Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
والكوارث الجوية: من زلازل، ورعد، وبرق، والعرب تقول لليوم الذي تلقى فيه الشدة: يوم مظلم.
كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧].
حينئذٍ ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾: لا تجدون ملجأً إلّا إيّاه، تدعونه علانية وسراً، وبخشوع، وذل، وخوف.
﴿تَضَرُّعًا﴾: قد تكون بالعلن، مظهرين الضراعة، وهي شدة الفقر إليه، والحاجة إليه، والذل، والانكسار.
﴿وَخُفْيَةً﴾: في الخفاء: أي التستر؛ أيْ: في أنفسكم، دعاء الصمت بالخفاء.
﴿لَّئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
﴿لَّئِنْ﴾: اللام: لام التوكيد، إن: حرف شرط؛ تفيد الاحتمال، أو الندرة.
﴿أَنْجَانَا﴾: من أنجى، وأنجيتنا.
﴿أَنْجَانَا﴾: تفيد السرعة، وقصر الزمن، ولم يقل: لئن نجانا؛ تفيد البطء، والزمن الطويل؛ لأن الزمن قصير جداً في تلك الشدائد، والصبر قليل، والنجاة يلزمها وقت قصير.
﴿مِنْ هَذِهِ﴾: من: ابتدائية. ﴿هَذِهِ﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة؛ يفيد القرب، وتشير إلى الشدة والمحنة.
﴿لَنَكُونَنَّ﴾: اللام: للتوكيد، وكذلك نون النسوة: لزيادة التوكيد.
﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: لله سبحانه، الشاكرين على نعمة النجاة. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لمزيد من البيان على الشاكرين.
سورة الأنعام [٦: ٦٤]
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾:
﴿قُلِ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
﴿اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا﴾: الله ينقذكم من هذه الكارثة، أو المصيبة، وكذلك
стр. 1367
﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾: من: استغراقية؛ تشمل ﴿كُلِّ كَرْبٍ﴾: كرب: نكرة؛ أيِّ كرب مهما كانت شدته وحجمه.
الكرب: هو كلُّ غمٍّ شديد الذي يصحب الشدائد، ويصيب النفس، ويصاحبه ضيق في الصدر، ولا يستطيع أحد دفعه، أو رده في أغلب الأحوال إلا الله وحده سبحانه.
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي، أو لتباين الصفات من التضرع، والشرك.
﴿أَنتُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿تُشْرِكُونَ﴾: بالله تعالى، وتجعلون له أنداداً بعد إذ أنجاكم منها.
سورة الأنعام [٦: ٦٥]
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾:
﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ﴾: هو: ضمير منفصل؛ يدلّ على الحصر، والتوكيد، ويعود على الله -جل وعلا-؛ إذ هناك من البشر من هو قادر أن يبعث عليكم عذاباً، ولكن القادر الحقيقي هو الله وحده.
﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: كالصواعق والرعد والبرق والصيحة والرياح المدمرة والمطر الغزير.
﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الزلازل، والغرق، والفيضانات، والرجفة والخسف … وغيرها، من أنواع العذاب.
﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾: شيعاً: جمع شيعة: وهم الأتباع والأنصار؛ الذين اجتمعوا على أمر ما، ولو كان باطلاً؛ أيْ: يجعلكم طوائف، ومذاهب متفرقة، متضاربة في الآراء، والعقيدة، والغايات.
﴿يَلْبِسَكُمْ﴾: أيْ: يخلط أمركم، خلط اضطراب، ويقال: لبست عليه الأمر؛ أيْ: لم أبيِّنه له.
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾: البأس: هو العذاب، أو الحرب، أو القتل،
стр. 1368
والتدمير، والنهب، والسلب؛ أيْ: يطغى بعضكم على بعض بالقتل، والفساد، والسوء، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: ١٢٩].
﴿انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾:
انظر كيف نوضح، ونبيِّن الآية بأساليب مختلفة، وصور شتى؛ حتى يتبيَّن معناها الحقيقي، والخفي، والغاية من وراء ذلك؛ لعلَّهم يفقهون.
﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾: الفقه لغةً: الفهم، واصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية مثل القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها، وهو الفهم للشيء؛ بدليله وعلته، يؤدِّي إلى الاعتبار، والاتعاظ، والعمل الأفضل، والوصول إلى الحق. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) لمزيد من البيان.
سورة الأنعام [٦: ٦٦]
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾:
﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾: القرآن.
﴿قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾: والحق: هو القرآن، أو الوحي، وهو الأمر الثابت؛ الذي لا يتغير، ولا يتبدل.
فالقرآن: حق ثابت، لا شك فيه، ولا ريب فيه، ولا يتغير، ولا يتبدل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
﴿قُلْ لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: قل لهم يا محمد ﷺ ؛ أيْ: لا سبيل لإجباركم على الإيمان. ﴿لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: أيْ: حفيظ، ولا موكل إليَّ أموركم، ولا حسابكم، ولا كافيكم، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٠٨) في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: نجد أن (ما) في النفي أقوى من (ليس)، وكذلك الجملة الاسمية ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: تدل على الثبوت، وأقوى من الجملة الفعلية لست؛ فقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: أشد نفياً وأكد؛ فقد جاءت ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ في سيق الضلال والهداية، ولست في سياق التكذيب بالقرآن.
стр. 1369
وكلمة ﴿قَوْمُكَ﴾: فيها تقريع لهم؛ لأنه شملهم جميعاً.
سورة الأنعام [٦: ٦٧]
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿لِكُلِّ﴾: اللام: لام التوكيد.
﴿نَبَإٍ﴾: خبر عظيم، يخبر به الله تعالى.
﴿مُّسْتَقَرٌّ﴾: أيْ: وقت يقع فيه؛ من غير تقديم، ولا تأخير، ومكان يذاع فيه النبأ.
﴿وَسَوْفَ﴾: حرف استقبال؛ يدل على البعد الزمني، والتراخي.
﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: صدق ما جاء به القرآن، أو الوحي، ومحمد ﷺ من خبر، ووعد، ووعيد، ووقوع، وما أخبر به من عذاب وجزاء، عاجلاً، كما وقع في بدر، أو آجلاً يوم القيامة.
سورة الأنعام [٦: ٦٨]
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
سبب النزول: كما قال ابن عباس ﵄: نزلت في أهل الأهواء، والبدع من المسلمين الذين يُؤَوِّلون الآيات بالباطل.
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية متضمنة معنى الشرط، وتدل على حتمية الحدوث.
﴿رَأَيْتَ﴾: رؤية بصرية، أو فكرية، قلبية.
﴿يَخُوضُونَ﴾: الخوض: أصله الدخول في الماء الكثير الذي يستر القدمين، وعندها لا يدري إلى أيِّ موقع تقع أو تزل قدميه في هوة، أو حفرة، والخوض يكون من دون اهتداء.
﴿يَخُوضُونَ فِى آيَاتِنَا﴾: ومعنى الخوض في آياتنا: لم تبيِّنه هذه الآية، وإنما بيَّنته آية أخرى، في سورة النساء، الآية (١٤٠)، فقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ
стр. 1370
فِى الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾.
إذنْ الحوض؛ يعني: الكفر، أو الاستهزاء بآيات الله سبحانه.
وفي هذه الآية كذلك يبيِّن الحكم فيما إذا استمر الصحابة في الجلوس مع الذين يخوضون في الآيات، والحكم هو أنكم إذنْ مثلهم؛ أيْ: في الذنب، والإثم، وبدعهم، ومعتقداتهم الباطلة، ﴿فَأَعْرِضْ﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: انصرف عنهم، ولا تجالسهم، ولا تستمع لهم، ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية.
﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾: وعندها لا مانع من مجالستهم، والتحدث معهم، إذا غيروا الحديث، أو توقَّفوا عن الخوض.
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: وإما: الواو: عاطفة، إما: أصلها (إن+ما)، إن: شرطية، ما: للتوكيد.
وإذا حدث أنك نسيت أمر النهي، والمنع، ووجدت نفسك تجلس معهم؛ فمجرد ما تتذكر المنع، وعدم مخالطتهم اترك، وانصرف عنهم، إذنْ يمكن أن تنسى، والنسيان من عمل الشيطان الذي يُزين ويشغل الإنسان فلا يتذكر، ولكن بعد الذكرى لا تجلس مع القوم الظالمين.
﴿الذِّكْرَى﴾: تذكر النهي.
﴿الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: المشركين، أو الظالمين، والظالم: هو كلُّ مَنْ يخرج عن منهج الله تعالى يُعد ظالماً لنفسه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤)؛ لمزيد من البيان.
стр. 1371
سورة الأنعام [٦: ٦٩]
﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَىْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: نافية.
﴿عَلَى﴾: تفيد الاستعلاء، والمشقة.
﴿الَّذِينَ﴾: أيْ: رسول الله ﷺ ، وأصحابه.
﴿يَتَّقُونَ﴾: أيْ: يطيعون أوامر الله، ويتجنبون محارمه.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية.
﴿حِسَابِهِمْ﴾: أيْ: حساب الذين يخوضون في آيات الله، لستم مسؤولين عنهم في أيِّ شيء.
﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: أيْ: قيامكم، وترككم لهم، هو استنكار، وعدم رضا؛ لما يخوضون فيه.
ولعلَّ هذا القيام، وتركهم يؤثر فيهم، ويكون لهم تذكرة، ويتعظون به، ويتوقفون عن الخوض في آيات الله، وينأون بأنفسهم عن الباطل، فيكون ذلك وقاية لهم من عذاب الله وسخطه، وإذا قارنا ذكرٌ مع ذكرى التي تعني التذكر نجد ذكرٌ أقوى من ذكرى، ويأتي في سياق الدعوة والتبليغ؛ ارجع إلى سورة يوسف آية (١٠٤) للبيان.
стр. 1372
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: لعل: للتعليل، ولا بُدَّ من الأخذ بالأسباب الأخرى؛ للتقوى، بعد توقفهم عن الخوض، والتوبة؛ لعلَّهم يصبحوا من المتقين.
سورة الأنعام [٦: ٧٠]
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾:
﴿وَذَرِ الَّذِينَ﴾: أيْ: اتركهم، أو أعرض عنهم.
﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾: اللعب: هو كل فعل لا يُلهي عن واجب ويسمى اللعب لهواً إذا شغل الإنسان عن واجب اتخذوا دِينهم لعباً ولهواً بالسخرية، والاستهزاء، وعبادة الأصنام، وتحريم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام؛ لعباً ولهواً: ارجع إلى الآية (٣٢) من سورة الأنعام؛ للبيان، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٥١) في سورة الأعراف نجد أن في هذه الآية قدم اللعب على اللهو، وفي آية الأعراف قدم اللهو على اللعب، وذلك لأن آية الأنعام جاءت في سياق الحياة الدنيا وسياق الخوض في آيات الله الذي يعتبر لعباً أكثر مما هو لهواً، وأما آية الأعراف جاءت في سياق الآخرة وقدم اللهو على اللعب؛ ارجع إلى سورة الأعراف للمقارنة.
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: وغرتهم: من الغرور، الخداع، الباطل، الفاني، أو الغفلة، أو إظهار ما هو خلاف الحقيقة، خدعتهم الحياة الدنيا، وألهتهم بمتاعها، الفاني، الزائل، حتى ضيعوا آخرتهم.
﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾: بالقرآن، وقد تعني بالعذاب، أو الحساب، وبعاقبة المخالفة لمنهج الله.
стр. 1373
﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾: البسل: هو القهر، والمنع بالحبس، أو تسليمه إلى الهلاك.
﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾: أن: مصدرية؛ للتعليل، والتوكيد.
فالمعنى: وذكر بالقرآن؛ لئلا تهلك نفس، أو تحبس في النار، بما: الباء: للإلصاق، والسببية؛ أيْ: بما كسبت من الذنوب والآثام. ولبيان معنى كسبت ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) للبيان المفصل.
﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.
﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾: ارجع إلى الآية (٥١) من نفس السورة؛ للبيان.
ونفي العثور على الشفيع في الآخرة أشد من العثور على الولي في الدنيا؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق الدنيا، وفي الدنيا قد يجد الظالم من ينصره، ويعينه، ويشفع له إلى حد ما.
ولا أحد يستطيع الشفاعة ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]؛ لأنه لا يعلم أنه مؤهل، أو غير مؤهل، وهل يسمح له؟ وإن سمح له هل تقبل منه شفاعته، أم لا؟
﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾: العدل: هو الفدية، وعادة ما يكون بالمال. ارجع إلى سورة المائدة، آية (٣٦)؛ للبيان.
﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة. إن: شرطية؛ تدل على القلة، أو الندرة، إن تعدل كل عدل؛ أيْ: تقدَّم كل فداء، مهما كان، لن يؤخذ منها.
стр. 1374
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾: أولئك: اسم إشارة، تحمل معنى التحقير، أبسلوا: أيْ: هلكوا، أو حبسوا في الجحيم.
﴿بِمَا كَسَبُوا﴾: الباء: السببية، وللإلصاق، بما كسبوا: بسبب كفرهم، وذنوبهم، أو بسبب ما كسبت جوارحهم من الآثام والمعاصي.
﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾: لهم: اللام: للاختصاص، شراب من حميم: ماء: حار، بالغ نهاية الحرارة.
﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: شديد الإيلام، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: بكفرهم، وعصيانهم، الباء: باء السببية، وما: مصدرية، أو اسم موصول، ولم يقل: بما كفروا، وإنما: يكفرون: بصيغة المضارع؛ الدالة على تجدد كفرهم، واستمراره؛ فهو لم يتوقف بعد.
سورة الأنعام [٦: ٧١]
﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِى اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِى الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿قُلْ أَنَدْعُوا﴾: الهمزة: استفهام إنكاري.
﴿قُلْ أَنَدْعُوا﴾: أيْ: نعبد من دون الله من غير الله أصناماً، أو آلهة.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من: ابتدائية.
﴿مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾: ما: نافية، لا ينفعنا، ولا يضرنا، تكرار لا: النافية؛ تفيد زيادة التوكيد، لا ينفعنا وحده، ولا يضرنا وحده، أو معاً، والمنفعة قد تكون حسنة، أو قبيحة، والمتعة منفعة، والمضرة قد تكون حسنة، أو قبيحة.
﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾: العقب: هو مؤخر القدم، ويقال نكص على عقبيه؛
стр. 1375
أي: رجع إلى المكان الذي جاء منه، ويعني هنا: نرجع إلى الشرك، والضلال. وهذه الآية تمثل حال المرتد إلى الكفر أو الشرك بعد أن أسلم، أو رجع إلى الكفر بعد الإيمان.
﴿بَعْدَ إِذْ﴾: إذ: ظرف للزمن الماضي.
﴿هَدَانَا اللَّهُ﴾: بعد إذ أنقذنا الله، وهدانا للإسلام، ودين الحق.
﴿كَالَّذِى اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِى الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾:
﴿كَالَّذِى﴾: الكاف: للتشبيه، الذي: اسم موصول.
أولاً: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِى الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾: استهوته: على وزن استفعل، وتأتي للطلب؛ أيْ: جعلته الشياطين يتبع هواه، ويتبع خطوات الشياطين، ويتقبل ما تمليه عليه، والشياطين: هم كفرة الجن، أو شياطين الإنس الذين يفتنون المرء عن دينه.
ثانياً: وهوى قد تعني: السقوط من الأعلى إلى الأسفل، أو تعني استهوته: أيقظت فيه هوى النفس، وزينت له؛ فهو لا يهتدي إلى طريق الحق، أو هوت به بعيداً؛ كأنما ألقته في الصحراء؛ ليصبح ضالاً، لا يهتدي، وهذه الآية تتعلق بأسطورة قديمة: هي أن العرب كانت تزعم أن مرض الجنون سببه الجن.
وبما أن الجن تعيش في الصحارى، والقفار، وهؤلاء الجن المردة الكفار لهم القدرة على التلون بألوان مختلفة، تذهب بالعقل، فيهيم على وجهه من سحر هذه الشياطين، وفي الصحراء؛ حتى يهلك، ويصبح الإنسان هائماً حيراناً، لا يهتدي، ولا يعرف إلى أين يذهب.
стр. 1376
﴿فِى الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾: بعد أن هجر دينه وأصحابه وفسد عقله فجن وهام في الأرض لا يدري أين يذهب، وماذا يفعل.
﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾: أيْ: مع كونه له أصحاب، والصاحب؛ أي: الرفيق، الملازم، والذي يحصل منه نفع، أما القرين: فهو الصاحب الذي يحصل منه ضرر.
يدعونه أن يؤمن، ويدعونه إلى الهداية، أو ارجع إلى الهدى، فلا يستجيب لهم.
قل يا محمد ﷺ : ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، ﴿هُدَى اللَّهِ﴾: أيْ: هداه، ودينه؛ الذي ارتضاه لعباده المؤمنين.
﴿هُوَ الْهُدَى﴾: الإسلام، ودين الحق.
وهذا ردع، وزجر؛ لمن دعا إلى عبادة الأوثان، وكأنه قيل له: لا تفعل ذلك؛ لأن دِين الإسلام هو الهدى.
﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أن نسلم: أيْ: نخلص عبادتنا لرب العالمين: بالتوحيد، والإخلاص. اللام: لام التوكيد، ومثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، حيران: هو من يرتد عن دِينه.
سورة الأنعام [٦: ٧٢]
﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾:
﴿وَأَنْ﴾: الواو: عاطفة؛ أيْ: وأمرنا لنسلم لرب العالمين، وأن نقيم الصلاة، وأن نتقي ربنا.
﴿وَأَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التوكيد.
стр. 1377
﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: بأركانها، وشروطها، والمحافظة عليها، والدوام، والصلاة لأوقاتها.
﴿وَاتَّقُوهُ﴾: التقوى: هي أداء الأوامر، وتجنب النواهي؛ للوقاية من النار، ومن غضب الله تعالى.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل يفيد التوكيد، والحصر.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول للمفرد المذكر العاقل وأكثر تحديداً من (ما) و (مَنْ).
﴿إِلَيْهِ﴾: تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر، والقصر في الحشر.
﴿تُحْشَرُونَ﴾: بعد البعث، والخروج من القبور، والحشر: هو السوق والجمع إلى أرض المحشر.
سورة الأنعام [٦: ٧٣]
﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾:
كيف ندعو من دون الله ما لا ينفعنا، ولا يضرنا؛ وهو الذي خلق السموات والأرض بالحق.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتوكيد.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول؛ يفيد التعظيم.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق؛ تعني: بالشيء الثابت الذي لا يتغير، فالسموات، والأرض، والكواكب، والأفلاك على نظام ثابت لا تتغير قوانينه؛ ﴿وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
стр. 1378
﴿بِالْحَقِّ﴾: تعني: لم يخلقها عبثاً، أو لهواً، بغير حكمة؛ أيْ: خلقهما بحكمة. ارجع إلى سورة إبراهيم آية (١٩) لمزيد من البيان في معنى: بالحق.
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾:
ويوم يقول -جل وعلا- ليوم القيامة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾:
﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾: أي: الصدق الكائن، لا محالة، قوله في كل شيء، أو أمر، وحكم، أو إيجاد، أو بدء، أو نهاية، أو قضاء: هو الحق.
﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ﴾: وله الملك، تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر، له وحده .
﴿الْمُلْكُ﴾: ملك السموات والأرض، وما فيهن، والملك يعني: الحكم، وكذلك يعني الملك.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ﴾: نفخة الصعق، الموت، والفناء، فلا يبقى إلا هو وحده سبحانه؛ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: عالم اسم فاعل: من علم؛ أي: الاتصاف بالعلم ما غاب، واستتر عنه العيون: من الكون، والخلق، والسر، والنجوى، عالم الغيب، والأسرار، وعالم ما يُشاهد، ويُرى بالمدركات العيون والآذان، وغيرها، يعلم السر، والعلن، ويعلم السر، وما أخفى، الرقيب، المحيط بكل شيء علماً، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، ولنعلم أن كلمة عالم في كل القرآن جاءت مقترنة بعالم الغيب أو غالم الغيب والشهادة، وكلمة علام
стр. 1379
في كل القرآن جاءت مقترنة بالغُيُوب؛ أي: علام الغيوب، وكلام صيغة مبالغة، وكلمة عليم تفيد المبالغة في العلم؛ أي: المحيط علمه بظواهر الأمور وبواطنها.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾: في تدبير خلقه، وكونه، وشرعه، والحكيم مشتقة من الحكم، أو الحكمة، فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿الْخَبِيرُ﴾: العليم ببواطن الأمور، وخفايا الصدور.
стр. 1380
سورة الأنعام [٦: ٧٤]
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: واذكر، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾: وإذ: ظرف؛ بمعنى: حين.
﴿لِأَبِيهِ آزَرَ﴾: هناك من المفسرين من قال: إن آزر هو عمه، وهناك من قال: إن آزر أبوه، وقيل: إن اسم والد إبراهيم هو تارخ، وقيل: كان له اسمان، آزر، وتارخ.
والأدلة تشير إلى أن آزر هو عم إبراهيم، وليس والده.
والقرآن يطلق على العم اسم الأب، وكذلك يطلق اسم الأب على الجد، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
فالجد والعم يطلق عليهم لقب الأب، ولأن العرب كانت تسمِّي العم أباً، والجد أباً.
ويعقوب ﵇ أطلق على إسماعيل كلمة أباه، مع أنه عمه، وبهذا نفهم أن أبوة إسماعيل ليعقوب هي أبوّة عمومة، ويعقوب ﵇ أبوه إسحاق، وإسحاق أخو إسماعيل.
إذنْ أطلق على آزر كلمة الأب، وأريد بها العم.
﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾: استفهام إنكاري؛ للتوبيخ؛ أيْ: أتجعلها آلهة لك تعبدها.
стр. 1381
﴿أَصْنَامًا﴾: جمع صنم: وهو التمثال، أو الوثن والصنم: يطلق على ما يُعبد من دون الله وهو عبارة هيكل تمثال مصنوع من النحاس أو الفضة أو الذهب أو الخشب، والوثن: هو عبارة عن حجر لا صورة له. ارجع إلى سورة العنكبوت، آية (١٧)؛ لمزيد من البيان.
﴿إِنِّى﴾: للتأكيد.
﴿أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ضلال، واضح، مبين؛ لكل إنسان، وواضح بنفسه، لا يحتاج إلى دليل، أو برهان.
سورة الأنعام [٦: ٧٥]
﴿وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ﴾: أيْ: كما أريناه البصيرة في الدِّين، وضلال أبيه وقومه، وبطلان عبادتهم للأصنام.
﴿نُرِى إِبْرَاهِيمَ﴾: الرؤية: إدراك الشيء بالبصر ويُعد من اليقين نريه مظاهر قدرتنا؛ أيْ: ملكوت السموات والأرض.
﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أيْ: بعض الملكوت، وليس كل الملكوت.
وكلمة ﴿مَلَكُوتَ﴾: وردت في القرآن أربع سور، وإضافة التاء للملك؛ تدل على المبالغة، فالمُلك هو ما تراه، وتحسه، وتشاهده أمامك.
أما ﴿مَلَكُوتَ﴾: فهو ما وراء هذا الملك، ملك الله الخاص، لم يعطه لأحد، أو يريه لأحد إلا إبراهيم ﵇.
والسموات والأرض، وما فيهما، فهو داخل في كلمة الملكوت.
والملكوت تشمل المجموعات الشمسية، والمجرات كلها، والكون كله، بأقماره، وشموسه، وكواكبه، ونجومه، وغيرها.
والرؤية هنا رؤيا بصرية، رأى إبراهيم ﵇ ما لا تراه المراصد الفضائية، أو الفلكية.
стр. 1382
﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: اللام: للتعليل، من الموقنين جمع: موقن بالرؤية، وليس بالعلم فقط؛ أيْ: عين اليقين؛ أيْ: ليستدل من هذه الرؤية، ويصبح من الموقنين؛ الذين صفة اليقين ثابتة عندهم، لا تتبدل، ولا تتغير. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤) لبيان معنى اليقين وأنواعه.
سورة الأنعام [٦: ٧٦]
﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: عاطفة، لما ظرف بمعنى حين يتضمن معنى الشرط.
﴿جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ﴾: أيْ: أظلم، وستر، واشتد ظلامه، وأصبح كل واحد لا يرى الآخر؛ بسبب الظلام.
﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾: والكوكب: كالقمر، هو الذي يأخذ ضوءَه من مصدر آخر، مثل الشمس، فالكوكب ليس مضيئاً بذاته.
﴿قَالَ هَذَا رَبِّى﴾: والسؤال هنا: كيف يقول إبراهيم ﵇ هذا القول الذي يدل في ظاهر الأمر على الشرك؟، ولكن الحقيقة وفي باطن الأمر: هو استفهام إنكاري وتهكم على قومه، وتقدير كلامه أهذا ربي أو هل هذا ربي؟.
فإبراهيم هو الذي حاج النمرود قبل القدوم إلى الشام (سورة البقرة، آية ٢٥٨).
وإبراهيم الذي راغ إلى الآلهة؛ فقال ألا تأكلون، ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ضرباً باليمين (سورة الصافات، آية ٩١ - ٩٣).
فقوله تعالى: ﴿رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّى﴾: قال ذلك في مقام الحجاج والجدال مع هؤلاء الذين يعبدون النجوم، والكواكب؛ ليثبت لهم زيف وبطلان عبادتهم، وكانوا يسكنون قرية من قرى بلاد الشام تسمَّى حرَّان؛ التي هاجر إليها إبراهيم ﵇، بعد أن ترك أباه وقومه في أرض العراق، بسبب شركهم وضلالتهم، وهذا قد يشبه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَاءِى﴾ [فصلت: ٤٧]؛ فالله سبحانه يعلم أنه لا شركاء له.
стр. 1383
قال ذلك إبراهيم؛ ليقيم الحُجَّة على هؤلاء القوم، تمهيداً للإنكار عليهم، وإثبات الوحدانية لله تعالى.
﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾: أيْ: حين اختفى؛ أيْ: غاب.
قال إبراهيم ﵇: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾: أيْ: لا أحب أن يختفي ربي؛ لأن الرب الحقيقي لا يغيب أبداً؛ إذنْ هذا الكوكب ليس إلهاً، ولا يستحق أن يُعبد، وهذا من ألطف أساليب الدعوة إلى الله تعالى بدلاً من القول إني أكره ما تعبدون أو أن يسب ألهتهم.
سورة الأنعام [٦: ٧٧]
﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: استئنافية، لما؛ أيْ: حين.
﴿رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾: البزوغ: هو أول الظهور.
﴿قَالَ هَذَا رَبِّى﴾: على سبيل المحاجة والجدال.
﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾: غاب، واختفى عن العيون.
﴿قَالَ لَئِنْ لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى﴾: اللام: للتوكيد. إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والندرة.
﴿يَهْدِنِى﴾ (جاء بياء المتكلم) مقارنة بيهدين في سورة الكهف آية (٢٤) لأن هذه في سورة الأنعام هداية عامة، وظرف معين لأمناع من حوله للكف عن عبادة الأصنام.
﴿لَّمْ﴾: نافية، يهديني ربي إلى الحق.
﴿لَأَكُونَنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون في كلمة (أكوننَّ): كذلك لزيادة التوكيد.
стр. 1384
﴿مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾: هذا كلام مُوجَّه إلى هؤلاء عبدة الكواكب؛ لعلَّهم ينتبهون إلى خطئهم، فهم القوم الضالُّون، وليس إبراهيم هو الضالُّ.
سورة الأنعام [٦: ٧٨]
﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّى هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّى بَرِاءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: ارجع إلى الآية السابقة.
﴿رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾: أيْ: أشرقت بنورها.
﴿قَالَ هَذَا رَبِّى﴾: ولم يقل: هذه ربي، أراد أن يُنزه الرب؛ بأن تلحق به علامة التأنيث، وكذلك الشمس ليست مؤنثاً حقيقاً، وإنما مؤنث مجازي.
﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾: ممّا تقدَّم (القمر، أو الكوكب).
﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾: أيْ: حين غابت، واختفت بعد غروبها.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّى﴾: إن: للتوكيد.
﴿بَرِاءٌ﴾: من البراءة، وهي قطع الموالاة، والتخلي، والابتعاد.
﴿مِمَّا﴾: من + ما، من: ابتدائية، استغراقية، ما: اسم موصول بمعنى: الذي، أو مصدرية.
﴿تُشْرِكُونَ﴾: بالله من الأصنام، والكواكب، والملائكة، وغيرها.
لنقارن هذه الآية مع الآية (٢٦) من سورة الزخرف:
في سورة الأنعام، الآية (٧٨): ﴿إِنِّى بَرِاءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
في سورة الزخرف، الآية (٢٦): ﴿إِنَّنِى بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾.
في سورة الزخرف: زاد النون في ﴿إِنَّنِى﴾، وبدل كلمة ﴿بَرِاءٌ﴾ بـ: ﴿بَرَاءٌ﴾؛ أيْ: كلاهما يفيد التوكيد؛ أيْ: يوغل في التوكيد، في آية الزخرف. أما آية الأنعام تمثل بداية الدعوة، وآية الزخرف تمثل المرحلة المتأخِّرة في دعوة إبراهيم؛ لوحدانية الله ؛ لذلك كان التأكيد أبلغ.
стр. 1385
وأما في سورة الممتحنة، آية (٤) فقال: ﴿إِنَّا بُرَآؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ بُرآءُ: جمع بريء، مثل شريف وشرفاء.
سورة الأنعام [٦: ٧٩]
﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ﴾: الوجه هنا يعني: الذات، إطلاق الجزء وإرادة به الكل، من قبيل المجاز المرسل.
﴿لِلَّذِى﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: شق وأوجد السموات والأرض؛ أيْ: أظهر للوجود السموات والأرض على مثال غير سابق.
واستعمل ﴿فَطَرَ﴾: وليس خلق؛ لأن كلمة ﴿فَطَرَ﴾: لا يشاركه فيها أحدٌ، فلا يقال لأيِّ أحدٍ غير الله : فطر السموات والأرض، أو فطر أيَّ شيء.
﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً عن الضلال والشرك إلى الدِّين القيم (الحق). ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٥)؛ لمعرفة معنى الحنف.
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة. ما: النافية.
﴿أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: بالله من شيء.
سورة الأنعام [٦: ٨٠]
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّى فِى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّى شَيْئًا وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾:
بعد أن برهن وبين إبراهيم ﵇ لهؤلاء الذين يعبدون الكواكب والنجوم من دون الله أن عبادتهم باطلة، ولا تضر، ولا تنفع، وأقام عليهم الحُجَّة، لم يقتنع هؤلاء بما قاله إبراهيم، وبدلاً من الإذعان والصمت واتباعه؛ راحوا يجادلونه في عبادتهم لغير الله، وحاولوا أن يخوفوه بها، ومن انتقامها، لكن إبراهيم ﵇ لم يخف، وثبت أمامهم.
стр. 1386
﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾: أيْ: في العبادة، والتوحيد، وعبادة الأصنام، وغيرها، والحجاج: هو أن يقول كل طرف حجته، والطرف الآخر يرد عليه؛ ليبطل حجته.
﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد، ﴿هَدَانِ﴾: إلى توحيده وعبادته.
وحذف الياء من هدان، ولم يقل: هداني؛ لأن الهداية عند إبراهيم تمت منذ زمن طويل، ولم تحتاج إلى زمن طويل، أو تمت بالقليل من العلم، أو الآيات.
﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّى شَيْئًا﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية. لا: النافية.
﴿أَخَافُ﴾: أخاف من الخوف.
الخوف: هو توقُّع أمرٍ مكروهٍ، أو شرٍّ مقبلٍ، لم يقع بعد ومشكوك في وقوعه، قد لا يكون لك القدرة على دفعه.
﴿مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾: ما: للعاقل، وغير العاقل، تشركون بالله: من أوثان، وأصنام وغيرها.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التعليل، والتوكيد.
﴿يَشَاءَ رَبِّى شَيْئًا﴾: شيئاً من الضرر، أو الخوف، و ﴿شَيْئًا﴾: نكرة، أيَّ شيء مهما كان نوعه وشدته.
فإن أصابني شيءٌ من الضرر، أو الخوف، فهذه من مشيئة الله تعالى.
﴿وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾: أيْ: أحاط علمه سبحانه بكل شيء، علماً تاماً، بما تشركون وبحالي.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾: أفلا: الهمزة تفيد الاستفهام، والإنكار عليهم وتوبيخهم على عدم تذكُّرهم، والتعجب منه، وتحضُّهم على ذلك التذكر، وفيها معنى الأمر.
стр. 1387
﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾: تستعمل للبحث الأطول الذي يحتاج إلى طول تأمل ونظر وتبصر، بينما تذكرون تستعمل للحدث الأقصر الذي يحتاج إلى زمن أقصر للتأمل والتبصر الذي فطركم، وفطر السموات والأرض، أفلا تتذكرون الميثاق الذي أخذه عليكم، ميثاق الذرِّ.
ولكن بدلاً من استعمال أفلا تذكرون، قال: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾ بزيادة التاء؛ لأن قوم إبراهيم أبطلوا عقولهم، ويحتاجون إلى هزّة عنيفة، وزمن أطول، وتذكر عميق؛ لكي يرجعوا عن عبادتهم الكواكب، والشمس، والقمر إلى زمن أطول؛ للتذكر؛ حتى يرجعوا إلى صوابهم، وعبادتهم لله سبحانه.
سورة الأنعام [٦: ٨١]
﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَكَيْفَ﴾: الواو: عاطفة.
﴿وَكَيْفَ﴾: للاستفهام عن الحال؛ يفيد النفي والاستبعاد؛ أيْ: يستبعد إبراهيم أن يخاف في المستقبل.
﴿أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾: أيْ: كيف أخاف هذه الأصنام، على أيِّ حال؛ لأنها لا تضر، ولا تنفع، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله، ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾.
﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، الذي بيده النفع، والضر، والأمن، والخوف، ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾: أيْ: حُجَّة ودليل.
والسلطان نوعان: سلطان قوة، وقهر، أو سلطان حُجَّة، وبرهان، أو آية، أو دليل.
انتبه إلى قوله -جل وعلا-: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾: جاء بلفظ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: هو أمر خاص بهم (بقوم إبراهيم)، وأهل زمانه، أما قوله:
стр. 1388
﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: من دون عليكم؛ فالخطاب هنا عام، وشامل لكل الناس، وليس محدوداً بجماعة معينة، أو قوم كما ورد في سورة آل عمران، الآية (١٥١)، وسورة الأعراف، الآية (٣٣).
﴿فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿فَأَىُّ﴾: الفاء: للتوكيد؛ أيْ: أداة استفهام.
﴿الْفَرِيقَيْنِ﴾: الذين آمنوا، ووحدوا ربهم الذين لم يلبسوا إيمانهم بشرك؛ أيْ: بظلم، أم الذين ظلموا؟
﴿أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾: أيْ: أحق بأن يأمن العذاب، عذاب ربه، أو بالأمن؛ أيْ: عدم الخوف.
انتبه إلى الفرق بين الأمن في هذه الآية، والأمنة كقوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُم مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤].
الأمن: هو الطمأنينة، مع زوال الخوف، والسبب كاملاً؛ أيْ: سبب الخوف من دون بقاء أيِّ أثر لهما.
الأمنة: تعني الطمأنينة إلى حد ما، فالخوف لا يزول تماماً، ولا يزال الشخص خائفاً غير مطمئن إلى حدٍّ ما، فالأمن أفضل من الأمنة.
﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ولم يقل: إذا كنتم تعلمون؛ لأن: ﴿إِنْ﴾: شرطية، تفيد الاحتمال، أو الندرة بعكس (إذا) التي تفيد الحتمية والكثرة.
واحتمال كونهم يعلمون: هو احتمال نادر، أو قليل، ولذلك استعمل: إن.
﴿كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: من هو أحق بالأمن.
стр. 1389
سورة الأنعام [٦: ٨٢]
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وأخلصوا في إيمانهم، وتوحيدهم.
﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: لم يخلطوا إيمانهم بظلم؛ أيْ: بشرك؛ لقوله -جل وعلا- في سورة لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعيد، غرضه التعظيم، أو علو مكانهم، لهم الأمن في الدنيا، وفي الآخرة. ارجع إلى الآية (٨١) من نفس السورة؛ لبيان معنى الأمن.
﴿وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾: هم: ضمير منفصل، غرضه المبالغة، والتوكيد، على أنهم مهتدون؛ أيْ: أكثر الناس هداية.
والهداية هي الطريق الذي يوصل للغاية، وهي رضوان الله تعالى.
و ﴿مُّهْتَدُونَ﴾: جملة اسمية؛ تدل على صفة الهداية ثابتة لهم، ولا ينحرفون عنها.
سورة الأنعام [٦: ٨٣]
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَتِلْكَ﴾: الواو: استئنافية، تلك: اسم إشارة، يشير إلى الحُجَّة التي احتج بها إبراهيم ﵇، على وحدانية الله، من غياب القمر والشمس.
﴿حُجَّتُنَا﴾: الحُجَّة هي البرهان والدليل على ثبات أحد النقيضين أو
стр. 1390
الخصمين، وهنا تعني: الحُجة الدالة: على التوحيد، ﴿آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾: أيْ: علمناها إبراهيم، فغلب بها قومه.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾: بالهداية، والإرشاد، والعلم، والحكمة، والفهم، والمعرفة، وبالاصطفاء للرسالة.
﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾: قدَّم الحكمة على العلم، ﴿حَكِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من الحكمة، كثير الحكمة؛ فهو أحكم الحاكمين، وواهب الحكمة لمن يشاء من عباده. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة في العلم، أحاط علمُه بكل شيء، بما يقوله خلقه، أو يفعلونه، وما قاله إبراهيم لقومه.
عليم بما يجري في كونه؛ من تغيرات، وأحداث، و ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ [سبأ: ٣].
ولنقارن هذه الآية، بآية أخرى في سورة يوسف، رقم (٦): ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
قدَّم العلم على الحكمة؛ لأن آية يوسف جاءت في سياقه تعلم الأحاديث، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، فالعلم يحتاج إليه أولاً، والحكمة ثانياً، ولذلك قدَّم العلم على الحكمة.
أما آية سورة الأنعام (٨٣): فقد جاءت في سياق الحُجَّة والسلطان ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾.
وإقامة الحُجَّة تحتاج إلى حكمة أولاً، وعلم ثانياً، ولذلك قدَّم حكيم على عليم؛ أيْ: حسب السياق.
стр. 1391
سورة الأنعام [٦: ٨٤]
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿وَوَهَبْنَا﴾: الهبة في اللغة: العطية الخالية من العوض، وشرعاً: تمليك في الحياة بلا عوض، ومن الله هي: عطاء تفضل، تعطى لمن يستحق أو لا يستحق، ولا تكون واجبة.
ولنعلم أنه لا يوجد أيُّ إنسان له حق عند الله؛ إلا ما جعله الله حقاً له، وكل شيء من الله هو هبة، والهبة قد تكون هبة في العطاء، أو هبة في المنع. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٣٨)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَوَهَبْنَا﴾: أيْ: لإبراهيم إسحاق، ويعقوب هو ابن إسحاق.
﴿إِسْحَاقَ﴾: ابن إبراهيم ﵇، أمه سارة، ويعقوب: هو ابن إسحاق ﵇؛ أيْ: وهبنا لإبراهيم إسحاق أولاً، ويعقوب (ابن الابن) نافلة.
﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾: كلاً؛ أيْ: إسحاق، ويعقوب كلاً كان من أهل الهداية والنبوَّة.
وتقديم الواو على ﴿كُلًّا﴾: تدل على هداية غيرهم من الأنبياء والرسل؛ كقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾؛ أيْ: وعدهم الله الحسنى، ووعد غيرهم.
﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: أن الهداية لم تبدأ بإسحاق ويعقوب، بل بنوح ﵇، هذا من باب المدح والثناء، وليس من باب الحصر والتخصيص.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾: الهاء: تعود على نوح، ولا يجوز أن تعود على إبراهيم؛ لأنه ذكر لوطاً؛ وهو ليس من ذرية إبراهيم؛ لأن لوطاً ﵇ كان عمه إبراهيم ﵇؛ أيْ: لوط ابن أخي إبراهيم.
стр. 1392
داود (وابنه) سليمان، وأيوب ويوسف بن يعقوب، وموسى (وأخاه) هارون.
﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾: جمع لهم الملك مع النبوَّة وسليمان بن داود.
﴿وَأَيُّوبَ﴾: الابتلاء، والصبر (العبد الصابر).
﴿وَيُوسُفَ﴾: الابتلاء، والصبر مع الحكم، ثم الملك، والسلطان في النهاية.
سورة الأنعام [٦: ٨٥]
﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى﴾: وابنه يحيى ﵇ قُتلا.
﴿وَعِيسَى﴾ ابن مريم ﵉ رفعه الله سبحانه.
﴿وَإِلْيَاسَ﴾: ارجع إلى سورة الصافات، آية (١٢٣ - ١٢٧).
﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: لأنهم امتازوا بالفقر، والزهد في الدنيا، فوصفهم بالصالحين.
سورة الأنعام [٦: ٨٦]
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾:
إسماعيل: ابن إبراهيم، واليسع قيل كان بعد إلياس، واتبع منهج إلياس؛ يونس الذي التقمه الحوت، ولوطاً: ابن عم إبراهيم.
﴿وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: فضلنا: ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥٣) لبيان معنى الفضل والكيفية: من باب المدح والثناء، وليس من باب الحصر والتخصيص، لم يكونوا ملوكاً، ولا فقراء، واستعمال الواو في كلاً تشير إلى ليسوا هم فقط المفضلين، بل هناك غيرهم.
﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أيْ: عالمي زمانهم، لا على الإطلاق؛ لأن محمداً ﷺ ،
стр. 1393
هو أفضل الأنبياء، ثم إبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح ﵈، وبذلك ذكر في هذه الآيات -جل وعلا- (١٨) نبياً، ورسولاً، من أصل (٢٥) من الأنبياء، والرسل المذكورين في القرآن.
سورة الأنعام [٦: ٨٧]
﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
﴿وَمِنْ﴾: ابتدائية بعضية؛ أيْ: بعض ﴿آبَائِهِمْ﴾، ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾.
﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ﴾: أي: اصطفيناهم، واخترناهم للنبوَّة، وحمل الرسالة، واجتبيناهم؛ مشتقة من الاجتباء، من جبى الماء في الحوض؛ أيْ: جمعه، فالاجتباء؛ اختيار الشخص وضمه إلى أمثاله؛ أيْ: زمرة خاصة.
﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: هو الدِّين الحق، وهو الإسلام.
سورة الأنعام [٦: ٨٨]
﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، إلى ما تقدَّم ذكره من الهداية إلى صراط مستقيم.
﴿هُدَى اللَّهِ﴾: الخاص، يهدي إليه من أحب من عباده؛ وهو الإيمان، والاستقامة، أو دِين الله؛ أي: الإسلام.
﴿يَهْدِى بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: هداية خاصة، وليست عامة.
﴿وَلَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع؛ أيْ: هم لم يشركوا، ولذلك لم يحبط عملهم.
﴿أَشْرَكُوا﴾: جعلوا لله شركاء.
﴿لَحَبِطَ﴾: اللام: للتوكيد. حبط: بطل ثواب أعمالهم، وأصبحت أعمالهم هباءً منثوراً.
стр. 1394
﴿عَنْهُم مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: يعملون: يقولون، ويفعلون في الدنيا. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١٧)؛ لمزيد من البيان عن الحبط.
سورة الأنعام [٦: ٨٩]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة؛ للبعد.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: اسم جنس؛ يشمل القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور.
﴿وَالْحُكْمَ﴾: الفقه في الدِّين، والعلم، ومعرفة الأحكام، والفتاوى.
﴿وَالنُّبُوَّةَ﴾: الرسالة.
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾: قريش، أو كفار مكة.
﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الندرة، أو أمة محمد ﷺ ، بها.
﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا﴾: فقد: الفاء: رابطة لجواب الشرط، قد: حرف تحقيق، وتوكيد، وكلنا بها الأنبياء، والرسل المذكورين، أو المؤمنون من أمة محمد ﷺ ، أو غيرهم من المؤمنين من الأمم الأخرى.
﴿قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا﴾: الباء: هنا للإلصاق.
﴿بِكَافِرِينَ﴾: الباء: هنا للتأكيد، تأكيد النفي، وأصلها: ليسوا بها كافرين.
سورة الأنعام [٦: ٩٠]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعيد؛ يفيد التعظيم، ويشير إلى الأنبياء، والرسل
стр. 1395
المذكورين، وأتباعهم من الموحدين، المخلصين، وأولوا العلم من كل الأقوام السابقة، والأمم المختلفة.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿هَدَى اللَّهُ﴾: إلى دِينه الإسلام.
﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾: اقتد؛ أي: اتبع هداهم في الدعوة إلى توحيد الله، وفيما لم يرد فيه نص.
والفاء تدل على التوكيد، والباء: للإلصاق، والملازمة.
﴿اقْتَدِهْ﴾: فعل أمر، وقيل: الهاء هاء السكت؛ أي: لا تنطق الهاء إلا في الوقف، وإذا جاءت في الوصل لا ينطق بها، ولكن هناك من القراء من يثبتها وقفاً ووصلاً ومنهم من يثبتها وقفاً فقط.
وإذا قارنا آية سورة الأنعام، مع آية سورة الزمر (١٨)، نجد أن:
في سورة الأنعام، الآية (٩٠): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، يشير إلى أقوام كُثُرٍ، وأنبياء مختلفين، ورسل وشرائع مختلفة، من إبراهيم، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، وغيرهم.
أما سورة الزمر، الآية (١٨): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
فـ ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة؛ يشير فقط إلى رسول الله ﷺ ، والصحابة، والمؤمنين، وهم فئة واحدة، وقوم واحد، وليست مجموعة من الرسل، أو الأقوام.
стр. 1396
وقوله : ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾: آكَدُ، وأقوى من هدى الله؛ لوجود ضمير الفصل (هم) في هداهم.
و ﴿هَدَى اللَّهُ﴾ عددهم أكثر وأكبر من الذين: ﴿هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾: أي: اتبعهم رغم كثرة عددهم، وشرائعهم المختلفة، فكيف يقتدي بها رسول الله ﷺ جميعاً؛ أيْ: في منهاج الدعوة، والتبليغ، وتوحيد الله، والأخلاق الحميدة؛ أيْ: فيما هو عام وليس خاصاً.
﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
﴿لَا﴾: النافية؛ تنفي كل الأزمنة.
﴿أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: أيْ: على القرآن.
﴿أَجْرًا﴾: ولم يقل: (من أجرٍ)، حذف (من): التي تفيد الاستغراق، والتوكيد؛ لأن سياق هذه الآية في الاقتداء بالرسل السابقين، ولو كان السياق في الدعوة والتبليغ، كما في سورة يوسف، آية (١٠٤)؛ لاستخدم حرف من، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾.
﴿إِنْ﴾ حرف نفي أشد نفياً من (ما).
﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد، ويعود على القرآن الكريم.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أي: القرآن الكريم، موعظة، وتذكير للعالمين، الخلق كافة.
وما هو الفرق بين ذكرى وذكر؟
стр. 1397
كما في ورد في سورة الأنعام، الآية (٩٠): ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.
وفي سورة يوسف، الآية (١٠٤): ﴿وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾.
﴿ذِكْرٌ﴾: أقوى من ﴿ذِكْرَى﴾، ذكر فيه معنى: الشرف، والرفعة، والاختلاف بين الآيتين يعود الاختلاف في السياق.
فقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾: جاءت في سياق قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِى أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِى وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨].
﴿ذِكْرٌ﴾: جاءت في سياق الدعوة والتبليغ، وتحتاج إلى الجهد، والمشقة، والتضحية.
و ﴿ذِكْرَى﴾: جاءت في سياق ذكر الأنبياء، أو القرآن، أو تذكرة للناس؛ فقوله تعالى: ذكرٌ، أقوى وآكَدُ، وأبلغ من ذكرى.
стр. 1398
سورة الأنعام [٦: ٩١]
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَىْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِى جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾:
سبب النزول: اختلف في سبب نزول هذه الآية، وفيمن نزلت، فمنهم من يرجِّح؛ كما ذكر ابن عباس ﵄: أنها نزلت في مشركي قريش، ومنهم من يرجح أنها نزلت في اليهود، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السبب.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: وما: الواو: استئنافية. ما: النافية.
﴿قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: الضمير يعود على اليهود، أو على مشركي قريش.
أي: ما عرفوا قدر الله وحقه، وما عظموه حق عظمته.
﴿إِذْ قَالُوا﴾: ظرفية؛ تعني: حين قالوا للنبي ﷺ . ما: النافية.
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَىْءٍ﴾: حين أنكروا بعثة الرسل، والوحي إليهم.
﴿مِنْ﴾: استغراقية، تستغرق أيَّ شيء.
﴿شَىْءٍ﴾: نكرة، لا كتاب، ولا وحي، ولا صحيفة، ولا أيِّ شيء، ومبالغة في الإنكار.
﴿عَلَى بَشَرٍ﴾: رسول، أو نبي، أو أيِّ بشر.
قل يا محمد لليهود، أو مشركي قريش، من: للاستفهام، والتوبيخ ﴿أَنْزَلَ﴾:
стр. 1399
ولم يقل (نزل)؛ لأن التوراة أنزلت دفعة واحدة، و (نزل) تعني: منجماً على دفعات كثيرة، الكتاب الذي جاء به موسى هو التوراة؛ أيْ: من أنزل على موسى ﵇ التوراة.
﴿نُورًا﴾: النور الكاشف للشبهات؛ والكاشف للحق من الباطل، ويبيِّن الأحكام للناس، والحلال من الحرام.
﴿وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾: أيْ: مصدر هداية، أو سبب لهداية الناس؛ للوصول إلى الحق، والصراط المستقيم، والغاية. للناس: اللام: لام الاختصاص.
﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾: أيْ: تجعلون التوراة قراطيس؛ أيْ: تكتبونه في أوراق (قراطيس)، أوراق، أو دفاتر، والغاية من جعلها قراطيس؛ ليتمكنوا من إظهار ما يريدون إظهاره، وإخفاء ما يريدون إخفاءه، ولو جعلوه في كتاب؛ لكان متعذراً فعل ذلك.
﴿تُبْدُونَهَا﴾: تظهرونها لناس متى تشاؤون، أو كيف تشاؤون.
﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾: تخفون كثيراً من هذه القراطيس؛ التي فيها نعت محمد ﷺ مثلاً، وصفاته، وآية الرجم، وغيرها.
﴿كَثِيرًا﴾: للتوكيد.
﴿وَعُلِّمْتُم مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾:
﴿وَعُلِّمْتُم﴾: الخطاب إلى مشركي قريش، أو اليهود.
﴿وَعُلِّمْتُم مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾: على لسان محمد ﷺ ، مما أوحى الله إليه في القرآن، وأخبركم به، وما جاء في التوراة، أو كان في التوراة، ولم تعلموه، ولا حتى آباؤكم، لم يعلموه؛ الذين كانوا أعلم منكم.
стр. 1400
﴿أَنتُمْ﴾: للتوكيد.
﴿وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾: لا: النافية المطلقة.
وأكَّد ذلك في آيات أخرى؛ منها: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: ٧٦].
قل الله: هذا جواب للسؤال؛ من أنزل الكتاب.
فإن أجابوك الله كان بها، وإلا فقل لهم: الله الذي أنزل الكتاب.
﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾: ثم: للتوكيد.
﴿ذَرْهُمْ﴾: اتركهم، أو أعرض عنهم، أو دعهم.
﴿فِى خَوْضِهِمْ﴾: في باطلهم، وجهلهم، وضلالهم يخوضون. ارجع إلى الآية (٦٨) من نفس السورة؛ للبيان.
﴿يَلْعَبُونَ﴾: من اللعب: وهو العبث، وإضاعة الزمن، والاستهزاء، والخوض في آيات الله، أو حتى يأتيهم اليقين، وفي الآية تحذير ووعيد للكافرين.
سورة الأنعام [٦: ٩٢]
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾:
وهذه الآية رد على سؤالهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَىْءٍ﴾، وهذا القرآن أليس هو كتاب أنزل على محمد ﷺ ؟!
﴿وَهَذَا﴾: الواو: عاطفة، هذا: اسم إشارة للقريب؛ يفيد التعظيم.
﴿كِتَابٌ﴾: أي: القرآن العظيم.
стр. 1401
﴿أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾: أنزلناه في ليلة القدر، أنزلناه دفعة واحدة.
﴿مُبَارَكٌ﴾: نعت؛ أيْ: صفة للقرآن، ومبارك؛ أيْ: كثير البركة، كثير الفوائد، والمنافع، بما فيه من الأحكام، والهدى، والشفاء، والذكرى، والموعظة، والرحمة.
﴿مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: من الكتب الأخرى، مثل: التوراة، والإنجيل، والزبور، وغيرها. ارجع إلى الآية (٤٨) من سورة المائدة؛ للبيان.
﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾: الواو: عاطفة، اللام: لام التعليل، أو التأكيد؛ أيْ: ﴿أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾، وكذلك ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾.
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: هي مكة؛ سُمِّيت أمَّ القرى؛ لأنها أعظم القرى شأناً؛ لوجود البيت الحرام فيها، فهي أم؛ أيْ: أصل كل القرى، وهي قبلة المسلمين أجمعين، يؤمها المسلمون من كل مكان، وكذلك تعني: أقدم القرى؛ فقد كانت أرض مكة أول وأقدم جزيرة ظهرت على اليابسة، وتشكلت من ثورة البراكين التي ألقت بحممها على الأرض التي كانت مغمورة بالماء، ثم تراكمت هذه الحمم تدريجياً، وامتدت من مكة إلى غيرها من البقاع؛ لتشكل القارة الأم. ارجع إلى سورة الشورى، آية (٧)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: من القرى؛ أي: المدن كلها؛ تعني: الأرض كلها، كما قال ابن عباس ﵄: وتعني: كل مدينة وقرية في العالم؛ حيث أصبحت الكرة الأرضية اليوم؛ كأنها قرية واحدة؛ لسهولة الاتصالات.
﴿وَمَنْ﴾: استغراقية؛ أيْ: كل ما حولها من القرى والمدن.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾:
стр. 1402
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: به: يعود على القرآن، الكتاب المبارك.
أي: والذين يؤمنون بالقرآن؛ يؤمنون بالآخرة، وهذا يشير إلى أهمية الإيمان بالآخرة، وبالقرآن.
﴿وَهُمْ﴾: هم ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد، وهم: أي: المؤمنون بالآخرة، وبالقرآن.
﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: واختار الصلاة؛ لأنها عماد الدِّين، وتشمل في معناها: الزكاة، والصيام، والحج، فهي تمثل كل العبادات.
﴿يُحَافِظُونَ﴾: يؤدونها في أوقاتها، ويحافظون على أركانها، وخشوعها، وأحكامها، ويحافظون؛ تفيد الاستمرار والتجدد.
سورة الأنعام [٦: ٩٣]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: اسم استفهام؛ فيه معنى الإنكار والتعجب.
وتعني: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً.
﴿أَظْلَمُ﴾: أسوأ، أو أقبح، والظلم تتفاوت درجاته بين صغائر الذنوب وكبائر الذنوب.
﴿مِمَّنِ﴾: أصلها: (مِنْ + مَنْ): أدغمت الأولى في الثانية؛ فأصبحت ممَّن.
ومن الأولى: ابتدائية، ومن الثانية: اسم موصول؛ بمعنى: الذي.
стр. 1403
﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: افترى: اختلق على الله الكذب المتعمد.
﴿كَذِبًا﴾: ولم يقل: الكذب.
﴿كَذِبًا﴾: نكرة؛ يشمل كل أنواع الكذب.
أما قوله: الكذب المعروف بأل التعريف: فهو يخص مسألة معينة؛ مثل قوله في سورة يونس (٦٨ - ٦٩): ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾، ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.
الكذب هنا: محدد بقولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾.
﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: باتخاذ الشركاء، والأنداد، أو له ولد، أو بنت يشمل الكل؛ لأنه نكرة ولم يحدد.
﴿أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾: أي: ادعى النبوَّة باطلاً؛ مثل مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي كما روي عن ابن عباس، ولمعرفة معنى الوحي. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣).
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾:
قيل: كما روي عن ابن عباس: هو عبد الله ابن أبي سرح، كان أخاً لعثمان بن عفان من الرضاعة، وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، كان إذا أملى عليه رسول الله ﷺ أن اكتب سميعاً عليماً، كتب عليماً حكيماً، وكان يحاول الافتراء على الله، ولما نزلت آية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾، تعجَّب عبد الله بن سرح، فسارع بالقول: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 1404
اكتبها هكذا نزلت، ونزل في نفسه الغرور، فقال: لئن كان محمداً صادقاً؛ فلقد أوحي إليَّ مثل ما أوحي إليه.
وهذا تفسير ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ثم ارتدّ عن الإسلام، ثم عاد، ورجع إلى الإسلام قبل فتح مكة، وجاء به عثمان يطلب له العفو من رسول الله ﷺ .
وقيل: غيره من البشر؛ الذين قال الله سبحانه في حقهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١].
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾: رؤية قلبية، وبصرية.
ولو: هنا شرطية، وتحتاج إلى جواب، والجواب محذوف؛ لرأيت أمراً عجباً.
﴿الظَّالِمُونَ﴾: الذين افتروا على الله كذباً، وقالوا أوحي إلينا، ولم يوح إليهم، أو سأنزل مثل ما أنزل الله، والظالمون: جمع ظالم، وهو كل من خرج عن منهج الله.
﴿فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: سكرات الموت، وغمرات: جمع غمرة، وغمرات الموت؛ استعارة من غمر الماء؛ أيْ: أن تغمرهم سكرات الموت، وشدائده، كما تغمر مياه الفيضان المكان، أو الأرض. وهذا المشهد يدل على شدة الألم، أو الظالم المغمور بذنوبه فلا منجى ولا ملجأ له، ولم يقل في غمرة الموت، بل غمرات للتهويل لما سيصيبهم قبل نزع أرواحهم.
стр. 1405
﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾: باسطوا: من البسط وهو مد اليد بالسوء؛ أي: بالضرب والعذاب؛ أيْ: مدوا أيديهم؛ لقبض وإخراج أرواح الظالمين.
يقولون: أخرجوا أنفسكم؛ أيْ: تقول لهم الملائكة ذلك؛ توبيخاً لهم؛ أيْ: خلصوا أنفسكم من العذاب، وسكرات الموت؛ إن استطعتم.
ففي هذه الآية؛ لم يصرح بالشيء الذي بسطوا إليه الأيدي، ولكن أشار إلى ذلك في آية أخرى في سورة الأنفال، الآية (٥٠).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾.
والسؤال هنا هل ملائكة العذاب هم أنفسهم ملائكة قبض الأرواح أن هناك نوعين من الملائكة منهم للعذاب أولاً ومنهم لقبض الأرواح يحضرون بعد انتهاء العذاب؟
﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾: عذاب الذل، والهوان، العذاب المؤلم الذي يخالطه الذلة، والإهانة، وعلى مرأى من الناس الحاضرين موته أو أهل الميت.
﴿بِمَا﴾: الباء: السببية؛ أيْ: بسبب.
الذي ﴿كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾: بادّعاء النبوَّة، أو الإيحاء، أو أن الله لم ينزل على بشر من شيء، وأن له ولد، وله شريك، وغيرها.
﴿وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: وكنتم في الدنيا تكرار كنتم: تفيد التوكيد، عن: للتعليل.
﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾: التاء، والسين: للطلب؛ أيْ: ليس عندكم مؤهلات الكبر، ومع ذلك كنتم تستكبرون.
следующие страницы →