Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
يستعمل لما هو أشق، وأصعب، وأشد، ولم يستعمل حرف به بعد كلمة تأتينا، أو بعد كلمة ما جئتنا؛ لأنه لا يريد سبحانه تحديد ما أتاهم، أو ما جاءَهم.
ولو استعمل به وقال: من قبل أن تأتينا به، أو ما جئتنا به؛ لحدد المعنى، ولكن لم يحدد؛ لكي تشمل كلَّ المعاني.
﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾: عسى: فعل ترجي؛ لحصول الفعل في المستقبل؛ أيْ: أرجو من الله، وأطمع أن يهلك عدوكم (فرعون وملئه).
﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الْأَرْضِ﴾: أيْ: يمكن لكم في الأرض دِينكم، والسيادة، والملك، والنجاة من فرعون، وقومه.
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة.
﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام، والتعجب، والتخدير.
﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: هل تشكرونه، ويزداد إيمانكم، أو تكفرون، وتجحدوا نعمه عليكم.
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: سبحانه! هو ينظر لا ليعلم ـ حاشا لله ـ فهو يعلم بكل شيء قبل أن يقع، ولكن لا يريد أن يحكم بعلمه على خلقه، ولكن يريد أن يحكم على خلقه؛ بفعل خلقه؛ حيث ترك لهم الإرادة، والاختيار، وليكون ذلك حُجَّة عليهم، وإقراراً منهم.
سورة الأعراف [٧: ١٣٠]
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام: لام التوكيد، قد: تحقيق وتوكيد.
стр. 1647
﴿أَخَذْنَا﴾: الأخذ يكون باليد، أو اللسان، ويعني: بالعذاب، بقوة وشدة؛ أيْ: بالسنين.
﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾: أتباع فرعون، وأعوانه.
﴿بِالسِّنِينَ﴾: أيْ: بالقحط، والفقر، والمجاعة.
﴿بِالسِّنِينَ﴾: جمع سنة، وتعني: العام، وكلمة السنة في القرآن: تحمل معنى البؤس، والشدة، والقحط، والشر؛ بينما كلمة العام: تحمل معنى الخير، والبركة، والرزق، وهذا من خصائص القرآن.
﴿بِالسِّنِينَ﴾: الباء: للإلصاق، والتوكيد.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: ثمرات النخيل، والأعناب، والثمار، والفواكه؛ أيْ: بنقص بالزراعة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: لعلَّ: أداة للتعليل، والترجي، تستعمل في الأمور الممكن تحققها.
﴿يَذَّكَّرُونَ﴾: تدل على المبالغة في التذكر؛ أيْ: أخذناهم بالسنين، بالقحط، والجدب، ونقص من الثمرات؛ لعلَّ ذلك يحدث لهم هزة قلبية، فيرتدعون، ويتعظون، ويعودون إلى رشدهم بعد طول نسيان، وضلال، وكفر.
стр. 1648
سورة الأعراف [٧: ١٣١]
﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿فَإِذَا﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب. إذا: ظرفية زمانية للمستقبل، وفيها معنى الشرط، وتدل على حتمية الحدوث.
﴿جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾: من الله، والحسنة: هي كل ما يسر النفس، أو تستحسنه؛ مثل: الغنى، والأمن، وكثرة الرزق، والعافية، والسلامة من الأوبئة.
﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾: أيْ: نحن نستحقها؛ لأننا كذا وكذا، أو أوتيناها على علم، وخبرة، وقدرة.
﴿وَإِنْ﴾: الواو: حرف عطف، إن: شرطية؛ تدل على قلَّة الحدوث.
﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: مثل: بلاء، أو شدة، أو مجاعة، أو وباء عام، أو قارعة، والسيئة: كل ما يسوء النفس، وجاءت بصيغة النكرة؛ لتشمل كلَّ سيئة مهما كانت.
﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾: يطيروا: أدغمت التاء في الطاء؛ لأنهما من مخرج واحد، والطير، والتطير: مشتقة من كيف يطير الطائر؛ حيث كان صاحب الطير في قديم الزمان يزجره، ثم يتركه يطير؛ فإذا طار عن يمينه: أصابه الفأل الحسن، وإن طار يساراً: دل على فأل سيِّئ، فالتطير، أو الطيرة: هي التشاؤم، وضده التفاؤل.
стр. 1649
إذن: إذا أصابتهم سيئة تشاءموا بموسى، ويقولون: كل ما حدث من أشياء سيئة هو والذين آمنوا معه سببُها.
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: ألا: أداة استفهام، وتنبيه.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد.
﴿طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ: سبب شرهم، أو خيرهم هو من عند الله، هو الذي قدَّره لهم، ومن حكمته ومشيئته، وليس من موسى ﵇، أو غير موسى.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: ما هو التطيُّر في الحقيقة؛ هو وهم، ومرض نفسي، وسببه ضعف الشخص، وبدلاً من أن يتَّهم نفسه بالعجز، والكسل، والجهل، يتَّهم غيره ليبرِّر لنفسه تقصيره.
سورة الأعراف [٧: ١٣٢]
﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَقَالُوا﴾: أيْ: آل فرعون.
﴿مَهْمَا﴾: قيل: إنها مكونة من مه: بمعنى اكفف، وما: اسم للشرط، مثل ما يفتح الله للناس من رحمة.
وقيل: إنها مكونة من ما: الشرطية، زيدت عليها ما: للتوكيد، مثل: إما يأتينكم، ثم أبدلت الألف الأولى هاء؛ لئلا تتوالى كلمتان من لفظ واحد.
وقيل: مهما: إنها كلمة واحدة، أو قيل: هي ما: المضاعفة؛ بغرض الإبهام.
﴿تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾: مثل العصا، وغيرها؛ لتسحرنا بها؛ لتصرفنا عما نحن
стр. 1650
عليه، فلن نؤمن بك، ونصدقك، فهم لم يميزوا بين المعجزة التي هي حق، وبين السحر الذي هو باطل.
وقولهم: مهما: يدل ذلك على تمادي فرعون في العناد، والضلال، والتحدي، وأنهم لن يقبلوا بأي آية (معجزة)، مهما كانت.
فيكون معنى الآية (مه): كف عن أن تأتينا بآية؛ فلن نصدقك، أو نؤمن لك.
سورة الأعراف [٧: ١٣٣]
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾:
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾: الفاء: للتعقيب والمباشرة؛ أرسلنا على قوم فرعون؛ أي: استجاب الله لدعاء موسى عليهم، وأرسلنا: نون الجمع أو العظمة للدلالة على عظم وهول هذه الآيات، وعليهم: تدل على الشدة والمشقة؛ أي: تمكن هذه الأمراض منهم.
﴿الطُّوفَانَ﴾: المطر الشديد؛ المسبب للغرق، المدمر لمساكنهم، وزروعهم. ارجع إلى سورة العنكبوت، آية (١٤).
﴿وَالْجَرَادَ﴾: أرسله الله؛ لإتلاف الزرع، والثمرات.
﴿وَالْقُمَّلَ﴾: حشرات صغيرة؛ مثل: حشرة السوس؛ تؤذي الزرع، أو الحنطة، وقيل: أولاد الجراد، قبل أن تنبت الأجنحة، والمهم: هو ليس قمل الرأس المعروف.
﴿وَالضَّفَادِعَ﴾: بأعداد كبيرة، تلقي أنفسها في الطعام، أو القدور؛ فتفسد الطعام، وتشمئز منها النفوس.
стр. 1651
﴿وَالدَّمَ﴾: كان يُرى في الماء العذب، ويرون الدم في الأنهار، حتى إن ماء نهر النيل؛ اختلط بالدم، وقيل: هو الرعاف.
﴿آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ﴾: مفصلات: تعني: لا توجد آية مع آية أخرى في زمن واحد، بل بين الآية والآية فاصل زمني، أو مشتقة من نفصل الآيات؛ أيْ: مبينات، ظاهرات، أنها من آيات الله سبحانه، وفيها عبر ومواعظ.
﴿آيَاتٍ﴾: وهي الآيات التسعة، وهي: العصا، واليد، والأخذ بالسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
وروي عن ابن عباس ﵄ قال: مكث موسى في آل فرعون بعدما غلب السحرة (٢٠ سنة) يريهم الآيات (المعجزات).
﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: عن الإيمان بالله، والتصديق بموسى ﵇. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾: أيْ: مستمرين على ارتكاب الذنوب القبيحة، والشرك، والكفر، والعصيان. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥) لبيان معنى المجرمين.
سورة الأعراف [٧: ١٣٤]
﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾:
﴿وَلَمَّا﴾: الواو: استئنافية، لما: ظرف بمعنى حين، وفيها معنى الشرط.
﴿الرِّجْزُ﴾: العذاب، وأصل الرجز: من رجز الجمل؛ أي: ارتعشت قوائمه عند القيام أو ناقة، وجزاء؛ أي: تقارب خطوها واضطرب لضعف فيها، ووردت
стр. 1652
هذه الكلمة في عشر مواضع من القرآن، وللبيان ومعرفة الفرق بين الرجس والرجز ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩).
﴿وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾: وحين وقع عليهم العذاب، مثل: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾:
إذن: هذا السؤال يدل على أنهم أدركوا، أو آمنوا بأنَّ موسى ﵇ مرسل من ربِّه، وقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾: ولم يقولوا: ربنا.
و ﴿رَبَّكَ﴾: يدل على أن موسى ﵇ هو أقرب إلى الرب منهم، فهم لم يؤمنوا بعد، وكذلك هم أيقنوا أن العذاب منزل من الله، ولن يرتفع إلّا بسؤال موسى، وإذا كانوا يعتقدون أن فرعون هو الرب، فلماذا لم يطلبوا من فرعون بدلاً من موسى ﵇ أن يكشف عنهم الرجز.
﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بما أوصاك، أن تدعوه فيجيبك، أو ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ في كشف العذاب.
﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾: لئن: اللام: لام التوكيد، إن: شرطية؛ تدل على الندرة، والاحتمال.
﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾: رفعت عنا العذاب، أو لئن كشفت، والكشف؛ يعني: الزوال؛ أي: إزالته بعد نزوله، وأما دفع البلاء منعه قبل نزوله.
﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾: اللام: لام التوكيد، نؤمننَّ: نون التوكيد الثقيلة؛ أيْ: لنصدقنك، أو نصدقنَّ ما جئت به.
стр. 1653
﴿وَلَنُرْسِلَنَّ﴾: مثل: ولنؤمنَنَّ: لنخرجن معك بني إسرائيل؛ أيْ: نطلق سراح بني إسرائيل من مصر، ونتركهم يخرجون معك، واللام في لنرسلنَّ، والنون تفيدان التوكيد.
سورة الأعراف [٧: ١٣٥]
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: ظرف؛ بمعنى: حين، تتضمن معنى الشرط. فلمّا: عاطفة تدل على الترتيب، والتعقيب، فلما كشفنا: أزلنا، أو رفعنا عنهم العذاب، عن آل فرعون: ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾: الأجل هنا هو إغراقهم في اليم؛ أيْ: إلى حين أوحينا أن موسى اضرب بعصاك البحر، أو كلما كشفنا عنهم العذاب إلى أجلٍ؛ أيْ: بعد رفع العذاب عنهم في كل مرة، يمكثون زمناً، ثم يطالبهم موسى بالإيمان، أو إرسال بني إسرائيل؛ إذا هم ينكثون عهدهم في كل مرة.
إذا: ظرف زمان فيه معنى الفجأة، ينقضون العهد الذي عاهدوه، والنكث في الأصل: مشتق من فك، وخيوط الصوف المغزول؛ أيْ: نقضها وحلها، ثم استعير لنقض العهد، كما قال -جل وعلا-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]. أنكاثاً: جمع نكث؛ أيْ: ما حُلَّ فتله من الغزل.
سورة الأعراف [٧: ١٣٦]
﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِى الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾:
﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، فبعد أن نكثوا عهدهم في كل مرة.
﴿فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِى الْيَمِّ﴾: في البحر، الانتقام: هو العذاب بسلب النِّعمة.
стр. 1654
﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: للإلصاق، والتعليل.
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: لم يؤمنوا بالآيات؛ أي: المعجزات، أو الآيات التسعة.
﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾: وكانوا عنها معرضين، فالغفلة: تعني: تجاهل الأمر، ولم يلتفتوا إليها، لا يفكرون فيها ونسوها. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان.
وبهذا الخبر ينتهي خبر آل فرعون، وأما عملية إغراق فرعون، وكيف هلك، فذكر ذلك في آيات سورة يونس (٩٠ - ٩١)، ونهاية مصيرهم ذُكر، أو جاء في آيات القصص، وهود، وغافر.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص: ٤١].
﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦].
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ [القصص: ٤٢].
سورة الأعراف [٧: ١٣٧]
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾:
﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾:
أيْ: بني إسرائيل؛ لقوله في سورة الشعراء، الآية (٥٩) كذلك: ﴿كَذَلِكَ
стр. 1655
وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾، ﴿كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾: كان يستضعفهم فرعون، وآل فرعون؛ أيْ: يُذلهم، ويسخرهم لخدمته، وخدمة قومه، ويقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم.
﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾: المراد بها جميع نواحيها، أو جهاتها، ويعني: أرض مصر، والشام، مَلكها وحكمها بنو إسرائيل بعد الفراعنة، والعمالقة.
﴿الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا﴾: بالماء الخصب، وسعة الأرزاق. باركنا فيها: تعود على الأرض؛ أرض الشام، ومصر.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِى إِسْرَاءِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾:
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: وعد ربك بني إسرائيل؛ بإهلاك عدوهم، واستخلافهم في الأرض، والتمكين في الأرض، وإقامة شعائر الدِّين والحرية، كما قال تعالى: ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥ - ٦].
﴿الْحُسْنَى﴾: صفة ونعت لكلمة ﴿رَبِّكَ﴾ على بني إسرائيل.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾: الباء: للإلصاق، والتعليل؛ أيْ: بسبب صبرهم على فرعون وملئه؛ إذ كانوا يسوموهم بسوء العذاب، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم.
﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾:
﴿وَدَمَّرْنَا﴾: الدمار: هو دائماً يأتي كعقوبة، ويشمل كل شيء بلا استثناء؛ أيْ: أهلكنا، خربنا ما كان يصنع فرعون. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١٦) لبيان معنى دمرنا.
стр. 1656
﴿مَا﴾: اسم موصول أو مصدرية؛ أيْ: دمرنا الذي كان مصنوعاً من فرعون وقومه، مثل: الأهرامات، والأبنية، والتماثيل، والصروح العالية، والأبنية المشيدة؛ كصرح هامان، وما: أوسع شمولاً من الذي.
﴿كَانَ﴾: زائدة؛ تفيد التوكيد.
﴿يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ﴾: فرعون الأب (رمسيس الثاني)، والابن منفتاح. ارجع إلى الآية (١٠٣) من نفس السورة للبيان.
﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾: أيْ: دمرنا جناتهم، وحدائقهم المعروشات، وغير المعروشات، وتكرار (كان)؛ لإثبات تدمير ما كان يصنع فرعون، وقومه من البنيان، وإثبات تدمير ما كانوا يعرشون من الجنات.
стр. 1657
سورة الأعراف [٧: ١٣٨]
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَاءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾:
﴿وَجَاوَزْنَا﴾: أيْ: مكّناهم من عبور البحر الأحمر، وساروا مسافة بعدها.
جاوز الشيء إلى غيره: قطعه، وخلفه وراءه.
﴿فَأَتَوْا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة.
﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ﴾: قدِموا ومرُّوا على قوم يعكفون؛ أيْ: يقيمون على أصنام لهم. من عكف: يقيم إقامة لازمة، أو عكف على الشيء: واظب على الشيء، ولم يتركه.
﴿عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾: أيْ: يعبدون أصناماً، ويقيمون، أو يواظبون على عبادتها، والأصنام: هي أجسام لها صورة الإنسان أو الحيوان مصنوعة من خشب أو معادن فالذهب أو الفضة أو النحاس أو حجارة تمثل أشخاصاً، أو أشياء خيالية. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (١٧) للبيان.
﴿لَّهُمْ﴾: أصنام خاصَّةً لهم، وليس لغيرهم؛ أي: ليست أصنام معروفة، أو مشهورة (عامة)، وتنكير هذه الأصنام للحط من شأنها، ولا قيمة لها.
﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾: قالوا ذلك بعد رؤيتهم كيف أنجاهم الله من فرعون وجنوده، وفلق البحر، وعبوره؛ قالوا هذا القول؛ الذي يعتبر قمة الغباء، وعمى البصيرة، والشرك.
﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾: أيْ: صنماً نعبده، كما: الكاف: للتشبيه، ما: اسم موصول؛ أيْ: كالذي لهم من آلهة.
стр. 1658
﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: قال موسى ﵇ لهم: إنكم قوم جهلاء، وهي كلمة ذم؛ تعني: ليس عندكم؛ أيْ: علم في الدِّين: وأن العبادة لا تكون إلا لله وحده. ارجع إلى سورة الفرقان آية (٦٣)، وسورة الزمر آية (٦٤) لبيان تجهلون.
وجاء بالفعل المضارع: تجهلون: ليدل على تجدد جهلهم، واستمرار عمى بصيرتهم، فهم قد شاهدوا قوم فرعون من قبل، قبل أن يعبدوا الأصنام، ويعبدوا فرعون؛ فهم يريدون تقليدهم.
ولنقارن ثلاث آيات متشابهة تصف ثلاثة أقوام؛ وصفوا بالجهل:
أولاً: قوم نوح، الآية (٢٩) من سورة هود: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.
ثانياً: قوم لوط، الآية (٥٥) من سورة النمل: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
ثالثاً: قوم موسى؛ بنو إسرائيل، الآية (١٣٨) من سورة الأعراف: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
فآية قوم نوح: جاءت في سياق طرد الذين آمنوا، والدعوة إلى الله .
وآية قوم لوط: جاءت في سياق الفاحشة.
وآية بني إسرائيل، جاءت في سياق الشرك، وعبادة الأصنام، وبما الشرك والارتداد الذي يطلبه بنو إسرائيل من أعظم الذنوب، وأعظم من الفاحشة؛ لذلك أكَّد بقوة: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، وأما قوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: ففيها توكيد أقل من التوكيد في: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، والتوكيد في: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، أقوى من: ﴿وَلَكِنِّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.
إذن: مقابل الشرك (أعظم الذنوب): قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
مقابل الفاحشة (من الكبائر): قال: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
стр. 1659
ومقابل طرد الذين آمنوا (بسب السيئات): قال: ﴿وَلَكِنِّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.
سورة الأعراف [٧: ١٣٩]
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة، يحمل معنى الذم، ويشير إلى القوم؛ الذين يعكفون على أصنام لهم.
﴿مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾: التتبير: هو الهلاك.
﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾: من عبادة الأصنام؛ أيْ: هؤلاء الذين يعكفون على أصنام لهم، هم وأصنامهم هالكون، خاسرون.
﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: باطل زائل، لا يفيدهم، أو ينفعهم ذلك، لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ويحبط شركهم هذا ما كانوا يعملون في الدنيا من الأعمال الصالحة ثواب لهم.
﴿مَا﴾: اسم موصول، أو حرف مصدري؛ أي: الذي كانوا يعملون، أو عملهم هذا باطل.
وإضافة ﴿كَانُوا﴾: بدلاً من قوله: (وباطل ما يعملون): تفيد التوكيد، وتفيد الدلالة على بطالة الذي يعملونه، سواء أكان في الماضي، أم الحاضر، أم المستقبل، (كان) هنا تشمل: الأزمنة الثلاثة.
سورة الأعراف [٧: ١٤٠]
﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾:
﴿قَالَ﴾: موسى ﵇ لبني إسرائيل.
﴿أَغَيْرَ اللَّهِ﴾: الهمزة في أغير: همزة استفهام، وتعجب، وتوبيخ، واستغفار.
﴿أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾: ألتمس، أو أطلب لكم؛ أيْ: أأبغي لكم إلهاً غير الله؟!
стр. 1660
فيها تهويل، وتعجب، واستنكار شديد، وقدَّم كلمة غير المفعول به؛ للاهتمام بدلاً من القول: (أبغيكم غير الله إلهاً).
﴿وَهُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد، تعود على الله -جل وعلا-.
﴿فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: عالمي زمانهم ذاك؛ أيْ: على الأمم، أو الأقوام التي كانت تعيش في ذلك الزمن، ثم أراد أن يذكرهم ببعض نعمه عليهم، ومن أفضلها؛ نجاتهم من آل فرعون.
سورة الأعراف [٧: ١٤١]
﴿وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِى ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: ظرف زمان للماضي؛ أيْ: واذكروا إذ أنجيناكم، أو حين أنجيناكم.
﴿أَنجَيْنَاكُم﴾: ولم يقل: نجيناكم، أو نجاكم؛ لأن أنجيناكم: تدل على السرعة في النجاة، والقوة، والشدة في عملية النجاة، من الغرق، وعبور البحر، أما نجيناكم، أو نجاكم؛ فتدل على طول الزمن، والبطء في عملية النجاة، كما في يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم.
﴿مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: من أتباع وأعوان فرعون.
﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: يسومونكم: يبغونكم. ارجع إلى الآية (٤٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان، وسورة القصص آية (٤)، وسورة إبراهيم آية (٦١). ويسومونكم؛ تعني: يذيقونكم.
واختيرت هذه الكلمة؛ لأنها تجمع كل المعاني، ففرعون ابتغى لهم العذاب، وأذلهم وأعنتهم، وآل فرعون أذاقوهم ونفذوا فيهم سوء العذاب، وسوء العذاب: أشده وأفظعه.
والسوء: هو كل ما يغم الإنسان من أمور الدنيا والآخرة، أو يسيء إلى النفس،
стр. 1661
وسوء العذاب؛ يعني: الضرب، والشتم، والعنت إضافةً إلى ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾: ولم يقل: (يذبحون أبناءكم)؛ لأن الذبح نوع من أنواع القتل، ويقتلون: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على حكاية الحال؛ أيْ: لإظهار بشاعة القتل، وكأنك تراه أمام عينيك.
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: من استحيا؛ أيْ: أبقاه على قيد الحياة؛ أيْ: يتركونهنَّ أحياء؛ للخدمة، وللمتعة، وللذل.
﴿وَفِى ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: ذلكم: اسم إشارة، يشير إلى البعد؛ أيْ: إلى سوء العذاب، والقتل، والاستحياء، وكذلك النجاة من الغرق، وقوله: ﴿وَفِى ذَلِكُمْ﴾: ولم يقل: في ذلك، فذلكم: تفيد التوكيد، والتعدد.
﴿بَلَاءٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: البلاء: امتحان من ربكم، والبلاء، والابتلاء: يكون في الخير، والشر؛ لكي يرى أتشكرون، أم تكفرون؟ ولإقامة الحُجَّة، والإقرار عليكم.
﴿عَظِيمٌ﴾: لشدّته، وفظاعته، ليس فوقه بلاء؛ لما فيه من العذاب، والألم، وطول الزمن.
سورة الأعراف [٧: ١٤٢]
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾:
﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾: انتبه إلى واعدنا، غير وعدنا، الوعد: إذا كان بين طرفين، وقبل به كلا الطرفين، يقال: واعدنا.
وإذا كان الوعد من طرف واحد، يقال: وعدنا.
وهنا في هذه الآية؛ كانت المواعدة بين الله سبحانه، وموسى ﵇: أن الله سبحانه سينزل الألواح عليه بعد تمام ثلاثين ليلة، وأمره بصومها؛ فصامها، وقيل: كانت شهر ذي القعدة.
стр. 1662
فلما أتم موسى الصيام؛ أنكر موسى رائحة فمه؛ فاستاك؛ فكان ذلك سبباً لزيادة العشر، وهذا تفسير قوله سبحانه: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، وكانت هذه العشرة هي العشر الأوائل من شهر ذي الحُجَّة.
ونحن نذكر في سورة البقرة الآية (٥١)، قال -جل وعلا-: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ولا تعارض بين الآيتين، فآية البقرة جاءت بالأسلوب الإجمالي، وآية الأعراف جاءت بالأسلوب التفصيلي.
وانتبه! إلى قوله : ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾، أو ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، ولم يقل: ثلاثين، أو أربعين يوماً؛ لأن العرب تحسب بالليالي، فأول الشهر يبدأ بليلة أول الشهر؛ لكونهم يعتمدون على الأهلة؛ فصارت الأيام تبعاً لليالي.
﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾:
﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ﴾: عندما عزم على الذهاب للطور؛ لتلقي الألواح، قال موسى لأخيه هارون: ﴿اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى﴾: أيْ: كن خليفتي في قومي؛ أيْ: راعياً لبني إسرائيل.
﴿وَأَصْلِحْ﴾: تفقد أحوالهم، وارفق بهم، وارعاهم، وحل خلافاتهم.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: الناهية.
﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾: كيف يقول موسى ﵇ لأخيه هارون النبي؛ الذي بعثه الله لمؤازرته هذا الكلام؟! وهو نبي، وكيف يتبع سبيل (طريق) المفسدين (بالشرك، والضلال، والباطل). ارجع إلى الآية (١٠٣) من نفس السورة؛ لبيان معنى المفسدين.
هذا يدل على أن موسى كان خائفاً أن تحدث فتنة، وخاصَّةً بعد أن رأى ما حدث من بني إسرائيل حين طلبوا منه أن يجعل لهم إلهاً، كما لهم آلهة بعد
стр. 1663
نجاتهم من آل فرعون، ونجاتهم من الغرق؛ فكأنه قد توقع حدوث فتنة بعد ذهابه، ويريد أن يحذر أخاه هارون؛ الذي يمتاز برأفة، ورحمة على بني إسرائيل.
سورة الأعراف [٧: ١٤٣]
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِى وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَلَمَّا﴾: الواو: عاطفة، لما: ظرف زمان؛ بمعنى: حين.
﴿لِمِيقَاتِنَا﴾: اللام: الاختصاص. الميقات المكاني: جانب الطور الأيمن، والزماني: (٤٠ ليلة).
﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾: عن قتادة قال: لما سمع موسى ﵇ كلام الله له، طمع في الرؤيا؛ أي: اشتياقاً، والله أعلم بما دفعه للسؤال بذلك.
قال الحق سبحانه: ﴿لَنْ تَرَانِى﴾: لن: هذه تفيد نفي المستقبل، ولكن لا تفيد النفي المؤبد، كما قال بعض المفسرين سابقاً؛ أيْ: لن تراني في الحياة الدنيا، أما في الآخرة؛ فقد يرى الإنسان ربه، كما دلت على ذلك الآيات، والأحاديث، مثل قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦].
ولو قال سبحانه: لن أُرى؛ فهذا قد يعني في الدنيا، والآخرة.
وكذلك انتبه إلى قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾: فيها معنى: إن أريتني؛ فهذا من مشيئتك؛ أيْ: وهبت لي الطاقة على رؤيتك، وجاء جواب الله سبحانه لموسى بلطف وكرم، قال له: ﴿لَنْ تَرَانِى وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾: أيْ: إنه أراد أن يُبيِّن لموسى ﵇ لِمَ لا يستطيع أن يراه ، ويجب عليه أن ينتظر إلى الآخرة؛ كي يرى ربه، ولم يقل ﷻ : لن تراني، وانتهى الكلام، ولا تسألني عن شيء بعدها، لكنه قال: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾، ولكن: حرف استدراك.
стр. 1664
﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى﴾: فإن: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. إن: شرطية.
﴿اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾: ثبت، ولم يتزلزل، أو يصبح مستوياً بالأرض.
﴿فَسَوْفَ تَرَانِى﴾: الفاء: للتعقيب، سوف للمستقبل مع التراخي، ولماذا، جاء بسوف بدلاً من السين التي تدل على القرب في الزمان، وذلك لأن وقوع هذه الرؤية بعيدة المنال، ومستحيلة الحصول الآن.
وسوف: أكثر توكيداً من السين.
سوف: للتراخي في الزمن، أو للبعد الزماني، والاستبعاد المعنوي؛ أيْ: أن يحدث ذلك الأمر قريباً.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾: فلما: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. لمّا: ظرف زماني؛ بمعنى: حين.
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾: ظهر وانكشف، بدء ظهور نوره، والجبل: أعظم من الطور حجماً وارتفاعاً وعرضاً.
﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾: صار الجبل مدكوكاً: مسحوقاً كالتراب، ومستوياً مع وجه الأرض، لم يعد له أثر ارتفاع على الأرض.
ومعنى دكه: جعله مساوياً، أو مستوياً مع الأرض.
يقال ناقة دكاء: أيْ: ذاهبة السنام، مستوٍ ظهرها؛ كأن سنامها دك.
وأصل دككت: أيْ: دققت.
﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾: مغشياً عليه، أو مغمى عليه؛ أيْ: فاقداً لوعيه.
إذن: من رحمة الله -جل وعلا- بموسى ﵇: أنه لم يتمكن من رؤيته ﷻ ، ولو أصر موسى لحدث له ﵇ مثل ما حدث للجبل، وعدم استطاعته رؤية ربه؛ لأصبح عقاباً له،
стр. 1665
وليس رحمة له، وبمجرَّد أن تجلَّى ربه للجبل؛ أصبح الجبل دكاً، وخرّ موسى صعقاً.
﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾: الفاء: للتعقيب؛ لما: ظرفية زمانية؛ أيْ: حين: ﴿أَفَاقَ﴾: من غيبوبته، وارتد إليه وعيه، وأفاق من صعقته.
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾: أيْ: أنزهك تنزيهاً من كل عيب، ونقص، وأنزهك عن الذي تصورته؛ أيْ: تصورت أني أستطيع رؤيتك، وهذا لا يليق بذاتك سبحانك؛ أيْ: لا تشبه خلقك.
﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: وكأن موسى شعر بالذنب بطلب الرؤية، وقد أخطأ، وشعر أنه قد دخل في زمرة الذين ما قدروا الله حق قدره.
وشعر أن ربه قد يبتعد عنه؛ فهو يريد العودة إلى ما كان عليه، وباب العودة معروف: هو التوبة أولاً؛ فلذلك نزه ربه وقال: تبت إليك.
﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أيْ: أول المؤمنين بأن لن يراك أحدٌ من خلقك في الحياة الدنيا، أو أول المؤمنين من بني إسرائيل، أو أول المؤمنين في الإيمان، ودرجة الطاعة، وأول المؤمنين: لا تعني ترتيباً زمنياً؛ لأن هناك الكثير ممن آمن قبل موسى؛ مثل: آدم، ونوح، وإبراهيم ﵈.
وانتبه! إلى قوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، ولم يقل: إني تبت إليك؛ لتدل على السرعة في التوبة.
وانتبه! إلى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أولاً؛ أيْ: نزه ربه أولاً؛ أي: أصلح ما قاله، ثم قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أيْ: تاب ثانياً، ثم قال: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: عاد، وأعلن إيمانه.
стр. 1666
سورة الأعراف [٧: ١٤٤]
﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِى وَبِكَلَامِى فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
﴿إِنِّى﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿اصْطَفَيْتُكَ﴾: الاصطفاء: الاختيار من بين أشياء متشابهة؛ كأن تختار قلماً من بين مجموعة أقلام.
أما الاختيار يكون من بين أشياء غير متشابهة؛ كأن تختار قلماً من بين ورقة، وكتاب، وقلم، فالاصطفاء عملية أشد وأصعب من مجرَّد الاختيار، والاصطفاء يحدث بعد الاختيار، والاصطفاء يكون لأمر، أو فعل متميز فريد في نوعه ربما لم يحدث قبل مثل تكليم الله رب العالمين لموسى لأول مرة. فالاصطفاء أعلى درجة من الاختيار، والاجتباء يشبه الاصطفاء، ولكن يأتي في سياق الأفراد وليس في الأفعال كما هو الحال في الاصطفاء.
﴿عَلَى النَّاسِ﴾: أيْ: برسالاتي، جمع رسالة في العقيدة، والعبادات، والمعاملات؛ أيْ: الشرائع، والشرعة: هي المنهج، أو الرسالة، ومجموعها رسالات أو رسائل، والباء: تدل على الإلصاق، والتوكيد، وتقديم الجار والمجرور ﴿عَلَى النَّاسِ﴾: يفيد الحصر ﴿عَلَى النَّاسِ﴾؛ أي: اخترتك على الناس لتكون رسولاً إلى بني إسرائيل، برسالاتي: جمع رسالة؛ رسالة: التوحيد، والإيمان، والطاعة، والأخذ بالأوامر، وتجنب النواهي، والإيمان بالأخرة، ودعوة فرعون وقومه.
﴿وَبِكَلَامِى﴾: أيْ: تكليمي إياك من وراء حجاب؛ يعتبر اصطفاءً أيضاً.
﴿فَخُذْ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة.
стр. 1667
﴿مَا آتَيْتُكَ﴾: ما: اسم موصول، أو مصدرية؛ بمعنى: الذي أتيتُك.
﴿مَا آتَيْتُكَ﴾: من الألواح والرسالة، ولم يقل: ما أعطيتك. الإيتاء: ليس فيه تملك، كما هو الحال في العطاء، والإيتاء: أعم من العطاء؛ يشمل النواحي المادية، والحسية. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥١)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: لله؛ لهذا الاصطفاء، والتكليم، والإكرام، ولبيان معنى الشكر؛ ارجع إلى آية (١٠) في نفس السورة.
سورة الأعراف [٧: ١٤٥]
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾:
﴿وَكَتَبْنَا لَهُ﴾: ولبني إسرائيل في الألواح، ولم يبين سبحانه عددها، والألواح قيل: هي غير التوراة، وغير الصحف التي أنزلت على موسى.
﴿مِنْ﴾: الاستغراقية، كل ما يحتاجه بنو إسرائيل في دِينهم، ودنياهم.
﴿كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً﴾: الوعظ: هو النصح بالترغيب، أو الترهيب، أو كلاهما، والوعظ: هو القول الصدق الذي يؤثر في النفوس المؤمنة، وغير المؤمنة.
﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾: أيْ: تبياناً لكل شيء، بيان للأحكام المفصلة للحلال، والحرام، والأمر، والنهي، والحدود.
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. بقوة: بجد، وعزيمة؛ عزم على الطاعة، والعمل بالأوامر، وتجنب النواهي، وتدبر المواعظ، والأمثال.
﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾: أحسنها: هناك حسن وأحسن؛ أيْ: مبالغة في الحسن، على وزن أفعل، وكلها تعتبر حسنة، وأحسنها؛ أي: الأكثر ثواباً؛ مثال: القصاص النفس بالنفس، والعين بالعين، وأحسن من القصاص: العفو.
﴿سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾: سأوريكم: السين: للاستقبال القريب.
﴿سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾: وهي النار، ونحن نعلم: أن كل مخلوق سيرد
стр. 1668
على النار؛ ليراها، وهي دار الفاسقين؛ لقوله -جل وعلا-: ﴿وَإِنْ مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١].
وقد تعني: ﴿سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾: في الدنيا، دار الفاسقين، مساكن الذين كفروا، وعصوا الرسل، أمثال: فرعون وأتباعه، وقوم عاد، وثمود، ولوط؛ لقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢].
وقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [القصص: ٥٨]، ولمعرفة معنى الفاسقين: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٦).
سورة الأعراف [٧: ١٤٦]
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾:
﴿سَأَصْرِفُ﴾: سأبعد، والسين: للاستقبال القريب.
﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِىَ﴾: أيْ: أصرفهم عنها، فلا يتأملونها، ولا يعتبرون بها، ولا يصدقونها، أو يعملون بها، والصرف يكون بالغفلة، أو الطبع أو المنع.
﴿آيَاتِىَ﴾: تشمل الآيات القرآنية، أو الكونية، أو المعجزات.
وإضافة الآيات إليه -جل وعلا- بقوله: ﴿آيَاتِىَ﴾: تدل على أهمية، وشرف هذه الآيات
﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: يتكبرون عن طاعتي، ويتكبرون على الناس بغير حق، وعن الإيمان، والتصديق برسلي.
والمتكبر: هو من أظهر عظم شأنه فوق ما يستحق، ولا يملك من مقومات الكبر: الغنى، والقوة، والسلطة، والجاه شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: والسؤال هنا: هل هناك تكبر بحق؟ نعم، التكبر بالحق، لله وحده فقط، وكل من دون الله تعالى؛ فهو يتكبر بغير حق، أو حين يستكبر إنسان؛ لحماية الضعيف، أو يفعل ذلك لكف ظالم عن ظلمه.
стр. 1669
﴿وَإِنْ﴾: شرطية؛ تفيد القلة أو الاحتمال.
﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾: مع كثرة الآيات لا يؤمنون بأي آية منها.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾: سبيل الرشد: طريق الهدى، والسداد، والصواب، والاستقامة في أمور الدنيا والدين؛ أي: في الأمور الدنيوية والأخروية والاهتداء لا يسلكونه. ارجع إلى سورة النساء، آية (٦)؛ لمزيد من البيان عن الرشد.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾: سبيل الغي، طريق الضلال
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾: ذلك الصرف عن آيات الله أولاً؛ بسبب تكذيبهم بآيات الله المنزلة في التوراة، والآيات الكونية، أو المعجزات. وثانياً: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾: غير عاملين بها، أو مبالين بها، ونسوها، ولم يعدوا يذكرونها؛ بسبب الطبع على قلوبهم، أو بسبب الكبر، والتكذيب؛ فالذين يصرفون عن آيات الله هم الذين يتكبرون في الأرض بغير حق. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان عن معنى غافلين.
قد يظن قارئ أنه يكفي قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾؛ أنه سيسلك سبيل الغي إذا لم يسلك سبيل الرشد، والحقيقة: أن ذلك لا يكفي؛ لأن من يعرض، ويبتعد عن سبيل الرشد؛ قد لا يسلك سبيل الغي حتماً، فهو قد لا يسلك لا سبيل الرشد، ولا سبيل الغي، بل يقف على الحياد.
ولكي يؤكِّد على كونه لم يقف على الحياد، ويلغي ذلك الظن صرح بأنه سلك سبيل الغي.
سورة الأعراف [٧: ١٤٧]
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول يفيد الذم.
стр. 1670
﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: المنزلة على رسلنا، ولم يؤمنوا بها؛ أي: الآيات المنزلة في الكتب السماوية، أو المعجزات، أو الآيات الكونية الدالة على عظمة الخالق، ووحدانيَّته.
﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾: ولم يصدِّقوا بالبعث، والحساب، والجزاء.
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطلت أعمالهم التي عملوها في الدنيا. أعمالهم الحسنة: كالصدقات، والإحسان، وذهبت سدى؛ لفقدان شرط القبول: وهو الإيمان؛ أيْ: بسبب كفرهم، أو شركهم، أو عدم الإيمان. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١٧)؛ لبيان معنى حبطت.
﴿هَلْ﴾: للاستفهام، والنفي.
﴿يُجْزَوْنَ﴾: الجزاء يكون مطابقاً للعمل، والعمل يشمل القول والفعل معاً.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: إنْ خيراً فخير، وإن شراً فشر، ولن يظلمهم الله مثقال ذرة.
سورة الأعراف [٧: ١٤٨]
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾:
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى﴾: اتخذ: من أفعال التصيير.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد أن تركهم؛ ذاهباً إلى جبل الطور؛ لتلقي الألواح.
﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾:
﴿وَاتَّخَذَ﴾: أيْ: صيروا، أو صنعوا من حُليهم. الحُلي هنا هي: الذهب، والفضة، وقال: ﴿حُلِيِّهِمْ﴾: حلي بني إسرائيل، وحلي القبط التي استعاروها منهم، وبقيت عندهم بعد عيدهم، والذي اتخذ من حليهم عجلاً: هو السامري،
стр. 1671
وعبر بالقوم بدلاً من السامري؛ لأنهم شاركوا في الجريمة بإعطائهم الحلي له، ولم يعيدوها إلى أصحابها.
واتخذ: من الأفعال المتعدية؛ أيْ: لها مفعولان؛ فالمفعول الأول: هو ﴿عِجْلًا﴾، والثاني: محذوف تقديره: إلهاً، وفي جميع القرآن يحذف المفعول الثاني، وهو إلهاً؛ لأن هذا الإله لا يستحق أن يذكر اسمه لكونه عجلاً، أو صنماً، أو وثناً.
﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾: أيْ: مجرد تمثال على هيئة العجل. جسداً: يعني: لا روح فيه.
﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: الخوار: هو صوت البقر.
واختار السامري العجل بدلاً من غيره؛ لأن قوم موسى رأوا المصريين القدامى، وغيرهم يعبدون العجل.
﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾: ألم: الهمزة للاستفهام، والإنكار، والتعجب.
﴿يَرَوْا﴾: الرؤية هنا: رؤية بصرية، أو عينية حقيقية.
﴿أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾: أنه: للتوكيد، لا: النافية، يكلمهم: ولو بكلمة واحدة، فكيف يعقل أن يكون إلهاً لا يتكلم، وكيف يهديهم إلى أيْ: سبيل، وهو لا يتكلم؟!
﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ﴾: تكرار لا: لزيادة النفي.
﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾: إذا ضلوا، وانحرفوا عن الهدى، والصواب. سبيلاً: نكرة تشمل أيَّ سبيل. لا يهديهم؛ أيْ: سبيل يمكن أن ينقذهم من ضلالهم، وغيِّهم.
﴿اتَّخَذُوهُ﴾: صيَّروه، وجعلوه إلهاً من جهلهم.
﴿وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾: أيْ: كانوا مشركين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولمعرفة معنى الظلم: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤).
وكانوا ظالمين لأنفسهم ولغيرهم؛ لأنهم أوردوها مورد الهلاك.
стр. 1672
والظلم: الخروج عن منهج الله؛ فكل من يخرج عن منهج الله تعالى يُعدُ ظالماً لنفسه.
سورة الأعراف [٧: ١٤٩]
﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾:
﴿وَلَمَّا سُقِطَ﴾: لما: ظرفية زمانية؛ بمعنى: وحين بعد رجوع موسى إليهم.
﴿سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ﴾: لها تفسيران: يقال للنادم: سقط في يده؛ أي: سقط الندم في يده؛ أي: في قلبه؛ فالسقوط هو الندم، والسقوط بمعنى الوقوع، والسقوط أعم من الوقوع؛ أي: وقعت بهم الشدائد والمصائب.
التفسير الأول: ولما سقط (الندم) في أيديهم؛ أيْ: في أنفسهم؛ أيْ: بعد أن تبيَّنوا جريمتهم؛ باتّخاذ العجل؛ ندموا ندماً شديداً على شركهم، وكان ذلك بعد رجوع موسى، والسقوط يدل على السرعة، وشعروا بالندم بسرعة على ما فعلته أيديهم، وقالوا: ﴿لَئِنْ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
التفسير الثاني: النادم أحياناً يعض على يده من شدة الندم، ويقال للرجل النادم على ما فرط: قد سُقط في يده؛ أيْ: في نفسه؛ لأن اليد كانت هي السبب في الفعل السيِّئ.
﴿لَئِنْ لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٢٣) من سورة الأعراف؛ للبيان، ولمعرفة الفرق بين دعاء بني إسرائيل هذا ودعاء نوح وآدم، وقدَّموا الرحمة على المغفرة؛ لأن الرحمة أعم وأوسع من المغفرة، والمغفرة تأتي بعد الرحمة، فمن لا يرحمه ربه لا يغفر له، وأكَّدوا خسارتهم في الدنيا والآخرة باستعمال لام التوكيد في كلمة (لئن)، والنون في (نكوننَّ).
стр. 1673
سورة الأعراف [٧: ١٥٠]
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنْ بَعْدِى أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿وَلَمَّا﴾: الواو: عاطفة. لما: ظرف زماني؛ بمعنى: حين.
﴿رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ﴾: من بعد استلام الألواح، والميقات. غضبان: على وزن فعلان ملآن غضباً، صيغة مبالغة؛ أيْ: شديد الغضب؛ لما فعله السامري وقومه من بعده.
﴿أَسِفًا﴾: الأسف: هو الحزن، والغضب معاً.
وأسفاً: صيغة مبالغة؛ تدل على الحزن الشديد، مع الغضب الشديد.
حين تقول: أنا آسف: يعني أسف عادي، وأنا آسِف: صيغة مبالغة، أو أسفاً شديداً.
﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنْ بَعْدِى﴾: بئس: من أفعال الذم؛ أيْ: بئس الخلافة، والخليفة: هو من استخلف في أمرٍ مكان من كان قبله، أو بئس شيئاً خلفتموني من بعدي؛ إذ عبدتم العجل، أو بئس الشيء خلفتموني من بعدي. كان يكفي خلفتموني، وإضافة من بعدي؛ أي: من بعد ذهابي إلى الطور، أو من بعد حذرتكم منه، وتدل على فظاعة وسوء ما فعلوا بعد غيابه من الضلال واتخاذ العجل، واستعمال (من) بدلاً من (الذي): لزيادة الإبهام على السامع، بينما الذي تستعمل للشيء المحدَّد على السامع، والخطاب موجَّه إلى من الْتقى بهم بعد رجوعه بمن فيهم أخوه هارون.
стр. 1674
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، وعجل الأمر؛ أيْ: لم يتممه، وتركه ناقصاً.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: أعجلتم ميعاد ربكم، فلم تصبروا (٤٠ ليلة) على عودتي، أو تحافظوا على وصيتي لكم (٤٠ ليلة)؛ فعبدتم العجل، أو لم تنتَظروا أمر ربكم؛ حتى آتيكم بالتوراة، أو استبطأتموني، وظننتم أن لن أرجع إليكم.
﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾:
﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾: من شدة غضبه، وأسفه، ودهشته، وتكسر بعضها.
﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾: ولم يقل: ابن الأب؛ لأن أبا موسى وهارون ليس له خبر، أو ذكر في قصة موسى، وكل الآيات تتعلق بأم موسى، بعكس قصة يوسف: الأب هو المحور، وجاء ذكره في كل الآيات، ولم تذكر أم يوسف في أي آية.
﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾، وفي سورة طه، آية (٩٤) قال: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِى﴾: ذوائبه.
﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِى﴾: أيْ: بشعري؛ أيْ: برأس أخيه، ولحيته يجره إليه؛ حيث ظن موسى ﵇ أن أخاه هارون عصى الله؛ لبقائه معهم، ولم يلحق به، وبين هذا في سورة طه، الآيتان (٩٢ - ٩٣)، قال: ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾.
﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
قال هارون لموسى ﵇: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى﴾: أي: استذلوني، ولم يطيعوني.
﴿وَكَادُوا﴾: من أفعال المقاربة.
стр. 1675
﴿يَقْتُلُونَنِى﴾: هذا يدل على أنه قد قاومهم، وخاصمهم، ولم يكن راضياً عما فعلوه.
﴿فَلَا﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب. لا: الناهية.
﴿تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَاءَ﴾: الشماتة هي إظهار الفرح بمصيبة تقع بخصم، والأعداء هم القوم الذين اتخذوا العجل.
﴿وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: ولم يقل: في القوم الظالمين؛ لأنه لم يكن في السابق، ولا في الحال، ولم يكن قط في زمرة الظالمين؛ أي: المشركين، أو الذين ظلموا أنفسهم بعبادة العجل؛ أيْ: لا تجعلني مع زمرة الظالمين، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٩٤) في سورة طه وهي قوله تعالى على لسان هارون: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرَاءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى﴾: نجد في آية طه جاءت بالسبب؛ سبب عدم تدخل هارون بشكل صارم بعدا اتخاذهم العجل، وفي آية الانحراف: يحذر هارون موسى؛ النتيجة: نتيجة جره من لحيته أمام الناس، وعدم الظن السيء به.
سورة الأعراف [٧: ١٥١]
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾:
بعد أن سمع اعتذار أخيه، وأنه حاول صدهم عن اتخاذ العجل؛ راح موسى ﵇ يستغفر الله لنفسه ما قاله، وفعله بأخيه هارون، ويستغفر لأخيه كذلك عما حدث منه من تقصير في صد قومه عن عبادتهم للعجل، ويسأل ربه أن يدخلهما في رحمته، ويقول: ﴿فِى﴾: الظرفية، ﴿رَحْمَتِكَ﴾: أيْ: هو وأخوه، كان سابقاً في رحمة الله؛ أيْ: وأدخلنا في رحمة أخرى، أو رحمة جديدة.
﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾: الراحمين: جمع راحم، فهناك من البشر من يرحم، ولكن الله سبحانه هو أعظم الراحمين، أو أفضلهم.
﴿أَرْحَمُ﴾: على وزن أفعل، ومن يرحم الناس يسمَّى: رحيماً، وراحماً، فالله سبحانه أوصى خلقه بالتراحم، كما كتب على نفسه الرحمة، وكما ورد في
стр. 1676
الحديث الذي رواه أبو هريرة، قال رسول الله ﷺ : «من لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ» [متفق عليه]، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٥٥) في نفس السورة وهي قوله تعالى على لسان موسى: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: نجد أن في آية الاعراف (١٥١) قال موسى: (رب اغفر لي ولأخي، وفي الآية (١٥٥) قال موسى: (فاغفر لنا) إذن طلب المغفرة في كلا الآيتين، والمغفرة تدل على ذنبٍ كبيرٍ، أو صغيرٍ، وطلب الرحمة في كلا الآيتين، وفي الآية (١٥٥) ذكر خير الغافرين؛ لأن ذنب الذين اتخذوا العجل كان أعظم مما حدث بين هارون وموسى.
سورة الأعراف [٧: ١٥٢]
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾: اتخذوا: من أفعال التحويل، والتصيير؛ أي: اتخذوا العجل إلهاً.
﴿سَيَنَالُهُمْ﴾: السين: للمستقبل القريب؛ أيْ: في الدنيا.
﴿غَضَبٌ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾: عذاب من ربهم، وهو ما أمرهم به، من قتل الذين اتخذوا العجل.
﴿وَذِلَّةٌ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: خروجهم من ديارهم، وتشردهم: بالقتل، والجلاء، والجزية ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١].
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾: جمع مفترٍ: وهو الذي يختلق الكذب المتعمد؛ أيْ: كما جزيناهم بالغضب، والذلة؛ نجزي المفترين على الله الكذب، والمشركين بالله، والفرية مثل ما عمل السامري نجزي المفترين؛ أمثال: السامري … وغيره.
стр. 1677
سورة الأعراف [٧: ١٥٣]
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
هذه الآية تشير إلى حكم عام، أما من اتخذوا العجل فكانت توبتهم قتل أنفسهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤).
وأما ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾: فقيل: الصغائر والكبائر.
﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا﴾: من بعدها؛ أي: السيئات، وندموا على ما فعلوا، وعزموا على ألّا يعودا إليها، وأصلحوا ما أفسدوا، وأكثروا من النوافل. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦ - ١٧)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَآمَنُوا﴾: أخلصوا إيمانهم لله، ولم يشركوا به شيئاً.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: بعد تلك السيئات ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. إن: للتوكيد.
أو ﴿بَعْدِهَا﴾: من بعد التوبة، وتطبيق شروطها.
﴿لَغَفُورٌ﴾: اللام: تدل على التوكيد.
﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة الأنعام؛ للبيان.
ولم يقل: لغفور رحيم لهم، بل جعل صفة الرحمة والمغفرة عامة، وشاملة، ولم يقيدها بهم فقط.
سورة الأعراف [٧: ١٥٤]
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾:
﴿وَلَمَّا﴾: الواو: استئنافية. لما: ظرف زماني؛ يعني: حين.
﴿سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾: شبَّه الغضب بشيء يُثير موسى، ويهيِّجه؛ فلما سكت عن موسى الغضب؛ أيْ: زال وانتهى، أو سكن؛ فالغضب جعله يلقي
стр. 1678
الألواح، ويأخذ برأس أخيه، ثم جاءت مرحلة الاستغفار، والألواح ما زالت ملقاة على الأرض، أخذ الألواح التي ألقاها.
﴿وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى﴾: أيْ: ما كتب فيها هدى، مصدر هدى، أو هو هدى يهدي للحق، والخير، ويهدي للغاية الموصلة إلى السعادة، والكمال في الدارين.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾: الرحمة: جلب ما ينفع، ودفع ما يضر، وتعني النِّعم، أو الأنعام على المحتاج.
﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾: للذين: اللام: لام الاختصاص، والتوكيد. هم: لزيادة التوكيد، والمبالغة.
﴿يَرْهَبُونَ﴾: يخافون، والرهبة: هي الخوف الذي يمتد طويلاً، مع توقُّع العقوبة بعلم؛ أيْ: من دون شك؛ الخوف الذي يصاحبه ازدياد في نبضات القلب، واللجوء إلى الهرب؛ لتجنب وقوع العقوبة.
سورة الأعراف [٧: ١٥٥]
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِنْ قَبْلُ وَإِيَّاىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾:
﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾: ولم يقل: من قومه؛ لأن من اختارهم موسى ﵇ هم خيرة القوم، أو هم مختارون سابقاً من القوم، ولم يخترْ غيرهم؛ أيْ: ممثلو القوم وسادتهم، وربما اختار موسى ﵇ عدة؛ أيْ: عدد قليل جداً لم يغيروا المشهد.
﴿سَبْعِينَ رَجُلًا﴾: يمثلون قومه؛ للاعتذار عن عبادة العجل، واتخاذه إلهاً.
﴿لِّمِيقَاتِنَا﴾: اللام: لام الاختصاص، ميقاتنا: الميقات الزماني، والمكاني للحضور، ويعني: لميقاتنا الثاني. الميقات الأول: حين استلم الألواح، وهذا الميقات: للاعتذار للربِّ.
﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: الفاء: للترتيب، والتعقيب، لما: ظرفية، زمانية؛
стр. 1679
تعني: حين. أخذتهم الرجفة: أصابتهم الزلزلة الشديدة المرعبة حين سألوا موسى ﵇، وقالوا: أرنا الله جهرة.
﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِنْ قَبْلُ وَإِيَّاىَ﴾: قال موسى: رب لو: حرف امتناع لامتناع، ولم يقل: يا رب؛ لأنه يعلم أن ربه قريب منه، ولم يستعمل ياء النداء.
﴿أَهْلَكْتَهُم مِنْ قَبْلُ وَإِيَّاىَ﴾: من قبل مجيئنا للميقات، وإذا قارنا هذه الآية بالآية (٩) من سورة النحل: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ نرى أنه سبحانه أكد على الهداية، ولم يؤكد على الهلاك؛ لأن الهداية أهم أو أصعب من الهلاك.
﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾: أتهلكنا: الهمزة: للاستفهام، والاستعطاف.
﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾: الذين طلبوا رؤية الله سفهاً وجهلاً، أو قيل: الذين عبدوا العجل؛ أمثال: السامري، وأصحابه، أو كلاهما، وتشمل كلَّ السفهاء.
﴿بِمَا﴾: الباء: للتعليل، أو الإلصاق، وما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي.
﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾:
﴿إِنْ﴾: حرف نفي؛ أيْ: ما هي إلّا فتنتك.
﴿هِىَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿إِلَّا﴾: للحصر، والتوكيد.
﴿فِتْنَتُكَ﴾: ابتلاؤك، واختبارك. ارجع إلى سورة العنكبوت، آية (٢)؛ لمزيد من البيان عن الفتنة.
﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾: تضل بهذه الفتنة من أرادوا الضلال منهم، واختار لنفسه طريق الضلال؛ فهم أعطوا حق الاختيار؛ فاختاروا اتخاذ العجل بأنفسهم.
стр. 1680
﴿وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ﴾: تهدي من أراد، أو طلب الهداية؛ أيْ: من رفض اتخاذ العجل إلهاً، وآمن بالله، ولم يشرك به.
﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾:
﴿أَنْتَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿وَلِيُّنَا﴾: المتولي لأمورنا، والمدبر لها، وحافظنا، والمعين لنا.
﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾: الفاء: للتوكيد، والترتيب، والتعقيب.
﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾: الغفر: هو الستر؛ أي: استر ذنوبنا، وامحها.
﴿وَارْحَمْنَا﴾: طلب الرحمة بعد الغفران، وتعني: أنعم علينا من نعمك، وقنا السيئات، والرحمة تعني: جلب ما يسر، ودفع ما يضر.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: جمع غافر، من فعل غفر؛ أيْ: ستر، والمغفرة معناها: ستر الذنب، الغفور الذي يستر الذنوب والمعاصي، ولا يفضح صاحبها، ولا يعاقبه عليها، ويجازيه على ما قام به من أعمال صالحة (حسناته)، فلا يطرح السيئات من الحسنات.
وأما العفو: فهو الذي يسقط الذنب (يترك العقوبة)، ولا يقتضي إيجاب الثواب، وقد تمنُّ عليه بعفوك له، وتذكره به؛ لأنه ربما كان لا يستحق العفو.
وأما الصفح: فهو العفو مع ترك المن، وعدم ذكر الزلة لصاحبها؛ أيْ: ترك العقوبة، والمن، وعدم ذكر ذلك له.
أما بالنسبة للتدرج فكما يلي:
العفو: إسقاط الذنب، أو ترك العقوبة، ولا يقتضي الثواب.
الغفران: العفو مع إعطائه ثواب أعماله الحسنة.
الصفح: العفو مع عدم المن عليه بالعفو (ترك اللوم)، والصفح أبلغ من العفو.
стр. 1681
والغفار: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير المغفرة كمّاً؛ أيْ: يغفر الذنوب الكثيرة مهما كثرت وتعدَّدت، أو تجددت.
الغفور: صيغة مبالغة كثير الغفر. قيل: يغفر الذنوب العظام؛ (صيغة مبالغة)؛ أيْ: يغفر الذنوب مهما كان نوعها إلا الكفر والشرك إذا لم يتب قبل موته، وتعني دوام المغفرة.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: أنت: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: أفضل الغافرين، والغافرين: جمع غافر، وغافر يعني: الساتر للذنب، ولا يعاقبه عليه، إضافةً إلى ذلك يعطي لمن غفر له؛ ثواب أعماله الحسنة.
﴿خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: معنى ذلك: أن هناك من الخلق من يغفر لغيره من الناس، ولا يعاقبه على ذنبه بأسباب، أو بغير أسباب؛ كأن يغفر له خوفاً منه، أو سمعة، أو رياء، أو صدقاً، وابتغاء وجه الله تعالى.
فكيف يدخل الله سبحانه ذاته مع خلقه في صفة الغفر، أو الخلق: خير الخالقين، أو الرزق: خير الرازقين، والوارثين، والحاكمين؟
والجواب على هذا: هو أولاً: إعطاؤهم هذه الصفات هي من فضله وإحسانه، أو وصفهم بهذه الصفات هي من فيض إحسانه، وفضله.
ثانياً: وإن أُعطوا هذه الصفات فهم عرضة للأغيار؛ فهي صفات غير دائمة؛ أيْ: زائلة بمجرد موتهم، وهي محدودة غير مطلقة، بينما صفات الخالق مثل الغفر والرحمة والرزق: صفات لا تتغير، أو تتبدل مطلقة غير محدودة، ودائمة غير زائلة منذ الأزل إلى الأبد.
стр. 1682
سورة الأعراف [٧: ١٥٦]
﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: واكتب: أيْ: آتِنا، وشرع لنا في هذه الدنيا حسنة. لنا: خاصَّةً في هذه الدنيا. حسنة: لمعرفة معنى حسنة ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١).
﴿وَفِى الْآخِرَةِ﴾: الجنة، والرضوان، والنعيم المقيم.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: هاد؛ أيْ: رجع، وهدنا إلي: رجعنا إليك؛ أيْ: تبنا إليك، هذا كلام يعبر به موسى ﵇ عن نفسه، وأخيه، وقومه، وخاصَّةً الذين عبدوا العجل؛ أيْ: تبنا إليك؛ فأنت أكرم من أن تردَّنا خائبين.
﴿قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾: أيْ: إذا أذنب العبد ذنباً؛ فأنا أعذبه، أو أغفر له، وقوله تعالى: ﴿عَذَابِى﴾: فيه تحذير شديد حيث نسب العذاب له تعالى.
﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾: ورحمتي؛ أيْ: في الدنيا وسعت كلَّ شيء؛ أيْ: تشمل الطائع، والعاصي، والمؤمن، والكافر، وكل شيء خلقه، ووسعت الذنوب جميعاً؛ إذا تاب العبد، وأناب إلى ربه.
﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾:
стр. 1683
﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾: الفاء: للتوكيد، والسين: للاستقبال القريب، والكتابة؛ تعني: رحمتي أمنحها أو أوتيها، والكتابة تحصل قبل، أو قيد العطاء، أو العقد المحقق حصوله وفيها معنى العهد، والله لا يخلف عهده.
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق؛ أيْ: رحمتي وسعت كل شيء في الدنيا، ولكن هذه الرحمة سوف تنتهي بالنسبة للكافرين متى توفتهم رسلنا، ولكنها رحمة مستمرة للمؤمنين، فسأكتبها في الآخرة: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: (أي: الشرك والمعاصي) بامتثال أوامر الله تعالى، وتجنب نواهيه.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ﴾: هم: ضمير منفصل؛ يفيد: التوكيد.
﴿بِآيَاتِنَا﴾: التشريعية، والكونية، والمعجزات.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدِّقون.
وجاءت: ﴿يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾: بصيغة المضارع: للدلالة على الاستمرار، والتجدُّد.
سورة الأعراف [٧: ١٥٧]
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر الله -جل وعلا- مستحقي رحمته الذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياته يؤمنون.
روى عن ابن عباس: اليهود قالوا: نحن مستحقو هذه الرحمة، فجاء الرد:
стр. 1684
لو كنتم مستحقي هذه الرحمة؛ لآمنتم بمحمد ﷺ ؛ لأن من تعاليم التوراة: أن تتبعوا الرسول النبي الأمي؛ الذي تجدونه مكتوباً عندكم.
﴿فِى التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾: اسمه، ووصفه؛ النبي الأمي؛ أي: الذي لا يكتب.
والأمي: كما في لسان العرب لابن منظور: هو الذي لا يكتب، وليس كما هو متداول بين الناس: أن الأمي الذي لا يقرأ، ما يتلى عليه؛ أيْ: يتلو عن سماع، وأحسن من قرأ القرآن هم الأميون.
وكما وصفه ربه بأنه يأمرهم المعروف؛ أي: الموافق لما أمر به الشرع، وتعارفت عليه الأمة، أو تعني ما يجدونه في التوراة، والإنجيل يأمرهم باتباع محمد ﷺ ، وكذلك يأمرهم بالمعروف.
﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾: مثل الشرك، والباطل، وما تنكر صحته العقول السليمة، والشرع.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾: جمع طيب، والطيب: هو الحلال الطاهر.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾: جمع خبيثة؛ مثل: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والربا، والرشوة، والمال الحرام.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾: الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه؛ أيْ: يحبسه من الحركة أو يحمله على ظهره؛ ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٨٦)؛ لمزيد من البيان في معنى الإصر.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ﴾: أي: يحطها عنهم؛ أيْ: يخفِّف عنهم؛ كقوله تعالى:
стр. 1685
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
والإصر؛ قد يعني: العهد المؤكد بيمين، أو قسم.
﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾: القيود، أو التكاليف الشاقة في الشريعة؛ مثل: الزكاة (٢٥%)، تحريم العمل في السبت، القصاص بالقتل فقط، وليس بالدِّيَة، أو التسامح، إزالة النجاسة: بقطع طرف أو جزء من الثوب النجس، والأغلال: جمع غل: هو القيد الذي تربط به يد الجاني إلى عنقه، والمراد بها التكاليف الشاقة في بالشريعة.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾: به: تعود على محمد ﷺ .
﴿وَعَزَّرُوهُ﴾: أيَّدوه، وعظَّموه؛ أيْ: منعوه؛ حتى لا يقوى عليه عدوه؛ أيْ: حاموا عنه: دافعوا عنه.
﴿وَنَصَرُوهُ﴾: من النصرة على أعدائه.
﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ﴾: أي: القرآن أنزل معه.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أولئك: اسم إشارة للبعد؛ يفيد التعظيم؛ أيْ: إذا كان هناك مفلحون؛ فهم حقاً المفلحون.
﴿هُمُ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد القصر، والتوكيد، والمبالغة.
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: الفلاح: الفوز، الظفر بالمرغوب، والدخول إلى الجنة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ١٥٨]
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ
следующие страницы →