Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
والغفار: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير المغفرة كمّاً؛ أيْ: يغفر الذنوب الكثيرة مهما كثرت وتعدَّدت، أو تجددت.
الغفور: صيغة مبالغة كثير الغفر. قيل: يغفر الذنوب العظام؛ (صيغة مبالغة)؛ أيْ: يغفر الذنوب مهما كان نوعها إلا الكفر والشرك إذا لم يتب قبل موته، وتعني دوام المغفرة.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: أنت: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: أفضل الغافرين، والغافرين: جمع غافر، وغافر يعني: الساتر للذنب، ولا يعاقبه عليه، إضافةً إلى ذلك يعطي لمن غفر له؛ ثواب أعماله الحسنة.
﴿خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: معنى ذلك: أن هناك من الخلق من يغفر لغيره من الناس، ولا يعاقبه على ذنبه بأسباب، أو بغير أسباب؛ كأن يغفر له خوفاً منه، أو سمعة، أو رياء، أو صدقاً، وابتغاء وجه الله تعالى.
فكيف يدخل الله سبحانه ذاته مع خلقه في صفة الغفر، أو الخلق: خير الخالقين، أو الرزق: خير الرازقين، والوارثين، والحاكمين؟
والجواب على هذا: هو أولاً: إعطاؤهم هذه الصفات هي من فضله وإحسانه، أو وصفهم بهذه الصفات هي من فيض إحسانه، وفضله.
ثانياً: وإن أُعطوا هذه الصفات فهم عرضة للأغيار؛ فهي صفات غير دائمة؛ أيْ: زائلة بمجرد موتهم، وهي محدودة غير مطلقة، بينما صفات الخالق مثل الغفر والرحمة والرزق: صفات لا تتغير، أو تتبدل مطلقة غير محدودة، ودائمة غير زائلة منذ الأزل إلى الأبد.
стр. 1682
سورة الأعراف [٧: ١٥٦]
﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: واكتب: أيْ: آتِنا، وشرع لنا في هذه الدنيا حسنة. لنا: خاصَّةً في هذه الدنيا. حسنة: لمعرفة معنى حسنة ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٠١).
﴿وَفِى الْآخِرَةِ﴾: الجنة، والرضوان، والنعيم المقيم.
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾: هاد؛ أيْ: رجع، وهدنا إلي: رجعنا إليك؛ أيْ: تبنا إليك، هذا كلام يعبر به موسى ﵇ عن نفسه، وأخيه، وقومه، وخاصَّةً الذين عبدوا العجل؛ أيْ: تبنا إليك؛ فأنت أكرم من أن تردَّنا خائبين.
﴿قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾: أيْ: إذا أذنب العبد ذنباً؛ فأنا أعذبه، أو أغفر له، وقوله تعالى: ﴿عَذَابِى﴾: فيه تحذير شديد حيث نسب العذاب له تعالى.
﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾: ورحمتي؛ أيْ: في الدنيا وسعت كلَّ شيء؛ أيْ: تشمل الطائع، والعاصي، والمؤمن، والكافر، وكل شيء خلقه، ووسعت الذنوب جميعاً؛ إذا تاب العبد، وأناب إلى ربه.
﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾:
стр. 1683
﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾: الفاء: للتوكيد، والسين: للاستقبال القريب، والكتابة؛ تعني: رحمتي أمنحها أو أوتيها، والكتابة تحصل قبل، أو قيد العطاء، أو العقد المحقق حصوله وفيها معنى العهد، والله لا يخلف عهده.
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق؛ أيْ: رحمتي وسعت كل شيء في الدنيا، ولكن هذه الرحمة سوف تنتهي بالنسبة للكافرين متى توفتهم رسلنا، ولكنها رحمة مستمرة للمؤمنين، فسأكتبها في الآخرة: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: (أي: الشرك والمعاصي) بامتثال أوامر الله تعالى، وتجنب نواهيه.
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ﴾: هم: ضمير منفصل؛ يفيد: التوكيد.
﴿بِآيَاتِنَا﴾: التشريعية، والكونية، والمعجزات.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدِّقون.
وجاءت: ﴿يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾: بصيغة المضارع: للدلالة على الاستمرار، والتجدُّد.
سورة الأعراف [٧: ١٥٧]
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر الله -جل وعلا- مستحقي رحمته الذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياته يؤمنون.
روى عن ابن عباس: اليهود قالوا: نحن مستحقو هذه الرحمة، فجاء الرد:
стр. 1684
لو كنتم مستحقي هذه الرحمة؛ لآمنتم بمحمد ﷺ ؛ لأن من تعاليم التوراة: أن تتبعوا الرسول النبي الأمي؛ الذي تجدونه مكتوباً عندكم.
﴿فِى التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾: اسمه، ووصفه؛ النبي الأمي؛ أي: الذي لا يكتب.
والأمي: كما في لسان العرب لابن منظور: هو الذي لا يكتب، وليس كما هو متداول بين الناس: أن الأمي الذي لا يقرأ، ما يتلى عليه؛ أيْ: يتلو عن سماع، وأحسن من قرأ القرآن هم الأميون.
وكما وصفه ربه بأنه يأمرهم المعروف؛ أي: الموافق لما أمر به الشرع، وتعارفت عليه الأمة، أو تعني ما يجدونه في التوراة، والإنجيل يأمرهم باتباع محمد ﷺ ، وكذلك يأمرهم بالمعروف.
﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾: مثل الشرك، والباطل، وما تنكر صحته العقول السليمة، والشرع.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾: جمع طيب، والطيب: هو الحلال الطاهر.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾: جمع خبيثة؛ مثل: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والربا، والرشوة، والمال الحرام.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾: الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه؛ أيْ: يحبسه من الحركة أو يحمله على ظهره؛ ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٨٦)؛ لمزيد من البيان في معنى الإصر.
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ﴾: أي: يحطها عنهم؛ أيْ: يخفِّف عنهم؛ كقوله تعالى:
стр. 1685
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
والإصر؛ قد يعني: العهد المؤكد بيمين، أو قسم.
﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾: القيود، أو التكاليف الشاقة في الشريعة؛ مثل: الزكاة (٢٥%)، تحريم العمل في السبت، القصاص بالقتل فقط، وليس بالدِّيَة، أو التسامح، إزالة النجاسة: بقطع طرف أو جزء من الثوب النجس، والأغلال: جمع غل: هو القيد الذي تربط به يد الجاني إلى عنقه، والمراد بها التكاليف الشاقة في بالشريعة.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾: به: تعود على محمد ﷺ .
﴿وَعَزَّرُوهُ﴾: أيَّدوه، وعظَّموه؛ أيْ: منعوه؛ حتى لا يقوى عليه عدوه؛ أيْ: حاموا عنه: دافعوا عنه.
﴿وَنَصَرُوهُ﴾: من النصرة على أعدائه.
﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنْزِلَ مَعَهُ﴾: أي: القرآن أنزل معه.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أولئك: اسم إشارة للبعد؛ يفيد التعظيم؛ أيْ: إذا كان هناك مفلحون؛ فهم حقاً المفلحون.
﴿هُمُ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد القصر، والتوكيد، والمبالغة.
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: الفلاح: الفوز، الظفر بالمرغوب، والدخول إلى الجنة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ١٥٨]
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ
стр. 1686
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الْأُمِّىِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: خطاب للنبي ﷺ .
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: أداة نداء، والهاء: للتنبيه، والناس: كافة الإنس والجن.
﴿إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ﴾: للتوكيد، رسول الله تعالى.
﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾: إلى الناس جميعاً: للتوكيد كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، والسؤال هنا: لماذا جاءت (١٥٧ - ١٥٨) التي تخص رسول الله ﷺ في خضم آيات بني إسرائيل؟ لأن اليهود جحدوا بنبوة محمد ﷺ فذكرهم الله سبحانه بأنه مالك السموات والأرض، وأنه أعلم حيث يجعل رسالته، وهو الذي يحيي ويميت.
﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الذي: اسم موصول؛ يفيد المدح، والتعظيم له.
﴿لَهُ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أيْ: له وحده حكم السموات والأرض.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا: نافية.
إله: اسم بمعنى: مألوه؛ أيْ: معبود، ولا معبود إلا هو، فما دام الوجود كله، السموات والأرض لله؛ فهو الأولى، والأحق: أن يعبد، وقمة العبادة: هي أن تشهد أن لا إله إلا الله، وما دام كونه إلهاً، فلا بُدَّ أن يطاع، ولا يطاع إلّا بما شرعه؛
стр. 1687
أيْ: بمنهجه، وأول المنهج وقمته التوحيد، ولا أحد غيره يحيي ويميت. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٥)؛ لمزيد من البيان.
﴿لَا﴾: النافية.
﴿إِلَهَ﴾: اسم بمعنى: مألوه؛ أيْ: معبود، ولا معبود إلّا هو.
﴿يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾: هو الذي يحيي، ويميت: صفة لا يشاركه فيها أحد من خلقه؛ أيْ: ماذا بعد الإقرار بوحدانية الله، وعبوديته؛ إلا الإيمان.
﴿فَئَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الْأُمِّىِّ﴾: دعوة إلى الإيمان بالله ورسوله محمد ﷺ ، النبي، الأمي. ارجع إلى الآية (١٥٧) من نفس السورة، والآية (٨) من سورة البقرة.
﴿الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾: أيْ: آمنوا بمحمد ﷺ النبي الأمي؛ الذي يؤمن بوحدانية الله، وبكل أركان الإيمان وفروعه.
﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾: أيْ: ما تضمنته كتبه: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، ورسائله.
﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾: اتبعوا هديه، وسنته، اتبعوا الإسلام.
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لعلَّ أداة ترجٍّ، أو للتعليل.
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: لعلَّكم: لعلَّ: للتعليل؛ أيْ: إذا اتبعتم أسباب الهداية الخاصَّة، والعامة، وآمنتم بالله، ورسوله، النبي، الأمي، وسألتم الله العون، فستهتدون.
стр. 1688
سورة الأعراف [٧: ١٥٩]
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾:
﴿وَمِنْ﴾: من للابتداء، والتبعيض، وتعني: ليس كل قوم موسى من بني إسرائيل.
﴿قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾: يرشدون الناس، ويهدونهم إلى الإيمان الصحيح، وطاعة الله، وعبادته، والعمل بالتوراة، وما أنزل الله فيها.
﴿بِالْحَقِّ﴾: بالوحي، أو التوراة، أو ما أنزل الله عليهم.
﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: به: تعود على التوراة، أو ما أنزل إليهم من ربهم، وبالحق يحكمون بين الناس؛ أيْ: يعدلون في الحكم.
﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: ولم يقل: بالحق يعدلون، بل قال: ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾؛ لأن الحديث عن بني إسرائيل، وضلالهم، وعنادهم، ومعلوم: أن إعادة الاسم الظاهر أقوى وأبلغ من الضمير، فقوله: ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ وبالحق يعدلون: أبلغ، وأقوى في النفس من قوله: ﴿بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: وذلك؛ لأن الخطاب إلى بني إسرائيل، وكذلك كرَّر هذه حين قال في الآية (١٨١): ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
стр. 1689
سورة الأعراف [٧: ١٦٠]
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾:
﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾: القطع: الفصل بينهم بشكل ظاهر؛ أيْ: صيَّرناهم اثنتي عشرة أسباطاً؛ أي: اثنتي عشرة قبيلة.
السبط في بني إسرائيل يعادل قبيلة عند العرب.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾:
﴿وَأَوْحَيْنَا﴾: الوحي: هو إعلام بخفاء، أعلمنا موسى بطريق الوحي. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لبيان معنى (أوحينا)، وتم هذا الإيحاء إلى موسى ﵇، وهم في التيه.
﴿إِذِ﴾: ظرفية، زمانية؛ بمعنى: حين.
﴿اسْتَسْقَاهُ﴾: الألف، والسين، والتاء؛ تعني: الطلب؛ أيْ: حين طلب قوم موسى من موسى الماء للسقيا للشرب.
وهذا الطلب يعد المرحلة الأولى، وبعدها جاءت الآية (٦٠) في سورة
стр. 1690
البقرة: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ موسى طلب السقيا من الله تعالى؛ فأوحى إليه أن اضرب بعصاك الحجر.
﴿أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾: أن حرف مصدري يفيد التوكيد، والتعليل.
﴿فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: الانبجاس؛ قيل: هو خروج الماء، وتدفقه بقلة، أو ضعف، وليس كالانفجار الذي ورد في آية البقرة (٦٠).
﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: عدد أسباط بني إسرائيل، أولاد يعقوب ﵇ الاثني عشر، بما فيهم يوسف وأخوه.
السؤال هنا: ما هي الفروق بين هذه الآية، والآية (٦٠) من سورة البقرة: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾؟
ففي آية سورة البقرة: الذي استسقى، أو طلب السقيا الماء: هو موسى ﵇، طلب من الله السقيا، وموسى أقرب إلى الله تعالى من بني إسرائيل، بينما في آية سورة الأعراف الذي طلب السقيا هم بنو إسرائيل، طلبوا السقيا من موسى ﵇.
الفرق الثاني: هو في آية سورة البقرة: ﴿فَانفَجَرَتْ﴾، وفي آية سورة الأعراف: ﴿فَانبَجَسَتْ﴾، والانفجار؛ يعني: بقوة، وسعة، وكثرة في تدفق الماء، وغزارة، مقارنة بقوله: فانبجست: التي تدل على تدفق الماء بقلة، وضيق، وبعض العلماء فسروا ذلك: بأن الانفجار حدث أولاً؛ لكثرة حاجتهم إلى الماء في البداية
стр. 1691
وعطشهم، وبعد ذلك خفت الحاجة إلى الماء؛ فقل الماء؛ فأصبح يتدفق بقلة حسب الحاجة بعد أن كان يتدفق بشدة؛ إذن حدث الانفجار، ثم الانبجاس.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦٠).
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٧).
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٧).
سورة الأعراف [٧: ١٦١]
﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾:
قبل البدء بتفسير هذه الآية ومقارنتها بآية (٥٨) من سورة البقرة لنعلم أن آية الأعراف (١٦١) جاءت في سياق آيات التوبيخ والذم لبني إسرائيل التي افتتحت بقوله تعالى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وكذلك لا بد من الرجوع إلى سورة البقرة لمقارنة هذه الآية لبيان لفروق بينهما.
﴿وَإِذْ﴾: واذكر إذ، أو واذكر حين.
﴿قِيلَ لَهُمُ﴾: قيل لهم: بصيغة المبني للمجهول مقارنة بقوله تعالى في سورة البقرة آية (٥٨) قلنا، قيل لهم تدل على قلة الاهتمام.
﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: مقارنة بقوله تعالى في سورة البقرة آية (٥٨) ادخلوا فلا تعارض بين الآيتين الدخول ثم السكن.
стр. 1692
﴿هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: الهاء: للتنبيه، ذه: اسم إشارة؛ للقريب، وقيل: هي بيت المقدس، أو ريحاً أو غيرها أمروا بدخولها بعد التيه.
﴿وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾: مقارنة بقوله تعالى: فكلوا منها حيث شئتم رغداً في سورة البقرة آية (٥٨) حيث أضاف الفاء ورغداً.
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: أي: اغفر لنا، أو حط عنا أوزارنا، وخطايانا.
﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: باب القرية، سجداً بتواضع، وخضوع لله -جل وعلا-، واسجدوا لله عند دخولكم الباب، سجود شكر، ونجد تقديم وتأخير معاكس في كلا الآيتين آية البقرة وآية الأعراف يناسب سياق الآيات؛ في سورة البقرة: الاهتمام والتكريم، وفي سورة الأعراف: التوبيخ والذم.
﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ﴾: الغفر: هو الستر، والمغفرة هي ستر الذنب. لكم: أي نغفر لهؤلاء؛ الذين قاموا بما أمروا به. خطيئاتكم: الخطايا: هي الذنوب، وخطيئاتكم: جمع قلة. وسواء كان خطاياكم أو خطأكم: جمع خطيئة. خطاياكم: جمع كثرة (في مقام التكريم والاهتمام)، وخطأكم: جمع قلة (في مقام التوبيخ والذم).
﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: السين: للاستقبال القريب. من النعم، والخيرات، والرضى، والثواب، والإحسان؛ هنا مستقل عن المغفرة؛ أي: نغفر لكم وأيضاً نزيد المحسنين.
انتبه إلى أن الواو في (وكلوا)، و (قولوا)، و (حطة): لا تدل على الترتيب،
стр. 1693
فسواء دعوا، أو دخلوا، أو أكلوا، أو أكلوا، أو دخلوا، أو دعوا؛ كلها مقبولة، والترتيب لا يهم.
في آية الأعراف قال: ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: الإحسان: مستقل عن المغفرة، فبعد الغفران سنزيد المحسنين.
أما في آية البقرة؛ فقال: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: الإحسان: المغفرة شيء واحد، وهذا أفضل من سنزيد المحسنين، الواو: تدل على الاهتمام.
سورة الأعراف [٧: ١٦٢]
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾:
هذه الآية تتمة للآية التي جاءت بعد أن قل إيمان بني إسرائيل.
﴿فَبَدَّلَ﴾: الفاء: تدل على التعقيب، والمباشرة على التبديل.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾: فقالوا: بدلاً من حط عنا خطايانا قالوا: حطة.
ودخلوا الباب من دون خضوع، وخشوع.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: خاصَّةً؛ تفيد التوكيد.
﴿فَأَرْسَلْنَا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، والإرسال: فيه معنى الكثرة؛ أيْ: مرات عديدة، بعكس: أنزلنا؛ تعني: مرة، أو عدداً قليلاً.
﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾: عذاباً من السماء.
أما الفرق بين الرجز والرجس:
стр. 1694
فالرجس: المعاصي، والمآثم، والأصنام، والأوثان، وكل ما يستقبحه الشرع؛ فالرجس: يؤدِّي إلى الرجز: وهو العذاب؛ أي: الرجس أعم من الرجز، فالرجس يشمل الرجز (العذاب) وكل أمر، أو شيء مستقبح قذر مثل الأصنام والمعاصي. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩) لمزيد من البيان في معنى الرجز والرجس.
﴿بِمَا﴾: الباء: باء البدلية، أو السببية، ما: بمعنى: الذي.
﴿كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾: من الظلم، وهو الشرك، وعدم الطاعة، والخروج عن منهج الله. ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان عن الظلم.
ولنقارن هذه الآية (١٦٢) من سورة الأعراف: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
مع الآية (٥٩) من سورة البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
آية سورة الأعراف في سياق الذين أقل إيماناً، وآية سورة البقرة في سياق الأكثر إيماناً، وإذا قارنا هاتين الآيتين نجد الاختلافات التالية:
ففي آية الأعراف قال: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾: منهم: تدل على التوكيد من بني إسرائيل.
أما في آية سورة البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾: فلم يذكر (منهم).
стр. 1695
في آية الأعراف قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا﴾: تعني: مرات كثيرة، فيها شدة أكثر من ﴿أَنزَلْنَا﴾ التي وردت في سورة البقرة، فأرسلنا؛ أي: العذاب المرسل، إرسالاً متتابعاً، ومتكرراً، ﴿أَنزَلْنَا﴾: يعني: مرة أو مرتين.
في آية الأعراف قال: ﴿عَلَيْهِمْ﴾: أعم من (على) التي وردت في سورة البقرة؛ لأن عليهم: تشمل الذين ظلموا وغيرهم.
في آية الأعراف قال: ﴿يَظْلِمُونَ﴾، وفي سورة البقرة ﴿يَفْسُقُونَ﴾، والظلم أشد من الفسق، وأعلى درجة، والفسق يسبق الظلم، وهو أقل إثماً من الظلم، ويعني: الخروج عن طاعة الله، أو الدِّين.
سورة الأعراف [٧: ١٦٣]
﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
﴿وَسْئَلْهُمْ﴾: ولم يقل أخبرهم عن قصة القرية التي كانت حاضرة البحر، بل لأن هذه القصة لها أهمية وشأن، والسؤال موجَّه إلى رسول الله ﷺ ، أن يسأل اليهود من بني إسرائيل عن قصة القرية التي كانت حاضرة البحر، وهذا السؤال له غايات عدة منها: أن هذه القصة ليست كما وردت في التوراة فهم حرفوها وغيروها، وكانوا يكتمونها، وأن الله سبحانه أطلع رسوله ﷺ على الحقيقة فهي علامة على صدق نبوته، ولتكون أيضاً عبرة لمن يحاول الاحتيال على ما حرم الله سبحانه، وعاقبة أمره الخسران والهلاك وجدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 1696
﴿عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾: القرية: المدينة، وقيل: هي مدينة العقبة على البحر الأحمر، أو مدين.
﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾: قريبة، أو مجاورة للبحر؛ البحر الأحمر على شاطئه.
﴿إِذْ﴾: ظرف زمان؛ بمعنى: حين.
﴿يَعْدُونَ فِى السَّبْتِ﴾: فقد أمروا أن يعظموا السبت؛ بترك العمل فيه، والتفرغ لعبادة الله، ونهوا عن الاصطياد في ذلك اليوم، ولكنهم خالفوا أمر الله، وتجاهلوه، وتجاوزوا الحد.
﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾: السمك، والعرب تستعمل كلمة الحوت، وتعني السمكة.
﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾: أيْ: ظاهرة على وجه الماء، شرعاً: جمع شارع من شرع عليه؛ أي: اقترب وأشرف، وتطلق على إتيان الإبل والنعم نحو الماء لتشرب إذا شرعها الرعاة تسابقت واكتظت مع الماء فهو تشبيه بديع؛ شارعة ظاهرة على وجه الماء في كل ناحية؛ فقد كان السمك يأتيهم بكثرة، ويطفو على سطح الماء، ويسهل صيده، ومن دون عناء يوم السبت فقط، وبأعداد كبيرة.
﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾: في باقي الأيام من النادر أن ترى سمكة في الماء.
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أيْ: مثل ذلك البلاء الشديد.
﴿نَبْلُوهُم﴾: نختبرهم، والابتلاء قد يكون في الخير، أو الشر. نبلوهم هل يطيعون ما أمرهم الله به بعدم الاصطياد.
стр. 1697
﴿بِمَا﴾: الباء: للتعليل، أو بسبب ما كانوا يفسقون؛ لأن من سنة الله سبحانه: أن من عصاه يبتليه بأنواع كثيرة من المحن، والمصائب؛ لتزداد ذنوبه، وآثامه، أو يتوب ويعود إلى طريق الإيمان، ومن يطع الله كذلك يبتليه؛ لزيادة ثوابه في الآخرة، أو يرتد عن الإيمان، ولا يصبر.
ولكن حاولوا الاحتيال على ما حرَّم الله، فكانوا يرمون بشباكهم في البحر في غير يوم السبت؛ مثل يوم الجمعة مثلاً، وتبقى شباك الصيد في الماء؛ فإذا جاء يوم السبت دخلت الأسماك في الشباك، ولم تستطِع الخروج، وفي يوم الأحد مثلاً يخرجون شباك الصيد الممتلئة بالأسماك، وهكذا زين لهم الشيطان أعمالهم، وظنوا أن الله راضٍ عنهم.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: من الاصطياد يوم السبت، والفسق: وهو الخروج عن طاعة الله ومعصيته. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٦)؛ لبيان معنى الفسق.
стр. 1698
سورة الأعراف [٧: ١٦٤]
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: واذكر إذ قالت، أو حين قالت. إذ: ظرفية زمانية؛ للزمن الماضي.
﴿قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾: أمة: جماعة، أو فئة منهم من أهل القرية التي كانت حاضرة البحر؛ إذ انقسمت القرية، كما قيل إلى ثلاث جماعات، أو فئات.
الفئة الواعظة؛ أي: الآمرة بالمعروف، والناهية عن المنكر.
الفئة الموعوظة؛ أي: العاصية التي تحتال، وتصطاد يوم السبت.
الفئة الثالثة: المتبقية من أهل القرية، ليس هم من الفئة الواعظة، أو الموعوظة، ويمكن تسميتهم الفئة الحيادية المتفرجة.
﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾:
﴿لِمَ﴾: استفهامية.
﴿تَعِظُونَ﴾: من الوعظ، ويعني: النصح، والتحذير، والأمر، والنهي، والإرشاد بأسلوب الترغيب، والترهيب. ارجع إلى آية (٤٥) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
﴿إِذْ﴾: بمعنى: حين قالت أمة منهم (الفئة الثالثة الحيادية) تسأل الفئة الواعظة (الآمرة بالمعروف، والناهية عن المنكر)؛ لما تعظون الفئة العاصية التي تصطاد (الفئة الثانية).
﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا﴾: لما تعظون الفئة العاصية التي تحتال،
стр. 1699
وتصطاد في يوم السبت ما دام اختاروا أن يهلكهم الله، أو يعذبهم عذاباً شديداً؛ أيْ: مصيرهم إلى الهلاك.
﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾: قالت الفئة الواعظة: نعظهم؛ ليكون لنا عذراً عند ربنا؛ لأننا لم نستطع هدايتهم، أو منعهم من ارتكاب المعصية، وهي الصيد يوم السبت.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: أيْ: والسبب الثاني: لعلَّهم يتقون.
لعلَّ: تفيد التعليل.
﴿يَتَّقُونَ﴾: يطيعون أوامر الله، ويتجنبون الاصطياد يوم السبت، ويعودون إلى رشدهم؛ لأننا لم نيأس بعد من هدايتهم.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: إذا قاموا بأعمال التقوى الأخرى، وسألوا الله العون؛ لعلَّ الله يجعلهم من المتقين.
سورة الأعراف [٧: ١٦٥]
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب، والترتيب؛ أيْ: مباشرة، لما: ظرفية، زمانية، وشرطية؛ بمعنى: حين.
﴿نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: أيْ: لما لم تعد الفئة العاصية تستمع إلى أي نصح، أو تحذير، وأصبحت مهملة وغير مبالية بوعظ الفئة الواعظة ﴿نَسُوا مَا﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، ومصدرية.
﴿ذُكِّرُوا بِهِ﴾: من قبل الفئة الواعظة بعدم الاصطياد.
﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾: أنجينا: تدل على السرعة، والقوة، ولم يقل: نجينا التي تدل على البطء وطول الزمن.
стр. 1700
﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾: هم الفئة الواعظة، الآمرة بالمعروف، والناهية عن المنكر.
﴿عَنِ السُّوءِ﴾: العمل الذي تسوء عاقبته، وهنا؛ يعني: الاصطياد يوم السبت.
﴿يَنْهَوْنَ﴾: جاء بصيغة المضارع؛ لتدل على أنهم لا يزالون يأمرون بالمعروف، وأن عملهم هذا لم يتوقف، ولم يقل: أنجينا الذين نهوا عن السوء.
﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: الفئة العاصية الموعوظة.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: بعدم طاعة الله، والإصرار على المعصية، وظلموا أنفسهم.
﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾: الباء: للإلصاق، بئيس: من البأس: وهو الشدة؛ أيْ: عذاب ذي بأس، أو ذي شدة.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، أو السببية، أو التعليلية.
ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي.
﴿كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: من الفسق: وهو الخروج عن طاعة الله، وعصيانه.
سورة الأعراف [٧: ١٦٦]
﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: ارجع إلى الآية السابقة (١٦٥).
﴿عَتَوْا﴾: طغوا، وتجاوزوا الحد في المعصية، وتمرَّدوا وتكبَّروا، وازدادوا فساداً، ولم يعد فيهم أمل في العودة إلى طاعة الله، والكف عن عصيانه.
﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾:
﴿قُلْنَا لَهُمْ﴾: صيَّرناهم، أو حَولناهم إلى قردة خاسئين: صاغرين، أذلاء، حقيرين.
﴿خَاسِئِينَ﴾: مطرودين، مبعدين عن رحمة الله تعالى.
стр. 1701
من الخسوء: وهو الطرد، والإبعاد، خسأت الكلب من باب منعته، وطردته، وزجرته.
قيل: عذبوا عذاباً شديداً، ثم مسخوا قردة، وعاشوا ثلاثة أيام، أو عدة أيام، ثم انقرضوا، وبعض المفسرين قالوا: كان المسخ مسخاً معنوياً، والله أعلم.
وأما مصير الفئة الثالثة: فقد قيل: إنها نجت برحمة الله، وعفوه.
سورة الأعراف [٧: ١٦٧]
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
واذكر ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾: أعلم من الأذان، وهو الإعلام، والكلام عن بني إسرائيل.
﴿لَيَبْعَثَنَّ﴾: اللام: لام التوكيد، والنون: لزيادة التوكيد.
﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: يسلطنَّ عليهم إلى يوم القيامة من يذلهم ويضطهدهم، مثل: البابليين، المجوس، والألمان، وغيرهم.
﴿مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: من يذيقهم، من سام؛ أيْ: طلب. ارجع إلى الآية (٤٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من المعنى.
يعني ذلك: أن الله سيسلط، ويبعث عليهم من يقوم بتعذيبهم سوء العذاب، ويستمر ذلك إلى يوم القيامة.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾: إن حرف مشبّه بالفعل؛ يفيد: التوكيد. لسريع: اللام: لام التوكيد، سريع العقاب للظالمين، والمفسدين، والعاصين، وسرعة عقابه هي رحمة منه للمظلومين؛ لكي يتخلصوا من ظلم الظالمين، وبالمقابل: إن ربك لغفور رحيم لمن تاب، وآمن، وعمل صالحاً.
لنقارن هذه الآية مع آية سورة الأنعام (١٦٥): ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
стр. 1702
الاختلاف في الآيتين: يرجع فقط إلى زيادة اللام في كلمة ﴿لَسَرِيعُ﴾: والتي تفيد التوكيد على أنه سريع العقاب.
والعقاب: هو الجزاء على الفعل؛ أيْ: يدل على المعاقب يستحق العقاب، عَقيب فعله، أو إجرامه، من دون تأخير.
والسبب في التوكيد: أن آية الأعراف: جاءت في سياق بني إسرائيل، وعدم التزامهم بأوامر الله، كما ورد في أصحاب السبت، وعبادة العجل، ونتق الجبل، ولذلك أكَّد الله أنهم يستحقون العقاب في الدنيا؛ لأنهم يستمرون على فعل المعاصي، ويظنون أنهم سيغفر لهم، وأما آية سورة الأنعام: فجاءت في سياق العقوبات في الآخرة.
سورة الأعراف [٧: ١٦٨]
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِى الْأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِى الْأَرْضِ أُمَمًا﴾: أي: بني إسرائيل، فرَّقناهم في الأرض طوائف، فلا يكاد يخلو بلد منهم، وأمماً: جمع أمة، أو جماعة من الناس، تجمعهم عقيدة، أو شريعة واحدة؛ بغض النظر عن العدد، أو الحيز الجغرافي.
﴿مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾: أيْ: منهم المؤمنون بالله، وبموسى ﵇، وبالتوراة.
﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾: أي: الأقل صلاحاً، وإيماناً.
﴿وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾: بالنِّعم، والغنى، والجاه، والأمن، والصحة، وبالشدائد، وقلة الأمن، والخوف، والتشرذم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: عن فسادهم، وطغيانهم، ويتوبون إلى الله.
سورة الأعراف [٧: ١٦٩]
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ
стр. 1703
سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: الخلَف: بفتح اللام تستعمل لمن يأتي بعد من السلف؛ فإن حققوا مثالية السلف؛ يُطلَق عليهم خَلَفٌ، وإن ابتدعوا، وغيَّروا، وخالفوا السلف يعتبروا خلْفاً (بتسكين اللام).
فالعرب تستعمل خَلَفاً: في المدح، والخير، أو الصالح.
وتستعمل خلْفاً: بتسكين اللام في الذم، والسوء، أو الطالح.
وفي هذه الآية: نجد خَلْفاً بسكون اللام؛ أيْ: فَخَلَفَ من بعدهم خَلْف: ذرية سوء، أو ذرية غير صالحة.
﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾: أي: التوراة.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: العرض: هو المتاع، والمال؛ كالرشوة، والربا، والسحت، أو الحرام.
الأدنى: من الدنو، أو الدناءة؛ أيْ: عرض هذه الدنيا.
﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: السين: للاستقبال القريب؛ أيْ: يقولون بعد أن يأخذوه: سيُغفرُ لنا أفعالنا السيئة عن قريب؛ لأنهم يظنون أنهم أبناء الله، وأحباؤه، أو فضّلهم الله على العالمين. وسيغفر لنا: بناء الفعل للمجهول؛ لأنهم يظنون باطلاً أن ذنوبهم كلها مغفورة حتى بدون توبة واستغفار.
﴿وَيَقُولُونَ﴾: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على استمرار، وتجدد أفعالهم، وأخذهم الحرام، وأنهم مصرُّون على الحرام، والآثام.
﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾: أيْ: من المفروض، بعد الاستغفار، والتوبة، أن يكفوا عن العودة إلى أخذ العرض الأدنى، أخذ المال الحرام، وغيره من الخبائث، ولكنهم سرعان ما يعودون إلى فعل ذلك، المرة تلو المرة.
стр. 1704
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾:
﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام تقريري، وتوبيخي.
﴿يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾: الكتاب: هو التوراة، والميثاق: هو العهد، المؤكد، الموثق، وقيل: الميثاق في التوراة: هو من ارتكب ذنباً عظيماً، لا يغفر له إلا بالتوبة، والتوبة: تعني عدم الرجوع إلى ارتكاب الذنب مرة أخرى.
﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾: أي: الصدق، وما ورد في التوراة من دون تحريف، أو تبديل.
﴿أَنْ لَا﴾: هذه، أن لا: تجمع معانيَ كثيرة منها:
بألا يقولوا على الله إلا الحق.
في ألا يقولوا على الله إلا الحق.
على ألا يقولوا على الله إلا الحق.
لئلا يقولوا على الله إلا الحق.
﴿أَنْ﴾: مصدرية، أو مفسرة.
﴿لَا﴾: قيل: إنها نافية، وقيل: إنها ناهية.
﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾: قرؤوا التوراة، وفهموا معناها جيداً، ويعرفون أحكامها، ويذكرونها، فلِمَ كذبوا، فقالوا: إن الله سيغفر لهم، وكيف يغفر لهم، وهم مصرُّون على العودة إلى المعاصي، وقول الباطل.
﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ﴾: أي: الجنة.
﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: للذين: اللام: لام الاختصاص، يتقون: المعاصي، والحرام، ويتقون غضب الله، والنار؛ أيْ: يطيعون أوامر الله، ويجتنبون نواهيه.
стр. 1705
﴿أَفَلَا﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، وتعجب، وتوبيخ، وأداة حضٌّ وتحمل معنى الأمر على التقوى، وعدم القول على الله إلّا الحق.
﴿تَعْقِلُونَ﴾: تفهمون أن الجنة، (الدار الآخرة) أفضل من الدنيا، وحطامها. تعقلون: مشتقة من عقل الشيء؛ أيْ: عرفه بدليله، وفهمه بأسبابه، ونتائجه، ويعني: الموازنة بين الأشياء؛ للوصول إلى الحقيقة.
سورة الأعراف [٧: ١٧٠]
﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾:
بعد أن ذكر الخَلْف: الطالح من اليهود؛ يذكر في هذه الآية الخَلَف: بفتح اللام؛ أي: الصالح من اليهود؛ الذين يعملون بالتوراة، وقد تشمل كلَّ الأمم التي تتمسك بكتابها، سواء أكان التوراة، أم الإنجيل، أم القرآن.
﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول؛ يفيد المدح.
﴿يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾: يُمَسِّكون؛ يعني: أن الماسك تمكن مما يمسك؛ أيْ: فيه مبالغة في المسك؛ أيْ: يعملون بالكتاب، سواء كان التوراة، أو الإنجيل، أو القرآن، ويطبقون أحكامه، وحلاله، وحرامه، وما أمروا به.
﴿بِالْكِتَابِ﴾: بالباء: للإلصاق (بكل الكتاب).
﴿يُمَسِّكُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ تدل على التجدُّد، والتكرار، والاستمرار، وليس بزمن ما وانتهى، بل هو زمن مطلق، ولأن التمسك يكون دائماً، ولا ينقطع بكتاب الله .
﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: بأركانها، وشروطها، وأوقاتها، وخشوعها، واختيرت الصلاة من بين العبادات؛ لأنها أهم أركان العبادة، وتمثل العبادات الأخرى.
﴿إِنَّا﴾: للتعظيم.
﴿لَا﴾: النافية.
﴿نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾: ولم يقل: إنا لا نضيع أجر الذين يمسكون
стр. 1706
بالكتاب، أو لا نضيع أجرهم، وإنما جاء بكلمة: ﴿أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾: لأن الأجر لا يختص بهؤلاء الذين يمسكون بالكتاب، وإنما يشمل كل المصلحين، وهؤلاء الذين يمسكون: هم من زمرة المصلحين.
انتبه! إلى التغير في الصيغ: ﴿يُمَسِّكُونَ﴾: جاءت بصيغة المضارع، و ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: جاءت بصيغة الماضي، ولم يقل: يقيمون الصلاة، لماذا هذا التغيُّر؟
الجواب: لأن إقامة الصلاة لها أوقات محدودة، ولذلك جاءت بصيغة الماضي.
أما التمسُّك بالكتاب (بالقرآن)، أو غيره من الكتب؛ فهو مطلق، كما ذكرنا سابقاً غير محدد بوقت، وكذلك الإصلاح؛ مثل: التمسك غير محدد بزمن.
والفرق بين استمسك، ومسك؛ كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِى أُوحِىَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]؛ أيْ: يأمرنا أن نستمسك بالقرآن، والألف، والسين، والتاء: للطلب، وبعد مرحلة الطلب استمسك؛ تأتي مرحلة التمكُّن من المسك؛ يعني: الماسك تمكن من المسك؛ أيْ: يُمَسِّكون بشدة، واستمرار، ويعتصمون به، ويلتزمون بالعمل بما فيه.
стр. 1707
سورة الأعراف [٧: ١٧١]
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: أيْ: واذكر حين، أو اذكر إذ نتقنا.
﴿نَتَقْنَا﴾: النتق: هو قلع الشيء من جذره، أو نزعه، أو خلعه من الأرض؛ بتحريكه يمنة ويسرة، وهزاً وجذباً.
﴿الْجَبَلَ﴾: ولم يقل: الطور؛ الجبل أعظم حجماً، وبناءً من الطور.
﴿فَوْقَهُمْ﴾: ظرف مكاني، وقدَّم الجبل على الظرف فوقهم: جرياً على الأصل، فهذا هو الأصل.
وفي آية (٦٣) من سورة البقرة، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.
فإذا قارنا هاتين الآيتين: نجد في سورة البقرة، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا﴾، ولم يقل: ﴿نَتَقْنَا﴾: النتق: هو أشد، وأقوى من الرفع؛ لأن النتق: هو اقتلاع الشيء بشدة، فيه جذبٌ مع تحريك، والنتق يسبق الرفع.
وقال تعالى: ﴿الطُّورَ﴾: وليس الجبل، وقدَّم فوقهم، لماذا هذا الاختلاف؟ لأن سورة الأعراف: جاءت في سياق الأقل إيماناً من بني إسرائيل، وفي سياق التقريع، والتهديد لهؤلاء الخلْف، ولذلك استعمل في الأعراف لفظ الجبل بدلاً من الطور، وكلمة النتق بدلاً من الرفع، وقدَّم لفظ الجبل عليهم.
بينما في سورة البقرة: جاءت في سياق الأكثر إيماناً من بني إسرائيل،
стр. 1708
وسياق التكريم، وسياق ذكر نعم الله عليهم، فاستعمل كلمة الرفع، والطور، وقدَّمهم على كلمة الطور.
﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾: سحابة تظلّهم.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾: أيقنوا أنه ساقط، أو سيقع عليهم، إنذار لهم بوقوعه، والظن هنا: هو الظن الراجح؛ الذي تغلب، أو ترجح فيه كفة الإثبات على كفة النفي.
﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ﴾: بجدٍّ، وقوة، وعزيمة؛ أيْ: نفِّذوا أحكام التوراة، أو خذوا التوراة بجدٍّ، وعزيمة، واعملوا بها، ولا تؤمنوا ببعض، وتكفروا ببعض.
﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾: من الأوامر، والنواهي، والأحكام، ولا تنسوها، وبيِّنوها للناس.
﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: لعلَّ: للتعليل، تتقون وقوع الجبل فوقكم، والقضاء عليكم، وتتقون عذاب النار، وسخط الله تعالى، وغضبه عليكم.
سورة الأعراف [٧: ١٧٢]
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: أيْ: واذكر إذ، أو اذكر حين أخذ ربك من بني آدم.
﴿مِنْ بَنِى آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: الذرية: هم النسل، الأولاد، والبنات، والذرية تكون جمعاً، وتكون واحداً.
وبنو آدم: هم أولاد آدم، من لدنه إلى أن تقوم الساعة.
لفهم وتفسير هذه الآية تحتاج إلى الاستعانة بالإعجاز العلمي للقرآن.
فكيف يأخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم؟ بالتزاوج، والإخصاب،
стр. 1709
والتناسل الذي يتم بالإلقاح، الحيوان المنوي الخارج من الخصية، والبويضة الخارجة من المبيض، وما يتلو ذلك من تطورات في عالم الجنين، ودلت اكتشافات العلم الحديث: أن الخصية التي هي مصدر الحيوان المنوي، والمبيض الذي هو مصدر البويضة كلاهما ينشأ من الخلايا الوريقة المتوسطة التي هي واقعة في المنطقة التي هي ظهر الجنين، إضافةً إلى خلايا الوريقة الخارجية، والداخلية التي تشكل الجنين، وبدلاً من القول: الخصية، أو الحيوان المنوي، والمبيض، والبويضة، أو أعضاء التناسل، قال: الظهر؛ لأن الوريقة الوسطى التي نشأت في الظهر؛ شكلت الأعضاء التناسلية، فاختصر كل ذلك بقوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، وقال: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾، ولم يقل: (من ظهر آدم)؛ لأن الكل أُخرجوا من ظهره، فاستُغني عن ذكر آدم؛ لأن الكل يفهم أن آدم هو الأصل، وكل إنسان يعلم أنه خلق من ظهر أبيه، وأمِّه، وأبوه وأمُّه كانوا في ظهور آبائهم، وأمهاتهم، وهكذا حتى آدم، فكل إنسان في الحقيقة يحمل ذرة، أو ذرات من آدم، وهذه الذرات تسمَّى: الجينات، والمحفظة الوراثية، والحمض النووي المسمَّى (دي، ن، أي).
وهذه الجينات، والمورثات التي عندنا؛ انتقلت إلينا بطريقة الوراثة؛ فهي قد تشكلت في العهد الأول حين خلق الله تعالى آدم، وشهدت بأن الله ربّها، وخالقها، وأنه لا إله إلّا هو لا شريك له، حين عرض الله تعالى على آدم الأمانة؛ فقبل أن يحملها، وهذا يسمَّى عهد الذر، أو العهد الذري.
فكل ذرة أو خلية في جسم الإنسان (المؤمن، والكافر، والصالح، والطالح) تؤمن بالله، ولكن الله سبحانه أعطى الإنسان القدرة على التحكم بهذه الخلايا، أو الذرات، أو الجزيئات حتى يأتي يوم القيامة، وتشهد له، أو تشهد عليه، فالمؤمن الصالح ذرات جسمه متوازنة مطمئنة منسجمة؛ لأنها تعمل حسب الفطرة التي خلقت عليها، بينما ذرات الكافر، أو المشرك غير متوازنة، تعمل بما يأمرها
стр. 1710
صاحبها، وهي كارهة للقيام بذلك، فتراه غير مطمئن، وغير متوازن، ويخاف أن تسأله عن الله سبحانه، أو دِينه.
﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾: أقررهم ألست بربكم: استفهام تقرير.
والله سبحانه قادر أن يخاطب أي شيء من خلقه، وقادر أن يخاطب الذر، ويخاطب كل ذرة خلقها؛ لتشكل آدم، وتكون كالأم، أو المحفظة الوراثية بلغة العلم الجيني، وبالتالي تنتقل بالوراثة إلى ذرية آدم، فرداً فرداً إلى أن تقوم الساعة، وتتمثل هذه كذلك في الفطرة البشرية، السليمة، المسلمة لربها.
الفطرة التي تقر بأن لها رباً خالقاً، وكما ورد في الحديث الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة».
﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾: فهذه الذرات، وبالتالي الجينات الوراثية شهدت أن خالقها هو الله؛ بقولها: بلى شهدنا أنك إلهنا، وأنه لا إله إلا أنت؛ فكانت هذه شهادة الوحدانية في العهد الفطري، أو عهد الذر.
﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾:
﴿أَنْ تَقُولُوا﴾: أن: مصدرية (أو مفسرة)؛ للتعليل والتوكيد. ارجع إلى آية (١٦٩).
﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾: أيْ: أخذنا عليكم هذا العهد حتى لا يكون لكم علينا حُجَّة يوم القيامة بأنكم لم تُبَلَّغوا بأنه إله واحد أحد، أو ليس لكم إله، أو رب. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان في معنى غافلين.
стр. 1711
سورة الأعراف [٧: ١٧٣]
﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾:
ولئلا تقولوا، أو حتى لا يقولنَّ أحد منكم يوم القيامة.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد.
﴿أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أيْ: نحن نقلد آباءنا، أو كنا عن هذا غافلين؛ أي: الغفلة عن عهد الذر، والتقليد هي أعذار الكافرين.
﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾: أفتهلكنا: الهمزة همزة استفهام، وتعجب، ولمعرفة معنى الهلاك: ارجع إلى الآية (٤) من نفس السورة.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، أو السببية، ما: مصدرية، أو اسم موصول؛ بمعنى: الذي، وهي أوسع شمولاً.
﴿فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾: المبطلون: جمع مبطل؛ اسم فاعل من أبطل؛ يعني: آباءَهم؛ لأنهم أبطلوا منهج الله تعالى، ولم يرغبوا إلى سماعه، ولا إلى تبليغه، فهم يدعون أنهم لا ذنب عليهم؛ لأنهم قلَّدوا آباءهم، والباطل: هو الزائل (الذاهب)، أو ما لا وجود له. ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (١٨)؛ لمزيد من البيان.
إذن: ليس لهم عذر في التقليد، والإشراك، كما لم يكن لآبائهم عذر في الإشراك، أو الغفلة.
سورة الأعراف [٧: ١٧٤]
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾:
مثل هذا البيان لعهد الذر؛ نبيِّن لهم الآيات؛ ليتدبروها.
ولعلَّ الغافل يصحوا من غفلته، ويرجع عن كفره، أو شركه.
стр. 1712
ولعلَّ المقلد لآبائه؛ يرجع عن تقليد الآباء، واتباع الباطل إلى اتباع الحق، والإيمان بوحدانية الله تعالى، وربوبيته، وأسمائه، وصفاته.
سورة الأعراف [٧: ١٧٥]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾: يا محمد ﷺ .
﴿نَبَأَ﴾: أي: الخبر العظيم عن الذي.
﴿الَّذِى آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾: أيْ: علمناه آياتنا التشريعية؛ أي: التي وردت في الكتب المنزلة؛ مثل: التوراة، والإنجيل، والقرآن. وقيل: هو ابن باعوراء، أو عامر الراهب. وقيل: أمية بن أبي الصلت، واسمه غير مهم.
عالم من علماء بني إسرائيل، أو أحداً من علماء السوء.
﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾: من الآيات، كفر بها، ونبذها وراء ظهره؛ طمعاً في حطام الدنيا، ومتاعها؛ أي: المال، والجاه؛ أيْ: باع آخرته.
والأصل في السلخ: هو إزالة الجلد عن الشاة، أو الحية من ثوبها؛ أيْ: تركها، وخرج منها، كما تخرج الحية من ثوبها، أو ينسلخ الجلد عن الشاة المذبوحة؛ أيْ: بعد أن تعلم آيات ربه، ودينه، وأصبح عالماً؛ تخلى عن كل ذلك، وباع دِينه لعرض من دنياه، وجحد، وأنكر آيات ربه.
﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾: أيْ: لحق به، وصار ملازماً له، يجري وراءه خطوة خطوة مخافة أن يعود إلى الإيمان.
﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾: فصار من الضالين عن منهج الله بعد أن كان من المهتدين. ارجع إلى سورة الحجر آية (٤٢) للبيان.
سورة الأعراف [٧: ١٧٦]
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ
стр. 1713
الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
هذه الآية من أشد الآيات على أهل العلم إذا تهاونوا في دِينهم، ولم ينكروا المنكر؛ ابتغاء عرض من الدنيا مثل: المال، والجاه، أو مالوا إلى الهوى، واشتروا الدنيا، وباعوا آخرتهم.
﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾: شرطية.
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: أكرمناه، ورفعناه منزلة وقدراً، واللام في كلمة لرفعناه: للتوكيد، الباء: للتعليل.
﴿بِهَا﴾: أي: الآيات.
﴿وَلَكِنَّهُ﴾: حرف استدراك، وتوكيد.
﴿أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾: مال إلى الدنيا، واختارها، ورغب فيها عن الآخرة، أو باع آخرته من أجل المال، والجاه، والشهوات.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: الهوى: ارجع إلى الآية (١١٩)، من سورة الأنعام؛ للبيان.
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
فأصبح مثله كمثل الكلب: إن تحمل عليه؛ أيْ: تطرده؛ يلهث، أو تتركه مرتاحاً يلهث، واللهث: هو التنفس الشديد، السريع، مع إخراج اللسان.
ويلهث؛ لأن جسم الكلب لا توجد فيه غدد عرقية إلا في قدميه؛ فهو يلهث ليتخلص من العرق الذي تجمع في جسمه؛ كي ينظم حرارة جسمه، فمثل الذي يعرض عن الإيمان، ويحرص على دنياه؛ أيْ: يصبح جائعاً للدنيا؛ إن تعطه لا يشبع، وإن لم تعطه لا يشبع، يريد أكثر فأكثر، لا يهمه إلّا دنياه؛ إن حملت عليه
стр. 1714
كما تحمل على الكلب؛ أيْ: إن وعظته هو ضال، ومتبع هواه، وإن تركته، ولم تعظه ضال، وتمثيله بالكلب؛ يدل على خسة حاله، وذلة نفسه وهوانها؛ ذلك المثل الذي ضربناه لك للذي آتيناه آياتنا، فانسلخ منها، واتبع هواه، هو مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا في كل زمان، ومكان، وباعوا آخرتهم بدنياهم.
﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ﴾: فاقصص: الفاء: للترتيب والمباشرة؛ أيْ: قص عليهم قصة الذي انسلخ عن آياتنا؛ لعلَّهم يحذرون، أو يتفكرون، ويرجعون إلى الحق.
سورة الأعراف [٧: ١٧٧]
﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾:
﴿سَاءَ﴾: فعل ماض؛ لإنشاء الذم، مثل: بئس.
﴿سَاءَ مَثَلًا﴾: أيْ: بئس ذلك المثل الذي ضربناه للذي انسلخ عن آياتنا، وشبهناه بالكلب، وهو مثل ينطبق على كل الذين كذبوا بآياتنا، ولم يؤمنوا بها، ويصدقونها، وأضاف الآيات إليه سبحانه؛ فقال: ﴿بِآيَاتِنَا﴾: ولم يقل: الآيات؛ لعظمة تلك الآيات.
﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾: بتدنيسها بالشرك، والمعاصي، والتكذيب؛ فهم لن يضروا إلا أنفسهم، وقدَّم كلمة أنفسهم على يظلمون، بدلاً من القول: وكانوا يظلمون أنفسهم؛ للاهتمام، وأن الإساءة مقصورة عليها خاصَّةً.
والظلم: هو الخروج عن منهج الله تعالى في أي زمان، ومكان. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ١٧٨]
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾:
﴿مَنْ﴾: شرطية.
﴿يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِى﴾: الفاء: تفيد التوكيد.
стр. 1715
﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِى﴾: ضمير منفصل؛ يفيد زيادة التوكيد.
﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِى﴾: بزيادة الياء، ولم يقل: فهو المهتد.
والسبب في زيادة الياء؛ لأن هذا الذي كذب بآيات ربه، وانسلخ منها، واتَّبع هواه، واتبعه الشيطان، وأخلد إلى الأرض؛ يحتاج إلى زمن طويل؛ لكي يهتدي، فهدايته شاقة، وتحتاج زمن طويل، ولو كانت غير شاقة، ويمكن أن يهتدي بزمن قصير؛ لقال: فهو المهتد.
كما ورد في سورة الإسراء، الآية (٩٧): ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.
وفي سورة الكهف، الآية (١٧): ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.
وفي سورة الحديد، الآية (٢٦): ﴿فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
فهذه الآيات جاءت في سياق الذي، أو الذين هدايتهم تحتاج إلى زمن أقصر، وأقل مشقة، وشدة.
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾: الله سبحانه لا يُضل أحداً، وأما إذا أراد العبد الضلال، وسار في طريق الضلال، وابتعد عن الحق، وعن الصواب، والصراط؛ فعندها يتركه الله تعالى وشأنه.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط، أولئك: اسم إشارة، ويفيد البعد، ويحمل معنى الذم، والتحقير، وعدم الأمل في التوبة.
﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: هم: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد، والمبالغة في الخسارة؛ أيْ: إذا كان هناك خاسرون؛ فهؤلاء هم في مقدمة الخاسرين. ارجع إلى سورة النساء، آية (١١٩)؛ لمزيد من البيان.
стр. 1716
سورة الأعراف [٧: ١٧٩]
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية.
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد، قد للتوكيد أيضاً، والتحقيق.
﴿ذَرَأْنَا﴾: ذرأ: بث، ونشر، والبث في الأرض معناه: نشرهم في الأرض بالتكاثر بالتزاوج.
﴿ذَرَأْنَا﴾: يعني: خلقنا خلقاً؛ يتكاثر بذاته.
﴿لِجَهَنَّمَ﴾: اللام: لام التعليل، لام العاقبة، أو الصيرورة، جهنم: مشتقة من الجهومة: وهي الشيء المخوف الكريه المنظر، وقيل: بعيدة القعر. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان المفصل.
﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾: خلقنا لجهنم كثيراً من الجن، والإنس.
والسؤال هنا: إذا كان الله سبحانه ذرأ لجهنم كثيراً من الجن، والإنس، فما هو ذنبهم، أو مصيبتهم؛ ليعذبهم فيها؟
الجواب: ما هي علّة خلقهم: هي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
إذن علَّة الخلق: هي عبادة الله تعالى وطاعته، وليس دخولهم جهنم.
стр. 1717
فبعد الذرء، فمن الجن والإنس من استجاب، وعبد الله -جل وعلا-، وأطاعه؛ فهؤلاء مصيرهم إلى الجنة؛ لأنهم اختاروا لأنفسهم طريق الحق، والنجاة، ومن الجن والإنس من رفض، وانكر وجود الخالق، وطاعته، وعبادته؛ فهؤلاء مصيرهم إلى جهنم؛ لأنهم اختاروا لأنفسهم طريق الهلاك، وانتبه إلى قوله سبحانه: ﴿كَثِيرًا﴾، ولم يقل: قليلاً، فيا ويلتاه! ويا حسرة على العباد!
وقد وصف هؤلاء الذين اختاروا طريق جهنم من الجن والإنس بثلاث صفات، وقدَّم الجن على الإنس؛ للترتيب الزمني؛ فالجن كانوا أسبق خلْقاً.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، ثم وصفهم بثلاث صفات:
الأولى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾: الفقه: هو الفهم، واصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها؛ ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) لمزيد من البيان، ولنعلم أن القلب ليس القلب هو مضخة للدم فقط، بل وجدوا في القلب خلايا عصبية تحمل صفات الخلايا العصبية في الدماغ المختصة بوظيفة الذاكرة، والعاطفة، والإدراك، وهذا يؤكد على القلب هو مركز للأحاسيس، والمشاعر، والإيمان، والكفر، والحب، والكره … وغيرها.
وهذا يفسر لنا كيف يكتسب الذي زُرِعَ له قلب بعض صفات المتبرِّع من الحب، أو الكراهية لبعض الأشياء، أو يحدث تغيُّر في بعض أخلاق الذي زُرِعَ له القلب ومعاملاته.
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾: والقلب له علاقة بالدماغ محل الإدراك، فمن دون القلب لا يعمل الدماغ، وعقول، أو مناطق الإدراك، والفهم عندهم معطلة، فهي لا تستجيب، ولا تنتفع بآيات الله تعالى وبما جاء على ألسنة رسله من الحق.
стр. 1718
والثانية: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾: أعين: جمع عين، وعين تجمع على أعين وعيون؛ أعين: تعني التي نبصر بها، أو قد تعني البصيرة، أما عيون: فلا تعني إلا عيون الماء مثل عيون الجنة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥]؛ أيْ: لا ينظرون نظر البصيرة، نظرة تبصُّر، واعتبار؛ فهم لا ينتفعون بأعينهم ولا يرون الحق.
والثالثة: ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: وكذلك لا يسمعون سماع تدبُّر، وإصغاء، ولا ينتفعون بسمعهم، أو آذانهم.
﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، ويفيد الذمَّ.
﴿كَالْأَنْعَامِ﴾: الكاف: كاف التشبيه؛ كالأنعام: وهي البقر، والغنم، والإبل، والمعز، إذا لم يستخدموا عقولهم، وسمعهم، وأبصارهم، ويتجنبوا الكفر، والشرك، ويختاروا طريق النجاة، والهدى؛ فهم كالأنعام حين لا ينظرون في عواقب الأمور، وما يعملون في دنياهم، ثم يستمرون في غفلتهم.
ولنعلم: أن الأنعام، والنباتات، والجمادات كلها تسجد، وتسبح لله بطريقتها الخاصَّة، وأن الأنعام غير مكلَّفة، ولم تحمل الأمانة، وأدوات إدراكها؛ مثل: العقل، والعين، والأذن معدَّة لما خُلقت له من وظيفة (التسخير).
وهي من آيات الله سبحانه تعمل بما أودع الله سبحانه فيها من أجهزة خاصَّةً؛ كي تكون مسخرة لبني آدم.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾: بل: للإضراب الإبطالي؛ أيْ: ليسوا كالأنعام، بل هم أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تقوم بما أمرها الله به، ومحكومة بالغريزة، ولا اختيار لها في شيء، والأنعام تعرف ربها، وتسجد له، ولا يبلغ مواقع بها الضلال أن تقع في
стр. 1719
الهلاك أو الموت كما هم يفعلون، وهم لا يعرفون ربهم، وينكرونه؛ فهم أضل من الأنعام؛ أيْ: أسوأ.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة.
﴿هُمُ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد المبالغة؛ أيْ: إن كان هناك غافلون على الأرض؛ فهم أغفلهم حقاً.
﴿الْغَافِلُونَ﴾: جمع غافل: وهو الذي لا يحضر في باله الشيء، أو انمحى عن ذاكرته الشيء، فلم يعد يذكرون آخرتهم، ويستعدون لها.
﴿الْغَافِلُونَ﴾: لما نسوا ذكر ربهم، وتركوا الإيمان، والتدبُّر في كتاب الله، كانوا بمنزلة الغافلين. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ١٨٠]
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَلِلَّهِ﴾: الواو: استئنافية.
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: تقديم الجار والمجرور، لفظ الجلالة، يدل على الحصر؛ أي: الأسماء الحسنى، هي قصراً، وحصراً لله وحده، ولا يسمَّى بها أحد من خلقه.
﴿الْحُسْنَى﴾: مؤنَّث الأحسن، ومعنى الحسنى: البالغة في الحسن والتفضيل هنا مطلق، وليس مقيداً.
مثال المطلق: الله الأفضل، بينما المقيد: الله أفضل من الآلهة، وهذه الأسماء الحسنى (٩٩) اسماً، كما جاء في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله: «إن لله تسعاً وتسعين اسماً».
стр. 1720
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾: الدعاء: هو السؤال؛ أيْ: تجعلها وسيلة لك عند الدعاء؛ فتقول مثلاً: يا حي، يا قوم، يا ذا الجلال والإكرام.
﴿فَادْعُوهُ﴾: الدعاء بها يتضمن معرفتها، والدعاء: دعاء عبادة تتعبد الله بها، مثلاً: الرحيم: مشتق من الرحمة، فتقوم بالأسباب التي تؤدِّي إلى الرحمة، أو دعاء المسألة؛ أي: التوسل بها.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ﴾: اتركوا.
والإلحاد: من اللحد، وهو الميل، والإلحاد بها يشمل إنكار أيِّ شيء من أسماء الله، أو التغيير، أو التعطيل، والتكذيب، أو أن يسمِّي أحد نفسه بها، أو زيادة اسم، أو حذف اسم، أو أن نشتق منها أسماء للآلهة، والأصنام؛ كتسمية اللَّات من الله، والعُزَّى من العزيز.
﴿سَيُجْزَوْنَ﴾: السين للاستقبال القريب؛ أيْ: سيلقون جزاء هذا الإلحاد قريباً، وهذا تهديد ثانٍ، ووعيد لهؤلاء الذين يلحدون في أسماء الله، والتهديد الأول: هو قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ﴾.
﴿مَا كَانُوا﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، وما أوسع شمولاً.
﴿يَعْمَلُونَ﴾: يقولون، ويفعلون في الدنيا؛ لأن العمل يشمل: القول، والفعل.
سورة الأعراف [٧: ١٨١]
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾:
المناسبة: بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾، ولم يقل: كل من خلقنا، بل قال: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا﴾؛ يعني: القليل من الجن، والإنس.
следующие страницы →