Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
﴿أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾: أنزلناه في ليلة القدر، أنزلناه دفعة واحدة.
﴿مُبَارَكٌ﴾: نعت؛ أيْ: صفة للقرآن، ومبارك؛ أيْ: كثير البركة، كثير الفوائد، والمنافع، بما فيه من الأحكام، والهدى، والشفاء، والذكرى، والموعظة، والرحمة.
﴿مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: من الكتب الأخرى، مثل: التوراة، والإنجيل، والزبور، وغيرها. ارجع إلى الآية (٤٨) من سورة المائدة؛ للبيان.
﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾: الواو: عاطفة، اللام: لام التعليل، أو التأكيد؛ أيْ: ﴿أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾، وكذلك ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾.
﴿أُمَّ الْقُرَى﴾: هي مكة؛ سُمِّيت أمَّ القرى؛ لأنها أعظم القرى شأناً؛ لوجود البيت الحرام فيها، فهي أم؛ أيْ: أصل كل القرى، وهي قبلة المسلمين أجمعين، يؤمها المسلمون من كل مكان، وكذلك تعني: أقدم القرى؛ فقد كانت أرض مكة أول وأقدم جزيرة ظهرت على اليابسة، وتشكلت من ثورة البراكين التي ألقت بحممها على الأرض التي كانت مغمورة بالماء، ثم تراكمت هذه الحمم تدريجياً، وامتدت من مكة إلى غيرها من البقاع؛ لتشكل القارة الأم. ارجع إلى سورة الشورى، آية (٧)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: من القرى؛ أي: المدن كلها؛ تعني: الأرض كلها، كما قال ابن عباس ﵄: وتعني: كل مدينة وقرية في العالم؛ حيث أصبحت الكرة الأرضية اليوم؛ كأنها قرية واحدة؛ لسهولة الاتصالات.
﴿وَمَنْ﴾: استغراقية؛ أيْ: كل ما حولها من القرى والمدن.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾:
стр. 1402
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: به: يعود على القرآن، الكتاب المبارك.
أي: والذين يؤمنون بالقرآن؛ يؤمنون بالآخرة، وهذا يشير إلى أهمية الإيمان بالآخرة، وبالقرآن.
﴿وَهُمْ﴾: هم ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد، وهم: أي: المؤمنون بالآخرة، وبالقرآن.
﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾: واختار الصلاة؛ لأنها عماد الدِّين، وتشمل في معناها: الزكاة، والصيام، والحج، فهي تمثل كل العبادات.
﴿يُحَافِظُونَ﴾: يؤدونها في أوقاتها، ويحافظون على أركانها، وخشوعها، وأحكامها، ويحافظون؛ تفيد الاستمرار والتجدد.
سورة الأنعام [٦: ٩٣]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية. من: اسم استفهام؛ فيه معنى الإنكار والتعجب.
وتعني: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً.
﴿أَظْلَمُ﴾: أسوأ، أو أقبح، والظلم تتفاوت درجاته بين صغائر الذنوب وكبائر الذنوب.
﴿مِمَّنِ﴾: أصلها: (مِنْ + مَنْ): أدغمت الأولى في الثانية؛ فأصبحت ممَّن.
ومن الأولى: ابتدائية، ومن الثانية: اسم موصول؛ بمعنى: الذي.
стр. 1403
﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: افترى: اختلق على الله الكذب المتعمد.
﴿كَذِبًا﴾: ولم يقل: الكذب.
﴿كَذِبًا﴾: نكرة؛ يشمل كل أنواع الكذب.
أما قوله: الكذب المعروف بأل التعريف: فهو يخص مسألة معينة؛ مثل قوله في سورة يونس (٦٨ - ٦٩): ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾، ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾.
الكذب هنا: محدد بقولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾.
﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: باتخاذ الشركاء، والأنداد، أو له ولد، أو بنت يشمل الكل؛ لأنه نكرة ولم يحدد.
﴿أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾: أي: ادعى النبوَّة باطلاً؛ مثل مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي كما روي عن ابن عباس، ولمعرفة معنى الوحي. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣).
﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾:
قيل: كما روي عن ابن عباس: هو عبد الله ابن أبي سرح، كان أخاً لعثمان بن عفان من الرضاعة، وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، كان إذا أملى عليه رسول الله ﷺ أن اكتب سميعاً عليماً، كتب عليماً حكيماً، وكان يحاول الافتراء على الله، ولما نزلت آية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾، تعجَّب عبد الله بن سرح، فسارع بالقول: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 1404
اكتبها هكذا نزلت، ونزل في نفسه الغرور، فقال: لئن كان محمداً صادقاً؛ فلقد أوحي إليَّ مثل ما أوحي إليه.
وهذا تفسير ﴿سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ثم ارتدّ عن الإسلام، ثم عاد، ورجع إلى الإسلام قبل فتح مكة، وجاء به عثمان يطلب له العفو من رسول الله ﷺ .
وقيل: غيره من البشر؛ الذين قال الله سبحانه في حقهم: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١].
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾: رؤية قلبية، وبصرية.
ولو: هنا شرطية، وتحتاج إلى جواب، والجواب محذوف؛ لرأيت أمراً عجباً.
﴿الظَّالِمُونَ﴾: الذين افتروا على الله كذباً، وقالوا أوحي إلينا، ولم يوح إليهم، أو سأنزل مثل ما أنزل الله، والظالمون: جمع ظالم، وهو كل من خرج عن منهج الله.
﴿فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾: سكرات الموت، وغمرات: جمع غمرة، وغمرات الموت؛ استعارة من غمر الماء؛ أيْ: أن تغمرهم سكرات الموت، وشدائده، كما تغمر مياه الفيضان المكان، أو الأرض. وهذا المشهد يدل على شدة الألم، أو الظالم المغمور بذنوبه فلا منجى ولا ملجأ له، ولم يقل في غمرة الموت، بل غمرات للتهويل لما سيصيبهم قبل نزع أرواحهم.
стр. 1405
﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾: باسطوا: من البسط وهو مد اليد بالسوء؛ أي: بالضرب والعذاب؛ أيْ: مدوا أيديهم؛ لقبض وإخراج أرواح الظالمين.
يقولون: أخرجوا أنفسكم؛ أيْ: تقول لهم الملائكة ذلك؛ توبيخاً لهم؛ أيْ: خلصوا أنفسكم من العذاب، وسكرات الموت؛ إن استطعتم.
ففي هذه الآية؛ لم يصرح بالشيء الذي بسطوا إليه الأيدي، ولكن أشار إلى ذلك في آية أخرى في سورة الأنفال، الآية (٥٠).
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾.
والسؤال هنا هل ملائكة العذاب هم أنفسهم ملائكة قبض الأرواح أن هناك نوعين من الملائكة منهم للعذاب أولاً ومنهم لقبض الأرواح يحضرون بعد انتهاء العذاب؟
﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾: عذاب الذل، والهوان، العذاب المؤلم الذي يخالطه الذلة، والإهانة، وعلى مرأى من الناس الحاضرين موته أو أهل الميت.
﴿بِمَا﴾: الباء: السببية؛ أيْ: بسبب.
الذي ﴿كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾: بادّعاء النبوَّة، أو الإيحاء، أو أن الله لم ينزل على بشر من شيء، وأن له ولد، وله شريك، وغيرها.
﴿وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: وكنتم في الدنيا تكرار كنتم: تفيد التوكيد، عن: للتعليل.
﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾: التاء، والسين: للطلب؛ أيْ: ليس عندكم مؤهلات الكبر، ومع ذلك كنتم تستكبرون.
стр. 1406
سورة الأنعام [٦: ٩٤]
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاؤُا لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية. لقد: اللام: لام التوكيد، قد: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾: جئتمونا يوم القيامة يوم البعث أو يوم القيامة الصغرى (الموت)، أو عند سكرات الموت وهم ما زالوا على الأرض.
﴿فُرَادَى﴾: قيل: جمع واختلف في مفرده قيل: فرد أو فريد أو فرْدَان على وزن فعالي بضم الفاء مثل سُكارى مفردها: سكران فرداً فرداً، والواحد تلو الآخر، من دون أهل، ولا ولي، ولا نصير، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤٨) في سورة الكهف وهي قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا﴾ هذه الآية جاءت في سياق يوم البعث أو عند الموت وتتحدث عن الكيفية: كيفية المجيء، وآية الأنعام تتحدث عن العدد، وآية الكهف أعم من آية الأنعام وآية الأنعام عن القيامة الصغرى.
وبيَّن ذلك في آية أخرى من سورة مريم، (٩٥): ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾، بينما السوق إلى الجنة: زمراً وزمراً، أو إلى النار زمراً وزمراً؛ كقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧٣].
مع الأهل، وممن يماثلهم في الحسنات والسيئات.
﴿وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾: من خوَّله الشيء؛ أيْ: ملكه الشيء؛ خوَّل يخوِّل؛
стр. 1407
أي: صار ذا خول؛ أي: خدم؛ أيْ: تركتم ما أعطيناكم: تفضلاً من ملك، ومال، وأهل، والخول: ما أعطاه الله من النِّعم.
والخول: تضم الخدم، والاتباع؛ أيْ: تركتم أولادكم، وأموالكم، وخدمكم.
﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاؤُا﴾:
الذين زعمتم أنهم شركاء لله في عبادتكم.
﴿وَمَا نَرَى﴾: وما: الواو: عاطفة، ما: نافية.
﴿مَعَكُمْ﴾: مع: ظرف مكان.
﴿شُفَعَاءَكُمُ﴾: الأصنام، والآلهة، والأولياء، والذين عبدتموهم؛ ليقربوكم إلى الله زلفى؛ الذين زعمتم أنهم سيشفعون لكم، أو يستحقون عبادتكم.
﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاؤُا﴾: فيكم؛ أيْ: زعمتم أنهم لي شركاء في خلقي.
الزعم: هو القول غير المستند إلى دليل، أو ادّعاء العلم، وأكثر ما يقع في الباطل، ولمقارنة كيف كتبت ﴿شُرَكَاؤُا﴾ في هذه الآية مع كيف كتبت ﴿شُرَكَاءُ﴾ في الآية (١٢) في سورة النساء. ارجع إلى سورة النساء آية (١٢) للبيان.
﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾:
﴿لَقَدْ﴾: اللام: لام التوكيد، قد: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿تَقَطَّعَ﴾: وسائل الاتصال، والصلة، والروابط، والمودة بينكم، والقربى.
стр. 1408
﴿بَيْنَكُمْ﴾: وبين الأصنام والأوثان، والآلهة والأولياء، وما عبدتم من دون الله.
والبين: هو ما يفصل، أو يصل بين شيئين، أو اثنين، فإذا كان واصلاً يمكن أن تقطعه، وإذا كان فاصلاً يمكن أن تصله.
﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾: وضل: تاه، وغاب اليوم عنكم، الشركاء، وما تبحثون عنهم؛ للشفاعة.
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ أي: الذين (الأصنام، والآلهة، وما عبدتم).
﴿كُنتُمْ﴾: في الدنيا.
﴿تَزْعُمُونَ﴾: تقولون قولاً باطلاً، إنهم سيشفعون لكم، وينصروكم في الآخرة.
стр. 1409
سورة الأنعام [٦: ٩٥]
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر الله -جل وعلا-: أن عنده مفاتح الغيب، وأنه العليم، بما يجري في كونه، وهو الذي يتوفاكم، وهو القاهر، والمنجي، والقادر، وأنه الواحد الأحد، كما ورد في قصة إبراهيم ﵇، وما سيحدث حين الموت والبعث، يذكر بعض الآيات، والأدلة على قدرته في الخلق والإيجاد، ويبدأ بمثال فلق الحب والنوى، ثم ينتقل إلى مثال آخر، هو فالق الإصباح فيقول:
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبَّه بالفعل، يفيد التوكيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾: فالق: أي: شاقّ الحب والنوى، ويعني ذلك: خالق الحب والنوى، فينبت به الزرع على اختلاف أصنافه، من الحبوب والثمار على اختلاف أشكالها.
﴿الْحَبِّ﴾: مثل القمح، والشعير، والأرز الذي ليس له نوى.
﴿وَالنَّوَى﴾: له نواة؛ مثل: البلح، والخوخ، وقسم نجد له نواة، وداخل النواة شيء آخر، مثل: بذرة البطيخ.
﴿فَالِقُ﴾: صفة لذات الله ثابتة؛ أي: قبل أن يوجد الحب والنوى؛ الذي يفلقه كان فالقاً، وبعد أن وجد الحب والنوى؛ كذلك يفلقه.
стр. 1410
وكذلك مخرج: صفة لذات الله، مثل: الرزق؛ أي: رزاق، قبل أن يوجد أيُّ مخلوق يرزقه، وبعد أن خلقه يرزقه.
إذنْ: مثل هذه الأسماء والصفات؛ تدل على الثبوت.
﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ﴾: قبل تفسير هذا الجزء من الآية؛ يجب أن نعلم: أن كل شيء خلقه الله فيه حياة؛ حتى الجمادات، مثل: الحجارة، والحديد، والمعادن؛ كلٌّ له حياته الخاصة به حتى تقوم الساعة، وكل شيء يسبح بحمد؛ لقوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، وما دام كل شيء هالك؛ فكلُّ شيء فيه حياة، فلا يعني أن الشيء إذا لم يتحرك أمامنا، ويحس ليس فيه حياة، كما كان يعتقد القدامى؛ فالله يخاطب الأكثرية من الناس بمقدار علمهم على كون الشيء حياً أو ميتاً، وليس علمه بالأشياء، أو علم القلة من العلماء.
فالله سبحانه حين يقول: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ﴾، الميت الذي لا حسَّ فيه، ولا حركة، فهو يخاطبنا، كما نفهم الأشياء، بشكل ظاهري.
وبمفهوم الإعجاز العلمي اليوم: لا يوجد شيء ميت، وإن كان لا حسَّ له ولا حركة، مشاهدة بالعين، وبمفهوم الإعجاز العلمي اليوم: نستطيع أن نفسر ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: أي: يخرج الحي من الحي، ويخرج الميت (الحي) من الحي، فكل شيء فيه حياة. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٢٧)؛ لمزيد من البيان.
مثال: نجد في كثير من كتب التفسير؛ تفسير هذه الآية بأنه يخرج الحي (الدجاجة) من الميت (البيضة)، البيضة في نظر الكثير تعتبر شيئاً ميتاً، وهذا غير صحيح بمفهوم العلم الحديث.
стр. 1411
وإذا نظرنا إلى هذه الآية: ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ﴾: نجد كلمة يخرج ومخرج؛ فكلمة ﴿يُخْرِجُ﴾: فعل مضارع، والفعل يدل على التجدد، والتكرار، والاستمرار.
وكلمة ﴿وَمُخْرِجُ﴾: اسم (صفة): تدل على الثبوت، صفة ثابتة لذات الله ، فبذلك جمع صفات الكمال التي تشمل التجدد والثبات معاً.
انتبه إلى قوله -جل وعلا-: ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾: جاء بالفعل ﴿يُخْرِجُ﴾: ثم قال : ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَىِّ﴾: فجاء بالاسم (مخرج).
جاء بالفعل ﴿يُخْرِجُ﴾: مع الحي؛ لأن من أبرز صفات الحي: الحركة والتجدد، وجاء بالاسم ﴿وَمُخْرِجُ﴾: مع الميت؛ لأن أبرز صفات الميت السكون، وعدم الحركة؛ لأن من صفات الاسم: الثبوت؛ فهو يماشي السكون وحده (الموت).
﴿فَأَنَّى﴾: أنّى: استفهام إنكاري، وفيها معنى الذم التعجب؛ أيْ: لا مبرر لكم؛ لعدم إيمانكم، وعباداتكم إياه وحده، و (أنى): تعني كيف، ومن أين لكم؟
﴿تُؤْفَكُونَ﴾: من أفكه عن الشيء: صرفه عنه وقلبه، باستخدام الكذب كوسيلة.
فكيف تصرفون عن الإيمان به، وعبادته إلى عبادة غيره -جل وعلا-، أو تصرفون عن خالقكم، إلى غيره، فكيف حدث ذلك، أو من أين لكم هذا؟
سورة الأنعام [٦: ٩٦]
﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾:
﴿فَالِقُ﴾: شاق، أو شاقق: ظلمة الليل؛ ليخرج النور.
стр. 1412
﴿الْإِصْبَاحِ﴾: هو الضوء، أو النور؛ الذي نراه قبل شروق الشمس، هذا يسمَّى الإصباح، ويعني: الصبح.
وجاء بالاسم؛ فالق: ليدل على أن ذلك صفة ثابتة؛ لذاته، منذ الأزل، قبل أن يخلق الليل والنهار، والشمس والقمر.
﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا﴾: الجعل: يكون مرحلة تالية للخلق.
﴿الَّيْلَ سَكَنًا﴾: يسكن فيه الناس عن الحركة؛ للراحة والهدوء، وهذا من رحمة الله بالإنسان؛ لكي يرتاح ويعود نشيطاً في الصباح، ويزاول عمله مرة أخرى.
وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧].
﴿جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [الفرقان: ٤٧]، لباساً؛ أيْ: يستركم بظلامه، كما يستركم اللباس.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾: حسباناً؛ أيْ: لحساب الزمن بالساعة، والدقائق، والثواني، حساباً دقيقاً، لا يتغير، ولا يضطرب.
والشمس: تستعمل لحساب اليوم، والسنة.
والقمر: يستعمل لحساب الليلة، والشهر.
فدورة الأرض حول محورها (نفسها) دورة كاملة تحدد لنا اليوم.
ودورة القمر حول الأرض دورة كاملة تحدد لنا الشهر.
ودورة الأرض حول الشمس دورة كاملة تحدد لنا السنة.
وتختلف السنة القمرية عن السنة الشمسية بـ (١١) يوماً، وتوالي الليل
стр. 1413
والنهار، وحركة الشمس والظل يحدد لنا الزمن، واليوم، والساعة. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١٢) وسورة يونس، آية (٥) وسورة إبراهيم، آية (٣٣) وسورة الرحمن آية (٥)؛ لمزيد من البيان.
أما قوله : ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، بحسبان هنا تعني: مخلوقتين بحساب دقيق من حيث الدوران، والحجم، والبعد عن الكواكب الأخرى والمجرات.
﴿ذَلِكَ﴾: ذا: اسم إشارة، واللام: للبعد، ويشير إلى الحساب، أو الحسبان، من تقدير.
﴿تَقْدِيرُ﴾: من قدرة، أو تقدير؛ أيْ: حساب.
﴿الْعَزِيزِ﴾: أي: القاهر، والغالب، والممتنع، والذي سخرهما: الشمس والقمر، وقهرهما.
وقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾: جمل اسمية؛ تدل على الثبوت.
﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾: جاء بالصيغة الفعلية التي تدل على التجدُّد، والتكرار.
﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ﴾: أيْ: سخر الليل والنهار، أو آية الليل والنهار إشارة إلى كروية الأرض، فالقسم المواجه للشمس يضيء بفضل وجود الطبقة الغازية المحيطة بالأرض، والتي سُمكها (٢٠٠ كم)، هذه الطبقة الغازية التي إذا وقع عليها ألوان الطيف، أو حزمة الشمس المضيء أخرجت لنا نور الشمس الأبيض، وأما القسم من الأرض، أو النصف غير المقابل للشمس فيكون فيه الليل.
стр. 1414
سورة الأنعام [٦: ٩٧]
﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر الحقيقي، والتوكيد.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول.
﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾: الجعل يأتي بعد الخلق، والجعل يعني: التصيير، وجعل؛ تعني: صير، واللام: لام الاختصاص؛ أيْ: لكم خاصة.
﴿النُّجُومَ﴾: جمع نجم، والنجم هو: كتلة مشتعلة تضيء ما حولها؛ كالشمس، ويقدِّر علماء الفلك: أن في مجرتنا سِكَّة التبَّانة نحو تريليون نجمٍ.
﴿لِتَهْتَدُوا﴾: اللام: لام التعليل، والتوكيد للهداية، ومعرفة الاتجاهات والسير، سواء كان في البر، أم في البحر.
﴿بِهَا﴾: الباء: للإلصاق.
﴿فِى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: في الأماكن النائية، والمظلمة؛ حيث لا يعرف شمالها من جنوبها، وشرقها من غربها، كما هي الحال في الصحارى والبحار.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾: بيَّنَّاها بأساليب متعدِّدة، الآيات الكونية، مثل: الشمس، والقمر، والليل، والنهار، والنجوم، ارجع إلى آية (٥٥) من نفس السورة؛ للبيان.
﴿لِقَوْمٍ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: يعلمون: كون الشمس والقمر حُسباناً وجعل الليل سكنا والشمس يدل على كروية الأرض؛ فهذه الأمور لا يعلمها حقيقة إلا نخبة من
стр. 1415
العلماء ولذلك قال تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: فصَّلناها؛ كي يدركها، وينظر إليها الذين درسوا العلم الفلكي، والعلوم الكونية، ثم يستدلون بها على وحدانية الله، وقدرته العظيمة.
بعد ذكر الآيات الكونية ينتقل إلى ذكر آيات الخلق.
سورة الأنعام [٦: ٩٨]
﴿وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾:
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتوكيد؛ أيْ: هو وحده ﴿الَّذِى أَنْشَأَكُمْ﴾.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول.
﴿أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: الإنشاء: هو الإيجاد، والخلق، والإحداث؛ أيْ: أنشأكم خلقاً من بعد خلق.
﴿مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: أيْ: من نفس واحدة؛ أيْ: ذات واحدة، هي التي خلق منها آدم، وحواء، فالكل خلق من نفس واحدة. ارجع إلى سورة النساء، آية (١)؛ للبيان.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾: فمستقر: الفاء: عاطفة؛ أيْ: أودع الله كل ذرية آدم في صلب آدم، فآدم هو المستقر، وحواء هي المستودع، أو بالعكس؛ أيْ: مستقر في أصلاب الرجال (الآباء)، ومستودع في أرحام الإناث (الأزواج)، أو مستقر في الأرض، على ظاهر الأرض، ومستودع في القبور؛ باطن الأرض. مستقر لها حين تكون حية، ومستودع لها بعد الموت.
стр. 1416
﴿قَدْ فَصَّلْنَا﴾: أيْ: لم نأتِ بها مجملة، ارجع إلى الآية السابقة (٥٥)؛ للبيان.
﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾: الفقه لغةً: هو الفهم، اصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية مثل القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها، ويعني: الفهم الناجم عن التأمل، والنظر، والفهم مرحلة تسبق مرحلة العلم؛ فهذه الآيات تحتاج إلى: فهم وتدبر وتفكر لذلك قال تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾، ولا يفقهه الكل يفقهون قدرة وعظمة الخالق، وأنه الإله الحق الذي يجب أن يُعبد ويطاع بينما الآيات في الآية (٩٧) تحتاج أو ينتفع بها قوم يعلمون (فئة خاصة من العلماء بعلم الفلك والنجوم)، وإما الآيات في الآية (٩٩) ينتفع بها أو خاصة بالقوم المؤمنين. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) لمزيد من البيان.
سورة الأنعام [٦: ٩٩]
﴿وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِى ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿وَهُوَ الَّذِى﴾: وهو: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر والتوكيد؛ أيْ: هو وحده الذي أنزل.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول؛ يفيد التعظيم.
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: أيْ: أنزل من السحب ماءً؛ أي: المطر، والسحاب يسمَّى السماء؛ لأن تعريف السماء: هو كل ما يعلو الإنسان يسمَّى سماء، وهذا الإنزال نتيجة دورة الماء حول الأرض، يبدأ ببخار الماء، تحمله الرياح، تشكل السحب المنبسطة، ثم الركامية؛ التي تنزل المطر بعد تلقيحها برياح تحمل هباءات الغبار.
стр. 1417
﴿فَأَخْرَجْنَا﴾: السياق كان يقتضي أن يقول: فأخرج، ولكن جاء بصيغة الجمع: فأخرجنا؛ للتعظيم، أو لأنه سبحانه لا ينسى من حرث الأرض، وبذرها، وسقاها، وهيأها، وحصدها.
وهذه الأعمال كلها: من الأخذ بالأسباب؛ للوصول إلى الغاية والهدف، فلا بُدَّ للإنسان من القيام بها، ومن فضله أن أشرك الإنسان بعملية الإخراج.
﴿بِهِ﴾: الضمير يعود على الماء؛ أيْ: أخرجنا بالماء.
﴿نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾: فكل نبات لا بُدَّ له من الماء؛ ليخرج وينبت، ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
والنبات لا ساق له.
﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾: فأخرجنا من النبات.
﴿خَضِرًا﴾: لا تعني اللون الأخضر، كما يظن الكثير من الناس، فلو أراد بها اللون الأخضر لقال: فأخرجنا منه نبات أخضر، وخُضر، وإنما تعني: مادة اليخضور التي أعطاها الله القدرة على امتصاص الطاقة من أشعة الشمس، ثم تمتص الماء من الأرض، فتحلِّله بالطاقة إلى ذرتين من الهيدروجين، وذرة من الأوكسجين، وتحتفظ بذرتي الهيدروجين، وتطلِق الأوكسجين إلى الجو؛ ليتنفَّسه الإنسان، والحيوان، وتأخذ ثاني أوكسيد الكربون من الجو، وتحلِّله بطاقة الشمس إلى كربون، وذرتي أوكسجين؛ تطلِق ذرتي الأوكسجين إلى الجو؛ ليتنفَّسها الإنسان والحيوان، وتحتفظ بذرة الكربون، ثم تربط بين ذرتي الهيدروجين والكربون، وتشكل السلاسل الغذائية من المواد السكرية، والدهنية، والسللوز، وغيرها، فمادة اليخضور: هي المادة التي يصنع لنا ربنا منها الثمرات.
﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا﴾: كما في سنابل القمح والشعير.
стр. 1418
﴿مُّتَرَاكِبًا﴾: مرصوص، بعضه على بعض.
﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾:
﴿مِنْ طَلْعِهَا﴾: هو الثمرة الأولى للنخلة، قبل أن تنشق، ويخرج منها القنوان.
﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾: مفردها: قنو، أو العرجون الذي يحمل المشاريخ التي تحمل البلح (التمر)، كعنقود العنب.
﴿دَانِيَةٌ﴾: قريبة، يمكن قطفها باليد مباشرة، وهناك قنوان بعيدة، لا يمكن أن تصل إليها اليد أو محاطة بالشوك صعب الوصول إليها.
وفي سورة (ق) الآية (١٠): ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ﴾.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾: واختار من بين الثمار: الزيتون والرمان.
فالزيتون: الذي يستخرج منه زيت الزيتون؛ لكونه يحتوي على نسبة عالية من الحموض الدهنية غير المشبعة التي تقي من تصلب الشرايين، وأمراض القلب، وارتفاع الضغط، ومقاومة السرطانات، وأمراض المفاصل، ومقاومة ضعف الذاكرة … وغيرها.
وأما الرمان: فثمرته تحتوي على تركيز عالٍ مضادة للأكسدة، وهو يستعمل في علاج قرحات المعدة، ومقاومة السرطانات، وأمراض ضعف الذاكرة.
ما هو الفرق بين مشتبهاً ومتشابهاً؟
مشتبهاً: التشابه بأوجه كثيرة: (طول، وعرض، ولون، وطعم، وحجم)، أو على الأقل وجهان، أو أمران.
فلوجود هذه الأوجه من التشابه يلتبس الأمر على الإنسان.
стр. 1419
وأما متشابه: فالتشابه بوجه واحد فقط، أو معنى واحد، إما الطول، أو العرض، أو اللون، أو الطعم، فقط.
فالتشابه: ينقسم إلى نوعين: تشابه في أمر، أو وجه من الوجوه، ويسمَّى ذلك متشابه.
أو تشابه في أكثر من وجه (وجهين أو أكثر)؛ يسمَّى مُشتبهاً.
وأما غير المتشابه: فليس فيه أيُّ أمر، أو وجه من التشابه.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾: بأكثر من أمرين، أو جهين على الأقل بعدة أوجه، أو أمور.
﴿مُشْتَبِهًا﴾: في ورقه، وأغصانه، ولكن يختلف في ثمره، هذا زيتون، وهذا رمان، ونلاحظ قدم الحب على أربعة أنواع من الأشجار: النخيل، والعنب، والزيتون، والرمان؛ لأن الزرع هو: الغذاء العام، وقدم التمر على الفواكه والعنب حسب الأهم.
﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِى ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿وَيَنْعِهِ﴾: أكثر نضجاً، والينع: النضج، انظروا إلى ثمره إذا أثمر، وإلى نضجه، مرحلة التطور، ثم مرحلة النضج، وهي الينع.
﴿انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾: بتدبر، وتأمل، وقدرة الله سبحانه، وعظمته على الخلق، ولم يذكر الأكل هنا في الآية.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿فِى ذَلِكُمْ﴾: ذا: اسم إشارة، لم يقل: ذلك؛ لأن ﴿ذَلِكُمْ﴾: آكَدُ من ذلك، و ﴿ذَلِكُمْ﴾: للأكثر، والجمع، والتوكيد.
стр. 1420
﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: لام الاختصاص، والتوكيد، جمع آية، فيها آيات كثيرة خاصة بالقوم المؤمنين.
﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: لقوم: اللام لام الاختصاص؛ أيْ: هذه الآيات، هي دلائل على وحدانية الخالق، وقدرته، وعظمته؛ تفيد أو يقر بها المؤمنون فهي من نوع النعم.
ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية (٩٩) مع الآية (١٤١) من سورة الأنعام.
﴿وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
الآية (١٤١): تذكر متشابهاً، وغير متشابه؛ أيْ: متشابه بوجه من الوجوه، أو أمر من الأمور فقط.
وغير متشابه؛ أيْ: بلا أيِّ وجه، أو أمر من التشابه.
في هذه الآية: يذكر الأكل، فيقول : ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، فالآية (٩٩): جاءت في قدرة الله وعظمته لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ السياق والتدبر، والإيمان، والعقيدة، والوحدانية، والآية (١٤١): جاءت في سياق الأكل، وعدم الإسراف، والانتفاع بها، وبما أن الإيمان والعقيدة أهم من الأكل والشرب، ولذلك كل آية لها غاية وهدف يختلف عن الآخر، فالآية (٩٩) هدفها التدبر والإيمان والآية (١٤١) هدفها عدم الإسراف ودفع الزكاة.
стр. 1421
سورة الأنعام [٦: ١٠٠]
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾:
﴿وَجَعَلُوا﴾: الواو: استئنافية، جعلوا: من الجعل، من أفعال القلوب؛ أيْ: تعني: التصيير، والتحويل.
وجعلوا: يعود على المشركين؛ فهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾: الجن، وهم الشياطين كفرة الجن.
فالشياطين (كفرة الجن)، زينوا للمشركين عبادة الأوثان، والأصنام، فأطاعوا الشياطين؛ فعبدوا الأصنام، والأوثان، وعظموها؛ كما عظموا الله.
﴿وَخَلَقَهُمْ﴾: أيْ: هؤلاء المشركون، يعلمون أن الله خلقهم، وخلق الجن، وخلق الملائكة، ومع ذلك عبدوهم، وجعلوهم شركاء لله، فكيف يكون المخلوق شريكاً للخالق؟
وهناك من العلماء من يظن أن في هذه الآية تقديماً، أو تأخيراً، له فائدة في التوسُّع في المعنى.
فلو قال: وجعلوا الجن شركاء لله؛ لنقص المعنى.
إذنْ: لماذا التأخير والتقديم؟ هنا يفيد التوسُّع في المعنى.
فالآية تعني: إنكار أن يكون لله شريك: من الجن، أو غير الجن.
ولو قال: جعلوا الجن شركاء لله؛ تعني: أنكر الجن أن يكونوا شركاء لله، وأما غير الجن، فلا يستبعد ويستنكر أن يكونوا شركاء لله، وقد يظن أنه يجوز، أو مباح، ولذلك جاءت بهذه الصيغة؛ لتحمل المعنيين معاً.
﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾:
стр. 1422
﴿وَخَرَقُوا﴾: من الخرق: الذي يعني الشق والقطع أو الخرق: هو عمل فجوة في شيء طبيعي سليم؛ أي: سبحانه لم يلد ولم يولد اختلقوا له بشيئين وبنات وكان من المفروض عليهم أن يعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو أشركوا به لبث الفساد من غير تعقل وتدبر وفهم وقد تعني: اختلقوا؛ أي: الكذب، ومن دون علم؛ أي: افتروا الكذب، واختلقوه، وأخرق؛ تعني: أحمق، يختلق الأشياء.
﴿لَهُ بَنِينَ﴾: المسيح ابن مريم، أو العزير ﵉.
﴿وَبَنَاتٍ﴾: أي: الملائكة كما افترى مشركو العرب، كانوا يقولون: الملائكة بنات الله سبحانه.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾:
﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيه لله عن الشرك، والنقص، وعما يصفونه به ﷻ ، مما لا يليق بكماله ؛ من الولد، والبنت، والند، والمثيل. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (١)؛ لمزيد من البيان.
وتنزيه ثابت قبل أن يوجد من ينزهه، أو يسبحه ﷻ .
﴿وَتَعَالَى﴾: عن الشريك، والولد، والند، والنظير، تعالى على كل شيء؛ بقدرته، علو الذات، والقدرة، والقهر، علو الكبرياء، والعظمة، والجلال الأعلى؛ الذي لا يعلوه أحد.
﴿عَمَّا﴾: عن: حرف جر، ما: اسم موصول، أو مصدرية.
﴿يَصِفُونَ﴾: من الشريك، والولد، وغيره.
стр. 1423
سورة الأنعام [٦: ١٠١]
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أيْ: خالق السموات والأرض، على غير مثال سابق.
والإبداع: هو إنشاء الشيء ابتداءً، وعلى غير مثال سابق.
﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾: أنّى للاستفهام، وأنى: تعني كيف، ومن أين، ومتى، وللتعجب، واستعمال (أنى): للدلالة على التوسع في المعنى؛ أيْ: كيف كان له ولد، ومن أين، ومتى كان ذلك؟
﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾: أيْ: زوجة، (لم): تفيد نفي المستمر؛ الذي لم ينقطع، ولن ينقطع.
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾: الخلق يعني: التقدير، والإيجاد.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتوكيد.
﴿بِكُلِّ﴾: الباء: للإلصاق، والاختصاص.
﴿شَىْءٍ﴾: أيِّ شيء (نكرة)، مهما كان نوعه، وحجمه، وشكله، ولونه.
﴿عَلِيمٌ﴾: أحاط علمه بجميع خلقه، ويعلم ما يقولون، ويفعلون، وما يسرون، وما يعلنون، وما يشركون ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ [سبأ: ٣].
стр. 1424
سورة الأنعام [٦: ١٠٢]
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾:
﴿ذَلِكُمُ﴾: اسم إشارة؛ يفيد الجمع؛ لأنه سبقها قوله خالق كل شيء، والتوكيد، والتعظيم مقارنة بقوله ذلك.
﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾: جمع للألوهية، وللربوبية معاً.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا: النافية؛ أيْ: لا إله إلا هو؛ حصراً، وقصراً، لا معبود إلّا إياه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٥)؛ للبيان.
﴿خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿كُلِّ شَىْءٍ﴾: الشيء: كل ما يعلم ويخبر عنه سواء أكان حسياً أم معنوياً، ويعني أقل القليل، وشيء نكرة؛ تشمل كل شيء، مهما كان نوعه، وشكله، وحجمه. ارجع إلى الآية (١) من نفس السورة؛ لبيان معنى الخلق.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يدل على التوكيد.
﴿وَكِيلٌ﴾: أيْ: هو الوكيل على كل شيء؛ أي: الكافي المتولي، والقائم، والمدبر لكل شيء، والمعين عليه، سواء اختار المخلوق، أم لم يختر.
الله ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾: أي: الله وكيل عليك، وليس وكيلاً لك؛ لأن الوكيل لك: ينفذ أوامرك، وقيل: فلان وكيل لفلان.
أي: ينفذ ما يريده، أما الحق ﷻ ؛ فإنه وكيل على كل شيء؛ أيْ: أعلم بما
стр. 1425
يناسب كل إنسان، فيستجيب له، أو لا يستجيب له حسب ما تقتضيه إرادته -جل وعلا-، ومشيئته وحكمته تعالى.
وفي هذه الآية: نجده قدَّم ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ على ﴿خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾.
بينما في سورة غافر، آية (٦٢) قدَّم ﴿خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ على ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وذلك لأن آية الأنعام جاءت في سياق التوحيد، ونفي الشرك، والصاحبة، والولد، فقدَّم كلمة التوحيد لا إله إلا هو، بينما في آية سورة غافر؛ فقد جاءت في سياق الخلق، وتعداد النِّعم؛ كقوله : ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٦٢]، ولذلك قدَّم خالق على لا إله إلا هو.
سورة الأنعام [٦: ١٠٣]
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾:
﴿لَا﴾: النافية.
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: أيْ: لا تحيط به الأبصار أيَّ إحاطة؛ لأن -جل وعلا- إذا أحاطت به الأبصار؛ صار مقدوراً عليه.
وهناك فرق بين الرؤية والإدراك؛ الإدراك: أقوى من الرؤية؛ فقد ترى شيئاً ما، ولكن لا تدركه؛ أيْ: تحيط به علماً، ورؤيةً كاملة.
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: سواء أكانت العيون، أم العقول، لن يدركه عقل، أو بصر أبداً، لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
أما رؤية الله في الآخرة: فهي حق، ولكن ليست رؤية إدراك، بل رؤية عن بعد، والله أعلم كيف تكون.
﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾: يدرك سبحانه أبصار خلقه، وعقولهم؛ لأنه -جل وعلا- يحيط بخلقه إحاطة تامة.
﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾: اللطيف: يعلم بمخفيات الأمور، ودقائق الأشياء، والوصول إليها بدقة ولطف.
стр. 1426
واللطيف: من لطف، والشيء حين يدق ويصغر؛ يقال له: لطف؛ أيْ: كلما دقّ؛ أيْ: لطف، فهو يعلم كل شيء؛ مهما دق وصغر في الحجم، أو الاختفاء، واللطيف تعني كذلك: حسن المعشر، يرفق بعباده.
﴿الْخَبِيرُ﴾: العليم ببواطن الأمور، وذات الصدور، وكل الجوانب.
وأما الرؤية التي أخبر الله ﷻ عنها عباده، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]؛ رؤية لا يعلم حقيقتها إلا الله وحده.
سورة الأنعام [٦: ١٠٤]
﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾:
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: بصائر: جمع بصيرة، والبصائر: البينات، تشمل آيات القرآن، والأصح: الحجج، والمعجزات، والبراهين التي تهدي إلى الحق. ارجع إلى سورة الجاثية آية (٢٠) لمزيد في معنى بصائر.
وقيل: البصيرة: هي النور الذي يبصر به القلب، كما أن البصر هو النور الذي تبصر فيه العين، وهي البرهان القاطع الذي لا يترك في الحق لبساً.
﴿فَمَنْ﴾: الفاء: للتوكيد، من: شرطية.
﴿أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾: أيْ: نفع نفسه من اهتدى بهذه البصائر؛ أي: الآيات، فلنفسه أفاد نفسه.
﴿وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا﴾: ضرّ نفسه؛ أيْ: من أعرض عن الحق، وضلَّ؛ فإنما يضل على نفسه؛ أيْ: عاقبة ضلاله، ووبال أمره يعود عليه وحده.
كقوله: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [الإسراء: ١٥]؛ لأن الله سبحانه غني عن خلقه، وعن طاعتهم.
﴿وَمَا أَنَا﴾: الواو: عاطفة، وما: النافية، أنا: تعود على رسول الله ﷺ .
стр. 1427
﴿بِحَفِيظٍ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد، حفيظ؛ أحصي لكم أعمالكم، وأجازيكم عليها، أو رقيب عليكم، أو قادر على أن أحرسكم، أو أحفظكم من المهالك، ومكائد الشيطان، ومصارع السوء، أو أحميكم من الوقوع في الذنوب.
سورة الأنعام [٦: ١٠٥]
﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
أي: كما بيَّنَّا في الآيات السابقة؛ أيْ: صرفناها؛ كذلك نصرف الآيات الأخرى، ونبيِّنها بأساليب مختلفة، وهكذا يتبيَّن لكم الحق.
﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾: اللام: لام التعليل، أو التوكيد، ليقولوا: الذين كفروا، أو المشركون، إذا سمعوا هذا البيان والتصريف: أنك درست على أهل الكتاب اليهود، وتعلمت منهم، وتعني: كثرة القراءة، أو تعلمت على بشر، أو قرأت، أو تعلمت من غيرك، أو دارست غيرك، ولم يوح إليك، وأصل درست: من درس الكتاب إذا أكثر من قراءته، أو من درس الحنطة يدرسها مرات عديدة؛ أي: داسها لكي يفصل القشر عن الحب.
﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾: اللام: لام التوكيد، نبيِّنه: فعل مضارع؛ يعني: القرآن الكريم: نوضحه.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص، هذا التصريف يفيد الذين يعلمون، أهل العلم، فيتبعون أحسن ما أنزل إليهم، من ربهم، أما الجاهلون، فلا ينتفعون به، ولا يريدون سماعه.
سورة الأنعام [٦: ١٠٦]
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾:
﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: القرآن، واعمل به، واستمر على رسالتك به، فإن ما أوحي إليك: هو الحق؛ لأنه لا إله إلّا هو. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٥)؛ للبيان.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾: أيْ: لا تعتد بأقوالهم الباطلة، ولا تبال بها، مثل
стр. 1428
قولهم: درست، أو تعلمت، أو قولهم: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَىْءٍ﴾، ولمعرفة معنى أوحي إليك؛ ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣).
سورة الأنعام [٦: ١٠٧]
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة، لو: شرطية.
﴿مَا أَشْرَكُوا﴾: أيْ: جعلهم مؤمنين، أو أنزل عليهم آية، اضطرتهم إلى الإيمان قهراً، ولكن الله ترك لهم الخيار.
﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: وما: الواو عاطفة، ما: نافية.
﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾: أيْ: رقيباً عليهم، أو تحفظ أعمالهم، وأقوالهم، أو تحفظ لهم حياتهم، موكل إليك رزقهم، وحسابهم. ارجع إلى الآية السابقة (١٠٤)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾: وما تكرارها يفيد توكيد النفي.
﴿بِوَكِيلٍ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد، والوكيل؛ أيْ: موكل بتدبير شؤونهم، أو قيِّم على شؤونهم، أو نفوض إليك أمرهم؛ كي ترغمهم على الإيمان.
إذنْ: ما أنت عليهم بحفيظ، ولا بوكيل، ولا كليهما، وما عليك إلا البلاغ المبين.
سورة الأنعام [٦: ١٠٨]
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَلَا تَسُبُّوا﴾: أيْ: ولا تسبوا، لا: الناهية، لا تسبوا الذين يعبدون، أو يدعون من دون الله، أو تسبوا آلهتهم؛ فيكون ذلك سبباً لهم لسب الله سبحانه، والسب: يشمل الكلام القبيح، أو الشتم، والذم، والهجاء، والعيب.
﴿عَدْوًا﴾: أيْ: ظلماً، ظلماً بجهل، أو تسرعاً، والعَدْو: الاعتداء، والتجاوز، وعدا؛ أيْ: ظلم.
стр. 1429
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جهلاً منهم؛ بما لله سبحانه: من حق، وتقديس، وقدر.
وفي هذه الآية: يتبيَّن الأدب القرآني في عدم السب؛ لأنه قد يكون سبباً في بُعدهم عن الإسلام أكثر فأكثر، ويكون وراء ذلك مفسدة، وهذا يعلمنا اللطف في منهج الدعوة؛ لأن الوسيلة هي أن تستميل القلوب للإسلام.
﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿كَذَلِكَ﴾: أيْ: كما زينا لهؤلاء القوم، حب آلهتهم، والانتصار لها، والدفاع عنها، وعدم الرضا بسبِّها.
﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾: من الأمم عملهم: من خير أو شر، أو الإيمان والكفر، أو التوحيد والشرك، والمزين هنا هو الشيطان، أو الله سبحانه. انظر إلى الملحق.
وتعريف الأمة: جماعة من الناس، تجمعهم عقيدة واحدة، أو دِين واحد، أو مبادئ وأسس اجتماعية غير ربانية.
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب والتراخي.
﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾: تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر، حصراً إلى الله مرجعهم.
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق.
﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: في الدنيا بإخراج صحائف أعمالهم التي تشمل الأقوال والأفعال.
والسؤال في هذه الآية؛ من هو المزيِّن؟
التزيين يأتي من الله سبحانه، أو من الشيطان، أو أحياناً يكون فعل التزيين مبنياً للمجهول، فالله -جل وعلا-: هو المزين للأعمال الحسنة، أعمال البر، والتقوى، والخير، والإحسان التي تزيد في هداية المؤمن، وتقواه، وأما الشيطان وأتباعه:
стр. 1430
فهو المزين لأعمال السوء، أعمال الشرك، أو الضلال، والغواية، والمعصية، والعدوان، والشر، والظلم.
سورة الأنعام [٦: ١٠٩]
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
سبب النزول: كما جاء في الطبري: كلَّم رسول الله قريشاً، فقالوا: يا محمد! تخبرنا أن موسى كان معه عصًا يضرب بها الحجر، وأن عيسى كان يحيي الموتى، وأن ثمود لهم الناقة، فائْتنا من الآيات حتى نصدقك؛ فقال رسول الله ﷺ : أيُّ شيء تحبون أن آتيكم به؟
قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً، قال فإن فعلت؛ تصدقوني؟ قالوا: نعم والله، فقام رسول الله يدعو، فجاءه جبريل فقال له: إن شئت أصبح ذهباً؛ فإن لم يصدقوا عند ذلك لنعذبنَّهم؛ أيْ: عذاب الاستئصال، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبُهم، فقال ﷺ : أتركهم حتى يتوب تائبُهم؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾: أيْ: مشركو قريش.
﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: باء الإلصاق.
ومن خصائص القرآن: أنه يستعمل القسم في سياق الصادقين في أيمانهم، والقسم؛ حتى ولو كانوا غير مؤمنين، أو يوهمون الناس: بأنهم صادقون، ويستعمل الحلف: (ليحلفن) في سياق المنافقين، والكاذبين في أيمانهم؛ أي: ظاهرهم الإخلاص والبر في القسم وباطنهم غير ذلك. ارجع إلى سورة التوبة، آية (٥٦)؛ لمزيد من البيان والفرق بين القسم والحلف.
﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: أيْ: أقسموا بالله، أبلغ الأيمان، وأغلظها، وأجهدوا أنفسهم في صيغة القسم؛ لكي تصدقوهم.
﴿لَئِنْ﴾: اللام: للتوكيد، وإن: شرطية، تفيد الاحتمال، أو الندرة.
стр. 1431
﴿جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾: معجزة، كما طلبوا؛ كتحويل جبل الصفا إلى ذهب، أو كما سألوا: أن تفجر لهم من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً.
﴿لَّيُؤْمِنُنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد.
﴿بِهَا﴾: ليؤمننَّ بها؛ أيْ: بالآية (بالمعجزة)، ولم يقولوا: ليؤمننَّ بك؛ مما يدل على نيتهم السيئة.
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر والتوكيد.
﴿الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: المعجزات بيد الله، عند الله، وليست عندي؛ فهو القادر على أن ينزل آية، أو آيات.
﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: للاستفهام، والنفي، والسؤال مُوجَّه إلى المؤمنين، ورسول الله ﷺ ؛ الذين كانوا يطمعون في إسلام هؤلاء الكفار.
﴿يُشْعِرُكُمْ﴾: الإشعار: يعني: الإعلام، أشعره أعلمه.
﴿أَنَّهَا﴾: أن: للتوكيد؛ أيْ: ما يعلمكم أو يدريكم ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ: أنزلها الله سبحانه عليهم ولم يؤمنوا؛ فالله سبحانه وحده يعلم الغيب، وأنتم لا تعلمون؛ فهو يعلم أنهم لا يؤمنون؛ حتى ولو نزل عليهم ما طلبوه، ولذلك لن ينزل عليهم ما طلبوه.
سورة الأنعام [٦: ١١٠]
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾:
﴿وَنُقَلِّبُ﴾: من التقليب: هو التحول من حالة إلى حالة أخرى، فتصبح لا تعي، ولا تفهم.
стр. 1432
﴿أَفْئِدَتَهُمْ﴾: الأفئدة: جمع فؤاد، والفؤاد؛ قيل: هو القلب؛ أيْ: قلوبهم. ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٦)؛ للبيان العلمي، وارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٧٩).
﴿وَأَبْصَارَهُمْ﴾: جمع بصر، فلا تبصر، ولا ترى؛ ما ينفعها، أو البصيرة: منطقة البصيرة في الدماغ.
أيْ: لو أنزلنا عليهم آية كما سألوا، وكما تتمنون أنتم أيها المؤمنون؛ طمعاً في إسلامهم، فنحن قادرون على أن نقلب أفئدتهم، وأبصارهم عن الإيمان، فلا يؤمنوا بالله، ولا بالقرآن، ولا بمحمد ﷺ ؛ أيْ: قادرون أن نحول بينهم، وبين الهدى، فلا يؤمنوا، كما لم يؤمنوا سابقاً قبل نزول الآية؛ أيْ: أول مرة، أو نقلب أفئدتهم، وأبصارهم عن الإيمان بالآيات كما لم يؤمن أوائلهم من الأمم الخالية حين أنزلنا عليهم الآيات أول مرة، الكاف: للتشبيه.
﴿لَمْ﴾: نافية، به تعود إلى القرآن، أو محمد ﷺ ، أو بالآيات.
﴿وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: أيْ: نتركهم، أو ندعهم.
﴿فِى﴾: ظرفية، تدل على كونهم منغمسين في الضلال، والكفر من قبل، ومن بعد ما سألوا، ومع ذلك فهم يزدادون كفراً، وضلالاً.
﴿طُغْيَانِهِمْ﴾: الطغيان: مجاوزة الحد في الضلال، والكفر، والظلم، والعصيان، ومنع غيرهم من الدخول في الإسلام.
﴿يَعْمَهُونَ﴾: من العمه، والعمه هنا يكون في البصيرة، يقابل العمى؛ الذي يكون في البصر، أو العين، فهم الذين اختاروا العمه، عمى البصيرة، والحيرة، والتردُّد.
стр. 1433
سورة الأنعام [٦: ١١١]
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾:
سبب النزول: رُوِيَ عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أتاه جماعة من كفار مكة وزعمائها؛ فقالوا له: أرنا الملائكة يشهدون بأنك رسول الله، أو ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم: أحقاً ما تقول أم باطلاً؟ أو ائتنا بالله، والملائكة قبيلاً؛ فنزلت الآية.
﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾: ولو: الواو: استئنافية، لو: شرطية.
﴿أَنَّنَا﴾: بدل أنا؛ للتوكيد، والتعظيم.
ولو استجبنا لمطالب هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننَّ بها.
و ﴿نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾: ورأوهم بأعينهم، وسمعوا شهادتهم لك بالرسالة والنبوَّة.
﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾: الذين يعرفونهم بعد إحياء الله لهم من جديد.
﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا﴾: حشرنا: جمعنا؛ أيْ: أحضرنا لهم الآيات، والحجج، يُزاحم بعضها بعضاً، كما يطلبونها.
﴿قُبُلًا﴾: مواجهة، ومعاينة، ومقابلة؛ أيْ: وضعنا أمام أعينهم كل آية أو كل ما طلبوه من الآيات من القُبل الذي هو أمامك، والدبر: هو الذي خلفك.
стр. 1434
﴿كُلَّ شَىْءٍ﴾: شيء: نكرة، تضم كل شيء طلبوه من الآيات، والدلائل.
﴿مَا﴾: نافية.
﴿كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: أي: لن يصدقوك، ويؤمنوا بما جئت بإرادتهم، ورغبتهم.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾: أن يهديهم إذا اختاروا الإيمان لأنفسهم (الإيمان الاختياري)، أو يجبرهم على الإيمان قسراً، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١١٢) التالية من نفس السورة وهي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾: نجد أن اسم الجلالة الله جاء في سياق الإيمان ونفي الشركاء، واسم الرب جاء في سياق الحفظ لرعاية.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾: يجهلون: أن الهداية بيد الله وحده، وليست بأيديهم، كما زعموا إذا رأوا آية؛ ليؤمننَّ، وإذا لم يروا آية: لا يؤمنون؛ فالله سبحانه قادر على أن يريهم آية، أو أكثر، ولا يؤمنون.
أو هو سبحانه قادر على أن يجعلهم يؤمنون من دون رؤية أيِّ آية، لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء.
وهناك القلة الذين لم يصفهم بالجهل؛ لأنهم سوف يؤمنون حين يرون الآيات، أو غيرها، ولكن بمشيئة الله. ارجع إلى سورة الزمر آية (٦٤) لمزيد في معنى يجهلون، وسورة الفرقان آية (٦٣).
стр. 1435
سورة الأنعام [٦: ١١٢]
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ﴾: الواو: استئنافية، كذلك؛ أيْ: كما جعلنا لك عدواً، أو أعداءً يخالفونك، ويعادونك؛ جعلنا للأنبياء من قبلك عدواً، أو أعداءً.
والسؤال هنا: كيف نفهم هذه الآية بأن يجعل الله لكل نبي عدواً، شياطين الإنس والجن؟ وفي سورة الفرقان، الآية (٣١) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وكذلك قوله ﷻ في سورة غافر، الآية (٥١): ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، والجعل هنا لا يعني أن الله جعلهم بطبيعتهم أعداء، أو الله سبحانه فرض عليهم، أو ألزمهم، أو صيرهم، بأن يكونوا أعداء.
ولكن الله أودع فيهم، وأعطاهم العقل، وحرية الاختيار، فاختاروا هم أنفسهم أن يكونوا أعداء، ومجرمين للأنبياء والرسل، وهناك بشر أمثالهم؛ اختاروا أن ينصروا الرسل، ويؤمنوا بهم، ويصدقوهم، بدلاً من أن يكونوا أعداء، وإذا سألت: لماذا تركهم يختارون أن يكونوا أعداء، وكان باستطاعته منعهم؟ لأن له القدرة المطلقة.
الجواب: لكان منعهم، سيكون قسراً وقهراً، والله لا يريد أن يقهر عاقلاً؛ فقد قال تعالى في سورة البقرة، آية (٢٥٦): ﴿لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾، فلا يحدث شيء في الكون إلا بحكمة؛ فهو أحكم الحاكمين، قد يتداخل سبحانه حين يشاء، وكيف يشاء؛ لينصر رسولاً، أو نبياً، أو مظلوماً.
стр. 1436
﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾:
﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: الوحي: هو إعلام بخفاء، ويعني: يوحي بعضهم إلى بعض، شيطان من الإنس يوحي إلى إنسي، أو شيطان من الجن يوحي إلى الإنس.
والوحي هنا يعني: الوسوسة، والتزيين، والإغراء؛ أيْ: يزيِّنون لهم فعل الأعمال القبيحة، والمعاصي، والفواحش، والمنكر، والقتل. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لبيان معنى الوحي.
﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾: الزخرف: هو أصله الذهب، والزخرف: يطلق كذلك على الزينة، وزخرف القول غروراً: هو الباطل والخداع.
زخرف القول: الكلام المزيَّن، والأوهام، والذي يحمل الأماني الباطلة.
﴿غُرُورًا﴾: خداعاً، وباطلاً. ارجع إلى سورة فاطر، آية (٥)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة، لو: شرطية.
﴿شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾: أيْ: ما فعلوا الإيحاء بزخرف القول غروراً، والتزيين، والوسوسة بالباطل، والخداع، وإنما كان ذلك للابتلاء والفتنة، وربط المشيئة بالربوبية، ولم يربطها بالألوهية، كما ربطها بالألوهية في الآية السابقة.
وربط المشيئة بالألوهية في سياق آيات التوحيد، والعبادة، والإيمان، وربط المشيئة بالربوبية في سياق المعاصي، والوسوسة، والإغراء.
وقوله -جل وعلا-: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾: إضافة الرب إلى الضمير العائد إلى النبي ﷺ ؛
стр. 1437
لتشريف مقامه ﷺ ؛ ارجع إلى الآية السابقة (١١٢) للمقارنة بين قوله تعالى: (ولو شاء ربك)، وقوله تعالى: (ولو شاء الله).
﴿فَذَرْهُمْ﴾: أيْ: اتركهم، ودعهمْ؛ تعود على كفار مكة.
﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمَّد، المختلق.
أي: اتركهم يا محمد ﷺ ، و (ما): اسم موصول، أو مصدرية؛ يفترون من أساليب التزيين، والوسوسة، والكذب، والباطل.
سورة الأنعام [٦: ١١٣]
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ﴾:
﴿وَلِتَصْغَى﴾: الإصغاء: هنا يعني الميل؛ أي: تميل إليهم قلوبهم إلى الاستماع إلى زخرف القول وتميل إلى الاستماع إليه؛ أي: تحب الاستماع إليه.
أما السمع: فأن تسمع إلى من يتكلم، وأنت لا تريد، أو ليس هناك رغبة ولا نية في السماع إليه.
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾: الهاء: تعود على زخرف القول غروراً.
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾: أيْ: تميل إلى السماع إليه؛ أيْ: زخرف القول غروراً، قلوب الكفرة الذين لا يؤمنون بالآخرة.
﴿أَفْئِدَةُ﴾: قيل: هي القلوب، أو العقول؛ أيْ: منطقة الإدراك بالعقل. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٧٩)؛ للبيان، والحج، آية (٤٦).
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾: أيْ: يقبلون بالباطل، والتزيين، والذنوب، والعمل به، واللام؛ لام الاختصاص، والتوكيد.
стр. 1438
﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ﴾: من القرف، والاقتراف، وأصل القرف: اقتلاع قشرة الشجرة، أو اللحاء من الشجرة، والجلدة عن الجرح.
إذنْ ليقترفوا: ليكتسبوا ما هم مكتسبون من الإثم، والمعاصي، والذنوب.
إذنْ هناك ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الإصغاء، والإدراك.
المرحلة الثانية: القبول.
المرحلة الثالثة: التطبيق، وارتكاب الإثم، والذنب.
وتتم المرحلة الأولى: بالسمع، والبصر، والمرحلة الثانية: بالفؤاد، والمرحلة الثالثة: بالنزغ، وارتكاب الإثم، والذنب.
سورة الأنعام [٦: ١١٤]
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾:
أسباب النزول: كما ذكر الماوردي: أن مشركي قريش قالوا للنبي ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكماً؛ إن شئت من أحبار اليهود، وإن شئت من أحبار النصارى؛ ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك؛ فنزلت هذه الآية:
﴿أَفَغَيْرَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري.
﴿اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾: اطلب، أو التمس.
﴿حَكَمًا﴾: قاضياً، أو حكماً بمعنى: الحاكم المتخصص؛ أي: أخص من الحاكم والذي لا ينقض حكمه، وهو الحكم العدل بيني وبينكم، ومن أسمائه الحسنى الحكم وليس الحاكم.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر والتوكيد.
стр. 1439
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول.
﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ﴾: أنزل: القرآن العظيم. إليكم: خاصة لهدايتكم.
﴿مُفَصَّلًا﴾: المفصل المبين؛ أي: الذي بان فيه الحق من الباطل، والحلال من الحرام، فلا داعي لغير الله حكماً.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: أيْ: علماء اليهود والنصارى.
﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾: أي: القرآن.
﴿أَنَّهُ﴾: للتوكيد، منزل من ربك بالحق، يعلمون: أن القرآن منزل عليك من ربك، بالحق: الباء: للإلصاق؛ إذ أشارت كتبهم إلى ذلك.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: الناهية.
﴿تَكُونَنَّ﴾: النون هنا: لزيادة النفي: لا تكوننَّ من الممترين؛ الخطاب لرسول الله ﷺ ، والمقصود به أمته ﵊.
﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: أي: الشاكين، والمتردِّدين، وحاشا للنبي ﷺ أن يكون من هؤلاء، ولكن الخطاب مُوجَّه إلى الذين آتيناهم الكتاب، والمشركين من عامة الناس، مع أن بعض أهل الكتاب أمثال عبد الله بن سلام يعلمون: أن القرآن منزل عليك من عند ربك بالحق.
والامتراء: هو الجدال بالباطل، بعد ظهور الحق: أنه منزل عليك من ربك بالحق؛ أيْ: لا تجادلوهم في هذا الأمر بعد أن تبيَّن الحق.
سورة الأنعام [٦: ١١٥]
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ﴾: تعني: كل كلمة في القرآن، وصلت إليك، كما أنزلت.
стр. 1440
﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: يعني: القرآن: وهو كلام الله، وكلام الله يطلق عليه كلمة من باب المجاز.
﴿صِدْقًا﴾: في أخباره، وفي وعده، ووعيده، وغيبه.
﴿وَعَدْلًا﴾: عدلاً في أحكامه، وفيما قضى، وقدر، وأمر، ونهى، صدقاً، وعدلاً في آن واحد.
﴿لَا﴾: النافية للجنس.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: لا مغير لكلماته: بتحريف، و تبديل، أو نقص، أو زيادة.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتوكيد، والسميع والعليم: صفتان من صفات الذات العليم.
﴿السَّمِيعُ﴾: لكل ما يقال في الملأ الأعلى، وفي الأرض، ومن سر وعلن، وقريب وبعيد.
﴿الْعَلِيمُ﴾: المحيط علمه بكل شيء، وبجميع مخلوقات، ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].
والعليم: صيغة مبالغة كثير العلم، عالم، عليم، علّامة.
سورة الأنعام [٦: ١١٦]
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية، وتفيد القلة، أو الندرة؛ إنك تستطيع أن تطع أكثر من في الأرض.
следующие страницы →