Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
حكم تكليفي، والله أمرهم باتباع آبائهم، أو يقولون: الله قدَّرها، وكتبها عليهم؛ أي: الفاحشة من قدر الله، وقضائه، والله أراد لنا أن نكفر، أو حكم علينا بالكفر، والشرك، والضلال، أو هم لا يعتقدون أن التعري فاحشة، بل جمال الأجسام، ولا حرج، فكان الرجال يطوفون نهاراً، والنساء يطفن ليلاً.
وكانوا يدعون أنهم لا يريدون الطواف بثياب عصوا الله فيها، ويعتبرون هذا من قبيل الورع.
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾: بل ينهى عن الفحشاء، والذي أمركم بالفحشاء: هو الشيطان، وليس الله سبحانه.
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبّه بالفعل؛ يفيد التوكيد؛ بأن الله لا يأمر بالفحشاء، أو متى أمركم الله بالفحشاء، أو كلمكم عنها، أو جاءكم الوحي، أو رسول، أو نبي يصدق ما تقولون.
﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، أتفترون على الله الكذب، والافتراء: هو الكذب المتعمد، وفي الآية إنذار ووعيد للمشركين، وهذه سمة العاصين؛ يسندون كفرهم، وضلالهم إلى أمر الله، ومشيئته، وأن الله قدَّر عليهم ذلك، أو أنهم يقلِّدون آباءَهم.
سورة الأعراف [٧: ٢٩]
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ : إن الله لا يأمر بالفحشاء.
بل يأمر بالقسط، بالحق، والعدل، وعدم الشرك، والاعتدال في الطاعات، والعبادات دون إفراط، ولا تفريط.
والقسط: يعني: العدل مع تنفيذ، أو تطبيق الحكم بالعدل.
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: كقوله: ﴿فَأَقِمْ
стр. 1542
وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠]: في كل مكان وزمان، نقيم فيه الصلاة، إقامة الوجه: تعني: منيبين إليه، واتقوه، وأقيموا الصلاة، ولا تكونوا من المشركين، وإقامة الوجوه تعني أيضاً: كمال الإقبال على الله كأنه نراه أمامنا، وعدم الالتفات لا يمنة ولا يُسرى.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: المسجد: هو كل موضع في الأرض، يمكن إقامة الصلاة فيه، يعتبر مسجداً؛ فالأرض كلها مسجد، كما جاء في حديث رسول الله ﷺ المتفق عليه: «وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً».
أو المسجد: وهو ما يطلق عليه: بيت الله، الذي تقام فيه خمس صلوات، وتقام فيه الجمعة، ويجتمع فيه الناس للصلوات، ويختلف عن المصلى.
﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: وادعوه الدعاء: هو العبادة، وكذلك الدعاء المعروف؛ مخلصين له الدِّين: موحِّدين غير مشركين.
﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: كما خلقكم أول مرة يعيدكم إليه أحياء؛ بالبعث يوم القيامة للحساب، والجزاء مرة أخرى.
سورة الأعراف [٧: ٣٠]
﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾:
أيْ: تعودون إليه فريقين فقط يوم القيامة.
﴿فَرِيقًا هَدَى﴾: استجاب لأوامر الله، وطاعته، وطلبوا الهداية، فهداهم الله، ونجوا من العذاب.
﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾: أي: العذاب؛ لأنهم ضلوا في الدنيا، ولأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون؛ أيْ: بدلاً من الله سبحانه، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: يظنون أنهم مهتدون، وأن صفة الهدى ثابتة لهم.
ما هو الفرق بين حسب، وظنَّ؟
стр. 1543
الظنُّ: هو رجحان كفة الإثبات على كفة النفي.
والحسبان: هو الظن القائم على حساب حسي، وقلبي، أو الاعتقاد القائم على النظر والتجربة، ويسمَّى الظنَّ حسباناً من كثرة الاستعمال.
﴿وَيَحْسَبُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ تدل على تجدُّد، وتكرار ظنهم.
ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية مع الآية (٣٦) من سورة النحل؛ لمعرفة معنى الضلالة في الآيتين:
في آية سورة الأعراف (٣٠) يقول تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وفي آية سورة النحل (٣٦) يقول تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
إذا نظرنا في آية سورة النحل: نجده أنَّث الضلالة، فقال ﷻ : ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾، وأما في آية سورة الأعراف؛ فذكر الضلالة، فقال: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾؛ لأن معنى الضلالة في سورة الأعراف: العذاب؛ لأن سياق الآية في الآخرة، والآخرة ليس فيها عبادة، وتكليف، وليس فيها هداية، وضلالة، انتهى الأمر حين الموت، ومعنى الضلالة في سورة النحل: الضلالة فعلاً، وعدم الاهتداء؛ لأن سياق هذه الآية في الدنيا.
стр. 1544
سورة الأعراف [٧: ٣١]
﴿يَابَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾:
أسباب النزول: كما روى مسلم وغيره: كانت العرب تطوف بالبيت الحرام عراة، إلا الحمس؛ أيْ: قريش وأحلافها، فمن جاء يحج وضع ثيابه، واستعار ثياب من أهل مكة كي يطوف بها، فإن لم يجد ثياباً طاف عرياناً، وكانوا في أيام الحج يحرمون على أنفسهم الطيبات، واللحوم؛ تقرباً من الله؛ فنزلت هذه الآية تأمرهم بستر عوراتهم، ولبس الثياب الطاهرة، وأكل الطيبات، واللحوم، وعدم الإسراف.
﴿يَابَنِى﴾: ارجع إلى الآية (٢٦) من نفس السورة؛ للبيان.
﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾: الزينة: لفظ عام يشمل الزينة الخارجية والثياب والريش؛ أي: استروا عوراتكم، والبسوا الثياب الحسنة الطاهرة حين الطواف بالبيت والصلاة.
﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: ارجع إلى الآية (٢٩) من نفس السورة.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾: أيْ: كلوا الطيبات، والحلال، واللحم، والشحم، وما تيسر على شرط عدم الإسراف، والإسراف: هو تجاوز الحد في كل شيء في المال، والطعام، واللباس، والإنفاق.
﴿إِنَّهُ﴾: إن: للتوكيد.
стр. 1545
﴿لَا﴾: النافية.
﴿يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: جمع مسرف، والإسراف: مجاوزة الحد، أو تعدي الحد الذي أباحه الله في الإنفاق، وما وراء الحاجة، أما التبذير؛ فهو الإنفاق في الأمور المحرمة غير المباحة، أو الحرام.
سورة الأعراف [٧: ٣٢]
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
﴿مَنْ﴾: استفهام إنكاري، وتشمل: المفرد، والجمع.
﴿حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾: الزينة: ما يتزين به الإنسان: من الثياب، والجواهر، والحلي المباحة على شرطين: عدم الإسراف، وما لم يحرمه الله -جل وعلا-، ورسوله ﷺ .
ونسب الزينة إلى الله تعالى؛ لأنه سبحانه أخرجها لعباده.
﴿الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾: أيْ: أوجدها لعباده، وأحلها لعباده، اللام: لام الاختصاص.
﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: الحلال من المطاعم، والمشارب، والطاهرة؛ أي: لا يحرمها إلا جاهل بدين الله تعالى.
﴿مِنَ﴾: بعضية.
﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أيْ: هي ضمير يفيد التوكيد للذين آمنوا، اللام: لام الاستحقاق، وإن شاركهم فيها غيرهم؛ أيْ: هي خلقت أصلاً للذين آمنوا، وهي من عطاء الربوبية الذي يشترك فيه المؤمن والكافر.
стр. 1546
﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: أيْ: خالصة للذين آمنوا يوم القيامة، لا يشاركهم فيها أحد.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: أيْ: كما فصلنا لكم الحلال، والحرام، والزينة، والطيبات، والأكل، والمشرب، وعدم الإسراف، ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: بصور شتى، ومختلفة، نأتي بها بأشكال مختلفة؛ حتى يدركوا غايتها، ويصلوا إلى الحقيقة والعلم الثابت.
﴿لِقَوْمٍ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿يَعْلَمُونَ﴾: ما ينفعهم، وما يضرهم، أولو بصيرة.
سورة الأعراف [٧: ٣٣]
﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ : ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد.
﴿حَرَّمَ رَبِّىَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: ارجع إلى الآية (١٥١) من سورة الأنعام.
والفواحش: تضم الزِّنى، واللِّواطة، وعبادة الأصنام، والقذف، ومعصية الرسول، والأقوال المنكرة، وشرب الخمر، وغيرها من الفواحش؛ السرية، والعلنية.
﴿وَالْإِثْمَ﴾: الإثم في اللغة: التقصير، الإثم شرعاً: هو فعل الحرام، أو ترك الواجب، وقيل: هو القبيح الذي عليه تبعة، أما ترك المباح، أو المكروه، والمستحب، والمندوب فليس عليه إثم.
مراتب الإثم: الصغائر، والكبائر.
стр. 1547
أنواع الإثم:
١ - آثام الجوارح، ويسمَّى ظاهر الإثم.
٢ - آثام القلوب: وهي الآثام الباطنة: كالحسد، وكتمان الشهادة … وغيرها.
أما شروط تحقق الإثم: فأن يكون مكلفاً، بالغاً، عاقلاً، والقدرة، والاختيار.
ما يترتب على الإثم: التوبة، إرجاع الحق إلى أهله، الكفارة، أو الفدية، أو القضاء (ما ترك)، وإقامة الحد إذا كان عليه حدٌّ.
﴿وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: هو الظلم، وأخذ حق الغير بقهر، وتعسف، ومجاوزة الحد في الفساد.
﴿وَأَنْ﴾: مصدرية تفيد التعليل والتوكيد.
﴿تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: أي: الإشراك بالله، باتخاذهم إلهاً آخر، أو صنماً، أو طاغوتاً.
﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: أيْ: حُجَّة، أو برهاناً، وهل يُعقل أن ينزل الله سبحانه برهاناً يسمح بأن يشرك به غيره.
والسلطان: الحُجَّة التي لا تدحض؛ لقوة دلالتها، أو سلطان قوة، وقهر.
﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أيْ: أن القول على الله كذباً، أو من دون علم، تقولوا: حرم الله هذا، ولم يحرمه، أو تحرموا ما أحل الله، أو تحلوا ما حرم الله، وتنسبون ذلك إلى الله، أو تفتروا على الله كذباً بأن تقولوا المسيح ابن الله، أو الملائكة إناثاً، كل ذلك نوع من أنواع الشرك.
وانتبه إلى تقديم الفاحشة على الشرك، مع أن الشرك أعظم ذنباً من
стр. 1548
الفاحشة، التقديم هنا لا يقصد به الأهمية؛ أيْ: من الأهم؛ لأن السياق هو في التحريم، والحلال، والحرام، وإنما أدرج الشرك في سياق الفواحش؛ لأنه من أهمها، والتقديم والتأخير قد يكون بحسب السياق، كما هو الحال هنا، وليس بحسب الأهمية.
سورة الأعراف [٧: ٣٤]
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر تحريم الفواحش، والإثم، والبغي، والشرك، جاء بهذه الآية؛ ليذكر كل من يرتكب تلك المحرمات أن له أجلاً محدداً؛ أيْ: سيموت، ويحاسب على ما اكتسبه.
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾: لكل أمة جماعة من الناس بغض النظر عن العدد، أجل؛ أيْ: زمن محدد معين يموتون فيه، ففي كل ساعة، أو دقيقة نرى جماعة من الناس تموت، أو تقتل.
والأجل: هو وقت محدد، أو مدة معلومة في علم الله؛ لانقضاء عمر الإنسان؛ أيْ: موته.
وأجل الإنسان: زمن موته، أو الوقت المحدد المعلوم الذي يموت فيه الإنسان، وأجل الدَّين: هو وقت حلوله؛ أيْ: دفعه، والأجل المسمَّى: يوم القيامة.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: الفاء: تفيد التوكيد، وإذا: ظرفية زمانية للمستقبل، جاء أجل تلك الجماعة مثلاً: بسقوط طائرة، أو غرق سفينة، أو إلقاء قنبلة.
﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾: لا: النافية. يستأخرون: ساعة، ولا أقل من ساعة؛ أيْ: ولا دقيقة، أو ثانية، أو أقل؛ نفي الأكثر يعني: نفي الأقل.
﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: وإذا لم يجئ أجلهم، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ لأنه إذا
стр. 1549
جاء أجلهم انتهى الأمر، فكيف يستقدمون، فجملة لا يستقدمون ليست تتمة، أو مرتبطة بجملة لا يستأخرون، كما يظن الكثير.
سورة الأعراف [٧: ٣٥]
﴿يَابَنِى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
﴿يَابَنِى آدَمَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٦) من نفس السورة.
﴿إِمَّا﴾: أصلها: (إن + ما)، إن: الشرطية، ما: للتوكيد، ثم أدغمت إنَّ في ما، وأصبحت إمَّا، ومعناها: إن يأتيكم رسل منكم.
﴿يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾: يأتينكم: النون للتوكيد، ولم يقل: يأتيكم.
﴿رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾: تشمل الأنبياء، والرسل؛ فكل نبي هو أيضاً مرسل من الله. للتفريق بين النبي والرسول ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٤)؛ للبيان.
﴿مِّنكُمْ﴾: من البشر، وليس من الملائكة، أو الجن.
﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى﴾: ارجع إلى الآية (١٣٠) من سورة الأنعام؛ لمزيد من البيان؛ لمعرفة معنى ﴿يَقُصُّونَ﴾.
أيْ: يخبرونكم بآياتي؛ أيْ: بما شرعته لهم: من افعل، أو لا تفعل، ولم يقل: (يتلون عليكم آياتي)؛ إذ هناك فرق بين يقصون ويتلون. ارجع إلى الآيات في سورة الأنعام، الآية (١٣٠)؛ والزمر، آية (٧١)؛ لمزيد من البيان.
﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾: من: ابتدائية، والفاء: للتوكيد، ومن: تعني: المفرد، أو الجمع.
стр. 1550
﴿اتَّقَى﴾: حرمات الله، واتقى المعاصي، اتقى الله؛ أيْ: أطاع، وامتثل أوامر الله، وتجنب محارمه.
﴿وَأَصْلَحَ﴾: أصلح نفسه، وشأنه، أو قام بالأعمال الصالحة، وأصلح ما بينه، وبين العباد، وأصلح في الأرض، ولم يفسد فيها.
﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة البقرة للبيان المفصل.
سورة الأعراف [٧: ٣٦]
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
هذه الآية: هي تتمة للآية السابقة؛ أيْ: فمن اتقى وأصلح، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، والذين كذبوا بآياتنا.
﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: عاطفة، الذين: اسم موصول؛ يفيد التحقيق.
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أيْ: لم يؤمنوا بها، ويصدقوها، بعد أن قصتها رسلهم عليهم، (يقصون عليكم آياتي).
﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾: الاستكبار: أشد الكبر صيغة مبالغة؛ أي: طلب الكبر، وهو غير مؤهل له؛ أيْ: لا يملك أسباب الكبر، مثل: الغنى، والحكم، والعلم، وغيرها. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان في الكبر.
واستكبر: أيْ: أظهر عظم شأنه، فوق ما يستحق، والاستكبار يتضمن الإعراض عن آيات الله، والعمل بها، ورفض الإذعان لها. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان.
стр. 1551
﴿عَنْهَا﴾: عن: تعني: المجاوزة، والابتعاد؛ أيْ: عن آيات الله .
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد، ويفيد معنى الذم والتحقير.
﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أي: الملازمون للنار، لا يفارقونها، ولا تفارقهم؛ كالصاحب الذي لا يفارق صاحبه، أو أصحابها؛ أي: المالكون لها، مثل: صاحب المنزل الذي يملك منزله، ولا يتخلى عنه.
﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾: الخلود: هو استمرار البقاء من وقت مبتدأ له بداية إلى ما لا نهاية له، أو يبدأ خلودهم في النار بعد دخولهم فيها.
سورة الأعراف [٧: ٣٧]
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِئَايَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾:
﴿فَمَنْ﴾: استفهام تقريري، والجواب: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً.
﴿أَظْلَمُ﴾: على وزن أفعل، والظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه، والظلم ثلاثة أنواع:
ظلم بين الإنسان، وبين الخالق، وأعظمه: الكفر، والشرك، والنفاق؛ لأن وضع العبادة في غير من خلق، ورزق؛ أشنع أنواع الظلم، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
стр. 1552
وظلم بين الإنسان، وبين الناس؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: ٤٢]، ويعني: أخذ حق الغير.
وظلم الإنسان لنفسه: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢].
ويعني: الخروج عن منهج الله سبحانه هو ظلم للنفس. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤)؛ لمزيد من البيان.
﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: افترى: من الافتراء، وهو: اختلاق الكذب؛ أي: اختراعه، وهو الكذب المتعمد.
﴿كَذِبًا﴾: نكرة؛ تشمل كلَّ أنواع الكذب على الله -جل وعلا- بأن له شريكاً، أو أن له ولداً، أو أحل الله، أو حرم الله، وأنزل الله.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِئَايَاتِهِ﴾: أيْ: آيات القرآن، أو الآيات الكونية، أو المعجزات التي جاء بها الرسل.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة؛ للبعد.
﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: نصيبهم: حظهم، والنصيب يأتي في الأجر، والجزاء، والثواب، ويكون في المحبوب، والمكروه، والنعيم، أو العذاب، والحظ؛ لا يقال في العذاب، أو المكروه عادةً يأتي في سياق الخير.
﴿مِنَ الْكِتَابِ﴾: مما قدَّره لهم من الكتاب، مما كتب لهم في اللوح المحفوظ لهم من الرزق، والخير، والشر، والسعادة، والشقاء، والأعمار، والأعمال، وبذلك يكون المعنى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ﴾ نصيبهم، أو ما قدر لهم في الحياة الدنيا
стр. 1553
من الكتاب؛ مما كتب لهم في اللوح المحفوظ، أو أم الكتاب، وما يحدث لهم بعد ذلك هو: ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾.
﴿حَتَّى﴾: حرف لنهاية الغاية، والغاية هنا: مجيء رسل ملائكة الموت.
﴿إِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل، ويعني: الحتمية؛ أيْ: حتماً ستجيئهم رسلنا.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾: المجيء: فيه معنى الصعوبة، والمشقة.
﴿رُسُلُنَا﴾: أيْ: ملك الموت، وأعوانه، ولم يقل: رسلهم، وإنما قال رسلنا؛ تشريفاً لهم.
﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾: الوفاة: هي المرحلة التي تسبق الموت، مرحلة الاحتضار، عندما تتعطل حواس المحتضر، ويدخل في غيبوبة، ولا يُفهم ما يقول، والمحتضر يرى الملائكة، وتظهر عليه علامات الفرح، أو الحزن، ولا يمكن أن يعود إلى الدنيا.
ارجع إلى الآية (٦١) من سورة الأنعام، والآية (٩٧) من سورة النساء؛ لمزيد من البيان.
﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أيْ: تسألهم ملائكة الموت، سؤال توبيخ وتقريع.
﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ﴾: أيْ: تعبدون، أو تدعونهم؛ لينصروكم، أو يمنعوكم من العذاب، أو يشفعوا لكم، أو يقربوكم زلفى عند الله؟!
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.
стр. 1554
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ تعني: الذين كنتم تعبدون.
﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: غابوا عنا، أو اختفوا، ولم نعد نراهم، أو نجدهم، أو لا ندري أين هم.
﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾: أيْ: أقروا، واعترفوا بكفرهم لملائكة الموت.
وقيل: هذا الاعتراف، والإقرار يكون يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِى النَّارِ﴾.
عندها يقال لهم: ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن، والإنس في النار.
﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾: أنهم: للتوكيد كانوا: في الدنيا، كافرين: جملة اسمية؛ تدل على أن صفة الكفر كانت ثابتة لهم.
ولم يقل: كفار، بل ﴿كَافِرِينَ﴾: تدل غالباً على العمل، وهو الكفر.
كفار: تدل على الحدث، وتدل على المبالغة، وأكثر من الكافرين.
стр. 1555
سورة الأعراف [٧: ٣٨]
﴿قَالَ ادْخُلُوا فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِى النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾:
﴿قَالَ﴾: القائل هو الله ، أو مالك خازن النار.
﴿ادْخُلُوا فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُم مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِى النَّارِ﴾:
﴿ادْخُلُوا فِى﴾: ولم يقل: ادخلوا مع.
﴿ادْخُلُوا فِى﴾: أيْ: أصبحوا مثلهم من دون أي ميزة، أو اختلطوا بهم، أما ادخلوا مع؛ فيعني: المصاحبة، من دون اختلاط، وابقوا بعزلة عنهم.
﴿ادْخُلُوا فِى﴾: في: ظرفية؛ أي: الحقوا.
﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُم﴾: أمم سابقة، أو جاؤوا قبلكم، مثل أمة نوح، أو لوط من حيث الزمن، أو القدم.
﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾: من كلا الثقلين، وقدَّم الجن؛ لأنهم أقدم وجوداً.
﴿كُلَّمَا﴾: أداة شرط تفيد التكرار.
﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾: أيْ: لعنت التي سبقتها؛ لأن بعضهم أضل بعضاً، واللعن: هو الدعاء بالبعد، والطرد عن رحمة الله.
стр. 1556
﴿حَتَّى إِذَا﴾: حتى: حرف لنهاية الغاية، إذا: ظرفية زمانية للمستقبل، وشرطية؛ تفيد معنى الحتمية.
﴿ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾: أصلها: تداركوا فيها، على وزن تفاعلوا؛ أيْ: لحق بعضهم بعضاً، أو أدرك بعضهم بعضاً؛ أيْ: اجتمعوا فيها في النار.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد، يحدث بينهم حوار، هو التالي:
﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾: أي: الأتباع يقولون: ربنا هؤلاء الذين أضلونا؛ أي: القادة، والرؤساء، والزعماء الذين أضلونا في الدنيا.
﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾: الذين أضلونا في الدنيا؛ عن الصراط المستقيم، أو سبيلك، ودينك، ولم يقولوا للقادة، والزعماء مباشرة، أنتم أضللتمونا، بل قالوا: ربنا هؤلاء أضلونا؛ لأن الحكم، والقضاء بيد الله .
﴿فَئَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾: الضعف: شيء مساوٍ لمثله.
أو ﴿ضِعْفًا﴾: عذاباً مضاعفاً على مثله مرات؛ بسبب إضلالهم لهم.
قال: أيْ: أجابهم الله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾: لكل منكم، ومنهم عذاب مضاعف، أو لكلا الطرفين، أولهم، وآخرهم عذاباً مضاعفاً؛ أي: القادة، والأتباع؛ لأن كلاً منهم كانوا ضالين مضلين.
﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: أن هذه ستكون النتيجة، أو أن هذا سيكون الجزاء.
سورة الأعراف [٧: ٣٩]
﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾:
﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ﴾: طائفة القادة، ورؤساء الكفر (المتبوعين).
стр. 1557
﴿لِأُخْرَاهُمْ﴾: الأتباع.
﴿فَمَا﴾: الفاء: للتوكيد، ما: النافية.
﴿كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾: من: استغراقية؛ تستغرق كل فضل صغير، أو كبير.
أيْ: نحن وأنتم متساوون في العذاب، لا أحد أفضل من الآخر، أو أنتم لستم أفضل منا، أو إنا كلٌّ فيها؛ أيْ: في نار جهنم.
﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة.
﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: بدلاً من، بما كنتم تكفرون؛ لأن الكسب يشمل الكفر، وغيره من المعاصي أو بما كنتم تكسبون في إضلال غيركم، الباء: السببية، أو البدلية، أو التعليل، ما: مصدرية، حرف مصدري.
سورة الأعراف [٧: ٤٠]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: آيات القرآن، أو الآيات الكونية الدالة على وحدانية الله سبحانه، والبعث، والحساب.
﴿بِآيَاتِنَا﴾: الباء: للإلصاق، إلصاق الكذب بالآيات.
﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾: أعرضوا عنها، ورفضوا العمل بها، عناداً، واستكباراً، استكبروا: طلبوا الكبر، وهم ليس أهلاً له؛ أيْ: لا يملكون مؤهلاته، والألف، والسين، والتاء: تفيد الطلب. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان.
стр. 1558
﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾: لا: النافية، أبواب السماء: كناية عن عدم قبول أعمالهم الصالحة، لا تفتح لأعمالهم، ولا لعباداتهم، ولا لدعائهم أبواب السماء، أو لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، أو لا تفتح لهم أبواب السماء بالخيرات الإلهية كناية عنه الحرمان.
﴿السَّمَاءِ﴾: أي: السماء المعروفة، وتشمل السموات السبع، أو قيل: السماء هي كل ما على الإنسان يسمى سماء.
﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾: وهذا يشير إلى الجنة في السماء.
﴿يَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَاطِ﴾: يلج يدخل: الولوج: هو الدخول بصعوبة من شدة التماس، أو الضيق، والجمل له ثلاثة معانٍ كلها تدل على استحالة دخولهم الجنة:
١ - الحبل الغليظ، المفتول، المستعمل من ألياف الحصر المفتولة.
٢ - الجمل العادي؛ أي: الذكر من الإبل، مقابل الناقة.
٣ - اسم لجنس سمك معين، يسمَّى سمك الجمل.
﴿فِى سَمِّ﴾: ثقب الإبرة؛ أيْ: سم الخياط: ثقب الإبرة، وهذا مستحيل؛ أيْ: يدخل الجمل في سم الخياط.
وكذلك: دخول الذين كذبوا بآياتنا، واستكبروا عنها في الجنة، مستحيل.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾: وكذلك؛ أي: مثل هذا الجزاء دخول المجرمين الجنة مستحيل؛ أو كما هو مستحيل أن يلج الجمل في سم الخياط، كذلك مستحيل لهؤلاء الذين كذبوا بآياتنا، واستكبروا عنها أن يدخلوا الجنة،
стр. 1559
وكذلك نجزي المجرمين الكافرين؛ أيْ: لا ندخلهم الجنة. ولبيان معنى المجرمين ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥).
سورة الأعراف [٧: ٤١]
﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾:
﴿لَهُمْ﴾: لام: الاستحقاق.
﴿مِنْ جَهَنَّمَ﴾: من: الابتداء: المهد: هو فراش الطفل، الرضيع، المهاد: جمع مهد؛ أيْ: لهم فرش من النار. جهنم: ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨).
﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: لهم أغطية من النار؛ أيْ: لُحف من نار؛ أي: لهم فرش وأغطية من نار، وشبه ما تحتهم بالمهاد، وما فوقهم بالغواشي كناية عن حرمانهم من الراحة والعذاب المقيم الذي يحل بهم، وتدل الآية على الوعيد وما يخفى لهم من العذاب، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٤ - ٥٥].
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾: أيْ: مثل ذلك الجزاء لهم، من جهنم مهاد، ومن فوقهم غواش؛ جزاء الظالمين، المشركين، الكافرين.
﴿غَوَاشٍ﴾: أصلها غواشي؛ دخل التنوين عوضاً عن الياء المحذوفة، ويسمَّى هذا: تنوين العوض.
سورة الأعراف [٧: ٤٢]
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
بعد أن ذكر الله وعيده للكافرين، والظالمين، والمجرمين.
стр. 1560
يتبعه في هذه الآية وعده للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، بأن لهم الجنة خالدين فيها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: الإيمان عمل قلبي، وعملوا الصالحات، هذا عمل الجوارح، فلا بُدَّ من كلا العملين معاً.
﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: جملة اعتراضية؛ للتنبيه لبذل قصارى السعة؛ أي: الجهد للفوز بالجنة، وأنها ليست سلعة رخيصة.
﴿لَا﴾: حرف نفي.
﴿إِلَّا وُسْعَهَا﴾: إلا الحصر، وسعها: الوسع = القدرة + المخزون الاحتياطي؛ فالإنسان قادر على أن يصلي الصلوات الخمس، والسنن، والتهجد، وغيرها من صلاة النفل.
الوسع: القيام بكل الأوامر التكليفية، مع الزيادة، مثل: عمل النوافل، أما في حالات الضيق، والشدة؛ فعندها يلتزم بالرخص الشرعية.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، والكاف للبعد.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: الملازمون للجنة، لا يفارقونها، ولا تفارقهم، وفيها معنى الملكية للجنة، مثل صاحب الدار؛ أي: المالك لها.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هم: تفيد التوكيد، خالدون: من الخلود: وهو البقاء، والاستمرار من وقت له بداية؛ أيْ: زمن دخولهم الجنة إلى ما لا نهاية.
стр. 1561
سورة الأعراف [٧: ٤٣]
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَنَزَعْنَا﴾: من النزع: وهو قلع الشيء من قعره بشدة، وكأن الحقد شيئاً دفيناً في صدورهم، يحتاج إلى نزع بشدة.
﴿مَا فِى﴾: ما: اسم موصول؛ أي: الذي في صدورهم. وما: أوسع شمولاً من الذي.
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ﴾: أيْ: ما في قلوبهم، والقلب: جزء من الصدر، وهو ما يسمَّى إطلاق الكل، وإرادة الجزء، فالكل هو الصدر، والجزء هو القلب.
﴿مِّنْ غِلٍّ﴾: الغل: الحقد، أو العداوة، أو الحسد والبغضاء، وجمع غل: أغلال؛ أي: قيود حديدية.
﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾: تنبع من تحت قصورهم الأنهار؛ أيْ: جناتهم.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا﴾: الذي: اسم موصول، هدانا للإيمان، وللعمل الصالح، ووفقنا للفوز بالجنة، ونعيمها، وهذا اسم إشارة؛ يدل على القرب.
﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو عاطفة، ما: نافية.
﴿لِنَهْتَدِىَ﴾: اللام: لام التوكيد، توكيد النفي.
стр. 1562
﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع؛ لوجود؛ أيْ: لولا أن هدانا الله لامتنعت الهداية عنا، أو ما عرفنا الهداية.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التوكيد.
﴿هَدَانَا اللَّهُ﴾: هداية: الدلالة والإرشاد والتوفيق؛ أي: دلنا وأرشدنا ووفقنا إلى الصراط المستقيم: وهو دِين الإسلام.
﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: لقد: اللام: لام التوكيد، قد: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿جَاءَتْ﴾: ولم يقل: جاء، أنَّث؛ للدلالة على كثرة الرسل؛ الذين جاؤوا بالحق.
﴿رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: ربنا: الباء: للإلصاق، والتوكيد، بالحق: بالبعث، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار.
بالحق: بالوحي، والصدق.
والحق تعريفه: الشيء الثابت؛ الذي لا يتغير، وكذلك تعني: الحكم المطابق للواقع، والحق: هو كل ما أخبر به الله تعالى رسله.
﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَنُودُوا﴾: من قبل الملائكة.
﴿أَنْ﴾: للتوكيد، مخففة من أن الثقيلة.
﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾: اسم إشارة، والكاف: للبعد.
стр. 1563
﴿الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾: يقال: ورث فلان غيره، إذا ناله شيء من الإرث، أو التركة.
﴿بِمَا﴾: الباء: للتعليل.
﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: في الدنيا: من أقوال، وأفعال.
وكلمة ﴿أُورِثْتُمُوهَا﴾: تدل على أن هناك شيئاً ورثه من غيره.
ونعلم أن الله -جل وعلا- أعد لكل واحد من خلقه مكانة في الجنة، أو مقعداً في الجنة، ومقعداً في النار.
إذن: هناك جنات بعدد الخلق، أو أماكن في الجنات بعدد الخلق، وأماكن في النار بعدد الخلق؛ فإن آمن كل الخلق؛ فلهم كلهم أماكن، أو مقاعد في الجنة، وإن كفروا؛ فلهم مقاعد في النار.
وبما أن لكل واحد مقعداً في الجنة، ومقعداً في النار؛ فإذا ذهب هذا الواحد إلى النار، ترك مقعده في الجنة فارغاً، فسوف يُورث مقعده لشخص آخر، وبالعكس إذا دخل إلى الجنة، وله مقعد في النار؛ فسوف يورث هذا المقعد إلى شخص آخر.
إذن: في النهاية يصبح لكل واحد مقعدان: مقعده الأصلي في الجنة، ومقعد يرثه عن غيره من الذين ذهبوا إلى النار، وتركوا مقاعدهم في الجنة فارغة.
стр. 1564
سورة الأعراف [٧: ٤٤]
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾:
﴿وَنَادَى﴾: النداء: هو رفع الصوت.
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾: ليس بالضرورة كون أصحاب الجنة مجاورين لأصحاب النار؛ حتى يتم النداء. وعبر عن الخطاب بين أصحاب الجنة وأصحاب النار بالنداء، ولم يقل: وقال؛ لأن النداء أكثر دلالة على بلوغه أسماع أصحاب النار، وقد يسئل سائل فيقول سيكون البعد شاسع بينهما؛ فالآن الواحد منا يستطيع أن ينادي، ويتحدث عبر الأقمار الاصطناعية، والهواتف، والإنترنت مع أي رجل في أية بقعة من العالم، المهم أن نفهم من الآيات: أن هناك حواراً بين أصحاب الجنة، وأصحاب النار، وأصحاب الأعراف، ورؤية، فأصحاب الجنة قادرون على رؤية أصحاب النار، وليس العكس صحيحاً؛ أيْ: لا يرى أصحاب النار أصحاب الجنة.
﴿أَنْ﴾: المخففة؛ للتوكيد، وتعني: أيْ: قد وجدنا، قد: للتحقيق، والتوكيد.
﴿وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾: أيْ: ما وعدنا ربنا حقاً؛ أي: لم يتغير، أو يتبدل، أو ينقص؛ أيْ: تماماً كما وعدنا.
﴿فَهَلْ﴾: الفاء: للتوكيد، هل: للاستفهام، والتوبيخ.
﴿وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾: ما وعد ربكم من العذاب حقاً.
стр. 1565
انتبه! إلى الاختلاف بين: فهل وجدتم ما وعد ربكم، ولم يقل: ما وعدكم ربكم.
أصحاب الجنة: كانوا ينتظرون وعد الله لهم؛ لأنهم كانوا يصدقون بما وعدهم ربهم بالجنات والنعيم، وما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
ولذلك قالوا: ﴿وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾: أي: الوعد كان من الله، وهم قبلوا بالوعد، والوعد يكون من الطرفين، بينما أصحاب النار كانوا مكذبين بكل ما وعد الله من البعث، والحساب، والثواب، والعقاب، مكذبين للوعد، وللوعيد؛ أيْ: لم يقبلوا بوعد الله تعالى، ولذلك كان وعداً من طرف واحد؛ هو الله، وهم رفضوا قبوله، ولذلك قال: ﴿وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾، ولم يقل: ما وعدكم ربكم.
﴿قَالُوا نَعَمْ﴾: أيْ: قال أصحاب النار: نعم.
﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، أذن مؤذن: نادى منادٍ، والأذان: هو رفع الصوت بالإعلام بشيء، نادى منادٍ من الملائكة.
﴿بَيْنَهُمْ﴾: بين أصحاب الجنة، وأصحاب النار.
﴿أَنْ لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: أن: للتوكيد، واللعنة: من اللعن: هو الطرد، والإبعاد عن رحمة الله ، والخزي، والإهانة.
﴿عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: كل الظالمين، ولم يقل: ألا لعنة الله على أصحاب النار؛ لكانت اللغة خاصَّةً بهم، فقط.
وبما أن أصحاب النار جزءٌ من الظالمين؛ فهو لعن كل الظالمين.
سورة الأعراف [٧: ٤٥]
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
стр. 1566
﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يصرفون الناس عن دين الله؛ فهم صرفوا أنفسهم، وصرفوا غيرهم، ويمنعون الناس من الدخول في الإسلام.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: عن: تفيد المجاوزة، والإبعاد عن سبيل الله؛ أيْ: دِين الله الإسلام.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: الهاء: في يبغونها: تعود إلى ملة الإسلام، ملة الحنيفية، ويريدونها. عوجاً: أيْ: ملة زائفة، منحرفة عن الحق، معوجة، ذات عوج؛ حتى يبقى الناس حولهم، وتبقى لهم القوة.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾: هم: ضمير منفصل يفيد التوكيد، والباء: للإلصاق.
﴿كَافِرُونَ﴾: مكذِّبون، جاحدون، لا يصدِّقون بالآخرة، والبعث، والجزاء، وبلقاء الله ، ولذلك لا يهمهم وعد الله تعالى، أو وعيده، ولا يخافون عذاباً، أو عقاباً في الآخرة.
سورة الأعراف [٧: ٤٦]
﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾:
﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾: بين أصحاب الجنة، وأصحاب النار حاجز، وهو السور الذي ذكره الله تعالى في سورة الحديد، الآية (١٣) ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾.
﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ﴾: جمع عُرف: وهو أعلى الشيء، ولكل عالٍ عرف، مأخوذ من عرفُ الفرس، أو كل مرتفع من الأرض، ولأنه بسبب ارتفاعه يسير أعرف مما انخفض عنه؛ أيْ: على أعالي السور (الحجاب)، يقف أصحاب الأعراف، وهم الذين استوت حسناتهم، وسيئاتهم؛ فحبسوا على أعالي السور؛ حتى يقضي الله فيهم حكمه، وفي النهاية: يدخلون الجنة برحمة الله تعالى.
стр. 1567
﴿رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: رجال: أيْ: أصحاب الأعراف يعرفون كلاً بسيماهم، يعرفون كلاً من أصحاب الجنة، وأصحاب النار بسيماهم.
﴿بِسِيمَاهُمْ﴾: السيما: العلامة؛ أيْ: بعلاماتهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٧٣)؛ لمزيد من البيان.
فأصحاب الجنة يعرفون ببياض الوجه؛ كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ونضرة النعيم: ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وأما أصحاب النار: فيعرفون بسواد الوجه، وزرقة العيون.
﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أن: المخففة؛ تفيد التوكيد، أو قيل: تفسيرية.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: ولم يقولوا: السلام عليكم، جاء السلام بصيغة النكرة؛ ليدل على العموم، والشمول، فهو سلام التحية، والأمان، ودوام السلامة، ولتعلم: أن السلام في كل القرآن جاء بصيغة النكرة؛ إلا آية واحدة هي قول عيسى ﵇ في سورة مريم، آية (٣٣): ﴿وَالسَّلَامُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.
و ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: جملة اسمية؛ تدل على الثبات، والدوام، وأقوى من لو قالوا: (سلاماً عليكم): جملة فعلية؛ تدل على التجدد، والتكرار، وليس الدوام والثبات، وأما السلام عليكم معرفة؛ فتعني: سلام التحية، المعروف في الإسلام فقط.
﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾: لم يدخل أصحاب الأعراف، لم يدخلوا الجنة مباشرة، وهم يطمعون بدخولها مباشرة، ولكنه لم يحصل ذلك، وهم كانوا يطمعون في دخولها، ولكن حُبسوا على السور (الأعراف).
أو هذا إخبار من الله تعالى عن أصحاب الأعراف، إذا رأوا زمرة تدخل
стр. 1568
الجنة، يقولون: أن هؤلاء الداخلين لم يدخلوها، وهم يطمعون، ولكن هذه الزمرة دخلت الجنة برحمة الله تعالى، ولم تكن تطمع أن تدخلها، وفي الحقيقة: الكل لا يدخل الجنة إلا برحمة الله، وليس بعمله، والكل يطمع في ذلك.
حتى إبراهيم ﵇ قال: ﴿وَالَّذِى أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨].
سورة الأعراف [٧: ٤٧]
﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل، ومتضمِّن معنى الشرط، وتدل على حتمية الحدوث.
﴿صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾: تحولت أبصارهم؛ أيْ: أبصار أصحاب الأعراف.
﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾: أيْ: جهة أصحاب النار، وتلقاء: ظرف مكان، بمعنى: جهة اللقاء، والمقابلة.
﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أيْ: ربنا، ولم يقولوا: يا ربنا؛ لأنهم يعلمون: أن الله تعالى قريب إلى العبد، ولم يستعملوا ياء النداء التي تدل على البعد، ربنا جنِّبنا، أو أبعدنا، ولا تصيِّرنا أن نكون مع هؤلاء الظالمين؛ أيْ: أصحاب النار.
سورة الأعراف [٧: ٤٨]
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾:
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ﴾: من أصحاب النار، القادة، ورؤساء الكفر.
قالوا لهؤلاء الكفار: ﴿مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ﴾: ما: النافية للحال.
﴿أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ﴾: أغنى عنكم من النار.
стр. 1569
﴿جَمْعُكُمْ﴾: نكرة؛ تشمل العدد؛ أيْ: كثرتكم، كثرة عددكم، أو جموعكم، ولا كثرة مالكم، ولا أهلكم، ولا اجتماعكم؛ أي: اجتماعاتكم على الضلال؛ للصدّ عن سبيل الله.
﴿وَمَا كُنتُمْ﴾: وما: النافية، وتكرارها؛ لتوكيد النفي، وفصل جمعكم؛ من الاستكبار؛ أيْ: ما أغنى عنكم، لا هذا ولا ذاك، لا جمعكم ولا استكباركم.
﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾: عن الإيمان، والطاعة، تستكبرون: ارجع إلى الآية (٤٠) من نفس السورة؛ للبيان.
سورة الأعراف [٧: ٤٩]
﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾:
﴿أَهَؤُلَاءِ﴾: الهمزة: همزة استفهام، وتوبيخ، والهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة، يشير إلى ضعفاء المسلمين؛ أيْ: يقول أصحاب الأعراف لأصحاب النار: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ مشيرين إلى ضعفاء المسلمين.
وهناك من المفسرين من قال: إن الله -جل وعلا-، أو بعض الملائكة يقولون لأصحاب النار: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾؛ مشيرين إلى ضعفاء المسلمين، وأصحاب الأعراف معاً.
﴿الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾: أيْ: حلفتم، والقسم في القرآن يستعمل في سياق الصدق؛ حتى ولو كان الذي يقسم ليس صادقاً، أما الحلف فيأتي في سياق القسم الكاذب، فهم ما كانوا يعتقدون اعتقاداً صحيحاً، ويقسمون على أن الله لن ينال الضعفاء، وفقراء المسلمين برحمة.
﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾: الرحمة هنا؛ تعني: الجنة، والباء: للإلصاق.
ورحمة: جاءت بصيغة النكرة؛ لتشمل كلَّ أنواع الرحمة، الجنة، ورضوان الله، والطعام، والشراب، والأمن، والخلود، وغيرها.
стр. 1570
﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: هذا هو خطاب من الله سبحانه، أو الحكم الصادر من الله لأصحاب الأعراف، بدخول الجنة.
﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة البقرة؛ للبيان.
سورة الأعراف [٧: ٥٠]
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾:
﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾: ارجع إلى الآية (٤٤) من نفس السورة.
﴿أَنْ﴾: المخففة؛ تفيد التوكيد، أو تفسيرية.
﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: أفيضوا: من أفاض الماء؛ أيْ: صبه، وتعني: أعطونا شيئاً من الماء الكثير؛ الذي أفاضه الله عليكم، أو ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾: أيْ: من الطعام الكثير، وذلك؛ لما يعانيه أهل النار: من الجوع، والعطش، وأنواع العذاب الأخرى، مثل: السعير، والزمهرير، وغيرها.
﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: قالوا؛ أيْ: أصحاب الجنة لأصحاب النار.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿حَرَّمَهُمَا﴾: أي: الطعام، والشراب على الكافرين.
سورة الأعراف [٧: ٥١]
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
стр. 1571
﴿اتَّخَذُوا﴾: من اتخذ، من أفعال التحويل، والتصيير، والاتخاذ: فيه معنى الاستمرار، والتعب، والمشقة.
﴿دِينَهُمْ﴾: الدِّين: هو ما يطاع به المعبود، ويشمل الشريعة، والعقيدة، والمنهج، والجزاء.
﴿لَهْوًا وَلَعِبًا﴾: اللهو: هو كل شغل يُلهي عن واجب؛ يعني: أهملوا واجباتهم وعطَّلوها: بالأغاني، والموسيقا، والأفلام، واللهو، والعبث: هو الذي يشغل الإنسان عن تطبيق شرائع الله؛ مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام.
﴿وَلَعِبًا﴾: اللعب: شغل لا يُلهي عن واجب، وقد يتحول اللعب إلى لهو إذا شُغل العبد عن واجب، تلاعبوا بدينهم الذي شرع الله لهم، فأحلوا، أو حرموا حسب أهوائهم؛ فجعلوا البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، واستهزؤوا بالله، وآياته، ورسله، أو انتحلوا العقائد الباطلة. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٣٢)، وسورة العنكبوت آية (٦٤) للمقارنة ومزيد من البيان.
﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أيْ: خدعتهم شهواتها، وكثرة المال، والعرض، والمتاع، والقوة، وطول العمر، وحسن العيش، والمكانة، أو الجاه … وغيرها.
﴿فَالْيَوْمَ﴾: الفاء: للتوكيد، اليوم: أيْ: يوم القيامة دل على ذلك معنى التشبيه.
﴿نَنسَاهُمْ﴾: أيْ: نتركهم في النار، ولا نذكرهم، والنسيان؛ يعني: الإهمال والترك.
وحاشا لله أن ينسى، أو يتصف بالنسيان، وإنما هو على قبيل المشاكلة في اللفظ.
стр. 1572
﴿كَمَا﴾: الكاف: للتشبيه، أو التعليل، وما: مصدرية.
﴿نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾: نسوا لقاء ربهم في هذا اليوم، ولم يستعدوا له.
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: للتوكيد. ويدل ذلك على حرمانهم من رحمة الله؛ لأنهم كانوا بآياتنا يجحدون.
﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: الجحود: هو أخص من الإنكار، وهو إنكار الشيء الظاهر، أو الشيء المعلوم؛ مثل: إنكار الآيات الواضحة، والظاهرة للعيان، أو إنكار الشيء مع العلم به؛ أي: لا يصدقون.
وأما الإنكار: فهو إنكار الشيء الخفي غالباً، وأحياناً الشيء الظاهر، والإنكار أعم من الجحود، مثل: إنكار النِّعمة، ويكون مع العلم، وغير العلم بالشيء، أو النِّعمة؛ كقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣].
стр. 1573
سورة الأعراف [٧: ٥٢]
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق، وزيادة التوكيد.
﴿جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ﴾: جئناهم: تعود على الكافرين؛ الذين اتخذوا دِينهم لهواً ولعباً، وغرتهم الحياة الدنيا.
﴿بِكِتَابٍ﴾: الباء: للإلصاق، والاستمرار، كتاب: أيْ: بالقرآن الكريم.
﴿فَصَّلْنَاهُ﴾: فصّلنا؛ أيْ: بيَّنَّا آياته، جئنا بها بصور شتى ومختلفة، وبيَّنَّا أحكامه، ومعانيه، ومواعظه، وقصصه.
﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ على: تعني: العلو، والسمو. علم: أيْ: على علم تامٍّ من الله بما فصل، وأحكم، وبيَّن، علم اليقين.
﴿هُدًى﴾: مصدر للهداية؛ فهو الهدى، يهدي إلى الحق، وللوصول إلى الغاية، وهي رضوان الله وطاعته.
﴿وَرَحْمَةً﴾: مصدر لجلب كل ما ينفع الإنسان في دنياه، وآخرته؛ أيْ: مصدر لجلب النِّعم، ودفع الضرر، يدفع عنه ما يضره في دنياه، وآخرته.
﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: لقوم: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: هدى، ورحمة؛ لمن يؤمن به، ويعمل بأحكامه.
سورة الأعراف [٧: ٥٣]
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ
стр. 1574
رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
﴿هَلْ﴾: للاستفهام؛ تفيد النفي؛ أيْ: ما ينظرون.
﴿يَنْظُرُونَ﴾: أي: ينتظرون، وكيف ينظرون وفي الآية (٥١) كانوا يجحدون به فهذا الانتظار ليس انتظار لقدومه، وإنما انتظار لما سينتج عنه من عاقبة.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿تَأْوِيلَهُ﴾: التأويل: هو ما يؤول إليه الشيء؛ أي: العاقبة، أو النتيجة، أو صدق ما أُخبر به: من الوعد، والوعيد؛ أيْ: ما ينظرون عاقبة ما أنذروا به، أو بُشِّروا به؛ إلا أن أتتهم فجأة وبغتة.
﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾: أيْ: يوم القيامة، تتبيَّن لهم الحقيقة، وينكشف لهم الغطاء عن صدق ما أنذروا به.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾: نسوه: الهاء: تعود إلى الكتاب (القرآن)، ونسوه؛ بمعنى: تركوه، وأهملوه، ولم يؤمنوا به، من قبل: أيْ: في الدنيا.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا﴾: ولم يقل: قد جاء رسل ربنا.
﴿جَاءَتْ﴾: بالتأنيث؛ للدلالة على كثرة الرسل؛ الذين جاؤوهم، ومجيء رسول واحد كمجيء كل الرسل؛ لأنهم أصحاب رسالة واحدة.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق.
﴿بِالْحَقِّ﴾: بالوحي، والصدق، والحق: هو الأمر الثابت؛ الذي لا يتغير، أو يتبدل، ويعني: البعث، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار.
﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾: الفاء: للتوكيد، هل: استفهام؛ للتمني.
стр. 1575
﴿شُفَعَاءَ﴾: جمع: شافع، و شفيع.
﴿فَيَشْفَعُوا﴾: الفاء: للتوكيد، يشفعوا لنا عند الله تعالى؛ للنجاة من عذاب النار. ارجع إلى سورة النساء، آية (٨٥).
﴿أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ﴾: أيْ: نعود نرجع إلى الدنيا، والرد يختلف عن الرجوع، فالرد فيه معنى الإجبار على الرجوع، أو الإكراه، وفيه سهولة مقارنة بالرجوع الذي فيه الاختيار والصعوبة، والعودة إلى نفس المكان، أو الحالة التي انطلق منها.
﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾: فنعمل: الفاء: للتعقيب والمباشرة، غير الذي كنا نعمل: أيْ: سابقاً من المعاصي، والشرك، والفساد، فهم يتمنون الخلاص بأي وسيلة، بالشفاعة، أو العودة إلى الدنيا.
وقد بيَّن الله سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].
﴿قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾: قد: للتحقيق، والتوكيد، خسروا أنفسهم: خسروها بأن أدخلوها النار، وأهلكوها في جهنم.
﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: غاب وتاه عنهم، ولم يحضر شفعاؤهم، أو أولياؤهم؛ لنصرتهم، ومساعدتهم، كما كانوا يفترون في الدنيا: بأن الآلهة ستقرِّبهم عند الله زلفى، أو تشفع لهم.
﴿مَا﴾: أي: الذي، أو مصدرية.
﴿يَفْتَرُونَ﴾: الافتراء: هو الكذب؛ المتعمد، المختلق. وجاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدد، والتكرار في الافتراء، وكذبهم.
سورة الأعراف [٧: ٥٤]
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التوكيد.
стр. 1576
﴿رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾: أي: إن إلهكم وربكم جمع الألوهية والربوبية معاً؛ الذي خلق السموات والأرض، أو حينما يقول: إن ربكم الله ما سيأتي بعد ذلك سيشهد على ألوهية الله، وربوبيَّته، ووحدانيَّته، وأنه هو الإله الحق؛ الذي يستحق أن يعبد؛ فهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام، هذه الستة أيام لا تعني مثل أيامنا الحالية، وإنما هي أيام لا يعلم طولها إلا الله تعالى، قد يكون طول كل دقيقة ملايين الأيام، أو تعني: ست مراحل، قد يكون طول كل مرحلة مئات الملايين من السنين؛ فالله سبحانه بدأ خلق السماء والأرض معاً في لحظة واحدة، ثم أتى الخلق في ستة أيام أو ستة مراحل، وهي:
١ - مرحلة الرتق.
٢ - مرحلة الفتق (الانفجار، والدخان).
٣ - مرحلة التمييز أو التسوية: فسواهنَّ سبع أرضين وسبع سموات في نفس الزمن.
٤ - مرحلة الدحو، وتكون الغلاف المائي، والغازي للأرض.
٥ - مرحلة خلق الجبال، وتكوين الأنهار.
٦ - مرحلة تقدير الأقوات. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٢، ٢٩)، وسورة الأنبياء، آية (٣٠)؛ لمزيد من البيان.
﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾: يُغشي: يغطي، ويستر بأن يتداخل كل بالآخر، يذهب نور النهار، فيحل مكانه ظلام الليل، ثم يحل محل الظلام النور.
﴿حَثِيثًا﴾: مسرعاً، أو بسرعة، وهذا ما حدث عندما كانت سرعة دوران الأرض حول محورها ستة أضعاف سرعتها الحالية، وكان طول الليل والنهار معاً يقدر بـ (٤ ساعات) فقط، وكان عدد أيام السنة (٢٢٠٠ يوم)، وكان ذلك في بدء الخلق، ثم تباطأ دوران الأرض حول محورها؛ بسبب المد، والجزر، وظهور الرياح الشرقية المعارضة لدوران الأرض، وأصبح الليل والنهار (٢٤ ساعة)،
стр. 1577
ودلت على ذلك الدراسات على الأشجار، وجذوعها؛ فوجدوا أنه كلما تقادم الزمن؛ ازدادت الأيام، وقصر الليل والنهار، وتبيَّن ذلك من دراسة حلقات النمو في جذوع الأشجار، والصخور … وغيرها.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾: التسخير؛ يعني: التذليل؛ أي: خاضعات لأمر الله، ومذللات؛ للانتفاع بها.
فسخر الشمس؛ لمعرفة الزمن، ولتعطينا حزمة الطيف المرئي الذي يشكل لنا نور النهار، ولتزودنا بالطاقة، والدفء … وغيرها من الفوائد.
وأما القمر: فينير لنا الأرض؛ لكونه يعكس لنا أشعة الشمس، ويفيدنا في عملية المد والجزر المهمة في إبطاء دورة الأرض حول محورها، وفي تفتيت الصخور، وتلطيف المناخ، وحركة الرياح … وغيرها.
وأما النجوم: فللاقتداء بها، والاهتداء بها، وزينة، ورجوماً للشياطين.
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه؛ ليلفت انتباه السامع ويُنصت.
﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر، والقصر.
﴿الْخَلْقُ﴾: الكون، وجميع ما خلق خاضع لأمره، وحكمه ؛ أي: لا يأمر في ذلك اليوم إلا الله؛ فهو الحاكم والآمر.
﴿وَالْأَمْرُ﴾: وله الشأن كله، يعني: التدبير، والتصرف حسب إرادته، وحكمته ﷻ .
﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: تعاظم، وتنزه عن كل نقص، وكثر إحسانه، وعظمت قدرته. ارجع إلى سورة الملك آية (١) لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ٥٥]
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾: سلوا ربكم حوائجكم.
стр. 1578
﴿تَضَرُّعًا﴾: بتذلل؛ أيْ: إظهار ذل النفس، وخضوعها له، والضراعة: هي الذلة.
﴿وَخُفْيَةً﴾: بضم الخاء سراً، أو بالخفاء؛ لتجنب الرياء، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٠٥) في نفس السورة وهي قوله تعالى: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ خِيفة: بكسر الخاء من الخوف، نجد أن الآية (٥٥) تعني: ادعوا ربكم في الخفاء، والآية (٢٠٥) ادعوا ربكم بشيء من الخشية (الخوف والتعظيم والعلم)، وإذا نظرنا إلى الآية (٥٦) في نفس السورة فهي تحث أيضاً على دعائه ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿لَا﴾: النافية.
﴿يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: أيْ: لا تعدوا في دعائكم؛ لأنه لا يحب المعتدين في الدعاء؛ أيْ: بالصياح، ورفع الصوت، أو الدعاء بأشياء مستحيلة؛ كأنه يدعوه أن يصبح نبياً، أو رسولاً، أو يخلد في الدنيا.
سورة الأعراف [٧: ٥٦]
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ﴾: الفساد في الأرض: بالقتل، والظلم، والتخريب، وإهلاك الحرث والنسل، وتكذيب الرسل، والمعاصي، والشرك، والكفر بعد إصلاحها.
﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا﴾: خوفاً من صفات جبروته، وقهره، وغضبه وسخطه.
﴿وَطَمَعًا﴾: الطمع: هو الرغبة الشديدة في توقع الخير في غفرانه، ورحمته، وفضله، وطمعاً في الاستجابة لدعائكم، وخوفاً من أن يردَّ دعاءَكم.
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: إن: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التوكيد.
﴿رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾: ولم يقل: قريبة بصيغة المؤنث، وإنما قريب بصيغة
стр. 1579
المذكر، ويجوز في اللغة تذكير أو تأنيث قريب إذا لم يكن القرب في سياق النسب عندها لا بد من القول قريبة، ولو قال: رحمة الله قريبة؛ لدل على ذلك على أن رحمته فقط هي القريبة من المحسنين.
ولكن قال ﷻ : ﴿قَرِيبٌ﴾: تعود على ذات الله سبحانه؛ أيْ: إنه -جل وعلا- هو قريب بذاته، وبالتالي رحمته؛ التي هي جزء من ذاته، قريبة كذلك، وبذلك يكون المعنى: أن الله سبحانه بذاته المشتملة على الرحمة قريب من المحسنين، جمع بين قربَهُ وقُرب رحمته معاً، بدلاً من أن يقول: إن رحمة الله قريبة، والله قريب، جمع ذلك، وأوجز.
سورة الأعراف [٧: ٥٧]
﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾:
هذه الآية: تتمة للآية السابقة، ومن رحمته يرسل الرياح؛ لتحمل السحب، وتقوم على تلقيحها، والسحاب الثقال: هي التي تبشر بالمطر؛ أي: السحب الركامية.
﴿وَهُوَ﴾: الواو: عاطفة، هو: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتوكيد، والقصر على الله سبحانه وحده الذي يرسل الرياح.
﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾: يرسل: بلفظ المستقبل؛ لأنه سبق ذلك قوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، والدعاء والطمع يكون في المستقبل؛ أي: ليناسب ما قبله بشراً؛ أيْ: تبشر بالمطر. ارجع إلى سورة النحل آية (٨٩) لمزيد من البيان في معنى بشراً.
﴿رَحْمَتِهِ﴾: هنا: هو المطر؛ ولنعلم أن كلمة الرياح في القرآن أينما ذكرت؛ فإنها تحمل معنى الخير، والنِّعمة، بعكس كلمة الريح في القرآن؛ التي تحمل معنى الشر، والنقمة.
﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾: حتى: حرف نهاية الغاية.
стр. 1580
﴿أَقَلَّتْ﴾: أي: الرياح، لها معنيان: الأول: أقلَّت: من القلة ضد الكثرة، أقل وزناً، والثاني: حملت، فالرياح تحمل السحاب بأنواعه المختلفة، ورغم أن الرياح أقل وزناً من السحب؛ فهي قادرة على حمل السحب الركامية؛ حتى ولو كان وزن السحب آلاف وملايين الأطنان، وهذه آية من آيات قدرة الله تعالى يجعل الأقل وزناً يحمل أكثر وزناً؛ كمثل الإنسان الذي يحمل الأثقال وزنه (١٥٠ - ٢٠٠ كغ) يرفع (٤٠٠ - ٥٠٠ كغ).
﴿سَحَابًا﴾: اسم جنس، والسحب، أو السحاب: جمع سحابة.
ولذلك قال: ﴿سُقْنَاهُ﴾، يعود على ﴿سَحَابًا ثِقَالًا﴾، ولم يقل: سقناها: تعود على الرياح.
﴿لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾: لبلد: واللام: لام التعليل، ميِّت: بتشديد الياء مُجدِب، ليس فيه نبات؛ أي: ما زالت على قيد الحياة، وستموت إذا لم يصلها الماء. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٤٩) لمزيد من البيان، والفرق بين ميِّت وميْت.
﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾: الفاء: تدل على التعقيب، والترتيب، والمباشرة.
في هذه الآية: يتحدث سبحانه عن دورة الماء على الأرض، فأشعة الشمس تبخر الماء من البحار، والمحيطات، والأنهار … وغيرها، ويرسل الله رياحاً؛ لتحمل هذا البخار، وتتشكل السحب التي لا تمطر؛ حتى يرسل إليها ريحاً أخرى تحمل هباءات الغبار التي تلقح السحاب؛ أيْ: بخار الماء الذي تبخر من الأرض، ويبدأ بخار الماء بالتكثف؛ فتتكون قطرات الماء؛ فينزل المطر بالقدر الذي يشاء الله ﷻ ، وفي المكان، والزمن الذي يشاء الله -جل وعلا-.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: أخرجنا بالماء، أو المطر، من كل الثمرات: من: استغراقية، فحين يدخل الماء في البذرة، أو الحبة؛ تبدأ البذرة تنمو، وتتغذَّى بالجذر من عناصر، أو مركبات التربة، وكل بذرة قادرة على اختيار ما يلائمها من العناصر، ومركبات الأرض، والشفرة الوراثية الموجودة داخل البذرة تختار هذه العناصر؛ لتشكل الثمار المختلف ألوانها، وشكلها، وطعمها.
следующие страницы →