← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

﴿رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾: أي: إن إلهكم وربكم جمع الألوهية والربوبية معاً؛ الذي خلق السموات والأرض، أو حينما يقول: إن ربكم الله ما سيأتي بعد ذلك سيشهد على ألوهية الله، وربوبيَّته، ووحدانيَّته، وأنه هو الإله الحق؛ الذي يستحق أن يعبد؛ فهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام، هذه الستة أيام لا تعني مثل أيامنا الحالية، وإنما هي أيام لا يعلم طولها إلا الله تعالى، قد يكون طول كل دقيقة ملايين الأيام، أو تعني: ست مراحل، قد يكون طول كل مرحلة مئات الملايين من السنين؛ فالله سبحانه بدأ خلق السماء والأرض معاً في لحظة واحدة، ثم أتى الخلق في ستة أيام أو ستة مراحل، وهي: ١ - مرحلة الرتق. ٢ - مرحلة الفتق (الانفجار، والدخان). ٣ - مرحلة التمييز أو التسوية: فسواهنَّ سبع أرضين وسبع سموات في نفس الزمن. ٤ - مرحلة الدحو، وتكون الغلاف المائي، والغازي للأرض. ٥ - مرحلة خلق الجبال، وتكوين الأنهار. ٦ - مرحلة تقدير الأقوات. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٢، ٢٩)، وسورة الأنبياء، آية (٣٠)؛ لمزيد من البيان. ﴿يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾: يُغشي: يغطي، ويستر بأن يتداخل كل بالآخر، يذهب نور النهار، فيحل مكانه ظلام الليل، ثم يحل محل الظلام النور. ﴿حَثِيثًا﴾: مسرعاً، أو بسرعة، وهذا ما حدث عندما كانت سرعة دوران الأرض حول محورها ستة أضعاف سرعتها الحالية، وكان طول الليل والنهار معاً يقدر بـ (٤ ساعات) فقط، وكان عدد أيام السنة (٢٢٠٠ يوم)، وكان ذلك في بدء الخلق، ثم تباطأ دوران الأرض حول محورها؛ بسبب المد، والجزر، وظهور الرياح الشرقية المعارضة لدوران الأرض، وأصبح الليل والنهار (٢٤ ساعة)،

стр. 1577

ودلت على ذلك الدراسات على الأشجار، وجذوعها؛ فوجدوا أنه كلما تقادم الزمن؛ ازدادت الأيام، وقصر الليل والنهار، وتبيَّن ذلك من دراسة حلقات النمو في جذوع الأشجار، والصخور … وغيرها. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾: التسخير؛ يعني: التذليل؛ أي: خاضعات لأمر الله، ومذللات؛ للانتفاع بها. فسخر الشمس؛ لمعرفة الزمن، ولتعطينا حزمة الطيف المرئي الذي يشكل لنا نور النهار، ولتزودنا بالطاقة، والدفء … وغيرها من الفوائد. وأما القمر: فينير لنا الأرض؛ لكونه يعكس لنا أشعة الشمس، ويفيدنا في عملية المد والجزر المهمة في إبطاء دورة الأرض حول محورها، وفي تفتيت الصخور، وتلطيف المناخ، وحركة الرياح … وغيرها. وأما النجوم: فللاقتداء بها، والاهتداء بها، وزينة، ورجوماً للشياطين. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه؛ ليلفت انتباه السامع ويُنصت. ﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر، والقصر. ﴿الْخَلْقُ﴾: الكون، وجميع ما خلق خاضع لأمره، وحكمه ؛ أي: لا يأمر في ذلك اليوم إلا الله؛ فهو الحاكم والآمر. ﴿وَالْأَمْرُ﴾: وله الشأن كله، يعني: التدبير، والتصرف حسب إرادته، وحكمته ﷻ . ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: تعاظم، وتنزه عن كل نقص، وكثر إحسانه، وعظمت قدرته. ارجع إلى سورة الملك آية (١) لمزيد من البيان. سورة الأعراف [٧: ٥٥] ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾: سلوا ربكم حوائجكم.

стр. 1578

﴿تَضَرُّعًا﴾: بتذلل؛ أيْ: إظهار ذل النفس، وخضوعها له، والضراعة: هي الذلة. ﴿وَخُفْيَةً﴾: بضم الخاء سراً، أو بالخفاء؛ لتجنب الرياء، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٠٥) في نفس السورة وهي قوله تعالى: ﴿تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ خِيفة: بكسر الخاء من الخوف، نجد أن الآية (٥٥) تعني: ادعوا ربكم في الخفاء، والآية (٢٠٥) ادعوا ربكم بشيء من الخشية (الخوف والتعظيم والعلم)، وإذا نظرنا إلى الآية (٥٦) في نفس السورة فهي تحث أيضاً على دعائه ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿لَا﴾: النافية. ﴿يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: أيْ: لا تعدوا في دعائكم؛ لأنه لا يحب المعتدين في الدعاء؛ أيْ: بالصياح، ورفع الصوت، أو الدعاء بأشياء مستحيلة؛ كأنه يدعوه أن يصبح نبياً، أو رسولاً، أو يخلد في الدنيا. سورة الأعراف [٧: ٥٦] ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ﴾: الفساد في الأرض: بالقتل، والظلم، والتخريب، وإهلاك الحرث والنسل، وتكذيب الرسل، والمعاصي، والشرك، والكفر بعد إصلاحها. ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا﴾: خوفاً من صفات جبروته، وقهره، وغضبه وسخطه. ﴿وَطَمَعًا﴾: الطمع: هو الرغبة الشديدة في توقع الخير في غفرانه، ورحمته، وفضله، وطمعاً في الاستجابة لدعائكم، وخوفاً من أن يردَّ دعاءَكم. ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: إن: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التوكيد. ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾: ولم يقل: قريبة بصيغة المؤنث، وإنما قريب بصيغة

стр. 1579

المذكر، ويجوز في اللغة تذكير أو تأنيث قريب إذا لم يكن القرب في سياق النسب عندها لا بد من القول قريبة، ولو قال: رحمة الله قريبة؛ لدل على ذلك على أن رحمته فقط هي القريبة من المحسنين. ولكن قال ﷻ : ﴿قَرِيبٌ﴾: تعود على ذات الله سبحانه؛ أيْ: إنه -جل وعلا- هو قريب بذاته، وبالتالي رحمته؛ التي هي جزء من ذاته، قريبة كذلك، وبذلك يكون المعنى: أن الله سبحانه بذاته المشتملة على الرحمة قريب من المحسنين، جمع بين قربَهُ وقُرب رحمته معاً، بدلاً من أن يقول: إن رحمة الله قريبة، والله قريب، جمع ذلك، وأوجز. سورة الأعراف [٧: ٥٧] ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: هذه الآية: تتمة للآية السابقة، ومن رحمته يرسل الرياح؛ لتحمل السحب، وتقوم على تلقيحها، والسحاب الثقال: هي التي تبشر بالمطر؛ أي: السحب الركامية. ﴿وَهُوَ﴾: الواو: عاطفة، هو: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتوكيد، والقصر على الله سبحانه وحده الذي يرسل الرياح. ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾: يرسل: بلفظ المستقبل؛ لأنه سبق ذلك قوله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، والدعاء والطمع يكون في المستقبل؛ أي: ليناسب ما قبله بشراً؛ أيْ: تبشر بالمطر. ارجع إلى سورة النحل آية (٨٩) لمزيد من البيان في معنى بشراً. ﴿رَحْمَتِهِ﴾: هنا: هو المطر؛ ولنعلم أن كلمة الرياح في القرآن أينما ذكرت؛ فإنها تحمل معنى الخير، والنِّعمة، بعكس كلمة الريح في القرآن؛ التي تحمل معنى الشر، والنقمة. ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾: حتى: حرف نهاية الغاية.

стр. 1580

﴿أَقَلَّتْ﴾: أي: الرياح، لها معنيان: الأول: أقلَّت: من القلة ضد الكثرة، أقل وزناً، والثاني: حملت، فالرياح تحمل السحاب بأنواعه المختلفة، ورغم أن الرياح أقل وزناً من السحب؛ فهي قادرة على حمل السحب الركامية؛ حتى ولو كان وزن السحب آلاف وملايين الأطنان، وهذه آية من آيات قدرة الله تعالى يجعل الأقل وزناً يحمل أكثر وزناً؛ كمثل الإنسان الذي يحمل الأثقال وزنه (١٥٠ - ٢٠٠ كغ) يرفع (٤٠٠ - ٥٠٠ كغ). ﴿سَحَابًا﴾: اسم جنس، والسحب، أو السحاب: جمع سحابة. ولذلك قال: ﴿سُقْنَاهُ﴾، يعود على ﴿سَحَابًا ثِقَالًا﴾، ولم يقل: سقناها: تعود على الرياح. ﴿لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾: لبلد: واللام: لام التعليل، ميِّت: بتشديد الياء مُجدِب، ليس فيه نبات؛ أي: ما زالت على قيد الحياة، وستموت إذا لم يصلها الماء. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٤٩) لمزيد من البيان، والفرق بين ميِّت وميْت. ﴿فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾: الفاء: تدل على التعقيب، والترتيب، والمباشرة. في هذه الآية: يتحدث سبحانه عن دورة الماء على الأرض، فأشعة الشمس تبخر الماء من البحار، والمحيطات، والأنهار … وغيرها، ويرسل الله رياحاً؛ لتحمل هذا البخار، وتتشكل السحب التي لا تمطر؛ حتى يرسل إليها ريحاً أخرى تحمل هباءات الغبار التي تلقح السحاب؛ أيْ: بخار الماء الذي تبخر من الأرض، ويبدأ بخار الماء بالتكثف؛ فتتكون قطرات الماء؛ فينزل المطر بالقدر الذي يشاء الله ﷻ ، وفي المكان، والزمن الذي يشاء الله -جل وعلا-. ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾: أخرجنا بالماء، أو المطر، من كل الثمرات: من: استغراقية، فحين يدخل الماء في البذرة، أو الحبة؛ تبدأ البذرة تنمو، وتتغذَّى بالجذر من عناصر، أو مركبات التربة، وكل بذرة قادرة على اختيار ما يلائمها من العناصر، ومركبات الأرض، والشفرة الوراثية الموجودة داخل البذرة تختار هذه العناصر؛ لتشكل الثمار المختلف ألوانها، وشكلها، وطعمها.

стр. 1581

﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: أيْ: كما أحيينا هذا البلد الميت بالمطر، أو الماء؛ نحيي الموتى بالبعث، بإرسال عليهم مطراً؛ فينبت به أعجاز الذنب، وبالتالي الناس يخرجون من قبورهم. ارجع إلى سورة الروم، آية (١٩)؛ للبيان المفصل. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: لعلَّ: أداة تعليل. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: قدرة الله سبحانه هذه، ورحمته مرة أخرى، ولا تنسوها؛ إنه قادر على بعثكم، وحسابكم، لنقارن هذه الآية (٥٧) من سورة الأعراف، والتي يقول فيها ﷻ : ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ﴾: جاءت بصيغة المضارع، مع الآيات الأخرى في سورة الروم، آية (٤٨)، وفي سورة الفرقان، آية (٤٨)، وسورة فاطر، آية (٩): فكلها جاءت بصيغة الماضي أرسل الرياح. فالسياق هو الذي يحدد، فحينما يستعمل صيغة المضارع (يرسل): نجد الآيات السابقة لتلك الآية تتحدث بصيغة المضارع. وحينما يستعمل صيغة الماضي (أرسل): نجد الآيات الأخرى، أو السابقة تتحدث عن الماضي. إذن السياق هو السبب في الاختلاف بين الآيات أحياناً.

стр. 1582

سورة الأعراف [٧: ٥٨] ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾: الواو: عاطفة، أي: البلد، طيب التربة، البلد ذو التربة الخصبة. ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: وذلك بعد إنزال المطر على تربته الخصبة، يخرج زرعاً بإذن ربه، وهذا مثل العبد الذي هو يمثل التربة الطيبة بعد إنزال الماء عليها؛ أيْ: بعد سماع آيات ربه، يزداد إيمانه، وتكثر أعماله الصالحة. ﴿وَالَّذِى خَبُثَ﴾: أيْ: والبلد الذي خبث؛ تربته خبيثة، غير صالحة للزراعة، فمهما نزل عليها الماء؛ فلا تستفيد من المطر، ولا يخرج نباته إلّا نكداً، وهذا يمثل العبد الخبيث الذي لا يتعظ بسماع آيات الله، أو بأي موعظة إيمانية. ﴿لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾: أيْ: لا يخرج إلَّا بصعوبة، ومشقة، وعُسر، وإذا خرج؛ خرج قليلاً، لا ينتفع منه، ويقال: إنسان نكد؛ أيْ: طباعه عسيرة، يصعب الحديث معه، وهو شؤم. ويقال: نكدت البئر: أيْ: قلَّ ماؤها، والأرض الخبيثة، والجدباء، تشبه الكافر؛ الذي لا ينتفع بآيات ربه، ولا بالقرآن، ولا بالموعظة الحسنة، فيكون

стр. 1583

عمله بالتالي غير صالح، وخبيثاً يضر، ولا ينفع، وعمله قليل على كل حال؛ كالبئر المنكدرة. ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾: كذلك نبيِّن الآيات جمع آية؛ يصرفها؛ أي: يغيرها ويأتي بها بصور مختلفة وأساليب مختلفة، ويكررها بصور شتى؛ لكي يتبيَّن لكم المعنى الحقيقي، والخفي، والوصول إلى الحقيقة مثال تصريف الرياح. ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾: اللام: لام لاختصاص؛ لعلَّ المؤمنين يتذكرون نعم الله عليهم؛ فيشكرونه عليها. ارجع إلى الآية (١٠) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان في معنى يشكرون. سورة الأعراف [٧: ٥٩] ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: ﴿لَقَدْ﴾ اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أيْ: قد تحقق ما سيخبر الله تعالى به، ونجد لقد جاءت في هذه الآية بدون الواو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ كما في سورة هود آية (٢٥)، وسورة المؤمنون آية (٢٣)؛ لأن الآية (٥٩) في الأعراف لم يسبق أي حديث، أو ذكر عن الأنبياء، أو الرسل، وأما بقية الآيات سبقها ذكر أو دعوة للأنبياء أو الرسل. ﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾: ذكر اسم نوح ﵇ في ثلاث وأربعين آية في القرآن الكريم، وذكرت قصته في كثير من السور؛ مثل: سورة هود، ونوح، والأعراف، والمؤمنون، والشعراء، والقمر … وغيرها، فلا يظنّ القارئ أنها تكرار، وإنما

стр. 1584

تبرز كل سورة ناحية، أو جانباً من جوانب سيرته، ودعوته لقومه، وموقف قومه، وصناعته للفلك، والطوفان، ونجاة من آمن معه. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: الإرسال يكون برسالة، والبعث يكون برسالة، أو بغير رسالة، والإرسال: ليس فيه إثارة، وتهيج، كما هو الحال في البعث: الذي فيه إثارة، وتهيج، والإرسال: أقل قوة، وشدة من البعث. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ لبيان الفرق. ﴿فَقَالَ﴾: الفاء: تدل على الترتيب، والتعقيب، والفاء: تدل على الاستمرار في الدعوة، والإلحاح، والمتابعة. ﴿يَاقَوْمِ﴾: يا: أداة نداء، يا قوم: نداء فيه تحبب. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: إذ كان قومه يعبدون أصناماً كثيرة ذكرت في سورة نوح، مثل: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا. ﴿إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: يدل هذا القول على أن نوحاً ﵇؛ كان عنده علم بالعذاب الذي سينزل على قومه، إذا لم يؤمنوا، ويظهر حرصه، وإشفاقه عليهم، وعلم ذلك؛ لأنه طلب منه أن يصنع الفلك بأعيننا. ﴿إِنِّى﴾: إنَّ: يفيد التوكيد. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: يوم الطوفان، أو يومَ القيامة. سورة الأعراف [٧: ٦٠] ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾: الملأ: هم أشراف القوم، وسادتهم، ولم يقل: الملأ الذين كفروا من قومه؛ لأن قول: الملأ هذا كان في بداية الدعوة، ولم يكن هناك

стр. 1585

أي مؤمن بنوح ﵇، حتى ذلك الزمن، وأما لو قال الملأ الذين كفروا من قومه: يعني أن هناك أشراف أو ملأ من قومه آمن وقال الذين كفروا. ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: إنا: للجمع، والتعظيم، لنراك: اللام: لام التوكيد، نراك: نجدك؛ أيْ: نعتقد، رؤية قلبية، وبصرية. ﴿فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: الضلال: الانحراف عن الحق؛ أيْ: تائه، وبعيد عن الصواب؛ أيْ: أنت مجرد تائه، ضال، والضلال: اسم جنس يشمل الضلالات كلها، ويعني الضلال الكثير، أو القليل أما الضلالة تفيد (اسم مرة)؛ أي: شيء قليل من الضلال. ﴿فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: واضح، ومكشوف لكل واحد، ولا يحتاج أن تبيِّنه؛ فهو بائن، وظاهر، ولا يحتاج إلى برهان؛ لأنه ﵇ كان يدعوا إلى عبادة الله وحده. ﴿فِى﴾: تفيد الطرفين؛ كأن الضلال محيط بنوح ﵇ من كل جانب، ومنغمس فيه من قبل. سورة الأعراف [٧: ٦١] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿قَالَ﴾: نوح مدافعاً عن نفسه. ﴿لَيْسَ بِى﴾: ليس: حرف نفي. ﴿بِى﴾: الباء: للإلصاق ولم يقل ليس في؛ في: ظرفية تفيد الإحاطة به من كل جانب أو الانغماس في الضلال؛ حتى ضلالة واحدة، رداً على قولهم: ﴿لَنَرَاكَ فِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: منغمساً في الضلال والبعد عن الصواب والحق؛ لأن

стр. 1586

نوحاً ﵇ يعلم ما جاء به هو من عند الله سبحانه؛ فهو ينفي من كون الضلال لاصق به. فقال ﵇: ﴿لَيْسَ بِى ضَلَالَةٌ﴾: ضلالة: اسم مرة، بينما في ضلال مبين: ضلال اسم مصدر؛ أي: ليس بي أيُّ أي ضلالة. استبدال المصدر باسم المرة (ضلالة) للمبالغة في نفي الضلال عنه؛ أي: ليس بي أقل ضلالة. ﴿وَلَكِنِّى﴾: لكن: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: رسول مرسل من رب العالمين؛ أي: الرب الذي خلقكم، ورزقكم، وتولى تربيتكم. سورة الأعراف [٧: ٦٢] ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾: من البلاغ، والبلاغ: هو إيصال ما أوحى إليَّ ربي من الأوامر، والنواهي، والبشائر، والنذر. ﴿رِسَالَاتِ رَبِّى﴾: رسالات: جمع رسالة فهي ليست رسالة واحدة كما قال تعالى على لسان صالح في الآية (٧٩) في نفس السورة وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى﴾ ورسالات تعني: في التوحيد، والعبادات، والأوامر، والنواهي، والعقيدة، وأمور الدِّين. ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾: النصح: هو إخلاص القول، والعمل من كل شائبة؛ أيْ: أرشدكم، وأدلكم على مصلحتكم، أو ما فيه الخير لكم. ﴿لَكُمْ﴾: اللام: مبالغة في النصح، ولكم خاصَّةً.

стр. 1587

﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾: جملة فعلية؛ تدل على التجدد، والاستمرار، وتكرار النصح، والإرشاد. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: بما أخبرني الله -جل وعلا- عن طريق الوحي، من تفاصيل في أمور الدِّين، والوحدانية، والأحكام، والشرائع، والنجاة، والهلاك. سورة الأعراف [٧: ٦٣] ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، والواو: للتقرير. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التوكيد. ﴿جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: ذكر بيان، أو موعظة، أو رسالة، أو تعاليم. ﴿عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾: على لسان رجل منكم، تعرفونه، ويعرفكم، وليس غريباً عنكم. ﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾: اللام: للتوكيد، أو للتعليل، والإنذار فيه إعلام، وتحذير من العذاب إن لم تؤمنوا. ﴿وَلِتَتَّقُوا﴾: اللام: للتعليل، تتقوا: أيْ: تطيعوا أوامر الله، وتتجنبوا ما نهى عنه؛ كي تتقوا النار، وتتقوا غضب ربكم وجبروته. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: لعلَّكم: لعلَّ: للتعليل، رجاء رحمة ربكم، وذلك بإطاعة أوامره، والأخذ بالأسباب الأخرى؛ للرحمة، وطلب العون منه، لعلَّكم ترحمون بعدها. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (٨)؛ لمزيد من البيان.

стр. 1588

سورة الأعراف [٧: ٦٤] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِى الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، كذبوه: بمجرد ما بدأ يدعوهم؛ لم يصدقوه، ولم يؤمنوا بما جاء به. ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، وأنجيناه: تدل على السرعة في النجاة، والشدة، وقدم فأنجيناه على أغرقنا للاهتمام بإنجاء المؤمنين وتعجيلاً لمسرة السامعين مع أن الإغراق بدأ أولاً. ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ فِى الْفُلْكِ﴾: الفلك: السفينة. والذين معه: ولم يقل: ومن معه؛ لأن (الذين): تدل على الكثرة، أكثر من كلمة معه؛ لوحدها التي تدل على القلة. وقيل: كانوا حوالي (٧٠)، أو أقل من ذلك. ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾: أيْ: قوم نوح الذين ذهبت بصيرتهم؛ لأن عَمَى البصيرة أشد وأبلغ من عَمَى البصر. ﴿عَمِينَ﴾: جمع عمٍ صفة مشبهة من عَمَى يعْمَى، أصله عَمِيَ حذفت الياء؛ لأنه اسم منقوص، وعمين أصله عميين بياءين؛ حذفت إحداهما؛ لالتقاء الساكنين، وعمين: يدل على أنه عمًى ثابت. سورة الأعراف [٧: ٦٥] ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾: أيْ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾، وكذلك أرسلنا ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾.

стр. 1589

كلمة أخاهم: تشعر بأنه من جنسهم، وليس أجنبياً عنهم، وتعطي الشعور بالأنس. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: كان هود على علم بما حدث بقوم نوح ﵇؛ فقوم عاد: هم بقية من قوم نوح الذين عادوا إلى مكة بعد الطوفان، وبعد أن تكاثروا؛ نزحوا إلى جنوب الجزيرة العربية، وسكنوا الأحقاف. ﴿أَفَلَا﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري. ألا: أداة حضٍّ، وتعريض، يحضُّهم على التقوى، وكذلك: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: من العذاب، وما حل بقوم نوح ﵇، ولم يقل: فقال؛ لأن دعوته لهم كانت ليست بإلحاح، واستمرار، كما في دعوة نوح ﵇. سورة الأعراف [٧: ٦٦] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾: أشراف القوم الذين كفروا، وهناك الملأ الذين لم يكفروا. ﴿إِنَّا﴾: للجمع والتعظيم. ﴿لَنَرَاكَ﴾: اللام: لام التوكيد. ﴿فِى سَفَاهَةٍ﴾: طيش، وسخافة، وقلة عقل، وجهالة؛ إذ تركت دِين آبائك إلى دِين آخر. ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: وتكرار (إنا): للتوكيد، واللام في لنظنك: لام التوكيد. الظن: هو رجحان كفة الإثبات على كفة النفي؛ أيْ: نتصور أو نعتقد: إنك من الكاذبين.

стр. 1590

سورة الأعراف [٧: ٦٧] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قوله: ﴿يَاقَوْمِ﴾: بعد أن اتهموه بالسفاهة، والكذب جاء رده عليهم بأدب، وخلق حسن، بنفي السفاهة عنه، وأنه رسول مرسل من رب العالمين. لنقارن هذه الآية من سورة الأعراف: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. بآية أخرى، وهي الآية (١٨٦) من سورة الشعراء: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. نجد أن التكذيب في آية سورة الأعراف أشد من التكذيب في آية سورة الشعراء، ولذلك أكَّد بزيادة اللام في كلمة ﴿لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ لأن الكاذبين في آية الأعراف قوم غير القوم الكاذبين في سورة الشعراء. فالكاذبون في آية الأعراف: هم الملأ الذين كفروا من قوم عاد. أما الكاذبون، أو المكذبون في آية الشعراء: فهم الذين كفروا من قوم شعيب.

стр. 1591

سورة الأعراف [٧: ٦٨] ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى﴾: ارجع إلى الآية السابقة (٦٢). ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾: ناصح أمين: جملة اسمية؛ تدل على الثبوت، بينما قوله: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾: جملة فعلية؛ تدل على التجدد، والاستمرار، والتكرار؛ لأن هوداً ﵇ كان أسلوب دعوته غير أسلوب دعوة نوح ﵇، فدعوة هود ﵇ كانت أقصر من دعوة نوح ﵇، وثابتة مستمرة، بينما دعوة نوح ﵇ كانت دعوة طويلة، ومتجددة، استمرت (٩٥٠ سنة). ﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص. لكم: وحدكم خاصَّةً. ﴿نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾: ناصح فيما أدعوكم إليه إلى الخير، والنفع، وأريد لكم الفوز والنجاة. ﴿أَمِينٌ﴾: على ما أقول لكم، ولا أكذب عليكم. سورة الأعراف [٧: ٦٩] ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: ارجع إلى الآية السابقة (٦٣): لم يقل: ولتتقوا ولعلَّكم ترحمون؛ إذ تجاوز عن ذلك، وانتقل إلى التذكير، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ﴾: إذ: ظرفية زمانية للماضي؛ بمعنى: حين، وتقديرها أيضاً: واذكروا نعمة ربكم؛ إذ جعلكم خلفاء. ﴿خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾: خلفاء: جمع خليفة، والخليفة: من خلف غيره، وقام مقامه، أو استخلف في الأمر مكان من كان قبله.

стр. 1592

﴿وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾: أيْ: قوة، وعظمة، ولنقارن هذه الآية مع الآية (٢٤٧) من سورة البقرة: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾: أيْ: طالوت. انتبه إلى: كيفية كتابة كلمة ﴿بَصْطَةً﴾ في آية سورة الأعراف، وإلى كلمة ﴿بَسْطَةً﴾ في آية سورة البقرة، فكلمة ﴿بَصْطَةً﴾ في آية سورة الأعراف بالصاد وكلمة ﴿بَسْطَةً﴾ في آية سورة البقرة بالسين، والصاد: أقوى من السين في اللغة، وتعليل ذلك: أن آية الأعراف: جاءت في سياق قوم عاد، وآية البقرة: جاءت في سياق طالوت وحده، والقوم أقوى من الفرد الذي هو طالوت؛ فاستخدم الصاد للقوم، والسين للفرد (طالوت) وحده. وكذلك في آية سورة الأعراف ﴿بَصْطَةً﴾: مطلقة في الغنى، والسعة، والقوة، والعلم … وغيرها. ﴿بَصْطَةً﴾: تشمل كلَّ شيء، بينما في آية سورة البقرة؛ التي تخص طالوت قيدها؛ فهي ﴿بَسْطَةً﴾ فقط بالعلم، والجسم. ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: فاذكروا: الفاء: للتعقيب، والترتيب، والمباشرة. فاذكروا: فاشكروا. ﴿آلَاءَ﴾: مفردها: أَلو، وإلى، وأَلى: نِعَمٌ كثيرة؛ أيْ: اذكروا نعم الله الكثيرة عليكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: بشكر آلاء الله، واتخاذ الأسباب الأخرى المؤدِّية إلى الفلاح، والدعاء إلى الله. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعلَّ: للتعليل، والترجي. ﴿تُفْلِحُونَ﴾: الفلاح: هو الفوز بالجنة، والنجاة من النار، ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.

стр. 1593

سورة الأعراف [٧: ٧٠] ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾: الهمزة: استفهام إنكاري. ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾: اللام: لام التعليل. ﴿لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: أيْ: نترك، ونهجر ما يعبد آباؤنا، ونعبد الله وحده؛ أيْ: أتأمرنا بالتوحيد، فنحن نقلِّد آباءنا، ولا يمكن أن نترك ما كان يعبد آباؤنا، وإن كان ربُّك يُنذرنا بالعذاب، وتدل هذه الآية أن عبادتهم الأصنام أمر قديم ومتكرر ومتجدد منهم. ﴿فَأْتِنَا﴾: الفاء: تدل على المباشرة؛ فائتنا الآن. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: بما: الباء: للإلصاق، وما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي تعدنا. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: إن: شرطية تدل على الاحتمال؛ احتمال أنك من الصادقين، أو لا نصدق أنك من الصادقين؛ أيْ: نشك في صدقك، أو صدق ما تقول. سورة الأعراف [٧: ٧١] ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِى فِى أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾: ﴿قَالَ قَدْ﴾: هود لقومه. قد: حرف تحقيق، وتوكيد، وتفيد في تقريب الزمن الماضي من الحال. ﴿وَقَعَ عَلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾: قال: هذا بعد أن يئس من إيمان قومه، وبعد أن تحدوه، وقالوا: فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين؛ فجاءه الوحي من ربه: أن أبلغهم قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب.

стр. 1594

انتبه! إلى قوله: ﴿قَدْ وَقَعَ﴾: ولم يقل: سيقع في المستقبل، وقع: فعل ماضٍ، وهود لا يزال يُعْلمهُمْ، وينذرهم؛ لأن كلام الله سبحانه لا يحده زمان، ولا مكان، سواء ماضياً كان، أم حاضراً، أم مستقبلاً؛ أيْ: سيقع لا محالة، عاجلاً أم آجلاً؛ أي: اعتبروا أن وقوعه قد حدث فعلاً. ﴿عَلَيْكُم مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: تقديم عليكم: يفيد الحصر، من ربكم وحده، وليس من غيره. ﴿رِجْسٌ﴾: عذاب من الارتجاس، وهو الاضطراب، ويعني: العذاب، كما ذكر في الآيات الأخرى: بالريح العقيم (الذاريات آية ٤١)، أو الريح الصرصر العاتية (الحاقة آية ٦)؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩) للبيان المفصل في الرجز والرجس. ﴿وَغَضَبٌ﴾: هو انتقاض أو تغير الطبع الذي يظهر على الجوارح ويختلف عن السخط الذي هو شدة الكراهية وعدم الرضا. انظر كيف أخر الغضب وقدم الرجس للتهديد والوعيد ولعلهم يتوبون إلى الله. ﴿أَتُجَادِلُونَنِى﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري. تجادلونني: المجادلة: الجدال؛ يعني: الحوار، والمخاصمة، لإظهار الحُجَّة، ودفع الشبهة. ﴿أَتُجَادِلُونَنِى فِى أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أتجادلونني: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، والنون: لزيادة التوكيد، في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهةً، وهي في الحقيقة مجرد أسماء لا غير. ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: قيل: الحُجة القوية الواضحة وكلمة سلطان: مشتقة من السليط، وعند العرب السليط؛ يعني: الزيت، أو دهن السمسم، وكانوا يستعملون الزيت في القديم؛ لإضاءة السُّرج؛ أي: السلطان نور، أو حُجَّة تنير طريق الحق.

стр. 1595

والسلطان: يقسم إلى: سلطان قوة، وقهر، أو سلطان حُجَّة، وبرهان؛ أيْ: ماذا نزل عليكم من حُجَّة، أو برهان، أو قوة تثبت أنها تستحق العبادة، أو هي آلهة كما تزعمون. وقوله: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: فيها توكيد أشد، وأبلغ من قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾. [يوسف: ٤٠]. ﴿فَانتَظِرُوا إِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾: ثمّ هددهم بقوله: ﴿فَانتَظِرُوا﴾: نزول العذاب من الله، والفاء: للتوكيد، ﴿إِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾. سورة الأعراف [٧: ٧٢] ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، أنجيناه: تعني: بسرعة، وقوة، وشدة، ولم يقل: نجيناه التي تدل على البطء، والزمن الطويل، أنجيناه من الريح المدمرة العقيم. ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: الذين: تعني: العدد أكبر، مقارنة بقوله: ومن معه، من معه: تعني: الواحد، أو الاثنين، أو أكثر. ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: الباء: للإلصاق، ولم يقل: برحمة من عندنا، بل: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾؛ تعني: رحمة عامة للناس، رحمة من عندنا: تعني رحمة خاصَّةً بالمؤمنين، أو رحمة من لدنا، وهي أفضل وأقرب الرحمات خاصَّةً بأولياء الله. ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ﴾: وقطع: القطع؛ يعني: الاستئصال التام، دابر القوم: الدابر التابع من الخلف، دابر القوم، آخرهم بالمجيء، المراد بذلك: استُؤصلوا بالعذاب استئصالاً عن بكرة أبيهم، لم ينجُ منهم أحد. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: الذين لم يصدِّقوا بها، وجحدوا بها. ﴿وَمَا﴾: النافية.

стр. 1596

﴿كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: توكيد لتكذيبهم، وعدم إيمانهم، ولم يبيِّن كيف حدث الاستئصال في هذه الآية، وإنما بيِّنه في آية أخرى، فقال: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥]. سورة الأعراف [٧: ٧٣] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾: أيْ: ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً. ﴿ثَمُودَ﴾: قبيلة عربية، كانت تسكن الحجر، بين الحجاز والشام، وهم من بقايا قوم عاد، ويسمون عاداً الثانية. وقوله: ﴿أَخَاهُمْ﴾: تدل على أن صالحاً كان منهم، وكان معروفاً، ومألوفاً عند قوم ثمود، وأطلق عليهم قوم ثمود باسم جدهم، ثمود بن عامر بن إرم بن سام بن نوح. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: يا: النداء، وتدل على التحبب لقومه. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أطيعوا الله، ولا تعصوه، وامتثلوا أوامره. ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (١٠٦)؛ لبيان معنى العبادة. ﴿مَا لَكُمْ﴾: ما: النافية. لكم: خاصَّةً، اللام: للاختصاص. ﴿مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: أيْ: لا إله إلا الله. ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾: هذه: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقريب؛ يشير إلى ناقة الله. لكم: اللام: لام الاختصاص، لكم خاصَّةً. ﴿آيَةً﴾: معجزة تدل على قدرة الله سبحانه، وتوحيده. فقد سألوا صالحاً: أن يخرج لهم من إحدى الصخور ناقة عشراء، وَبْراء؛

стр. 1597

أيْ: كثيرة الوبر، يتحرك جنينها بين جنبيها، ثم تلد فصيلاً، وجاءتهم الناقة كما سألوا. ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾: سماها ناقة الله؛ تشريفها لها. ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: ﴿فَذَرُوهَا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. ذروها: أي: اتركوها تسرح أينما تشاء. ﴿تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ﴾: فقد سمَّى صالح الناقة؛ بناقة الله، وسمَّى الأرض أرض الله، وهذه هي الحقيقة، فكل مخلوق، أو أرض، أو سماء من خلق الله، وملكه. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: لا: الناهية. تمسوها: المس: هو مجرد اللمس، أو أقل للمس. ﴿بِسُوءٍ﴾: الباء: للإلصاق، السوء: أعم من القتل، أو العقر أي سوء مهما كان، مثل: الضرب، أو الطرد، أو منعها من الشرب، ولم يقل: ولا تعقروها، أو تقتلوها، بل لا تمسوها بسوء؛ أيْ: أدنى المس، أو الأذى. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: الفاء: للتوكيد، يأخذكم: يصيبكم عذاب أليم، وكان هذا الإنذار في بداية الدعوة والتبليغ، أما حين عقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم فأنذرهم إنذاراً آخر في نهاية الدعوة فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، فقال: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]. وفي الشعراء آية (١٥٦) قال تعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فهذا وصف لليوم (يوم عظيم) وقد ترجع إلى العذاب أيضاً، فيكون قد وصف العذاب بالأليم القريب العظيم.

стр. 1598

سورة الأعراف [٧: ٧٤] ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾: ارجع إلى الآية (٦٩). ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: بوَّأه منزلاً: أنزله، وهيأ له، مباءة؛ أيْ: بيوت، أو قصور، بوأكم: مشتقة من باء؛ أيْ: رجع؛ لأن الإنسان يخرج من بيته، ثم يعود إليه. ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: هيَّأ لكم، وأنزلكم منازل في الأرض، أرض الحجر بين الحجاز والشام، في الأردن (وادي القرى). ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾: تبنون في بعض سهولها قصوراً. ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾: وكأن الجبال كلها تنحتونها بيوتاً من كثرة البيوت التي نحتوها في الجبال؛ فكأن الجبال تحولت إلى بيوت (في المرحلة الثانية). بينما في آية (٨٢) من سورة الحجر: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾: أيْ: ينحتون من بعض الجبال بيوتاً (من: هنا بعضية). في المرحلة الأولى: بدؤوا بنحت بعض الجبال بيوتاً، ثم ازداد النحت، وصار الكل يريد أن ينحت له بيتاً في الجبال (المرحلة الثانية). ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾: الآلاء: النِّعم المتتالية، النِّعمة تلو الأخرى، أو النِّعم العظيمة، مفردها: ألَى، أو إلَى.

стр. 1599

﴿وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: العثو: هو أشد الفساد؛ أيْ: لا تتمادوا في الفساد بالقتل، والشرك، والظلم، في إهلاك الحرث والنسل. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥١)؛ لمزيد من البيان. سورة الأعراف [٧: ٧٥] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾: هم السادة، والرؤساء الذين يمثلون القبائل، أو الشعب، أو الأحزاب، وسموا بالملأ؛ لأنهم يملؤون العيون؛ أيْ: تراهم عيون الناس دائماً، سواء في الاجتماعات، أو في أجهزة الإذاعة، أو دوائر الحكومة. ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾: السين، والتاء: تدلان على الطلب؛ أيْ: هم ليسوا أهلاً؛ لكي يتكبروا؛ لأنهم لا يملكون أسباب الكبر، أو مؤهلات الكبر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان. ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾: هذا يدل على أن المستضعفين قسمان: قسم آمن، وقسم استمر في الكفر. فهناك الذين استكبروا، وهناك الذين استضعفوا، منهم من آمن، ومنهم من بقي على حاله من الكفر، واللام: لام الاختصاص. ﴿أَتَعْلَمُونَ﴾: الهمزة: همزة استفهام، وإنكار. ﴿أَنَّ﴾: للتوكيد. ﴿صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: قالوا ذلك؛ للاستهزاء، والسخرية منه. ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: أي: المستضعفون الذين آمنوا بصالح. ﴿إِنَّا﴾: للجمع، والتفخيم.

стр. 1600

﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد، ما: اسم موصول؛ يعني: الذي أرسل به من ربه (أيْ: برسالته). ﴿بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: جملة اسمية؛ تدل على صفة الثبوت؛ أيْ: صفة الإيمان، أصبحت عندهم ثابتة. أيْ: آمنا به كرسول، وآمنا بما أرسل به. سورة الأعراف [٧: ٧٦] ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِى آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا﴾: إنا: للجمع، والتفخيم. ﴿بِالَّذِى آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: أيْ: إنا برسولكم صالح، وما جاء به؛ كافرون؛ أيْ: جاحدون، لا نؤمن به كرسول، أو بما جاء به، وكافرون: تدل على الثبوت، والاستمرار؛ أيْ: لن نتراجع عن الكفر به، وعدم تصديقه. سورة الأعراف [٧: ٧٧] ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، والعقر: هو الذبح، والعقر: هو الجرح، أو قطع عضو من أعضاء الناقة. والذي يعقر عادة هو فرد واحد، وقال: ﴿فَعَقَرُوا﴾: لأنهم اشتركوا في المؤامرة، والجرم على عقرها؛ فهم شركاء في الإثم رغم أن الذي عقرها واحد، قيل: هو قدار بن سالف. وجاءت تفاصيل ذلك في سورة النمل: ﴿وَكَانَ فِى الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨ - ٥٠]. وجاء ذلك في سورة القمر: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾؛ كونهم تنادوا؛ فهم اشتركوا في الجريمة، [القمر: ٢٩].

стр. 1601

﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: هنا بدأت مرحلة التحدي، بعد مرحلة الكفر ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾، وما وعدهم صالح؛ إذ عقروا الناقة: ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]، ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. سورة الأعراف [٧: ٧٨] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، أخذتهم الرجفة، وفي سورة هود آية (٦٦) قال سبحانه: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، فهناك صيحة، تبعتها رجفة أرضية؛ فالصيحة أشد من الرجفة وأكثر دماراً، والرجفة أشد وأعظم من الزلزلة إذن أصابتهم صيحة، ثم رجفة (زلزلة شديدة) فأصبحوا في ديارهم جاثمين؛ فالصيحة: حينما تصل شدة الصوت إلى أكثر من (٧٠ ديسبل) تبدأ الأذن بالانزعاج، وإذا استمرت لفترة طويلة، أو زادت عن (١٠٠ ديسبل)، واستمرت لفترة قد يصاب الإنسان بالصمم، والانفجارات الشديدة التي أعلى من (١٤٠ ديسبل) قد تؤدِّي إلى اضطرابات في القلب وتوقفه، وأتبع الصيحة الرجفة التي حدثت من تردد الموجات الصوتية بين صخور الجبال؛ فكان صدى الصوت، وموجاته الشديدة؛ أدَّت إلى أنهم أصبحوا جاثمين في ديارهم؛ بسبب إصابة الجهاز السمعي والعصبي. ﴿فَأَصْبَحُوا﴾: الفاء: للمباشرة، والتعقيب. ﴿فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: جمع جاثم: هو من لزم مكانه؛ أيْ: تجمد على ما هو عليه، أو لصق بالأرض، وقيل: إن كان واقفاً ظل واقفاً، وإن كان قاعداً مات وهو قاعد، وإن كان نائماً مات وهو نائم؛ أيْ: على هيئته التي كان عليها قبل الصيحة، أو الرجفة. وهناك فرق بين الجاثي، والجاثم:

стр. 1602

فالجاثي: البارك على ركبتيه، من دون القدرة على القيام. وأما الجاثم: فالميت الذي لا يتحرك، وهو على حالته، كما كان قبل الموت. ﴿فِى دَارِهِمْ﴾: دارهم؛ أي: بلادهم، أو بلدهم، وإذا قارنا هذه مع الآية (٦٧) في سورة هود وهي قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ديارهم في هذه الآية تعني: منازلهم، وأما دارهم تعني: بلدهم. ﴿جَاثِمِينَ﴾: ميتين، هامدين، لا يتحركون. سورة الأعراف [٧: ٧٩] ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. ترك أرضهم، مولياً لهم ظهره، وقال لهم: وهو يخاطبهم، وهم أموات جاثمين؛ من أسفه عليهم، وتحسره عليهم؛ لعدم إيمانهم، وموتهم وهم كفار. ﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى﴾: ولم يقل: رسالات ربي، كما قال نوح، وهود ﵉؛ لأن ما جاء به نوح وهود ﵉ أكثر من رسالة، أو تبليغ، أو أمر، بينما نبي الله صالح ﵇ كانت رسالته واحدة، عبادة الله وحده، وهي رسالة التوحيد. ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾: أرشدتكم إلى ما فيه الخير والنجاة. ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾: ولكن: استدراك، لا: نافية؛ بمعنى: لا تحبون الناصحين، مضارع تدل على حكاية الحال. سورة الأعراف [٧: ٨٠] ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: نبي الله لوط ﵇: هو ابن أخي إبراهيم ﵇، وكان قد هاجر مع إبراهيم من بابل

стр. 1603

إلى الشام، وبُعث إلى أهل سدوم، وعمورة، وما حولها من القرى في منطقة البحر الميت، وسُمِّيت باسم آخر: هو المؤتفكات. ﴿وَلُوطًا إِذْ﴾: لوطاً في اللغة تعني: المصلح. إذ: ظرف زماني، زمن إرساله، أو اذكر لوطاً، أو اذكر حين قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: الهمزة: همزة الاستفهام استفهام توبيخ وإنكار؛ أي: أتفعلون الفاحشة، وهي ما كان يقوم به قوم لوط، وتسمية الفاحشة باللواطة، أو نسبة الفاحشة إلى لوط هو خطأ؛ أي: أن نسميها لواطاً، وعلينا أن نسميها كما سماها الله تعالى عمل قوم لوط، وأيضاً هو خطأ من حيث اللغة؛ لأن اللواط في اللغة: الإصلاح من لاط يلوط لوطاً؛ أي: أصلح الشيء، واسم لوط يعني المصلح، واللوطي يعني في اللغة المصلح، وخطأ من حيث الشرع؛ لأن نسبته إلى النبي لوط، وهو بريء من هذه الفعلة، فكيف تنسب إليه، ويرفض الكثير أن يوصف بأنه لوطي، ولذلك الأفضل أن نسميها عمل قوم لوط. والهمزة: للاستفهام الإنكاري، والتوبيخ. ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾: ما: النافية، ما فعلها، أو تجرأ، أو أقدم عليها أحدٌ من قبلكم. ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: من: استغراقية؛ تفيد التوكيد؛ أيْ: توكيد النفي. ﴿الْعَالَمِينَ﴾: الجن، والإنس. سورة الأعراف [٧: ٨١] ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾: اللام: للتوكيد. ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾: تفعلون الفاحشة، بالرجال شهوة. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب انتقالي. ﴿أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾: أنتم قوم: تجاوزتم حدود ما أحل اللهُ لكم.

стр. 1604

لنقارن هذه الآية (٨٠ - ٨١) من سورة الأعراف: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾. مع الآية (٥٤ - ٥٥) من سورة النمل: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. الاختلاف الأول: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: في الأعراف. ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾: في النمل. الاختلاف الثاني: ﴿إِنَّكُمْ﴾: في الأعراف. ﴿أَئِنَّكُمْ﴾: في النمل بزيادة همزة الاستفهام؛ للدلالة على شدة الإنكار، والتوبيخ. الاختلاف الثالث: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾: في الأعراف. ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: في النمل، وصفهم بالجهل فيه: توبيخ، وتقريع أسوأ من وصفهم بالإسراف. والاختلافات ترجع إلى كونها مواقف متعددة للوط مع قومه، خلال زمن تبليغ الرسالة لهم، فالمواقف في سورة النمل فيها تقريع، وتوبيخ أشد من المواقف في سورة الأعراف.

стр. 1605

سورة الأعراف [٧: ٨٢] ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما: النافية. ﴿كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا﴾: إلا: أداة حصر. ﴿أَخْرِجُوهُم﴾: أيْ: لوط، والذين آمنوا معه، ولم يقل ارجموهم؛ لأن لوط جاء مهاجراً إليهم، وهو ليس من قوم لوط، فالأفضل طرده وإخراجه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: وهي القرى الخمس، تسمَّى المؤتفكات، سدوم، وما حولها من القرى، والقرية الأم، أو العاصمة تمثل القرى الأخرى. ﴿أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: يقولون ذلك سخرية بهم وتهكم. ﴿يَتَطَهَّرُونَ﴾: من الفاحشة: وهي إتيان الرجال وغيرها من أعمال المنكر في نواديهم. ولكونهم تمردوا على الفسوق كانوا يسخرون من لوط من كمال خلقه. يتطهرون: بصيغة المضارع تدل على التجدد، ولم يقولوا إنهم أناس طاهرون تدل على الثبات والدوام. في هذه الآية قال -جل وعلا-: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾: بينما في سورة النمل، الآية (٥٦): ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾، الفرق في حرف الفاء؛ التي تدل على السرعة، والترتيب، والتعقيب، فقوم لوط ﵇ انقسموا طائفتين: طائفة كان جوابها مباشرة، وبسرعة: أخرجوهم من قريتكم الآن، وبسرعة، وهذا ما أشارت إليه الآية (٥٦) من سورة النمل، وطائفة أخرى لم تتسرع بالطلب بإخراجهم، وهذا ما أشارت إليه الآية (٨٢) في سورة الأعراف، وما كان جواب قومه، أو كانت آية

стр. 1606

الأعراف في بداية الدعوة، وآية النمل كانت في نهاية الدعوة؛ ففي بداية الدعوة وصفهم بالمسرفين، وفي نهاية الدعوة وصفهم بالجاهلين؛ أي: حين وبخهم بشدة وأثار غضبهم الشديد، كما في آية النمل جاء الرد السريع بالفاء (فما كان جواب قومه) التي تدل على سرعة الإخراج والطرد من القرية، ويؤيد ذلك نزول سورة الأعراف قبل نزول سورة النمل، والله أعلم. سورة الأعراف [٧: ٨٣] ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾: الفاء: للتعقيب، والسرعة؛ تدل على السرعة، وشدة النجاة. ﴿وَأَهْلَهُ﴾: ابنتيه ﵇. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾: إلا: حرف استثناء. امرأته: لم تنجُ. ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾: الباقين في العذاب، والغابر الباقي. وما دامت قد بقيت في قريتها، في المكان الذي سينزل فيه العذاب؛ فهي من الباقين الهالكين. سورة الأعراف [٧: ٨٤] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾: انتبه! من خصائص القرآن: أن يستعمل كلمة المطر في سياق الانتقام، والعذاب، والغيث في سياق الرحمة. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾: لم تبيِّن هذه الآية نوع المطر، وبيَّنته آية أخرى في سورة هود، الآية (٨٢): ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾. ﴿عَلَيْهِم﴾: قيل: كان عددهم (٤٠٠٠) أربعة آلاف، وفي سورة هود، آية (٨٢) قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾: فالمطر شمل القرية (عليها)، وشمل قوم لوط (عليهم). وهناك فرق بين مطر وأمطر: مطر: فعل ثلاثي، وأمطر: فعل رباعي، وأمطر؛

стр. 1607

يعني: أرسل عليهم الحجارة من سجيل؛ بإرسال المطر؛ أيْ: مطراً عجيباً ليس كأي مطر. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾: عجيباً: وهو الحجارة بدلاً من الماء ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾. ارجع إلى سورة هود، آية (٨٢)؛ لمزيد من البيان. ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾: المفسدين. انظر نظرة تفكر، وتعجُّب كيف كانت نهاية هؤلاء العصاة المفسدين. المجرمين: مشتقة من الجرم: وهو الذنب القبيح، وأصله القطع. ارجع إلى سورة الجاثية، آية (٣١)؛ لمزيد من البيان في معنى المجرمين. سورة الأعراف [٧: ٨٥] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: وأرسلنا ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾: مدين: هو ابن من أبناء إبراهيم ﵇، ومدين: اسم لقبيلته التي سُمِّيت على اسمه، ومدين: اسم للمدينة التي بناها وعاش فيها. وقيل: إن مدين هذا تزوج من رئيا ابنة سيدنا لوط ﵇، وشكلوا قبيلة مدين، وتقع مدين في الجهة الشمالية الغربية من المملكة العربية السعودية في تبوك، وتقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وخليج العقبة يكون شمالها. ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾: أخاهم؛ لأنه من قومهم، وعاش بينهم، فأصبح كالأخ لهم. اختاره الله نبياً لهم. قيل: إن اسمه بالسريانية: يثرون، وهو أحد الأنبياء العرب الأربعة: وهم هود، وصالح، وشعيب، ومحمد ﷺ . ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: نداء لطيف، استعمل فيه ياء النداء؛ التي تدل على البعد.

стр. 1608

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: أطيعوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً، وامتثلوا أوامره، وتجنبوا نواهيه. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: معجزة، شاهدة، على صدق نبوَّتي. والسؤال: ما هي هذه البيِّنة أو المعجزة؟ حتماً كانت هناك معجزة بيِّنة، ولم يذكرها الله سبحانه في القرآن، وقد تكون حالة السعة، والغنى التي كانوا فيها. ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾: الفاء: للتوكيد، أوفوا الكيل: أريد به آلة الكيل؛ أي: المكيال، أو سُمِّي ما يكال به بالكيل، ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾. وكان الإخلال في الكيل، والميزان هو الأمر الشائع فيهم، وكانوا يبخسون الكيل، والميزان حينما يبيعون، ويشترون. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية. ﴿تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾: البخس: النقص، ويقال: بخسته حقه: إذا أنقصته حقّه؛ بالمخادعة، والاحتيال في البيع، والشراء، أو إخفاء العيب، والغش؛ أيْ: لا تنقصوهم حقهم بالتلاعب بالكيل والميزان. ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾: والواو عاطفة، لا الناهية. ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ﴾: بالسرقة، والغصب، والرشوة، والاختلاس، وإهلاك الحرث والنسل، ومقومات الحياة، وارتكاب الفواحش. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠٥)؛ لمزيد من البيان في معنى الفساد.

стр. 1609

﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: إشارة إلى ما ذكر من عبادة الله وحده، والوفاء بالكيل، والميزان، وترك البخس، والإفساد في الأرض، والعمل بما أمر الله، وتجنب ما نهى عليه. قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾: ولم يقل: ذلك؛ لتعدد الأوامر، والنواهي، وللتأكيد والأهمية يستعمل: ﴿ذَلِكُمْ﴾. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: إن كنتم مصدقين قولي، ومؤمنين بما أرسلت به. ﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشك. ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾: جملة اسمية؛ تفيد الإثبات. سورة الأعراف [٧: ٨٦] ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية. ﴿تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾: الصراط: الطريق، تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم، أو تصدون الناس؛ أيْ: تصرفون الناس عن الإيمان، والدخول في دِين الله، واتباع ما جئت به، وكيف يقول: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾، ونحن نعلم أن الصراط واحد، هو الصراط المستقيم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. الجواب: نعم، الصراط واحد، ولكن يتشعب إلى حدود، وأحكام، وعقائد؛ أيْ: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾: أيْ: بكل باب، من أبواب الطاعة، أو الخير. ﴿تُوعِدُونَ﴾: توعدون من آمن (بشعيب)، بالشر، وتخوفون الناس بالعذاب، والقتل إن آمنوا.

стр. 1610

﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الناس عن دِين الله، والهداية. ﴿مَنْ آمَنَ﴾: به؛ أيْ: بالله، وبدينه. ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: الواو عاطفة (عطف تبنوها على تصدون)؛ أيْ: تريدون دِيناً، معوجاً، مائلاً عن الحق في القيم، والمعايير، أو تريدون الميل عن الاستقامة، وذلك بإثارة الفتن، والأكاذيب، والشبهات، وإباحة التلاعب بالميزان والمكيال. إذن نهاهم شعيب عن قطع الطريق الحسي، والمعنوي بسلب أموال الناس، وسلب أمتعتهم، وطعامهم، وشرابهم. ونهاهم عن الصدّ عن دِين الله، ومنع الناس من حقوقهم في الكيل والميزان، وتجنب الفساد في الأرض. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٩٩) في سورة آل عمران وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ بدون الواو وبدون به؛ لأن تبغون حال، والحال لا يدخله الواو (قاعدة نحوية). ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ﴾: أيْ: حين كنتم ﴿قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾: حين كنتم قليلاً في العدد، فكثركم بالزيادة؛ فأصبحتم أكثر عدداً. وتذكيرهم بالنِّعم يوجب الشكر، والإصلاح، وترك الفساد، والإيمان. ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: وانظروا نظرة تدبُّر، واتعاظ، نظرة قلبية بتفكُّر، وتمعُّن. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾: حين يذكر العاقبة؛ فيقول: كيف كان بدلاً من كيف كانت؛ فهذا يعني: العذاب، وهذا من خصائص القرآن الكريم، كما هي الحال في هذه الآية، وحين يؤنث العاقبة، ويقول: كيف كانت عاقبة؛ يعني: الجنة.

стр. 1611

﴿الْمُفْسِدِينَ﴾: أيْ: ماذا حلّ بالذين جاؤوا من قبلكم، من المفسدين في الأرض؛ الذين كذبوا رسلهم؛ كيف أهلكهم الله سبحانه؛ بسبب ذنوبهم؛ أمثال: قوم لوط، ونوح، وعاد، وثمود. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠٥)؛ لمزيد من البيان. سورة الأعراف [٧: ٨٧] ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية. إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال والشك. ﴿طَائِفَةٌ﴾: جماعة منكم، وسُمِّيت طائفة: جماعة تطوف؛ أيْ: تؤمن بعقيدة، أو فكرة ما، أو مبادئ، وقيم واحدة. ﴿مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ﴾: من التكاليف، والتوحيد، والطاعة. ﴿وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا﴾: استمروا في تكذيبهم، وعنادهم. ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى﴾: حتى: حرف نهاية الغاية، فكلا الطائفتين عليهم التحلِّي بالصبر. ﴿يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾: بأن يظهر الحق؛ فينجِّي الذين آمنوا، ويعذب الكافرين بكفرهم. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد. ﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: أفضل القضاة، وأفضل الحكماء، خير الحاكمين من الحكم؛ أي: القضاء أو الحكام، أو مشتقة من الحكمة؛ أيْ: أحكم الحكماء. وقيل: الحكام تعني: الاسم والمراد بالحاكمين تعني الوصف وفي هذه الآية: حضٌّ للمؤمنين بالصبر على أذى الكفار، وأن نصرة الله آتية لا محالة.

стр. 1612

سورة الأعراف [٧: ٨٨] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾: الملأ: وجهاء القوم، وسادة القوم. وكلمة الملأ مشتقة من ملأ؛ أي: البارزون، والظاهرون في كل مجلس، والمتحدثون باسم القوم الذين استكبروا. ارجع إلى الآية (٧٥) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان، وسورة البقرة آية (٨٧). ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾: لنخرجنَّك: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد على إخراجه. ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾: الملة في هذه الآية تعني: الطريقة التي استمروا عليها، وسلكوها، وتعني: الشعور بالانتماء إلى جماعة مذهبها، أو عقيدتها واحدة، أو متقاربة. ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾: اللام: والنون: للتوكيد. ولتعودنَّ: أيْ: أنت والذين آمنوا معك، والسؤال: وهل كان شعيب، والذين آمنوا معه على ملتهم سابقاً؛ ليقول: لتعودنَّ إلى ملتنا، وانظر إلى الجواب في ملحق الآية. ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾: قال شعيب: أولو: الهمزة: للاستفهام، والاستبعاد، والتعجب؛ أيْ: أتخرجوننا، أو تعيدوننا، ونحن كارهون لملتكم. من هذه الآية: نفهم أن شعيباً ﵇ كان أمام أحد الخيارين: إما الإخراج مع

стр. 1613

الذين آمنوا معه، أو العودة إلى ملة الكفر، والشرك، والسؤال هنا: هل كان شعيب على ملة الكفر قبل بعثه؛ لكي يقولوا له: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾؟ في ملتنا، وليس إلى ملتنا؟ الجواب: لا شعيب ﵇، ولا أيُّ نبيٍّ مرسل كان قبل بعثته في ملّة الكفر، أو الشرك. ﴿لَتَعُودُنَّ﴾: الخطاب كان موجَّهاً إلى أتباع شعيب؛ خاصَّةً الذين آمنوا معه، وبما أن شعيباً ﵇ واحد منهم؛ فهم قد غلبوا لفظهم؛ لكثرتهم، أو هو ضم نفسه إلى جملتهم، وهذا ما يسمَّى إجراء الكلام على حكم التغليب. سورة الأعراف [٧: ٨٩] ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾: فردَّ شعيب على إنذارهم له قائلاً: ﴿قَدِ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمَّد، المختلق. ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: بصيغة النكرة؛ ليشمل كلَّ أنواع الكذب؛ مهما كان صغيراً، أو كبيراً. ﴿إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد المستحيل، أو الندرة؛ أيْ: من المستحيل أن نعود في ملتكم: ملة الكفر، والشرك؛ لأن الشرك هو افتراء على الله، والعودة فيها، أو كيف يأمرهم شعيب بالإيمان بالله وحده، وطاعة الله سبحانه، والإيفاء بالكيل، والميزان، ثم يأمرهم مرة أخرى بالكفر، والشرك؛ فهذا يعتبر كذباً على الله -جل وعلا-.

стр. 1614

﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾: منها: أيْ: من ملة الكفر، والشرك. ﴿نَجَّانَا﴾: ولم يقل: أنجانا: نجى: للتلبث، والتمهل في النجاة. وأنجى: للإسراع في النجاة؛ أي: الزمن أقصر؛ مقارنة بـ: ﴿نَجَّانَا﴾: تحتاج زمن أطول. ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا﴾: أيْ: أنه مستحيل أن نعود إلى الشرك، أو الكفر. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿أَنْ﴾: شرطية؛ تفيد القلة، أو المستحيل، ولم يحدث قط أَنْ شاء الله لعباده الكفر، أو الشرك. ﴿يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا﴾: جمع الألوهية، والربوبية معاً؛ بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾. ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾: أيْ: أحاط علمه بكل شيء: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ﴾، ويعلم ما في الصدور، وما يجول في العقول. ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾: تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر؛ أيْ: لا نتوكل إلا عليه وحده، على الله وحده نتوكل أن يدبر، ويتولى أمرنا في منع الملأ الذين استكبروا من إخراجنا، أو إكراهنا على الردة إلى الكفر. والتوكل في اللغة معناه: تفويض، وثقة، واعتماد، واصطلاحاً: هو الاعتماد على الله تعالى والثقة به، والالتجاء إليه في السراء والضراء، وفي كل حركة وسعي، ويعني: تفويض الأمر؛ أيْ: رده إلى الله سبحانه؛ أي: الاستعانة به في جميع الأمور والرجوع إليه في كل الأحوال؛ لأنه يملك تدبير كل الأمور، والقادر

стр. 1615

على جلب النفع، ودفع الضر؛ راجياً عونه، وتيسيره، وتوفيقه للوصول إلى الغاية بعد تقديم كل الأسباب الضرورية من قبل العبد، وأعظم التوكل على الله يكون في الهداية والإيمان والتوحيد، والتوكل قد يكون توكل اضطرار، أو توكل اختيار، وعلينا أن نتوكل عليه في كلا الحالين، والرضا ثمرة التوكل. والوكيل: المدبر القائم بأمور العباد، والموكول إليه تدبير أمر كل شيء، والثقة به، والاعتماد عليه في قضاء الحوائج والمصائب، ودفع المكروه، والوصول إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه، والله يحب المتوكلين. ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾: ربنا: ولم يقل: يا ربنا؛ لأنه يعلم أن الله قريب، ولا يحتاج إلى ياء النداء. ﴿افْتَحْ﴾: من الفتح؛ أي: الفصل؛ ويعني: الكشف؛ أي: افصل بيننا وبين قومنا. قوله: قومنا: تدلُّ على الحنان والرأفة، ولم يقل: (أعدائنا). والفتح قد يعني: النصر من دون قتال، أو حرب، والفتح: أصله إزالة الإغلاق، واستعمل في الحكم، أو القضاء الذي يزيل الإشكال، أو الاختلاف في الأمر. ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾: الحق: الشيء الثابت الذي لا يتغير؛ أي: احكم بنصر الحق على الباطل، والإيمان على الكفر. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾: خير الفاتحين يشمل خير الناصرين، والمظهرين للحق، والفاصلين. سورة الأعراف [٧: ٩٠] ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾: بعضهم لبعض، أو للذين آمنوا من قومه، أو لمن ينوي اتباع شعيب.
следующие страницы →