر، وتكرَّر، وتجدَّد.
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الذي كانوا يعملون، أو مصدرية؛ أيْ: زيَّن لهم الشيطان أعمالهم.
سورة الأنعام [٦: ٤٤]
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: عاطفة، وتدل على التعقيب والمباشرة.
﴿نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي ذكروا به؛ أيْ: ما وعظوا، أو تضرعوا.
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ﴾: أبواب: ولم يقل: باب ليصور لك كثرة الخيرات والرخاء، والسرور، والرزق، والنعيم؛ حتى يظنوا ظناً باطلاً، ما نزل بهم، وحلّ بهم، ليس انتقاماً، أو أمراً سيئاً، وما يحدث لهم الآن من فتح
стр. 1341
وخيرات؛ لكونهم يستحقونها، وعندئذٍ يفرحون، وعندما يبلغ فرحهم وسرورهم أقصاه: ﴿أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾: أيْ: أطبقنا عليهم العذاب فجأة.
﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾: حرف لنهاية الغاية؛ إذا: ظرفية زمانية للمستقبل؛ فرحوا: بطروا؛ أي: بلغ فرحهم أقصى درجاته، وهو الفرح المذموم. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان معنى الفرح وأنواعه.
﴿فَإِذَا﴾: للمفاجأة.
﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل، يفيد التوكيد على كونهم ﴿مُّبْلِسُونَ﴾.
﴿مُّبْلِسُونَ﴾: مرة أخرى، يائسون من رحمة الله، ومنقطع رجاؤهم، وساكتون، منقطعة حججهم، ليس عندهم ما يقولونه؛ من كلام في اكتئاب، وكسوف، وحزن، وحسرة، وندم، ولكون هذه المرة ليست المرة الأولى التي تمر بهم فهم قد كذبوا ما عاهدوا الله عليه.
وهذه إحدى السنن الكونية في الاستدراج في العذاب. ارجع إلى سورة المؤمنون، آية (٧٧)؛ لمزيد من البيان في معنى مبلسون.
стр. 1342
سورة الأنعام [٦: ٤٥]
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿فَقُطِعَ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب.
﴿دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أيْ: آخرهم، والدابر: التابع من الخلف؛ أيْ: هلكوا واستُؤصِلوا جميعاً.
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: السؤال هنا: كيف نفسر قوله تعالى: والحمد لله رب العالمين، ولم يقل: وهو العزيز الحكيم كما في الآيات الأخرى.
الحمد لله هنا قد يكون لسببين:
الأول: لأنه انتهى أمر الذين ظلموا، بكونهم هلكوا عن بكرة أبيهم، وانتهى أمر فسادهم، وظلمهم في الأرض، فهذا يستحق الحمد.
والثاني: الحمد لله على نعمته على المؤمنين بأن أنجاهم ونصر رسله وأوليائه.
سورة الأنعام [٦: ٤٦]
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾:
﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام، والتقرير.
والرؤية هنا: رؤية قلبية، ورؤية بصرية، وتعني: أخبروني بشكل مؤكد، أو من له علم ودراية. ارجع إلى الآية (٤٠)، من نفس السورة؛ لمعرفة الفرق بين أرأيتم، وأرأيتكم.
стр. 1343
﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تدل على الاحتمال.
﴿أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾: الأخذ يعني بقوة وشدة والأخذ هنا قد يكون الأخذ الحقيقي بالطمس أو بالتعطيل، بمرض ما، ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: على عقولكم، فتصبح لا تعي ولا تفهم، أو لا يدخلها إيمان، أو يخرج منها كفر، والطبع أشد من الختم؛ لأن الختم لا زال فيه بريق أمل أما الطبع انتهى الأمر.
﴿مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ﴾: من: استفهامية، إله: غير الله يأتيكم به: يُعيدُ إليكم سمعكم وأبصاركم؛ أيْ: يشفيكم، وتعني: يهديكم للإيمان.
﴿انظُرْ﴾: أيْ: فكِّر وتمعَّن.
﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام والسؤال عن الحال والتعجب، والإنكار.
﴿نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾: الآيات: جمع آية، أيْ: نكرر، ونوضِّح الآية الواحدة، أو المسألة الواحدة بأساليب متعددة، مختلفة، وصور شتى؛ حتى يتبيَّن، وينكشف المعنى الحق، والخفي. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٦٤).
﴿ثُمَّ﴾: للإيغال في التوكيد.
﴿هُمْ﴾: يفيد التوكيد.
﴿يَصْدِفُونَ﴾: من صدف؛ أيْ: أعرض إعراضاً شديداً، وقيل: أيضاً صرف غيره عنها؛ أيْ: أضل غيره، وصدف عنه: مال، وأعرض عنه، ميلاً شديداً، والإعراض، أو الميل قد يكون خفيفاً، فتبقى بجانب الشخص الذي تعرض عنه، ولكن إذا صدفت تذهب إلى الجانب البعيد الآخر.
إذنْ الصدف: الإعراض عن الشيء، إضافة للذهاب إلى الجانب البعيد، إلى ناحية بعيدة، وذكرت هذه الكلمة في سورة الأنعام أربع مرات.
стр. 1344
سورة الأنعام [٦: ٤٧]
﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾:
﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٤٠) للبيان.
﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الندرة.
﴿أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً﴾: بشكل مفاجئ، دون أيِّ إنذار، أو علامة سابقة، أو ليلاً، هل تستطيعون دفع العذاب عن أنفسكم، وأهليكم، أو تنصركم آلهتكم التي تدعون من دون الله.
﴿أَوْ جَهْرَةً﴾: أي: أتاكم عذاب الله ظاهراً، عياناً، بإنذار، ومقدِّمات، أو نهاراً، وذكر ﴿جَهْرَةً﴾: هنا لكيلا يقولوا: لو جاءنا جهرة؛ لكنا قادرين على ردِّه، أو دفعه؛ أيْ: أنتم عاجزون عن دفع العذاب في كلا الحالين: إن أتاكم بغتة، أو جهرةً.
﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾: استفهام تقريري، أو إنكاري؛ بمعنى النفي؛ أيْ: ما يهلك بالعذاب، إلّا القوم الظالمون، وفي الآية تهديد ووعيد للظالمين.
﴿إِلَّا﴾: تفيد الحصر، والقصر على القوم الظالمين.
﴿الظَّالِمُونَ﴾: جمع ظالم؛ لنفسه، أو لغيره، أو معاً. والظالمون، والظلم: هو الخروج عن دِين الله، أو المنهج.
قد تعني المشركون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤) لمعرفة معنى الظلم.
стр. 1345
سورة الأنعام [٦: ٤٨]
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: نفي للتوكيد.
﴿نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا﴾: للحصر.
﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾: ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان، فهذه مهمتهم، الإبلاغ، الإنذار، والتبشير.
﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾: مهمة الناس الإيمان، والإصلاح، والاستجابة، أو بالعكس: رفض الاستجابة للمرسلين، كما سنرى في الآية (٤٩)، والإيمان محلُّه القلب، والإصلاح، والطاعة من عمل الجوارح، مثل اليد، واللسان، وغيرها؛ لأن الفساد الذي يحدث في الأرض هو من عمل الإنسان.
﴿فَمَنْ﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية تشمل الفرد، والجمع.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، ولا: نافية تعمل عمل ليس والخوف: هو توقع الضرر والمشكوك في وقوعه؛ ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة البقرة؛ لبيان معنى لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
سورة الأنعام [٦: ٤٩]
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
في الآية السابقة ذكر ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
أما القسم الآخر: فهم الذين كذبوا بآيات الله، سواء أكانت القرآنية منها، أم الكونية، أم المعجزات، فهؤلاء يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون.
﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾: يمسهم: يصيبهم العذاب، وشبه العذاب بأنه كائن حي؛ لأن المسَّ من صفات الأحياء.
стр. 1346
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق. وما: مصدرية.
﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾: في الدنيا، أو في الآخرة.
﴿يَفْسُقُونَ﴾: أيْ: خروجهم عن طاعة الله، وعن الدِّين. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٦)؛ للبيان. يفسقون: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدلّ على استمرار فسقهم، وتجدُّده.
سورة الأنعام [٦: ٥٠]
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر مهمة الرسل؛ مبشرين، ومنذرين، وبعد أن ذكر قول كفَّار مكة: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [الفرقان: ٨]، ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّى﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨].
فأنزل الله -جل وعلا- رداً على بعض أسئلتهم.
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ، ثلاثة أنباء:
أولاً: لا أقول لكم عندي خزائن الله، وهذه الخزائن مذكورة في سورة الحجر الآية (٢١)، وهي قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾. ارجع إلى سورة الحجر، هي: النجوم السماوية التي يقدر عددها بالترليونات في كل مجرة من المجرات التي يتراوح عددها بين (٢٠٠. ٠٠٠) مليون مجرة، و (٥٠٠. ٠٠٠) مليون مجرة، وكل نجم من هذه النجوم هو فرن ذري جاهز لإنتاج ما يريده رب العالمين من معادن: كالذهب، والفضة، والحديد، والألماس، وغيرها من المعادن بكميات أكبر من الأرض، وفي هذه النجوم تتشكل كل المواد التي يحتاجها البشر فهي لا تنفد ولا تنقص.
стр. 1347
ثانياً: ولا أعلمُ الغيبَ: الغيب: هو كل ما غاب عن البصر، والحواس، أو المدركات.
ثالثاً: ولا أقول لكم إني ملك؛ أيْ: من الملائكة.
وتكرار (لا) ثلاث مرات يفيد التوكيد، وفصل كل أمر عن الآخر، أو الكل معاً.
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾:
﴿إِنْ﴾: نافية، وأقوى من النفي من (ما)؛ أيْ: ما أتبع إلَّا ما يوحى إليّ.
﴿إِلَّا﴾: تفيد الاختصاص والحصر.
﴿يُوحَى إِلَىَّ﴾: الوحي: هو الإعلام بالخفاء، ﴿إِلَىَّ﴾: من ربي؛ أيْ: كل ما يُلقي إليَّ الله من تكاليف، وتعاليم دِينية، وآيات. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ للبيان.
وهو بذلك ينفي عن نفسه أيَّ صفة من صفات الألوهية، وهي ملكية الخزائن، وعلم الغيب، وكونه من الملائكة؛ أيْ: له طاقة، وقدرة تفوق القدرة البشرية.
﴿هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: هل: استفهام توبيخي، يستوي الأعمى: الضال، الكافر، أو المكذب بآيات الله تعالى، والبصير، المهتدي، المؤمن، والمصلح.
﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري على عدم تفكرهم، وتوبيخ على عدم استعمال عقولهم؛ أيْ: النظر فيما يوعظون به.
﴿أَفَلَا﴾: الفاء: فاء السببية؛ أي: ما قبلها سبب لما بعدها، ألا: أداة تنبيه،
стр. 1348
وحضٍّ، وتحمل معنى الأمر؛ أيْ: لم لا تتدبَّرون في هذه البراهين، والدلائل الدالَّة على وحدانية الله، وصدق رسوله ﷺ ، وإن الله هو الإله الحق؛ الذي يستحق العبادة.
لنقارن هذه الآية مع الآية (٣١) من سورة هود.
في سورة الأنعام، الآية (٥٠): ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ﴾.
وفي سورة هود، الآية (٣١): ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ﴾؛ حذف لكم في سورة هود.
الاختلاف يعود أولاً:
١ - آية سورة الأنعام: هي قول رسول الله محمد ﷺ ، وآية سورة هود هي ما قاله نوح ﵇.
٢ - زيادة لكم في آية سورة الأنعام؛ كانت رداً من رسول الله ﷺ على قومه؛ الذين كانوا يسألونه عن كثير من المعجزات، ولذلك أضاف لكم؛ فيها توكيد، ولكم خاصة.
بينما نوح ﵇: لم يسأله قومه عن المعجزات التي سألتها قريشٌ رسولَ الله ﷺ .
سورة الأنعام [٦: ٥١]
﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:
﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾: الواو: عاطفة.
﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾: أيْ: بالقرآن؛ لقوله في سورة الأنبياء، الآية (٤٥): ﴿قُلْ
стр. 1349
إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْىِ﴾ بالقرآن، وقوله: ﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].
﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: يخافون: من الخوف وهو توقع الضرر المشكوك في وقوعه، السؤال: وهل يخاف المؤمن أن يحشر إلى ربه؟ الجواب: لا.
إذنْ من هم هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم؟ هم الذين كذبوا بآياتنا، ولم يؤمنوا، أو فسقوا، وقيل: هم المؤمنون العاصون، الفاسقون.
وهذا الإنذار مُوجَّه إلى كل فرد، والإنذار هو إعلام مع تخويف، أو زجر، أو تحذير، ولعلَّهم إن جاءهم الإنذار أن يؤمنوا ويصلحوا.
﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾: أيْ: في الدنيا، ﴿لَيْسَ﴾: نافية. ﴿لَهُمْ﴾: من غير الله من ولي.
﴿مِنْ دُونِهِ وَلِىٌّ﴾: من: استغراقية؛ تشمل أيَّ ولي. ارجع إلى سورة العنكبوت، آية (٢٢) لمعرفة الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
الولي: هو المعين، والحفيظ؛ يحفظ المؤمن، ويتولى شؤونه، ويُكن له المودة.
﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾: ولا: نافية. و (لا): في النفي أقوى من: (ليس).
إذنْ نفي الشفيع أقوى من نفي الولي. ارجع إلى الآية (٧٠) من نفس السورة للبيان.
وتعني: أيَّ شفيع، مهما كان من الإنس، أو الجن، أو الملائكة.
стр. 1350
والشفيع: صيغة مبالغة من شافع: وهو الذي يطلب العفو لشخص آخر؛ لكي يدفع عنه العذاب لذنب، أو جرم فعله المشفوع له، ولا تتم الشفاعة إلَّا بإذنٍ ورضا من الله تعالى.
﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: لعلَّ: أداة رجاء، أو تعليل، لعلَّ هذا الإنذار يعيدهم إلى طاعة الله، والإيمان، والإصلاح، وكذلك اتخذوا الأسباب الأخرى للتقوى، وطلبوا من الله القبول أن يصبحوا من المتقين.
سورة الأنعام [٦: ٥٢]
﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِنْ شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾:
سبب النزول: عدة روايات منها: أن رؤساء المشركين من قريش قالوا لرسول الله ﷺ : لو طردت عنك فقراء المسلمين، أمثال: عمار، وصهيب، وبلال، وخباب، وسلمان، وغيرهم؛ لجلسنا معك، وحادثناك، فقال ﷺ : ما أنا بطارد المؤمنين، فقالوا: فأقمهم عنا، إذا جئنا، فإذا أقمنا فأقعدهم معك إن شئت، ويبدو أن رسول الله ﷺ قبل هذا الاقتراح طمعاً في إيمانهم؛ فنزلت هذه الآية. رواه مسلم.
وفي رواية أخرى: رواها الطبري عن عكرمة: أنهم طلبوا من أبي طالب أن يكلِّم ابن أخيه رسول الله ﷺ ، فكلّم أبو طالب رسول الله ﷺ في المسألة السابقة، فقال عمر بن الخطاب: لو فعلنا ذلك حتى ننتظر ماذا يريدون؛ فنزلت هذه الآية. والمهم عموم اللفظ وليس بخصوص السبب.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: ناهية.
﴿تَطْرُدِ﴾: الطرد: هو الإبعاد، والإقصاء.
﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ﴾: قائمون على طاعة، وعبادة ربهم،
стр. 1351
بالغداة والعشي؛ أي: الدائمون، والغداة: أول النهار، والعشي: آخر النهار؛ أي: الدائمون في العبادة.
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾: عبر عن الذات بالوجه، ذكر الجزء، ويراد به الكل؛ أيْ: ليس عبادتهم رياءً، وإنما سِمَتُهم الإخلاص لله تعالى وحده ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِنْ شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿مَا﴾: النافية.
﴿عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَىْءٍ﴾: أيْ: حساب هؤلاء على ربهم فقط، وليس عليك يا محمد ﷺ .
﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية، تستغرق كل شيء؛ والشيء هو كل ما يُعلم ويخبر عنه سواء أكان حسياً أم معنوياً، ويعني: أقل القليل، وسواء أكان صغيراً، أم كبيراً، مهما كان نوعه، وفي هذا دليل على كرامتهم عند ربهم، وصدقهم، وإخلاصهم، ولا يجوز طرد هؤلاء، أو إشعارهم بذلك.
وذكر المفسرون شيئاً آخر، أراد الله أن يكرمهم به، فكان لا يقوم رسول الله ﷺ من مجلسه مع هؤلاء المستضعفين حتى يقوموا هم أولاً، ونزلت في حق هؤلاء الآية.
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨].
﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِنْ شَىْءٍ﴾: اتباعاً لقوله -جل وعلا-: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ أيْ: لا يؤاخذون بحسابك، ولا أنت بحسابهم.
﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾: الفاء: السببية.
стр. 1352
﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿الظَّالِمِينَ﴾: الذين ظلموا أنفسهم، أو ظلموا غيرهم. ارجع إلى الآية (٤٧) من نفس السورة؛ لبيان معنى الظلم.
وهذا الخطاب، وإن كان مُوجَّهاً لرسول الله ﷺ ؛ فالمقصود به الدعاة إلى الإسلام، ففيه إرشاد لمنهج الدعوة.
وإن الهداية لا تكون إلَّا بمشيئة الله، وأن مهمة الرسول ﷺ ، أو الدعاة فقط التبليغ، والتبشير، والإنذار.
стр. 1353
سورة الأنعام [٦: ٥٣]
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ﴾: أيْ: كما فتنّا المستكبرين من زعماء قريش بعدم الجلوس مع رسول الله ﷺ حتى يطرد الفقراء الضعفاء من حوله ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا﴾: الفقير بالغني، والغني بالفقير، والقوي بالضعيف، والعالم بالجاهل، والفتنة: هي الابتلاء والاختبار، وقد تكون خيراً، أو شراً. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٧)؛ لمزيد من البيان.
﴿لِّيَقُولُوا﴾: اللام: لام التوكيد. ليقولوا: تعود على المستكبرين من زعماء قريش، والأغنياء منهم.
﴿أَهَؤُلَاءِ﴾: الهمزة: للاستفهام، والاستخفاف، والتهكم، والاستبعاد، والهاء: للتنبيه. أولاء: اسم إشارة؛ يشير إلى الفقراء من صحابة رسول الله ﷺ ؛ الذين أسلموا معه.
﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنْ بَيْنِنَا﴾: أيْ: فضَّلهم الله علينا، أو أنعم الله عليهم؛ بالهداية، والتوفيق.
﴿مِنْ بَيْنِنَا﴾: أيْ: من دوننا.
﴿أَلَيْسَ﴾: الهمزة: للاستفهام، والتقرير.
﴿اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
﴿بِالشَّاكِرِينَ﴾: ممن يقع منهم الإيمان والشكر، فيهديهم، ويوفقهم، بالشاكرين لأنعُم الله، فأكبر نعمة هي نعمة الإسلام والإيمان لله وحده. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لبيان معنى الشاكرين.
стр. 1354
سورة الأنعام [٦: ٥٤]
﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: الواو: عاطفة، وإذا: ظرفية للمستقبل، وتتضمن معنى الشرط.
﴿جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾: أيْ: جاءك الذين يصدقون، ويؤمنون بآياتنا من هؤلاء الذين يريدون وجهه، ويدعون ربهم بالغداة والعشي، ونهيناك عن طردهم إذا جاؤوك هم، أو غيرهم من المؤمنين.
والمجيء فيه معنى المشقة، والصعوبة؛ لكونهم كانوا يخفون إيمانهم خوفاً من كفار قريش.
﴿فَقُلْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ تفيد التوكيد؛ أيْ: يا رسول الله ﷺ .
﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: الفاء: للمباشرة والتعقيب؛ قل لهم يا محمد ﷺ لهم؛ أي: للذين يؤمنون: سلام عليكم؛ أي: ألقي عليهم تحية الإسلام، وهي السلام عليكم مع أن المتعارف عليه أن يلقي من يدخل السلام؛ فهذا يدل على كرامتهم عند الله تعالى بأن يوصي نبيه ﷺ أن يبدأهم بالسلام حين دخولهم، وسلام جاءت بالرفع: لتدل على السلام الثابت الدائم، وفي هذا بشرى للمؤمنين؛ سلام أمان من الله لكم؛ من ذنوبكم، و ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: جملة اسمية تدل على الثبوت، وكذلك نكرة تشمل سلام التحية، وسلام الأمن، وعدم الخوف، وسلام من كل مكروه، وغير مستحب.
﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾:
﴿كَتَبَ﴾: وعدكم ربكم من ذاته العلية الرحيمة، وتفضلاً منه، وإحساناً، ومِنَّةً. وقيل: كتب في اللوح المحفوظ على نفسه الرحمة، وأن يتقبل توبتكم.
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
стр. 1355
﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا﴾:
﴿أَنَّهُ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والعلَّة.
﴿مَنْ﴾: ابتدائية، استغراقية.
انتبه إلى قوله: من عمل، ولم يقل: كسب، كسب: تستعمل عادة في الخير، وليس في السوء.
﴿سُوءًا﴾: السوء: كلٌّ إثم وقبح، يسوء إظهاره، أو سيِّئ العاقبة، مثل: المعاصي، والزِّنى، والسيئات: الصغائر، والكبائر.
﴿سُوءًا﴾: نكرة؛ تشمل كلَّ سوءٍ.
﴿سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾: الباء: السببية، سبب جهالة؛ أيْ: سفه وطيش، والطيش: هو عدم تدبر نتائج أفعاله، والسفه؛ لكونه لا يُقدَّر قيمة ما يفوته من الثواب والأجر، وما يلحقه من العذاب. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٧) لمعرفة الفرق بين جهل وجهالة.
﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾: ثم: هنا للبعد؛ أي: التباين بين عمل السوء، والتوبة، وهي ليست للتراخي في الزمن.
وأركان التوبة: الكف عن المعصية، وعدم العودة إليها، والندم، والإكثار من النوافل، وإصلاح ما أخذه.
﴿بَعْدِهِ﴾: من بعد عمل السوء.
﴿وَأَصْلَحَ﴾: ردّ المظالم إلى أهلها، وأصلح ما أفسده بالمعصية.
﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: الفاء: جواب الشرط (أنه). أن: تفيد التوكيد.
﴿غَفُورٌ﴾: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير المغفرة، ويغفر الذنوب العظام، ولو كانت مثل زبد البحر، ولا يفضح خلقه، ويستر ذنوبهم، ويمحوها، ويعفو عنها.
стр. 1356
﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة، كثير الرحمة، لا يعجل العقاب، أو العذاب لعباده؛ حتى يتوبوا، ودائم الرحمة، يمحو السيئات، ويثيب على الحسنات، فهو رحيم بعباده المؤمنين في الآخرة.
سورة الأنعام [٦: ٥٥]
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ﴾: كما فصّلنا لك في الآيات السابقة، كيف تتعامل مع الذين يؤمنون بآياتنا؛ من الفقراء والمستضعفين، والذين يستكبرون، وما هو مصيرهم.
﴿نُفَصِّلُ﴾: نبيِّن لك الآيات الأخرى.
﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾: اللام: للتوكيد؛ أيْ: ليتضح لك، ولغيرك، وينكشف لك.
﴿سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾: المجرمين: جمع مجرم؛ لغةً: جرم؛ أي: أذنب وارتكب ذنباً، وجرم تعني: قطع؛ أي: قطع جميع صِلاته بالله تعالى، واصطلاحاً: كل من تمرد على أوامر الله ونواهيه ورفض الخضوع إليها؛ أي: ما يفعله المجرمون؛ أي: الكفار، المعاندون، المصرون على المعاصي، وارتكاب المخالفات الشرعية، وما سيكون مصيرهم.
وسبيل المجرمين: الطريق الذي يسلكه المجرمون، أو ما يقومون به؛ أيْ: نفصل ونبيِّن أمر كل فئة حتى يظهر لك طريق سلوك المجرمين من المنافقين والمشركين، وكيف تتعامل مع كل فئة.
سورة الأنعام [٦: ٥٦]
﴿قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
﴿نُهِيتُ﴾: من النهي: وهو المنع؛ أيْ: مُنعت.
﴿أَنْ﴾: مصدرية؛ تفيد التعليل، والتوكيد.
﴿أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أيْ: أعبد الذين تعبدون من غير الله،
стр. 1357
مثل: هذه الأصنام، والآلهة، أو أدعوها للمساعدة، أو أطلب منها أيَّ شيء مثل: العون، والنصرة.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.
﴿قُلْ﴾: تكرار قل؛ يفيد التوكيد.
﴿لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾: لا: النافية. أتبع أهواءكم ولم يقل لا أتبعكم، وإنما قال لا أتبع أهواءكم؛ جمع هوى: وهو ما تميل إليه النفس باطلاً، بما لا ينبغي، ولا دليل، وبعيد عن الحق، والهوى: يغلب عليه الذم، ويختص بالأداء والاعتقادات. وقيل: الهوى هو المحبة المفرطة التي تعمي عن الحق؛ أي: لا أتبع دينكم، أو كقوله تعالى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، وهذا يدل على جهلهم واتباع شهواتهم.
﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد، توكيد الضلالة، باتباع أهوائهم.
﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾: إذا دعوتها، أو عبدتها.
﴿وَمَا أَنَا﴾: الواو: عاطفة، ما: النافية، أنا: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾: من: ابتدائية، المهتدين: السائرين على الصراط المستقيم، والمهتدين إلى الحق إذا اتبعت أهواءَكم.
سورة الأنعام [٦: ٥٧]
﴿قُلْ إِنِّى عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾:
﴿قُلْ إِنِّى﴾: ارجع إلى الآية السابقة.
﴿بَيِّنَةٍ﴾: والبينة: كل ما يُبيَّن به الحق، من الحجج العقلية، أو الأدلة الحسية، أو الدلالة التي يتبيَّن بها الحق من الباطل؛ أي: القرآن.
﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾: به ترجع إلى الرب، أو ترجع إلى المنهج؛ أي: القرآن.
стр. 1358
﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ﴾: ما: الأولى: نافية، عندي؛ أيْ: بيدي، ما: الثانية: اسم موصول؛ بمعنى: الذي؛ أيْ: ما بيدي الأمر الذي تستعجلون به، والاستعجال: هو طلب الحدث قبل زمنه أو وقته، وهو: مذموم غالباً ونقيض العجلة الأناة، وهي محمودة.
﴿بِهِ﴾: تعود إلى العذاب؛ إذ كانوا يشكّون في حدوثه، وأنه سينالهم؛ لأنهم كذبوا به، ولذلك كانوا يقولون: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾:
﴿إِنِ﴾: نافية، أشد نفياً من ما؛ تفيد التوكيد.
﴿الْحُكْمُ﴾: الفصل، والقضاء؛ أيْ: متى سيحل عليكم العذاب.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر وقصر، الحكم بيد الله فقط؛ فهو يُصدر الحكم، أو يقضي القضاء متى شاء.
﴿لِلَّهِ﴾: لام الاختصاص.
﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾: أيْ: وكل ما يخبر به، ويقص علينا، هو الحق، وقص: ذكر الخبر، أو تتبع الأثر، وهو خير الفاصلين.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾: خير من يحكم بالعدل، والفصل: هو القضاء، والحكم بين الحق والباطل، ومن يُدخل الجنة، ومن يُدخل النار.
سورة الأنعام [٦: ٥٨]
﴿قُلْ لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ .
стр. 1359
﴿لَّوْ﴾: حرف شرط.
﴿أَنَّ﴾: يفيد التوكيد.
﴿عِندِى مَا﴾: ما: الذي اسم موصول.
﴿تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾: أي: العذاب.
﴿لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾: لقضي: اللام: للتوكيد، إما الإيمان والتصديق، وإما الهلاك، وما أمهلكم دقيقة.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾: لكن الأمر ليس لي، إنه يرجع إلى الله العليم الحكيم، إن شاء عجل لكم العذاب، أو إن شاء أخَّر.
فهو ﴿أَعْلَمُ﴾: على وزن أفعل، صيغة مبالغة بما يعمله الظالمون؛ فقد يؤمن بعضهم، أو لا يؤمن، وما يؤول إليه أمرهم؛ لأنه عالم الغيب والشهادة.
﴿بِالظَّالِمِينَ﴾: والباء: للإلصاق، الظالمين: المشركين، الظالمين لأنفسهم وغيرهم، وظلم النفس يكون بالخروج عن منهج الله تعالى. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأنعام [٦: ٥٩]
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ﴾: وعنده: الواو: عاطفة؛ عنده: ظرف مكان، وتقديم عنده على مفاتح الغيب: يدل على الاختصاص والحصر؛ مفاتح جمع لـ (مِفتح): بكسر الميم، وهو آلة الفتح، وتسمَّى المفتاح، وتجمع أيضاً على مفاتيح؛ أيْ: إنه سبحانه يملك المفاتيح التي تفتح الغيب، أو مشتقة من مَفتح: بفتح الميم؛ يعني: عنده خزائن الغيب.
والغيب: ما استأثر الله بعلمه، والغيب هنا يعني: الغيب المطلق؛ الذي لا يعلمه إلَّا الله، والغيب: هو كل ما غاب عنك، فهناك بعض الأمور الغيبية التي
стр. 1360
أطلعها الله لرسله، وغيرها، وهذا النفي من الغيب غير المقصود هنا في هذه الآية، ومفاتح الغيب هي: خمسة جاء ذكرها في سورة لقمان آية (٣٤)، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾: لا: النافية. إلا: أداة حصر، وهو: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد؛ أي: فيها نفي واستثناء يفيد الاختصاص والإثبات.
وقيلت أقوال كثيرة في مفاتح الغيب منها:
الساعة، والأرحام، ما تفيض وما تزداد، والغيث، متى ينزل، وأين، ومقداره، والموت، متى، وبأي أرض، وبأي سبب، والرزق، ماذا نكسب غداً، ومقداره، ومن أين.
وقيل: مفاتح الغيب هي خزائنه؛ لقوله : ﴿وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾، فالمفاتيح لتلك الخزائن.
فعلينا أن نؤمن: بأنه لا يعلمها إلّا هو سبحانه، حصراً وقصراً، ويعلم كذلك:
﴿مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾:
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: من مخلوقات، وأرزاق، وجمادات، ونباتات.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾: انتبه إلى تكرار ما الأولى: اسم موصول؛ أي: الذي في البر والبحر.
وما الثانية: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾: نافية.
﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾: إلّا أداة حصر.
стр. 1361
ولم يقل: إلا هو يعلمها؛ لأن هذا الأمر، لا يمكن أن يشاركه في علمه أحد، فلا حاجة لذكر (هو)، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ فيه إجمال، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾ تفصيل واستخدام النفي والاستثناء مرة أخرى يدل على الإثبات والتوكيد.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾: من أوراق الشجر والنباتات، يعلم زمن سقوطها، وأين تسقط، وما يطرأ عليها من تغيرات، ومصيرها.
﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾: ولا حبة، مهما كان نوعها.
﴿فِى ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾: في طبقات الأرض، وباطنها، ولا حبة فيها إجمال.
﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾: تكرار ﴿وَلَا﴾: يفيد التوكيد، والنفي، وفيها تفصيل.
الرطب؛ قيل: هو الحي، أو ما يُنبت بالماء، أو الطري، أو الذي يتحرك (يربو وينمو).
اليابس؛ قيل: هو الميت، أو ما لا ينبت، أو لا حركة له؛ أي: الهامد.
إذنْ: لاحظ سعة علم الله، ثم عليك أن تؤمن بأن الله يعلم كلَّ شيء، جملةً وتفصيلاً؛ إذ يعلم -جل وعلا- ما كان، وما يكون، وما سيكون، وبعد علمه، جاءت الكتابة. وانظر إلى تتابع الإجمال ثم التفصيل ثم الإجمال ثم التفصيل ثلاث مرات في آية واحدة.
﴿فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: هو مكتوب في اللوح المحفوظ.
стр. 1362
سورة الأنعام [٦: ٦٠]
﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَهُوَ﴾: الواو: عاطفة، هو: ضمير منفصل؛ يفيد الاختصاص، والقصر.
﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾: أيْ: يتوفَّى أنفسكم؛ لقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
﴿بِالَّيْلِ﴾: الباء: للإلصاق، وتفيد الظرف؛ أيْ: بالنوم الوفاة الصغرى؛ كي ترتاح الجوارح، وتنشط بهذا النوم، وهو آية من آيات الله -جل وعلا- الدالة على قدرته على البعث. ارجع إلى سورة الزمر، آية (٤٢)؛ للبيان.
﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾: أيْ: كسبتم من الخير، والشر، والحسنات، والسيئات، بجوارحكم.
والاجتراح: هو الاكتساب باليد، أو القدم، أو الفم، واللسان، والعين، والأذن، وغيرها، وغالباً ما يكون في النهار.
﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾: فيه: أيْ: يوقظكم بالنهار، الباء: ظرفية؛ أيْ: في النهار، البعث يعني: اليقظة، والنهوض من النوم، كما سيقوم الميت، ويبعث من قبره، والنوم يشبه الموت.
﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾: اللام: لام التعليل، أجل مسمَّى: لتبلغوا الأجل، الزمن الذي كُتب وقُدر لكم؛ لانقطاع حياتكم؛ أي: الموت.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
стр. 1363
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: ثم: تفيد الترتيب والتراخي في الزمن.
﴿إِلَيْهِ﴾: تقديم الجار والمجرور هنا يفيد الحصر والقصر؛ أيْ: فقط إليه وحده مرجعكم، لا إلى أحد غيره بعد حياة البرزخ.
﴿ثُمَّ﴾: للتوكيد.
﴿يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ينبئكم في يوم القيامة، بما كنتم تعلمون في الدنيا من خير، أو شر، والعمل يشمل: القول، والفعل؛ أيْ: ما كنتم تقولونه، وتفعلونه في دنياكم.
سورة الأنعام [٦: ٦١]
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾:
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾: جاء بضمير الفصل هو؛ ليدل على أنه هو وحده القاهر.
﴿الْقَاهِرُ﴾: الغالب، المسيطر، القوي، المقتدر، المتحكم، لا يعجزه شيء، ولا يخرج أحد من تحت سيطرته.
﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾: أيْ: هو فوقهم بقهره، وهم تحته بذلِّهم، فهو قهر استعلاء، فهم المقهورون بلا اختيار، والمنقادون لحكمه، فيما لهم فيه اختيار، أو غير اختيار، يقهر بالمرض، وبالفقر، وبالموت، والأذى، والضرر، والعذاب، وبالبأساء، والضراء.
﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾: يحفظون أعمال العباد، ويكتبونها؛ لقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧].
وهم الكرام الكاتبون، ومنهم المعقبات: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، وأما الكرام الكاتبون فهم أربعة: ملكان بالليل، وملكان بالنهار، وأما الحفظة: جمع حافظ، موكلون بالعبد، يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه، فإذا جاء أمر الله؛ أي: الذي قدَّره؛ خلَّوا بينه، وبين أمر الله؛ ليقع قضاء الله وقدره على عبده.
стр. 1364
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية.
﴿إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾: قدَّم المفعول به على الفاعل؛ للاهتمام، ولأن الموت شيء مكروه للإنسان؛ فهو قد أخّره، ولم يقل: «حتى إذا جاء الموت أحدكم»، ومجيء الموت صعب جداً، واستخدم جاء: المناسبة للصعوبة، والمشقة، وسكراته بدلاً من أتى التي تدل على السهولة.
﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾: نزعت ملائكة الموت روحه، بأمر من ملك الموت.
فالموت: ينسب إلى الله لقوله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
وينسب إلى ملك الموت لقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].
وينسب إلى الرسل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١].
انتبه ﴿رُسُلُنَا﴾: هنا تعني: ملك الموت، إضافة إلى الملائكة الذين يحملون الروح، ويصعدون بها إلى علّيين، أو سجين.
فقبض الروح بالنسبة إلى الله سبحانه أمرٌ، وإلى ملك الموت واسطة الذي يأمر الرسل بقبض الروح؛ لقوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ [النازعات: ١ - ٢].
﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾: فرط: أهمل، لا يهملون، ولا يقصرون، ولا يتجاوزون الحد؛ أيْ: لا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون؛ حين يطلب منهم قبض الروح.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد، والقصر الحقيقي على عدم تفريطهم.
سورة الأنعام [٦: ٦٢]
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: تدل على التعقيب، والتراخي.
стр. 1365
﴿رُدُّوا﴾: يعني: العباد، والردّ يكون بعد الموت، بعد البعث، بعد النفخة الثانية، والرد: هو الرجوع المجبر عليه من دون إرادته، أو رغبته.
﴿إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾: المولى: المالك، ردوا إلى مالكهم وحاكمهم.
﴿الْحَقِّ﴾: صفة للمولى؛ أي: الذي لا يتغير، أو يتبدل؛ مهما طال الزمن، أو تغير.
﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه.
﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾: الحكم يشمل القضاء، والفصل، وهناك فرق بين الحكم والقضاء والفصل، فالحكم والقضاء كقوله: يحكم بينهم، أو يقضي بينهم، يستعملها القرآن بين أفراد الملة الواحدة، أو الأمة الواحدة، ويفصل بينهم: للفصل بين الأمم، أو الأنبياء، وأممهم، أو للفصل بين الحق والباطل، أو أهل الجنة والنار، والمؤمنين والمشركين، وقيل: الفصل أشد من الحكم، والفصل من الحكم، فهو سبحانه يحكم بينهم، ثم يفصل بينهم؛ فهو سبحانه يحكم أو يقضي بين أفراد الأمة الواحدة، ثم يفصل بينهم؛ فريق إلى الجنة، وفريق إلى السعير.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يدل على التوكيد، والحصر.
﴿أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾: يحاسب الخلق، بوقت قصير، لا يعلمه إلا هو، أو بكلمةِ: كن، فيكون، أو لمحة البصر؛ لأنه لا تخفى عليه خافية.
سُئِلَ الإمام علي بن أبي طالب ﵁: كيف يحاسب ربنا -جل وعلا- الناس جميعاً في وقت واحد؟ فقال: كما يرزقهم في وقت واحد.
سورة الأنعام [٦: ٦٣]
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
﴿قُلْ مَنْ﴾: استفهام تقريري.
﴿يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: من الشدائد؛ كالعواصف، والأعاصير،
стр. 1366
والكوارث الجوية: من زلازل، ورعد، وبرق، والعرب تقول لليوم الذي تلقى فيه الشدة: يوم مظلم.
كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
حينئذٍ ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾: لا تجدون ملجأً إلّا إيّاه، تدعونه علانية وسراً، وبخشوع، وذل، وخوف.
﴿تَضَرُّعًا﴾: قد تكون بالعلن، مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر إليه، والحاجة إليه، والذل، والانكسار.
﴿وَخُفْيَةً﴾: في الخفاء: أي التستر؛ أيْ: في أنفسكم، دعاء الصمت بالخفاء.
﴿لَّئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
﴿لَّئِنْ﴾: اللام: لام التوكيد، إن: حرف شرط؛ تفيد الاحتمال، أو الندرة.
﴿أَنْجَانَا﴾: من أنجى، وأنجيتنا.
﴿أَنْجَانَا﴾: تفيد السرعة، وقصر الزمن، ولم يقل: لئن نجانا؛ تفيد البطء، والزمن الطويل؛ لأن الزمن قصير جداً في تلك الشدائد، والصبر قليل، والنجاة يلزمها وقت قصير.
﴿مِنْ هَذِهِ﴾: من: ابتدائية. ﴿هَذِهِ﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة؛ يفيد القرب، وتشير إلى الشدة والمحنة.
﴿لَنَكُونَنَّ﴾: اللام: للتوكيد، وكذلك نون النسوة: لزيادة التوكيد.
﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: لله سبحانه، الشاكرين على نعمة النجاة. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لمزيد من البيان على الشاكرين.
سورة الأنعام [٦: ٦٤]
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾:
﴿قُلِ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
﴿اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا﴾: الله ينقذكم من هذه الكارثة، أو المصيبة، وكذلك
стр. 1367
﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾: من: استغراقية؛ تشمل ﴿كُلِّ كَرْبٍ﴾: كرب: نكرة؛ أيِّ كرب مهما كانت شدته وحجمه.
الكرب: هو كلُّ غمٍّ شديد الذي يصحب الشدائد، ويصيب النفس، ويصاحبه ضيق في الصدر، ولا يستطيع أحد دفعه، أو رده في أغلب الأحوال إلا الله وحده سبحانه.
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي، أو لتباين الصفات من التضرع، والشرك.
﴿أَنتُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿تُشْرِكُونَ﴾: بالله تعالى، وتجعلون له أنداداً بعد إذ أنجاكم منها.
سورة الأنعام [٦: ٦٥]
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾:
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾: هو: ضمير منفصل؛ يدلّ على الحصر، والتوكيد، ويعود على الله -جل وعلا-؛ إذ هناك من البشر من هو قادر أن يبعث عليكم عذاباً، ولكن القادر الحقيقي هو الله وحده.
﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: كالصواعق والرعد والبرق والصيحة والرياح المدمرة والمطر الغزير.
﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الزلازل، والغرق، والفيضانات، والرجفة والخسف … وغيرها، من أنواع العذاب.
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: شيعاً: جمع شيعة: وهم الأتباع والأنصار؛ الذين اجتمعوا على أمر ما، ولو كان باطلاً؛ أيْ: يجعلكم طوائف، ومذاهب متفرقة، متضاربة في الآراء، والعقيدة، والغايات.
﴿يَلْبِسَكُمْ﴾: أيْ: يخلط أمركم، خلط اضطراب، ويقال: لبست عليه الأمر؛ أيْ: لم أبيِّنه له.
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾: البأس: هو العذاب، أو الحرب، أو القتل،
стр. 1368
والتدمير، والنهب، والسلب؛ أيْ: يطغى بعضكم على بعض بالقتل، والفساد، والسوء، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: ١٢٩].
﴿انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾:
انظر كيف نوضح، ونبيِّن الآية بأساليب مختلفة، وصور شتى؛ حتى يتبيَّن معناها الحقيقي، والخفي، والغاية من وراء ذلك؛ لعلَّهم يفقهون.
﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾: الفقه لغةً: الفهم، واصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية مثل القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها، وهو الفهم للشيء؛ بدليله وعلته، يؤدِّي إلى الاعتبار، والاتعاظ، والعمل الأفضل، والوصول إلى الحق. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) لمزيد من البيان.
سورة الأنعام [٦: ٦٦]
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾:
﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾: القرآن.
﴿قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾: والحق: هو القرآن، أو الوحي، وهو الأمر الثابت؛ الذي لا يتغير، ولا يتبدل.
فالقرآن: حق ثابت، لا شك فيه، ولا ريب فيه، ولا يتغير، ولا يتبدل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
﴿قُلْ لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: قل لهم يا محمد ﷺ ؛ أيْ: لا سبيل لإجباركم على الإيمان. ﴿لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: أيْ: حفيظ، ولا موكل إليَّ أموركم، ولا حسابكم، ولا كافيكم، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٠٨) في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: نجد أن (ما) في النفي أقوى من (ليس)، وكذلك الجملة الاسمية ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: تدل على الثبوت، وأقوى من الجملة الفعلية لست؛ فقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: أشد نفياً وأكد؛ فقد جاءت ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ في سيق الضلال والهداية، ولست في سياق التكذيب بالقرآن.
стр. 1369
وكلمة ﴿قَوْمُكَ﴾: فيها تقريع لهم؛ لأنه شملهم جميعاً.
سورة الأنعام [٦: ٦٧]
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿لِكُلِّ﴾: اللام: لام التوكيد.
﴿نَبَإٍ﴾: خبر عظيم، يخبر به الله تعالى.
﴿مُّسْتَقَرٌّ﴾: أيْ: وقت يقع فيه؛ من غير تقديم، ولا تأخير، ومكان يذاع فيه النبأ.
﴿وَسَوْفَ﴾: حرف استقبال؛ يدل على البعد الزمني، والتراخي.
﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: صدق ما جاء به القرآن، أو الوحي، ومحمد ﷺ من خبر، ووعد، ووعيد، ووقوع، وما أخبر به من عذاب وجزاء، عاجلاً، كما وقع في بدر، أو آجلاً يوم القيامة.
سورة الأنعام [٦: ٦٨]
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
سبب النزول: كما قال ابن عباس ﵄: نزلت في أهل الأهواء، والبدع من المسلمين الذين يُؤَوِّلون الآيات بالباطل.
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية متضمنة معنى الشرط، وتدل على حتمية الحدوث.
﴿رَأَيْتَ﴾: رؤية بصرية، أو فكرية، قلبية.
﴿يَخُوضُونَ﴾: الخوض: أصله الدخول في الماء الكثير الذي يستر القدمين، وعندها لا يدري إلى أيِّ موقع تقع أو تزل قدميه في هوة، أو حفرة، والخوض يكون من دون اهتداء.
﴿يَخُوضُونَ فِى آيَاتِنَا﴾: ومعنى الخوض في آياتنا: لم تبيِّنه هذه الآية، وإنما بيَّنته آية أخرى، في سورة النساء، الآية (١٤٠)، فقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ
стр. 1370
فِى الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾.
إذنْ الحوض؛ يعني: الكفر، أو الاستهزاء بآيات الله سبحانه.
وفي هذه الآية كذلك يبيِّن الحكم فيما إذا استمر الصحابة في الجلوس مع الذين يخوضون في الآيات، والحكم هو أنكم إذنْ مثلهم؛ أيْ: في الذنب، والإثم، وبدعهم، ومعتقداتهم الباطلة، ﴿فَأَعْرِضْ﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: انصرف عنهم، ولا تجالسهم، ولا تستمع لهم، ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية.
﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾: وعندها لا مانع من مجالستهم، والتحدث معهم، إذا غيروا الحديث، أو توقَّفوا عن الخوض.
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: وإما: الواو: عاطفة، إما: أصلها (إن+ما)، إن: شرطية، ما: للتوكيد.
وإذا حدث أنك نسيت أمر النهي، والمنع، ووجدت نفسك تجلس معهم؛ فمجرد ما تتذكر المنع، وعدم مخالطتهم اترك، وانصرف عنهم، إذنْ يمكن أن تنسى، والنسيان من عمل الشيطان الذي يُزين ويشغل الإنسان فلا يتذكر، ولكن بعد الذكرى لا تجلس مع القوم الظالمين.
﴿الذِّكْرَى﴾: تذكر النهي.
﴿الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: المشركين، أو الظالمين، والظالم: هو كلُّ مَنْ يخرج عن منهج الله تعالى يُعد ظالماً لنفسه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤)؛ لمزيد من البيان.
следующие страницы →