Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
سورة الأعراف [٧: ١٧٩]
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية.
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد، قد للتوكيد أيضاً، والتحقيق.
﴿ذَرَأْنَا﴾: ذرأ: بث، ونشر، والبث في الأرض معناه: نشرهم في الأرض بالتكاثر بالتزاوج.
﴿ذَرَأْنَا﴾: يعني: خلقنا خلقاً؛ يتكاثر بذاته.
﴿لِجَهَنَّمَ﴾: اللام: لام التعليل، لام العاقبة، أو الصيرورة، جهنم: مشتقة من الجهومة: وهي الشيء المخوف الكريه المنظر، وقيل: بعيدة القعر. ارجع إلى سورة الرعد آية (١٨) للبيان المفصل.
﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾: خلقنا لجهنم كثيراً من الجن، والإنس.
والسؤال هنا: إذا كان الله سبحانه ذرأ لجهنم كثيراً من الجن، والإنس، فما هو ذنبهم، أو مصيبتهم؛ ليعذبهم فيها؟
الجواب: ما هي علّة خلقهم: هي قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
إذن علَّة الخلق: هي عبادة الله تعالى وطاعته، وليس دخولهم جهنم.
стр. 1717
فبعد الذرء، فمن الجن والإنس من استجاب، وعبد الله -جل وعلا-، وأطاعه؛ فهؤلاء مصيرهم إلى الجنة؛ لأنهم اختاروا لأنفسهم طريق الحق، والنجاة، ومن الجن والإنس من رفض، وانكر وجود الخالق، وطاعته، وعبادته؛ فهؤلاء مصيرهم إلى جهنم؛ لأنهم اختاروا لأنفسهم طريق الهلاك، وانتبه إلى قوله سبحانه: ﴿كَثِيرًا﴾، ولم يقل: قليلاً، فيا ويلتاه! ويا حسرة على العباد!
وقد وصف هؤلاء الذين اختاروا طريق جهنم من الجن والإنس بثلاث صفات، وقدَّم الجن على الإنس؛ للترتيب الزمني؛ فالجن كانوا أسبق خلْقاً.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، ثم وصفهم بثلاث صفات:
الأولى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾: الفقه: هو الفهم، واصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها؛ ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) لمزيد من البيان، ولنعلم أن القلب ليس القلب هو مضخة للدم فقط، بل وجدوا في القلب خلايا عصبية تحمل صفات الخلايا العصبية في الدماغ المختصة بوظيفة الذاكرة، والعاطفة، والإدراك، وهذا يؤكد على القلب هو مركز للأحاسيس، والمشاعر، والإيمان، والكفر، والحب، والكره … وغيرها.
وهذا يفسر لنا كيف يكتسب الذي زُرِعَ له قلب بعض صفات المتبرِّع من الحب، أو الكراهية لبعض الأشياء، أو يحدث تغيُّر في بعض أخلاق الذي زُرِعَ له القلب ومعاملاته.
﴿لَهُمْ قُلُوبٌ﴾: والقلب له علاقة بالدماغ محل الإدراك، فمن دون القلب لا يعمل الدماغ، وعقول، أو مناطق الإدراك، والفهم عندهم معطلة، فهي لا تستجيب، ولا تنتفع بآيات الله تعالى وبما جاء على ألسنة رسله من الحق.
стр. 1718
والثانية: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾: أعين: جمع عين، وعين تجمع على أعين وعيون؛ أعين: تعني التي نبصر بها، أو قد تعني البصيرة، أما عيون: فلا تعني إلا عيون الماء مثل عيون الجنة، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥]؛ أيْ: لا ينظرون نظر البصيرة، نظرة تبصُّر، واعتبار؛ فهم لا ينتفعون بأعينهم ولا يرون الحق.
والثالثة: ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: وكذلك لا يسمعون سماع تدبُّر، وإصغاء، ولا ينتفعون بسمعهم، أو آذانهم.
﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، ويفيد الذمَّ.
﴿كَالْأَنْعَامِ﴾: الكاف: كاف التشبيه؛ كالأنعام: وهي البقر، والغنم، والإبل، والمعز، إذا لم يستخدموا عقولهم، وسمعهم، وأبصارهم، ويتجنبوا الكفر، والشرك، ويختاروا طريق النجاة، والهدى؛ فهم كالأنعام حين لا ينظرون في عواقب الأمور، وما يعملون في دنياهم، ثم يستمرون في غفلتهم.
ولنعلم: أن الأنعام، والنباتات، والجمادات كلها تسجد، وتسبح لله بطريقتها الخاصَّة، وأن الأنعام غير مكلَّفة، ولم تحمل الأمانة، وأدوات إدراكها؛ مثل: العقل، والعين، والأذن معدَّة لما خُلقت له من وظيفة (التسخير).
وهي من آيات الله سبحانه تعمل بما أودع الله سبحانه فيها من أجهزة خاصَّةً؛ كي تكون مسخرة لبني آدم.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾: بل: للإضراب الإبطالي؛ أيْ: ليسوا كالأنعام، بل هم أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام تقوم بما أمرها الله به، ومحكومة بالغريزة، ولا اختيار لها في شيء، والأنعام تعرف ربها، وتسجد له، ولا يبلغ مواقع بها الضلال أن تقع في
стр. 1719
الهلاك أو الموت كما هم يفعلون، وهم لا يعرفون ربهم، وينكرونه؛ فهم أضل من الأنعام؛ أيْ: أسوأ.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة.
﴿هُمُ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد المبالغة؛ أيْ: إن كان هناك غافلون على الأرض؛ فهم أغفلهم حقاً.
﴿الْغَافِلُونَ﴾: جمع غافل: وهو الذي لا يحضر في باله الشيء، أو انمحى عن ذاكرته الشيء، فلم يعد يذكرون آخرتهم، ويستعدون لها.
﴿الْغَافِلُونَ﴾: لما نسوا ذكر ربهم، وتركوا الإيمان، والتدبُّر في كتاب الله، كانوا بمنزلة الغافلين. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ١٨٠]
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَلِلَّهِ﴾: الواو: استئنافية.
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: تقديم الجار والمجرور، لفظ الجلالة، يدل على الحصر؛ أي: الأسماء الحسنى، هي قصراً، وحصراً لله وحده، ولا يسمَّى بها أحد من خلقه.
﴿الْحُسْنَى﴾: مؤنَّث الأحسن، ومعنى الحسنى: البالغة في الحسن والتفضيل هنا مطلق، وليس مقيداً.
مثال المطلق: الله الأفضل، بينما المقيد: الله أفضل من الآلهة، وهذه الأسماء الحسنى (٩٩) اسماً، كما جاء في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله: «إن لله تسعاً وتسعين اسماً».
стр. 1720
﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾: الدعاء: هو السؤال؛ أيْ: تجعلها وسيلة لك عند الدعاء؛ فتقول مثلاً: يا حي، يا قوم، يا ذا الجلال والإكرام.
﴿فَادْعُوهُ﴾: الدعاء بها يتضمن معرفتها، والدعاء: دعاء عبادة تتعبد الله بها، مثلاً: الرحيم: مشتق من الرحمة، فتقوم بالأسباب التي تؤدِّي إلى الرحمة، أو دعاء المسألة؛ أي: التوسل بها.
﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ﴾: اتركوا.
والإلحاد: من اللحد، وهو الميل، والإلحاد بها يشمل إنكار أيِّ شيء من أسماء الله، أو التغيير، أو التعطيل، والتكذيب، أو أن يسمِّي أحد نفسه بها، أو زيادة اسم، أو حذف اسم، أو أن نشتق منها أسماء للآلهة، والأصنام؛ كتسمية اللَّات من الله، والعُزَّى من العزيز.
﴿سَيُجْزَوْنَ﴾: السين للاستقبال القريب؛ أيْ: سيلقون جزاء هذا الإلحاد قريباً، وهذا تهديد ثانٍ، ووعيد لهؤلاء الذين يلحدون في أسماء الله، والتهديد الأول: هو قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ﴾.
﴿مَا كَانُوا﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، وما أوسع شمولاً.
﴿يَعْمَلُونَ﴾: يقولون، ويفعلون في الدنيا؛ لأن العمل يشمل: القول، والفعل.
سورة الأعراف [٧: ١٨١]
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾:
المناسبة: بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾، ولم يقل: كل من خلقنا، بل قال: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا﴾؛ يعني: القليل من الجن، والإنس.
стр. 1721
﴿وَمِمَّنْ﴾: الواو: استئنافية، ممن: تضم من زائد من، أدغمت الثانية في الأولى، ومن الأولى: ابتدائية، ومن الثانية: بعضية.
﴿خَلَقْنَا﴾: في أي زمان، ومكان.
﴿أُمَّةٌ﴾: جماعة من الناس بغض النظر عن العدد، والحيز الجغرافي جماعة تجمعهم عقيدة، أو مبادئ واحدة.
﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: ستجد أمة قائمة بشرع الله، وحاملة لمنهج الله، وداعية له، وسائرة على الطريق المستقيم.
﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾: أيْ: هداة مهديون، هم اختاروا طريق الهداية، فهداهم الله، ثم أصحبوا هداة لغيرهم، ودعاة إلى الحق، يرشدون الناس إلى الإيمان، والدِّين الصحيح، وطاعة الله، وعبادته.
﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾: الحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغيَّر، وكل شيء من عند الله، هو الحق، والحق هو القرآن، أو الوحي، وسنة رسوله.
﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: وبالحق يحكمون بين الناس؛ أي: بالعدل، ولا يجورون على احد.
﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: وبه: بالحق يحكمون، أو يعملون به؛ مثل: الأنبياء، والعلماء، وكل من تمسك بشرع الله تعالى، وولي أمر الناس.
ومن قبل ذكر -جل وعلا-: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: ارجع إلى الآية (١٥٩) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
стр. 1722
سورة الأعراف [٧: ١٨٢]
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
ومقابل الذين يهدون بالحق وبه يعدلون الذين كذَّبوا بآياتنا، لم يؤمنوا بها، وجحدوا بها، بآياتنا: تشمل القرآنية، أو الشرعية، والكونية، والمعجزات.
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾: السين: للاستقبال القريب، الاستدراج: على وزن استفعال، واستدرجه؛ بمعنى: أدناه منه بالتدرج.
والاستدراج: من الدرج: وهو السلم، وسيلة للانتقال للصعود، أو النزول درجة درجة.
مثال على الاستدراج: نُملي عليهم النِّعم، النِّعمة تلو الأخرى، حتى يصلوا إلى أعلى درجات البطر، والعصيان، والإثم، والبعد عن الله، وعدم الشكر؛ ظانين أن تواتر النِّعم عليهم بسبب قربهم من الله، أو عدم مؤاخذتهم، وأن الله غفور رحيم، ولا يعلمون أنما هي خذلان لهم، وتبعيد عنه، ثم يأخذهم بالعذاب بغتة، أو على غفلة؛ فإذا هم مبلسون، أو خامدون.
﴿مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: بما يُدبَّر لهم من الهلاك، والعذاب، والكيد.
﴿مِّنْ﴾: لابتداء الغاية.
﴿حَيْثُ﴾: ظرف زمان، أو مكان.
من حيث لا يعلمون الزمان، والمكان، ولن يفلت منهم أحد.
سورة الأعراف [٧: ١٨٣]
﴿وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾:
﴿وَأُمْلِى لَهُمْ﴾: من الإملاء: وهو التأخير؛ أيْ: تأخير العقوبة، أو العذاب، ولا يعني: الإهمال، مع طول، أو قصر الزمن.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
стр. 1723
﴿كَيْدِى﴾: أخذي، وتدبيري، والكيد: هو التدبير الخفي، والكيد: أقوى من المكر. ارجع إلى سورة يوسف، آية (٥)؛ لبيان معنى الكيد.
﴿مَتِينٌ﴾: شديد؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
وقوله: كيدي: فيه تحذير، وتهديد شديد؛ فهو كيد رب العالمين.
سورة الأعراف [٧: ١٨٤]
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿أَوَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري.
﴿أَوَلَمْ﴾: ولم يقل: ألم، وما هو الفرق بينهما؟
الواو في ﴿أَوَلَمْ﴾: تدل على شيء مرئي، مشاهد، وتنكره، والواو: تدل على شدة الإنكار لذلك الشيء الذي تراه، ثم تنكره، وغيرك لا ينكره؛ أيْ: إنهم إذا تفكروا في شأن محمد ﷺ ، وتجردوا من عصبيتهم، وأهوائهم؛ لأدركوا صدقه، وأنه ليس مجنوناً؛ كما يزعمون.
﴿مَا﴾: النافية.
﴿بِصَاحِبِهِمْ﴾: الباء: للإلصاق، والتعليل؛ يعني: محمداً ﷺ .
﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾: من استغراقية؛ أيْ: جنون؛ لأنهم كانوا يقولون: شاعر، مجنون، والباء: تدل على الإلصاق، وأنهم يعرفونه منذ بدء نشأته، وأنه الصادق، الأمين، وليس المجنون.
﴿إِنْ﴾: للتوكيد.
﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
стр. 1724
﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: نذير من الإنذار: وهو الإعلام مع التحذير، أو التخويف، نذير للمكذبين بآيات ربهم، ومنذر من عذاب يوم القيامة، أو الآخرة، مبين؛ أيْ: إنذاره واضح، وبين لكل فرد، ولا يخفى على أحد، وإنذار لا يحتاج معه إلى برهان، أو دليل.
وانتبه! كيف يستعمل في القرآن: ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، يستعملها دائماً في سياق، أو مقام الدعوة، الهادئة المبينة بالحُجَّة.
﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾: يستعملها في سياق، أو مقام المجادلة، والمخاصمة، والجهاد في القول.
سورة الأعراف [٧: ١٨٥]
﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾:
إذا لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة، لماذا لا ينظرون في ملكوت السموات والأرض؛ نظرة مشاهد، ومعتبر؛ ليروا عظيم ملكه، وقدرته، وبديع صنعه.
و ﴿مَلَكُوتِ﴾: اسم لما يملكه الله من كل شيء، ولا نراه، وهو خاص بالله تعالى وحده، وهو صيغة مبالغة للملك.
والمُلك: هو كل ما تشاهده، وتراه، وتدركه، وتحسه أمامك، أما الملكوت: فهو كل ما غاب عنك، وراء الملك. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٧٥)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية؛ أيْ: تشمل كلَّ شيء.
وكلمة شيء: نكرة؛ تشمل كلَّ شيء، ومن: تشمل كلَّ شيء، والشيء: هو أقل القليل، فلا يوجد شيء مهما كان شكله، أو نوعه، أو حجمه، أو لونه، أو صفاته؛ إلا ويعتبر آية من آيات الله سبحانه؛ الدالة على عظمة قدرته، وأنه واجب
стр. 1725
الوجود، وأنه الإله الحق، خالق كل شيء، والذي يجب أن يعبد، ويسبح، ولا يشرك به.
﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾:
﴿وَأَنْ﴾: تفيد التوكيد.
﴿عَسَى﴾: أداة رجاء؛ أيْ: ما بعدها، يرجى حدوثه.
﴿وَأَنْ عَسَى﴾: أصلها: وأنه عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، وهم لا يعلمون متى سيكون.
﴿قَدِ﴾: للتوكيد، والتحقيق.
فلما لا يسارعون في النظر، أو المبادرة إلى الإيمان، بالرسول وبالقرآن، قبل فوات الأوان، فربما يموتون عن قريب، أو لعلَّ أجلهم قد اقترب.
﴿فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿فَبِأَىِّ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ أي: استفهام، والباء: للتوكيد، والإلصاق.
﴿فَبِأَىِّ حَدِيثٍ﴾: أيْ: بعد القرآن يصدقون؛ أيْ: وإذا لم يؤمنوا بمحمد أولاً، وبما جاء به، وأنذر به، ولم يصدقوا بالقرآن، فهم لن يصدقوا، ويؤمنوا بأي حديث آخر، أو كلام آخر، وفي الكلام تحذير، وترهيب شديد.
سورة الأعراف [٧: ١٨٦]
﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾:
﴿مَنْ﴾: شرطية.
﴿يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ﴾: والسؤال هنا: هل الله سبحانه يُضل أحداً؟
стр. 1726
الجواب: لا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧].
فالله -جل وعلا- دعا الناس جميعاً للإيمان، والهداية، فأنزل كتبه، وأرسل رسله، وآياته الكونية، والمعجزات، وكل ذلك؛ لكي يؤمنوا.
فمعنى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ﴾: أيْ: من يختار طريق الضلال، والكفر، ولم يؤمن بالله، ولا بكتبه، ولا برسله، فليذهب إلى ضلاله، وكفره، كما يشاء، ولن تجد له هادياً غير الله؛ ﴿فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠].
﴿وَيَذَرُهُمْ﴾: ويتركهم في طغيانهم، وترددهم، وحيرتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾: والعمة: هو فقدان البصيرة، والعمى: هو فقدان البصر (النظر). ارجع إلى سورة الأنعام، آية (١١٠)؛ للبيان.
سورة الأعراف [٧: ١٨٧]
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّى لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: أي: السائل يقف أمام رسول الله ﷺ ، وجهاً لوجه.
﴿عَنِ السَّاعَةِ﴾: الساعة؛ تعني: ساعة تهدم النظام الكوني الحالي، وأما القيامة؛ فيعني: البعث، والخروج من القبور.
﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: أيَّان: للاستفهام، وأيَّان: تستعمل للأمور العظام، الجسام، وللتفخيم، والتعظيم، وجاءت في (٦) آيات، كلها في سياق البعث: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾، و ﴿السَّاعَةِ﴾، و ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
أيَّان: تعني: متى، ولكن هناك فرق بين متى، وأيَّان؛ أيَّان: تختص فقط بالمستقبل، وتستعمل للأمور العظام؛ كما قلنا، أما متى: فتستعمل للماضي، والمستقبل، والأمور العادية.
стр. 1727
﴿مُرْسَاهَا﴾: حدوثها، أو متى وقوعها.
﴿مُرْسَاهَا﴾: مشتقة من مرسى السفينة؛ حيث تنتهي، أو قيل: بثبوتها، ويقال: رسا في الأرض؛ أيْ: ثبت، أو استقرَّ بعد الإبحار. فالساعة شبهها بالسفينة التي تقترب كل يوم حتى تبلغ مرساها في الشط؛ أي: منتهاها.
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد.
﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّى﴾: أيْ: قد استأثر ربي بعلمها، ولم يطلع عليها أحد.
﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا﴾: أيْ: لا يظهرها إلا هو. لوقتها: اللام: لام التوقيت، أو التعليل عند وقتها؛ أيْ: لا يكشف خفاء علمها إلا هو سبحانه، وهذا يعني عند دنوِّ أجل الساعة يكشف لنا ربنا أشراط الساعة، أو علاماتها الكبرى.
﴿ثَقُلَتْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ثقل وقوعها على أهل السموات والأرض، أو عظم شأنها على أهل السموات والأرض، أو الكل يخافونها: الملائكة في السموات، والناس، الجن، والإنس على الأرض.
﴿ثَقُلَتْ﴾: الثقل: قد يكون فكرياً، نفسياً، أو مادياً؛ فالخوف يعتبر ثقلاً نفسياً، وفكرياً. ثقلت على أهل السموات: الملائكة، وعلى أهل الأرض، الإنس والجن، وثقلت؛ تعني: لا يستطيعون تحملها من شدتها.
والثقل: يكون كذلك من عدم معرفة أيَّان مرساها، وكونها تأتي بغتةً.
﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾: لا تأتيكم إلّا فجأةً على غفلة منكم، إلا: أداة حصر.
﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا﴾: الحفيُّ لها عدَّة معانٍ؛ منها:
١ - هو المُلِحُّ في طلب الشيء؛ أيْ: بكثرة محاولاً الوصول إلى معرفتها،
стр. 1728
ومن كثرة ذلك يصبح عالماً بها أكثر؛ أيْ: كأنك دائب السؤال عنها، والعناية بها؛ كأنك عالم بها، أو كأنك معنيٌّ بطلب علمها.
٢ - وحفيٌّ: قد تعني: يسألونك عنها كأنك صديقٌ لهم (من كثرة السؤال)؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧].
أو حفي: حافي القدمين من كثرة الذهاب، والمجيء للسؤال عنها؛ أيْ: تمزق نعليك من كثرة المشي؛ للوصول إلى معرفتها، وأصبحت حافي القدمين.
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: تكرار قل: للتأكيد، إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد.
علمها عند الله -جل وعلا-؛ علم وقوعها، وحدوثها فقط عنده، وما يحدث فيها.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أن الله أخفاها؛ لتجزى كل نفس بما تسعى، أو لا يعلمون أن الله العالم بها، واختص بها وحده، أو تعني: هناك القلَّة من العلماء من يعلم شيئاً عن أشراط الساعة، وأهوالها.
стр. 1729
سورة الأعراف [٧: ١٨٨]
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
المناسبة: في الآية السابقة: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّى﴾.
وفي هذه الآية قل أيضاً: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: أي: الأمور كلها بيد الله وحده: الساعة، وعلم الغيب، والنفع، والضر.
﴿لَا﴾: النافية.
﴿أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: لا أستطيع جلب أي نفع، أو دفع أي ضر عن نفسي، ولا عن غيري، والضُّر: بضم الضاد ما يصيب البدن من مرض أو طارئ، والضَّر: بفتح الضاد ضد النفع، وقدم النفع على الضر في هذه الآية.؛ لأن السياق في ذكر الساعة والهداية فقدم النفع الذي هو ثواب الآخرة (الساعة)، أو الهداية هي (نفع) على الضر الذي هو عقاب الأخرة، أو الضلال والنفع أحب إلى الإنسان من الضر.
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، وهي أوسع شمولاً من الذي؛ للعاقل وغير العاقل.
﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: أيْ: إلا ما أراد الله، والمشيئة تأتي قبل الإرادة؛ إلا ما أراد الله أن أملكه.
стр. 1730
﴿وَلَوْ﴾: لو شرطية.
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: الغيب: هو كل ما غاب عنا، فلا تراه العيون، ولا يدرك بالحواس، ومعناه محصل في الصدور، والغيب أنواع: منه المطلق: لا يعلمه إلّا الله، والنسبي: الغيب الذي يطلعه الله على رسله.
﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾: اللام: للتوكيد.
استكثرت: الألف، والسين، والتاء: تعني الطلب؛ أيْ: لطلبت، أو لجلبت الكثير من الخير لنفسي، والخير: هو كل شيء حسن، ونافع، وحلال، وطيب.
﴿وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ﴾: ما: النافية، السوء: كل ما يسيء، أو يسوء إلى النفس، أو القبيح، والمكروه، والضرر، مثال: الفقر، والهزيمة في الغزوات، والموت؛ أيْ: من هو حاله كحالي كيف يعلم الغيب، أو علم الساعة.
﴿إِنْ أَنَا﴾: حرف نفي؛ بمعنى: ما أنا، وهي أشد نفياً من ما. والتقدير: ما أنا إلا: أداة حصر.
﴿نَذِيرٌ﴾: من الإنذار: وهو الإعلام مع التخويف، أو الزجر. وقدم نذير على بشير؛ لأن الآيات جاءت في سياق المشركين لذلك قدم الإنذار على البشارة.
﴿وَبَشِيرٌ﴾: من البشارة: الإخبار بما يسر، الإعلام بما يسر، ولأول مرة؛ أيْ: أرسلت بشيراً، ونذيراً، خاصَّةً.
﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: لقوم: اللام: لام الاختصاص، وأرسلت إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، وخاصَّةً لقوم يؤمنون؛ أيْ: من ينتفع من إنذاري، وتبشيري خاصَّةً، هم القوم الذين يؤمنون.
سورة الأعراف [٧: ١٨٩]
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا
стр. 1731
تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: هو: تعود على الله ، وهو ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتوكيد.
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: الخلق: هو التقدير، والإيجاد.
﴿مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: أيْ: من نفس الجنس البشري؛ أيْ: كل النفوس خلقت من نفس واحدة (مثل جرم واحد).
﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: الجعل: يكون بعد الخلق؛ أيْ: مرحلة تلي الخلق؛ أيْ: بعد خلق النفوس من نفس واحدة جعل بعضها أنثوية، وبعضها ذكرية؛ ليسكن إليها، ويغشاها، وتحمل، وتلد.
ولا بُدَّ من مقارنة ثلاث آيات متشابهة في القرآن؛ هي:
آية سورة النساء، رقم (١): ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.
آية سورة الأعراف، رقم (١٨٩): ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
آية سورة الزمر، رقم (٦): ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
أولاً: الآيات الثلاث مطلعها واحد هو قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؛ أيْ: كافة البشر بما فيهم آدم وحواء، وكل نفس أخرى؛ ذكراً وأنثى، الكل خلق من نفس واحدة هي الأصل.
أما بالنسبة لآية النساء، فقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: يؤكِّد أن نفس الذكر، ونفس الأنثى نفوس متشابهة (من حيث البناء) أو التشريح.
стр. 1732
أما بالنسبة لآية الأعراف، قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: فالجعل يكون عادة بعد الخلق، فبعد أن خلق الله -جل وعلا- النفوس من نفس واحدة ميزها؛ جعل بعضها ذكرية، وأنثوية؛ ليتم التزاوج والتناسل، وهكذا ما تؤكده الآية؛ ليسكن إليها، ويتغشاها، وتحمل، وتلد.
أما بالنسبة لآية الزمر، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: فـ (ثم) هنا ليست للترتيب، والتراخي، وإنما للتباين، والاختلاف رغم كونها خلقت من نفس واحدة، فنفس الرجل (الزوج) غير نفس الأنثى (الزوجة) من حيث: اتخاذ القرار، والعواطف، والمشاعر، والرحمة، والأمومة، والحمل، والإرضاع، ومن حيث تحمل الأعباء، والمشاق، فلكل نفس طابع خاصٌّ مصوَّر في المحفظة الوراثية.
﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾: اللام: لام التعليل؛ من السكينة، فالزوجة سكن لزوجها، والزوج سكن لزوجته؛ أيْ: لتأنس به ويأنس بها، ويأوي إليها، وتؤوي إليه، وفيها معنى الاستقرار، والإقامة؛ سكون مودة، ورحمة؛ أيْ: حب، وتراحم.
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب، والترتيب. لما: ظرف زماني؛ بمعنى: حين.
﴿تَغَشَّاهَا﴾: كناية عن الجماع، أو لامسها، أو الوطء، وتغشاها: مشتقة من الغشاء؛ أي: الغطاء؛ أي: الستر؛ أيْ: هو يسترها، وهي تستره كالغطاء كلٌّ للآخر.
﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾: أيْ: ابتدأ الحمل في أسابيعه الأولى، كانت لا تشعر بأنها حامل، ولا تشكو من أي أعراض الحمل من تعب أو إعياء.
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾: فلما تجاوزت الأسابيع الأولى، واستمرت في حملها.
﴿فَلَمَّا أَثْقَلَت﴾: أيْ: بلغت مراحل الحمل الأخيرة زاد وزنها، وأصبحت تعاني من أعراض الحمل من التعب، والإعياء، وغيرها من الأعراض.
стр. 1733
﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾: أي: الزوج، والزوجة؛ دعوا الله ربهما دعاء التوحيد، توحيد الألوهية، والربوبية معاً.
﴿لَئِنْ﴾: اللام: للتوكيد، إن: شرطية.
﴿آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾: أيْ: رزقتنا ولداً سوياً من العيوب، والأمراض، وقد تعني صالحاً: صلاح الدِّين، أو كلاهما.
﴿لَنَكُونَنَّ﴾: اللام، والنون: تفيدا التوكيد.
﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: من: ابتدائية. الشاكرين: لنعمك علينا، والشاكرين على المولود. ارجع إلى الآية (١٠) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ١٩٠]
﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب. لما: ظرفية؛ بمعنى: حين.
﴿آتَاهُمَا صَالِحًا﴾: حصل المطلوب، ولكن النتيجة كانت بالعكس، فلم يحصل منهما الشكر الذي وعدا الله به، بل جعلا له شركاء، فيما أتاهما؛ أيْ: هذا الولد الذي آتاهما الله سبحانه؛ كان صالحاً، معافىً، صحيح الجسم، فكيف جعلا له؛ أيْ: لله -جل وعلا- شركاء، فيما أتاهما؟ هناك عدَّة تفاسير:
١ - أن هذه الآية نزلت في قصي، وهو جد من أجداد الرسول ﷺ ؛ فقد طلب، أو دعا قصي هو وزوجته من الله أن يعطيه ذرية صالحة، فلما أعطاهما الذرية الصالحة سمَّاها بأسماء الآلهة؛ مثل: عبد مناف، عبد العُزى، وجعل لله شركاء في التسمية، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
٢ - أو أن هذه الآية تعود إلى ذرية آدم حين تصبح الزوجة عاقراً، أو عقيمة غير قادرة على الإنجاب، ثم يشاء الله تعالى أن تحمل بالولد، ويظن أو يعتقد الأب والأم أن الولد الصالح الذي رُزِقا به كان بسبب أنهما ذهبا إلى قبر الولي
стр. 1734
فلان، ودعا عند قبره بأن يرزقهما الولد؛ فظنَّا أن الولي، أو الشيخ هو السبب فتعالى الله عما يشركون.
٣ - يجب الانتباه أن هذه الآية لا تتعلَّق بآدم وحواء، كما جاء في بعض كتب التفسير؛ فآدم وحواء لم يشركا بربهما، ولم يذكر اسم آدم أو زوجته في الآية أبداً.
﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾: والذي جعل له شركاء فيما آتاهما هما الزوجان الكافران، أو المشركان بالله تعالى؛ لكونهما أبدلا شكرَ الله على الولد المعافى (صالحاً) بالكفر والجحود.
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: ترفع، وتقدس الله عما يشركون به من الأولياء، والأصنام، والمخلوقات.
سورة الأعراف [٧: ١٩١]
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾:
﴿أَيُشْرِكُونَ﴾: الهمزة: همزة استفهام تعجبي، وإنكاري، أيشركون في عبادةِ الله الأصنام، أو غيرها من الأشياء التي لا تخلق أي شيء مهما كان، وهي نفسها مخلوقة، فكيف يحق لها أن تكون آلهة تعبد، وهي عاجزة عن خلق أيِّ شيء.
﴿مَا﴾: اسم موصول، وتستعمل للمفرد، والجمع، ولا النافية.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾: هم ضمير فصل لا يطلق إلا على العاقل؛ أي: العقلاء، فكيف أطلق ضمير العاقل على الأصنام التي لا تعقل؟ أطلقها على الأصنام بناء على اعتقاد الذين يعبدونها أنها تنفع وتضر.
فالأصنام، والذين يعبدونها الكلُّ عجزة.
وإضافةً إلى عجزهم عن خلق أيِّ شيء هم لا يستطيعون لهم نصراً، وهذا عجز آخر، ولا أنفسهم ينصرون عجز ثالث؛ كما ورد في الآية التالية.
стр. 1735
سورة الأعراف [٧: ١٩٢]
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾:
أيْ: هذه الأصنام لا تستطيع أن تنصرهم، ولا هي قادرة على نصر أنفسها، ولا هم قادرون على نصر هذه الأصنام أيضاً، والكلُّ عجزة، وتكرار لا يفيد توكيد النفي، وفصل نصر عابديها عن نصر أنفسها؛ أيْ: لا هذا، ولا ذاك، ولا كلاهما.
وإضافةً إلى هذا العجز هناك عجز آخر هو:
سورة الأعراف [٧: ١٩٣]
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال؛ أيْ: إن تدعوا هذه الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم؛ لا تستجيب لكم.
﴿تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾: وإن تدعو هذه الآلهة الأصنام إلى الهدى، أو الاستجابة لكم فهي لا تستجيب؛ فهي لا تصلح أن تكون متبوعة، ولا تبعاً لغيرها.
فهي لا تجلب لكم نفعاً، ولا تستطيع أن تضركم، ولا تهديكم، ولا تهدوها.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾: الهمزة في أدعوتموهم: همزة التسوية؛ أي: يتساوى عندكم دعاؤهم، أو عدمه؛ أيْ: لا يسمعونكم إذا دعوتموهم، أو لم تدعوهم؛ أي: أنتم صامتون، والصمت يعني: عدم التفوُّه بأيِّ كلمة.
سورة الأعراف [٧: ١٩٤]
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
стр. 1736
﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: تعبدون من غير الله، أو تدعوهم؛ أيْ: تطلبوا منهم العون والنصرة.
﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: كيف تجعلون الأصنام عباداً أمثالكم، أو تشبهونها بكم؛ فهذا استهزاء بكم، وسخرية بكم، أو كيف تعبدونهم وتسمونهم آلهةً.
وتسميتهم عباداً أمثالكم: هو استهزاء بكم، وتقريع، وتوبيخ لكم.
وما دمتم اتخذتموهم آلهة هيَّا ادعوهم بأيِّ دعاء، أو طلب، وانظروا هل يستجيبون لكم.
﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الشك أن تكونوا صادقين، أو إن كنتم صادقين في عبادتكم لها، أو دعائكم لها، أو تعني: إنكم كاذبون.
سورة الأعراف [٧: ١٩٥]
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾:
هذه تتمة للآية السابقة.
﴿أَلَهُمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري وتعجبي؛ أيْ: هل هذه الأصنام التي صنعتموها بأرجل، وأيدٍ، وأعين، وآذان؛ هل يمشون بهذه الأرجل التي صنعتموها، أم هل يبطشون بهذه الأيدي، أم هل يبصرون بهذه الأعين أيَّ شيء، أم هل يسمعون بهذه الآذان أيَّ دعاء، كلا، بل هي أعضاء معطَّلة لا حياة فيها، ولا حركة، ولا حسَّ.
ثم تحداهم، ولا داعيَ أصلاً للتحدِّي، ولكن ليقيم عليهم الحُجَّة، ويطلعهم على غباوة أمرهم، وأنه لا يخاف هذه الأصنام.
﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ﴾: أيْ: نادوا آلهتكم، وأصنامكم، ثم بعد ذلك ﴿كِيدُونِ﴾: أي: أَجْمِعُوا أمرَكم، وتعاونوا على إلحاق الضررَ بي إن استطعتم.
стр. 1737
﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾: الفاء: للمباشرة، والتعقيب؛ أيْ: من دون انتظار؛ أيْ: كيدون الآن.
﴿تُنْظِرُونِ﴾: تمهلون.
انظر إلى المقارنة مع آية هود.
ولنقارن هذه الآية (١٩٥) من سورة الأعراف: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾.
مع قوله في الآية (٥٥) من سورة هود: ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾.
آية الأعراف: جاء في سياق تحدِّي رسول الله ﷺ لمشركي قريش، والفاء في كلمة: ﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾: تدل على المباشرة؛ أيْ: كيدون الآن، ولا تنظرون، و ﴿كِيدُونِ﴾ من دون ياء: تدل على قصر التحدِّي، وأنه تحدٍّ عاديٍّ.
آية هود: جاءت في سياق تحدِّي هود لقومه، و ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾: تدل على التراخي في الزمن؛ أيْ: كيدوني متى تشاؤون في المستقبل، و ﴿فَكِيدُونِى﴾ بالياء: تدل على شدة التحدِّي، وكونه أطول في الزمن، فليس ضرورياً أن يكون تحدِّياً قصيرَ الأمد.
ففي آية الأعراف: التحدِّي مباشرة، وتحدٍّ عاديٍّ قصير.
أما في آية هود: فالتحدِّي شديد، وبالغ، وتحدٍّ طويل الأمد ليس بقصير.
стр. 1738
سورة الأعراف [٧: ١٩٦]
﴿إِنَّ وَلِّىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾:
المناسبة: بعد قوله تعالى لرسوله ﷺ : قل لمشركي قريش أنتم ادعوا شركاءَكم؛ فليستجيبوا لكم، ثم كيدون فلا تنظرون، وأنا أدعو ولييَ اللهَ الذي نزل الكتاب.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿وَلّىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾: الولي: هو الذي يليك بالقرب؛ أي: القريب، والمعين، والناصر.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول.
﴿نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾: نزل القرآن، ونزل تعني: على دفعات، وليس جملة واحدة، وخلال (٢٣ عاماً).
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التوكيد.
﴿يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾: بدلاً من أن يقول: وهو يتولَّى رسوله ﷺ قال: يتولَّى الصالحين؛ أيْ: رسول الله ﷺ ، واتباعه؛ فهي ولاية عامة للصالحين، وهذه تعتبر بشارة له.
والصالحين: جمع صالح، والصالح: ضد المفسد، والصالح الذي قام بحق الله تعالى، وحق العباد.
стр. 1739
﴿يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾: أيْ: يحفظهم، وينصرهم؛ لعمارة الأرض، ولمقاومة الفساد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٠)؛ لبيان معنى الصالحين.
سورة الأعراف [٧: ١٩٧]
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾:
هذه الآية تتمة للآية السابقة: الله ولي الصالحين ينصرهم ويعينهم في الدنيا والآخرة.
﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: عاطفة. الذين: اسم موصول.
﴿تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾: تعبدون، وتدعون من غيره من أولياء، أو شركاء أصنام، أو غير أصنام، بشر، أو ملائكة.
﴿مِنْ﴾: استغراقية.
﴿لَا﴾: النافية.
﴿يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾: لأنهم غير قادرين، ولو كانوا قادرين فهو غير مسموح لهم، ولا يملكون كشف الضر عنكم، ولا تحويلاً.
﴿وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾: ولا قادرين على نصر أنفسهم، فكيف ينصرونكم، لا في الدنيا، ولا في الآخرة.
وتكرار (لا): يفيد توكيد النفي؛ نفي نصركم، ونصر أنفسهم كلاً على حِدَةٍ، أو معاً.
سورة الأعراف [٧: ١٩٨]
﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والواو: عاطفة.
﴿تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾: أيْ: إن تدعوهم إلى الهدى بدلاً من أن
стр. 1740
يدعوكم هم أنفسهم إلى الهدى؛ لأن هذا هو المفروض، لا يسمعون، وسواء أنتم دعوتموهم، أم هم دعوكم، لا يسمعون في كلا الحالين.
﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾: النظر: هو الالتفات إلى الشيء؛ أي: توجه العين إلى الشيء دون رؤيته؛ لأن هذه الاصنام بأعينهم الاصطناعية؛ التي لا تبصر، ولا تدرك، ويشبهون من ينظر إليكم، واستعمل هم التي تستعمل للعقلاء؛ استهزاء بالأصنام التي شبَّهوه بها.
﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾: البصر: رؤية الشيء بوضوح لا يدركون ما يبصرون، أو لا يبصرون أصلاً رغم أنه واضح يمكن رؤيته.
وقد تنطبق هذه الآية على المشركين، والمنافقين؛ الذين ينظرون بأعينهم، وهم لا يبصرون بقلوبهم، أو لا يدركون ما يبصرون، أو يسمعون، ولا يفهمون شيئاً من دِينهم.
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِى الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
سورة الأعراف [٧: ١٩٩]
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾:
قال العلماء: جمع الله -جل وعلا- في هذه الآية مكارم الأخلاق.
﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: العفو له معانٍ عدة:
١ - الصفح.
٢ - ما زاد عن الحاجة؛ لقوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَّفْعِهِمَا وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
стр. 1741
٣ - الأمر السهل اليسير.
وهذه المعاني الثلاثة تتضمن: اعفُ، واصفحْ عمن ظلمك، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. وأقبل ما تيسر من أخلاق الناس، ولا تتبع عوراتهم، وما زاد عن الحاجة؛ يعني: ما زاد من المال؛ مثل: الزكاة، والصدقة، خذ إذا كنت أنت الفقير المحتاج، أو أعط إذا كنت أنت الغني الكريم. خذ الأيسر من التكاليف الشرعية، ويسِّر، ولا تعسِّر على الناس.
﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: العرف شرعاً: هو ما تعارف عليه الناس، واطمأنوا إليه من قول، أو فعل، ولا يحتاج إلى إثبات، أو ما تعرفه العقول السليمة، ويوافقه الشرع.
﴿بِالْعُرْفِ﴾: الباء: للإلصاق، والعرف: قيل: المعروف، والمعروف: اسم جامع لكل خير، وما تعارف عليه الناس في عبادتهم، ومعاملاتهم.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: الجهل له معانٍ؛ منها: عدم العلم بشرع الله، والجهل ضد الحلم؛ أي: السفاهة، والجاهل؛ تعني: غير العالم، والسفيه. ارجع إلى سورة الزمر آية (٦٤)، وسورة الفرقان آية (٦٣) لمزيد من البيان في معنى الجاهلين.
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: بعد العفو، والصبر على سوء أخلاقهم، وسفههم، والحلم عنهم، والدفع بالتي هي أحسن، ودعوتهم إلى الحق؛ فإن لم يستجيبوا، واستمروا في شرِّهم؛ عندها: أعرض عنهم، ولا تجادلهم، وهذا الخطاب موجَّه إلى الرسول ﷺ ، وإلى الصالحين.
стр. 1742
سورة الأعراف [٧: ٢٠٠]
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
هذه الآية تتمة للآية السابقة، والتقدير هو: خذ العفو، وأْمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلية.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾:
﴿وَإِمَّا﴾: الواو: استئنافية. إن: الشرطية زائدة. ما: للتوكيد.
إن: الشرطية تفيد الاحتمال، أو الندرة في الحدوث.
﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾: فيها نون التوكيد، والكاف: للخطاب، والنزغ: أي: النخس، أو الغرز، أو النغز: والنزغ: مشتق، أو مأخوذ من إدخال الإبرة، أو طرف العصا في الجلد، أو وضع شيء بارز في الحذاء؛ مثل: حديدة كي تحث الحيوان على السير بسرعة.
والنزغ في اللغة: الإفساد بين الناس، كما قال يوسف ﵇: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى﴾ [يوسف: ١٠٠].
والنزغ قيل: هو الإهاجة التي تثير الغضب، ونهاية النزغ: هي البغضاء.
﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: من: لابتداء الغاية. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٣٦)؛ للبيان.
﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾: اطلب العون من الله؛ أي: استعن بالله، والجأ إليه؛ فهو الحفيظ، والملجأ، فالشيطان قوي، وخفي، فلا تستعين إلَّا بمن هو الأقوى، وهو الله سبحانه؛ فهو القادر على تعطيل عمل الشيطان.
﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾: لأقوال الجاهلين.
стр. 1743
﴿عَلِيمٌ﴾: عليم بأحوالهم، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، ونواياهم.
ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية، مع الآية رقم (٣٦) من سورة فصلت.
في سورة الأعراف، الآية (٢٠٠): ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
وفي سورة فصلت، الآية (٣٦): ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: نجد في آية الاعراف قال تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وفي فصلت قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أضاف هو+ آل التعريف هناك عدة تفسيرات منها: آية الأعراف نزلت أولاً، أو فصلت نزلت ثانياً.
التفسير الثاني: في آية سورة الأعراف لم يؤكد بضمير الفصل (هو)؛ لأن الإعراض عن الجاهلين أسهل من مقابلة السيئة بالحسنة، والإحسان إلى من أساء إليك، أو المسيء.
التفسير الثالث: في آية سورة فصلت أكَّد بضمير الفصل (هو)، وعرف بالسميع العليم؛ جاءت الصفتان معرفتان؛ لأن مقابلة السيئة بالحسنة أصعب على النفس.
في آية سورة الأعراف: وصف نفسه سبحانه بأنه سميع عليم، بعد ذكر الآيات التي تصف الأصنام التي يعبدونها؛ بأنها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تقدر على الخلق، ووصف سبحانه نفسه بأن سميع عليم من دون أل التعريف، وضمير الفصل مقابل تلك الآلهة التي لا تسمع، ولا تعقل، ولا تعلم، فلا داعي للتعريف، والتوكيد.
بينما في آية سورة فصلت: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: آيات فصلت: جاءت
стр. 1744
في سياق الذين ظنوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعلمون؛ أيْ: نفوا عن الله كثيراً من العلم، فبيَّن لهم الحق، وأكَّد لهم أنه هو السميع العليم، المختص بالعلم الكامل، والسمع الكامل، ولو قال -جل وعلا-: (الله السميع العليم)؛ لكان ذلك يعني: أنه هو فقط السميع العليم، وغيره لا يسمع، ولا يعلم، وهذا نفي للإنس، والجن، والملائكة الذين وصفهم بالسمع والعلم.
سورة الأعراف [٧: ٢٠١]
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُّبْصِرُونَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول؛ يفيد المدح.
﴿اتَّقَوْا﴾: أطاعوا أوامر الله تعالى، وتجنَّبوا نواهيه.
﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية؛ للمستقبل؛ تفيد حتمية الحدوث، وكثرته.
﴿مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾: المسُّ: هو أخف اللمس؛ أي: الإصابة الخفيفة، والمسُّ: يحدث بعد الوسوسة، والنزغ، والتزيين، والمسُّ يعني: أن المتَّقي بدأ بالعزم على فعل المعصية.
﴿طَائِفٌ﴾ اسم فاعل من طاف، وطاف الشيء إذا دار حوله، والطائف؛ يعني: الخيال، أو الوسوسة، أو الفكرة.
﴿تَذَكَّرُوا﴾: أيْ: تذكروا أنهم مخطئون، تذكروا الله خالقهم، وربَّهم، تذكَّروا عقاب الله.
﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التوكيد، أو المبالغة في البصر.
стр. 1745
﴿مُّبْصِرُونَ﴾: الحق، والحرام من الحلال، مبصرون للخطأ، أو الذي همُّوا من أجله، أو عزموا عليه.
﴿مُّبْصِرُونَ﴾: جملة اسمية؛ تفيد الثبوت؛ لأن البصر يجب أن يكون صفة ملازمة للمتَّقي، ولم يقل: (يبصرون): الذي يدل على التجدُّد، والتكرار؛ يعني: الوقوع في المعصية مرة أخرى، فهذا ليس من صفات المتَّقي، أن يعود بعد التوبة إلى تكرار المعصية.
سورة الأعراف [٧: ٢٠٢]
﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾:
﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾: إما أن تعود على الجاهلين؛ أيْ: وإخوان الجاهلين، وهم الشياطين، وإما أن تعود على الشياطين؛ شياطين الجن، وشياطين الإنس، أو تعود على شياطين الإنس من أهل الشرك، والضلال، والمعاصي؛ أي شياطين الجن يمدونهم شياطين الإنس في الغي؛ أيْ: يمدون الفجار بالضلال، والغي، أو يمدون الجاهلين بالغي.
﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾: من فعل مد، الثلاثي، ويستعمل فعل مد الثلاثي في الخير، والشر. بينما أمد الفعل الرباعي: يستعمل في الشر خاصَّةً، ويمدهم؛ تعني: يزيدهم، يمكن لهم، يملي لهم، يمهلهم.
﴿فِى﴾: أيْ: هم أصلاً في الغيِّ، ويمدونهم في غيٍّ جديد؛ إضافةً إلى غيِّهم السابق. ارجع إلى سورة الحجر، آية (٤٢)؛ لمزيد من البيان.
﴿الْغَىِّ﴾: ضد الرشد، وأصل الغي: الفساد، وغوى: ضل عن الحقيقة، أغواه: أفسده، وأضله بالوسوسة، والتزيين، وكذلك تعني: المعاصي، والضلال، والجهل، والباطل من قول، وعمل.
стр. 1746
﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾: ثم: لا تدل على الترتيب، والتراخي هنا، وإنما تدل على التباين، بين الإمداد، والتقصير، والتقصير: أعظم من الإمداد.
﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾: من التقصير، لا يكفون، أو يتوقَّفون، أو لا ينتهون، أو لا يمسكون عن إغوائهم؛ خوفاً من أن يعودوا إلى رشدهم، ودينهم.
ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية، مع الآية (١٥) من سورة البقرة.
سورة الأعراف، الآية (٢٠٢): ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَىِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾.
سورة البقرة، الآية (١٥): ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
في آية سورة البقرة: أسند الله سبحانه المد إلى ذاته، فالله يمدهم في طغيانهم؛ الذي هم بدؤوا به، وأرادوه لأنفسهم، ولم يمدَّهم في طغيان جديد، لم يفعلوه.
في آية سورة الأعراف: أسند المد إلى الشياطين؛ فهم يمدونهم في غيٍّ جديد؛ إضافةً إلى الغي الذي هم بدؤوا به.
سورة الأعراف [٧: ٢٠٣]
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَىَّ مِنْ رَّبِّى هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: الواو: عاطفة. إذا: للمستقبل، شرطية، وتفيد الحتمية.
﴿لَمْ تَأْتِهِم﴾: لم: نافية للحال؛ أيْ: لم تأتهم الآن؛ أيْ: لم تأتِ أهل مكة، أو المشركين، أو قريش، كما اقترحوا لك من الآيات تعنتاً؛ مثل: أن تفجر لهم من الأرض ينبوعاً، أو لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو تنزل عليهم كتاباً من السماء، أو غيرها.
стр. 1747
﴿بِآيَةٍ﴾: الباء: للإلصاق. آية: معجزة، أو آية من آيات القرآن.
﴿قَالُوا لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ، وطلب؛ أيْ: هلَّا.
﴿اجْتَبَيْتَهَا﴾: مشتقة من جبيت الماء في الحوض؛ أيْ: جمعته؛ أيْ: جمعت لنا آية، أو أتيت، أو اختلقت من عندك.
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد ﷺ .
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التوكيد، والحصر.
﴿أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَىَّ مِنْ رَّبِّى﴾: أيْ: لست بمختلق؛ لأي آية، وليس الأمر بيدي، ولا حتى مؤيد لهذا الطلب، أو الاقتراح. ولمعرفة معنى الوحي: ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣).
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه. ذا: اسم إشارة للقرب، ويشير إلى القرآن.
﴿بَصَائِرُ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: أيْ: هذا القرآن بصائر، أو كالبصائر.
والبصائر: جمع بصيرة، والبصيرة: هي البرهان القاطع؛ الذي ليس فيه شكٌّ. البصائر: تشمل الحجج، والبراهين، والبينات، والآيات التي لا لبس فيها؛ فهو أكبر آية لكم؛ أيْ: معجزة خالدة إلى يوم الساعة. ارجع إلى سورة الجاثية آية (٢٠) لمزيد من البيان في معنى بصائر.
﴿وَهُدًى﴾: مصدر للهداية، أو هدى يهيد للحق، ويهدي للصراط المستقيم الموصل إلى السعادة، والكمال في الدارين، ويهدي للغاية، وبيان الحق من الباطل، والخير من الشر.
стр. 1748
﴿وَرَحْمَةٌ﴾: يجلب ما ينفع، ويدفع ما يضر، أو مصدر إنعام في الدنيا والآخرة، وشفاء ووقاية.
﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: ينتفع به الذين يؤمنون بربهم، وبما أن هذا القرآن بصائر، وهدى، ورحمة لقوم يؤمنون؛ فإذا قرئ عليهم يجب عليهم أن ينصتوا له، ويستمعوا إليه. ارجع إلى الآية (٦٣) من نفس السورة.
سورة الأعراف [٧: ٢٠٤]
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زمان للمستقبل، شرطية؛ تفيد الحتمية، والكثرة.
﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾: الاستماع: الإصغاء إلى تلاوته؛ بقصد وبنية.
﴿وَأَنْصِتُوا﴾: الإنصات: السكوت، وعدم الكلام مع الاهتمام.
﴿لَعَلَّكُمْ﴾: لعلَّ: للتعليل.
﴿تُرْحَمُونَ﴾: أيْ: إذا استمعتم إلى القرآن، وأنصتم، واتخذتم الأسباب الأخرى للرحمة، وطلبتم العون من الله؛ فقد ترحمون.
﴿تُرْحَمُونَ﴾: بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدُّد، والتكرار. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (٨)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ٢٠٥]
﴿وَاذْكُر رَبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾:
وبعد الاستماع إلى القرآن، والإنصات إليه؛ عليكم بذكر ربِّكم؛ تضرعاً، وخيفةً.
﴿وَاذْكُر رَبَّكَ﴾: والذكر: هو حضور الشيء للفكر، أو العقل، والذكر
стр. 1749
يكون باللسان، ويكون في النفس؛ أيْ: يتذكر الشيء في عقله، ويفكر به، والذكر يشمل الصلاة، والتسبيح، والتهليل، والحمد، والثناء، والدعاء، وقراءة القرآن، كلها من وسائل الذكر.
﴿تَضَرُّعًا﴾: بذلٍّ، وخشوع.
﴿وَخِيفَةً﴾: خوفاً، وخشية، وخاصَّةً حين تلاوة آيات الوعيد، والإنذار. ارجع إلى الآية (٥٥) في نفس السورة للمقارنة.
﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: من دون صوت مرتفع؛ كأن تسمع نفسك فقط، دون الغير، وفوق السر.
﴿الْجَهْرِ﴾: نوعان: جهر مقبول، وهو دون الجهر، وجهر غير مقبول: حين يتحول الذكر إلى إزعاج الآخرين.
﴿بِالْغُدُوِّ﴾: من الفجر إلى طلوع الشمس، والإبكار من طلوع الشمس إلى الضحى، والأصال: من العصر إلى غروب الشمس.
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾: لا: الناهية.
﴿مِنَ الْغَافِلِينَ﴾: عن ذكر ربهم، أو عن صلاتهم. الغافلين: جملة اسمية؛ تدل على الثبوت؛ أيْ: باستمرار، ودوام على الفعلة؛ لأن المؤمن قد يغفل إلى فترة، ثم يعود إلى ذكر الله. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأعراف [٧: ٢٠٦]
﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: الذين: اسم موصول.
стр. 1750
﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: أي: الملائكة؛ لأن الملائكة في السموات العلى، والعندية هذه ليست عندية مكان؛ لأن ربنا لا يحدُّه مكان، ولكنها عندية الفضل، والرحمة، وقيل: هم الملائكة المقربون.
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾: لا: النافية. يستكبرون: لا يشعرون بالكبر، والعلو، والعظمة؛ مهما بلغوا من المنزلة، والرفعة، ويفعلون ما يأمرون دون تكبر.
﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾: بالليل، والنهار، لا يفترون؛ أيْ: ينزهونه عن كل عيب، ونقص، ذاتاً، وصفاتٍ، وأسماءً.
﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾: تقديم الجار، والمجرور. له: يفيد الحصر بدلاً من القول، ويسجدون له، قال: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾.
أي: السجود لا يكون إلا لله وحده.
﴿يَسْجُدُونَ﴾: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدُّد، والتكرار؛ سجود طاعة، وعبادة، سجود شكر، وتعظيم، سجود تلاوة؛ حيث يكون العبد أقرب إلى الله سبحانه من بقية الأوضاع.
стр. 1751
سورة الأنفال [٨: ١]
سورة الأنفال
ترتيبها في القرآن (٨)، وترتيبها في النزول (٨٨).
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾:
﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١٥)؛ لبيان المعنى.
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾: يسألونك: جاءت بصيغة المضارع، ولم يقل سألوك للدلالة على تكرار وتجدد السؤال، فالسؤال عن الأنفال سوف يتكرر في المستقبل، أو يدل على كثرة السائلين عن الأنفال، وقال تعالى: يسئلونك، ولم يبدأ بالواو، ولم يقل: ويسئلونك، ذكر الواو يدل على أنه سؤال من عدة أسئلة، وعدم ذكر الواو يدل على أنه سؤال وحيد لم ترافقه أسئلة أخرى، والأنفال: هي الغنائم الحربية الّتي تؤخذ من العدو بقتال، وهي جمع نفل، والنّفل: هنا يعني: الغنيمة، أما ما يؤخذ من العدو من دون قتال فيُسمَّى: الفيء، والّذين يسألون: هم الصّحابة الّذين حضروا معركة، أو غزوة بدر الكبرى، يسألون رسول الله ﷺ عن حكم الغنائم؛ أي: كيف توزع؛ لأنّهم اختلفوا في كيفية قسمتها؛ أيْ: توزيعها؛ فجاء الرّدُّ.
﴿الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أيْ: حكمها لله والرّسول، وقد بيَّنت الآية (٤١)
стр. 1752
من سورة الأنفال كيف توزَّع؛ حيث قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: لله: اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق، وأضاف الرسول، ولم يقل: وللرسول؛ لأن ما لله تعالى هو ما لرسوله ﷺ .
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: التقوى: هو امتثال أوامر الله، وطاعته، وتجنب نواهيه؛ كي تتَّقوا سخطه، وغضبه، وناره، وأصلحوا ذات بينكم: بترك، أو حل الشّقاق، والنّزاع، والخلاف في مسألة الغنائم، وغيرها من المسائل الاجتماعية، والدِّينية.
﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: البين: هو ما بين شيئين، أو يربط بين شيئين، وتُسمَّى الصّلة، أو البين، وذات تعني: صاحبة؛ أيْ: أزيلوا الخلاف، أو الفاصل، أو الخصام الّذي ينشأ بينكم؛ لأي سبب.
والصلاح: فعل كل ما يتمكَّن به من الخير، أو يتخلص به من الشر.
والإصلاح: يتم بتربية النّفوس على الفضائل، والأخلاق، والأعمال الصّالحة.
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: في كلِّ ما يأمرانكم به، أو ينهيانكم عنه، وطاعة الرّسول هي طاعة لله سبحانه. ارجع إلى الآية (٣٢) من سورة آل عمران؛ لمزيد من البيان.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: إن: شرطية، وجواب الشّرط محذوف دل عليه ما قاله؛ أي: إن كنتم مؤمنين؛ فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله.
стр. 1753
سورة الأنفال [٨: ٢]
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: ولم يقل: الّذين آمنوا، المؤمنون: الّذين أصبحت صفة الإيمان عندهم ثابتة؛ أي: استقاموا على الإيمان، وأمّا الّذين آمنوا: فهم السّائرون على درب الإيمان.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿إِذَا﴾: ظرف زماني يدل على الاستقبال، فيه معنى: الشّرط.
﴿ذُكِرَ اللَّهُ﴾: ذكرت عظمته، وصفاته، وأسمائه الحسنى، وقدرته، وجبروته، ووعده، ووعيده.
﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: الوجل: مزيج من الشعور بالخوف، والمهابة من الله ، والقلق، أو عدم الشعور بالطمأنينة؛ قد يرافقه البكاء، مع تغيرات في نبضات القلب، وقشعريرة في الجلد؛ بسبب التقصير في حق الله تعالى، وما قدَّموا لأنفسهم.
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية؛ للاستقبال، متضمِّنة معنى: الشّرط.
﴿تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾: أي: تليت عليهم آيات القرآن؛ أي: قرأت عليهم، والتّلاوة لا تكون إلا لكلمتين، أو أكثر، أمّا القراءة: فقد تكون لكلمة واحدة، والتّلاوة: أصلها إتْباع الشّيء للشيء، وتلاه يعني: تبعه؛ أيْ: تلاوة الآية بعد الآية، وكل تلاوة قراءة، وإذا تُليت: ولم يقل: تتلى، تُليت: فعل ماضٍ، تُليت عليهم ولو مرة واحدة؛ زادتهم إيماناً، أمّا تتلى: فعل مضارع؛ يدل على التّجدُّد، والتّكرار؛ أيْ: باستمرار.
стр. 1754
﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾: تصديقاً ويقيناً زادتهم إيماناً على إيمانهم؛ أيْ: قوي إيمانهم؛ فهم في إقبال على الله .
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: وعلى: تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر؛ أيْ: لا يتوكلون إلا على ربهم وحدَه، يتوكلون: تعني: يقدِّمون الأسباب أولاً، ثم يطلبون منه العون؛ لتحقيق ما يرجون، فلا يطلبون إلا منه، ولا يرجون إلا إياه. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان.
لا بُدَّ من مقارنة ثلاث آيات متشابهة، هي:
الآية (٣) من سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
والآية (٢٨) من سورة الرعد: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
والآية (٢٣) من سورة الزّمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
ففي آية الأنفال: ذِكرُ الله أدَّى إلى وجل القلوب، وفي آية الرّعد: ذكر الله أدَّى إلى اطمئنان القلوب، فكيف نفسر ذلك؟
أولاً: لا تعارض بين الآيتين؛ لأنّ الإنسان المسرف على نفسه، أو الظّالم لنفسه، والّذي يرتكب السّيئات يصبح يرجف ويخاف ربه حين يُذكر الله ووعيده؛ لأنّه خالف منهج الله فيصاب بالوجل مخافة منه، ومهابة الله وعقابه، أمّا الإنسان الّذي هو سابق بالخيرات، ولا يرتكب السّيئات؛ فحين يُذكر الله، أو آياته يصاب بالاطمئنان؛ فالمؤمن يمر بمراحل متعددة حسب إيمانه، قد يصاب قلبه بالوجل تارة؛ لشعوره بالتقصير، والخوف، والمهابة من الله، أو تارة أخرى بالاطمئنان؛ لعلمه بأن الله أرحم الراحمين، ويغفر الذنوب جميعاً، أو تارة أخرى
стр. 1755
يشعر بالوجل، والاطمئنان معاً.
كما في آية الزّمر: فقد جمعت الوجل والاطمئنان معاً، الوجل أولاً، ويتمثل في قوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، ثم الاطمئنان يتمثل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
سورة الأنفال [٨: ٣]
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾:
﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: ومن صفاتهم الأخرى: يقيمون الصّلاة، وإقامة الصّلاة؛ تعني: أدائها، والقيام بها كاملة؛ أي: القيام بأركانها من تكبير، ومن ركوع، وسجود، وتلاوة، وسننها وشروطها، وفي أفضل أوقاتها، والمحافظة عليها، والدّوام.
﴿وَمِمَّا﴾: تعني: من بعض. ما: اسم موصول؛ تعني: الّذي.
﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾: أي: أعطيناهم، أو آتيناهم من المال، والعلم، والحرث، والمتاع.
﴿يُنْفِقُونَ﴾: ينفقون بصيغة المضارع؛ لتدل على تكرار الإنفاق، وتجدُّده، واستمراره. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٣)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأنفال [٨: ٤]
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة؛ يفيد إلى البعد؛ بعد منزلتهم.
﴿هُمُ﴾: ضمير فصل؛ يفيد المبالغة؛ أيْ: إذا كان هناك مؤمنون فهم أفضلهم، وأحسنهم إيماناً.
﴿الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: المؤمنون: ارجع إلى الآية (٢).
следующие страницы →