← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾: فسليمان لم يتعلم السحر، ولم يعلم السحر لأحد، ولم يكفر، ومنهجه؛ منهج رباني، وليس من منهج الشياطين، الّذين يعملون له بإذن ربهم. وحين اتَّهمه اليهود بأنه يعلم السحر، أخذ سليمان كل كتب السحر، ودفنها تحت عرشه، وبعد موت سليمان عثرت الشياطين على مخبأ الكتب، فأخرجتها، وأذاعتها بين النّاس، وانتشر بين النّاس، أنّ سليمان كان يسيطر على الإنس والجن بسحره، وأنه ليس نبياً، وأنّ منهجه مبنيٌّ على السحر، وما تتلوه الشياطين. ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: ولكن حرف استدراك، وتوكيد، كفروا؛ لأنهم كانوا يعلمون النّاس السحر، واستمروا على ذلك حتّى أنّ أهل المدينة المنورة، كانوا يخافون من سحر اليهود. ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: أما هاروت وماروت؛ اسمان أعجميان، لملكين من الملائكة، أنزلهما الله إلى الأرض؛ ليتعلم النّاس منهما علم السحر، والسحر: هو التمويه، وتخيل الشيء، بخلاف حقيقته، فالسحر لا يقلب حقيقة الشيء، بل يظل الشيء على حقيقته، ولكن السحر يقع للرائي، فيرى الأشياء على غير حقيقتها، فهو شيء مؤثر في النفوس، ومن خلال ذلك يستطيع المرء أن يفرق بين السحر والخوارق والمعجزات، الّتي تؤيد نبوة الرسل، وإزالة الشك من عقول النّاس، والتفريق بين السحر الباطل من الخوارق والمعجزات، الّتي قد تبدو كالسحر، وما هي من السحر، وكان لهما منهج واضح؛ كما يلي: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾: ﴿وَمَا﴾: النّافية. ﴿يُعَلِّمَانِ مِنْ﴾: ابتدائية، استغراقية.

стр. 177

﴿أَحَدٍ حَتَّى﴾: حتّى؛ حرف غاية نهاية الغاية. ﴿يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾: قد تؤدي إلى الكفر، فلا تكفر. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾: أي: السحرة، والشياطين، يتعلمون من الملكين هاروت، وماروت. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الذي. ﴿يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾: أي: بالبغضاء، أو الكره، الذي يؤدي إلى الطلاق، والتفريق بين المرء وزوجه. ﴿وَمَا هُمْ﴾: وما السحرة والشياطين بضاربين به بالسحر. ﴿بِضَارِّينَ﴾: للتوكيد، والباء للإلصاق، والتوكيد. ﴿بِهِ﴾: بالسحر، ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾: من: للتوكيد. ﴿بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: ولا يحصل الضرر إلّا بإذن الله، إلّا أداة استثناء، إلّا: بمشيئة الله، وإرادته، والسماح بذلك، وبإذن الله تستعمل للعمل الذي لا دخل لنا فيه ولا إرادة. بينما يستعمل ما شاء الله، أو شاء الله في الأعمال الّتي تقوم بها أنفسنا، أو نتدخل بها شخصياً. ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾: أي: تعلم السحر يضر، ولا ينفع، ومهما افترى الساحرون، أنه مهارة، وحرفة، أو للتسلية، أو ربح المال، أو فن، كل ذلك أكاذيب. ﴿مَا﴾: اسم موصول، بمعنى الذي يضرهم. ﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾: لها نفس المعنى، لا يضرهم، وتفيد زيادة التّوكيد، بعدم النفع، وجلب الضرر. وقدم دفع الضر على النفع في هذه الآية؛ لأنه أهم وأعظم

стр. 178

من جلب النفع؛ أي: الضر الناجم عن السحر أعظم من المنافع المادية التي قد تحصل نتيجة السحر. ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو؛ عاطفة، لقد: اللام للتوكيد، قد: تحقق وثبت. ﴿عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: اللام: لام التّوكيد، والابتداء، من: بمعنى الذي. ﴿عَلِمُوا﴾: اليهود. ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: أي: اختار السحر، أو تعلمه. ﴿مَا لَهُ فِى الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: الخلاق: من الخلق؛ أي: التقدير، وتعني: النصيب فهي تفيد كلا المعنيين؛ أي: ما له في الآخرة من أي نصيب قُدِّر له، ومن: استغراقية للتوكيد؛ أي: عمله الصالح حابط، أو باطل. ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾: الواو عاطفة، واللام لبئس؛ للتوكيد، وبئس؛ فعل من أفعال الذم. ﴿مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾: باعوا به بالسحر أنفسهم؛ أي: اشتروا السحر، وباعوا أنفسهم. ارجع إلى الآية (١٦) من نفس السورة لبيان الفرق بين شرى واشترى. ﴿لَوْ﴾: شرطية. ﴿كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: ما ينتظرهم من عقاب. سورة البقرة [٢: ١٠٣] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: حرف امتناع لامتناع. ﴿أَنَّهُمْ﴾: أي: اليهود. ﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾: آمنوا بالتوراة، والإيمان الحق، وتركوا السحر، واتقوا الله؛ بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، لاستحقوا الثواب العظيم، أو آمنوا برسول الله، أو القرآن.

стр. 179

﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾: المثوبة هي الثواب على العمل الصالح، يقابلهما العقوبة على العمل السيِّئ، ومشتقة من ثاب: أي: رجع. وكلمة مثوبة؛ مأخوذة من نفس معنى كلمة ثوب، وجمعه ثياب، والثياب؛ قد تصنع من الصوف، فكانوا قديماً؛ يأخذون أصواف الغنم، فيعطونها لغيرهم لتغزل، وتنسج ثوباً، ثم تعود الأصواف إلى أصحابها كثوب، ولذلك؛ سمِّيت المثوبة؛ لأنّ الخير يعود على صاحبه بالنفع. والثواب يقال في الخير والشر، وفي الخير غالباً. ومثوبة نكرة، ولكن قوله: ﴿مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: تصبح أقرب إلى المعرفة. وأصل الجملة: ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا، ولكن أبدل لأثيبوا بمثوبة؛ فعبَّر بالجملة الاسمية، الّتي تفيد الثبوت والاستقرار بدلاً من الفعلية لأثيبوا. ﴿لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أنّ ثواب الله خيرٌ مما تعلموا من السحر وليس عندهم أي علم حقيقي، ولأنّ ما ادعوا أنه علم (أي: السحر)، سيكون حُجة عليهم؛ لأنهم لم ينتفعوا بعلمهم، وخالفوا أمر الله وكتابه، واتبعوا أهواءهم. سورة البقرة [٢: ١٠٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا﴾: أداة للنداء البعيد، والهاء للتنبيه. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء للذين آمنوا، الّذين هم على طريق الإيمان، بأمرٍ جديد. ﴿لَا﴾: الناهية. ﴿تَقُولُوا رَاعِنَا﴾: أي: راعنا سمعك؛ أي: اسمع لنا، ولا تعجل علينا، أو تأنَّ بنا، حتّى نفهم ما تقوله، ونحفظه، وتعني الرعاية؛ أي: تمهل بنا، وارفق بنا.

стр. 180

والسبب في نزول هذه الآية: أنّ المسلمين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! اسمع لنا، أو ترفق بنا، أو تمهل بنا. وكلمة راعنا في اللغة العبرانية تعني: سباً قبيحاً، أو بمعنى اسمع لا سمعت، وقيل: هي من الرعونة؛ أي: الجهل والحماقة. فلما سمع اليهود هذه الكلمة، أخذوا يخاطبون رسول الله ﷺ بها، قاصدين بها السب، والاستهزاء، يقولون: يا محمّد راعنا، ويضحكون. فجاء الأمر من الله سبحانه، بالنهي عن استعمال كلمة (راعنا)، لكي يحمي رسوله ﷺ ، من أي شتم، أو استهزاء، وأبدلها بلفظ آخر، هو ﴿انظُرْنَا﴾. ﴿وَقُولُوا انظُرْنَا﴾: أي: تأنَّ علينا، أو أمهلنا، أو أنظر إلينا، أو انتظرنا. ﴿وَاسْمَعُوا﴾: إلى ما يأمركم به الله ورسوله، وإلى ما ينهاكم عنه سمع طاعة. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: اللام؛ لام الاستحقاق أو الاختصاص. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾، ومنهم: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ لمن أذى رسول الله ﷺ ، وأساء إليه، وهذا تهديد ووعيد. سورة البقرة [٢: ١٠٥] ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِنْ رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: ﴿مَا﴾: النّافية؛ للحال، والمستقبل. ﴿يَوَدُّ﴾: من الود، وهو ميل القلب إلى ما يحبه. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: أي: الّذين كفروا من اليهود والنصارى. ﴿مِنْ﴾: استغراقية، تستغرق كل الّذين كفروا.

стр. 181

﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾: لا: لتأكيد النفي. ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾: من قريش، أو العرب. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري، يفيد التأكيد. ﴿يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: لشدة عداوتهم، ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾: من استغراقية، تستغرق كل شيء، يسمى خيراً، وضد الخير: الشر، وخير نكرة، مهما كان نوعه، وكمه، وشكله، من خير، معناه: في هذه الآية: الوحي، ومنهج الله، ونبوة رسوله محمّد ﷺ . ﴿مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: الإضافة للتشريف، ﴿مِنْ﴾: الابتدائية. ﴿رَّبِّكُمْ﴾: لأنه الرب، هو مصدر الخير، والرزق، والمربي، والخلاق، والمدبر. وبهذا يكشف الحق سبحانه، لعباده المؤمنين، ما يكنه الّذين كفروا، من اليهود، والنصارى، والمشركين، من العداوة لهم، بعد أن رفضوا الإيمان، والاعتراف بمحمد ﷺ ، وأنهم لا يريدون لكم أيَّ خير. ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يعطي النبوة لمن يشاء، ويختار، من البشر حسب ما تقتضيه حكمته. ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾: والرحمة تشمل النبوة، والإسلام، والهداية، وغيرها من مظاهر الرّحمة، وهي جلب ما يسر، ودفع ما يضر. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: إشعاراً بأنّ إيتاء النبوة؛ من الفضل العظيم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٧].

стр. 182

سورة البقرة [٢: ١٠٦] ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿مَا﴾: شرطية. ﴿نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: النسخ: تعريفه: رفع الحكم الشرعي؛ بدليل شرعي آخر، متأخر عنه. النسخ لغةً: الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل؛ أي: أزالته، وذهبت به. إذن النسخ، هو إزالة حكم ما، والمجيء بحكم آخر، أو نزيل آية كانت موجودة، ونأتي بآية أخرى. ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: من النسيان، تعني: أنّ الله يجعل الإنسان أو النّاس يسهون، أو يغفلون عنها، فلا يذكرونها؛ أي: يمحيها من الذاكرة. ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾: والسؤال هنا، إذا كان هناك خيرٌ منها، فلماذا لم يأت الله بالخير من البداية؟! الجواب: المعنى ليس كذلك، وإنما المعنى: أنّ الآية المنسوخة كانت خيراً في زمانها، وجاءت الآية الثانية، فكانت زيادة في الخير، وكلاهما خير في زمنه وبيئته. وليس معنى ذلك: أنّ الله سبحانه قد حكم بشيء، ثم جاء واقع آخر،

стр. 183

أثبت أنّ الحكم قاصر، فعدل الله سبحانه عن ذلك الحكم؛ هذا غير صحيح، ومرفوض. لأنّ الله سبحانه يعلم منذ الأزل أنّ لهذا الحكم وقتاً محدداً وينتهي، ثم يحل مكانه حكم جديد، أو لا ينتهي أجله، ويبقى إلى يوم القيامة، ولا يجوز مقارنة القوانين الربانية، بالقوانين الوضعية، (الّتي يضعها البشر). وهناك من يقول: لا نسخ في القرآن أبداً، وهناك من يقول: هناك نسخ، واختلف السلف عن الخلف في عدد الآيات المنسوخة من (٢٠٠) آية إلى (٧ - ١٠) آيات، واعلم أنّ النسخ في بعض الأحكام الشرعية، (وهو قليل جداً)، ولا يقع النسخ في العقيدة، ولا في الأخبار، والنسخ مخصوص بزمن الوحي في حياة الرسول ﷺ ، أما بعد وفاته، فقد اكتمل الدِّين، وانقطع وحي السماء، فلا نسخ بعد، والحكمة من النسخ، قد تكون للتدرج في تربية الأمة، أثناء انتقالها من الجاهلية إلى الإسلام، والتخفيف على المسلمين من الأصعب إلى الأسهل. وهو ابتلاء، واختبار لإيمان المسلمين. والنسخ كان في آيات معدودات، وقد كان لبيان مجمل، أو تقيد مطلق، أو تخصيصاً لعموم، وخير مثال على ذلك: تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، وآية المواريث، وعدة المتوفَّى عنها زوجها. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: الهمزة في ﴿أَلَمْ﴾: همزة استفهام تقريري، لإقامة الحجة على العبد، فبدلاً من أن تأتي الآية كخبر من الله تعالى، يخبر فيها عن ذاته، أنه على كل شيء قدير، جاءت بشكل استفهام إقراري، وأن يكون الخبر من المخاطب، وليس منه سبحانه. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾: أي: اعلم علماً يقيناً أنّ الله على كل شيء قدير: المخاطب

стр. 184

النّبي ﷺ ، وأمته، ولمعرفة معنى أنّ الله على كل شيء قدير، ارجع إلى الآية (٢٠) من سورة البقرة. سورة البقرة [٢: ١٠٧] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾: ارجع إلى الآية السابقة. ﴿أَنَّ﴾: للتوكيد، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: له قصراً، وحصراً، وليس لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: هو المالك، والحاكم وحده لا شريك له، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ومن فيهن؛ أي: السموات؛ كظرف ومظروف، والأرض؛ كظرف ومظروف. والإنسان لا يملك حقيقةً شيئاً، إنما هو مستخلف وقدرته مقيَّدة. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية. ما: نافية. ﴿دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله. ﴿مِنْ﴾: استغراقية. ﴿وَلِىٍّ﴾: الولي؛ هو من يواليك ويحبك، ويُعينك حين الحاجة، أو الخوف، وهو القريب والصديق. ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: النصير: هو الذي عنده قدرة على أن ينصرك. والله سبحانه هو الولي؛ أي: المحب، والنصير -جل وعلا-، وكفى بالله ولياً، وكفى بالله نصيراً، والولي يختلف عن النصير. والفرق بينهما؛ أنّ الولي قد يكون ضعيفاً وغير قادر على النصرة؛ أي: ليس نصيراً، والنصير قد يكون أجنبياً؛ أي: ليس قريباً، ولا صديقاً له؛ أي: ليس ولياً.

стр. 185

ولذلك جاء بـ (لا النّافية)؛ لتفريق كلٍّ من الأمرين على حدة، أو كليهما معاً. سورة البقرة [٢: ١٠٨] ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: ﴿أَمْ﴾: الهمزة؛ همزة استفهام إنكاري. ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي. نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبيِّ بن كعب، ورهط من قريش؛ قالوا: يا محمّد اجعل لنا الصفا ذهباً، ووسع لنا أرض مكة، وفجر الأنهار خلالها تفجيراً؛ نؤمن بك. وقيل: إن اليهود، سألوا رسول الله ﷺ ، أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النّساء: ١٥٣]. فبعد أن سألوا رسول الله ﷺ الكثير من الأسئلة، كما ورد في سورة الإسراء الآيات (٦٣ - ٩٠)، وسورة الفرقان (٧ - ٨). كأنْ لم يبق لكم إلَّا أن تسألوه، كما سُئل موسى، من قبل: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾. وإذا انتبهنا إلى هذه الآية؛ لتبين لنا أنّ الله سبحانه، لم يشأ أن يشبه المسلمين باليهود، فقال: كما سُئل موسى من قبل؛ أي: بنى الفعل سُئل للمجهول، فقد كان من الممكن القول: أم تريدون أن تسألوا رسولكم، كما سأل اليهود موسى. ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: شرطية، جوابها: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. ﴿يَتَبَدَّلِ﴾: ولم يقل: يبدل، ﴿يَتَبَدَّلِ﴾: تعني: كل فرد (قاعدة عامة). يبدل: تعني فرداً واحداً (قاعدة خاصة). ﴿يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾: يشتري الكفر بالإيمان، فالإيمان يمثل

стр. 186

الدراهم المدفوعة، والكفر هو المادة، والسلعة المشتراة؛ (انتبه إلى أنّ الباء تدخل على المتروك دائماً). ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أي: ثبت، ووقع، (لزيادة التّوكيد). ﴿ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: ﴿ضَلَّ﴾: أي: أخطأ الطريق، أو عدل عن الحق والهدى. والسبيل؛ هو الطريق، السهل، القصير، والموصل إلى الغاية. والسواء: هو الوسط. أي: ابتعد عن الصّراط المستقيم، الموصل إلى الغاية، إذ لم يمشِ في وسط السبيل، وراح يمشي يسرةً ويمنةً، فضلَّ عن سبيله، عن الإيمان، أو الحق، والهدى؛ أي: الإسلام. سورة البقرة [٢: ١٠٩] ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: سبب النّزول؛ كما قال ابن عبّاس ﵄: نزلت هذه الآية في نفر من اليهود، بعد وقعة أحد، قالوا لبعض الصّحابة: ألم تروا إلى ما أصابكم، فلو كنتم على الحق، ما هُزمتم، فارجعوا إلى ديننا، فهو خير لكم، فأخبر الصّحابة رسول الله ﷺ بما قيل لهم. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: ﴿وَدَّ﴾: أحب أو تمنى، ارجع إلى الآية (١٠٥) من نفس السورة لبيان معنى الود. ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: (اليهود)، من: ابتدائية.

стр. 187

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ NORTH AMERICAN IMAMS FEDERATION NAIF الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين إلى يوم الدين .. وبعد فإن القرآن الكريم هو الكتاب المبارك الذي أنزله الله رحمة للعالمين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم. صدق الله حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وكان من دلائل صدق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه الكريم إلى يوم الدين أن قيض له من أولي العلم والتهي من بذلوا جهودا مشكورة، وصفوا المصنفات، وألقوا المؤلفات في العلوم التي تتصل بهذا الكتاب الكريم وتشكل سياجًا منيعًا للحفاظ عليه، تلك التي عرفت بـ "علوم القرآن". وإن العمل في رحاب هذا الكتاب الكريم لهو شرف ما بعده شرف، وإن خدمة هذا النور الإلهي والكتاب الرباني لهو من أجلّ ما يتشرف به الإنسان ويعتزّ به حيث شهد له من أنزل عليه هذا الكتاب صلوات الله وتسليماته عليه بالخيرية والأفضلية عندما قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري. وكان من توفيق الله لأخي الدكتور الفاضل محمد الهلال أن شارك بهذا الجهد الطيب في هذا المضمار وهو أخ عرفته عن قرب من خلال الزيارات الشخصية المتبادلة ومن خلال العلاقة الأكاديمية التي تربطني به كوني عميد الدراسات الإسلامية في الجامعة التي نال منها شهادة الدكتوراه. فأقول وقبل الكلام عن كتابة انه رجل وداعيه قمة في التواضع والأدب قد خلط بين العلم الشرعي والعلم الأكاديمي وخاصة الطب وبرع فيهما. وقد وهب الرجل قسم كبير من حياته لخدمة كتاب الله تعالي تعلما وتعليما من خلال منابر المساجد وله في هذا المجال باع طويل، واختتم هذه المسيرة المباركة مع كتاب الله تعالي بعمل رائع أضاف من خلال كتابه في التفسير والذي يحمل عنوان: "تفسير القران الثري الجامع في الاعجاز البياني واللغوي والعلمي" والذي كنت اتشرف بأبداء بعض الملاحظات هنا وهناك حسب رغبة فضيلة الدكتور ومختصر القول بأن هذا التفسير إضافه جميلة لكتب التفسير بأسلوب سهل ميسر يفهمه الجميع وهو غني بالمسائل اللغوية والعلمية في قالب جذاب مراعيًا التقيد بكل ما هو ضروري لمن يكتب في هذا الفن والله أسال أن يبارك في الكتاب وصاحبة وأن ينفع به المسلمين. آمين وصلى الله على نور الدين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الأستاذ الدكتور عمر شاهين مؤسس ورئيس اتحاد الأئمة بأمريكا الشمالية سابقًا نائب رئيس جامعة مشكاة سابقًا عميد برنامج الدراسات الإسلامية فينکس اريزونا بتاريخ: ٢٥/ ٩ /

стр. 188

ولا التثريب، أو المن على من عفوت؛ لأنّ الإنسان قد يعفو عن المذنب، ولكن بعد ذلك يؤنبه، ويمن عليه بعفوه، كأن يقول له: أنت لا تستحق هذا العفو. ﴿حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: بنصره، ومعونته، بالقتال، والجلاء، كما حدث لبني النظير، وبني قريظة، وقينقاع. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ارجع إلى الآية (٢٠) من سورة البقرة للبيان. سورة البقرة [٢: ١١٠] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: في الآية السابقة؛ قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. فلكي لا يردونكم كفاراً، فعليكم التمسك بالإيمان، وذلك بإقامة الصّلاة. ارجع إلى الآية (٣) من سورة البقرة للبيان، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ارجع إلى الآية ٤٣ من سورة البقرة للبيان، والقيام بالخيرات. ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا﴾: ما: شرطية، مطلقة، لغير العاقل والعاقل. ﴿تُقَدِّمُوا﴾: أي: تفعلوا ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾، (في حياتكم الدّنيا)، من استغراقية، ﴿خَيْرٍ﴾؛ نكرة، تشمل كل خير، من صلاة، أو زكاة، أو صدقة، أو عمل صالح، أو معروف، أو الصلاح بين النّاس، أو حسنة. ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾: تجدونه عند الله مكتوباً، أو تجدون ثوابه عند الله ثابتاً، ومضاعفاً أضعافاً كثيرة. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: إن: للتوكيد، وقدَّم ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ على كلمة ﴿بَصِيرٌ﴾؛ لأنّ الآية جاءت في سياق الأعمال الصالحة، ولو كان السياق في عمل قلبي، مثل: التقوى، والسياق في قدرة الله وصفاته، أو صفات الإنسان؛ لقدَّم ﴿بَصِيرٌ﴾.

стр. 189

﴿بَصِيرٌ﴾: يراكم، ويرى أفعالكم، وحركاتكم، أحاط بصره بكل المبصرات، في الكون، فلا تخفى عليه خافية في السموات، ولا في الأرض. سورة البقرة [٢: ١١١] ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿وَقَالُوا﴾: الواو استئنافية، وتعود لأهل الكتاب من اليهود والنصارى. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي، لنفي المستقبل القريب والبعيد. ﴿يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا﴾: أداة حصر، إلّا من كان يهودياً أو نصرانياً. ﴿مَنْ كَانَ هُودًا﴾: الهود: جمع هائد، ارجع إلى الآية (٦٢) من سورة البقرة للبيان. ﴿أَوْ﴾: للتقسيم. ﴿أَوْ نَصَارَى﴾: أتباع عيسى ﵇. ارجع إلى الآية (٦٢) من سورة البقرة. ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: تلك اسم إشارة للبعد. ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾: جمع أمنية، والتمني؛ قول القائل: ليت كان كذا، وليت لم يكن، والتمني معنى في النفس، ويقع على الماضي والمستقبل، وتلك أمانيهم الباطلة، الّتي يتمنوها. ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾: هي أمنية واحدة، فلماذا جاء بعدها؟ وقال تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: بالجمع؛ لأنّ هذه واحدة من أمانيهم، فأمانيهم كثيرة، مثل: ﴿يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾: أن لا يُنزل عليكم من خير، من ربكم. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: البرهان: هو الحجة القاطعة على اختصاصكم، بدخول الجنة، ولن يدخلها غيركم.

стр. 190

﴿إِنْ﴾: شرطية، تفيد أو تحمل معنى الشك. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: فيما تفترونه، وتقولونه على الله؛ أي: أنتم كاذبون حين قلتم لن يدخل الجنة إلَّا من كان يهودياً أو نصرانياً. سورة البقرة [٢: ١١٢] ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ﴿بَلَى﴾: للإضراب الإبطالي؛ إبطال ما قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾. ﴿بَلَى﴾: حرف جواب، لإثبات ما نفوه؛ لن يدخل الجنة إلّا من أسلم وجهه لله، وهو محسن. ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾: من شرطية. ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾: إسلام الوجه هو أعلى درجات الإيمان، وهي بالتدرج: الإسلام، الإيمان، التقوى، والإحسان، ثم إسلام الوجه. وإسلام الوجه: يعني: إسلام كل الجوارح، وخصَّ بالوجه؛ لكونه أشرف الأعضاء في الإنسان، وإسلام الوجه؛ يعني: الإخلاص لله وحده، وطاعته الكاملة، وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾: وليس إلى الله، اللام؛ تعني: الوصول، والاستقامة، وإلى؛ تعني: ما زال سائراً في الدرب للوصول إلى إسلام الوجه، والإخلاص. انظر إلى المقارنة القادمة في نهاية الآية. ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: هو ضمير منفصل، يفيد التّوكيد. ﴿مُحْسِنٌ﴾: اسم فاعل، من فعل: أحسن؛ الرباعي، والإحسان مصدر. وتعريف الإحسان: الإحسان لغةً: هو ضد الإساءة، ويقال: أحسنت الشيء؛ أي: جمَّلته وزيَّنته (كما قال ابن منظور في لسان العرب، وابن فارس في معجم اللغة)، فالإجمال: هو الإحسان الظاهر، وقيل: أحسن أتى بفعل حسن، وأحسن

стр. 191

إلى فلان؛ أي: نفعه؛ أي: هو النفع الحسن، ويشمل الأقوال والأفعال والأحوال، وكما قال تعالى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ [الرعد: ٢٢]. الإحسان اصطلاحاً وشرعاً: فلا يوجد أجمل وأروع من تعريف رسول الله ﷺ للإحسان حين سأله جبريل ﵇ فقال: ١ - أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك؛ أي: أن تحسن في أداء الأحكام، والعبادات، والفرائض، والنيات، والمقاصد، والأحوال، والمعاملات، والتقرب إلى الله تعالى، والإحسان إلى الوالدين، وذوي القربى، والخلق أجمعين، وإلى النفس، وإلى كل شيء، كما قال ﷺ في صحيح مسلم من حديث شداد بن أوس: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء حتى على الحيوان والنبات والشجر والجمادات والبيئة حتى العدو»؛ يعني: تتقن الأداء إتقاناً جيداً، وتخلص في العبادة المبنية على الحب والذل لله تعالى، والتي تشمل كل أوجه الحياة، ولا تقتصر على العبادات المعروفة، وهذا يسمى؛ إحسان الكيف. ٢ - وأن يزيد المؤمن في أداء هذه التكاليف، فوق ما فرض الله، مثل: النوافل، والصدقات، وصيام النفل، وكل شعب الإيمان، وهذا؛ يسمى: إحسان الكم. ووجوه الإحسان كثيرة، مثل: الإنفاق في المال، وتشفع لغيرك، والإحسان بالعلم، وإعانة الضعيف، وتفريج الكرب، وغيرها، والإحسان الأفضل أن تفعله، وأنت محب له، وليس كارهاً أو مجبراً. وحين تدخل في مقام الإحسان، فأنت تصبح من أولياء الله تعالى، وكما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: الفاء: للتوكيد. ﴿أَجْرُهُ﴾: ارجع إلى الآية (٦٢) في نفس السورة لبيان معنى الأجر.

стр. 192

﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة البقرة للبيان. ولنقارن هذه الآية (١١٢) من سورة البقرة، مع الآية (٢٢) من سورة لقمان، وهي قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. وآية سورة النّساء (١٢٥): ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. في آية لقمان، نجد فيها: ﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: لا يزال بحاجة إلى مزيد من التقوى، والإخلاص، فهو لا يزال في طريقه الموصل إلى درجة الإحسان. في آية سورة البقرة: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾: هذا وصل إلى درجة الإحسان، وأصبح من المحسنين، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. في آية النّساء ليس هناك أفضل منه ديناً. ارجع إلى سورة النساء آية (١٢٥)، وسورة لقمان آية (٢٢) لمزيد من البيان والفرق بين الآيات.

стр. 193

سورة البقرة [٢: ١١٣] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: قال ابن عبّاس ﵄: نزلت هذه الآية عندما اختصم فريق من يهود المدينة، وفريق من نصارى أهل نجران عند النّبي ﷺ . ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَىْءٍ﴾: أي: ليست اليهود على شيء، من الدِّين الحق، والشيء هو أقل القليل، مع العلم أنّ كليهما من أهل الكتاب. ﴿وَهُمْ﴾: الواو هنا: واو الحالية، تفيد التّوكيد، وهم: ضمير منفصل، يفيد زيادة التّوكيد. ﴿يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: أي: كلٌّ يتلو كتابه التّوراة والإنجيل، ويدَّعي أنه يؤمن بكتابه، ويصدق به، وبما أنّ التّوراة والإنجيل، يصدق كلٌّ الآخر، وليس في التّوراة ولا في الإنجيل أي شيء مما يزعمونه كلٌّ ضد الآخر، فإذا كانوا على مثل هذه الحال، فهم كالّذين لا يعلمون. ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: كذلك؛ تعني: حقاً مثل ما قالت اليهود، وقالت النصارى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. السّؤال من هؤلاء الّذين لا يعلمون؟ قيل: هم كفار قوم نوح، وهود، وصالح، أو مشركو العرب خاصة.

стр. 194

وما الذي ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: لا يعلمون كتاباً، ولا إلهاً، ولا ديناً، أو قالوا: لستم على شيء من الدِّين. ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: الفاء؛ للتوكيد، ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾: من الحكم بين الأنبياء، وأممهم، وبين الأمم المختلفة، يحكم من هو على الحق، ومن هو على الباطل. ﴿فِيمَا﴾: في ظرفية، ما: اسم موصول، بمعنى الذي، أو مصدرية. ﴿كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿فِيهِ﴾: من أمور الدِّين، والحق، والباطل. سورة البقرة [٢: ١١٤] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِى خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: الواو: استئنافية، من: استغراقية. ﴿أَظْلَمُ﴾: على وزن أفعل، من ظلم، والهمزة؛ للاستفهام، والإنكار، والنفي؛ أي: لا أظلم من ذلك، الذي يمنع مساجد الله، أن يذكر فيها اسمه، وهذا يطلق عليه الظلم العظيم، وقيل في أسباب نزول هذه الآية عدَّة روايات، أولها: نزلت في المشركين، حين صدوا رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام، عام الحديبية. وقيل: إن النصارى كانوا يطرحون الأذى في بيت المقدس، ويمنعون النّاس أن يصلوا إليه، كما يفعل اليهود الآن تماماً. وقيل: عن ابن عبّاس ﵄: إن قريشاً منعوا النّبي ﷺ من الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام.

стр. 195

وقيل: عن قتادة أنّ بختنصر وأصحابه غزو اليهود، وخربوا بيت المقدس، وأعانهم على ذلك النصارى من أهل الروم، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولم يقل: مسجداً بعينه؛ ليكون الوعيد شاملاً، لكل من يخرب، أو يمنع العبادة، في أي مسجد من مساجد الله، والمساجد هي بيوت الله على الأرض، الّتي تقام فيها الصلاة؛ أي: أماكن العبادة. ﴿وَسَعَى فِى خَرَابِهَا﴾: أي: تعطيلها، أو هدمها، أو إزالتها، أو جعلها غير صالحة؛ لأداء العبادة. ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، يفيد البعد، ويشير إلى من منع مساجد الله مثل الكفرة. ﴿مَا كَانَ﴾: ما لنفي الحال والمستقبل، ما كان يصح، أو يحق لهم أن يدخلوها إلَّا خائفين؛ أي: لا يدخل أحدٌ منهم مساجد الله آمناً بعد منعها إلَّا خائفاً. إلا: أداة حصر، وقيل: ما كان لهم أي في حكم الله أي شرعاً، إما بالحكم الكوني فهم يدخلوها. ﴿لَهُمْ﴾: اللام لام الاستحقاق. ﴿فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ﴾: مثل: القتل والجلاء. وما هو الخزي: ارجع إلى الآية (٨٥) البقرة، وقيل: الخزي: هو الشيء القبيح، الذي تكره أن يراك عليه النّاس، ويعني: الذل، والفضيحة، والذل؛ يعني: القتل، والجزية، والعذاب بكل أنواعه. ﴿وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:

стр. 196

في نار جهنم، وعظيم، هو أعظم أنواع العذاب، يشمل: العذاب المهين، والأليم، والمقيم، والكبير، والشديد. وتكرار لهم، تفيد التّوكيد، والاستحقاق، ولن يكفي أحدهما عن الآخر، بل عذاب الدّنيا، وعذاب الآخرة. سورة البقرة [٢: ١١٥] ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾: هذه الآية تتمة للآية السابقة، إذا حيل بين المسلم وبين دخول مساجد الله، أو أي مسجد ليصلِّي فيه، أو يذكر اسم الله بسبب تخريبها، أو المنع؛ لأي سبب؛ كالظلم، أو العتو، فله أن يصلِّي في أي مكان آخر، كما بيَّن ذلك رسول الله في حديث رواه البخاري، ومسلم، وقال: «وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً». ﴿وَلِلَّهِ﴾: الواو؛ استئنافية، لله: اللام لام الاختصاص، والملكية، وتفيد التّوكيد، وتقديم الجار والمجرور؛ لفظ الجلالة، يفيد الحصر، والقصر. ﴿الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾: ملكاً، وخلقاً، وشرقاً، وغرباً، وشمالاً، وجنوباً، ولم يذكر كل الجهات؛ لأنها تتحدد بتحدد شروق الشمس وغروبها. ﴿فَأَيْنَمَا﴾: الفاء: للتوكيد. أينما: أين: ظرف مكان مبهم، وأضيفت لها حرف ما لتزيد الإبهام؛ لتدل على وجود الله سبحانه بعلمه، في أي مكان، مهما كان في السموات أو في الأرض. سورة البقرة [٢: ١١٦] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: وقالت النصارى ـ افتراءً على الله ـ المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله ـ تعالى الله علواً ـ. ﴿وَلَدًا﴾: الولد؛ يطلق على الذكر، والأنثى، والمثنى والجمع.

стр. 197

﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: هذا أشنع الكفر، وأبشعه، ورغم كونهم كذبوا، وافتروا على الله، لم يرد الله عليهم، ويقول: إنكم كذبتم، فهو أعظم، وأكبر من أن يردَّ عليهم. ﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهاً مطلقاً لله في ذاته، وصفاته، وأفعاله، من أي نقص، أو عيب، وصاحبة، أو ولد، وكل ما لا يليق بكماله، وجلاله، وما كان يصح، وما يتصور في حقه -جل وعلا-. أن يقولوا ذلك. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب إبطالي؛ أي: يبطل ما قبله؛ أي: اتخذ الله ولداً. ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ﴿لَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص أو الملكية. ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: له ملك السموات، كظرف وما فيهن؛ أي: ما تحتويه، وله ملك الأرض؛ كظرف وما فيها كمظروف. ﴿مَا﴾: للعاقل وغير العاقل، وقدَّم: ﴿لَهُ﴾: للحصر. ﴿كُلٌّ﴾: يفيد الاستغراق، والإحاطة بكل شيء، والتوكيد. ﴿قَانِتُونَ﴾: جمع قانت، والقنوت: هو الخضوع والانقياد، والامتثال لأوامر الله والاستقامة على طاعته. و ﴿قَانِتُونَ﴾: جمع مذكر سالم، مختص بالذكور العقلاء، الّذين أصبح القنوت سمة ثابتة لهم، ويشمل غير العقلاء أيضاً، وغلب العقلاء على غيرهم للتشريف. ﴿قَانِتُونَ﴾: إما بإرادتهم واختيارهم، وإما بلا إرادتهم، واختيارهم، كما يحدث حين المرض، والموت، والمصائب، والقنوت لله: إطاعة الله، والإقرار بعبوديته، وقنت في صلاته؛ خشع واطمأن، وقد تعني: دعا، وأطال الدعاء.

стр. 198

سورة البقرة [٢: ١١٧] ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ﴿بَدِيعُ﴾: مبدع، والإبداع هو إيجاد أو خلق الشيء من دون أو على غير مثال سابق. ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: خالق، أو منشئ السموات والأرض، على غير مثال سابق، أو منشئُها بلا اقتداء، وإذا ظرفية شرطية، تفيد الحتمية، وكثرة الحدوث. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: ارجع إلى الآية (٣٥) من سورة مريم. سورة البقرة [٢: ١١٨] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لا علم عندهم، كعبدة الأصنام من مشركي العرب وغيرهم. ارجع إلى الآية (١١٣)، وهذا الوصف توبيخ عظيم لهم. ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود، ومعناها الحض. ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾: كما كلم موسى ﵇؛ أي: كلاماً مباشراً من الله، يقول لهم الله، ويخبرهم، أنه أرسل محمداً ﷺ ، رسولاً إليهم، وأنزل القرآن عليهم. ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾: أي: معجزة، ولقد أجاب الله عن هذا السّؤال، بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾: أي: كفار أهل الكتاب، وكفار الأمم السابقة. ﴿مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: أي: مثل قولهم: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾، تكبراً، وعتواً، وتعنتاً، ولو استجاب الله لطلبهم؛ لظلوا في طغيانهم يعمهون.

стр. 199

﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: أي: تشابهت قلوب الّذين لا يعلمون، وقلوب الكفرة، من الأمم السابقة، في التكذيب، والكفر، والعناد، والحجج، والأسئلة، والمطالب .... ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد. ﴿بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾: أي: أوضحنا الآيات، والدلائل، والبراهين على صدق كل رسول. ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿يُوقِنُونَ﴾: أي: ينتفع بها الموقنون (الّذين عندهم علم اليقين)؛ أي: العلم الثابت، الذي لا يتغير، ولا يكون غيره، أو الإيمان الثابت المستقر في القلب. ارجع إلى الآية (٤) من نفس السورة لمزيد من البيان في اليقين. سورة البقرة [٢: ١١٩] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾: ﴿إِنَّا﴾: للتعظيم، ولا بد من التفريق بين الإرسال والبعث. ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾: الإرسال: ١ - يكون بإرسال شيء جديد؛ أي: برسالة جديدة، أو منهج جديد، أو تغير، أو تعديل في المنهج السابق، حسب الزمان والمكان. ٢ - الإرسال: لا يصاحبه إثارة ولا تهييج، ولا حث كما في البعث. ٣ - الإرسال: من مكان إلى مكان، أو إلى مكان جديد. ٤ - الإرسال: هو أقل شدة، وقوة، ومشقة مقارنة بالبعث. أما البعث: ١ - فالبعث: هو إحياء منهج كان موجوداً سابقاً، وغفل عنه النّاس، فإذا أراد الله -جل وعلا- إحياء نفس المنهج، الذي غفل عنه النّاس، بعث الله رسولاً، أو نبياً،

стр. 200

لإحياء معالم ذلك المنهج السابق، الذي اندثر؛ أي: باختصار بعث شيء قديماً، وليس هناك من جديد. ٢ - البعث: يصاحبه إثارة، وحض، وتهييج على القيام بالعمل وحث عليه. ٣ - البعث: يكون إلى نفس المكان، أو القرية، أو المدينة. ٤ - البعث: إرسال، وفيه شدة، ومشقة، وقوة، وعمل؛ أشد من الإرسال. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق؛ أي: ملازماً للحق، والحقّ هو الشيء الثابت، الذي لا يتغير، ولا يتبدل، والحق لغة: هو المطابقة والموافقة، وهو الصواب والصحيح، وضده الباطل وكلمة الحق جاءت في (٢٨٣) موضع في القرآن الكريم، ولها معان كثيرة نذكر منها قد تعني الله سبحانه أو القرآن الكريم والإسلام والعدل والرسول والصدق والبيان والحاجة والحظ والنصيب والتوحيد والدين وغيره من المعان … ، والسياق هو الذي يحدد المعنى، وقيل: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: بالقرآن، أو بالإسلام. ﴿بَشِيرًا﴾: من البشارة: هي الإخبار، بخبر سار لأول مرة، سابقاً لكل خبر سواه. والبشارة مشتقة من البشرة، وهو طبقة ظاهرة الجلد أو الوجه الّتي تتأثر وتتغير حين سماع الخبر السار. وإذا استعملت البشارة في خبر غير سار؛ فذلك من باب التهكُّم والاستهزاء، مثل قوله: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وبشير صيغة مبالغة من بشرَ. ارجع إلى الآية (٢٥) من نفس السورة لبيان معنى البشارة. ﴿وَنَذِيرًا﴾: الإنذار، إعلام مع تخويف، وتحذير. الإنذار؛ لا يكون إلَّا بالزجر عن أمور، منهي عنها؛ أي: سيئة، أو قبيحة، تسيء إلى الفرد أو الجماعة، وكلما كانت المخافة أشد، كان الإنذار أعظم وأشد،

стр. 201

والإنذار إحسان من المنذِر للمنْذَر، كي يأخذ استعداده، فلا يفاجأ بالأمر المحذر منه، وكل الرسل والأنبياء كانوا مبشرين منذرين، وكان رسول الله ﷺ بشيراً ونذيراً معاً. ونذيراً: صيغة مبالغة من أنذر، وقدم بشيراً على نذيراً؛ لأن الخطاب إلى رسول الله ﷺ فناسب تقديم البشارة. ﴿وَلَا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾: ولا: الواو عاطفة. ﴿وَلَا﴾: النّافية. أي: لست بمسؤول عن أعمال أصحاب الجحيم، أو تعني: النهي عن السّؤال عن أصحاب الجحيم، ولا تسأل عنهم، فإنهم في أمر عظيم، على وجه التعظيم. ﴿أَصْحَابِ﴾: من المصاحبة الملازمة؛ أي: كأنهم لا ينفكوا عنها وهي ملك لهم. ﴿أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾: مثل أصحاب الدار. ﴿الْجَحِيمِ﴾: مشتقة من جحم النار؛ أي: أوقدها، وجحمت النار: تأججت، وجحمت العينان: اشتدت حمرتُهما، والجحوم: مصدر جحم؛ أي: النار المتأججة، فلا تخمد أبداً. وقيل: الجحيم اسم من أسماء النار، أو دركة من دركاتها.

стр. 202

سورة البقرة [٢: ١٢٠] ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ﴿وَلَنْ﴾: الواو عاطفة، لن: حرف نفي، ينفي المستقبل، القريب، والبعيد، ولن؛ من أقوى حروف النفي؛ أي: لن ترضى عنك اليهود، ولا النصارى، لا في المستقبل القريب، ولا في المستقبل البعيد. ﴿تَرْضَى عَنْكَ﴾: الرضا: القبول. ﴿حَتَّى﴾: حرف نهاية الغاية؛ أي: لن يرضوا عنك، حتّى يبلغوا غايتهم كاملة، وهي؛ اتّباعك ملّتهم. ﴿تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: الملَّة: هي جملة الشرائع (الشريعة)، ولا تضاف إلَّا إلى النبي، وتسند إليه، وسمِّيت بالملَّة؛ لأنّ الإنسان يميل إليها، وتختلف عن الدِّين، فالدِّين أعم من الملَّة. الدِّين: جملة الشرائع إضافة إلى القرآن، والسنة. وتكرار لا: اليهود، ولا النصارى، ولم يقل: ولن ترضى عنك، اليهود والنصارى. تكرار النفي؛ يفيد أنّ رضا اليهود غير رضا النصارى، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣].

стр. 203

ولو قال: لن ترضى عنك اليهود والنصارى، لكان ذلك يعني: أنّ رضاهم واحد، وهذا ليس صحيحاً؛ أي: حتّى ولو حضيت برضا النصارى، لن تحضى برضا اليهود، والعكس بالعكس. ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: ولم يقل: ملتيهما؛ لأنّ اليهود، يريدونك أن تتبع ملتهم فقط، ولا يريدونك أن تتبع ملَّة النصارى، وكذلك النصارى نفس الشيء، ولو قال: ملتيهما؛ يعني: لن يرضى عنك الجميع حتّى تتبع ملتيهما معاً. ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ ، إن: للتوكيد. ﴿هُدَى اللَّهِ﴾: أي: الإسلام. ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد، ويفيد الحصر. ﴿الْهُدَى﴾: الهدى، الكامل، الصحيح، لا هدايتكم، وما أنتم عليه. (الهدى الحق الصحيح)، وليس وراءه هدى، وما تدعون إليه ليس بهدى. ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: لام التّوكيد؛ إن: شرطية، تفيد الشك؛ أي: يشك أن تتبع ملتهم. ﴿اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾: أهواءهم؛ جمع هوى، والهوى؛ ما تميل إليه النفس، ويقتضيه الرأي من غير أن يستند إلى دليل شرعي. والهوى: ما تريده النفس باطلاً بعيداً عن الحق. ﴿بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: أي: القرآن. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول، بالمفرد المذكر المحدد؛ أي: العلم بالقرآن، والعلم بالإسلام.

стр. 204

﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. ﴿مَا لَكَ﴾: ما: النّافية. من: استغراقية. ﴿مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٧) من سورة البقرة لبيان معنى الولي والنصير، ولم يذكر في هذه الآية (من دون الله)؛ أي: لم يقل مالك من دون الله من ولي ولا نصير؛ لأن هذه الآية جاءت في سياق الآخرة، فلا داعي لذكر من دون الله؛ لأنه سبحانه هو الولي والنصير فقط في الآخرة، وأما حين يذكر من دون الله فيأتي ذلك في سياق الدنيا؛ لأن هنالك من قد يكون ولياً أو نصيراً، أو قد تعني مالك من الله من ولي ولا نصير؛ أي: لن ينصرك الله أو يكون ولياً لك، ومن دون الله؛ أي: لن ينصرك غير الله سبحانه من البشر أو يكون لك ولياً. لنقارن هاتين الآيتين من سورة البقرة الآية (١٢٠): ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. والآية (١٤٥): ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾. الآية (١٢٠): جاءت في سياق القرآن؛ لأنّ كلمة الذي تشير إلى القرآن، والذي اسم موصول، يشير إلى شيء محدد، وهو القرآن أو الدِّين. الآية (١٤٥): جاءت في سياق تحويل القبلة، ﴿مِنْ بَعْدِ﴾؛ تعني: مباشرة، ومن دون تأخير، غير اتجاهك من المسجد الأقصى إلى الكعبة. ﴿مَا﴾: اسم موصول، ومطلقة، وأشمل؛ وأعم من (الذي)، وتستعمل للأمور العامة، بينما الذي؛ تستعمل للأمور المهمة، والمحددة. (الذي)؛ أقوى وأكد من ما، ولذلك نرى (الذي)؛ استعملت للقرآن، أو الدِّين، و (ما) استعملت لتحويل القبلة، وهو أمر مهم؛ ولكن لا يقارن بأهمية القرآن.

стр. 205

سورة البقرة [٢: ١٢١] ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ﴾: قيل: هم المؤمنون، من أهل الكتاب (اليهود والنصارى). ﴿الْكِتَابَ﴾: التّوراة والإنجيل. وقد يعني: القرآن، وقوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب، ولم يقل الذين أوتوا الكتاب، أو أوتوا نصيباً من الكتاب فيه مدح لهم أو لرفع شأنهم. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: هم المؤمنون بمحمد ﷺ . يتلونه ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: التلاوة: تعني قراءة آية تلو الأخرى، ولا تكون إلا من الكتاب (القرآن أو التوراة أو الإنجيل)، ولها أجر، وأما القراءة تختلف عن التلاوة ليس لها أجر، وقد تكون من كتاب أو غيره، وقد تكون كلمة أو عدة كلمات؛ يتلونه حق تلاوته؛ أي: لا يحرفونه، ولا يكتمون منه شيئاً، من صفة محمّد ﷺ ، أو أي آية. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد؛ أي: لهم المنزلة والدرجة العليا. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾: يصدقونه، ويعملون به. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾: من شرطية، ﴿يَكْفُرْ بِهِ﴾: أي: يحرفونه ويكتمون ما جاء فيه من صفات، وأوصاف النّبي ﷺ ، (من للمفرد والمثنى والجمع). ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء؛ للتوكيد، أولئك: اسم إشارة. ﴿هُمُ﴾: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد، والمبالغة.

стр. 206

﴿الْخَاسِرُونَ﴾: لأنفسهم يوم القيامة؛ أي: إذا كان هناك خاسرن، فهم في طليعة هؤلاء الخاسرين، وأشدهم خسارة. سورة البقرة [٢: ١٢٢] ﴿يَابَنِى إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٠، و ٤٧) من سورة البقرة. والسؤال هنا؛ لماذا يكرر قوله تعالى: ﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ مرتين؟ قيل: كل آية جاءت بعد معصية، تقتضي أو تحتاج إلى تنبيه جديد، وتذكير، وتحذير. فالآية (٤٧) جاءت بعد: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. وأما الآية (١٢٢)، جاءت بعد: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾. والتكرار؛ يفيد التّوكيد، لعل إذا فاتتهم الموعظة الأولى، سيستيقظون على الموعظة الثانية. سورة البقرة [٢: ١٢٣] ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٨)، من سورة البقرة للبيان. سورة البقرة [٢: ١٢٤] ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَإِذِ﴾: ظرف زمان للماضي، تعني: واذكر إذا ابتلى، أو اذكر حين ﴿ابْتَلَى إِبْرَاهِمَ رَبُّهُ﴾.

стр. 207

﴿ابْتَلَى إِبْرَاهِمَ رَبُّهُ﴾: ابتلى: اختبره، والابتلاء: الاختبار. ارجع إلى الآية (٤٩) للبيان. ابتلاه ربُّه: تربيته له، وإعداده لحمل الرسالة، وليظهر استحقاقه للإمامة. إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن راغو بن مالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح. إبراهيم: معناه في السريانية والعبرية: الأب الرحيم، وإبراهيم في العبرية: إبراهام، وكلمة إبراهيم كلمة أعجمية الأصل، اسم إبراهيم ورد في (٦) لغات: إبراهِم، إبراهَم، إبراهام، أبرهم. وورد ذكر اسم إبراهيم (٦٩) مرة في القرآن الكريم. ﴿رَبُّهُ﴾: أولاً: فيه تقديم المفعول على الفاعل، فيه تشريف لإبراهيم ﵇. ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾: أي: بتكاليف (أوامر ونواهٍ)؛ ولأنّ التكليف من الله هو مجرد كلمة افعل أو لا تفعل، وما هي هذه التكاليف؛ اختلف العلماء فيها؛ نذكر منها: صبره على إلقائه في النار، الهجرة إلى الشام، الهجرة إلى مصر، وبناء الكعبة، وبذبح ابنه. وقيل: هي مناسك الحج، وقيل: هي خصال الفطرة، وهي المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وقص الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء. وربّما كان ابتلاؤه بكل هذه الأمور معاً، والله أعلم.

стр. 208

﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾: الفاء للتوكيد، أتمهن: أداهن تامات، وأخبر عن ذلك -جل وعلا- في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. وبعد أن أتمهن كاملات، وفاز بالابتلاء؛ قال -جل وعلا- له: ﴿إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: ﴿إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ﴾: اللام في (النّاس): لام الاختصاص. النّاس: ارجع إلى الآية (٢١). ﴿إِمَامًا﴾: الإمام؛ اسم من يؤتمُّ به، في الدِّين. والإمام تعني: القدوة في الدِّين، أو الرسول. ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِى﴾: استقبل إبراهيم البشرى؛ بجعله إماماً، بقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِى﴾. وقول إبراهيم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِى﴾: من: ابتدائية؛ تعني: بعض ذريتي، فمن يصلح للإمامة. والذرية: هم نسل الرجل؛ أولاده، وأحفاده. واستجاب له ربه، بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. وذرية مشتقة من: ذرأ الله الخلق؛ أي: أظهرهم بالإيجاد. ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾: قال: تعود على الحق سبحانه. ﴿لَا﴾: النّافية؛ لكل الأزمنة. ﴿يَنَالُ﴾: النيل، الظفر، أو الحصول. ﴿عَهْدِى﴾: الإمامة، وقيل: النبوة بالرسالة.

стр. 209

﴿الظَّالِمِينَ﴾: الكفار، أو العصاة؛ أي: من كان ظالماً لن ينال عندي. سورة البقرة [٢: ١٢٥] ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: ظرف زمان، واذكر إذ جعلنا، أو واذكر حين جعلنا. ﴿جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾: البيت الحرام؛ أي: الكعبة. ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾: مثابة: اسم مكان؛ مآباً ومرجعاً للحجاج والعمار. ﴿مَثَابَةً﴾: من ثاب يثوب مثاباً بمعنى: رجع، وزيدت فيه التاء؛ للمبالغة في كثرة الثيب إليه، يثوبون إليه من كل حدب وصوب، ومن كل فجٍّ عميق، المرة تلو الأخرى. ﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام لام الاختصاص. النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة للبيان. ﴿وَأَمْنًا﴾: مأمناً، وملجأً آمناً فيه سكون وطمأنينة؛ كقوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]. ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلًّى﴾: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾: وجعلوا. من: لابتداء الغاية. ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِمَ﴾: الحجر؛ الذي قام عليه إبراهيم ﵇، أيام كان يبني الكعبة؛ حيث احتاج إبراهيم إلى حجر ليرقى عليه ليواصل البناء، فالمقام؛ مكان قيامه، أو وقوفه.

стр. 210

﴿مُصَلًّى﴾: مكان للصلاة، تصلون خلفه ركعتي الطواف. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: ﴿وَعَهِدْنَا﴾: العهد؛ تكليف وأمر، فقد يكون من طرف واحد. ولم يُسند العهد في القرآن إلَّا لله وحده، والعهد أقوى من الوصية، والعهد موثق. ﴿إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾: إلى إبراهيم ﵇ وإسماعيل بن إبراهيم، وإسماعيل؛ اسم أعجمي، لفظ إسماعيل وإسماعين. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري، يفيد التّوكيد. ﴿طَهِّرَا بَيْتِىَ﴾: من الأوثان، الرجس ومخلفات الذبح، ومخلفات الهدي؛ هذا في القديم، أما الآن؛ فلله دره في نظافته وطهارته. ﴿طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ﴾: اللام لام الاختصاص، الطائفين: جمع طائف، مأخوذة من الطواف، وهو الدوران حول الكعبة سبع مرات. ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾: جمع عاكف، والاعتكاف (الإقامة) في المسجد، للصلاة والعبادة مدَّة من الزمن، فالعاكفون هم الملازمون للمسجد الحرام، سواء أكانوا من أهل مكة أو من الزائرين. ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: جمع راكع؛ أي: المصلون. والسجود يشمل الظاهر الذي نراه والسجود الباطن الخفي الذي يعني الخشوع والخضوع لله تعالى، وأما

стр. 211

ركعاً سجداً كما في سورة الفتح آية (٢٩) سجداً تعني: كثرة السجود والمداومة عليه. ولنقارن كلمة ﴿مَقَامِ﴾: الّتي وردت في هذه الآية، مع كلمة: مَقَام ومُقَام. مَقام: بفتح الميم مع التشديد؛ تعني: مكان القيام، أو الوقوف أو العمل، وزمن البقاء فيه قصيراً، مثال ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وأما كلمة مُقام: بضم الميم؛ فهو مكان الإقامة والسكن، وزمن البقاء فيه طويل، مثال: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]. مَقام: فتح الميم؛ المنزلة والمكانة، مثال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]. وفي هذه الآية؛ قال -جل وعلا-: ﴿طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. وفي سورة الحج الآية (٢٦): ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، ذكر القائمين بدلاً من العاكفين؛ لأنه سبق ذكر العاكفين. في الآية (٢٥) حين قال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾؛ أي: سواء العاكف: المقيم فيه، من أهل مكة، أو القادم إليه؛ كزائر، ولكونه جاء بذكر العاكفين فلم يكرر، وأبدلها بكلمة القائمين. ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾: في الصلاة، أو قيل: المقيمون بمكة. ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: ذكرهما؛ لأنهما أهم أركان الصلاة، وفيه عطف الخاص؛ أي: الركع السجود على العام (القائمين)؛ لإظهار أهمية الركوع والسجود. وقال الركع السجود، ولم يقل الركع السُّجَّد؛ لأن السجود يعني:

стр. 212

السجود الظاهري، والسجود الباطني (الخشوع)، وأما السُّجَّد: فهو يدل على السجود الظاهر فقط، وقوله الركع السجود: تدل على التكثير؛ أي: كثرة الركوع والسجود. سورة البقرة [٢: ١٢٦] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: ظرف زمان؛ تعني: واذكر إذ قال إبراهيم، أو واذكر حين قال إبراهيم. ﴿قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ﴾: ﴿رَبِّ﴾: حذف ياء النداء، ولم يقل: يا رب؛ لأنّ الله سبحانه قريب مجيب، لا يحتاج إلى أداة نداء، فلو كان بعيداً لقلنا: يا رب، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد. ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾: ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة يفيد القرب، ويشير إلى مكة، ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾: نكرة؛ حيث كان عبارة عن وادٍ غير ذي زرع، وخالياً من النّاس، وغير آمن. وجاءت هنا نكرة؛ لأنّ دعاء إبراهيم هذا، كان قبل بناء الكعبة، عندما جاء بزوجته هاجر وإسماعيل إلى واد غير زرع، وكانت مكة بلداً قفراً، قبل أن تسكنها قبيلة جرهم. ﴿آمِنًا﴾: ذا أمن، واستقرار، وكان دعاء إبراهيم؛ هنا، دعاء عاماً قبل بناء البيت وقبل أن تكون مكة بلداً معروفاً. وإذا رجعنا إلى الآية السابقة (١٢٥)؛ ألم يقل الله -جل وعلا-: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ

стр. 213

مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾، فما جدوى دعوى إبراهيم: ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾؟ أي: يا رب، داوم واستمر، على جعله آمناً، أو ردّه آمناً، وآمناً، يعني: الأمن التام، الكامل، الخالي من الخوف، وللتأكيد على أهمية الأمن، وفي الآية (٣٥) من سورة إبراهيم قال تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ جاء بأل التعريف؛ ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٣٥) للبيان ومعرفة الفرق بين الآيتين. ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: من: ابتدائية بعضية؛ أي: بعض الثمرات. من آمن: منهم، تعود على أهل هذا البلد؛ أي: ارزق فقط المؤمنين وحدهم؛ أي: من آمن بالله واليوم الآخر. من آمن: من: اسم موصول بمعنى الذي، وشرطية. ولعل إبراهيم قال ذلك؛ عندما تذكر قول الحق: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾، فحاول أن يستثني من الرزق من كفر؛ لأنه ربما نسي أنّ الرزق هو من عطاء الربوبية، ولا علاقة له بالإيمان؛ لأنّ الله يرزق الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع؛ ولذلك خالفه الله في الدعاء ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. قال الحق سبحانه: سأرزق من آمن بالله واليوم الآخر، وسأرزق من كفر؛ لأنّ الرزق هو من عطاء الربوبية؛ فهو للمؤمن والكافر معاً. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾: لأنّ متاع الدّنيا قليل، ولو كثر وعظم، فهو قليل؛ مقارنة بمتاع الآخرة، وقليلٌ لكونه محدداً بأجلٍ معينٍ لكل إنسان، سنين قليلة، ثم يموت.

стр. 214

والمتاع هو: كل شيء ينتفع به ويتزود به، والتمتع هو شيء يحبه الإنسان، ويتمنى تكراره ودوامه. والمتاع يتضمن الرزق، بما فيه الطعام، والشراب، والزواج، ويتضمن الأمن. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي في الزمن. ﴿أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾: الاضطرار، الإلجاء، والحمل على الشيء، أو الإكراه. ﴿وَبِئْسَ﴾: بئس؛ من أفعال الذم. ﴿الْمَصِيرُ﴾: مصدر ميمي؛ لفعل صار، يصير، بمعنى: رجع؛ أي: بئس المنتهى، والمآل. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٤) في سورة لقمان، وهي قوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ نجد آية لقمان جاءت بصيغة الجمع فمتعهم؛ لأنها جاءت في سياق الدعوة والتبليغ للناس كافة، وآية البقرة خاصة متعلقة بالرزق، ونجد أيضاً أن عذاب النار وبئس المصير هو أشد وأبلغ من العذاب الغليظ؛ لأن العذاب الغليظ قد لا يكون في النار.

стр. 215

سورة البقرة [٢: ١٢٧] ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي، ويعني: واذكر إذ يرفع إبراهيم، أو اذكر حين رفع إبراهيم القواعد؛ أي: انقضت جدرانه، وبقيت قواعده في الأرض، وأول من بناه، كما قيل: الملائكة في زمن آدم، ويرفع جاءت بصيغة المضارع، بدلاً من رفع؛ لاستحضار صورة الرفع، وكأنه يرفع الآن، وهذا ما يسمى: حكاية الحال. والرفع: من الارتفاع؛ فكل بناء له طول، وعرض، وارتفاع، والارتفاع هو البعد الثالث؛ فما دام الطول، والعرض، محددين من قبل؛ منذ البناء الأول؛ فإبراهيم عليه أن يحدد الارتفاع، ومكان القواعد، أو مكان البيت؛ كان مطموراً، وغطته الرمال والأتربة، فلما أُمر إبراهيم بالرفع، أطلع الله سبحانه نبيه إبراهيم ﵇ على مكانه؛ فوجد قواعده. ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾: ساعد أباه إبراهيم، في الرفع، والبناء، وكان شاباً؛ حينذاك. ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾: يقولان إبراهيم وابنه إسماعيل حين كانا يرفعان القواعد، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾؛ أي: يسألان الله القبول منهما، والثواب فهما لا ينسيان الدعاء، وذكر الله تعالى في زمن العمل والرفع. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: أنت: تفيد التّوكيد. ﴿السَّمِيعُ﴾: لما نقول، وندعوك،
следующие страницы →