Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
﴿الْمُفْسِدِينَ﴾: أيْ: ماذا حلّ بالذين جاؤوا من قبلكم، من المفسدين في الأرض؛ الذين كذبوا رسلهم؛ كيف أهلكهم الله سبحانه؛ بسبب ذنوبهم؛ أمثال: قوم لوط، ونوح، وعاد، وثمود. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠٥)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ٨٧]
﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية. إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال والشك.
﴿طَائِفَةٌ﴾: جماعة منكم، وسُمِّيت طائفة: جماعة تطوف؛ أيْ: تؤمن بعقيدة، أو فكرة ما، أو مبادئ، وقيم واحدة.
﴿مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ﴾: من التكاليف، والتوحيد، والطاعة.
﴿وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا﴾: استمروا في تكذيبهم، وعنادهم.
﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى﴾: حتى: حرف نهاية الغاية، فكلا الطائفتين عليهم التحلِّي بالصبر.
﴿يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾: بأن يظهر الحق؛ فينجِّي الذين آمنوا، ويعذب الكافرين بكفرهم.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: أفضل القضاة، وأفضل الحكماء، خير الحاكمين من الحكم؛ أي: القضاء أو الحكام، أو مشتقة من الحكمة؛ أيْ: أحكم الحكماء. وقيل: الحكام تعني: الاسم والمراد بالحاكمين تعني الوصف وفي هذه الآية: حضٌّ للمؤمنين بالصبر على أذى الكفار، وأن نصرة الله آتية لا محالة.
стр. 1612
سورة الأعراف [٧: ٨٨]
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾:
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾: الملأ: وجهاء القوم، وسادة القوم.
وكلمة الملأ مشتقة من ملأ؛ أي: البارزون، والظاهرون في كل مجلس، والمتحدثون باسم القوم الذين استكبروا. ارجع إلى الآية (٧٥) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان، وسورة البقرة آية (٨٧).
﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾: لنخرجنَّك: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد على إخراجه.
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾: الملة في هذه الآية تعني: الطريقة التي استمروا عليها، وسلكوها، وتعني: الشعور بالانتماء إلى جماعة مذهبها، أو عقيدتها واحدة، أو متقاربة.
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾: اللام: والنون: للتوكيد. ولتعودنَّ: أيْ: أنت والذين آمنوا معك، والسؤال: وهل كان شعيب، والذين آمنوا معه على ملتهم سابقاً؛ ليقول: لتعودنَّ إلى ملتنا، وانظر إلى الجواب في ملحق الآية.
﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾: قال شعيب: أولو: الهمزة: للاستفهام، والاستبعاد، والتعجب؛ أيْ: أتخرجوننا، أو تعيدوننا، ونحن كارهون لملتكم.
من هذه الآية: نفهم أن شعيباً ﵇ كان أمام أحد الخيارين: إما الإخراج مع
стр. 1613
الذين آمنوا معه، أو العودة إلى ملة الكفر، والشرك، والسؤال هنا: هل كان شعيب على ملة الكفر قبل بعثه؛ لكي يقولوا له: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾؟ في ملتنا، وليس إلى ملتنا؟
الجواب: لا شعيب ﵇، ولا أيُّ نبيٍّ مرسل كان قبل بعثته في ملّة الكفر، أو الشرك.
﴿لَتَعُودُنَّ﴾: الخطاب كان موجَّهاً إلى أتباع شعيب؛ خاصَّةً الذين آمنوا معه، وبما أن شعيباً ﵇ واحد منهم؛ فهم قد غلبوا لفظهم؛ لكثرتهم، أو هو ضم نفسه إلى جملتهم، وهذا ما يسمَّى إجراء الكلام على حكم التغليب.
سورة الأعراف [٧: ٨٩]
﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾:
فردَّ شعيب على إنذارهم له قائلاً:
﴿قَدِ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمَّد، المختلق.
﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: بصيغة النكرة؛ ليشمل كلَّ أنواع الكذب؛ مهما كان صغيراً، أو كبيراً.
﴿إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد المستحيل، أو الندرة؛ أيْ: من المستحيل أن نعود في ملتكم: ملة الكفر، والشرك؛ لأن الشرك هو افتراء على الله، والعودة فيها، أو كيف يأمرهم شعيب بالإيمان بالله وحده، وطاعة الله سبحانه، والإيفاء بالكيل، والميزان، ثم يأمرهم مرة أخرى بالكفر، والشرك؛ فهذا يعتبر كذباً على الله -جل وعلا-.
стр. 1614
﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾: منها: أيْ: من ملة الكفر، والشرك.
﴿نَجَّانَا﴾: ولم يقل: أنجانا: نجى: للتلبث، والتمهل في النجاة.
وأنجى: للإسراع في النجاة؛ أي: الزمن أقصر؛ مقارنة بـ: ﴿نَجَّانَا﴾: تحتاج زمن أطول.
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا﴾: أيْ: أنه مستحيل أن نعود إلى الشرك، أو الكفر.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿أَنْ﴾: شرطية؛ تفيد القلة، أو المستحيل، ولم يحدث قط أَنْ شاء الله لعباده الكفر، أو الشرك.
﴿يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا﴾: جمع الألوهية، والربوبية معاً؛ بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾.
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾: أيْ: أحاط علمه بكل شيء: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ﴾، ويعلم ما في الصدور، وما يجول في العقول.
﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾: تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر؛ أيْ: لا نتوكل إلا عليه وحده، على الله وحده نتوكل أن يدبر، ويتولى أمرنا في منع الملأ الذين استكبروا من إخراجنا، أو إكراهنا على الردة إلى الكفر.
والتوكل في اللغة معناه: تفويض، وثقة، واعتماد، واصطلاحاً: هو الاعتماد على الله تعالى والثقة به، والالتجاء إليه في السراء والضراء، وفي كل حركة وسعي، ويعني: تفويض الأمر؛ أيْ: رده إلى الله سبحانه؛ أي: الاستعانة به في جميع الأمور والرجوع إليه في كل الأحوال؛ لأنه يملك تدبير كل الأمور، والقادر
стр. 1615
على جلب النفع، ودفع الضر؛ راجياً عونه، وتيسيره، وتوفيقه للوصول إلى الغاية بعد تقديم كل الأسباب الضرورية من قبل العبد، وأعظم التوكل على الله يكون في الهداية والإيمان والتوحيد، والتوكل قد يكون توكل اضطرار، أو توكل اختيار، وعلينا أن نتوكل عليه في كلا الحالين، والرضا ثمرة التوكل. والوكيل: المدبر القائم بأمور العباد، والموكول إليه تدبير أمر كل شيء، والثقة به، والاعتماد عليه في قضاء الحوائج والمصائب، ودفع المكروه، والوصول إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه، والله يحب المتوكلين.
﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾: ربنا: ولم يقل: يا ربنا؛ لأنه يعلم أن الله قريب، ولا يحتاج إلى ياء النداء.
﴿افْتَحْ﴾: من الفتح؛ أي: الفصل؛ ويعني: الكشف؛ أي: افصل بيننا وبين قومنا. قوله: قومنا: تدلُّ على الحنان والرأفة، ولم يقل: (أعدائنا).
والفتح قد يعني: النصر من دون قتال، أو حرب، والفتح: أصله إزالة الإغلاق، واستعمل في الحكم، أو القضاء الذي يزيل الإشكال، أو الاختلاف في الأمر.
﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾: الحق: الشيء الثابت الذي لا يتغير؛ أي: احكم بنصر الحق على الباطل، والإيمان على الكفر.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾: خير الفاتحين يشمل خير الناصرين، والمظهرين للحق، والفاصلين.
سورة الأعراف [٧: ٩٠]
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾:
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾: بعضهم لبعض، أو للذين آمنوا من قومه، أو لمن ينوي اتباع شعيب.
стр. 1616
﴿لَئِنِ﴾: اللام: لام التوكيد، إن: شرطية، وجواب الشرط: هو قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾.
﴿اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾: آمنتم به، وصدقتموه فيما يقوله لكم.
﴿إِنَّكُمْ﴾: إنَّ: للتوكيد.
﴿إِذًا﴾: تفيد التوكيد.
﴿لَخَاسِرُونَ﴾: اللام: لزيادة توكيد الخسارة. والسؤال: لماذا سيخسرون؟ أيْ: إنهم إن اتبعوا شعيباً؛ سيخسرون ما كان سيأخذونه من أموال الناس بالباطل من جراء التلاعب بالكيل، والميزان، ومن جراء بخس الناس أشياءهم، أو لن ننصركم، أو نساعدكم.
سورة الأعراف [٧: ٩١]
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾:
الفاء: للتعقيب، والمباشرة، أو السرعة.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: دمرتهم، أو أهلكتهم الزلزلة الشديدة.
﴿فَأَصْبَحُوا﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿فِى دَارِهِمْ﴾: في بلدهم، أو موطنهم، والدار؛ أي: المسكن.
﴿جَاثِمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٨) من نفس السورة.
سورة الأعراف [٧: ٩٢]
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾:
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾:
﴿كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: هم في الحقيقة قد غنوا أثناء إقامتهم، وعاشوا في
стр. 1617
رغد العيش، وطال مقامهم، ولكن ما حدث لهم حين أخذتهم الرجفة؛ فأصبحوا في دارهم جاثمين؛ كأنهم لم يغنوا فيها، ويعمروا تلك الديار، ويقيموا فيها.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
تكرار ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾: يفيد في أمرين: يثبت لهم أنهم قد غنوا فيها؛ أيْ: في الدنيا، وعاشوا رغداً، ويثبت لهم الخسران: ﴿كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.
ولو حذف ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾: الثانية؛ لأثبت لهم الغنى، ورغد العيش، ونفى عنهم الخسران؛ بحيث يكون السياق: الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها، وكأنهم كانوا هم الخاسرين.
وقد تعني: كأن لم يغنوا فيها؛ أيْ: في الدنيا؛ لأنه كان غنى ومتاع زائل غير دائم، وقصير مهما طال مقارنة بمتاع، وغنى الآخرة.
﴿كَانُوا هُمُ﴾: هم: تفيد التوكيد.
﴿الْخَاسِرِينَ﴾: لأنفسهم ولأهلهم.
سورة الأعراف [٧: ٩٣]
﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾:
﴿فَتَوَلَّى﴾: الفاء: تدل على التعقيب، والسرعة؛ أيْ: لما رأى شعيب نزول العذاب بهم؛ تولى عنهم، وتركهم وولى ظهره إليهم، هو والذين آمنوا معه.
﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ﴾: قول فيه حزن، وأسىً على قومه.
﴿لَقَدْ﴾: اللام: لام التوكيد، قد: للتحقيق، والتوكيد.
﴿أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّى﴾: أبلغتكم، وأخبرتكم بكل ما أوحي إلي، وأُنزل عليَّ من ربي، والبلاغ: هو إيصال الخبر مع البيان، والفهم.
стр. 1618
﴿رِسَالَاتِ رَبِّى﴾: جمع رسالة، أو مجموعة رسالات: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، رسالة التوحيد، رسالة الإصلاح، رسالة الشكر على نعمه.
﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾: النصح: هو الإلحاح على الشخص، أو القوم؛ ليثوب إلى رشده، وأن يتبع منهج الحق.
﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾:
﴿فَكَيْفَ﴾: استفهام، واستبعاد، وحسرة.
﴿آسَى﴾: الأسى: شدة الحزن؛ فقد اشتدَّ حزنه على قومه بعد أن أخذتهم الرجفة؛ فأصبحوا جاثمين ميتين، بلا حراك.
ثم أنكر على نفسه، فقال: كيف يشتد حزني ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾، ماتوا وهم كفار، وكانوا مصرين على الكفر، وثبتوا عليه.
سورة الأعراف [٧: ٩٤]
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِنْ نَّبِىٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النافية.
﴿أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ﴾: القرية: تمثل المدينة، أو العاصمة في زمننا الحاضر.
﴿مِنْ نَّبِىٍّ﴾: من: الابتدائية، استغراقية. في الآية إضمار: أيْ: فكذب أهلها النبي، ولم يصدِّقوه، ويؤمنوا به.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
стр. 1619
﴿أَخَذْنَا﴾: عاقبنا، أو أصبنا أهلها.
﴿أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ﴾: أي: البؤس، والفقر، والجدب، والقحط، والشدة، والمشقة؛ كالحرب، والدمار، والزلازل، والبراكين، والمجاعة العامة، والأوبئة والكوارث الجوية.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرض، ونقص في الأموال، والثمرات، والأنفس. وقيل: الضراء: مصيبة تصيب الإنسان نفسه مثل المرض، ونقص في الأموال، والأنفس، والثمرات، والبأساء: تصيب الجميع.
﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾: لعلَّ: للتعليل، ولم يقل: يتضرعون. يضرعون: تدل على المبالغة في التضرع والكثرة، ويتضرعون طول التضرع، وكثرة العدد.
﴿يَضَّرَّعُونَ﴾: إظهار الضراعة؛ أي: الخضوع، والتذلل لله تعالى؛ بالدعاء، والطاعة، ويبدلوا ما بأنفسهم من استكبار وتكذيب، والبأساء، والضراء: وسيلتين لتنبيه الإنسان من غفلته، ويعود إلى منهج الله تعالى، ويصلح شأنه، أو وسيلتين للابتلاء، أيصبر، أم يشكر، وإذا استمر على كفره وشركه، ولم يتب، عندها يبدل الله مكان السيئة الحسنة، ويتركه وشأنه، ثم إذا ازداد بطره؛ أخذه أخذ عزيزٍ مقتدرٍ.
ولمعرفة المزيد في الفرق بين ﴿يَضَّرَّعُونَ﴾: و ﴿يَتَضَرَّعُونَ﴾: فارجع إلى الآية (٤٢) من سورة الأنعام؛ للبيان.
سورة الأعراف [٧: ٩٥]
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي، ثم إذا لم يتعظوا بعد البأساء والضراء، ويرجعوا عن حالتهم، ويتضرعوا.
﴿بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾: السيئة: كل ما يسوء النفس؛ مثل: الفقر،
стр. 1620
والخوف، والمرض. الحسنة: الغنى، والصحة، والأمن، والرخاء. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١)؛ لمزيد من البيان.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية انتهاء الغاية.
﴿عَفَوْا﴾: كثروا، ونموا في أنفسهم، وأموالهم، وكثرت خيراتهم، وحسنت حالتهم المعاشية من كل النواحي.
﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾: أيْ: أبطرتهم النِّعم، ونسوا البأساء والضراء التي مستهم، وفسروا ذلك بأنها مجرد سنن كونية، قد مسَّت آباءَهم من قبل، ثم تحولَّت الضراء إلى سراء.
وحين لم يعد هناك أمل في إيمانهم، وعودتهم إلى طريق الهداية.
﴿فَأَخَذْنَاهُم﴾: الفاء: للترتيب والتعقيب دون إمهال.
﴿فَأَخَذْنَاهُم﴾: بالعذاب.
﴿بَغْتَةً﴾: على حين غرّة، أو فجأة.
﴿وَهُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾: أن هناك شراً يحيق بهم، وهم على غير استعداد، وحيطة للنجاة، ولا يشعرون أن أجلهم قد اقترب ودنا.
стр. 1621
سورة الأعراف [٧: ٩٦]
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة، لو: شرطية.
﴿أَنَّ﴾: تفيد التوكيد.
﴿أَهْلَ الْقُرَى﴾: عامة، أينما كانوا.
﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾: آمنوا بالله ورسله، وما أنزل عليهم من ربهم، وأطاعوا واتقوا: بامتثال أوامر الله ، واجتناب نواهيه.
﴿لَفَتَحْنَا﴾: اللام: لام التوكيد.
﴿لَفَتَحْنَا﴾: من الفتح؛ يعني: التيسير.
﴿عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾: بركات: جمع بركة، وهي الزيادة، والنمو، ودوام النِّعم، والخير الإلهي، واشتقت من البروك، وهو اللزوم، والثبوت؛ ثبوت في البركة، أو دوام الخير الإلهي، والبركة لا تسند إلا لله -جل وعلا-.
﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾: خيرات السماء من المطر، والطاقة الشمسية، والنجوم: هي أفران نووية شديدة يخلق لنا فيها ربنا من غاز الهيدروجين كل العناصر؛ مثل: الحديد، والذهب، والنحاس، والبلاتين من عمليات الاندماج
стр. 1622
النووي داخل النجوم، النجوم حين تبلغ مرحلة الكهولة تنفجر، وتتناثر العناصر المركبة منها على الأرض، كما حدث للحديد.
﴿وَالْأَرْضِ﴾: النبات، والزرع، وكنوز الأرض من الذهب، والفضة، والمعادن الأخرى، والبترول، والغاز.
﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾: ولكن: حرف استدراك، كذبوا: بالآيات، والرسل، وبما أنزل إليهم من ربهم.
﴿فَأَخَذْنَاهُم بِمَا﴾: الفاء: للتعقيب، والسرعة، أخذناهم: بالعذاب، أو العقاب، أو الإهلاك.
﴿بِمَا﴾: الباء: للتعليل، أو باء السببية. ما: اسم موصول، أو مصدرية.
﴿كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: من الشرك، ومن المعاصي، والفساد.
سورة الأعراف [٧: ٩٧]
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾:
﴿أَفَأَمِنَ﴾: الهمزة: للاستفهام، والإنكار، والتعجب، والفاء: للتعقيب، والمباشرة، وباء السببية ما قبلها سبب ما بعدها لقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُم﴾، ولذلك فلا يأمنوا أن يأتيَهُم العذاب، بسرعة، أو بغتة.
﴿أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا﴾: أيْ: أفأمن أهل القرى أن ينزل بهم عذابنا.
﴿بَيَاتًا﴾: أيْ: ليلاً.
﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾: أكَّد على كونهم نياماً، وليلاً (بياتاً)، ولا يعني حتماً أنهم نائمون، وإنما أكثرهم نائمون.
стр. 1623
سورة الأعراف [٧: ٩٨]
﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾:
﴿أَوَأَمِنَ﴾: الهمزة: للاستفهام، والإنكار، والتعجب، والواو للعطف أو التخيير.
﴿أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا﴾: ارجع إلى الآية السابقة، وتكرار ﴿أَهْلُ الْقُرَى﴾ مرتين: للإنذار، والتوكيد.
﴿ضُحًى﴾: نهاراً، وأصل الضحى: أول النهار.
﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: لماذا ذكر : ﴿يَلْعَبُونَ﴾: بدلاً من يشتغلون، أو يعملون؛ لأن أعمالهم مهما عظمت إذا كانت تلهيهم عن طاعة الله؛ فهي لعب ولهو؛ مقارنة بالأجر العظيم الذي فاتهم.
سورة الأعراف [٧: ٩٩]
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾:
﴿أَفَأَمِنُوا﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكار، وتعجب؛ أيْ: أغرّهم تأخير بأسه عنهم، وبعدم مجيئه بياتاً، فأمنوا مكر الله سبحانه.
﴿مَكْرَ اللَّهِ﴾: المكر: هو التدبير الخفي، الذي يبيته الإنسان لخصمه، وخصمه لا ينتبه إليه، وهل يمكر الله سبحانه، أو يحتاج إلى أن يمكر بالعبد، أو بأهل القرى؛ أبداً ـ حاشا لله ـ؛ لأن المكر يدل على ضعف الذي يقوم به، ولكونه ضعيفاً فهو يمكر، ولو كان قوياً؛ لما فعل ذلك، واستعمال هذه الكلمات في الأداء البياني؛ هو فقط للمشاكلة في اللفظ.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا﴾: إلا: أداة حصر.
стр. 1624
﴿الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾: لأنفسهم، وأهليهم.
سورة الأعراف [٧: ١٠٠]
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾:
﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام، والتوبيخ.
﴿يَهْدِ﴾: يتبيَّن، أو يتضح.
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾: أيْ: ورثوها عن غيرهم، ولم تكن ملكاً لهم سابقاً.
﴿أَنْ﴾: المخففة؛ تفيد التوكيد.
﴿لَّوْ نَشَاءُ﴾: لو: شرطية، أصابهم بذنوبهم.
﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: الباء: للتعليل؛ أيْ: عذبناهم بسبب ذنوبهم، كما عذبنا الذين من قبلهم.
﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أيْ: لو نشاء كذلك؛ لطبعنا على قلوبهم، فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر، والطبع على القلب أشد من الختم.
﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: ما يتلى عليهم من الآيات، والمواعظ، والنذر؛ أيْ: لا يفهمون ما يوعظون به، أو يطلب منهم؛ حتى يهلكوا، كما حدث للذين من قبلهم.
стр. 1625
سورة الأعراف [٧: ١٠١]
﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة؛ يفيد البعد، إشارة إلى قرى نوح، وعاد، وثمود، ولوط، وشعيب ﵈.
﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾: يا محمد ﴿مِنْ أَنبَائِهَا﴾: أخبارها المهمة. من: بعضية، بعض أنبائها، وهناك أنباء أخرى لم نقصها عليك.
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: عاطفة، لقد: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات، والدلائل على نبوَّة الرسل، وبالآيات، وبالتوحيد، وقدرة، وعظمة الله -جل وعلا-، وأنه الإله الحق، واجب الوجود الذي يجب أن يُعبد، وإذا قارنا جاءتهم رُسُلهم وقوله تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ [المائدة: ٣٢]: نجد أن رسلنا تأتي في سياق عما جاء به الرسل عن الله تعالى ورسلهم تأتي في سياق موقف القوم من الرسل، وسياق الدعوة والإعراض والتحدي والنفع وفائدة الرسل.
﴿فَمَا﴾: الفاء: للتوكيد، ما: النافية.
﴿كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: ليؤمنوا: اللام: للتوكيد؛ أي: استمروا على التكذيب، وعدم الإيمان، من بعد إرسال الرسل إليهم، كما كذبوا، ولم يؤمنوا من قبل إرسال الرسل إليهم، ومجيئهم بالمعجزات، والآيات، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٧٤) في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ إضافة به تجعل التكذيب مقيداً، أما حذفها كما في آية الأعراف تجعل التكذيب مقيداً من نوع المطلق؛ أي: الأقوام كذبوا بما جاء به
стр. 1626
الرسل تكذيب عام، أو تكذيب مقيد بأمر ما، وعندما أطلق قال تعالى: ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ ولما قيد قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: قوم فرعون.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾: أيْ: مثل ذلك الطبع؛ الذي طبع الله به على قلوب كفار الأمم السابقة، فلم يؤمنوا برسلهم، يطبع الله على قلوب كفار مكَّة، والذين من بعدهم إذا لم يؤمنوا بعد بالرسول ﷺ ، والقرآن، وما نزل به الوحي.
سورة الأعراف [٧: ١٠٢]
﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: حرف نفي.
﴿وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾: أيْ: وما وجدنا للكفار، من عهد، فأكثرهم ينقضون عهودهم، ولا يوفون بها، والقليل منهم من يحافظ على عهده، ويوفي به.
﴿لِأَكْثَرِهِم﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿مِّنْ﴾: استغراقية، تشمل كلَّ عهد على السمع، والطاعة، وعدم الشرك. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٧)؛ لبيان معنى العهد، والميثاق.
﴿وَإِنْ﴾: للتوكيد.
﴿وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾: لفاسقين: اللام: للتوكيد؛ أيْ: وجدنا أكثرهم فاسقين، خارجين عن طاعة الله، ولا يوفون بعهودهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٦)؛ لمزيد من البيان في معنى فاسقين.
стр. 1627
سورة الأعراف [٧: ١٠٣]
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي في الزمن.
﴿بَعَثْنَا﴾: ولم يقل: أرسلنا. البعث؛ يعني: أن يبعث الله تعالى رسولاً، أو نبياً؛ لإحياء منهج رباني سابق اندثر، زالت معالمه، بينما الإرسال؛ يعني: يرسل الله تعالى رسولاً بشيء جديد لم يعلمه الناس، برسالة جديدة، أو تغيير، أو تعديل حسب الزمان، والمكان، والبعث أشد من الإرسال؛ أيْ: يحتاج إلى عمل أقوى، وجهد أشد، ومشقة، والبعث فيه معنى الإثارة، والتهيج، وهو أعم من الإرسال. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ لمزيد من البيان.
﴿مِنْ بَعْدِهِم﴾: من: الابتدائية؛ تعني: بزمن قصير، أو مباشرة من بعدهم؛ تعني: الرسل؛ الذين ذكروا سابقاً، وهم: نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ولوط ﵈.
﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ﴾: موسى بآياتنا: التسع؛ مثل: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والسنون، والطوفان، والطمس على أموالهم، وقدَّم الآيات على فرعون، ولم يقل: بعثنا موسى إلى فرعون وملئه بآياتنا؛ للاهتمام بها.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: فرعون: لقب لمن كان يحكم مصر قديماً، والفراعنة شكلوا أو كانوا (١٩) أسرة، آخرهم الأسرة التاسعة عشر، وموسى ﵇ أدرك فرعون المسمى رمسيس الثاني، ويطلق عليه رمسيس الأكبر، وهو الذي ربى موسى، والذي أطلق عليه فرعون الاضطهاد الذي اضطهد بني إسرائيل وحكم مصر (٦٧ سنة)، وكان
стр. 1628
له أولاد منهم منفتاح الأول، وهو الابن الثالث عشر لرمسيس الثاني (الأكبر) شارك أباه في الحكم وتولى الحكم بعد وفاة أبيه، وحكم حوالي (١٠ سنوات)، فموسى أدرك الأب (رمسيس الثاني) وأدرك الابن (منفتاح) الذي أطلق عليه فرعون الخروج فحين يذكر اسم فرعون قد يكون الأب أو الابن أو كلاهما، ولذلك يجب الانتباه إلى السياق في الآيات.
﴿وَمَلَإِيهِ﴾: ولم يقل: إلى فرعون وقومه، وملئه: أيْ: وجهاء القوم، وسادة القوم، وكلمة الملأ مشتقة من ملأ العيون؛ أي: المتحدثون باسم القوم، أو الشعب، والظاهرون للعيون؛ أيْ: ممثلو الشعب، والوزراء، والنواب.
﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾: كذَّبوا بها، أو جحدوا بها، وإذا قارنا هذه الآية (٧٥) في سورة يونس: نجد أنه في آية الأعراف قدم الآيات على فرعون وملئه، وفي يونس قدم فرعون وملئه على الآيات، والتقديم أو التأخير عادة يكون للأهم أو الأفضل، فالآيات في آية الأعراف الأهم؛ لأنها كانت محور الجدال بين موسى وفرعون، وفي يونس لم يذكر أي تفاصيل عن الآيات، كما ذكر في الأعراف لذلك قدم فرعون وملئه.
﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾:
﴿فَانظُرْ﴾: نظرة اعتبار، وتدبُّر، نظرة: قلبية، فكرية.
﴿كَيْفَ﴾: استفهام فيه تعجُّب.
﴿كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: عاقبة: أيْ: عقاب، وعذاب المفسدين. ارجع إلى الآية (٨٦) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان في معنى عاقبة.
﴿الْمُفْسِدِينَ﴾: جمع مفسد، والمفسد: هو الذي يخرج عن حد الاستقامة،
стр. 1629
والاعتدال، والفساد لغةً: ضد الصلاح، والفساد اصطلاحاً: هو انفلات الفرد، أو المجتمع بالخروج عن منهج الله تعالى. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠٥)؛ لمزيد من البيان في معنى المفسدين، وإذا قارنا المفسدين بقوله تعالى: (المجرمين) كما في الآية (٨٤) في نفس السورة: نجد أن المجرمين أشد وأعم من المفسدين؛ المفسدين: قسم من المجرمين.
سورة الأعراف [٧: ١٠٤]
﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
تصوِّر لنا هذه الآية أول لقاء بين موسى ﵇، وفرعون بعد رجوع موسى من مدين (فرعون الابن). ارجع إلى الآية (١٠٣) في نفس السورة لبيان من هو فرعون، وبعد أن كلمه ربه ، فقال له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾: فهذا موسى يقدِّم نفسه لفرعون على أنه أصبح رسولاً مرسلاً من رب العالمين، وتعني أيضاً: إنك يا فرعون لست الربَّ، كما تزعم، وتقول: أنا ربكم الأعلى.
﴿إِنِّى﴾: ولم يقل: أنا رسول من رب العالمين، إني: أكثر توكيداً.
﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: رب الجن، والإنس، والملائكة، ورب كل شيء. ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (٢)؛ لمزيد من البيان.
стр. 1630
سورة الأعراف [٧: ١٠٥]
﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾:
﴿حَقِيقٌ﴾: واجب، أو حريص، أو جدير.
﴿عَلَى أَنْ لَا﴾: على: تفيد العلو، أن: حرف مصدري؛ تفيد التعليل، والتوكيد.
﴿لَا﴾: الناهية.
﴿أَقُولَ عَلَى اللَّهِ﴾: أيْ: لا أخبر على الله بأي شيء من عندي، وفي قراءة أخرى: حقيقة عليَّ: بتشديد الياء، وفتحها.
﴿إِلَّا﴾: للحصر، حصراً هو الحق من عند ربكم.
﴿الْحَقَّ﴾: الصدق، والشيء الثابت الذي لا يتغير، ولا يتبدل؛ أيْ: ما نزل به الوحي إليَّ من ربي.
﴿قَدْ﴾: للتحقيق، والتوكيد.
﴿جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: حُجَّة من ربكم، وبرهان ساطع، أو معجزة من ربكم، وهي العصا، واليد.
﴿فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: الفاء: للتوكيد؛ أي: اترك بني إسرائيل يخرجون معي إلى الأرض المقدسة؛ أيْ: أطلق سراحهم؛ إذ كانوا ممنوعين من الخروج من مصر، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٤٧) في سورة طه وهي قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ
стр. 1631
مَعَنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾، وفي آية الأعراف: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾؛ في سورة طه السياق كان في موسى وهارون، وفي الأعراف السياق معظمه في موسى وحده ﵇.
سورة الأعراف [٧: ١٠٦]
﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾:
﴿قَالَ﴾: فرعون لموسى: ﴿إِنْ كُنْتَ﴾: إن: شرطية؛ تدل على الاحتمال.
﴿جِئْتَ بِآيَةٍ﴾: بمعجزة، أو دليل، أو برهان.
﴿فَأْتِ بِهَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ تفيد التوكيد، أرنا إياها، أو أخرجها لنا، أو أحضرها إلينا.
﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الشك بأن تكون من الصادقين؛ أيْ: إنك من الكاذبين.
﴿كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: فيما قلت، أو زعمت.
سورة الأعراف [٧: ١٠٧]
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾:
﴿فَأَلْقَى﴾: الفاء: تدل على الترتيب، والتعقيب، والمباشرة.
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾: أيْ: ألقى موسى عصاه على الأرض، طرحها على الأرض، هذا هو الإلقاء الثاني للعصا، فهناك الإلقاء الأول: كان بعد رجوع موسى من مدين، وعند الطور الأيمن، أمام رب العالمين.
وهذا هو الإلقاء الثاني: أمام فرعون.
وأما الإلقاء الثالث: فسيكون أمام السحرة، والناس في يوم الزينة.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للتوكيد، إذ: الفجائية؛ ظرف للزمان، أو المكان.
﴿هِىَ﴾: تفيد الحصر، والتوكيد.
﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: حية عظيمة، ضخمة، مخيفة، من أعظم الحيات، والثعبان هو الذكر، ففي هذه الآية وصف العصاة بأنها ثعبان مبين فهي ليس حية أو كأنها
стр. 1632
جان، وإنما ثعبان مبين خاص ليراه فرعون في كل مرة لعله يخاف ويرتدع، وأما لموسى فقد تظهر كحية أو كأنها جان، ولم يذكر الخوف، ولم يعقب؛ لأن موسى الآن في موقف التحدي وبعد أن علم حقيقة العصا، كما رأينا في سورة طه آية (٢٠)، وسورة النمل آية (١٠).
وفي سورة طه، الآية (٢٠)، وصفها بأنها حية تسعى، فقال: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾؛ لأن موسى كان وحده بعد رجوعه من مدين. ارجع إلى سورة طه لمزيد من البيان.
وفي سورة النمل، الآية (١٠): وصفها بأنها: جان وكان موسى لوحده، فهذه العصا بقدرة الله -جل وعلا- قادرة على أن تأخذ شكل ثعبان، أو حية، أو جان. ارجع إلى سورة النمل لمزيد من البيان.
﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: ظاهر لكل إنسان يراه، وليس من نوع السحر، وملامحه وشكله المخيف لا تدعو إلى الشك.
سورة الأعراف [٧: ١٠٨]
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾:
﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾: من جيبه؛ أيْ: أخرج يده بعنف، وعسر.
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. إذا: تفيد الفجائية.
﴿هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾: من غير سوء؛ أيْ: أدخل يده في جيبه، والجيب في الأصل: هو مكان دخول الرأس في الثوب، ثم أخرجها فإذا هي تشع كالشمس من غير سوء، ليس فيها أي عيب؛ كالبرص، أو غيره؛ أيْ: هذا البياض ليس مرضاً، وبين ذلك في آية أخرى قال سبحانه: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢].
أيْ: أدخل يدك في جيبك، ثم أخرجها (انزعها): تخرج ﴿بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ من غير سوء.
стр. 1633
سورة الأعراف [٧: ١٠٩]
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿الْمَلَأُ﴾: هم سادة القوم، ممثلو القوم (أو الشعب) من قوم فرعون. ارجع إلى الآية (٧٥) وآية (١٠٣) من نفس السورة،؛ لمزيد من البيان.
﴿قَالُوا﴾: لما شاهدوا تحوُّل العصا إلى ثعبان مبين.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة؛ يفيد القرب.
﴿لَسَاحِرٌ﴾: اللام: لام التوكيد.
﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير العلم في علم السحر، وفي سورة الشعراء آية (١٣٧) قال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ كان هذا رد الملأ على سؤال فرعون لهم فماذا تأمرون للمبالغة؛ فقد تأثروا بما حدثهم فرعون عن تربية موسى في قصره. ارجع إلى سورة الشعراء للبيان.
سورة الأعراف [٧: ١١٠]
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾:
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم﴾: أن: للتوكيد.
﴿يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾: أرضكم: أرض مصر، وفي آية أخرى، قال: ﴿يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥]. آية الشعراء من قول فرعون فهو يؤكد لهم أن ما جاء به موسى هو السحر كي لا يؤمنوا بموسى.
﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. ماذا: استفهام؛ يفيد توكيد، أشد، وأقوى من: ما تأمرون.
فماذا تأمرون. قيل: هذا كلام فرعون.
يسأل الملأ من حوله: ما رأيهم؟ مما شاهدوه من السحر، فكيف يشاورهم،
стр. 1634
وهو الذي ادّعى أنه ربهم الأعلى، فهذا يدل على ضعفه، أو يحاول أن يستميل قلوب قومه.
وقيل: هذا كلام الملأ، يسأل بعضهم بعضاً.
سورة الأعراف [٧: ١١١]
﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أي: الملأ من قوم فرعون.
﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾: أخِّره، أخِّر هذه المسألة، أو أجِّل، أو اطلب الإرجاء في الحكم، في هذه المسألة.
﴿وَأَرْسِلْ﴾: وأرسل جنودك في كل مدينة، يبحثوا عن السحرة؛ كي يحضروهم إليك، وفي سورة الشعراء آية (٣٦) ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾؛ البعث: معناه الإرسال، وفيه تحريض وإثارة أشد من الإرسال.
﴿فِى الْمَدَائِنِ﴾: في كل مدينة من مدن مصر المدائن، جمع مدينة، وهي القرية الكبيرة.
﴿حَاشِرِينَ﴾: أيْ: يجمعون إليك سحرة كل مدينة، ويسوقونهم إليك.
سورة الأعراف [٧: ١١٢]
﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾:
﴿يَأْتُوكَ﴾: من الإتيان: وهو المجيء بسهولة.
﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾: بكل: الباء: للإلصاق، بكل ساحرٍ عليمٍ. كل: تفيد الاستغراق والشمول، وتعني كل من هو ماهر بفنون السحر، أو صيغة مبالغة؛ أيْ: عليم بعلم السحر.
وفي آية أخرى، قال: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٧]: سحار: أقوى وأعظم سحراً من ساحر؛ أيْ: خبير، أو أستاذ في فن السحر، يُعلِّمُ السحر للآخرين، وفيها مبالغة أشد من ساحر عليم.
стр. 1635
ونفسر القولين: بأن قسم من الملأ من قوم فرعون قالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
وقسم آخر قالوا: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾.
سورة الأعراف [٧: ١١٣]
﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾:
﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾: أيْ: جاؤوا بصعوبة من كل المدائن، أُحضروا بالقوة. فرعون الابن. ارجع إلى الآية (١٠٣) للبيان.
﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾: أيْ: لا بُدَّ أن نؤتى أجراً على حضورنا وقيامنا بالسحر.
﴿إِنَّ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال.
﴿نَحْنُ﴾: للتوكيد.
﴿الْغَالِبِينَ﴾: على موسى وسحره.
لنقارن هذه الآية من سورة الأعراف، مع الآية (٤١) من سورة الشعراء: ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾.
ففي آية سورة الشعراء: قسم من السحرة، قالوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾؛ أيْ: يستفهمون.
وفي آية سورة الأعراف: قسم من السحرة، قالوا: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾: قد حكموا بضرورة وجود الأجر، جاء بصيغة الخبر.
فالقرآن ينقل لنا الصورة كاملة، ما قاله كل طرف، طرف يستفهم، وطرف واثق بأن لهم أجراً، وليس في القرآن تعارض، كما يظن البعض خطأً.
стр. 1636
سورة الأعراف [٧: ١١٤]
﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾:
قال فرعون للسحرة: ﴿نَعَمْ﴾: أيْ: لكم أجر، وأضاف أيضاً، ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
وفي سورة الشعراء، الآية (٤٢): ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾، أضاف إذن: للتوكيد على الوفاء بوعده أن لهم أجراً، وإنهم من المقربين، وأكَّد على كونهم من المقربين بإضافة لام التوكيد حين قال: لمن المقربين إليَّ إذا انتصرتم على موسى.
سورة الأعراف [٧: ١١٥]
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أي: السحرة: ﴿يَامُوسَى إِمَّا﴾: للتخيير، ﴿أَنْ تُلْقِىَ﴾: أن حرف: مصدري؛ يفيد التوكيد.
﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾: إما أن تلقي عصاك أولاً، أو نحن نلقي أولاً.
و ﴿نَحْنُ﴾: يفيد التوكيد.
عند هذا السؤال أوحى الله -جل وعلا- إلى موسى ﵇: بأن يطلب منهم أن يلقوا أولاً؛ حتى تلقف عصاه ما يأفكون.
سورة الأعراف [٧: ١١٦]
﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾:
﴿قَالَ﴾: موسى للسحرة: ألقوا ما أنتم ملقون.
﴿فَلَمَّا﴾: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حين.
﴿أَلْقَوْا﴾: حبالهم، وعصيهم.
﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾: أيْ: حبالهم، وعصيهم، لم تتغيَّر، والذي تغيَّر هو أعين الناس، بسبب السحر؛ فالسحر لا يقلب الحقيقة، والحقيقة تظل كما
стр. 1637
هي، ويراها الساحر على حقيقتها، والناس يرون الحقيقة مختلفة. ارجع إلى سورة طه، آية (٥٨) وسورة البقرة، آية (١٠٢)؛ لبيان معنى السحر.
﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾: أيْ: أدخلوا الرهبة في نفوس الناس الحاضرين، المشاهدين، والرهبة: اضطراب النفس والخوف والشعور بالضعف والهرب.
﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾: أعظم ما عندهم من فنون السحر.
سورة الأعراف [٧: ١١٧]
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾: الوحي: هو إعلام بالخفاء. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان.
﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التوكيد، أو تفسيرية. فإذا: إذا فجائية.
﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾: أي: العصا؛ تتحول إلى ثعبان عظيم، تبتلع ما ألقوه.
﴿تَلْقَفُ﴾: بالضم؛ تعني: الأمر واقع الآن، أما حين يقول: تلقفْ بالسكون: فيعني: السحر لم يقع بعد، وسيقع في المستقبل.
﴿مَا﴾: موصولة، أو مصدرية؛ بمعنى: الذي.
﴿يَأْفِكُونَ﴾: من الإفك، وهو الكذب المتعمد، المختلق؛ أيْ: ما كان السحر الذي جاء به سحرة فرعون إلا كذب مختلق لا يصل إلى الحقيقة بشيء، بل هو أوهام، وتخيلات.
سورة الأعراف [٧: ١١٨]
﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿فَوَقَعَ﴾: الفاء: للتعقيب، والسرعة.
﴿الْحَقُّ﴾: تبيَّن الحق، وظهر، وثبت بشكل حسي، وتبيَّن ما جاء به موسى ﵇، هو الحق؛ أي: الصدق.
﴿وَبَطَلَ﴾: اندحر، وتبيَّن بطلان سحر السحرة.
стр. 1638
﴿مَا كَانُوا﴾: ما: اسم موصول، أو مصدرية.
﴿يَعْمَلُونَ﴾: أيْ: يقولون، أو يفعلون.
سورة الأعراف [٧: ١١٩]
﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾:
﴿فَغُلِبُوا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة.
﴿فَغُلِبُوا﴾: أي: السحرة؛ أي: انهزموا أمام موسى.
﴿هُنَالِكَ﴾: وأمام الناس، وفي مكان الاجتماع، اجتماع السحرة، والناس، وموسى، وفرعون.
﴿وَانْقَلَبُوا﴾: انقلب فرعون وقومه، والانقلاب: هو الرجوع إلى حالة غير التي كانوا عليها قبل إلقاء موسى لعصاه.
﴿صَاغِرِينَ﴾: جمع صاغر، والصغار: الاعتراف بالذل والإقرار به بما لحقهم من الهزيمة والخيبة، أما السحرة؛ فآمنوا عندما رأوا المعجزة، وخرّوا لله ساجدين.
سورة الأعراف [٧: ١٢٠]
﴿وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾:
﴿وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ﴾: أيْ: خرّ السحرة ساجدين لله سبحانه؛ حين رأوا الحق، وعلموا أن ما جاء به موسى ﵇ ليس سحراً، وتيقنوا أن عصا موسى حق؛ عندها لم يتمالكوا أنفسهم. وكلمة ألقى: تدل على سرعة الهوي إلى الأرض.
﴿سَاجِدِينَ﴾: وكلمة ألقي: تدل على أنهم خروا سجداً تلقائياً، من دون تردُّد، وظهرت فطرتهم الإيمانية، وزال عنها الحجاب، وأسرعوا بالعودة إلى فطرتهم الإيمانية، ولم يبالوا بأيِّ تهديد ووعيد من فرعون.
стр. 1639
سورة الأعراف [٧: ١٢١]
﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أي: السحرة: آمنا برب العالمين.
أما في سورة طه، فقالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠].
السؤال: ماذا قال السحرة؟ هل قالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾؟ أم قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾؟
الجواب: كان هناك أكثر من سبعين ساحراً، فهناك من: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، وهناك من قال: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾.
السؤال الثاني: لماذا قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾؟ وقدَّموا هارون على موسى؟
الجواب: لأنهم لو قالوا: رب موسى وهارون؛ فقد يظن أحدٌ ما أن رب موسى هو فرعون الذي رباه حين كان وليداً، ولذلك أخَّر موسى، وقدَّم هارون؛ لأن هارون لم يربِّه فرعون، وأتبع موسى بهارون.
سورة الأعراف [٧: ١٢٢]
﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾:
وحين يقدِّم موسى على هارون يسبقه دائماً بالقول: رب العالمين، رب موسى وهارون، فلم يعد هناك شبهة لغوية، أو بيانية.
стр. 1640
فهم قد آمنوا: أن رب هارون هو رب العالمين، ورب موسى وهارون هو رب العالمين.
سورة الأعراف [٧: ١٢٣]
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٣). للبيان.
﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾: به: تعود إلى الله سبحانه، وقد تعود إلى موسى، أما قوله في سورة الشعراء، الآية (٤٩): ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾: أيْ: صدقتم بموسى، وأطعتموه.
﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾: أن: للتوكيد.
﴿آذَنَ لَكُمْ﴾: أسمح لكم.
﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾:
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التوكيد.
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه، وذا: اسم إشارة.
﴿لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ﴾: المكر: هو التدبير الخفي؛ الذي تبيته لتنال من خصمك من دون أن يعلم بما تفعله؛ أيْ: هذه حيلة، أو خديعة تواطأتم مع موسى في المدينة سابقاً، قبل أن تخرجوا إلى هذا المكان.
﴿لِتُخْرِجُوا﴾: اللام: لام التعليل.
стр. 1641
﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾: أي: القبط، وتسكنون فيها، أنتم فيها؛ يعني: بني إسرائيل.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: وعيد، أجمله، ثم فصَّله في الآية التالية (١٢٤). وسوف: للمستقبل البعيد. فسوف: الفاء: للتوكيد؛ سوف تعلمون: لإدخال الرعب في قلوبهم، ولتدل على جبروته وظلمه.
﴿تَعْلَمُونَ﴾: عاقبة أمركم هذا بالتآمر مع موسى.
سورة الأعراف [٧: ١٢٤]
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾:
﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد.
﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ﴾: من كل شق طرفاً؛ أي: اليد اليمنى، والرجل اليسرى، أو اليد اليسرى، والرجل اليمنى.
﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾: ثم: تفيد التباين، بين القطع والصلب، وتفيد الترتيب، والتراخي بعد القطع تأتي مرحلة الصلب.
﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد، ولم يذكر في هذه الآية كيف سيصلبنهم، ولكن شرح ذلك في الآية (٧١) من سورة طه.
فقال: ﴿فِى جُذُوعِ النَّخْلِ﴾: ارجع إلى سورة طه؛ للبيان.
وإذا نظرنا في سورة الشعراء، الآية (٤٩): نجده يقول: ﴿آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
أضاف اللام في كلمة ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بدلاً من فسوف تعلمون، واللام:
стр. 1642
تفيد التوكيد؛ أيْ: تهديده في آية سورة الشعراء أشد وأقوى من تهديده في آية سورة الأعراف.
سورة الأعراف [٧: ١٢٥]
﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾:
وكأنهم يقولون: إنا لا نبالي بالموت؛ لأنَّا على أي حال ﴿إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾: راجعون، وإنا: إنَّ: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التوكيد، وفي سورة الشعراء، الآية (٥٠): ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
لنقارن هذه الآية (١٢٥) من سورة الأعراف، مع الآية (٥٠) من سورة الشعراء: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾:
إضافة ﴿لَا ضَيْرَ﴾ في سورة الشعراء؛ لأن الوعيد في الشعراء أشدّ، فجاء الرد من السحرة مناسباً للوعيد بقولهم: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
أيْ: هناك من السحرة من قال هذا، وهناك من قال: ﴿لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
سورة الأعراف [٧: ١٢٦]
﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: حرف نفي.
﴿تَنْقِمُ مِنَّا﴾: تعاقبنا، أو تثأر منا.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، أن: حرف مصدري؛ يفيد التوكيد.
﴿آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾: صدقنا بالعصا، وغيرها من المعجزات التسع.
стр. 1643
﴿لَمَّا جَاءَتْنَا﴾: لما: ظرف حين (أو زمن).
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾:
ثم اتجهوا إلى خالقهم، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾: ولم ينادوا: يا ربنا؛ لأنهم يعلمون أنه قريب منهم، ولا يحتاجون إلى أداة نداء.
﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾: أيْ: صب علينا الصبر صباً؛ حتى يفيض ويغمرنا؛ أيْ: هب لنا كل الصبر، الصبر الكثير التام؛ حيث سمعوا ما توعدهم فرعون به: من تقطيع الأيدي، والأرجل، والصلب، وكان قادراً على فعل ذلك.
﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾: ثابتين على الإسلام، والتوحيد، مخلصين لك.
ولم يرد في القرآن ما يدل على أن فرعون نفَّذ وعيده في السحرة، أم لا؟ وما حدث لهم، وقد قال ابن عباس ﵄ عنهم: (كانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة).
سورة الأعراف [٧: ١٢٧]
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾:
وينتقل القرآن بنا إلى ما قاله الملأ من قوم فرعون، ويبدو أن موسى وهارون تركا المكان، ولم يقبض عليهما.
﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٣) من نفس السورة.
﴿أَتَذَرُ﴾: أتترك، والهمزة: همزة استفهام إنكار، وتعجب، موسى وقومه (بني إسرائيل) ﴿لِيُفْسِدُوا﴾: اللام: لام التوكيد، ﴿لِيُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ﴾: بدعوة الناس إلى عبادة الله، وترك عبادة فرعون، ومخالفة أوامرك، وإثارة الفتن.
стр. 1644
﴿وَيَذَرَكَ﴾: أيْ: لا يطيعك موسى، ولا يطيع آلهتك، فكيف تتركه يفعل ذلك.
﴿وَآلِهَتَكَ﴾: قيل: كان فرعون يعتقد أن هناك آلهة في السماء، وآلهة في الأرض، وهو الرب الأعلى في الأرض، كما قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
وقيل: إنه كان لقومه أصنام حجارة يعبدونها، وفرعون لا يبالي بذلك؛ لأنه يظن أنه هو الرب الأعلى.
﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾:
انتبه! الملأ يسألونه عما سيفعله بموسى، وجوابه لم يتطرق إلى موسى، وإنما تطرق إلى قوم موسى الضعفاء؛ فهو يخاف من موسى باطناً، ويخاف الاتصال بموسى، ولا يريد مفاجأة أخرى، كما حدث أمام الناس يوم الزينة.
﴿سَنُقَتِّلُ﴾: السين: للاستقبال القريب.
﴿أَبْنَاءَهُمْ﴾: أي: الأطفال الذكور من بني إسرائيل، ويؤكد على قتل الأبناء، كما فعل سابقاً.
﴿وَنَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ﴾: نبقي نساءهم على قيد الحياة؛ للخدمة، والسخرة.
﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾: وإن حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التوكيد.
﴿قَاهِرُونَ﴾: أيْ: غالبون؛ أيْ: هم تحت سيطرتنا، ونفعل بهم ما نشاء، فالمُلك، والسلطان لنا، وهم شرذمة قليلون، وقولهم قاهرون: تدل على الاستكبار والعلو، وتدل على تمكنهم من بني إسرائيل.
стр. 1645
سورة الأعراف [٧: ١٢٨]
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾:
﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾: هم بنو إسرائيل.
﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾: اطلبوا العون من الله، واصبروا على أذى فرعون وقومه، وما حل بكم، فما لكم إلا الصبر.
﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾:
﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾: إنَّ: تفيد التوكيد، الأرض لله؛ أي: وهو الحاكم، والمالك الحق، وهو يورثها من يشاء من عباده، متى يشاء، وكيف يشاء.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام: لام الاختصاص، والملكية.
﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾: بشارة من موسى لقومه، والعاقبة: الخاتمة للمتقين في الدنيا والآخرة، فما عليكم إلّا الصبر، والصلاة، والتقوى؛ هذا هو سلاحكم.
سورة الأعراف [٧: ١٢٩]
﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾: كرسول، ونبي: بالقتل، والاستحياء، والتسخير؛ أي: الخدمة، أو أُوذينا قبل مجيئك، وقبل ولادتك.
﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾: كرسول، ونبي، وأن الله لم يخلصنا، أو يكشف عنا العذاب، وينجينا من فرعون؛ أيْ: لم يتغير شيء، ويبدو أنهم في حالة يأس، وانهزام نفسي، ولم يحددوا ما جاء به موسى.
انتبه! إلى الفرق بين أتى وجاء: الإتيان: هو أيسر من المجيء، والمجيء:
стр. 1646
يستعمل لما هو أشق، وأصعب، وأشد، ولم يستعمل حرف به بعد كلمة تأتينا، أو بعد كلمة ما جئتنا؛ لأنه لا يريد سبحانه تحديد ما أتاهم، أو ما جاءَهم.
ولو استعمل به وقال: من قبل أن تأتينا به، أو ما جئتنا به؛ لحدد المعنى، ولكن لم يحدد؛ لكي تشمل كلَّ المعاني.
﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾: عسى: فعل ترجي؛ لحصول الفعل في المستقبل؛ أيْ: أرجو من الله، وأطمع أن يهلك عدوكم (فرعون وملئه).
﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: أيْ: يمكن لكم في الأرض دِينكم، والسيادة، والملك، والنجاة من فرعون، وقومه.
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة.
﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام، والتعجب، والتخدير.
﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: هل تشكرونه، ويزداد إيمانكم، أو تكفرون، وتجحدوا نعمه عليكم.
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: سبحانه! هو ينظر لا ليعلم ـ حاشا لله ـ فهو يعلم بكل شيء قبل أن يقع، ولكن لا يريد أن يحكم بعلمه على خلقه، ولكن يريد أن يحكم على خلقه؛ بفعل خلقه؛ حيث ترك لهم الإرادة، والاختيار، وليكون ذلك حُجَّة عليهم، وإقراراً منهم.
سورة الأعراف [٧: ١٣٠]
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام: لام التوكيد، قد: تحقيق وتوكيد.
стр. 1647
﴿أَخَذْنَا﴾: الأخذ يكون باليد، أو اللسان، ويعني: بالعذاب، بقوة وشدة؛ أيْ: بالسنين.
﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾: أتباع فرعون، وأعوانه.
﴿بِالسِّنِينَ﴾: أيْ: بالقحط، والفقر، والمجاعة.
﴿بِالسِّنِينَ﴾: جمع سنة، وتعني: العام، وكلمة السنة في القرآن: تحمل معنى البؤس، والشدة، والقحط، والشر؛ بينما كلمة العام: تحمل معنى الخير، والبركة، والرزق، وهذا من خصائص القرآن.
﴿بِالسِّنِينَ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: ثمرات النخيل، والأعناب، والثمار، والفواكه؛ أيْ: بنقص بالزراعة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: لعلَّ: أداة للتعليل، والترجي، تستعمل في الأمور الممكن تحققها.
﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: تدل على المبالغة في التذكر؛ أيْ: أخذناهم بالسنين، بالقحط، والجدب، ونقص من الثمرات؛ لعلَّ ذلك يحدث لهم هزة قلبية، فيرتدعون، ويتعظون، ويعودون إلى رشدهم بعد طول نسيان، وضلال، وكفر.
стр. 1648
سورة الأعراف [٧: ١٣١]
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب. إذا: ظرفية زمانية للمستقبل، وفيها معنى الشرط، وتدل على حتمية الحدوث.
﴿جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾: من الله، والحسنة: هي كل ما يسر النفس، أو تستحسنه؛ مثل: الغنى، والأمن، وكثرة الرزق، والعافية، والسلامة من الأوبئة.
﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾: أيْ: نحن نستحقها؛ لأننا كذا وكذا، أو أوتيناها على علم، وخبرة، وقدرة.
﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف عطف، إن: شرطية؛ تدل على قلَّة الحدوث.
﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: مثل: بلاء، أو شدة، أو مجاعة، أو وباء عام، أو قارعة، والسيئة: كل ما يسوء النفس، وجاءت بصيغة النكرة؛ لتشمل كلَّ سيئة مهما كانت.
﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾: يطيروا: أدغمت التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد، والطير، والتطير: مشتقة من كيف يطير الطائر؛ حيث كان صاحب الطير في قديم الزمان يزجره، ثم يتركه يطير؛ فإذا طار عن يمينه: أصابه الفأل الحسن، وإن طار يساراً: دل على فأل سيِّئ، فالتطير، أو الطيرة: هي التشاؤم، وضده التفاؤل.
стр. 1649
إذن: إذا أصابتهم سيئة تشاءموا بموسى، ويقولون: كل ما حدث من أشياء سيئة هو والذين آمنوا معه سببُها.
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: ألا: أداة استفهام، وتنبيه.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد.
﴿طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ: سبب شرهم، أو خيرهم هو من عند الله، هو الذي قدَّره لهم، ومن حكمته ومشيئته، وليس من موسى ﵇، أو غير موسى.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: ما هو التطيُّر في الحقيقة؛ هو وهم، ومرض نفسي، وسببه ضعف الشخص، وبدلاً من أن يتَّهم نفسه بالعجز، والكسل، والجهل، يتَّهم غيره ليبرِّر لنفسه تقصيره.
سورة الأعراف [٧: ١٣٢]
﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: أيْ: آل فرعون.
﴿مَهْمَا﴾: قيل: إنها مكونة من مه: بمعنى اكفف، وما: اسم للشرط، مثل ما يفتح الله للناس من رحمة.
وقيل: إنها مكونة من ما: الشرطية، زيدت عليها ما: للتوكيد، مثل: إما يأتينكم، ثم أبدلت الألف الأولى هاء؛ لئلا تتوالى كلمتان من لفظ واحد.
وقيل: مهما: إنها كلمة واحدة، أو قيل: هي ما: المضاعفة؛ بغرض الإبهام.
﴿تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾: مثل العصا، وغيرها؛ لتسحرنا بها؛ لتصرفنا عما نحن
стр. 1650
عليه، فلن نؤمن بك، ونصدقك، فهم لم يميزوا بين المعجزة التي هي حق، وبين السحر الذي هو باطل.
وقولهم: مهما: يدل ذلك على تمادي فرعون في العناد، والضلال، والتحدي، وأنهم لن يقبلوا بأي آية (معجزة)، مهما كانت.
فيكون معنى الآية (مه): كف عن أن تأتينا بآية؛ فلن نصدقك، أو نؤمن لك.
سورة الأعراف [٧: ١٣٣]
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾:
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة؛ أرسلنا على قوم فرعون؛ أي: استجاب الله لدعاء موسى عليهم، وأرسلنا: نون الجمع أو العظمة للدلالة على عظم وهول هذه الآيات، وعليهم: تدل على الشدة والمشقة؛ أي: تمكن هذه الأمراض منهم.
﴿الطُّوفَانَ﴾: المطر الشديد؛ المسبب للغرق، المدمر لمساكنهم، وزروعهم. ارجع إلى سورة العنكبوت، آية (١٤).
﴿وَالْجَرَادَ﴾: أرسله الله؛ لإتلاف الزرع، والثمرات.
﴿وَالْقُمَّلَ﴾: حشرات صغيرة؛ مثل: حشرة السوس؛ تؤذي الزرع، أو الحنطة، وقيل: أولاد الجراد، قبل أن تنبت الأجنحة، والمهم: هو ليس قمل الرأس المعروف.
﴿وَالضَّفَادِعَ﴾: بأعداد كبيرة، تلقي أنفسها في الطعام، أو القدور؛ فتفسد الطعام، وتشمئز منها النفوس.
следующие страницы →