Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾:
﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: الوحي: هو إعلام بخفاء، ويعني: يوحي بعضهم إلى بعض، شيطان من الإنس يوحي إلى إنسي، أو شيطان من الجن يوحي إلى الإنس.
والوحي هنا يعني: الوسوسة، والتزيين، والإغراء؛ أيْ: يزيِّنون لهم فعل الأعمال القبيحة، والمعاصي، والفواحش، والمنكر، والقتل. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لبيان معنى الوحي.
﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾: الزخرف: هو أصله الذهب، والزخرف: يطلق كذلك على الزينة، وزخرف القول غروراً: هو الباطل والخداع.
زخرف القول: الكلام المزيَّن، والأوهام، والذي يحمل الأماني الباطلة.
﴿غُرُورًا﴾: خداعاً، وباطلاً. ارجع إلى سورة فاطر، آية (٥)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة، لو: شرطية.
﴿شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾: أيْ: ما فعلوا الإيحاء بزخرف القول غروراً، والتزيين، والوسوسة بالباطل، والخداع، وإنما كان ذلك للابتلاء والفتنة، وربط المشيئة بالربوبية، ولم يربطها بالألوهية، كما ربطها بالألوهية في الآية السابقة.
وربط المشيئة بالألوهية في سياق آيات التوحيد، والعبادة، والإيمان، وربط المشيئة بالربوبية في سياق المعاصي، والوسوسة، والإغراء.
وقوله -جل وعلا-: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾: إضافة الرب إلى الضمير العائد إلى النبي ﷺ ؛
стр. 1437
لتشريف مقامه ﷺ ؛ ارجع إلى الآية السابقة (١١٢) للمقارنة بين قوله تعالى: (ولو شاء ربك)، وقوله تعالى: (ولو شاء الله).
﴿فَذَرْهُمْ﴾: أيْ: اتركهم، ودعهمْ؛ تعود على كفار مكة.
﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمَّد، المختلق.
أي: اتركهم يا محمد ﷺ ، و (ما): اسم موصول، أو مصدرية؛ يفترون من أساليب التزيين، والوسوسة، والكذب، والباطل.
سورة الأنعام [٦: ١١٣]
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ﴾:
﴿وَلِتَصْغَى﴾: الإصغاء: هنا يعني الميل؛ أي: تميل إليهم قلوبهم إلى الاستماع إلى زخرف القول وتميل إلى الاستماع إليه؛ أي: تحب الاستماع إليه.
أما السمع: فأن تسمع إلى من يتكلم، وأنت لا تريد، أو ليس هناك رغبة ولا نية في السماع إليه.
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾: الهاء: تعود على زخرف القول غروراً.
﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾: أيْ: تميل إلى السماع إليه؛ أيْ: زخرف القول غروراً، قلوب الكفرة الذين لا يؤمنون بالآخرة.
﴿أَفْئِدَةُ﴾: قيل: هي القلوب، أو العقول؛ أيْ: منطقة الإدراك بالعقل. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٧٩)؛ للبيان، والحج، آية (٤٦).
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾: أيْ: يقبلون بالباطل، والتزيين، والذنوب، والعمل به، واللام؛ لام الاختصاص، والتوكيد.
стр. 1438
﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ﴾: من القرف، والاقتراف، وأصل القرف: اقتلاع قشرة الشجرة، أو اللحاء من الشجرة، والجلدة عن الجرح.
إذنْ ليقترفوا: ليكتسبوا ما هم مكتسبون من الإثم، والمعاصي، والذنوب.
إذنْ هناك ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الإصغاء، والإدراك.
المرحلة الثانية: القبول.
المرحلة الثالثة: التطبيق، وارتكاب الإثم، والذنب.
وتتم المرحلة الأولى: بالسمع، والبصر، والمرحلة الثانية: بالفؤاد، والمرحلة الثالثة: بالنزغ، وارتكاب الإثم، والذنب.
سورة الأنعام [٦: ١١٤]
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾:
أسباب النزول: كما ذكر الماوردي: أن مشركي قريش قالوا للنبي ﷺ : اجعل بيننا وبينك حكماً؛ إن شئت من أحبار اليهود، وإن شئت من أحبار النصارى؛ ليخبرنا عنك بما في كتابهم من أمرك؛ فنزلت هذه الآية:
﴿أَفَغَيْرَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري.
﴿اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾: اطلب، أو التمس.
﴿حَكَمًا﴾: قاضياً، أو حكماً بمعنى: الحاكم المتخصص؛ أي: أخص من الحاكم والذي لا ينقض حكمه، وهو الحكم العدل بيني وبينكم، ومن أسمائه الحسنى الحكم وليس الحاكم.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر والتوكيد.
стр. 1439
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول.
﴿أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ﴾: أنزل: القرآن العظيم. إليكم: خاصة لهدايتكم.
﴿مُفَصَّلًا﴾: المفصل المبين؛ أي: الذي بان فيه الحق من الباطل، والحلال من الحرام، فلا داعي لغير الله حكماً.
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: أيْ: علماء اليهود والنصارى.
﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾: أي: القرآن.
﴿أَنَّهُ﴾: للتوكيد، منزل من ربك بالحق، يعلمون: أن القرآن منزل عليك من ربك، بالحق: الباء: للإلصاق؛ إذ أشارت كتبهم إلى ذلك.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: الناهية.
﴿تَكُونَنَّ﴾: النون هنا: لزيادة النفي: لا تكوننَّ من الممترين؛ الخطاب لرسول الله ﷺ ، والمقصود به أمته ﵊.
﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: أي: الشاكين، والمتردِّدين، وحاشا للنبي ﷺ أن يكون من هؤلاء، ولكن الخطاب مُوجَّه إلى الذين آتيناهم الكتاب، والمشركين من عامة الناس، مع أن بعض أهل الكتاب أمثال عبد الله بن سلام يعلمون: أن القرآن منزل عليك من عند ربك بالحق.
والامتراء: هو الجدال بالباطل، بعد ظهور الحق: أنه منزل عليك من ربك بالحق؛ أيْ: لا تجادلوهم في هذا الأمر بعد أن تبيَّن الحق.
سورة الأنعام [٦: ١١٥]
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ﴾: تعني: كل كلمة في القرآن، وصلت إليك، كما أنزلت.
стр. 1440
﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: يعني: القرآن: وهو كلام الله، وكلام الله يطلق عليه كلمة من باب المجاز.
﴿صِدْقًا﴾: في أخباره، وفي وعده، ووعيده، وغيبه.
﴿وَعَدْلًا﴾: عدلاً في أحكامه، وفيما قضى، وقدر، وأمر، ونهى، صدقاً، وعدلاً في آن واحد.
﴿لَا﴾: النافية للجنس.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: لا مغير لكلماته: بتحريف، و تبديل، أو نقص، أو زيادة.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتوكيد، والسميع والعليم: صفتان من صفات الذات العليم.
﴿السَّمِيعُ﴾: لكل ما يقال في الملأ الأعلى، وفي الأرض، ومن سر وعلن، وقريب وبعيد.
﴿الْعَلِيمُ﴾: المحيط علمه بكل شيء، وبجميع مخلوقات، ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].
والعليم: صيغة مبالغة كثير العلم، عالم، عليم، علّامة.
سورة الأنعام [٦: ١١٦]
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية، وتفيد القلة، أو الندرة؛ إنك تستطيع أن تطع أكثر من في الأرض.
стр. 1441
﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ﴾: لم تبيِّن هذه الآية من هم أكثر من في الأرض، والخطاب مُوجَّه إلى أفراد أمة رسول الله ﷺ ، فالرسول حاشا أن يطيع الضالين، والمكذبين.
ولكن بيَّنته آيات أخرى؛ كقوله -جل وعلا-: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين، إذنْ أكثر من في الأرض من غير المؤمنين بالله؛ أي: الكفار.
﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: سبيل الله: هو دِينه الإسلام.
كيف يضلّون عن سبيل الله؟ لأنهم يتبعون أهواءهم، أو الظن؛ لكونهم يقلِّدون آباءَهم.
والظنُّ: هو التردد الراجح؛ أي: الشك إذا رجحت إحدى كفتيه بالإثبات.
﴿وَإِنْ﴾: نافية أقوى أدوات النفي.
﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿يَخْرُصُونَ﴾: الخرص: هو الظن، والتخمين؛ أي: الحزر، ثم تجوز به إلى الكذب؛ أيْ: يكذبون.
﴿يَخْرُصُونَ﴾: يكذبون، يقولون بالظن.
﴿يَخْرُصُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ لتدل على التكرار، والتجدد، فهم مستمرون على الخرص؛ القول بالظن والكذب.
وقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: هو توكيد لما قبله؛ أي: الظن، والظن،
стр. 1442
والخرص: من أنواع الكذب المذكورة في القرآن، ومنها: الإفك، والبهتان، والاختلاق، والافتراء.
سورة الأنعام [٦: ١١٧]
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد، والحصر.
﴿أَعْلَمُ﴾: صيغة مبالغة؛ تدل على كثرة العلم على وزن أفعل.
﴿مَنْ يَضِلُّ﴾: من اسم موصول، أو استفهامية، وهي للعاقل المفرد، والجمع.
﴿يَضِلُّ﴾: جاء بفعل مضارع؛ ليدل على التجدد، والحدوث، ولم يقل: من ضل على سبيله، كما ورد في كثير من الآيات؛ لمعرفة معنى الضلال: ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٩٨).
﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾: عن دِينه.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾: وهو أعلم بالمهتدين السالكين سبيل الاستقامة، والصراط المستقيم، وتكرار: وهو أعلم يفيد التوكيد.
وهذه هي الآية الوحيدة في القرآن التي ذكر فيها: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وباقي الآيات ذكرت: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، في سورة النحل، والنجم، والقلم.
فما هو الفرق بين الآيتين؟
ضل: فعل ماض، وانتهى؛ أيْ: خرج ذلك الإنسان عن الدِّين، والمنهج،
стр. 1443
أيام، أو أسابيع، أو أشهر، أو سنين، ثم في النهاية عاد؛ أيْ: ضل في الماضي وعاد، أو ضل ولم يُعد من ضلاله.
أما قوله تعالى: ﴿مَنْ يَضِلُّ﴾: فيدل على التجدد والتكرار في المستقبل، ولم يتوقف، ومن المفسرين من قال: جيء بكلمة ﴿يَضِلُّ﴾ بدلاً من ضل؛ لأنها جاءت في سياق الآيات التي سبقتها، والتي جاءت بصيغة المضارع، مثل ﴿يُضِلُّوكَ﴾، ﴿وَإِنْ تُطِعْ﴾.
سورة الأنعام [٦: ١١٨]
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾:
سبب النزول: رُوِيَ عن ابن عباس ﵄: أن الله تعالى لما حرم الميتة؛ أتى أناس إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله؛ يريدون الميتة؛ فنزلت هذه الآية، وجاءت في سياق: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾.
﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: اسم الله؛ أي: القول بسم الله، والله أكبر.
ذكر اسم الله عليه: باللسان، أو القلب عند ذبحه، أو صيده.
﴿فَكُلُوا﴾: الفاء: للتوكيد، والمباشرة؛ أيْ: لا تتبعوا أهواء المضلين الذين يحلون الحرام، ويحرمون الحلال، تبعاً لأهوائهم، أو ما وجدوا عليه آباءهم، وليس لما أنزل الله ﷻ .
﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾: فكلوا إن كنتم مصدقين بآيات الله التي أنزلها إليكم، وأحكامه من الأوامر، والنواهي التي وردت في القرآن والسنة.
стр. 1444
سورة الأنعام [٦: ١١٩]
﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: أداة استفهام.
﴿أَلَّا تَأْكُلُوا﴾: ألا: أداة حضٍّ، وتعجب، وإنكار؛ حضٌّ للأكل، وتعجُّب لعدم الأكل، يحمل معنى الأمر، أو: أيُّ سبب يمنعكم من أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه، مثل باسم الله، والله أكبر.
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾: الذي ورد في آية سورة الأنعام (١٤٥)، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ … إلخ.
أو سورة المائدة، الآية (٣)، أو غيرها من الآيات.
﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾: ارجع إلى آية المائدة (٣)؛ للبيان، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ﴾.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ﴾: اللام: للتوكيد.
﴿لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾: أيْ: يفتون بغير علم، يحرمون، ويحللون بما لم يشرع به الله تعالى ورسوله ﷺ ، حسب ما تميل أنفسهم إلى الباطل، أو بعيد عن الحق، مثل تحريم البحيرة، والوصيلة، والسائبة، والحام.
стр. 1445
﴿بِأَهْوَائِهِم﴾: جمع هوى، والهوى: هو ما تميل إليه النفس، بما لا ينبغي باطلاً، أو بعيداً عن الحق، ولا دليل له في الشرع، ويغلب عليه الذم، ويختص بالأداء، والاعتقادات.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: بما شرعه الله، ورسوله ﷺ .
﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾: إن: للتوكيد، ﴿رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾: هو للتوكيد، والحصر.
﴿أَعْلَمُ﴾: صيغة مبالغة؛ من علم، عليم، أعلم.
﴿بِالْمُعْتَدِينَ﴾: الباء: للإلصاق.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾: ولم يقل إن ربك هو أعلم بالضالين، وإنما سماهم بالمعتدين؛ المعتدين على أنفسهم وعلى غيرهم وأنهم ضلوا وضلوا غيرهم؛ المعتدين: الذين يضلون بأهوائهم، ولكن الله أعلم منهم بكثير، يعلم مدى ودرجة ضلالهم، وكم ضلوا من الناس ومصيرهم.
والمعتدين، المتجاوزين الحلال إلى الحرام، والحق إلى الباطل، أو حدود الله.
سورة الأنعام [٦: ١٢٠]
﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾:
﴿وَذَرُوا﴾: الواو: استئنافية.
﴿وَذَرُوا﴾: اتركوا فعل المعاصي، مهما كان نوعها، الظاهر، والباطن منها.
﴿الْإِثْمِ﴾: وهو القبيح، والإثم: الظاهر هو ما حرمه الله شرعاً، وما حرمه رسوله ﷺ ، مثل: أفعال الجوارح؛ كالزِّنى، ثم القول به أمام الناس، وشرب الخمر، ثم الإعلان به، وشربه علناً، والسرقة، وأكل ما حرم الله من الميتة، والدم، والخنزير، وما لم يذكر اسم الله عليه.
стр. 1446
وأما باطن الإثم: فهي آثام القلوب: كالحسد، وكتمان الشهادة، والغيبة. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٣٣)؛ لمزيد من البيان.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿يَكْسِبُونَ﴾: ولم يقل: يكتسبون؛ لأن ممارستهم للمعاصي، والآثام أصبحت أمراً سهلاً عادياً، لا تحتاج إلى جهد، ولو احتاجت إلى جهد أو مشقة لقال: يكتسبون.
﴿سَيُجْزَوْنَ﴾: السين: للاستقبال القريب.
﴿بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾: أيْ: بما كانوا يكتسبون، الباء: للإلصاق، إذا ماتوا، ولم يتوبوا. يقترفون: ارجع إلى الآية (١١٣) من نفس السورة؛ للبيان.
سورة الأنعام [٦: ١٢١]
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية.
﴿تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾: مثل الميتة، وما ذبح، أو أُهل به لغير الله، أو أهل لغير الله به، وما ذبح عن النصب، أما ما ذبحه المسلم، ولم يسمِّ عليه عمداً، أو سهواً؛ فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك.
﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾: وإنه: للتوكيد، لفسق: اللام: لام التوكيد.
﴿لَفِسْقٌ﴾: أي: الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه: هو فسق؛ أيْ: خروج عن طاعة الله، والدِّين.
﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد.
стр. 1447
﴿الشَّيَاطِينَ﴾: شياطين الإنس (كفرة الإنس)، والجن المردة، أو الكفرة من الجن.
﴿لَيُوحُونَ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد.
والإيحاء: هنا يعني: الوسوسة، والإغراء، والتزيين، أو الوقوع في الشبه، ولمعرفة معنى الوحي ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣).
﴿إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾: إلى أتباعهم: من الإنس.
﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾: اللام: للتوكيد، الجدال: في الأكل، أو عدم الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، بالوسوسة، والتزيين، وإصدار الحكم، والأمر والنهي، مثال: كيف لا تأكلون ما قتل الله من الميتة، وتأكلون ما قتلتم أنتم من الصيد.
﴿وَإِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الندرة.
أطعتموهم في استحلال ما حرم عليكم، أو تحريم ما أحل الله لكم، أو أطعتموهم فيما أمروكم به، أو نهوكم عنه.
﴿إِنَّكُمْ﴾: إن: للتوكيد، والكاف: للخطاب.
﴿لَمُشْرِكُونَ﴾: اللام: للتوكيد، مشركون مثلهم، ومشركون: جملة اسمية؛ تعني: ثبات صفة الشرك عندكم.
سورة الأنعام [٦: ١٢٢]
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِى الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿أَوَمَنْ﴾: الهمزة للاستفهام، وتحمل معنى النفي، والإنكار، والتعجب.
﴿كَانَ مَيْتًا﴾: كان كافراً، أو ميتاً بالكفر، فالكافر يشبه الميت، والمؤمن يشبه الحي؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦]. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٤٩) لمعرفة الفرق بين مَيْتاً ومَّيِّتاً.
стр. 1448
﴿فَأَحْيَيْنَاهُ﴾: الفاء: عاطفة، أحييناه بالإيمان والإسلام؛ أيْ: أصبح حياً.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ﴾: نوراً يمشي: هو نور الإيمان، والقرآن، والهدى.
﴿يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ﴾: على بصيرة، ولم يقل: يمشي به بين الأشياء، وإنما اختار الناس؛ لأن الأعمى قد يستطيع أن يمشي بين الأشياء بحذر، وحيطة، ولكن المشي بين الناس مستحيل؛ لأنه سيصطدم بهذا، أو ذاك؛ فيشعر بالذنب، ويتوقف عن المشي ويبتعد عنه الناس، ولا يعني فقط المشي، وإنما عيشته، وسمعته، وسلوكه.
﴿كَمَنْ مَثَلُهُ﴾: الكاف: للتشبيه، من: بمعنى: الذي.
﴿فِى الظُّلُمَاتِ﴾: في: ظرفية، الظلمات: الكفر، والضلال، والشرك، والمعاصي، والفسق؛ أيْ: كمن يمشي في ظلمات الجهل، والليل، والظلام، والتيه.
﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾: ليس: أداة نفي، وهو مستمر، ومستقيم عليها.
﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
أي: كما زُين للمؤمنين إيمانهم، زُين للكافرين ما كانوا يعملون: من المعاصي، والكفر، والأقوال، والأفعال.
وزُيِّن: حُسِّن؛ أيْ: رأى المؤمنون إيمانهم حسناً، وجميلاً، ورأى الكافرون كفرهم شيئاً جميلاً، والمزيِّن: لهم هو: الشيطان، وأهواؤهم، والمزيِّن للمؤمنين: هو الله -جل وعلا-. ارجع إلى الآية السابقة (١٠٨)؛ لمزيد من البيان في معنى زيَّن.
سورة الأنعام [٦: ١٢٣]
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾:
أي: وكما جعلنا في قريتك مكة، أكابر: جمع كبير وهم رؤساء أو زعماء
стр. 1449
القوم أو سادتهم من المجرمين، ودعاة الكفر، وشياطين الإنس والجن؛ كذلك جعلنا في كل قرية من قرى الرسل من قبلك رؤساء من المجرمين، أمثال هؤلاء؛ ليمكروا فيها.
﴿لِيَمْكُرُوا﴾: اللام: لام الاختصاص (التعليل).
والمكر: هو عمل يقوم به الماكر؛ ليحقق شيئاً عن طريق ملتوٍ؛ لأنه ضعيف، لا يستطيع المواجهة.
والمكر يتضمن: الحيلة، والخديعة، والغدر، والخلاف؛ ليصرف الناس عن الحق، والإيمان، والطاعة إلى الكفر، والشرك، والصد عن سبيل الله، والباطل.
﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ﴾: وما: نافية، إلّا: أداة حصر، وقصر، أيْ: وبال مكرهم، عائد عليهم.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: إن وبال المكر السيِّئ عائد عليهم؛ أيْ: يحيق ويحل، ويحيط بأهله. ارجع إلى سورة الرعد، آية (٣٣)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأنعام [٦: ١٢٤]
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: الواو: عاطفة، إذا: ظرفية زمانية؛ تدل على حتمية الحدوث.
﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾: جاء هؤلاء أكابر المجرمين، من أهل مكة، آية؛ أيْ: دليل، أو حُجَّة على صدق النبي ﷺ ، لم يستجيبوا لها، ولم ينتفعوا بها.
﴿قَالُوا لَنْ نُّؤْمِنَ﴾: لن: نافية لكل الأزمنة، في المستقبل القريب، أو البعيد.
﴿حَتَّى﴾: حرف لانتهاء الغاية.
﴿نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ اللَّهِ﴾: من المعجزات، أو الآيات، أو تنزل علينا الملائكة، أو يوحي إلينا ربنا، ثم يجيب الله سبحانه عليهم:
стр. 1450
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾: أيْ: أعلم من يختار لرسالته: من نبي، أو رسول، ومن هو أحق بحمل الرسالة، وكفء لها، وليس كما قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].
﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾:
﴿سَيُصِيبُ﴾: السين: للاستقبال القريب.
﴿الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾: أيْ: أكابر المجرمين والرؤساء؛ من كفار مكة، والمشركين، والعاصين. ارجع إلى الآية (٥٥) من نفس السورة لبيان معنى أجرموا.
﴿صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ: ذل، وهوان وخضوع في الدنيا؛ مثل: الأسر، والقتل، والمرض، والأوبئة، والمصائب … وغيرها، والصغار قد يكون ناشئ عن عوامل داخلية نفسية تؤدي إلى شعور الفرد بالهوان والذل.
﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ﴾: في الآخرة عذاب النار.
﴿بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾: أيْ: بسبب، أو بديل ما كانوا يمكرون بالناس: بالقيام بالحيل، والخداع، والغدر؛ لصدهم عن الإيمان، وصرفهم عنه، وإبقائهم في حالة الكفر، والشرك.
стр. 1451
سورة الأنعام [٦: ١٢٥]
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿فَمَنْ﴾: الفاء: استئنافية، ومن: شرطية.
﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾: فقد يسأل سائل: إذا كانت الهداية، أو الضلالة من إرادة الله، فما ذنب الذي يُضله الله؟! وما معنى يشرح صدره للإسلام، أو يجعل صدره ضيِّقاً حَرَجاً؟
للردِّ على هذا السؤال؛ لا بُدَّ من العلم اليقيني: أن الله سبحانه زود كل عبد بالعقل؛ أي: الفهم، ومقومات الإدراك، والإحساس، وبين له طريق الهداية، وطريق الضلال بواسطة رسله، وأنبيائه، وكتبه، وآياته، وغيرها من الوسائل، وترك له حرية الاختيار للسير، إما على طريق الهداية، والحق، والصراط المستقيم، والنجاة، أو السير على طريق الضلال، والباطل، والهلاك.
فمن اختار طريق الهداية، وسار عليها؛ أيْ: آمن، واتبع أوامر الله -جل وعلا-، واجتنب نواهيه، ثم طلب المزيد من الهداية، والعون من الله أعانه الله، ووفقه للوصول إلى غايته، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
ومعنى: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾؛ يعني: أن العبد يُقبل على دِينه، وعلى
стр. 1452
طاعة الله، وعبادته بعشق، وحب، وجد، بنفس مطمئنة، ويؤدِّي الفرائض، والتكاليف بخشوع، وكمال، ويكثر من النوافل، والذكر، وتلاوة القرآن، ويستقيم على ذلك، ويرتقي في سلم التقوى، والإحسان، وإسلام الوجه حتى يلقى ربه.
﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ﴾: ومن اختار طريق الضلال، والباطل، والهلاك، ورفض الإيمان بالرسل، والكتب، وما أنزل الله، ولم يتب، وسار في ضلاله، وغيه؛ تركه الله سبحانه وشأنه، ووفقه إلى غايته ومبتغاه، فهذا العبد سيجد صدره ضيِّقاً غير واسع وضيقاً يدل على ضيق ثابت وليس ضائقاً (الذي يدل على أنه ضيق عارض غير دائم) حَرَجاً، لا يتَّسع لسماع موعظة، أو آية، أو حديث، بل ويعطل سمعه وبصره عن كلِّ ما ينفعه، ويتَّبع هواه وخطوات الشيطان، ويخلد إلى الأرض؛ حتى يلقى ربَّه.
وشبَّه الله هذا العبد الذي يشعر بضيق في صدره، ويعرض عن سبيل الله بالذي يصعد إلى المرتفعات العالية، الأمر الذي يؤدِّي به إلى الشعور بضيق الصدر، وصعوبة في التنفس، والشعور بالهلاك من نقص الأوكسجين، وانخفاض الضغط الجوي، وتراكم مادة ثاني أوكسيد الكربون في دمه؛ بالتالي إلى زيادة عدد أنفاسه، ونبضات قلبه، وربما يفقد وعيه، وتكون نهايته.
﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿الرِّجْسَ﴾: أصل الرجس: هو كل ما يستقذر؛ حساً، أو شرعاً، أو عقلاً؛ مثل: الخمر، والميتة، والخنزير، أو النتن، والخبيث من الأقوال، والاعتقادات، وأما الرجز: فهو العذاب الشديد، ففعل هذه المحرمات والمنكرات يؤدي إلى الرجز؛ أي: العذاب، فالرجس: أعم وأشمل من الرجز؛ أي: الرجس يعني كل
стр. 1453
ما مستقذر، ويعني: العذاب. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩) لمزيد من البيان، فالرجس قد يعني العذاب. ارجع إلى سورة المدثر آية (٤) لمزيد من البيان.
﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾:
أي: كما يجعل صدر الذي أراد الضلال، وعدم الإيمان ضيِّقاً حَرَجاً، كذلك يجعل الله العذاب على الذين لا يؤمنون (أي: الكافرين).
سورة الأنعام [٦: ١٢٦]
﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾:
﴿وَهَذَا﴾: الواو: استئنافية، والهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة.
﴿صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾: دِين الإسلام، الصراط المستقيم الذي يوصلك إلى غايتك بأقصر مسافة، وأسهل وسيلة، صراط ربك، نسبه إليه تشريفاً.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾: قد: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾: بيَّنَّاها، بأشكال متعددة، ومواضيع مختلفة.
﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾: قد فصلنا الآيات لقوم وليس لواحد، أو اثنين؛ لأنه إذا فصلها لواحد أو اثنين قد ينسون ويغفلون ما فصل لهم.
وأما حين يكون هناك قوم، أو عدد كبير؛ فإن هذا التكافل، والتذكير يعصم المؤمن، من الخطأ والنسيان.
﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: أيْ: إذا نسوا ما فصل لهم يذكرونه، ويستعيدون تذكره بوقت قصير، ولم يقل: لقوم يتذكرون؛ إذ (يتذكرون): تحتاج إلى وقت طويل.
стр. 1454
سورة الأنعام [٦: ١٢٧]
﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، ولهم تعود إلى قوم يذكرون.
﴿دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: الجنة، ومن أسمائها: دار السلام، ولم يقل: دار الله، بل أتى بوصف، أو اسم آخر: هو السلام؛ اسم من أسماء الله الحسنى، ونسب إليه سبحانه الدار، فسماها دار السلام؛ أيْ: دار الأمن، والاطمئنان، والسلامة.
﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾: هو: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر والتوكيد.
﴿وَلِيُّهُمْ﴾: المتولِّي أمرهم، المعين، والكافي، كافيهم لكل ما يحتاجونه.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: الباء: للتعليل، أو الإلصاق، ما: اسم موصول، أو مصدرية.
﴿يَعْمَلُونَ﴾: في الدنيا؛ من الأعمال الحسنة التي تضم: الأقوال، والأفعال الطيبة الحسنة.
سورة الأنعام [٦: ١٢٨]
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾: ويوم القيامة يحشرهم في أرض المحشر، والحشر هو السوق والجمع.
﴿جَمِيعًا﴾: الجن، والإنس؛ أي: الثقلان، وغيرهم.
وانتبه إلى كلمة ﴿وَيَوْمَ﴾: التي جاءت منصوبة بالفتحة؛ أيْ: منصوبة
стр. 1455
بمحذوف تقديره: واذكر يوم يحشرهم جميعاً، أو يوم يحشرهم يقول: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِنَ الْإِنسِ﴾.
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾: يا: أداة نداء، المعشر: تعني: الجماعة المختلطة، اختلاط تعايش، ومعاشرة، والمعشر: قد تطلق على أصحاب حرفة معينة، يا معشر العلماء، يا معشر التجار.
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ﴾: هنا معشر الجن: هم الشياطين، وغيرهم من الجن.
﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُم﴾: أيْ: أخذتم الكثير من الإنس؛ لكي يصبحوا أتباعاً لكم، وأولياء، استكثر: أخذ الكثرة.
﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِنَ الْإِنسِ﴾: أيْ: أتباع الجن من الإنس.
﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾: أي: انتفع بعضنا ببعض، والاستمتاع: هو النفع، والخدمة الذي تصاحبه اللذة.
أي: انتفع الإنس بالشياطين من الجن؛ إذ دلوهم على الشهوات، والمعاصي، وتلذذوا بها، أو لعبوا دور الكهنة، والعرافين، وانتفع الجن بالإنس؛ إذ جعلوهم أتباعاً لهم وأولياء، وهو استمتاع مخالف لمنهج الله تعالى.
﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا﴾:
أي: استمر استمتاع بعضنا ببعض؛ حتى جاء أجلنا (الموت)؛ فإنهم يعتذرون إلى ربهم.
﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾: والمثوى؛ يعني: مكان إقامتكم الدائمة، والإقامة
стр. 1456
القسرية الجبرية؛ كالسجن في مكان ضيق، مطبق عليهم، لا يستطيعون الحركة، أو القيام بأي شيء.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: إلا: أداة استثناء.
﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: قد يعني: قسم من هؤلاء من أصحاب النار، بعد أن يعذبوا فيها زمناً حسب ذنوبهم وآثامهم، يخرجون منها بعد تطهيرهم من ذنوبهم؛ كهؤلاء الذين في قلوبهم شيء من الإيمان، والتوحيد، ولا إله إلا الله من الإنس، ولم يغفر اللهُ لهم، فلا بُدَّ لهم من الدخول في النار.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾: بتدبير شؤون خلقه، وحكيم في قضائه، وحكمه، لا يفعل شيئاً إلا بحكمة، فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء.
﴿عَلِيمٌ﴾: بالكفار، وأعمالهم، وبعباده عامة، وبمن يستحق هذا العذاب، ونراه هنا قدَّم ﴿حَكِيمٌ﴾ على ﴿عَلِيمٌ﴾؛ لأن السياق في الجزاء، والعمل؛ فقدَّم ﴿حَكِيمٌ﴾ في الجزاء، لا يظلم أحداً مثقال ذرة، ولو كان السياق في العلم، والمعرفة؛ لقدَّم العليم على الحكيم، كما سنرى في سورة يوسف آية (٦، ٨٣، ١٠٠).
سورة الأنعام [٦: ١٢٩]
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ﴾: أيْ: كما ولينا شياطين الجن، عصاة الإنس، بعضهم بعضاً، كذلك نولي بعض الظالمين بعضاً.
وهذه سنة من سنن الله -جل وعلا- في أهل الظلم.
стр. 1457
أي: يجعل بعضهم أولياء بعض بالمودة، والنصرة؛ ليزدادوا ظلماً، وإثماً، ثم يبعث الله لكل ظالم من هو أشد ظلماً منه، أو قوة، فيقتص الواحد منهم من الآخر، بأنواع مختلفة من العقاب.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: الباء: للتعليل، أو السببية، ظالم ينتقم من ظالم، أو يؤدب ظالماً بظالم.
﴿كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: من الآثام، والذنوب في الدنيا، واستعمل فعل (كسب) بدلاً من (اكتسب). ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة الأنعام [٦: ١٣٠]
﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾:
أي: يوم يحشرهم يناديهم: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ﴾: ألم: الهمزة: للاستفهام، والتقرير، والتوبيخ.
﴿يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾: أيْ: من جنسكم، وليس من الملائكة.
قيل في تفسير هذه الآية: الجن لهم رسل، والإنس لهم رسل، أو أن الجن ليس لهم رسل، ورسلهم كانوا من الإنس، أو أن الجن كانوا يأخذون تعاليمهم من الإنس؛ لأنهم قادرون على الاستماع لكل ما يقوله الإنس بالخفاء.
والرسول محمد ﷺ بعث للإنس والجن معاً.
﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى﴾: ولم يقل: يتلون عليكم آياتي، كما جاء في
стр. 1458
الآية (٧١) من سورة الزمر: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾، فما هو الفرق بين يقصون ويتلون؟
قص: أعم من تلا، ﴿يَقُصُّونَ﴾: تشمل الأنبياء والرسل، ﴿يَقُصُّونَ﴾: يبلغونكم الرسالة من دون كتاب معين.
﴿يَقُصُّونَ﴾: من كتاب، أو من غير كتاب، غير مقيدة، ويقصون تعني: بدقة وتفصيل، وقص أعم من تلا.
أما يتلُون: فالتلاوة مقيدة من كتاب، أو صحيفة.
وعدد الذين يقصون أكثر من عدد الذين يتلون، يتلون هم فقط من أُنزل عليهم الكتب والصحف. ارجع إلى سورة الزمر آية (٧١) لمزيد من البيان.
﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى﴾: يقصون من قص، وقص؛ مأخوذة من قصّ الأثر؛ أيْ: تتبع آثار القدم، من دون أيِّ انحراف؛ أيْ: بدقة وتفصيل.
﴿وَيُنذِرُونَكُمْ﴾: ولم يقل: ينذروكم، وإنما أضاف لها النون؛ للتوكيد، الإنذار: هو إعلام تحذير، أو تخويف.
﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾: يخبرونكم عن هذا اليوم، يوم القيامة والبعث، ويحذرونكم للاستعداد له.
﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا﴾: قالوا: إجابة للسؤال ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾.
﴿قَالُوا شَهِدْنَا﴾: أيْ: أقررنا، بأن الرسل قد بلغونا، وأنذرونا، ولم يقولوا: شهدنا لأنفسنا؛ لأن الشهادة للنفس تعني: شهادة خير ومنفعة.
وإنما قالوا: شهدنا على أنفسنا؛ تعني: شهادة ضد أنفسنا؛ أيْ: شهادة سوء.
стр. 1459
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: من القائل هنا؟ مبني للمجهول، لا يهم وقيل: الملائكة؛ أيْ: خدعتهم الحياة الدنيا بزخارفها، وزينتها، ومتاعها، وشهواتها؛ ففرطوا فيها، ولم يستجيبوا للرسل، ولا لما أنذروا به.
﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾: كانوا كافرين في الدنيا، وهذه تعتبر شهادة ثانية بعد الشهادة الأولى، أو توكيد للأولى. وهي جملة اسمية تفيد الثبوت، ثبوت الكفر في أنفسهم.
стр. 1460
سورة الأنعام [٦: ١٣١]
﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ يفيد البعد، ويشير إلى إرسال الرسل، حتى لا يكون لأحد حُجَّة بعد الرسل.
﴿أَنْ﴾: للتعليل، والتوكيد.
﴿لَّمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾: الباء: للإلصاق، ولم: النافية.
﴿بِظُلْمٍ﴾: أيْ: لم يأتهم رسول، ولا نبي، ولا إنذار، ولا كتاب، ولا تحذير عمّا جاء به الرسل والأنبياء.
﴿غَافِلُونَ﴾: عن الإيمان لا يعرفون ما الإيمان ولا الكتاب، صفة ثابتة لهم؛ أيْ: لم يُنذروا قط، والغفلة ملازمة لهم.
وقوله تعالى: ﴿لَّمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾: بالصيغة الاسمية؛ التي تدلُّ على أمر ثابت، ولا يتغيَّر، هو كون الله سبحانه لن يهلك القرى بظلم، وأهلها غافلون، وكذلك لن يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، كما ورد في الآية (١١٧) من سورة هود ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾، كما ورد في الآية (٥٩) من سورة القصص، ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من
стр. 1461
البيان في معنى غافلون. ارجع إلى سورة القصص آية (٥٩) للمقارنة بين الآيات الثلاث.
سورة الأنعام [٦: ١٣٢]
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَلِكُلٍّ﴾: أيْ: لكلٍّ من الجن والإنس.
﴿دَرَجَاتٌ﴾: منازل في الآخرة متفاوتة في الجنة، أو في النار، درجات الجنة؛ قيل: (١٠٠ درجة)، ودركات النار قيل: (٧ دركات). فالمؤمن كلما ازداد عمله من الصالحات صعد درجة من درجات الجنة، والكافر أو الظالم كلما ازداد ظلماً لنفسه أو للآخرين نزل دركة من دركات النار.
﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾: بحسب أعمالهم في الدنيا، التفاوت في الدرجات ينشأ بكثرة العمل، والكم، والكيف، والإخلاص، والتوحيد، واتباع القرآن، والسنة.
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: نافية.
﴿رَبُّكَ﴾: من الربوبية، وتعني: الخلق، والتدبير والرزق.
﴿بِغَافِلٍ﴾: الباء: للإلصاق، غافل: لا يغفل عن عمل أيِّ عبد، ظاهراً، أو باطناً: من قول، أو فعل، ولا تخفى عليه خافية في الملأ الأعلى، أو في الأرض. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان.
﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾: يملون: تضم الأقوال، والأفعال في الدنيا.
سورة الأنعام [٦: ١٣٣]
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾:
﴿وَرَبُّكَ الْغَنِىُّ﴾: عن عباده، ولا يحتاج إليهم، ولا لعبادتهم، ولا يضره
стр. 1462
كفرهم، ومع كل ذلك هو: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾: ولم يقل الغني الرحيم، وإنما قال ذو الرحمة: من كمال الغنى، وذو: تعني: صاحب رحمة، وكلمة (ذو): أشرف، وأبلغ من كلمة صاحب. وذو رحمة تعني: كثير الرحمة، وذو رحمة؛ لأنه يمهل ولم يذهب بهؤلاء الكافرين.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم﴾: إن: شرطية.
﴿يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾: أيها العصاة، ويستأصلكم بالعذاب.
﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم﴾: ويستخلف بعد إهلاككم من هو أفضل منكم.
﴿مَا يَشَاءُ﴾: من خلقه، ممّن هو أطوع منكم.
﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾: الإنشاء: الإحداث حالاً بعد حال، أو الإيجاد من غير الاحتذاء على مثال سابق؛ قيل: هم أهل سفينة نوح ﵇، أو ذريات أخرى على مدى العصور.
ما هو الفرق بين الاستخلاف والاستبدال؛ كما في سورة هود، الآية (٥٧): ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّى عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾، وسورة التوبة، الآية (٣٩): ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الاستخلاف: يأتي بجيل، تلو الجيل، من دون انقطاع.
الاستبدال: يأتي بجيل بعد جيل، ولو مرت قرون طويلة، ولا يعني تلو الآخر؛ أيْ: هناك انقطاع في الزمن بين الجيل المُهلك، والجيل الجديد.
стр. 1463
والاستخلاف: أفضل من الاستبدال، فالاستبدال: يحصل لأقوام أعرضوا عن تطبيق الشريعة، ودين الله، أما الاستخلاف: فيحصل لأقوام لم يعرضوا، ولكنهم قصروا، أو لم ينالوا رضا الله التام.
سورة الأنعام [٦: ١٣٤]
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:
أي: أخبرهم يا محمد:
﴿إِنَّ﴾: تفيد التوكيد.
﴿مَا﴾: بمعنى: الذي، وما: أوسع شمولاً من الذي، ونلاحظ أنه فصل بين إنَّ وما، وإذا قارنا (إنَّ) (ما) في هذه الآية مع الآية (٥) في سورة الذاريات وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾: نجد آية الأنعام جاءت كتحذير في الدنيا وفيها فصل (إنَّ) عن (ما)، ونجدَّ آية الذاريات وصل (إنَّ) مع (ما) وجاءت في سياق القسم بأمور في الدنيا تخص الآخرة فوصل بين (إنَّ وما)؛ أي: فك الإدغام عندما تحدث عن الدنيا، وجاء بالإدغام عندما تحدث عن الدنيا والآخرة.
﴿تُوعَدُونَ﴾: لم يقل: وعِدتُم، أو وعدَكُم، وجاء بصيغة المضارع؛ ليدل على التجدد، والاستمرار، والوعد غالباً ما يكون في الخير، والوعيد في الشر.
﴿لَآتٍ﴾: اللام: للتوكيد.
﴿لَآتٍ﴾: أي: البعث، والحساب، والجزاء الأخروي.
﴿وَمَا﴾: ما: النافية.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
стр. 1464
﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: من أعجز، تقول العرب: أعجزني فلان؛ أيْ: هرب فلم أستطيع اللحاق به؛ أيْ: هرب، وفلت من العقاب، أو العذاب.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أيْ: فائتين من عذاب الله، والله قادر غير عاجز عن اللحاق بكم، ولن تستطيعوا الفرار من عذابه.
سورة الأنعام [٦: ١٣٥]
﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ لهم:
﴿يَاقَوْمِ﴾: يا قوم: نداء ممزوج بشيء من المحبة، والعطف، والمودة، والقوم: هم الجماعة، وعادة ما يطلق على الرجال، وهنا القوم: قومه الذين لم يصدقوا نبوَّته.
﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: المكانة؛ تعني: مكان، ومكانة مثل منزل، ومنزلة، والمنزلة: الدرجة الاجتماعية، أو الطريقة، والمكان: هو الحيز، الذي يأخذه جسم الإنسان إن كان واقفاً، أو جالساً على الأرض، أو الموضع، اعملوا قدر استطاعتكم من التمكن، اعملوا ما بوسعكم، أو استمروا على حالكم التي أنتم عليها من الكفر، والعداوة، أو الطريقة التي أنتم عليها.
﴿إِنِّى عَامِلٌ﴾: وأنا سأعمل ما بوسعي على الثبات على هذا الدِّين، وتبليغه.
﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتأكيد، وسوف: حرف استقبال يدل على التراخي في الزمن، الزمن البعيد.
﴿تَعْلَمُونَ﴾: علم اليقين.
стр. 1465
﴿مَنْ﴾: ابتدائية، وقد تعني: الواحد، أو الاثنين، أو الجمع.
﴿تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: أي: الجنة، أو الحسنى.
انتبه في القرآن إذا أنث العاقبة، كما ورد في هذه الآية، فالعاقبة؛ تعني: الجنة، وإذا لم يؤنث العاقبة؛ أيْ: جاءت بصيغة مذكر، فقال مثلاً: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: فالعاقبة؛ تعني: العذاب، والهلاك.
وقوله -جل وعلا-: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: فيه تهديد، ووعيد؛ لما يقومون به من كفر، وعدوان، ومن الملاحظ في القرآن الكريم حين يستعمل كلمة: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: يأتي دائماً بفاء التعقيب، فيقول: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وحين لا يستعمل قل؛ يأتي بكلمة سوف من دون الفاء، وكذلك نجد أنه حين يأتي بالفاء في (فسوف) فيها توكيد وإنذار شديد أكثر من (سوف) كما نرى في سورة هود؛ ارجع إلى سورة هود آية (٩٣)، وسورة الزمر آية (٣٩) للمقارنة ولمزيد من البيان.
﴿إِنَّهُ﴾: يفيد التوكيد.
﴿لَا﴾: النافية للجنس.
﴿يُفْلِحُ﴾: من الفلاح؛ يعني: الفوز بالجنة، والنصرة، والسعادة، أو حسن العاقبة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥)؛ لمزيد من البيان.
﴿الظَّالِمُونَ﴾: الكافرون، أو المشركون الذين أصبحت صفة الظلم ثابتة لهم، والظالم لنفسه: هو كل من يخرج عن منهج الله تعالى يعتبر ظالماً. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤)؛ لمزيد من البيان.
стр. 1466
سورة الأنعام [٦: ١٣٦]
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾:
﴿وَجَعَلُوا﴾: الجعل: هو التصيير، والتحويل، هذا الجعل غايته التقرب من الله، والآلهة معاً، وهذا التقرب إلى الآلهة: هو عين الشرك الذي حرمه الله؛ أيْ: جعل كفار قريش لله ﴿مِمَّا﴾ من البعضية؛ أي: الذي ذرأ الله من الحرث والأنعام؛ أيْ: جعل كفار قريش لله من بعض الذي ذرأ الله تعالى خلق، والذرء: هو الخلق الذي يتكاثر بذاته؛ أيْ: من بعض الحرث (الزرع)، والأنعام: هي الإبل، والغنم، والماعز، والبقر.
﴿نَصِيبًا﴾: قسماً، أو حظاً.
﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾: هذا نصيباً، أو حظاً لله بزعمهم؛ أيْ: باعتقادهم الباطل الذي لا يستند إلى أيِّ دليل، وهذا نصيباً لآلهتهم؛ أيْ: أصنامهم التي يعبدونها، لتُنفق على خدمتها، وسدنتها.
ولم يكتفوا بذلك، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك بأن حاولوا الاحتيال، بالأخذ من حصة الله، وإعطائها لأوثانهم، وآلهتهم إذا ما حدث نقص في الحصاد، أو الثمر، أو نتاج الأنعام، ويبقون على حصة الأوثان، والآلهة ثابتة كاملة، ولا يمسوها بنقص، ويبررون ذلك بأن الله غني عن حصته، وأما آلهتهم فهي بحاجة إلى من يخدمها، ويقوم على سدانتها، فحصة الآلهة لا يمكن أن يعطوا بعضها إلى الله ، وأما حصة أو نصيب الله تعالى فيمكن أن يعطوه لشركائهم.
стр. 1467
﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: ساء: فعل ذم، يعني: بئس ما يحكمون، وبئس ما تهوى أنفسهم، أو ما يشتهون. ارجع إلى سورة المائدة، آية (١٠٣ - ١٠٤).
سورة الأنعام [٦: ١٣٧]
﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ﴾: أيْ: كما زين للمشركين القسمة غير العادلة بين الله سبحانه، والآلهة؛ التي يعبدونها، رغم أن الله وحده هو الذي ذرأها، زين لكثير من مشركي قريش قتل أولادهم، ووأد بناتهم؛ مخافة الفقر، أو عار الزِّنى، أو السبي، أو التقليد الأعمى.
والذي قام بالتزيين: هم شركاؤهم من شياطين الإنس والجن.
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾: اللام: لام التعليل.
﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾: من الردى؛ أي: الهلاك؛ أيْ: يهلكونهم.
﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾: الواو: عاطفة، ليبلسوا: اللام: للتعليل.
﴿وَلِيَلْبِسُوا﴾: أصل اللبس: هو الستر بالثوب، ومن اللباس: يلبس الحق بالباطل؛ أيْ: يستره.
ومعنى: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾: ليدخلوا الشك في دِينهم، وكانوا على دِين إسماعيل، دِين الحنيفية، فرجعوا عنه، وليخلطوا عليهم الحق والباطل، فيزينوا لهم الباطل، ويتركوا الحق؛ حتى يصلوا إلى درجة اللبس، وهو الخلط، ثم تأتي مرحلة الشرك، بعد اللبس.
стр. 1468
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة. لو: شرطية.
﴿شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾: أيْ: لو شاء الله لقسرهم، وأجبرهم على ترك ذلك، ومنعهم، ولكن لم يشأ، وتركهم في ضلالهم وكذبهم المفترى؛ أي: المختلق العمد، وهذا تهديد، ووعيد لهم، وابتلاء وفتنة لهم، واختار اسم الجلالة (الله) (ولم يقل ربك)؛ لأن الآيات في سياق العبادة والتوحيد وتقليد الآباء.
﴿فَذَرْهُمْ﴾: أيْ: اتركهم يا محمد ﷺ ودعهم.
﴿وَمَا﴾: أي: الذي يفترون، فذرهم على كذبهم المتعمد المختلق في الخلق، والجعل.
﴿يَفْتَرُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ ليدل على تجدد، وتكرار افترائهم، وأنه مستمر، ولم يتوقف، والافتراء: هو نوع من الكذب المتعمد.
стр. 1469
سورة الأنعام [٦: ١٣٨]
﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
تمادى مشركو قريش في شركهم، ولم يكتفوا بما زعموه في الآيات السابقة، بل قالوا: ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾: أيْ: محرمة، إلا على الآلهة؛ أيْ: خاصة بالأصنام والأوثان، لا تذبح، ولا تستخدم، ولا يؤخذ لبنها؛ لكونها مخصصة لضيوف الآلهة، الرجال منهم، دون النساء، والعاملين عليها.
﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾: مثل: الحام، والبحيرة، والسائبة.
حرمت ظهورها: أي: الركوب عليها، أو حمل الأثقال، أو المتاع على ظهورها.
﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾: عند ذبحها؛ لأنها قربان للآلهة؛ إذ لا يقولون: الله أكبر، أو بسم الله عند ذبحها.
﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾: لا يذكرون اسم الله عليها؛ افتراء عليه ؛ أيْ: على الله باختلاقهم الكذب: أن الله قد أوصاهم بفعل ذلك، أو وجدوا آباءهم كذلك يفعلون، والافتراء: هو الكذب المتعمد المختلق.
﴿سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: السين: للاستقبال، والقرب في الزمن؛ أيْ: سينالون عقابهم قريباً.
стр. 1470
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، بسبب كذبهم على الله، وبأنه أوصاهم بذلك، وحلَّل لهم ما يفعلونه من الحرام، أو الباطل.
سورة الأنعام [٦: ١٣٩]
﴿وَقَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَقَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ﴾: أي: الأجنة، والأنعام يقصدون بها: السائبة، والبحيرة، والوصيلة.
﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾: أيْ: ما خلص حياً؛ أيْ: ولد حياً من الأجنة؛ فهو حلال للرجال، ومحرَّم على أزواجنا؛ أي: النساء، الذكور: جمع كثرة، والذكران: جمع قلة.
﴿وَإِنْ يَكُنْ مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾: وإن ولد ميتاً؛ فيشترك فيه الرجال والنساء في أكل لحومها، وكل ذلك؛ نوع من جهالاتهم، وكذبهم، وضلالهم.
﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾: السين: للاستقبال القريب؛ أيْ: سينالون جزاء كذبهم، بالتحليل، والتحريم، حسب أهوائهم عن قريب.
﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾: إنه: للتوكيد.
﴿حَكِيمٌ﴾: في أفعاله، وأقواله، وتدبير شؤون خلقه، وكونه، وما شرعه.
و ﴿عَلِيمٌ﴾: بما يفترون، ويفعلون من خير وشر، وحلال وحرام، ولا تخفى عليه خافية في السماء، ولا في الأرض.
قدَّم ﴿حَكِيمٌ﴾ على ﴿عَلِيمٌ﴾: لأن السياق في الجزاء، سيجزيهم وصفهم، والجزاء يتطلب حكمة، ولذلك قدَّم ذلك.
стр. 1471
سورة الأنعام [٦: ١٤٠]
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾:
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد، خسر الذين قتلوا أولادهم: خسروا الدنيا والآخرة.
﴿الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾: سواء الإناث، أو الذكور؛ بالوأد، أو أيِّ وسيلة.
ومثل الإجهاض في زمننا الحاضر، فلا تظننَّ أن قتل الأولاد انتهى زمنه.
﴿سَفَهًا﴾: أيْ: طيشاً، وقصوراً عقلياً، أو الخفة في العقل، خوفاً من الفقر؛ لأن الفقر قد يكون فقراً مؤقتاً، وأمراً موهوماً، والقتل أعظم من الفقر، وبذلك لا يحل لأحد الاعتقاد، أو القول، أو العمل من دون علم شرعي.
﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾: حرموا على أنفسهم الطيبات، والمنافع من الحرث، والأنعام: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، سواء أكانت أطعمة، أم أشربة، أم أولادها.
﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمد، المختلق.
وافتراء الكذب على الله حينما قالوا: الله حرَّم هذا، وهو -جل وعلا- لم يحرِّم شيئاً، أو أحلَّ الله شيئاً، وهو ﷻ لم يحلِّله.
فهذا الافتراء عليه -جل وعلا- من أعظم الذنوب والكبائر.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿ضَلُّوا﴾: عن طريق الحق، والهدى، وقد ضلوا عن تعاليم الدِّين، والشريعة، وذهبوا إلى طريق الضلال والشرك.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: الواو: عاطفة، ما: النافية.
стр. 1472
من الذين هداهم الله، أو يستحقون الهداية.
و ﴿مُهْتَدِينَ﴾: جملة اسمية؛ تدل على الثبوت؛ أيْ: ما كانوا مهتدين دائماً وأبداً.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: تعني: قد ضلوا، جاءت لتؤكد عدم اهتدائهم.
من ذلك يتبيَّن لنا: أن الله سبحانه قد حكم الله على هؤلاء الذين يقتلون أولادهم بسبع أمور:
١ - الخسران، خسروا أنفسهم: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾.
٢ - السفه: ﴿سَفَهًا﴾.
٣ - الجهل: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
٤ - ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾.
٥ - ﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾.
٦ - الضلال: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾.
٧ - عدم الهداية: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
وأكَّد على خسارتهم بحرف قد، وأكَّد كذلك على ضلالهم.
سورة الأنعام [٦: ١٤١]
﴿وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾:
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر والتوكيد.
﴿وَهُوَ﴾: اسم موصول.
стр. 1473
﴿أَنْشَأَ﴾: خلق، وأوجد بالتدريج، والإنشاء فيها معنى التطور، والنمو، والإبداع.
﴿جَنَّاتٍ﴾: بساتين، وحدائق كثيفة بالأشجار المثمرة.
﴿مَّعْرُوشَاتٍ﴾: أيْ: تقوم على دعائم خشبية، يصنعها الإنسان، والأصل: أن تكون منبسطة على الأرض، فنأتي بالقوائم الخشبية؛ لكي تعلو عليها هذه الأغصان.
﴿مَّعْرُوشَاتٍ﴾: مشتقة من العرش؛ الذي يدل على العلو، أو العرش: هو السرير المرتفع عن الأرض.
﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: وهو ما قام على ساق، وغني عن التعريش، وبناء الدعائم الخشبية؛ مثل: شجر النخل والأعناب.
﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾: وأنشأ النخل، والزرع.
﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾: أيْ: ثمره مختلف في الطعم، والشكل، والجودة؛ أي: التمر، والزرع يشمل: الحب، والقمح، والشعير، والذرة.
﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا﴾: في الشجر والورق، ومختلف في الثمر. ارجع إلى الآية (٩٩) من سورة الأنعام؛ للبيان.
﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾:
﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾: الهاء في ثمره: تعود على الله سبحانه، وتعود على ثمر النخل، والزرع، والزيتون، والرمان.
وقوله: ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾: تعني: إذا اقترب نضجه؛ أيْ: قبل أن ينضج يسمح لكم بأكله، وكذلك مفهوم يؤكل بعد نضجه.
стр. 1474
﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: وهذا يدل على الترخيص للمالك، بالأكل منه، قبل أداء حقِّه.
﴿حَقَّهُ﴾: حق الله تعالى، زكاته، أو الصدقة على المساكين، والفقراء.
﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: يوم قطفه، وجنيه؛ أيْ: جذاذه، أو بعد الانتهاء من تحضيره، ووزنه، وبيعه.
﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: في الأكل، أو التصدق، وهنا؛ يعني: عدم ترك شيءٍ للأهل من المال، أو الطعام، والثمر؛ أي: الإسراف في الصدقة.
والإسراف يعني: صرف المال زيادة على ما ينبغي، أو تجاوز الحد في صرف المال، أو غير المال.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد، وتعود على الله سبحانه.
﴿لَا يُحِبُّ﴾: لا النافية.
﴿الْمُسْرِفِينَ﴾: الذين أصبح الإسراف صفة ثابتة ملازمة لهم. ارجع إلى الآية (٩٩) من نفس السورة لمقارنة الآيتين (٩٩، و ١٤١)، وإلى سورة الإسراء، آية (٢٦ - ٣٠).
سورة الأنعام [٦: ١٤٢]
﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾:
وأنشأ -جل وعلا- لكم أيها الناس.
﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾: وهي الإبل، والغنم، والبقر، والماعز، من: البعضية الابتدائية؛ أيْ: لكل نوع من الأنعام ميزاته من ناحية الركوب، والأكل، أو الاستفادة منها، وهذه الأنعام بأنواعها هي من آيات الله الدالة الشاهدة على طلاقة قدرته، وإبداعه في خلقه.
стр. 1475
﴿حَمُولَةً﴾: أيْ: ما يحمل على ظهورها مثل: الإبل، والبقر، ومنها: من لا يحمل عليها: كالغنم، والماعز، وصغار الإبل، والبقر.
﴿وَفَرْشًا﴾: أيْ: منها ما يستفاد من أوبارها، وأشعارها، وأصوافها، وجلودها، تستعمل لصناعة الفرش، وما تجلسون عليه من الحصر، والسجاد، أو تفترشونه مثل: الفراش؛ أيْ: تنامون عليه.
﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: تكرار وتوكيد للأكل ممّا ذكره سابقاً؛ من رزق الله، كلوا واشكروا الله المنعم على ما رزقكم.
﴿مِمَّا﴾: (من + ما)؛ أيْ: من بعض، ما: اسم موصول؛ تعني: الذي رزقكم الله.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية.
﴿تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: بتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله لكم، وبالإسراف، وبعدم ذكر اسم الله عليه، وبعدم شكر الله المنعم، والإشراك به، وغيرها، وخطوات جمع خطوة، والخطوة: المسافة بين القدمين؛ أيْ: وساوس الشيطان وما يأمر به من الفحشاء والمنكر.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد، والهاء: تعود على الشيطان.
﴿لَكُمْ﴾: خاصَّة يا بني آدم.
﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: عدوٌّ ظاهر العداوة، عداوته ظاهرة لكل فرد، ولا تحتاج إلى شرح وبيان.
следующие страницы →