Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
سورة الأنعام [٦: ١٦٠]
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾:
﴿مَنْ﴾: ابتدائية شرطية.
﴿جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ الحسنة: هي كل عمل من قولٍ، أو فعل خير، يورث ثواباً. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمزيد من البيان.
وحسنة: جاءت من حسن، والتاء تسمَّى تاء المبالغة، كقولك: فلان علَّامة، وثواب الحسنة بعشر أمثالها جمع مِثِل: المثِل هنا يعني حسنة وعشر أمثالها أي عشر حسنات، وعشر (مذكر) حسنات (مؤنث) والعدد من (٣ - ١٠) يخالف المعدود في التذكير والتأنيث ولذلك جاءت عشر ولم يقل عشرة، وقد يضاعف ذلك إلى سبعمئة ضعف، وهذا من رحمته -جل وعلا-، وفضله.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ تفيد التوكيد، لا: النافية.
﴿يُجْزَى﴾: من الجزاء.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿مِثْلَهَا﴾: أيْ: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وهذا من رحمته .
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: وهم: ضمير منفصل؛ يفيد توكيد عدم ظلمهم، ولو كان مثقال ذرة، فلا تنقص من حسناتهم حسنة، ولا تزد سيئاتهم سيئة.
سورة الأنعام [٦: ١٦١]
﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾: يا محمد ﷺ .
стр. 1507
﴿قُلْ إِنَّنِى﴾: زيادة النون؛ تفيد التوكيد على الهداية، أو أنَّه هداني؛ أيْ: دلّني.
﴿رَبِّى﴾: من الربوبية.
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: دِين الإسلام، دِين الحق.
﴿دِينًا قِيَمًا﴾: قِيَماً: وليس ديناً قَيَماً؛ أي: مستقيم، أو قائماً على سائر الكتب كما جاء في سورة الكهف في آية (٢) وإنما قال ديناً قيماً الاستقامة؛ أيْ: لا تقوم الحياة إلّا به، مستقيماً لا عوج فيه.
و ﴿قِيَمًا﴾: صيغة مبالغة في الاستقامة ليس فقط مستقيم وإنما أبلغ أو كامل الاستقامة ليس هناك أفضل من الاستقامة؛ أيْ: أبلغ من القائم، وإنما قيم على مصالح العباد.
﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾: شريعة إبراهيم ﵇.
﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً عن الأديان الباطلة إلى دِين الحق. ارجع إلى الآية (١٣٥) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ما: النافية لكل الأزمنة؛ من المشركين: من: المفرد والمثنى والجمع للعاقل، والمشركين: جمع مشرك.
سورة الأنعام [٦: ١٦٢]
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿قُلْ﴾ يا محمد ﷺ : ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿صَلَاتِى وَنُسُكِى﴾: نسكي؛ أيْ: عبادتي، والنسك: تطلق على أفعال الحج خاصة، والنسك: يدخل فيها النحر؛ لأن الكفار كانوا يتقرَّبون إلى آلهتهم بالنحر، وكلُّ ما يتقرَّب به إلى الله ﷻ يُعدُّ نُسكاً؛ فالنسك تطلق على كل عبادة بما فيها أعمال الحج؛ فالطواف نسك، والسعي نسك، والرمي والوقوف بعرفة.
стр. 1508
﴿وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى﴾: ومحياي: كل ما أعمله في حياتي، وما أموت عليه: من الإيمان، والعمل الصالح، كله لله رب العالمين، أو حياتي؛ أيْ: طاعتي لله.
﴿وَمَمَاتِى﴾: أيْ: رجوعي إلى الله رب العالمين؛ فصلاتي وعبادتي ومحياي ومماتي كلها خالصة لله رب العالمين من الشرك، والرياء.
سورة الأنعام [٦: ١٦٣]
﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾:
﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾: لا: النافية، لا شريك له في ذاته، ولا في ألوهيَّته، ولا في ربوبيته، ولا في صفاته وأسمائه.
﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾: أي: أمرني ربي.
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: لها عدة معان منها: أول المسلمين من أمته ﷺ ، والرسول ﷺ ؛ أي أمة محمد ﷺ ، وأول المسلمين قد لا تعني الترتيب الزمني، وإنما تعني أشد المسلمين إسلاماً، أو من أمة الإسلام من آدم إلى أمة محمد ﷺ ، أول المسلمين تطبيقاً للإسلام؛ أيْ: في شدة الأداء.
سورة الأنعام [٦: ١٦٤]
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ ؛ رداً على دعواهم لك على عبادة آلهتهم، وترك أمر الدِّين، والرجوع عنه.
﴿قُلْ أَغَيْرَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، وغير: تفيد المغايرة بالذات في هذه الآية.
﴿أَبْغِى رَبًّا﴾: ألتمس، أو أطلب ربّاً خالقاً، ومربِّياً، ورازقاً؛ أيْ: لا أبغي ربّاً إلا الله وحدَه؛ فهو يكفي: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٣٢].
﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ﴾: مالكه، وخالقه، ومدبِّره.
стр. 1509
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾: قال: ﴿عَلَيْهَا﴾: وليس: لها؛ لقوله في آية أخرى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾: لها ما كسبت من الحسنات، وعليها ما اكتسبته من السيئات. ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: ولا تتحمل نفس وازرة؛ أيْ: إثم أو ذنب نفس أخرى، فكل إنسان مجزيٌّ بعمله، سواء أكان صالحاً، أم سيئاً؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ﴾: ثم: للترتيب، والتراخي، ثم يوم القيامة إلى ربكم مرجعكم للحساب، والجزاء.
تقديم الجار والمجرور ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾: يدل على الحصر؛ أيْ: فقط إليه -جل وعلا- مرجعكم، لا إلى غيره .
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
﴿كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾: كنتم: في الدنيا. فيه تختلفون: من أمور الدِّين، والحق، والباطل، والآيات، والأحكام.
سورة الأنعام [٦: ١٦٥]
﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾:
الخطاب إلى أمة محمد ﷺ .
﴿وَهُوَ﴾: الواو: استئنافية، هو: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد، والحصر، تعود على الله -جل وعلا-.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول؛ يفيد التعظيم.
﴿جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾: خلائف جمع خليفة (ارجع إلى سورة البقرة
стр. 1510
آية (٣٠) للبيان) وردت كلمة ﴿خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ مرتين في القرآن، وخلائف في الأرض مرتين، ووردت كلمة خلفاء الأرض ثلاث مرات.
فنحن أمام ثلاثة فروق:
١ - خلائف الأرض: أعم وأشمل من قوله خلائف في الأرض، وتعني: العباد الصالحون المسلمون؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
٢ - خلائف في الأرض: تأتي في سياق الأقوام الكافرة الفاسدة؛ التي أهلكت بسبب أعمالها السيئة.
٣ - خلفاء في الأرض: أي: الحاكمون، أو الحكام، جمع خليفة: (ملوك، ورؤساء، وحكام للدول)؛ خلفاء على كرسي الحكم، أو العرش.
والآيات التي وردت فيها كلمة ﴿خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ هي: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِى الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [يونس: ٧٣].
وأما الآيات التي وردت فيها كلمة: ﴿خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ فهي: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِى الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤٢].
﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِى الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩].
وأما الآيات التي وردت فيها كلمة خلفاء؛ فهي: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩].
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤].
стр. 1511
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢].
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾:
﴿دَرَجَاتٍ﴾: قيل: في الرزق، والعلم، والقوة، والصحة، والخُلق، وغيرها، وقيل: درجات في الجنة، وقيل: درجات في التقوى، والإيمان.
وقد تشمل الكلَّ؛ أيْ: كلَّ ما سبق.
ولماذا الرفع؟ الرفع ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ﴾: أو كما بيَّن في سورة الزخرف: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢].
ويجب أن لا نظن: أن البعض مرفوع، والبعض الآخر مرفوع عليه، فهذا ظنٌّ خاطئ، فما دام قد جاءت كلمة ﴿بَعْضُهُم﴾: مبهمة؛ فإن كلَّ واحد منا مرفوع، ومرفوع عليه؛ أيْ: كلٌّ منا محتاج إلى الآخر في حياته، والآخر محتاج إلينا في حياته.
﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ﴾: ليبلوكم: اللام: للتأكيد، والتعليل، فيما: في: ظرفية، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، أو مصدرية من الرزق، بالغنى، والفقر، بالشكر، أو الصبر، ومن الصحة، أو المرض، والعلم، والجهل، والقوة، والضعف، وغيرها.
﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾: والعقاب: هو الجزاء على الفعل؛ فالعقاب: يقع بعد، أو عقيب العمل.
﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: أكَّد هنا بإنَّ، واللام في كلمة ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
стр. 1512
غفور: صيغة مبالغة من غفر؛ أيْ: ستر، ورحيم: صيغة مبالغة. ارجع إلى سورة الفاتحة، الآية (٣)؛ لمزيد من البيان.
فهنا جاء التأكيد على كونه -جل وعلا- غفور رحيم؛ أشدُّ وأقوى من التوكيد على كونه سريع العقاب؛ ليبث الأمل في النفوس.
ولو قارنَّا هذه الآية (١٦٥) من سورة الأنعام: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: إذ تتحدث عن العقوبات في الآخرة، وأكَّد رحمته في الآخرة لعباده الصالحين بالقول: وإنه لغفور رحيم.
أما الآية (١٦٧) من سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فتتحدث عن العقوبات العاجلة في الدنيا لبني إسرائيل؛ إذ اتخذوا العجل، وقتلوا الأنبياء، واعتدوا في السبت؛ فناسب التأكيد بتعجيل العقوبات؛ فقال: ﴿لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾: أكَّد باللام، وإنَّ.
وقال: ﴿لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾: أكَّد على كونه سريعَ العقاب، وأنه غفورٌ رحيمٌ؛ أيْ: كلاهما بنفس الدرجة.
стр. 1513
سورة الأعراف [٧: ١]
سورة الأعراف
ترتيبها في القرآن (٧)، وترتيبها في النزول (٣٩)
﴿المص﴾:
﴿المص﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة الأعراف [٧: ٢]
﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿كِتَابٌ﴾: أيْ: هذا كتاب، أو هو كتاب، وجاء بصيغة النكرة؛ للتعظيم؛ أيْ: هذا كتاب عظيم، أو هو كتاب عظيم؛ أي: القرآن.
﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: أنزل: تعني: جملة واحدة، أو دفعة واحدة، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ولم يقل: نزل إليك التي تدل على إنزاله منجماً، وعلى دفعات؛ أيْ: أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نُزِّلَ على دفعات خلال (٢٣ عاماً).
﴿إِلَيْكَ﴾: ولم يقل: عليك، إليك: تفيد الانتهاء، وتستعمل في سياق التبليغ، والانتهاء إلى عامة الناس.
عليك: تفيد العلو، والجهة المنزِلة، وتستخدم في سياق التشريع، وعليك: من على؛ تفيد الاستعلاء، والمشقة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٤)؛ لمزيد من البيان.
стр. 1514
والقول أُنزل عليك لا يتناسب مع السياق؛ لأن الآية جاءت في سياق تخفيف الحرج؛ فاستعمال على في معناها الحرج.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: الناهية.
﴿يَكُنْ فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾: حرج: ضيق في الصدر، لا مخرج منه، والحرج يطلق على المكان الضيق بسبب كثرة الأشجار كما نرى في الغابات أحياناً يصعب تجاوزه، والخطاب هنا موجَّه إلى رسول الله ﷺ وأمته، فالرسول ﷺ فرد من هذه الأمة، ويمثل هذه الأمة.
وقيل: النهي هنا للحرج: أن يدخل صدر رسول الله ﷺ .
﴿حَرَجٌ مِّنْهُ﴾: من تبليغه، أو الإنذار به، أو عدم تصديق الكفار به.
﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾: اللام: لام التعليل، والهاء في ﴿بِهِ﴾: تعود على الكتاب، والإنذار يكون للناس كافة وقومك، ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، وخاصَّةً أم القرى، ومن حولها، وتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك.
﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام: في كلمة ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: تفيد الاختصاص، ذكرى: أيْ: تذكرة للمؤمنين خاصَّةً؛ لكي ينتفعوا بها إذا غفلوا؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨]، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١].
سورة الأعراف [٧: ٣]
﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾:
في هذه الآية: انتقل الخطاب إلى أمة محمد ﷺ ، وتشمل رسول الله ﷺ ، وفي الآية السابقة كان الخطاب إلى رسول الله ﷺ ، وأمته أيضاً؛ لأن الرسول ﵊، وأمته شيء واحد.
стр. 1515
﴿اتَّبِعُوا﴾: بامتثال أوامر ربكم، واجتناب ما نهى عنه.
واتباع الرسول ﷺ داخل في اتبعوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٦٩].
﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: ما: اسم موصول بمعنى: الذي.
﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: أي: القرآن، الوحي وما أنزل إليكم من ربكم، لا يعني: القرآن فقط، بل كل ما آتاكم الرسول ﷺ ، ونهاكم عنه؛ لأنه ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٣ - ٥].
﴿مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: من: ابتدائية، ربكم: الخالق، والمربي.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: من دون الله؛ أيْ: غيره، أو سواه.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي، والولي؛ سواء أكان من البشر، أم من الشياطين، أم الأصنام، أم الآلهة، والولي: هو القريب المعين الذي تلجأ إليه حين الضرورة.
﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: ما: للتوكيد.
﴿قَلِيلًا﴾: قد تعني: العدد؛ أيْ: عدد الذين يتذكرون قلة، أو ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: تعني: الكمية من الوصايا، والشرائع، وما أنزل إليكم من ربكم لا تتذكرون إلا القلة منها.
﴿تَذَكَّرُونَ﴾: ولم يقل: تتذكرون؛ لأن اتباع القرآن والسنة، وما أنزل اللهُ سبحانه لا يحتاج إلى وقت طويل؛ لكي يتذكرها الإنسان؛ لأنكم علمتم بها من قبل.
стр. 1516
وأما تتذكرون: فتستعمل في الأمور، أو المسائل التي تحتاج إلى طول تأمل ونظر، مثل: مسألة الهداية، وترك عبادة الأصنام، وغيرها.
سورة الأعراف [٧: ٤]
﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾:
ينتقل في هذه الآية، والآيات القادمة؛ للتحذير من عدم اتباع ما أنزل الله، واتباع رسله بالهلاك.
﴿وَكَمْ﴾: الواو: استئنافية، كم: الخبرية، وتفيد الكثرة؛ أيْ: عدد القرى المهلكة كثيرة جداً.
﴿مِنْ﴾: ابتدائية.
﴿قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾: ذكر القرية، والمراد بها أهلها، والقرية؛ تعني: المنازل، وساكنيها معاً.
﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾: الهلاك؛ يعني: الموت بشكل عام، وتستعمل للإنسان، وغير الإنسان؛ الحرث، والحيوان، والنسل، والأموال، والبنيان.
والهلاك ليس بالضرورة عقوبة؛ فالهلاك: كلمة عامة قد يعني: زوال النِّعمة، أو فقدان المال كقوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦]، وكقوله: ﴿هَلَكَ عَنِّى سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩].
وهناك فرق بين الهلاك، والدمار. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (١٦)؛ للبيان.
ولم يقل: كانت ظالمة، كما وصفها في سورة الحج، آية (٤٥)؛ لأنه سبحانه أشار إلى ذلك حين اعترف أهلها وقالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، آية (٥) من نفس السورة.
стр. 1517
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].
﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾: فجاءها: الفاء: للترتيب الذكري؛ لعطف المفصل على المجمل، البأس: العذاب، ونسب العذاب إليه -جل وعلا-؛ بقوله: ﴿بَأْسُنَا﴾: للتخويف، والحذر، والإنذار.
وكلمة: ﴿فَجَاءَهَا﴾: المجيء فيه معنى الصعوبة، والمشقة؛ مقارنة بكلمة أتاها: التي تدل على السهولة، واليسر.
﴿بَيَاتًا﴾: سواء أكانوا نائمين، أم غير نائمين؛ لأن معنى بات فلان: أظله المبيت، وأجنه الليل، سواء أنام، أم لم ينم.
﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾: أيْ: في زمن القيلولة، والاستراحة، والنوم، ويكون ذلك بعد الظهر عادة، وهنا لا بُدَّ من سؤالين: الأول: لماذا قال: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾، بعد أن قال: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾؛ لأن البأس (العذاب): يأتي عادة قبل الإهلاك، الجواب هذا يسمَّى: التفصيل بعد الإجمال.
السؤال الثاني: لماذا اختار وقت الراحة، أو النوم؟
الجواب: كي يكون الحدث مرعباً، ومفجعاً، وهم على غير استعداد، وحيطة، والله -جل وعلا- قادر على أن يأخذهم في أي زمن، ومكان، وحال سواء في تقلبهم، أم هم على حيطة، وحذر، كما قال تعالى في سورة النحل، آية (٤٥ - ٤٧): ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 1518
سورة الأعراف [٧: ٥]
﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾:
﴿فَمَا﴾: الفاء: عاطفة، ما: للنفي.
﴿كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾: من دعوى؛ مصدر لفعل دعا، ومنها: الدعاء، وأقام الدعوى ضد فلان؛ أيْ: أقام البينة.
إذن: لم تكن لهم بينة، أو دعوى يردون عليها على مجيء البأس؛ إلَّا اعترافهم بالظلم، أو دعاؤهم: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
﴿أَنْ﴾: يفيد التوكيد.
﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: ظالمين: جملة اسمية؛ تدل على الثبوت؛ أي: الظلم صفة ثابتة لهم.
وماذا حدث بعد اعترافهم بظلمهم: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [تبارك: ١١]، وفي سورة الأنبياء: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾.
وبأس الله إذا وقع؛ لا يرد، أو يتبدل، أو يتحول؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٧].
وإذا أوقع بأسه ﷻ ؛ لا ينفع عند وقوعه الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥] إلا في قوم يونس. ارجع إلى سورة يونس آية (٩٨).
سورة الأعراف [٧: ٦]
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾:
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ﴾: الفاء: للتعقيب بالترتيب.
стр. 1519
﴿فَلَنَسْئَلَنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد، والسؤال يكون يوم القيامة.
﴿الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾: هم أقوام الرسل، أو أمم الرسل، يسألون: هل بلغوكم رسلي؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].
﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: الرسل، والأنبياء؛ لأن الأنبياء، والرسل كلهم مرسلون من الله، مع العلم أن هناك فرقاً بين الرسول والنبي. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٤).
سوف يسألهم الله تعالى: هل بلغتم عبادي ما أُرسلتم به؟
والله سبحانه يعلم جواب المرسلين، هل بلغوا، أم لم يبلغوا، فلماذا يسألهم؟
الجواب: هذا سؤال للإقرار: أن يجيبوا عن هذا السؤال بأنفسهم؛ فهو للإقرار، والتقريع، ولإقامة الحُجَّة على أقوامهم.
سورة الأعراف [٧: ٧]
﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾:
﴿فَلَنَقُصَّنَّ﴾: الفاء: للتعقيب، والترتيب، اللام: للتوكيد، والنون: لزيادة التوكيد.
﴿عَلَيْهِم﴾: على الرسل، والأنبياء، وأقوامهم، أو أممهم عليهم جميعاً.
﴿بِعِلْمٍ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد، فلنقصن عليهم ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ﴾: أيْ: نخبرهم بما فعلوه؛ فالله سبحانه: هو الشهيد، والرقيب على جميع خلقه، وأحاط علمه بكل حدث، أو قول، أو فعل.
стр. 1520
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: النافية.
﴿كُنَّا غَائِبِينَ﴾: غائبين عنهم، سواء في الزمان، أم المكان، أو أيِّ حدث، فنحن أقرب إليهم من حبل الوريد، أو كانوا رسلي لديهم يكتبون ما فعلوه.
سورة الأعراف [٧: ٨]
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾: أيْ: وزن الأعمال يوم القيامة الحق، والميزان الحق، لا جور فيه، ولا ظلم؛ حتى ولو كان بمقدار حسنة، أو سيئة، أو مثقال حبةٍ من خردل، وما يوزن: هو أعمال العباد.
كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
والسؤال: لماذا الوزن ما دام الله سبحانه يعلم أعمال العباد، ويعلم مقدار حسناتهم وسيئاتهم؟
الجواب: لإقامة الحُجَّة عليهم بعد سؤالهم عن الرسل.
﴿فَمَنْ﴾: الفاء: استئنافية، من: ابتدائية شرطية.
﴿ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: أيْ: رجحت حسناته على سيئاته.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد.
﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: هم: ضمير منفصل؛ يفيد المبالغة في الفلاح؛ أيْ: إذا كان هناك مفلحون فهم المفلحون حقاً، أو في طليعة المفلحين الذين نجوا من النار، وفازوا بالجنة. ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
стр. 1521
سورة الأعراف [٧: ٩]
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: من: ابتدائية شرطية.
﴿خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: أيْ: رجحت سيئاته على حسناته. ارجع إلى سورة القارعة، آية (٦)؛ لمزيد من البيان.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: بإدخالها في النار.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، أو السببية، أو البدلية، بسبب ظلمهم بآياتنا.
﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾: الظلم: هو الخروج عن منهج الله سبحانه بكل أشكاله، والظلم: يشمل الشرك، والإنكار، والتكذيب، والاستهزاء، والصد عنها … وغيرها.
سورة الأعراف [٧: ١٠]
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِى الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق والتوكيد.
﴿مَكَّنَّاكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: بالاستخلاف في الأرض، والقدرة على إقامة الدِّين، ولا يعني التمكين: السيطرة، أو الهيمنة.
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: وجعلنا لكم خاصَّةً في الأرض، معايش جمع معيشة، ومعيشة اسم لما يعيش به الإنسان من مطعم، ومشرب، وملبس، أو هيأنا لكم أسباب العيش، من مطعم، ومشرب، وملبس، وهواء، وشمس، وقمر، ومعايش: جاءت بصيغة النكرة، ولو كانت بصيغة المعرفة؛ أي: المعايش؛ لاستوى الفقير، والغني في المعيشة؛ أي: الكل استوى، فلا نجد فقراء وأغنياء.
стр. 1522
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: ما: للتوكيد.
﴿قَلِيلًا﴾: أي: قليل منكم شاكرون؛ أيْ: عدد الشاكرين قليل، أو شكركم قليل، أو كلاهما معاً، وكما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
والشكر: من أعلى منازل العبودية، هذه العبودية التي تتجلى بظهور نعمة الله سبحانه على لسان عبده بالحمد، والشكر، والثناء، والاعتراف بالمنعم، وتتجلى على قلبه بمحبة بالمنعم، وعلى جوارحه خضوعاً وطاعة للمنعم.
وتحت مقام الشكر يندرج مقام المحبة، والرضا، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ولا ننسى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧].
والشكر على المصائب؛ مثل: البأساء، والضراء، أشد وأصعب من الشكر على السراء، ﴿وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. ارجع إلى سورة الفاتحة؛ لمعرفة الفرق بين الحمد، والشكر، آية (٢).
سورة الأعراف [٧: ١١]
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: ارجع إلى الآية السابقة.
﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾: يعني: الخلق، تعني: التقدير، والحساب، والخلق بالنسبة لله من العدم، ويعني من تراب، أو من ذكر، أو أنثى، أو من آدم.
﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾: التصوير: يعني حينما خلق الله سبحانه آدم وحواء؛ وضع في أصلابهما الصفات الوراثية لكل نسلهما إلى قيام الساعة، من بداية الخلق إلى آخر مخلوق، وهناك (٢٥ - ٣٠) ألف شفرة وراثية تعطي البشر ملامحهم،
стр. 1523
وأشكالهم، وألوانهم، هذه الشفرة الوراثية التي توجد في نواة الخلية البشرية التناسلية للحيوان المنوي، والبويضة، فاختيار الصفات الوراثية لكل مخلوق؛ تعني: التصوير، والخطاب إلى جميع البشر، وليس إلى آدم؛ فالذي يعطي صورة كل فرد هو صفاته الوراثية، فالقدرة الإلهية: أن الله قد وضع في صلب آدم وحواء كل صفات ذرياتهما إلى قيام الساعة، وتنتقل هذه الصفات إلى كل أب، وأم، ثم تنتقل إلى ذريتهما بطريق التناسل. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٦)؛ لمزيد من البيان.
﴿ثُمَّ﴾: تفيد الترتيب، والتراخي في الزمن، أو الترقي في الصفات.
﴿قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾: سجود تحية، وتكريم، وليس سجود عبادة، والملائكة الذين أُمروا بالسجود هم الموكلون بآدم، وذريته، وليس جميع الملائكة، وسجودهم لآدم لا يعني الخضوع، بل هو طاعة لأمر الله .
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿لَمْ﴾: للنفي.
﴿يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾: لم يكن من الملائكة الساجدين؛ لأن إبليس كان من الجن، وليس من الملائكة، وكذلك لم يكن مع الساجدين؛ لأنه لم يسجد مع الملائكة.
стр. 1524
سورة الأعراف [٧: ١٢]
﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾:
﴿قَالَ﴾: تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾: ما: في هذه الآية ليس غايتها الاستفهام، كما هو العادة، وإنما غايتها الإظهار؛ لأن الله سبحانه قبل أن يأمر إبليس بالسجود؛ يعلم أن إبليس لن يسجد، ويعلم سبب عدم سجوده لآدم، فسؤاله إبليس ليس على سبيل الاستفهام، أو المعرفة ـ حاشا لله ـ ولكن للإظهار؛ ليظهر للبشر، ما حدث، وما لدى إبليس من الكبر، وليقيم الحُجَّة على إبليس، وليحذر الناس من الكبر.
﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾: ألا: أصلها: أن: حرف مصدري، لا: للتوكيد.
﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾: إذ: ظرفية زمانية؛ تفيد الماضي، بمعنى: حين أمرتك.
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾: أي: الكِبْرُ منعه، وكان بإمكان إبليس أن يقول: أنا لست من الملائكة؛ لأن إبليس من الجن؛ لأن الأمر الإلهي كان للملائكة: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ (الآية السابقة)، وقول إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِنْ نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾: يعني: أن إبليس أدرك أن الأمر الإلهي بالسجود كان يشمله، والمانع للسجود، أو القيام بأمر ما، إما أن يكون عاملاً داخلياً؛ أيْ: صادراً من نفس العبد، أو يكون عاملاً خارجياً؛ أي: العبد مجبر أو مكره على القيام به.
стр. 1525
وقوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾: تشير إلى العامل الداخلي؛ أي: القوة التي منعته هي نفسه المتكبرة، قالت له، أو زينت له: لا تسجد.
أما قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، فهذه الآية على أن العامل الخارجي، أو قوة خارجية منعته، أو أكرهته على عدم السجود، وكان الأفضل لإبليس أن يكتفي بقوله: (أنا خير منه)، وينهي الإجابة، ولكنه أراد أن يخبر: أن النار أفضل من الطين؛ أي: لأنه خلقه من نار، وآدم خلق من طين؛ فهو أفضل من آدم، ويسمَّى هذا في اللغة: الحشو.
سورة الأعراف [٧: ١٣]
﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾:
﴿قَالَ فَاهْبِطْ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، اهبط: الهبوط نوعان: هبوط من منزلة عالية إلى منزلة أدنى، أو هبوط مكاني من أعلى إلى أسفل؛ أي: لم تعد أهلاً أن تكون مع الملائكة الكرام البررة، ولا في الجنة هبوط طرد، وذلة، وليس كهبوط نوح ﵇ بسلام منا وبركات؛ أي: هبوطاً مباركاً.
﴿مِنْهَا﴾: من الجنة.
﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾: أيْ: ما ينبغي لك أن تتكبر فيها.
﴿فَمَا﴾: الفاء: تعليلية. ما: نافية، وأن: مصدرية؛ تفيد التوكيد.
﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ﴾: الفاء: للتوكيد؛ تدل على التعقيب، والمباشرة: اخرج من الجنة الآن؛ من: للعاقل وتشمل المفرد والمثنى والجمع.
﴿الصَّاغِرِينَ﴾: جمع صاغر، مقابل الاستكبار؛ أيْ: ذليل، والصغار: هو الذل، والهوان، والخضوع؛ أي: من الأذلاء الدنيئين.
стр. 1526
سورة الأعراف [٧: ١٤]
﴿قَالَ أَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾:
﴿أَنظِرْنِى﴾: أيْ: أمهلني.
﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: انتبه إلى إبليس يطلب الإمهال إلى يوم البعث؛ أيْ: زمن النفخة الثانية، ويريد أن ينجو من الصعق، والموت، والنفخة الأولى، ويضمن الخلود إلى نفخة البعث، فلا يموت أبداً.
سورة الأعراف [٧: ١٥]
﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾:
ولم يحدد في هذه الآية الزمن، بل حددها في آية أخرى، ذكرت في سورة الحجر، الآية (٣٨): ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾: وهو النفخة الأولى، نفخة الصعق، والموت، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٨٠) في سورة ص، والآية (٣٧) في سورة الحجر: نجد أنه حذف الفاء، فقال: (إنك) وفي ص والحجر جاء (بالفاء). قيل: إن الفاء جاءت مقترنة بجواب الشرط، أو ما قابلها سبب ما بعدها، وجملة انظرني جملة مستأنفة، وقيل: لما كان السؤال فأنظرني إلى يوم يبعثون جاء الجواب مقترناَ بالفاء، ولما خلا السؤال من الفاء (انظرني الى يوم يبعثون) جاء الجواب: إنك من المنتظرين.
سورة الأعراف [٧: ١٦]
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾:
﴿فَبِمَا﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، والمباشرة، والباء: باء القسم؛ أيْ: أقسم بإغوائك إياي. وقيل: باء السببية.
﴿أَغْوَيْتَنِى﴾: الإغواء، وله معنيان: الإضلال، والإهلاك، وأصل الغي: الفساد، وغواه؛ أيْ: أضله، انتبه إلى قوله: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى﴾: أيْ: نسب الإغواء
стр. 1527
لرب العالمين، والله -جل وعلا- يهدي، ولا يغوي أحداً من الإنس، أو الجن، وكلا الجن والإنس له القدرة على اختيار الطاعة، أو المعصية.
فالله سبحانه يريد ابتلاء إبليس بالسجود لآدم، واعتبر إبليس هذا الابتلاء إغواءً له.
وفشل إبليس في الابتلاء، والامتحان؛ لأنه رفض السجود؛ ممّا أدَّى إلى طرده من الجنة والرحمة، وفي آية أخرى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِى﴾؛ هنا: يعترف بالربوبية لله -جل وعلا-.
﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: لأقعدن: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد.
﴿لَهُمْ﴾: أيْ: لعبادك المؤمنين.
﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: الصراط المستقيم: هو الإسلام، دِين الحق، ونسب إبليس الصراط إلى الله؛ فهو يعلم أنه الحق، والله سبحانه نسب الصراط إليه؛ فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٢٦].
وهو كما وصف في سورة الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وهم: النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون.
والصراط: هو السبيل الموصل إلى الغاية، وهي الجنة بأقصر، وأسهل، وأسرع السبل، المستقيم: الواضح الذي لا اعوجاج فيه.
﴿لَأَقْعُدَنَّ﴾: أيْ: لأجلسنَّ لهم، يجب أن نذكر أن هناك قياماً، وقعوداً، واضطجاعاً، وحركات عدَّة، لم يقل: لأقفنَّ؛ لأن الوقوف بعد فترة، يؤدِّي إلى
стр. 1528
تعب، أما القعود، أو الجلوس: فهو أفضل، ويمكن أن تجلس لوقت طويل، ومن دون تعب؛ فإبليس اختار أفضل الحركات، وهي القعود.
﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: هو الإسلام، ويعني ذلك: لأقعدنَّ لهم على طرق المساجد، وأبوابها، وأبواب الطاعات: من صلاة، وزكاة، وصيام.
سورة الأعراف [٧: ١٧]
﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: تدل على التراخي، والإمهال في الزمن؛ لأتيناهم من بين أيديهم؛ أيْ: من أمامهم، ومن خلفهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، استعمل: (من)، واستعمل (عن)، من: تفيد المباشرة، والإلصاق، والقرب، وعن: تفيد المجاوزة، والابتعاد.
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: من أمامهم؛ أيْ: في أمر الدنيا، أرغبهم في الدنيا وشهواتها. من: تفيد القرب، أقعد قريباً، من أمامهم.
﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من ورائهم؛ أيْ: في أمر الآخرة في التكذيب بالبعث والحساب، أقعد قريباً من خلفهم بالوسوسة، والتكذيب.
﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: أقعد لهم مبتعداً عنهم من جهة اليمين، وقد تعني: أوسوس لهم من جهة اليمين: جهة الحسنات، من جهة حسناتهم؛ بالوسوسة بالمعاصي.
﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: من جهة سيئاتهم؛ بالتزيين، والإغواء؛ أيْ: أقعد لهم مبتعداً من جهة الشمال: اليسار، وذكر الجهات الأربع التي ذكرت من ضرب المجاز التمثيلي؛ لأننا نعلم ليس للشيطان مسلك إلا، بالوسوسة والإغراء والتزيين عن
стр. 1529
طريق العقل والنفس، وذكر الجهات الأربع، والعدو الذي يحيط بالإنسان من كل جهة، ولأقعدن لهم صراطك المستقيم فلا بد من الحذر منه وتجنبه.
وقوله: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: ولم يقل: عن اليمين، أو عن الشمال، عن أيمانهم، وشمائلهم؛ تعني: يأتيهم بانحراف، أو بشكل منحرف من جهة اليمين، والشمال؛ لأن جلس يمينه؛ أيْ: في جهة اليمين جلس عن يمينه؛ أيْ: منحرفاً عن جهة اليمين، وبعيداً عنه، وكذلك عن شمائلهم؛ لأنه يخشى الملكين عن اليمين، وعن الشمال قعيد (رقيب عتيد).
﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: من: تعني: مباشرة من دون انحراف.
ولم يذكر من فوقهم، أو من تحتهم وهذا من رحمة الله بعبده؛ لأن الفوقية قيل: تخصّ الله سبحانه؛ حيث تنزل رحمته، أو تصعد عبادة العبد، والتحتية؛ فهي محروسة بالسجود، والركوع، ومن الصعب، أو نادراً ما يأتي الشيطان للعبد، وهو ساجد، أو راكع.
﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾: كيف علم إبليس هذا؟ أن أكثر الناس لن يكونوا من الشاكرين؟
قيل: لأنه من الجن، والجن لها شهوات مثل شهوات الإنس، وبما أن الجن قليلاً ما تشكر؛ فظن الإنس كالجن.
سورة الأعراف [٧: ١٨]
﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
﴿مَذْءُومًا﴾: من الذأم: هو أشد الذم أو المبالغة في الذم وذأمه عابه، وحقَّره، محقَّراً ممقوتاً.
﴿مَّدْحُورًا﴾: أي: المبعد، والمطرود، والمقصى عن رحمة الله، دحره؛ أيْ:
стр. 1530
طرده؛ أيْ: مبعداً مطروداً من رحمة الله؛ جاء رد الله على إبليس رداً مناسباً بعد أن هدد بالقول ولا تجد أكثرهم شاكرين بالطرد من رحمة الله تعالى وهي أشد من القتل.
﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: لمن: اللام: لام الاستحقاق، أو الاختصاص، من: شرطية.
لمن تبعك منهم: أولاد آدم المخالفين، أولياء الشيطان.
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾: لأملأنَّ: اللام: لام التوكيد، وفيها إنذار من الله سبحانه، والنون: لزيادة التوكيد.
﴿جَهَنَّمَ﴾: ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان المفصل.
﴿مِنكُمْ﴾: خاصَّةً أجمعين؛ للتوكيد.
سورة الأعراف [٧: ١٩]
﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿وَيَاآدَمُ﴾: الياء: ياء النداء؛ للبعد، ينادي الله -جل وعلا- آدم بعد طرد إبليس من الجنة، وأقصاه من رحمته.
﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾: كلمة اسكن: لها معانٍ عدة منها: اسكن؛ من السكينة، والرجل يسكن إلى زوجته، والزوجة تسكن إلى زوجها، فالسكن يحمل معنى: الراحة، والهدوء.
والسكن في اللغة: يقال: للبيت الذي فيه زوجان.
стр. 1531
وانتبه إلى قول الله : ﴿اسْكُنْ﴾: ولم يقل: اسكنا؛ لأن السكن، والأكل، والشرب، والملبس، واجب على الزوج.
الجنة: هنا تعني جنة أرضية، وليس كما يظن البعض أنها جنة الخلد التي وعد المتقون. ارجع إلى سورة البقرة آية (٣٥) للبيان.
﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: ولم يقل: ولا تأكلا من هذه الشجرة، بل قال: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾؛ أيْ: لا تذهبا قربها.
﴿هَذِهِ﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة، يستعمل للقريب.
﴿الشَّجَرَةَ﴾: أبهم ما نوع هذه الشجرة، ولم يبيِّنه.
﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: الظالمين لأنفسهم؛ لعدم طاعة الله تعالى، فيما أمركما. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ٢٠]
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾:
﴿فَوَسْوَسَ﴾: الفاء: تدل على المباشرة؛ أيْ: حدثت الوسوسة لهما بعد التحريم بزمن قصير.
والوسوسة نوع من الحديث الخفي الذي يلقيه الشيطان في قلب الإنسان؛ أيْ: عقله ليفعل المعصية، وهي الأكل من الشجرة في هذه الآية، والغاية من الوسوسة؛ كي تظهر لهما سوءاتهما المخفية.
وكيف تمت الوسوسة، وأين كان إبليس، قيل: تمت الوسوسة عن بُعد،
стр. 1532
ولم يكن إبليس بقرب آدم، قيل: كان إبليس على الأرض بعد أن طرد منها، وآدم في الجنة (جنة أرضية).
﴿لَهُمَا﴾: لآدم وزوجته.
﴿لِيُبْدِىَ﴾: اللام: لام التعليل، والتوكيد.
﴿لِيُبْدِىَ﴾: يُظهر لهما ما وُوري عنهما من سوءاتهما.
﴿لَهُمَا﴾: لام: الاختصاص.
﴿مَا وُرِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾: أيْ: ما سترا، وغطِّي عنهما من سوءاتهما. قيل: كان آدم وزوجه ﵉ لا تُرى سوءاتهما؛ بسبب النور الساطع، نور الجنة.
والسوءة: تعريفها: ما يساء النظر إليه، وهي القُبل، والدُبر، والفطرة السليمة لا تحب رؤية سوءة الإنسان لنفسه، أو غيره.
أمّا العورة: فهي ما بين السرة والركبة.
﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، أن: حرف مصدري للتعليل، وفيه معنى: لئلَّا.
﴿أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾: أيْ: من الملائكة، ولهم خصائص القوة، والبقاء.
﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾: تكرار (تكونا): تفيد التوكيد، أو هنا للتخيير.
﴿الْخَالِدِينَ﴾: من الخلود: وهو البقاء من دون موت.
стр. 1533
سورة الأعراف [٧: ٢١]
﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾:
﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾: أقسم لهم بالله.
﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾: أيْ: دخل معهما في القسم، والمقاسم: أن تقسم لصاحبك، ويقسم لك، وتقاسما تحالفا، مثال: قال: إبليس أقسم بالله ﴿إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، ورضيا بقسم إبليس.
﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾: أي: اجتهد في القسم، أو بالغ فيه، وعبر عن ذلك بصيغة المفاعلة، المقاسمة؛ حتى يخدعهما.
﴿لَمِنَ﴾: اللام: للتوكيد.
﴿النَّاصِحِينَ﴾: بأن تأكلا من الشجرة لتكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين، ناصحين: جمع ناصح: الذي يقدِّم النصيحة، ولو كان صحيحاً هذا لماذا لم يأكل منها إبليس نفسه؟
سورة الأعراف [٧: ٢٢]
﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾:
﴿فَدَلَّاهُمَا﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب من دون فترة للحوار، أو المشاورة، التدلية، أو الإدلاء: هو إنزال الدلو، أو إرساله من الأعلى إلى الأسفل.
﴿فَدَلَّاهُمَا﴾: أيْ: أنزلهما من مكان عالٍ إلى مكان أسفل، أو من درجة الطاعة إلى درجة المعصية.
﴿بِغُرُورٍ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد، غرور: بالخداع، والقسم الكاذب.
стр. 1534
﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾: الفاء: عاطفة؛ تدل على الترتيب، والتعقيب، مجرد أن ذاقا الشجرة.
﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾: ظهرت لهما سوءاتهما.
﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: طفق: شرع، طفقا؛ أيْ: شرعا.
﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: الخصف: الخرز، ومنه الإلصاق؛ يلزقان عليهما من ورق الجنة على سوءاتهما، والخصف: أن تأتي بشيء تلزقه على شيء آخر؛ لتواري العيب، وقديماً كانوا يستعملون هذه الكلمة في ترقيع الحذاء.
﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ﴾: استفهام؛ للتقرير.
﴿أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾: أنهكما عن الاقتراب من تلكما الشجرة، وبالتالي الأكل منها.
وقال: ﴿عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾: ولم يقل: تلك الشجرة؛ لأن المخاطب هنا: آدم وحواء ﵉، وليست الشجرة، و (تلكما): تشير إلى البعد، بينما هذه الشجرة تشير إلى القرب.
﴿وَأَقُلْ لَكُمَا﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: لكما خاصَّةً من دون الآخرين.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهر العداوة، عداوته ظاهرة لكل فرد، وهذه العداوة لا تحتاج إلى من يظهرها فهي ظاهره بنفسها، لا تحتاج إلى دليل، أو برهان.
стр. 1535
سورة الأعراف [٧: ٢٣]
﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
﴿أَنْفُسَنَا﴾: بصيغة الجمع، ولم يقل: (نفسينا) بصيغة التثنية؟ اعتذرا معاً، والدعاء بصيغة الجمع أفضل من الدعاء بصيغة المفرد.
﴿ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾: بمخالفة أمرك، وطاعة الشيطان بالاقتراب من الشجرة، والأكل منها.
﴿وَإِنْ لَّمْ﴾: إن: شرطية، لم: نافية.
﴿وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾: قدَّم المغفرة على الرحمة، والمغفرة: من غفر؛ أيْ: ستر؛ أي: استر ذنوبنا، وتقبل توبتنا.
﴿لَنَكُونَنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، و (نكوننَّ): النون: لزيادة التوكيد؛ أيْ: استعظما ذنبهما.
﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: الذين خسروا الدنيا والآخرة، خسروا أنفسهم.
لنقارن ثلاث دعوات وردت في القرآن متشابهة إلى حدٍّ ما، وهي: في سورة هود الآيتان (٤٦ - ٤٧): ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
الدعاء هنا على لسان نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وفي سورة الأعراف، الآية (٢٣): ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾.
стр. 1536
الدعاء هنا على لسان آدم وزوجه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وفي سورة الأعراف، الآية (١٤٩): ﴿لَئِنْ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
الدعاء هنا على لسان بني إسرائيل، نجده استعمل كلمات، أكن، لنكوننَّ.
بما أن معصية نوح هي أقل شدة من معصية آدم، ومعصية بني إسرائيل؛ لذلك لم يؤكد نوح ﵇ في دعائه بأي حرف، فقال: ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وبما أن معصية آدم ﵇ هي أشد من معصية نوح ﵇؛ لذلك استعمل التوكيد باللام، في (لنكوننَّ)، والنون؛ فقال: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وبما أن معصية بني إسرائيل أشد من معصية آدم، ومعصية نوح: وهي الإشراك بالله، وعبادة العجل؛ لذلك استعمل: ﴿لَّئِنْ﴾ + ﴿لَنَكُونَنَّ﴾؛ أي: (اللام، والنون).
ثم في دعاء نوح، ودعاء آدم: قدَّم المغفرة على الرحمة، وفي دعاء بني إسرائيل: قدَّم الرحمة على المغفرة؛ لأن الرحمة أعم، وأوسع من المغفرة، فالرحمة لعموم الخلق؛ لذلك طلب بنو إسرائيل الرحمة أولاً؛ لأنه يناسب عظم المعصية، وهي الشرك، فإذا طرد الإنسان من رحمة الله، فلا مطمع له بعد في المغفرة، فالمغفرة تأتي بعد الرحمة، والمغفرة خاصَّةً بالمؤمنين، فمن لا يرحمه ربه، لا يغفر له، ومن غفر له كان مرحوماً.
سورة الأعراف [٧: ٢٤]
﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾:
﴿قَالَ اهْبِطُوا﴾: اهبطوا هبوط مكانة، ومنزلة؛ إذ كانت جنة آدم على الأرض، وليست هي جنة الخلد، كما قال بعض المفسرين.
والهبوط نوعان: هبوط مكانة ومنزلة، أو هبوط مكاني من أعلى إلى أسفل.
стр. 1537
انتبه! لم يقل: منها في هذه الآية فقط: ﴿اهْبِطُوا﴾؛ لأنه قد يكون هبوط مكانة، ومنزلة، وليس هبوطاً من مكان عالٍ إلى مكان أسفل.
﴿اهْبِطُوا﴾: تشمل آدم، وزوجه، وإبليس، وقيل: آدم وإبليس؛ خوطبا بصيغة الجمع؛ لأنهما أصل الإنس والجن.
﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: لم يقل: (أعداء)، بل قال : ﴿عَدُوٌّ﴾؛ لأن العداوة واحدة في سببها، وفي نوعها، وهي عدم طاعة الله وعصيانه، ويقول: أعداء: إذا كانت العداوات مختلفة الأسباب، والعداوة: هي بين آدم ونسله، والشيطان.
﴿وَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: أيْ: إلى انقضاء الأجل: وهو الموت.
﴿مُسْتَقَرٌّ﴾: مكان استقرارٍ، وإقامة مؤقت.
﴿وَمَتَاعٌ﴾: ومكان تمتع، والمتاع: ما ينتفع به: من مشرب، وملبس، ومسكن، وأداة، وآنية.
﴿إِلَى حِينٍ﴾: ولتعريف المتاع: ارجع إلى الآية (١٤) من سورة آل عمران.
إلى: حرف يستعمل لكل الغايات الزمنية؛ البداية، أو النهاية، أو المنتصف.
بينما حتى: تستعمل لنهاية الغاية الزمنية.
وحين: زمن غير محدد قد يطول، أو يقصر يقدر سنين، أو شهور، أو أياماً، أو ساعات، والحين: يطلق على اللحظة الآن، والحين: هو الوقت الذي يحين فيه المقدور.
استعمل إلى، ولم يستعمل حتى؛ لأن الاستقرار، والتمتع قد يطول، أو يقصر؛ بحسب عمر الشخص.
ولم يستعمل حتى؛ لأن حتى: حرف نهاية الغاية؛ أي: التمتع والاستقرار
стр. 1538
يجب أن يدوم حتى نهاية العمر، وهذا أمر غير مؤكد؛ لما يصيب الإنسان من تغيرات في كل مرحلة، أو زمن.
سورة الأعراف [٧: ٢٥]
﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾:
﴿فِيهَا﴾: تعني: الأرض، وليس عليها؛ لأن الأرض تشمل طبقة الغازية المحيطة بالأرض، إذن نحن نسير في الأرض، وتعني الأرض الحالية.
﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾: حين تنقضي آجالكم، وتعني الأرض الحالية.
﴿وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾: يوم البعث، أو القيامة من قبوركم، الأرض المستقبلية الأرض الجديدة.
سورة الأعراف [٧: ٢٦]
﴿يَابَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِى سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾:
نداء إلى بني آدم، وحين ينادي الله -جل وعلا- خلقه: يا بني آدم! نرى هذا النداء يأتي في سياق خلق آدم ﵇، أو بعد ذكر آدم ﵇ أبو البشر، فينادينا الحق: يا بني آدم، يا أولاد آدم، وهو نداء فيه تكريم لآدم له، والتذكير بالنِّعم التي أنعمها على بني آدم، ومن هذه النِّعم: اللباس.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾: واللباس: يطلق على ما يستر العورة عادةً يُصنع في الأرض، فما معنى ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾: الإنزال: هو عادة يعني: المطر، والذي ينبت به القطن، والكتان، والذي يخرج به الزرع، والذي تأكل منه الأنعام، والتي هي مصدر الأصواف، والأوبار، والأشعار، والحرير، والريش.
وهذا يسمَّى في المجال اللغوي: المجاز المرسل، وهو الانتقال من المعنى الأصلي إلى معنى آخر بلاغي، مع وجود قرينة لفظية، أو مقامية، وهي الإنزال.
стр. 1539
﴿يُوَارِى سَوْآتِكُمْ﴾: يستر، ويغطي سوءاتكم، والسوءة: هي القبل، والدبر. والعورة: ما بين السرة والركبة، فالعورة تشمل السوءة.
﴿وَرِيشًا﴾: والريش هنا يمثل: لباس الزينة.
﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: تشبيه التقوى باللباس: وهو تشبيه بليغ، وهو لباس معنوي، فالتقوى: لتواري السوءات الباطنة، وتشمل الإيمان، والعمل الصالح، والباقيات الصالحات.
واللباس العادي: ليواري السوءات الظاهرة، وهو لباس حسي.
وقيل: لباس التقوى: هو لباس الجهاد، والحرب.
﴿ذَلِكَ﴾: الإنزال، أو اللباس خير؛ أيْ: نعمة من الله، وخاصَّةً: لباس التقوى.
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: لعلَّ: للتعليل نعمة خلق اللباس، ونعمة ستر العورة؛ لأنهم سرعان ما ينسون هذه النِّعم، ونعمة سهولة ستر العورة، الآن مقارنة بما فعل آدم وحواء بالخصف، وإلزاق أوراق الشجر وغيرها.
سورة الأعراف [٧: ٢٧]
﴿يَابَنِى آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
نداء جديد آخر؛ يحذر الله سبحانه في هذه الآية ذرية آدم، من فتنة الشيطان لهم، كما فعل لأبيهم آدم ﵇.
﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾: لا: الناهية، يفتننكم الشيطان: من الفتنة، وهي تشمل: الوسوسة، والإغراء، والتزيين، والإضلال، والتمني والشرك، والكفر … وغيرها. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٧)؛ لمزيد من البيان.
﴿لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾: وتعني: لا يخرجكم الشيطان عن طاعة الله، أو
стр. 1540
يزيِّن لكم كشف عوراتكم، والمعاصي، وينزع عنكم لباس التقوى، ويحرمكم من دخول الجنة.
﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾: حين أوقعهما في المعصية بالأكل من الشجرة؛ التي أدت إلى ظهور سوءاتهما.
﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾: أي: الشيطان، وأكَّد ذلك بأنه يراكم، ويرى غيركم، وكذلك قبيله: ذريته، وأعوانه، أو جنوده، يرونكم من حيث لا ترونهم؛ أيْ: أنتم أمام عدو غير مرئي لكم، يراكم، ولا ترونه.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أولياء؛ أيْ: أعواناً، وأنصاراً للكفار؛ الذين لا يؤمنون.
أيْ: خلَّى الله سبحانه بين الشياطين، وبين الذين يريدون أن يكونوا أولياء للشيطان، أو أولياء لذرية الشيطان.
ولو أراد الله لمنعهم من ذلك؛ إنه على كل شيء قدير.
سورة الأعراف [٧: ٢٨]
﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
الفاحشة: هي ما فيه عقوبة الحد، أو: هي الكبائر، أو: ما اشتد قبحه من الأفعال، والأقوال، والفاحشة: هي الزِّنى، بشكل خاص، والآيتان السابقتان تتحدثان عن اللباس، وستر العورة، والسوءة.
وهذه الآية: تتحدث عن الذين كانوا يطوفون بالبيت الحرام عُراة، والفاحشة هنا كانت كشف العورة، والزِّنى، واللِّواطة، وكذلك الشرك، والسائبة، والوصيلة، والحام، وقد تعني: القذف، وغيرها.
وهؤلاء المشركون: كانوا إذا قيل لهم: ما تفعلون هو من الفواحش، قالوا: هذا ما وجدنا عليه آباءنا؛ أيْ: نحن مقلدون لآبائنا، وكأنهم يعتقدون أن التقليد هو
стр. 1541
حكم تكليفي، والله أمرهم باتباع آبائهم، أو يقولون: الله قدَّرها، وكتبها عليهم؛ أي: الفاحشة من قدر الله، وقضائه، والله أراد لنا أن نكفر، أو حكم علينا بالكفر، والشرك، والضلال، أو هم لا يعتقدون أن التعري فاحشة، بل جمال الأجسام، ولا حرج، فكان الرجال يطوفون نهاراً، والنساء يطفن ليلاً.
وكانوا يدعون أنهم لا يريدون الطواف بثياب عصوا الله فيها، ويعتبرون هذا من قبيل الورع.
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾: بل ينهى عن الفحشاء، والذي أمركم بالفحشاء: هو الشيطان، وليس الله سبحانه.
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبّه بالفعل؛ يفيد التوكيد؛ بأن الله لا يأمر بالفحشاء، أو متى أمركم الله بالفحشاء، أو كلمكم عنها، أو جاءكم الوحي، أو رسول، أو نبي يصدق ما تقولون.
﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، أتفترون على الله الكذب، والافتراء: هو الكذب المتعمد، وفي الآية إنذار ووعيد للمشركين، وهذه سمة العاصين؛ يسندون كفرهم، وضلالهم إلى أمر الله، ومشيئته، وأن الله قدَّر عليهم ذلك، أو أنهم يقلِّدون آباءَهم.
سورة الأعراف [٧: ٢٩]
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ : إن الله لا يأمر بالفحشاء.
بل يأمر بالقسط، بالحق، والعدل، وعدم الشرك، والاعتدال في الطاعات، والعبادات دون إفراط، ولا تفريط.
والقسط: يعني: العدل مع تنفيذ، أو تطبيق الحكم بالعدل.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: كقوله: ﴿فَأَقِمْ
стр. 1542
وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠]: في كل مكان وزمان، نقيم فيه الصلاة، إقامة الوجه: تعني: منيبين إليه، واتقوه، وأقيموا الصلاة، ولا تكونوا من المشركين، وإقامة الوجوه تعني أيضاً: كمال الإقبال على الله كأنه نراه أمامنا، وعدم الالتفات لا يمنة ولا يُسرى.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: المسجد: هو كل موضع في الأرض، يمكن إقامة الصلاة فيه، يعتبر مسجداً؛ فالأرض كلها مسجد، كما جاء في حديث رسول الله ﷺ المتفق عليه: «وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً».
أو المسجد: وهو ما يطلق عليه: بيت الله، الذي تقام فيه خمس صلوات، وتقام فيه الجمعة، ويجتمع فيه الناس للصلوات، ويختلف عن المصلى.
﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: وادعوه الدعاء: هو العبادة، وكذلك الدعاء المعروف؛ مخلصين له الدِّين: موحِّدين غير مشركين.
﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: كما خلقكم أول مرة يعيدكم إليه أحياء؛ بالبعث يوم القيامة للحساب، والجزاء مرة أخرى.
سورة الأعراف [٧: ٣٠]
﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾:
أيْ: تعودون إليه فريقين فقط يوم القيامة.
﴿فَرِيقًا هَدَى﴾: استجاب لأوامر الله، وطاعته، وطلبوا الهداية، فهداهم الله، ونجوا من العذاب.
﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾: أي: العذاب؛ لأنهم ضلوا في الدنيا، ولأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون؛ أيْ: بدلاً من الله سبحانه، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: يظنون أنهم مهتدون، وأن صفة الهدى ثابتة لهم.
ما هو الفرق بين حسب، وظنَّ؟
стр. 1543
الظنُّ: هو رجحان كفة الإثبات على كفة النفي.
والحسبان: هو الظن القائم على حساب حسي، وقلبي، أو الاعتقاد القائم على النظر والتجربة، ويسمَّى الظنَّ حسباناً من كثرة الاستعمال.
﴿وَيَحْسَبُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ تدل على تجدُّد، وتكرار ظنهم.
ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية مع الآية (٣٦) من سورة النحل؛ لمعرفة معنى الضلالة في الآيتين:
في آية سورة الأعراف (٣٠) يقول تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وفي آية سورة النحل (٣٦) يقول تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
إذا نظرنا في آية سورة النحل: نجده أنَّث الضلالة، فقال ﷻ : ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾، وأما في آية سورة الأعراف؛ فذكر الضلالة، فقال: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾؛ لأن معنى الضلالة في سورة الأعراف: العذاب؛ لأن سياق الآية في الآخرة، والآخرة ليس فيها عبادة، وتكليف، وليس فيها هداية، وضلالة، انتهى الأمر حين الموت، ومعنى الضلالة في سورة النحل: الضلالة فعلاً، وعدم الاهتداء؛ لأن سياق هذه الآية في الدنيا.
стр. 1544
سورة الأعراف [٧: ٣١]
﴿يَابَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾:
أسباب النزول: كما روى مسلم وغيره: كانت العرب تطوف بالبيت الحرام عراة، إلا الحمس؛ أيْ: قريش وأحلافها، فمن جاء يحج وضع ثيابه، واستعار ثياب من أهل مكة كي يطوف بها، فإن لم يجد ثياباً طاف عرياناً، وكانوا في أيام الحج يحرمون على أنفسهم الطيبات، واللحوم؛ تقرباً من الله؛ فنزلت هذه الآية تأمرهم بستر عوراتهم، ولبس الثياب الطاهرة، وأكل الطيبات، واللحوم، وعدم الإسراف.
﴿يَابَنِى﴾: ارجع إلى الآية (٢٦) من نفس السورة؛ للبيان.
﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾: الزينة: لفظ عام يشمل الزينة الخارجية والثياب والريش؛ أي: استروا عوراتكم، والبسوا الثياب الحسنة الطاهرة حين الطواف بالبيت والصلاة.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: ارجع إلى الآية (٢٩) من نفس السورة.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾: أيْ: كلوا الطيبات، والحلال، واللحم، والشحم، وما تيسر على شرط عدم الإسراف، والإسراف: هو تجاوز الحد في كل شيء في المال، والطعام، واللباس، والإنفاق.
﴿إِنَّهُ﴾: إن: للتوكيد.
стр. 1545
﴿لَا﴾: النافية.
﴿يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: جمع مسرف، والإسراف: مجاوزة الحد، أو تعدي الحد الذي أباحه الله في الإنفاق، وما وراء الحاجة، أما التبذير؛ فهو الإنفاق في الأمور المحرمة غير المباحة، أو الحرام.
سورة الأعراف [٧: ٣٢]
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
﴿مَنْ﴾: استفهام إنكاري، وتشمل: المفرد، والجمع.
﴿حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾: الزينة: ما يتزين به الإنسان: من الثياب، والجواهر، والحلي المباحة على شرطين: عدم الإسراف، وما لم يحرمه الله -جل وعلا-، ورسوله ﷺ .
ونسب الزينة إلى الله تعالى؛ لأنه سبحانه أخرجها لعباده.
﴿الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾: أيْ: أوجدها لعباده، وأحلها لعباده، اللام: لام الاختصاص.
﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: الحلال من المطاعم، والمشارب، والطاهرة؛ أي: لا يحرمها إلا جاهل بدين الله تعالى.
﴿مِنَ﴾: بعضية.
﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أيْ: هي ضمير يفيد التوكيد للذين آمنوا، اللام: لام الاستحقاق، وإن شاركهم فيها غيرهم؛ أيْ: هي خلقت أصلاً للذين آمنوا، وهي من عطاء الربوبية الذي يشترك فيه المؤمن والكافر.
следующие страницы →