← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

سورة الأنعام [٦: ١٤٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد، خسر الذين قتلوا أولادهم: خسروا الدنيا والآخرة. ﴿الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾: سواء الإناث، أو الذكور؛ بالوأد، أو أيِّ وسيلة. ومثل الإجهاض في زمننا الحاضر، فلا تظننَّ أن قتل الأولاد انتهى زمنه. ﴿سَفَهًا﴾: أيْ: طيشاً، وقصوراً عقلياً، أو الخفة في العقل، خوفاً من الفقر؛ لأن الفقر قد يكون فقراً مؤقتاً، وأمراً موهوماً، والقتل أعظم من الفقر، وبذلك لا يحل لأحد الاعتقاد، أو القول، أو العمل من دون علم شرعي. ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾: حرموا على أنفسهم الطيبات، والمنافع من الحرث، والأنعام: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، سواء أكانت أطعمة، أم أشربة، أم أولادها. ﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمد، المختلق. وافتراء الكذب على الله حينما قالوا: الله حرَّم هذا، وهو -جل وعلا- لم يحرِّم شيئاً، أو أحلَّ الله شيئاً، وهو ﷻ لم يحلِّله. فهذا الافتراء عليه -جل وعلا- من أعظم الذنوب والكبائر. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿ضَلُّوا﴾: عن طريق الحق، والهدى، وقد ضلوا عن تعاليم الدِّين، والشريعة، وذهبوا إلى طريق الضلال والشرك. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: الواو: عاطفة، ما: النافية.

стр. 1472

من الذين هداهم الله، أو يستحقون الهداية. و ﴿مُهْتَدِينَ﴾: جملة اسمية؛ تدل على الثبوت؛ أيْ: ما كانوا مهتدين دائماً وأبداً. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: تعني: قد ضلوا، جاءت لتؤكد عدم اهتدائهم. من ذلك يتبيَّن لنا: أن الله سبحانه قد حكم الله على هؤلاء الذين يقتلون أولادهم بسبع أمور: ١ - الخسران، خسروا أنفسهم: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾. ٢ - السفه: ﴿سَفَهًا﴾. ٣ - الجهل: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. ٤ - ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾. ٥ - ﴿افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾. ٦ - الضلال: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾. ٧ - عدم الهداية: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾. وأكَّد على خسارتهم بحرف قد، وأكَّد كذلك على ضلالهم. سورة الأنعام [٦: ١٤١] ﴿وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: ﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر والتوكيد. ﴿وَهُوَ﴾: اسم موصول.

стр. 1473

﴿أَنْشَأَ﴾: خلق، وأوجد بالتدريج، والإنشاء فيها معنى التطور، والنمو، والإبداع. ﴿جَنَّاتٍ﴾: بساتين، وحدائق كثيفة بالأشجار المثمرة. ﴿مَّعْرُوشَاتٍ﴾: أيْ: تقوم على دعائم خشبية، يصنعها الإنسان، والأصل: أن تكون منبسطة على الأرض، فنأتي بالقوائم الخشبية؛ لكي تعلو عليها هذه الأغصان. ﴿مَّعْرُوشَاتٍ﴾: مشتقة من العرش؛ الذي يدل على العلو، أو العرش: هو السرير المرتفع عن الأرض. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾: وهو ما قام على ساق، وغني عن التعريش، وبناء الدعائم الخشبية؛ مثل: شجر النخل والأعناب. ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾: وأنشأ النخل، والزرع. ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾: أيْ: ثمره مختلف في الطعم، والشكل، والجودة؛ أي: التمر، والزرع يشمل: الحب، والقمح، والشعير، والذرة. ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا﴾: في الشجر والورق، ومختلف في الثمر. ارجع إلى الآية (٩٩) من سورة الأنعام؛ للبيان. ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾: الهاء في ثمره: تعود على الله سبحانه، وتعود على ثمر النخل، والزرع، والزيتون، والرمان. وقوله: ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾: تعني: إذا اقترب نضجه؛ أيْ: قبل أن ينضج يسمح لكم بأكله، وكذلك مفهوم يؤكل بعد نضجه.

стр. 1474

﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: وهذا يدل على الترخيص للمالك، بالأكل منه، قبل أداء حقِّه. ﴿حَقَّهُ﴾: حق الله تعالى، زكاته، أو الصدقة على المساكين، والفقراء. ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: يوم قطفه، وجنيه؛ أيْ: جذاذه، أو بعد الانتهاء من تحضيره، ووزنه، وبيعه. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: في الأكل، أو التصدق، وهنا؛ يعني: عدم ترك شيءٍ للأهل من المال، أو الطعام، والثمر؛ أي: الإسراف في الصدقة. والإسراف يعني: صرف المال زيادة على ما ينبغي، أو تجاوز الحد في صرف المال، أو غير المال. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد، وتعود على الله سبحانه. ﴿لَا يُحِبُّ﴾: لا النافية. ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾: الذين أصبح الإسراف صفة ثابتة ملازمة لهم. ارجع إلى الآية (٩٩) من نفس السورة لمقارنة الآيتين (٩٩، و ١٤١)، وإلى سورة الإسراء، آية (٢٦ - ٣٠). سورة الأنعام [٦: ١٤٢] ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: وأنشأ -جل وعلا- لكم أيها الناس. ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ﴾: وهي الإبل، والغنم، والبقر، والماعز، من: البعضية الابتدائية؛ أيْ: لكل نوع من الأنعام ميزاته من ناحية الركوب، والأكل، أو الاستفادة منها، وهذه الأنعام بأنواعها هي من آيات الله الدالة الشاهدة على طلاقة قدرته، وإبداعه في خلقه.

стр. 1475

﴿حَمُولَةً﴾: أيْ: ما يحمل على ظهورها مثل: الإبل، والبقر، ومنها: من لا يحمل عليها: كالغنم، والماعز، وصغار الإبل، والبقر. ﴿وَفَرْشًا﴾: أيْ: منها ما يستفاد من أوبارها، وأشعارها، وأصوافها، وجلودها، تستعمل لصناعة الفرش، وما تجلسون عليه من الحصر، والسجاد، أو تفترشونه مثل: الفراش؛ أيْ: تنامون عليه. ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: تكرار وتوكيد للأكل ممّا ذكره سابقاً؛ من رزق الله، كلوا واشكروا الله المنعم على ما رزقكم. ﴿مِمَّا﴾: (من + ما)؛ أيْ: من بعض، ما: اسم موصول؛ تعني: الذي رزقكم الله. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية. ﴿تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: بتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله لكم، وبالإسراف، وبعدم ذكر اسم الله عليه، وبعدم شكر الله المنعم، والإشراك به، وغيرها، وخطوات جمع خطوة، والخطوة: المسافة بين القدمين؛ أيْ: وساوس الشيطان وما يأمر به من الفحشاء والمنكر. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد، والهاء: تعود على الشيطان. ﴿لَكُمْ﴾: خاصَّة يا بني آدم. ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: عدوٌّ ظاهر العداوة، عداوته ظاهرة لكل فرد، ولا تحتاج إلى شرح وبيان.

стр. 1476

سورة الأنعام [٦: ١٤٣] ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِى بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: وقد أنشأ الله لكم من الأنعام ثمانية أزواج. ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾: من: ابتدائية. ﴿الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾: أيْ: من الغنم، اثنين: الذكر والأنثى؛ أي: الكبش والنعجة ذوات الأصواف. ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ﴾: اثنين (زوجين): التيس والعنزة، السخلة، والجدي، ذوات أشعار. ﴿قُلْ﴾: أيْ: اسألهم يا محمد ﷺ . ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾: من الضأن (الكبش)، والمعز (الجدي، أو التيس)، حرم الله عليكم، أم حرم عليكم الأنثيين من الضأن والمعز؛ أي: النعجة والسخلة، والعنزة. ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ﴾: من الأجنة وذكر ما في الأرحام للمبالغة في الرد على إنكارهم؛ أيْ: إذا كنتم تزعمون أن الله حرم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام نبئوني بعلم: أخبروني بخبر موثَّق، كيف حرَّم الله هذه الأنعام، ومن أين جاء التحريم، ومتى صدر، ومن بلغه إليكم، أين الدليل؟

стр. 1477

﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن: شرطية، إن: تفيد الاحتمال، والشك؛ أيْ: تكونوا صادقين. سورة الأنعام [٦: ١٤٤] ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: وأنشأ لكم من الإبل اثنين (الذكر والأنثى): الجمل والناقة، ومن البقر اثنين (الثور والبقرة). ﴿قُلْ﴾: أيْ: اسألهم يا محمد ﷺ : ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ﴾: نفس التفسير السابق. ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾: شهداء؛ أيْ: حضور؛ ففي الآية السابقة؛ طلب منهم: البرهان، والدليل على التحريم. وفي هذه الآية؛ كأنه يقول لهم: إذا عجزتم عن إحضار الدليل، والبيِّنة على التحريم، هل كنتم حاضرين حينما وصَّى الله سبحانه أحداً منكم بهذا، أو كنتم حين وصَّى الله أنبيائه، أو وصَّاكم الله بهذا، بل أنتم كاذبون، أو تفترون الكذب على الله. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: استئنافية، من: شرطية.

стр. 1478

﴿أَظْلَمُ﴾: على وزن أفعل، مبالغة في الظلم؛ أيْ: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً. ﴿افْتَرَى﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمَّد، المختلق. ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: كذباً: نكرة؛ تشمل كل أنواع الكذب المفترى، والخرص، والإفك، والكثير، والقليل، المتعمَّد، أو غير المتعمَّد. ﴿لِيُضِلَّ﴾: اللام: لام التعليل، والتوكيد. ﴿النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: ليضل الناس عن اتباع الحلال وتجنب الحرام. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: دليل من الله، أو بغير حُجَّة، وبرهان، أو من دون علم شرعي. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿لَا﴾: النافية. ﴿يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الذين شرعوا ما لم يشرع الله تعالى، ولا رسوله به، افتروا على الله الكذب. وقد يسأل سائل: هو أضل الناس بغير علم، ولم تكن نية إضلال الناس بعلم؟ نقول له: إذا هو أضل الناس بغير علم؛ أي: هو أضل الناس بأهوائه، فهذا يعتبر افتراء على الله . سورة الأنعام [٦: ١٤٥] ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا

стр. 1479

مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: تشير هذه الآية إلى أن التحريم، أو التحليل يكون بالوحي، أو يثبت بالوحي فقط، والوحي: هو القرآن، والرسول ﷺ : ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، ولمعرفة معنى أوحي إلي؛ ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣). و ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَّ﴾: قل لهم يا رسول الله ﷺ : لا أجد من المحرمات التي ذكرتموها شيئاً محرماً في القرآن؛ إلا ثلاثة أشياء على أيِّ آكل، هي: الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير. وكذلك ما ذكر في سورة المائدة، الآية (٣): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾. ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: ﴿فَإِنَّهُ﴾: إن: للتوكيد؛ أيْ: هذه المحرمات: الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير. ﴿رِجْسٌ﴾: لحمها قذر، وقبيح، ومحرم؛ أيْ: أكلها عمل قذر قبيح محرم. ﴿أَوْ فِسْقًا﴾: خروجاً عن الدِّين، وعن طاعة الله . ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: أيْ: ذبح، ولم يذكر اسم الله عليها، وإنما ذكر اسم الأصنام عليها، والإهلال: رفع الصوت باسم المذبوح له. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:

стр. 1480

﴿فَمَنِ﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: أيْ: ألجئ بحكم الضرر؛ المخمصة، واستنفد كل الأسباب، وخاف على نفسه الهلاك؛ فله أن يأكل، لكن على شرط: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: أيْ: لا يأكل فوق حاجته. ﴿وَلَا عَادٍ﴾: أيْ: لا يأكل من هذه المحرمات وعنده أطعمة أخرى، قد تسد رمقه. ﴿وَلَا﴾: تفيد التوكيد، توكيد النفي. وفي الآية (٣) من سورة المائدة أضاف : ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾: أيْ: مائل، أو راغب لارتكاب الإثم. ﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، وتفيد التوكيد. ﴿رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفور: كثير الغفران، صيغة مبالغة؛ أيْ: يغفر الذنوب جميعاً إلّا الشرك به، يغفر لمن اضطر لأكل المحرم، غير باغٍ، ولا عاد. ﴿رَحِيمٌ﴾: أباح الأكل من المحرمات في حالة الاضطرار، وهذه صفة ثابتة لذاته، رحيم: بعباده المؤمنين. وتكرار لا: ﴿وَلَا عَادٍ﴾: لنفي كلٍّ منهما على حدة، وكلاهما معاً، لا يجوز له أن يكون باغياً، ولا يجوز له أن يكون عادياً، ولا كليهما معاً. ارجع إلى الآية (١١٥) من سورة النحل للبيان المفصل، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٣) في سورة المائدة، والآية (١١٥) في سورة النحل وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: نجد أن آية الأنعام جاءت في سياق الشرك، وقول الرسول ﷺ قل لا

стр. 1481

أجد في ما أوحي إلي، وآية المائدة والنحل في سياق قول الله تعالى أو مخاطبة الله تعالى للناس في (الأطعمة) فيما أحل وحرم الله عليهم، وفيما أُهل لغير الله بـ (الشرك). سورة الأنعام [٦: ١٤٦] ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: ويذكر الله تعالى لنا في هذه الآية: بتحريم خاص؛ حرّمه على الذين هادوا؛ بسبب ظلمهم، وعدم الأخذ بما أنزل الله إليهم في التوراة. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا﴾: تقديم (على): لتفيد الحصر، والقصر. ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾: تهدوا، هم أتباع بني إسرائيل؛ الذين جاؤوا بعد موسى ﵇، ودخلوا في اليهودية. ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾: بسبب ظلمهم، وصدهم عن سبيل الله كثيراً، وأخذهم الربا، وقد نهو عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، وغيرها. ﴿كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾: أيْ: كلّ ذي مخلب، وناب أيضاً. ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا﴾: إلا: أداة استثناء. ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾: من الشحم؛ فهو مباح. ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾: الأمعاء، الشحم المختلط بالأمعاء. ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: أو الشحم المختلط بعظم.

стр. 1482

﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ يفيد البعد، يشير إلى التحريم بعدم أكل الشحوم. ﴿جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ﴾: الباء: للإبدال، أو السببية، بسبب بغيهم؛ أيْ: ظلمهم، وقتلهم الأنبياء بغير حق، واتخاذهم العجل، وأكلهم الربا؛ وقد نُهُوا عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، والاصطياد يوم السبت. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: وإنا: للتعظيم. لصادقون: اللام: لام التوكيد صادقون: فيما وعدناه للعصاة الظالمين، وما وعدناه للمطيعين. وصادقون: جملة اسمية؛ تفيد الثبوت.

стр. 1483

سورة الأنعام [٦: ١٤٧] ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية تفيد الاحتمال، والندرة؛ أيْ: من النادر أن يكذبوك؛ لأنهم يعلمون أنك الصادق الأمين. ﴿كَذَّبُوكَ﴾: أي: المشركون، أو اليهود، في مسألة التحريم، والتحليل، وزعموا أن الله ذو رحمة واسعة. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: جواب الشرط، قل لهم يا محمد ﷺ : نعم ﴿رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾. ولكن لأهل الطاعة، والمؤمنين، ولأنه لا يعجل لكم بالعقوبة؛ لعلكم تتوبون، ولا يعني تأجيل بأسه؛ أيْ: عذابه عنكم أنكم ناجون من العذاب، أو أنه غفر لكم. ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾: أيْ: لا أحد يستطيع منع عذابه، أو دفعه، إذا حلَّ، أو نزل بالقوم المجرمين، الكافرين، والمشركين، العاصين، والذين إذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون. وفي هذه الآية قال سبحانه: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾: بصيغة الماضي؛ لأن

стр. 1484

التكذيب لأمر محدد، وهو مسألة التحريم، ولم يقل: (يكذبوك). ارجع إلى الآية (٣٣) من سورة الأنعام؛ للبيان، والآية (١٨٤) من سورة آل عمران؛ للمقارنة. سورة الأنعام [٦: ١٤٨] ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾: ﴿سَيَقُولُ﴾: السين: للاستقبال القريب. ﴿الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: من قريش، وغيرهم. ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾: لو: شرطية. ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ﴾: الشرك: هنا جاء في سياق الأطعمة، وما هو بزعمهم لله، وما هو لشركائهم. أي: في سياق التحليل والتحريم: في البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام؛ فهم يدعون، أو يزعمون: أن شركهم في الأطعمة، والتحليل، والتحريم؛ لو كان باطلاً، أو هم على غير حق؛ لأُرسل إلى آبائهم، أو إليهم رسلاً يخبرونهم أو يأمرونهم بترك الشرك، أو التحريم؛ فرد الله عليهم ﴿كَذَلِكَ﴾: أيْ: بمثل كذبهم هذا؛ كذب الذين من قبلهم، وقالوا لرسلهم هذا القول نفسَه. ولو قارنا هذه الآية مع الآية (٣٥) في سورة النحل وهي قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ ففي آية الأنعام قال: ما أشركنا، وفي آية النحل: ما عبدنا؛ فآية الأنعام جاءت في سياق

стр. 1485

المحرمات من الأطعمة والحدث، وآية النحل جاءت في سياق الرد على الشرك وعبادة غير الله سبحانه، وآية الأنعام ولا آباؤنا، وآية النحل ولا آباؤنا: زاد نحن تدل على شدة التوكيد في النحل؛ لأن السياق في العبادة والتوحيد وهي أهم من الأطعمة، وفي الأنعام قال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ لأن السياق في الأنعام في الكذب، والسياق في النحل الشرك وعبادة غير الله. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، نهاية الغاية. ﴿ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾: عذابنا. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ، هل: للاستفهام؛ يحمل معنى: الإنكار، والإلزام. ﴿عِنْدَكُمْ مِّنْ عِلْمٍ﴾: أيْ: هل عندكم من كتاب، أو دليل يدل أن الله حرَّم عليكم ما تزعمون من البحيرة، والسائبة، والوصيلة، أو هو راض عنكم، أن تشركوا به. ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾: أيْ: تظهرونه لنا؛ عبر عنه بالإخراج؛ لأن سبب إظهاره سيكون حُجة عليكم. ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: إن: حرف نفي، أشدُّ نفياً من ما. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: الظن: هو التردد الراجح، وهو رجحان ظرف الإثبات على النفي، دون بلوغ درجة العلم، أو الإثبات، ويعني: الشك.

стр. 1486

﴿وَإِنْ﴾: لزيادة توكيد النفي. ﴿أَنتُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿تَخْرُصُونَ﴾: الخرص: هو الحزر، والتخمين، واستعمل موضع الكذب؛ لأن الخرص لا يستند على علم، أو دليل؛ فهو نوع من أنواع الكذب، مثل: الإفك، والبهتان، والاختلاق. سورة الأنعام [٦: ١٤٩] ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ . ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾: الفاء: للتوكيد، واللام: للاختصاص؛ أي: عند الله وحده سبحانه الحُجة: الدليل، والحُجة: أخص من الدليل، وتستعمل الحجة في سياق الدعوى، والحجة البالغة التامَّة؛ أيْ: إذا لم يكن معكم دليل وبرهان أن الله حرَّم ذلك؛ فعند الله الحُجَّة البالغة؛ أي: والدليل التام، البالغة: مؤنث البالغ: اسم فاعل من فعل بلغ، والتاء: للمبالغة. ﴿فَلَوْ﴾: الفاء: للتوكيد، لو: شرطية. ﴿شَاءَ لَهَدَاكُمْ﴾: اللام: لام التوكيد. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد آخر، وأحياناً يسبقها كلمة كلكم. الفرق بين شاء، وأراد: المشيئة: المرحلة السابقة للإرادة؛ أيْ: لو شاء الله تعالى؛ لأكرهكم، وأجبركم على الهداية، ولكن لم يشأ، وترك لكم حرية الاختيار، بين سلوك طريق الهداية والإيمان، أو طريق الضلال، والانحراف.

стр. 1487

سورة الأنعام [٦: ١٥٠] ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ لهؤلاء المشركين: إذا كنتم لا تملكون العلم؛ فتخرجوه لنا، وليس لديكم دليل، ولا برهان على التحريم؛ فربما عندكم شهداء يشهدون لكم أن الله حرم هذا، أو ذاك؛ مما تخرصون. إذنْ فأحضروا هؤلاء الشهداء. ﴿هَلُمَّ﴾: تستعمل للجماعة، والمفرد، والمثنى، سواء كان ذكراً، أم أنثى، وتعني: أحضر، أو ائت، أحضروا أيَّ شهداء حتى وإن كانوا شهداء الزور. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾: إن: شرطية؛ تفيد الشك، والاحتمال على أن يشهدوا بمثل هذه الشهادة. ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾: لأن الله لم يشهدهم، أو يخبرهم أنه حرم ذلك، فلا تشهد معهم. ﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، فهم كاذبون إن شهدوا، ويخاطب الله رسوله ﷺ ، وبالتالي أمته، ويحذرهم من اتباع أهواء الذين كذبوا. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: وتكرار لا؛ يفيد التوكيد، وفصل الشهادة معهم عن اتباع أهوائهم؛ أيْ: لا تفعل هذه، ولا تلك، ولا كليهما. ﴿أَهْوَاءَ﴾: جمع هوى، والهوى: ما تميل إليه النفس، بما لا ينبغي، باطلاً، أو بعيداً عن الحق، والهوى؛ يغلب عليه الذم، ويختص بالأداء، والاعتقادات.

стр. 1488

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: آيات القرآن، أو المعجزات، أو الآيات الكونية، والأدلة. ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: والذين لا يؤمنون بالآخرة، لا يصدقون بالبعث، والجزاء، والحساب، والجنة، والنار. ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾: وهم ضمير منفصل، يفيد التوكيد. ﴿بِرَبِّهِمْ﴾: الباء: للإلصاق. ﴿يَعْدِلُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة الأنعام؛ لبيان المعنى. سورة الأنعام [٦: ١٥١] ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ؛ لهؤلاء المشركين: حسبكم هذا الخرص. ﴿تَعَالَوْا﴾: أقبلوا عليَّ، أو ائتوا إليَّ، وتعالوا فيها معنى ترفعوا عن الكذب، والظن. ﴿أَتْلُ﴾: اقرأ عليكم ما حرم ربكم عليكم بدلاً من خَرصِكم، وتشبه الوصايا العشر التي وصَّاها الله تعالى لموسى ﵇. ١ - ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: ألّا مركبة من: أن ولا: النافية، أن لا تشركوا: أو لا تشركوا؛ تعني: العرض والتحضيض، و ﴿شَيْئًا﴾: هو أقل الشيء، وشيئاً: نكرة؛ أيْ: مهما كان نوع الشرك.

стр. 1489

٢ - ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: الإحسان إلى الوالدين؛ إحسان مطلق، ولا يكفي عدم الإساءة إليهما؛ لأن الإساءة إلى الوالدين محرَّم. ارجع إلى سورة النساء آية (٣٦) لمزيد من البيان، وارجع إلى سورة البقرة آية (١١٢)، وعدم الإحسان يدخل فيه عدم الإساءة إليهما. ٣ - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾: ولا تقتلوا أولادكم: ذكوراً، أو إناثاً؛ بالوأد أو غيره من وسائل القتل؛ كالإجهاض مثلاً. ﴿مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾: من الفقر، وقيل: الفقر بعد الغنى، أو الإسراف، والتبذير الذي حدث زمن الغي، وأدَّى إلى الإملاق؛ أي: الفقر. ولنقارن هذه الآية من سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ مع الآية (٣٨) من سورة الإسراء: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾. في آية سورة الأنعام؛ قال : ﴿مِّنْ إِمْلَاقٍ﴾: تعني: الآباء، هم فقراء الآن في حالة فقر، فيقدمون على قتل أولادهم من الفقر الواقع بهم بسبب الأولاد الذكور أو الإناث. ولذلك؛ سارع ربُّ العالمين، وطمأنهم، وقال: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾: قدَّم رزق الآباء على رزق الأولاد. في آية الإسراء قال: ﴿خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: تعني: الآباء ليسوا فقراء الآن، ولكنهم يخشون الفقر في المستقبل، فيُقدِمون على قتل أولادهم؛ خشية الفقر؛ خوفاً من

стр. 1490

الفقر الذي قد يحدث، ولذلك سارع ربُّ العالمين، وطمأنهم، وقال: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾: فقدَّم رزق الأولاد على رزق الآباء. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية. ﴿تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾: جمع فاحشة، وتطلق عادة على الزِّنى، أو اللواطة، والقذف، وعبادة الأصنام، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾: أيْ: لا تفعلوا؛ أي: المقدمات التي قد تؤدِّي إلى ارتكاب الفواحش، وقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾: أشدُّ وآكَدُ من قوله: ولا تفعلوا الفواحش. وقيل في تعريف الفاحشة: هي كل ما عظُم جرمه، وإثمه من الأقوال، والأفعال. ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: ما ارتكب في العلن، وعلى مرأى ومسمع الناس، أو ما بطن: ما ارتكب سرّاً، وفي الخفاء؛ حتى لا يراه الناس، أو يسمعوا به. ﴿تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ﴾: حصراً. ﴿بِالْحَقِّ﴾: بالقصاص، والردة، وزنى المحصن، إذا توافرت الشروط والشهود. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ذلكم: بدلاً من ذلك؛ لأن (ذلكم): تستعمل للأمور المتعددة والمهمة التي يُراد التوكيد عليها، مثل: الإشراك بالله،

стр. 1491

والوالدين إحساناً، وقتل الأولاد، وقتل الأنفس؛ إلا بالحق، أو الفواحش، وذلكم بدلاً من ذلك التي تستعمل للأمر المفرد، والعادي، غير المهم. ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾: من الوصية، والوصية: أن تعهد إلى شخص بعمل خير، أو ترك شر، والوصية: تدل على محبة الموصي للموصى له. وقال: ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ﴾: ولم يقل: وصَّاكم بها؛ لأن أوامر الله ونواهيه كأنها تمثل أمراً واحداً، فلا نأخذ بعضها، ونترك بعضها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لا يعقل أن تشركوا بالله، وتعقوا الوالدين، وتقربوا الفواحش، وتقتلوا أولادكم، أو تقتلوا النفس التي حرم الله بالحق؛ أيْ: هذه التكاليف التي يقرها العقل، ولا يعقل أن تقوموا بها. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعلَّ: للتعليل، لعلَّ هذه الوصايا تحملكم على الكف، وعدم ارتكاب تلك المحرمات، وإذا قارنا هذه الآية بالآيات التالية (١٥٢) (١٥٣) وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: نجد يمكن القول لعلكم تعقلون جاءت في سياق أشد الأحكام (الكبائر) التي تحتاج إلى العقل ليكبحها ويمنعها؛ (ولعلكم تذكرون): في سياق الأحكام التي ينساها، وتحتاج إلى تذكرة دائمة للقيام بها، (ولعلكم تتقون): في سياق الاستقامة على التقوى.

стр. 1492

سورة الأنعام [٦: ١٥٢] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾: ولا تقربوا: أبلغ في النهي عن الأخذ، ولم يقل لا تأخذوا مال اليتيم؛ فمن لم يقرب لا يرى، ولا يطمع، أو تسول له نفسه؛ إلا: استثناء بالتي هي أحسن؛ أي: بما فيه صلاحه الذي يتضمن حفظ ماله، وتنميته، ومصلحته، ومصلحتكم، وعدم الأخذ من مال اليتيم إلا لضرورة، أو حاجة، وعدم تبذيره، أو إضاعته حتى يبلغ أشده. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، معناها: انتهاء الغاية. ﴿يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: قيل: أشده تعني: صار قادراً على إنجاب طفل، (ما بين ١٥ - ١٨ سنة)، وهو سن الرشد، عندها ادفعوا إليه ماله. ارجع إلى الآية (٢)، والآية (٦) من سورة النساء؛ للبيان. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾: أيْ: أتموا الكيل إذا كلتم للناس، والكيل، أو المكيال: يستعمل لما يكال حجماً. والميزان: يستعمل لما يكال كثافة، أو وزناً، ويستعمل الكيلوغرامَ وأجزاءَه، والغرامَ، وأجزاءَه.

стр. 1493

وتختلف الموازين بحسب الأشياء؛ فالذهب، والمواد الكيميائية؛ لها معايير، وموازين دقيقة جداً، وحساسة. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل؛ أيْ: تحروا العدل، وقيل: القسط: هو تطبيق أمر العدل وتنفيذه. ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: أيْ: عليكم أن تبذلوا أشد وسعكم، وطاقتكم؛ لتحقيق القسط؛ أيْ: إقامة العدل، وتنفيذه، وإذا فعلتم ذلك، وحدث خطأ غير متعمد، أو نقص، أو زيادة: لا يؤاخذكم الله به. ومن المهم جداً: أن تعلم لماذا وردت هذه الآية: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ لأن الوزن بالقسط صعب تحقيقه أحياناً، فالوزن حين يكون بالميليغرام، أو النوانوغرام؛ من الصعب جداً التأكد منها. فالله -جل وعلا- يعلم أن ذلك متعذِّر؛ فيغفر ذلك إذا لم يكن الخطأ متعمَّداً، وتوعَّد الله سبحانه هؤلاء الذين يتعمَّدون التلاعب بالمكيال، والميزان؛ بقوله -جل وعلا-: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ١ - ٥]. والفرق بين قوله في هذه الآية: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾، وقوله تعالى في الآية (٣٥) من سورة الإسراء: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: في آية الأنعام ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ تعني: في المستقبل إذا كلتم، أو وزنتم، فأوفوا الكيل، والميزان بالقسط. في آية سورة الإسراء: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾؛ تعني:

стр. 1494

الآن، وأنتم تكيلون، أو تزنون؛ أوفوا الكيل، والميزان في حال كيلكم، أو وزنكم، وإياكم والتأخير؛ حتى لا يقول أحد: سأوفيه حقه لاحقاً، إذا كلتم: للتوكيد، إذا: شرطية، ظرفية. ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية؛ تتضمن معنى الشرط. ﴿قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾: أيْ: إذا حكمتم، أو شهدتم في أمر ما؛ أيْ: دعيتم للشهادة بعد أن شهدتهم ما حدث؛ فاعدلوا؛ أيْ: قولوا: الحق، وأعطوا كل ذي حق حقه، وتحرُّوا العدل. واحذروا الهوى واعدلوا، والعدل: هو القول الحق، وفعل الحق، فالعدل لا يقتصر على القول، بل يشمل الفعل أيضاً. وهناك عدل في الأمور المادية الحسية، والأمور المعنوية، (والميل القلبي)، فاعدلوا. ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾: ذا القربى؛ كالأب، أو الأخ، أو قرابة، فتميلوا بالهوى، فتحكموا عليهم أولهم من دون عدل، وخص ذا القربى؛ لأنه من أصعب الأمور أن تحكم على أبيك، أو أخيك، أو قرابتك. ولكن هذا هو الإسلام، يأمرك بذلك. وهذا الأمر جاء في آية أخرى، وهي الآية (١٣٥) من سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.

стр. 1495

﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾: العهد: يضم العقود، والمواثيق، والوعود، ويضم التكليف، والوصية، والأمر، والنهي، ومن قوله: ﴿عَهِدْنَا﴾، و ﴿وَصَّيْنَا﴾. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾: الباء: تفيد الإلصاق، والتوكيد بالوفاء. وقدَّم الجار والمجرور؛ للاهتمام. ﴿أَوْفُوا﴾: أتموا، ونفذوا العهد. ما هو الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ [النحل: ٩١]. ففي آية سورة الأنعام: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾: العهد هنا ما عهده الله إلى عباده من ميثاق، أو عهد؛ كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾. ويضم العهد هنا: عقود البيع، والشراء، والزواج. وأضاف العهد إليه سبحانه؛ أهميةً، وتفخيماً. وقدَّم الجار والمجرور؛ للعناية، والاهتمام، والحصر، والقصر، والتوكيد. أما في آية سورة الإسراء: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾: فهذا العهد: هو الذي يعقده الشخص باختياره؛ أي: النذر الذي هو عهد يلزمه الإنسان على نفسه باختياره؛ لقوله: ﴿إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: ذلكم: ارجع إلى الآية (١٥١). ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: لعل: تفيد التعليل أو الترجي أو الإشفاق؛ لأن هذه

стр. 1496

الأمور الأربعة: من عدم أكل مال اليتيم، والوفاء بالكيل، والميزان بالقسط، وقول العدل، والوفاء بالعهد أمور قابلة للنسيان، فذكرها لكم المرة بعد الأخرى لعلكم لا تنسوها؛ أيْ: تذكروها. أو كأنهم يبدو أنهم نسوا أنهم كانوا يعملون تلك الأعمال في السابق؛ فهو يذكرهم بها مرة أخرى. فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، ولم يقل: لعلكم تتذكرون؛ لأنهم لا يحتاجون إلى زمن طويل، لتذكر القيام بتلك الأعمال، وكأنها حاضرة لديهم. ارجع إلى الآية (١٥١) في نفس السورة للمقارنة والبيان. سورة الأنعام [٦: ١٥٣] ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: ﴿وَأَنَّ﴾: للتوكيد. ﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه. ذا: اسم إشارة للقريب، يشير إلى كون الصراط المستقيم قريباً. ﴿صِرَاطِى﴾: أيْ: دِين الإسلام. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾: لا اعوجاج فيه، والصراط المستقيم؛ يعني: الطريق المعبد المستقيم الذي يوصلك إلى غايتك بأقرب مسافة، أو أقصر زمن، ومن دون مشقة، أو عوائق. ونسبه الله إليه؛ فقال: ﴿صِرَاطِى﴾: تشريفاً لهذا الدِّين؛ فهو دِين الله ﷻ . ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾: الفاء: للتوكيد.

стр. 1497

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾: أي: الطرق الضالة المنحرفة، كما قال ﷺ : «وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁. ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: أيْ: فتضلكم عن دِينه. ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٥١) من نفس السورة. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: لعلَّ: للتعليل. تتقون: بامتثال أوامر الله تعالى، وتجنب نواهيه. ارجع إلى الآية (١٥١) في نفس السورة للمقارنة والبيان. سورة الأنعام [٦: ١٥٤] ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: هذه شغلت عقول المفسرين؛ فمنهم من قال: (ثم): للترتيب، ترتيب الأخبار، فبعد ذكر الوصايا التي جاءت في الألواح، ثم آتينا موسى الكتاب (التوراة) تماماً على الذي أحسن؛ حيث الألواح نزلت قبل نزول التوراة. ومنهم من قال: (ثم): حرف عطف على ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، والتقدير عندها يكون: تعالوا أتلُ ما حرَّم ربكم عليكم، ثم أتلُ عليكم، ما آتى اللهُ موسى ﵇. ومنهم من قال: (ثم): للترقِّي في الأخبار؛ حيث كان إيتاء موسى ﵇ الكتاب قبل مجيء رسول الله ﷺ ، وتلاوته؛ لما أنزل عليه ربه ، ثم لتباين الصفات،

стр. 1498

وتعني: أعظم مما تلوته عليكم، هو ما آتينا موسى الكتاب، وأنزلنا هذا الكتاب المبارك (أي: القرآن). ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أي: التوراة. ﴿تَمَامًا﴾: تاماً كاملاً؛ أيْ: دفعة واحدة. ﴿عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾: الذي أحسن، قيل: هو موسى ﵇، أحسن في الطاعة، والتبليغ، والعبادة. ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾: لكل شيء تحتاج إليه بنو إسرائيل من الأحكام، والشرائع، والعبادات، والمعاملات. ﴿وَهُدًى﴾: مصدر للهدى، يهدي للحق، أو سبب للهدى، يهدي إلى الوصول إلى الغاية، وهي رضوان الله تعالى، وسعادة الدارين. ﴿وَرَحْمَةً﴾: نعمة لمن عمل به، وامتثل أوامره، وتجنب نواهيه، والرحمة تعني: وقاية لكم من الضرر، وجلب ما يسرُّ. ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾: لعلَّهم: لعلَّ: للتعليل، لعلَّ بني إسرائيل. ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾: لعلَّهم يؤمنون بالبعث، والجزاء، ولقاء ربهم، وما يترتَّب عليه من الاستعداد. قيل: كانوا قليلاً ما يؤمنون بالآخرة. سورة الأنعام [٦: ١٥٥] ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: ﴿وَهَذَا﴾: الواو: استئنافية، هذا: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة؛ للقريب.

стр. 1499

﴿كِتَابٌ﴾: أي: القرآن. ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾: أي: جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. ﴿مُبَارَكٌ﴾: كثير الخير، والبركة، والنفع الدنيوي، والأخروي. ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾: الفاء: للتأكيد، اتبعوه؛ أي: العمل بما فيه، والأخذ بما جاء به؛ من الشرائع، والأحكام، والعبادات، والعقائد، والإيمان به كاملاً، وعدم الأخذ ببعضه، والكفر ببعضه. ﴿وَاتَّقُوا﴾: امتثلوا لأوامره، وتجنبوا نواهيه، واتقوا مخالفة ما جاء به، واتقوا تحريفه، أو تبديله، كما فعل الآخرون بالتوراة والإنجيل. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: لعلَّ؛ للتعليل، ترحمون باتباع هذا القرآن، والأخذ بالأسباب الأخرى المطلوبة لنيل الرحمة، كالجنة، ورضوان الله ، مثل: الدعاء، والتضرع، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: في الدنيا والآخرة. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (٨)؛ لمزيد من البيان، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٥٠) في سورة الأنبياء وهي قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾: نجد أن آية الأنبياء جاءت على الأصل تقديم الصفة مبارك على أنزلناه، أما في آية الأنعام قدمت أنزلناه أولاً؛ لأن الآية جاءت رداً على زعم اليهود أن الله ما أنزل على البشر من شيء فقدم الإنزال للاهتمام والرد عليهم مباشر.

стр. 1500

سورة الأنعام [٦: ١٥٦] ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾: ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ للتعليل، ومنهم من قال: ﴿أَنْ﴾: تعني: لئلا تقولوا. ﴿تَقُولُوا إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر. ﴿أُنْزِلَ الْكِتَابُ﴾: أي: التوراة والإنجيل. أنزل: تعني: دفعة واحدة. ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾: اليهود، والنصارى، ومن: تفيد القرب في الزمان؛ أيْ: منذ زمن غير بعيد. ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، إن: المخففة: تفيد التوكيد. ﴿كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ﴾: الدراسة؛ تعني: القراءة، والتعلم، وعلم ما فيهما. ﴿لَغَافِلِينَ﴾: اللام: لام التوكيد، غافلين؛ أيْ: لم يصل إلينا علم ما في التوراة، والإنجيل؛ أيْ: لا نعلم ما فيها؛ أيْ: لئلا يكون لكم حُجَّة أن تقولوا: لم ينزل علينا أيُّ كتاب، مثل: التوراة، والإنجيل، ولم ندرس ما في التوراة والإنجيل؛ لأنهما ليستا بلغتنا، فأنزل الله -جل وعلا- القرآن العظيم بلغتكم، ولتنقطع حجتكم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان عن غافلين. سورة الأنعام [٦: ١٥٧] ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾: ﴿أَوْ﴾: للتخيير.

стр. 1501

﴿تَقُولُوا لَوْ أَنَّا﴾: لو حرف شرط وتمنٍّ، أنا: ضمير الشأن. ﴿لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ﴾: لو أنزلنا علينا القرآن جملة واحدة. ﴿الْكِتَابُ﴾: قد يعني: القرآن، أو التوراة. كما أنزل على الطائفتين من قبلنا؛ أي: اليهود، والنصارى. ﴿لَكُنَّا﴾: اللام: تفيد الاختصاص، والتوكيد. ﴿أَهْدَى مِنْهُمْ﴾: أهدى من اليهود، والنصارى. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد، قد: للتحقيق، وزيادة التوكيد. ﴿جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: بيِّنة: هي القرآن، والقرآن: هو المعجزة الخالدة الباقية على مدى العصور؛ فهو منزل من ربكم، وقال : ﴿جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ﴾، ولم يقل: (جاءتكم بيِّنة)؛ فالتأنيث؛ يعني: أن البيِّنة هي معجزة، من المعجزات التي أنزلت على أقوام، وزالت وانطمرت، ولم يبق لها أيُّ أثر يذكر، وتذكير البيِّنة كما في هذه الآية: يدل على أهمية وقوة هذه البيِّنة. ﴿وَهُدًى﴾: مصدر للهدى، أو سبب للهدى، والوصول إلى الغاية. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: مصدر رحمة، لمن عمل به، وأخذ به، وأطاع أوامره، وتجنَّب نواهيه، تجلب لكم الخير، وتدفع عنكم الضرر، ووقاية لكم من الوقوع في المعاصي. ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: ﴿فَمَنْ﴾: الفاء: استئنافية، من: شرطية.

стр. 1502

﴿أَظْلَمُ﴾: على وزن أفعل، مبالغة في الظلم؛ أيْ: لا أحد أظلم منه. ﴿كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: بآيات القرآن العظيم، والباء: للإلصاق. ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: الصدف: النفور الشديد عن آيات الله، ولم يؤمن بها، وأصل الصدف: هو ترك المكان، والذهاب إلى الجانب البعيد؛ حتى لا يسمع شيئاً مما يقال. ﴿سَنَجْزِى﴾: السين؛ للاستقبال القريب. ﴿الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾: ينفروا عن آيات ربهم بشدة، أو يصرفون الناس عن الإيمان، والقرآن. ﴿عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ﴾: سوء العذاب؛ أيْ: أشده. ﴿بِمَا﴾: الباء: باء السببية، أو البدلية. ﴿بِمَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي، أو مصدرية. ﴿كَانُوا﴾: في الدنيا. ﴿يَصْدِفُونَ﴾: يعرضون عن آيات الله، ولا يطيقون سماعها، أو الالتفات إليها، أو يكذبونها، أو يستهزئون بها.

стр. 1503

سورة الأنعام [٦: ١٥٨] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾: المناسبة: بعد أن بيَّن -جل وعلا-: أنه أنزل الكتاب (القرآن)؛ كبيِّنة، وهدى، ورحمة، فلم يعُد لهم عذرٌ لعدم الإيمان، ولذلك ينذرهم بسوء العذاب. ﴿هَلْ﴾: استفهام؛ تتضمن معنى النفي، والاستنكار؛ أيْ: ما ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة. ﴿يَنْظُرُونَ﴾: ولم يقل: ينتظرون؛ لأنهم لم يصدقوا أنه سيقع. ينتظرون: انتظار معه ترقب؛ أيْ: توقع ما سيحدث، وطول في وقت الانتظار. أما ينظرون: فانتظار؛ من دون ترقب، بل يأتي فجأة بغتة، ويقع بسرعة؛ أيْ: ليس هناك طول انتظار. ﴿إِلَّا أَنْ﴾: إلا: للحصر، أن: مصدرية؛ للتعليل. ﴿تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: ملائكة الموت؛ لقبض أرواحهم، أو تأتي الملائكة يوم القيامة؛ لقوله -جل وعلا-: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]. ﴿أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ﴾: يوم القيامة؛ لقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠].

стр. 1504

وقيل: ﴿يَأْتِىَ رَبُّكَ﴾: تعني: يأتي أمر ربك؛ أي: العذاب، والهلاك. ﴿أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾: قيل: هي علامات الساعة الكبرى، أو أشراط الساعة مثل طلوع الشمس من المغرب، أو ظهور الدابَّة، أو يأجوج ومأجوج، والدجال، ونزول عيسى ﵇. ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾: أيْ: إذا ظهرت الآيات الكبرى، للساعة، أو أشراط الساعة. ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: لا توبة، ولا إيمان بعد ذلك، لا: النافية للجنس؛ أيْ: إن جاءت هذه الآيات فلن يعد هناك تكليف، أو عبادة تقبل من العبد بعد ظهور هذه الآيات. ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾: أيْ: آمنت، عملت الصالحات قبل عِلمها بمجيء الساعة، ومعنى كسبت في إيمانها خيراً، ليس كإيمان فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ﴾. ﴿آلْئَانَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩١]. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٨٦) لبيان معنى الكسب. ﴿قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾: فيها تهديد، ووعيد لمن يرجئ توبته، وإيمانه حتى حدوث هذه الأمور؛ أيْ: أشراط الساعة، قل لهم يا محمد: انتظروا مثل أيام الذين خلوا من قبلكم، أو يأتي بعض آيات ربكم، ونحن منتظرون وعد ربنا، بالنصر والنجاة؛ لمن آمن، والهلاك والعذاب، لمن أعرض وكفر بآيات ربِّه.

стр. 1505

﴿مُنْتَظِرُونَ﴾: جملة اسمية؛ تدل على الثبوت؛ أيْ: سوف ننتظر، ولن نكفَّ عن الانتظار حتى النهاية. سورة الأنعام [٦: ١٥٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، الذين: اسم موصول؛ يفيد الذمَّ، والذي: قد تعني: اليهود، والنصارى، وأهل الضلالة من هذه الأمة. ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾: وهم أهل البدع، والضلالة، والشبهات، فرَّقوا دِينهم: تعني: آمنوا ببعض، وكفروا ببعض. ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾: فرقاً، وجماعات، ومذاهب شتى، والشيعة: جماعة تتبع أمراً، سواء أكان خيراً، أم شراً. وفي قراءة أخرى: إن الذين فارقوا دِينهم؛ أيْ: تركوا دِينهم؛ أيْ: ارتدوا، أو ابتدعوا. ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ﴾: أيْ: أنت بريء منهم، وهم منك بُراء. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر. ﴿أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾: مصيرهم، جزاؤهم، عقابهم موكل إلى الله تعالى. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾: ثم: تفيد الترتيب، والتراخي؛ أيْ: يوم القيامة ينبِّئهم. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد، ما: اسم موصول بمعنى الذي، وما أوسع شمولاً من الذي. ﴿كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: يفعلون: العمل يشمل الفعل والقول؛ فالفعل جزء من العمل؛ أي: العمل أشمل في الدنيا من خير، أو شر، أو تفريق، وابتداع في الدِّين.

стр. 1506

سورة الأنعام [٦: ١٦٠] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ﴿مَنْ﴾: ابتدائية شرطية. ﴿جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ الحسنة: هي كل عمل من قولٍ، أو فعل خير، يورث ثواباً. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمزيد من البيان. وحسنة: جاءت من حسن، والتاء تسمَّى تاء المبالغة، كقولك: فلان علَّامة، وثواب الحسنة بعشر أمثالها جمع مِثِل: المثِل هنا يعني حسنة وعشر أمثالها أي عشر حسنات، وعشر (مذكر) حسنات (مؤنث) والعدد من (٣ - ١٠) يخالف المعدود في التذكير والتأنيث ولذلك جاءت عشر ولم يقل عشرة، وقد يضاعف ذلك إلى سبعمئة ضعف، وهذا من رحمته -جل وعلا-، وفضله. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ تفيد التوكيد، لا: النافية. ﴿يُجْزَى﴾: من الجزاء. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مِثْلَهَا﴾: أيْ: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وهذا من رحمته . ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: وهم: ضمير منفصل؛ يفيد توكيد عدم ظلمهم، ولو كان مثقال ذرة، فلا تنقص من حسناتهم حسنة، ولا تزد سيئاتهم سيئة. سورة الأنعام [٦: ١٦١] ﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ .

стр. 1507

﴿قُلْ إِنَّنِى﴾: زيادة النون؛ تفيد التوكيد على الهداية، أو أنَّه هداني؛ أيْ: دلّني. ﴿رَبِّى﴾: من الربوبية. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: دِين الإسلام، دِين الحق. ﴿دِينًا قِيَمًا﴾: قِيَماً: وليس ديناً قَيَماً؛ أي: مستقيم، أو قائماً على سائر الكتب كما جاء في سورة الكهف في آية (٢) وإنما قال ديناً قيماً الاستقامة؛ أيْ: لا تقوم الحياة إلّا به، مستقيماً لا عوج فيه. و ﴿قِيَمًا﴾: صيغة مبالغة في الاستقامة ليس فقط مستقيم وإنما أبلغ أو كامل الاستقامة ليس هناك أفضل من الاستقامة؛ أيْ: أبلغ من القائم، وإنما قيم على مصالح العباد. ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾: شريعة إبراهيم ﵇. ﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً عن الأديان الباطلة إلى دِين الحق. ارجع إلى الآية (١٣٥) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ما: النافية لكل الأزمنة؛ من المشركين: من: المفرد والمثنى والجمع للعاقل، والمشركين: جمع مشرك. سورة الأنعام [٦: ١٦٢] ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﷺ : ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿صَلَاتِى وَنُسُكِى﴾: نسكي؛ أيْ: عبادتي، والنسك: تطلق على أفعال الحج خاصة، والنسك: يدخل فيها النحر؛ لأن الكفار كانوا يتقرَّبون إلى آلهتهم بالنحر، وكلُّ ما يتقرَّب به إلى الله ﷻ يُعدُّ نُسكاً؛ فالنسك تطلق على كل عبادة بما فيها أعمال الحج؛ فالطواف نسك، والسعي نسك، والرمي والوقوف بعرفة.

стр. 1508

﴿وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى﴾: ومحياي: كل ما أعمله في حياتي، وما أموت عليه: من الإيمان، والعمل الصالح، كله لله رب العالمين، أو حياتي؛ أيْ: طاعتي لله. ﴿وَمَمَاتِى﴾: أيْ: رجوعي إلى الله رب العالمين؛ فصلاتي وعبادتي ومحياي ومماتي كلها خالصة لله رب العالمين من الشرك، والرياء. سورة الأنعام [٦: ١٦٣] ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾: لا: النافية، لا شريك له في ذاته، ولا في ألوهيَّته، ولا في ربوبيته، ولا في صفاته وأسمائه. ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾: أي: أمرني ربي. ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: لها عدة معان منها: أول المسلمين من أمته ﷺ ، والرسول ﷺ ؛ أي أمة محمد ﷺ ، وأول المسلمين قد لا تعني الترتيب الزمني، وإنما تعني أشد المسلمين إسلاماً، أو من أمة الإسلام من آدم إلى أمة محمد ﷺ ، أول المسلمين تطبيقاً للإسلام؛ أيْ: في شدة الأداء. سورة الأنعام [٦: ١٦٤] ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ؛ رداً على دعواهم لك على عبادة آلهتهم، وترك أمر الدِّين، والرجوع عنه. ﴿قُلْ أَغَيْرَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، وغير: تفيد المغايرة بالذات في هذه الآية. ﴿أَبْغِى رَبًّا﴾: ألتمس، أو أطلب ربّاً خالقاً، ومربِّياً، ورازقاً؛ أيْ: لا أبغي ربّاً إلا الله وحدَه؛ فهو يكفي: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٣٢]. ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ﴾: مالكه، وخالقه، ومدبِّره.

стр. 1509

﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾: قال: ﴿عَلَيْهَا﴾: وليس: لها؛ لقوله في آية أخرى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾: لها ما كسبت من الحسنات، وعليها ما اكتسبته من السيئات. ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: ولا تتحمل نفس وازرة؛ أيْ: إثم أو ذنب نفس أخرى، فكل إنسان مجزيٌّ بعمله، سواء أكان صالحاً، أم سيئاً؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ﴾: ثم: للترتيب، والتراخي، ثم يوم القيامة إلى ربكم مرجعكم للحساب، والجزاء. تقديم الجار والمجرور ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾: يدل على الحصر؛ أيْ: فقط إليه -جل وعلا- مرجعكم، لا إلى غيره . ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد. ﴿كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: كنتم: في الدنيا. فيه تختلفون: من أمور الدِّين، والحق، والباطل، والآيات، والأحكام. سورة الأنعام [٦: ١٦٥] ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: الخطاب إلى أمة محمد ﷺ . ﴿وَهُوَ﴾: الواو: استئنافية، هو: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد، والحصر، تعود على الله -جل وعلا-. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول؛ يفيد التعظيم. ﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾: خلائف جمع خليفة (ارجع إلى سورة البقرة

стр. 1510

آية (٣٠) للبيان) وردت كلمة ﴿خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ مرتين في القرآن، وخلائف في الأرض مرتين، ووردت كلمة خلفاء الأرض ثلاث مرات. فنحن أمام ثلاثة فروق: ١ - خلائف الأرض: أعم وأشمل من قوله خلائف في الأرض، وتعني: العباد الصالحون المسلمون؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. ٢ - خلائف في الأرض: تأتي في سياق الأقوام الكافرة الفاسدة؛ التي أهلكت بسبب أعمالها السيئة. ٣ - خلفاء في الأرض: أي: الحاكمون، أو الحكام، جمع خليفة: (ملوك، ورؤساء، وحكام للدول)؛ خلفاء على كرسي الحكم، أو العرش. والآيات التي وردت فيها كلمة ﴿خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ هي: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِى الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [يونس: ٧٣]. وأما الآيات التي وردت فيها كلمة: ﴿خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ فهي: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِى الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤٢]. ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِى الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩]. وأما الآيات التي وردت فيها كلمة خلفاء؛ فهي: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤].
следующие страницы →