← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

سورة الأنفال [٨: ١] سورة الأنفال ترتيبها في القرآن (٨)، وترتيبها في النزول (٨٨). ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١٥)؛ لبيان المعنى. ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ﴾: يسألونك: جاءت بصيغة المضارع، ولم يقل سألوك للدلالة على تكرار وتجدد السؤال، فالسؤال عن الأنفال سوف يتكرر في المستقبل، أو يدل على كثرة السائلين عن الأنفال، وقال تعالى: يسئلونك، ولم يبدأ بالواو، ولم يقل: ويسئلونك، ذكر الواو يدل على أنه سؤال من عدة أسئلة، وعدم ذكر الواو يدل على أنه سؤال وحيد لم ترافقه أسئلة أخرى، والأنفال: هي الغنائم الحربية الّتي تؤخذ من العدو بقتال، وهي جمع نفل، والنّفل: هنا يعني: الغنيمة، أما ما يؤخذ من العدو من دون قتال فيُسمَّى: الفيء، والّذين يسألون: هم الصّحابة الّذين حضروا معركة، أو غزوة بدر الكبرى، يسألون رسول الله ﷺ عن حكم الغنائم؛ أي: كيف توزع؛ لأنّهم اختلفوا في كيفية قسمتها؛ أيْ: توزيعها؛ فجاء الرّدُّ. ﴿الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أيْ: حكمها لله والرّسول، وقد بيَّنت الآية (٤١)

стр. 1752

من سورة الأنفال كيف توزَّع؛ حيث قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾. ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: لله: اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق، وأضاف الرسول، ولم يقل: وللرسول؛ لأن ما لله تعالى هو ما لرسوله ﷺ . ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: التقوى: هو امتثال أوامر الله، وطاعته، وتجنب نواهيه؛ كي تتَّقوا سخطه، وغضبه، وناره، وأصلحوا ذات بينكم: بترك، أو حل الشّقاق، والنّزاع، والخلاف في مسألة الغنائم، وغيرها من المسائل الاجتماعية، والدِّينية. ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: البين: هو ما بين شيئين، أو يربط بين شيئين، وتُسمَّى الصّلة، أو البين، وذات تعني: صاحبة؛ أيْ: أزيلوا الخلاف، أو الفاصل، أو الخصام الّذي ينشأ بينكم؛ لأي سبب. والصلاح: فعل كل ما يتمكَّن به من الخير، أو يتخلص به من الشر. والإصلاح: يتم بتربية النّفوس على الفضائل، والأخلاق، والأعمال الصّالحة. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: في كلِّ ما يأمرانكم به، أو ينهيانكم عنه، وطاعة الرّسول هي طاعة لله سبحانه. ارجع إلى الآية (٣٢) من سورة آل عمران؛ لمزيد من البيان. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: إن: شرطية، وجواب الشّرط محذوف دل عليه ما قاله؛ أي: إن كنتم مؤمنين؛ فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله.

стр. 1753

سورة الأنفال [٨: ٢] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: ولم يقل: الّذين آمنوا، المؤمنون: الّذين أصبحت صفة الإيمان عندهم ثابتة؛ أي: استقاموا على الإيمان، وأمّا الّذين آمنوا: فهم السّائرون على درب الإيمان. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿إِذَا﴾: ظرف زماني يدل على الاستقبال، فيه معنى: الشّرط. ﴿ذُكِرَ اللَّهُ﴾: ذكرت عظمته، وصفاته، وأسمائه الحسنى، وقدرته، وجبروته، ووعده، ووعيده. ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: الوجل: مزيج من الشعور بالخوف، والمهابة من الله ، والقلق، أو عدم الشعور بالطمأنينة؛ قد يرافقه البكاء، مع تغيرات في نبضات القلب، وقشعريرة في الجلد؛ بسبب التقصير في حق الله تعالى، وما قدَّموا لأنفسهم. ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية؛ للاستقبال، متضمِّنة معنى: الشّرط. ﴿تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾: أي: تليت عليهم آيات القرآن؛ أي: قرأت عليهم، والتّلاوة لا تكون إلا لكلمتين، أو أكثر، أمّا القراءة: فقد تكون لكلمة واحدة، والتّلاوة: أصلها إتْباع الشّيء للشيء، وتلاه يعني: تبعه؛ أيْ: تلاوة الآية بعد الآية، وكل تلاوة قراءة، وإذا تُليت: ولم يقل: تتلى، تُليت: فعل ماضٍ، تُليت عليهم ولو مرة واحدة؛ زادتهم إيماناً، أمّا تتلى: فعل مضارع؛ يدل على التّجدُّد، والتّكرار؛ أيْ: باستمرار.

стр. 1754

﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾: تصديقاً ويقيناً زادتهم إيماناً على إيمانهم؛ أيْ: قوي إيمانهم؛ فهم في إقبال على الله . ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: وعلى: تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر؛ أيْ: لا يتوكلون إلا على ربهم وحدَه، يتوكلون: تعني: يقدِّمون الأسباب أولاً، ثم يطلبون منه العون؛ لتحقيق ما يرجون، فلا يطلبون إلا منه، ولا يرجون إلا إياه. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان. لا بُدَّ من مقارنة ثلاث آيات متشابهة، هي: الآية (٣) من سورة الأنفال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. والآية (٢٨) من سورة الرعد: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. والآية (٢٣) من سورة الزّمر: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِىَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ففي آية الأنفال: ذِكرُ الله أدَّى إلى وجل القلوب، وفي آية الرّعد: ذكر الله أدَّى إلى اطمئنان القلوب، فكيف نفسر ذلك؟ أولاً: لا تعارض بين الآيتين؛ لأنّ الإنسان المسرف على نفسه، أو الظّالم لنفسه، والّذي يرتكب السّيئات يصبح يرجف ويخاف ربه حين يُذكر الله ووعيده؛ لأنّه خالف منهج الله فيصاب بالوجل مخافة منه، ومهابة الله وعقابه، أمّا الإنسان الّذي هو سابق بالخيرات، ولا يرتكب السّيئات؛ فحين يُذكر الله، أو آياته يصاب بالاطمئنان؛ فالمؤمن يمر بمراحل متعددة حسب إيمانه، قد يصاب قلبه بالوجل تارة؛ لشعوره بالتقصير، والخوف، والمهابة من الله، أو تارة أخرى بالاطمئنان؛ لعلمه بأن الله أرحم الراحمين، ويغفر الذنوب جميعاً، أو تارة أخرى

стр. 1755

يشعر بالوجل، والاطمئنان معاً. كما في آية الزّمر: فقد جمعت الوجل والاطمئنان معاً، الوجل أولاً، ويتمثل في قوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، ثم الاطمئنان يتمثل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. سورة الأنفال [٨: ٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: ومن صفاتهم الأخرى: يقيمون الصّلاة، وإقامة الصّلاة؛ تعني: أدائها، والقيام بها كاملة؛ أي: القيام بأركانها من تكبير، ومن ركوع، وسجود، وتلاوة، وسننها وشروطها، وفي أفضل أوقاتها، والمحافظة عليها، والدّوام. ﴿وَمِمَّا﴾: تعني: من بعض. ما: اسم موصول؛ تعني: الّذي. ﴿رَزَقْنَاهُمْ﴾: أي: أعطيناهم، أو آتيناهم من المال، والعلم، والحرث، والمتاع. ﴿يُنْفِقُونَ﴾: ينفقون بصيغة المضارع؛ لتدل على تكرار الإنفاق، وتجدُّده، واستمراره. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٣)؛ لمزيد من البيان. سورة الأنفال [٨: ٤] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة؛ يفيد إلى البعد؛ بعد منزلتهم. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل؛ يفيد المبالغة؛ أيْ: إذا كان هناك مؤمنون فهم أفضلهم، وأحسنهم إيماناً. ﴿الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: المؤمنون: ارجع إلى الآية (٢).

стр. 1756

﴿حَقًّا﴾: الحق الصّدق: وهو الأمر، أو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير، ولا يتبدل. ﴿لَّهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. ﴿دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: درجات في الجنة، منازل في الجنة حسب أعمالهم، وقيل: الجنة (١٠٠ درجة)، بين كل درجة ودرجة ما بين السّماء والأرض. عند ربهم: تدل على عندية الشّرف. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾: من الغفران، والغفر: ستر الذّنب؛ أي: العفو عنه، والثّواب على العمل الصّالح؛ أي: مغفرة كاملة لذنوبهم، وسيئاتهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: رزق: نكرة؛ ليشمل كلَّ أنواع الرّزق في الجنة، رزق واسع لا ينفد، ولا ينقص، رزق طيب مبارك، وبما أنّه رزق من الكريم، وهو الله سبحانه؛ فهو رزق كريم. ولا بُدَّ من مقارنة هذه الآية: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وقوله تعالى في سورة آل عمران، آية (١٦٣): ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾: ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٦٣)؛ لمعرفة الفرق. سورة الأنفال [٨: ٥] ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾: ﴿كَمَا﴾: الكاف: كاف التّشبيه؛ تدل على تشبيه حالة بحالة أخرى. ﴿أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾: الخطاب إلى رسول الله ﷺ . ﴿أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾: رغم أنّ الخروج من بيته ﷺ في المدينة كان باختيار رسول الله من نفسه أضاف الله سبحانه الخروج إليه؛ فقال: أخرجك ربك، ولم

стр. 1757

يقل: كما خرجت من بيتك؛ ليدل على أنّ الله هو المدبِّر، ولا يتم شيئاً إلا بإذنه، ومشيئته. ﴿بِالْحَقِّ﴾: الباء: للإلصاق؛ أي: الخروج كان حقاً لا بُدَّ منه. ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾: كما كان فريق من الصّحابة كارهين لقسمة الأنفال؛ أي: كارهين لحكم الأنفال؛ كانوا كارهين للخروج إلى غزوة بدر، وكانت العاقبة في كلا الحالتين خيراً، أو: وإن كان فريق من المؤمنين كارهين للخروج لقتال المشركين في بدر كان خروجك من بيتك بالحق لا بُدَّ منه. سورة الأنفال [٨: ٦] ﴿يُجَادِلُونَكَ فِى الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾: من الجدال: وهو الحوار بين طرفين أو أكثر؛ لإظهار حُجة أو لدفع شبهة، أو إثبات حق، والنّون في يجادلونك: بدلاً من يجادلوك؛ تفيد التّوكيد. يجادلونك: فريق من الصّحابة يجادلونك بعدما اتضح أن العِير «غير ذات الشّوكة» الّتي يقودها أبو سفيان نجت، وأمرتهم بالتّصدي، وقتال الطّائفة ذات الشّوكة؛ أي: السّلاح. أو يجادلونك: قبل بدء المعركة: بأنّهم قلة في العدد، والعدة، ولم يخرجوا للقتال، وغير مستعدين له. ﴿فِى الْحَقِّ﴾: في قتال المشركين «النّفير» الّذين جاؤوا من مكة؛ لنصرة الباطل. ﴿بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾: بعد إعلام الرّسول ﷺ لهم: بأنّ الله سينصرهم. ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: كأنما: الكاف: للتشبيه، كأن

стр. 1758

فزعهم، وخوفهم، وهم سائرون إلى غزوة بدر لملاقاة العدو «النّفير» يشبه حال الّذين يساقون إلى الموت. ﴿يُسَاقُونَ﴾: من دون إرادتهم؛ أي: قسراً عنهم. ويساقون: تعني يكونون أمام السائق كي لا يتخلفوا أو ينكصوا على أعقابهم ويدل ذلك القسر والإكراه في السوق. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: أي: كأنهم يرون الموت أمام أعينهم، وهم قادمون عليه عالمون بأنّ مصيرهم الموت. سورة الأنفال [٨: ٧] ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكر. ﴿يَعِدُكُمُ﴾: حين وعدكم الله. ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾: الطّائفة الأولى: أبو سفيان، وما معه من العِير والمال، وفيها (٤٠ فارساً)، وسُمِّيت غير ذات الشوكة، الطّائفة الثّانية: أبو جهل، وجيشه القادم من مكة، ولم يحدِّد أيَّ الطّائفتين سيظفرون بها. ولما نجا أبو سفيان بالعِير والتّجارة أخبر أبو سفيان أبو جهل أنّه نجا بالعِير، ولكنّ أبو جهل كره أن يعود أدراجه إلى مكة من دون قتال الرّسول ﷺ وصحابته؛ فمضى قادماً إلى أرض بدر، ولما علم بذلك أصحاب رسول الله ﷺ ودُّوا لو أنّهم ظفروا بالطّائفة غير ذات الشّوكة «العِير والأموال»؛ لأنّهم اعتبروا ذلك مغنماً من دون قتال. ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ﴾: أن: للتوكيد، الإرادة: العزم على فعل ما يريد.

стр. 1759

﴿أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: أيْ: أن يفي الله بوعده الّذي وعده لرسول الله ﷺ بنصر المؤمنين، أو إنّ إحدى الطّائفتين أنّها لكم، وإن تظفروا بالنّصر، وعلى ذات الشّوكة «السّلاح». ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾: أيْ: يستأصل الكافرين عن بكرة أبيهم بقتالكم إياهم، وقتال الملائكة معكم. سورة الأنفال [٨: ٨] ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾: ليحق: اللام: للتوكيد، يحق الحق: «هذا هو الحق الثّاني»؛ ليظهر الإسلام، ويعزه. ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾: أي: يمحق الكفر، والشّرك، ويزيل الباطل، والباطل ما لا وجود له في الأصل، أو لا دليل، وهو الزائل، ويطلق على الشرك، والكفر، والظلم، والكذب … وغيره. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: لو: شرطية، ولو كره المجرمون؛ أي: الكفار، والمشركون. والمجرمون: جمع مجرم، وأجرم؛ أي: أذنب، أو ارتكب ذنباً، وعصى ربه، وجرم؛ تعني: قطع؛ أي: قطع صلته بربه، أو جحد به. واصطلاحاً: المجرم: هو من تمرد على أوامر ربه وعصى ربه، ولم يتجنب نواهيه، ورفض الخضوع إليها.

стр. 1760

سورة الأنفال [٨: ٩] ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾: ﴿إِذْ﴾: أي: واذكر إذ، أو واذكر حين؛ إذ: ظرف زمان للماضي. ﴿تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: تطلبون الغوث، من استغاث؛ أي: طلب الغوث من القادر على الإغاثة؛ أي: تستنصرون الله، وتطلبون منه أن ينصركم عليهم، وأصلها من الغيث: وهو المطر الّذي يحمل الرّحمة. وجاء بصيغة الجمع تستغيثون: كأن كلّ واحد كان يطلب الغوث؛ أي: النّصر من الله، وإذا كان المستغيث هو رسول الله ﷺ ؛ فهو يمثل كلَّ الصّحابة ودعاؤه يكفي، أو كان ﷺ يدعو الله تعالى أن ينصر عباده المؤمنين، وهم يقولون: آمين. ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾: فاستجاب: الفاء: للتعقيب، والمباشرة؛ أي: استجاب لدعائكم مباشرة. ﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: لكم خاصَّةً، وليس لغيركم. ﴿أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾: مُرْدفين: أي: يتبع بعضهم بعضاً، أو يلحق بعضهم بعضاً، وفي قراءة نافع مردَفين بفتح الدال على صيغة اسم المفعول، وتعني: متبوعين بغيرهم من الملائكة؛ يعني: إذا وعدهم الله بألف من الملائكة إذا أردفوا بغيرهم صاروا ثلاثة آلاف، ثم بعد ذلك يصيرون

стр. 1761

خمسة آلاف وهذا ما ذكر في سورة آل عمران آية (١٢٤ - ١٢٥) كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (أي: لهم علامات خاصة). إذن: كان الوعد بألف، ثم صارت ثلاثة آلاف، ثم صارت خمسة آلاف، والآيات الثلاثة في الأنفال وآل عمران تتحدث عن معركة بدر حيث لم يذكر نزول ملائكة في معركة أحد. الإمداد: أكثر ما يستعمل في المحبوب، والمد: أكثر ما يستعمل في المكروه؛ كقوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٩]، والإمداد هنا يعني: الزّيادة في العدد؛ أي: في عدد الملائكة والسّلاح. والإمداد بالجيش أو بغيره، وما كان على جهة القوة والإعانة، والمد يكون من جهة الزيادة في العدد أو في بشر. ﴿بِأَلْفٍ﴾: الباء: للإلصاق. ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾: من ردفه؛ أي: تبعه؛ أي: متتابعين يتبع بعضهم بعضاً، بعضهم ردف بعض؛ يلحق بعضهم بعضاً. سورة الأنفال [٨: ١٠] ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية. ما: النّافية. ﴿جَعَلَهُ﴾: الهاء: تعود على الإمداد بالملائكة. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.

стр. 1762

﴿بُشْرَى﴾: جعل الإمداد بالملائكة بشرى حصراً وقصراً؛ بشارة لكم بالنّصر، والبشرى: الإخبار بما يُسر به المخبر؛ أي: خبر يُسركم، ولأول مرة. وانتبه لحذف لكم؛ لم يقل: بشرى لكم، وإنما قال فقط: بشرى؛ لأنّه تقدَّم قوله سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، وكذلك قال: ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾، فلا حاجة لإعادة ذكر لكم للمرة الثّالثة. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾: جاء باللام: للتوكيد، وقدَّم به على قلوبكم، ولم يقل: ولتطمئن قلوبكم به (كما ورد في آية آل عمران ١٢٦)، هذا التقديم يفيد الاختصاص؛ أي: لتطمئن به قلوبكم لا بغيره لكي تثبت بعدما أصابها من الخوف الشديد من المشركين، وقدَّم به الّتي تعود على الإمداد بالملائكة مباشرة قبل أن تهلع قلوبهم، وترتعد أمام جيش الأعداء؛ الّذي يفوق بالعدد والعدة. فجاء بذكر الإمداد أولاً قبل القلوب؛ لأن الإمداد بالملائكة هو الأهم؛ لأنه يُطمئنُ قلوبهم؛ فتبقى صامدة. ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية. ما: نافية للتوكيد. ﴿النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: إلا أداة حصر؛ أيْ: من عند الله، ولا تحسبوه من عند الملائكة؛ فالناصر هو الله وحده، وليس الملائكةُ، ولا أيُّ أحدٍ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: إن: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد. العزيز: الغالب الّذي لا يقهر، القوي الممتنع لا يحتاج إلى أحد، ولا يناله أحد؛ أيْ: لا يُغلب، ولا يُقهر، الحكيم من الحكمة؛ أي: الحكيم في تدبيره لخلقه، وكونه، والحكيم من الحكم: الحاكم؛ فهو أحكم الحكماء، وهو أحكم الحاكمين.

стр. 1763

سورة الأنفال [٨: ١١] ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾: ﴿إِذْ﴾: تعني: واذكر بمعنى: حين، وظرف للزمن الماضي. ﴿يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ﴾: أيْ: يحل بكم النّعاس كأنّه غشاء، أو غطاء؛ أيْ: يتسرب إلى الدّماغ، أو جزء من الدّماغ، بينما لو قال: يغشاكم؛ يعني: يبقى محيطاً بكم من كل الجوانب، ولا يتسرب إلى داخلكم. ﴿أَمَنَةً مِّنْهُ﴾: أمنة: تعني: زوال الخوف الكافي الّذي مكنهم من النوم، والأمنة: من الأمن (بعض الطمأنينة)، والفرق بين الأمن، والأمنة: الأمن: يعني: الأمن التام، الكامل. أما الأمنة؛ فتعني: بعض الأمن. ﴿مِّنْهُ﴾: من الله رحمة ربانية وسكينة ليزيل الخوف عن قلوبكم. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٥٤) لمزيد من البيان. ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: ماء المطر. ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾: اللام: للتعليل، والتّوكيد، يطهركم به: لكي تستعملونه في الوضوء، والغسل. ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾: رجز الشّيطان: أي: وسوسته لكم، وتخويفه إياكم من العطش، والهزيمة، والظنون السيئة. ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: وليربط: الواو: عاطفة، ليربط: اللام: للتوكيد، يربط على قلوبكم: أيْ: يجعلها صابرة ثابتة باليقين، والصّبر، وعدم الفرار من أرض المعركة، وانتظار النصر.

стр. 1764

﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾: أي: المطر إذا نزل على الأرض الرّملية جعلها متماسكة؛ «أيْ: يجعل الرّمل متماسك»، فلا تغوص الأقدام، والمطر كذلك يمنع هبوب الرّمل والغبار؛ مما يساعد على الرّؤية، ولم ينزل المطر على عدوهم، أو النعاس. فبذلك وفَّر الله سبحانه لرسوله ﷺ ، والصحابة كل عناصر النصر؛ مثل: النعاس، وإنزال المطر، الماء للشرب والطهارة، ويثبت به الأقدام، وإنزال الملائكة، وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم؛ فما عليهم إلا الصبر، واليقين بنصر الله القادم. سورة الأنفال [٨: ١٢] ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾: ﴿إِذْ﴾: انظر إلى الآيات السّابقة. ﴿يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾: الوحي: هو الإعلام بالخفاء لغة. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان. والوحي كان للرسول ﷺ وحده، وليس للصحابة، ولذلك قال: (يوحي ربك)، ولم يقل: (يوحي ربكم). ﴿أَنِّى مَعَكُمْ﴾: أيْ: إني مُعينكم (بالعون) على التّثبيت، وغيره من الوسائل. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: عن طريق الإلهام بالصّبر، والشّجاعة، وعدم الفرار؛ إذ للملائكة قدرة على الإلهام، كما للشياطين قدرة على الوسوسة، وقيل: كان الملائكة يتشبهون بصور رجال من المؤمنين، يقاتلوا في الطّليعة؛ كي يمدوهم بالشّجاعة، والعزيمة، وتقوى شوكتهم على عدوهم.

стр. 1765

﴿سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: وهو سلاح فتاك، وجند من جنود الله. أسند إلقاء الرعب إلى نفسه سبحانه بينما الضرب للملائكة والمؤمنين. ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾: أي: الرّؤوس، أو أعالي الأعناق. ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾: البنان: الأصابع؛ لأنّ الأصابع إذا قطعت تعطلت وسائل الضّرب، والأيدي من دون الأصابع لا قيمة لها، وتصبح معطلة، منهم خاصَّةً؛ أي: عدوكم اقطعوا أصابعهم، وتكرار كلمة فاضربوا، واضربوا: للتوكيد، وتعني: من دون رحمة، ولا رأفة. سورة الأنفال [٨: ١٣] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: ﴿ذَلِكَ﴾: اسم: إشارة؛ يفيد البعد، ويشير إلى الضّرب فوق الأعناق، وضرب البنان. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾: الباء: للإلصاق، والتّعليل، أو السببية. ﴿شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: شاقوا من المشاقة المشتقة من الشّق، هذا في شق، وهذا في شق؛ أي: خالفوا وعادوا الله ورسوله. ﴿وَمَنْ﴾: شرطية، استغراقية. ﴿يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: يعادي، ويخالف، ويشاقق من المشاقة؛ أي: العداوة، ومن يشاقق الله ورسوله؛ يشاقق: ولم يقل: يشاق؛ فهو فك الإدغام، ودائماً في القرآن متى يفك الإدغام، ويقول: يشاقق: يأتي معها ذكر الرّسول ﷺ . ارجع إلى الآية (١١٥) من سورة النساء؛ لمزيد من البيان.

стр. 1766

﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. إن: للتوكيد. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: العقاب: هو الجزاء على العمل، وعادة يعقب العمل، والعقاب: هنا القتل، والهزيمة في معركة بدر. سورة الأنفال [٨: ١٤] ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾: ﴿ذَلِكُمْ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، ذلكم: بدل من ذلك؛ لأنّ ذلكم تفيد التّوكيد، وأقوى من ذلك، وتستعمل للأمور الكثيرة، أو تشير إلى عدَّة أمور مهمة بدلاً من أمر واحد، كما هو الحال في ذلك، ذلكم العقاب، والضّرب فوق الأعناق، وضرب البنان، والرّعب، والقتل، والأسر. ﴿فَذُوقُوهُ﴾: الخطاب موجَّه إلى الكفار. الفاء: للمباشرة؛ أي: الآن ذوقوه في الحياة الدّنيا، فذوقوه: من الذّوق: وهو الإحساس بالمطعوم، ذوقوا الآن فقط ما سيحل بكم من عذاب النّار في الآخرة. ﴿وَأَنَّ﴾: للتوكيد. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾: في الآخرة. سورة الأنفال [٨: ١٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف، أو أمر جديد، واستعمل الهاء: للتنبيه. ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية للمستقبل، شرطية.

стр. 1767

﴿لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: للقتال. ﴿زَحْفًا﴾: زاحفين نحوكم؛ أي: رأيتموهم يزحفون زحفاً لقتالكم، أو تعني: أريد منكم أن تزحفوا نحوهم ككتلة واحدة، أو جسم متماسك يدب الرّعب في صفوف الأعداء، والزّحف: جاءت من زحف الصّبي قبل المشي؛ أي: الحبو، والانتقال من مكان إلى مكان، والزّحف جاءت من الجيش الكثير العدد الّذي يُرى لكثرته كأنه كتلة واحدة متحركة تزحف ببطء. ﴿فَلَا﴾: الفاء: للتأكيد، لا: النّاهية. ﴿تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾: جمع: دُبر، خلاف القبل، ولم يقل: ظهوركم، أو أعقابكم، وذكر الدّبر: وهو أبشع المفردات لأبشع الكبائر، وهي الفرار، والتولي يوم الزحف، وهذا تحذير شديد، وكأنّه يعني: كيف تولي دبرك للعدو، أو تمكِّن العدو من نفسك؛ أي: لا يسمح لكم أن تولوهم الأدبار. سورة الأنفال [٨: ١٦] ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: ﴿وَمَنْ﴾: شرطية؛ للعاقل، وتشمل: المفرد، أو الجمع. ﴿يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: يومئذٍ: يوم القتال، ويومئذٍ: يوم: ظرف زمان أضيف إلى ظرف آخر إذ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء؛ أي: لا يسمح لكم أن تولوهم الأدبار؛ إلا في حالتين: ﴿مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾: يسمح لكم إذا كنتم ستقاتلون طائفة أخرى أهمَّ، أو انسحاب خدعة، ثم تعاودون الكرَّ والقتال في مكان أفضل، أو المفاجأة. متحرفاً

стр. 1768

لقتال: أيْ: حريف: لا يغلبه أحدٌ؛ لكونه مدرباً وخبيراً في القتال، أو القتال حرفته؛ أي: مهنته. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: أي: الانضمام إلى فئة أخرى تحتاج إلى مساعدة، أو إمداد. ارجع إلى الآية (١٣) من سورة آل عمران؛ لتعريف الفئة. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتوكيد، قد: لزيادة التّوكيد. ﴿بَاءَ﴾: رجع مصحوباً. ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، والملازمة، مطروداً من رحمة الله. ﴿وَمَأْوَاهُ﴾: المأوى: المستقر، ومكان الإقامة، والرّاحة الدّائمة. ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: بئس: من أفعال الذّم؛ أي: ساء المصير، والمصير: المنتهى، أو النهاية، والمستقر الأخير، وهي جهنم. جهنم: اسم من أسماء النار، أو دركة من دركاتها السبع، وهذا الاسم: مشتق من كونها كريهة المنظر، أو بعيدة القعر.

стр. 1769

سورة الأنفال [٨: ١٧] ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: المناسبة: لما رأى رسول الله ﷺ جيش قريش؛ قال رسول الله ﷺ داعياً الله سبحانه: «هذه قريش قد جاءت بخيلائها، وفخرها؛ يكذبون رسولك؛ اللهم إنّي أسألك ما وعدتني؛ فأتاه جبريل ﵇ فقال له: خذ قبضة من التّراب فارمهم بها، فقال: لما التقى الجمعان لعليٍّ ﵁: أعطني قبضةً من رمل الوادي؛ فرمى بها وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبقَ مشترك إلا شُغل بعينه؛ فانهزموا، فلحق بهم المؤمنون يقتلونهم، ويأسرونهم، وبعد المعركة معركة بدر، أخذ الصّحابة يتفاخرون بأنّهم قتلوا، وأسروا وفعلوا كذا، وكذا فنزلت هذه الآية». [رواه الطبري، والقرطبي، وابن كثير]. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾: الخطاب للمؤمنين؛ الفاء: جواب شرط محذوف تقديره: لا تقولوا، ولا تفتخروا، ولا تظنوا أنكم قتلتموهم في معركة بدر، ولكنّ الله قتلهم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾: لكن: حرف استدراك؛ للتوكيد، ولكن الله قتلهم: بأيديكم، وأيدي الملائكة الكرام. ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾: يا محمّد أعين الأعداء بالحصى؛ لأنّ كفاً من الحصى لا يملأ عيون جيش يزيد عن الألف، ولكن الله القوي العزيز هو الّذي رمى. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾: أوصل ذرات الرّمل تلك، أو التّراب إلى عيونهم، وقذف في قلوبهم الرّعب.

стр. 1770

﴿وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾: ليبلي: اللام: لام التّوكيد، والتّعليل، وليبلي: من البلاء، والبلاء: يكون في الخير، أو الشّر، وهنا كان بلاءً حسناً؛ أيْ: اختباراً حسناً. منه: من الله في خوض المعركة، والقتال، وبالتّالي بالنّصر، والغنيمة؛ لكي يُطلعَ المؤمنين على صدق إيمانهم، ونواياهم؛ فيكون حُجَّةً لهم، أو حُجَّةً عليهم. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿اللَّهَ سَمِيعٌ﴾: أحاط سمعه بجميع أقوال عباده في السّر، والعلن، وأدعيتهم، وتضرع رسول الله ﷺ ، وأقوال أعدائهم، وما قاله الكفار، والمشركون. ﴿عَلِيمٌ﴾: بأحوال المؤمنين، وأحوال المشركين، وعليم بنواياهم، وظواهرهم، وبواطنهم. سورة الأنفال [٨: ١٨] ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿ذَلِكُمْ﴾: اسم إشارة، يشير إلى القتل، والرّمي، والبلاء الحسن، والنّصر. استعمل ذلكم بدلاً من ذلك؛ للمبالغة، والتعظيم، والأهمية، ولأنّه يشير إلى عدة أمور. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: أن: للتوكيد، وتقديره: ذلكم، واعلموا أنّ الله موهن كيد الكافرين. ﴿مُوهِنُ﴾: مضعف، والوهن: هو الضّعف. ﴿كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾: الكيد: هو التّدبير الخفي الّذي يقوم به الفرد، أو الجماعة؛ لينال من عدوه من دون علمه، وهو أشد من المكر؛ أي: حين أراد مشركو قريش استئصال محمّد ﷺ ، وأتباعه؛ رد الله كيدهم في نحورهم.

стр. 1771

سورة الأنفال [٨: ١٩] ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الخطاب في هذه الآية موجَّه لكفار مكة: «أبو جهل، وجيشه»؛ على سبيل التّهكم. ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، تستفتحوا: الألف، والسّين، والتّاء؛ تعني: الطّلب؛ أي: إن تطلبوا الفتح، والفتح: هو النّصر، والغلبة من دون قتال؛ فقد جاءكم الفتح؛ أي: النّصر على سبيل التّهكم، والاستهزاء، وقد قيل: إن المستفتح كان أبا جهل قبل معركة بدر، أو قيل: إنّ المشركين حين خرجوا للقاء محمّد ﷺ ، وأصحابه أخذوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، أو قالوا: اللهم انصر أقْرانا للضيف، وأوصلنا للرحم، وأفكنا للعاني؛ قاله السدي. ﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾: أي: أن تطلبوا الفتح: النّصر، والظّفر من دون قتال، أو حرب في حرب رسول الله ﷺ ، وأصحابه. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ أي: جاءكم الفتح بسرعة. قد: للتحقيق، والتّوكيد. ﴿جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾: أي: الهلاك، والقتل، والأسر على سبيل التّقريع، والتهكم. ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: إن: شرطية؛ كالسّابقة. ﴿تَنْتَهُوا﴾: عن الكفر، ومحاربة رسول الله ﷺ ، وعداوته. ﴿فَهُوَ﴾: الفاء: للتوكيد، هو: لزيادة التّوكيد. ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أي: أسلم لكم من القتل، والهلاك، والأسر.

стр. 1772

﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، وإن تعودوا لمحاربته وقتاله؛ نعد إلى هزيمتكم، أو تعودوا إلى الاستفتاح نعد إلى الفتح على رسول الله ﷺ . ﴿وَلَنْ﴾: حرف نفي للمستقبل القريب، والبعيد. ﴿تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾: الفئة: الجماعة. ارجع إلى الآية (١٣) من سورة آل عمران؛ لتعريف الفئة. ﴿وَلَوْ﴾: شرطية. ﴿كَثُرَتْ﴾: في العدد، والعدة. ﴿وَأَنَّ﴾: للتوكيد. ﴿اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: إذا استقاموا على طاعته، وكانوا أنصار الله؛ فلن يتخلَّى عنهم. لنقارن بين هذه الآية، والآية (٨) من سورة الإسراء: الأنفال، آية (١٩): ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾. الإسراء، آية (٨): ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾. آية الأنفال: نزلت في كفار مكة، ودلت الآية على أنهم سيعودون إلى عداوة رسول الله ﷺ ، والدّليل جاءت بصيغة المضارع، وإن تعودوا نعُد التي تدل على التّكرار، والتّجدد. آية الإسراء: نزلت في بني إسرائيل، واليهود، وإن عدتم: عدتم؛ عدنا بصيغة الماضي، والّتي تدل على العودة مرة فقط، وينتهي الأمر. سورة الأنفال [٨: ٢٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾: المناسبة: لما خاطب الله سبحانه الكفار، والمشركين، وحذرهم بقوله:

стр. 1773

وإن تنتهوا فهو خير لكم، وإن تعودوا نعد؛ ينتقل في هذه الآية إلى خطاب المؤمنين، ويأمرهم بطاعة الله ورسوله، ويحذرهم من مخالفته؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الهاء: للتنبيه، وياء النداء: للبعد، وهو نداء جديد. ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: فيما يأمرانكم به، أو ينهاكما عنه، ولم يقل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول؛ لأن طاعة الله تعالى وطاعة الرسول ﷺ واحدة، فطاعة الرسول هي طاعة لله تعالى، وإذا فصل بين الطاعتين إنما يشير إلى طاعة الرسول فيما يبين وما يشرح من الأمور المجملة أو غير المذكورة، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ارجع إلى الآية (٣١) من سورة آل عمران لمزيد من البيان. ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾: لا: النّاهية، تولوا عنه؛ أي: تتولوا عنه؛ أدغمت إحدى التاءَين بالأخرى، ولا تولوا عنه؛ أي: لا تعرضوا عنه، وتخالفوا أوامره ﴿وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾: الآيات، والمواعظ، وما أنزل إليكم من ربكم. ولنقارن هذه الآية، مع الآية (٥٢) من سورة هود. الأنفال، آية (٢٠): ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾. هود، آية (٥٢): ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾. آية الأنفال: استعمل تولوا بدلاً من تتولوا؛ لأن تولي المؤمنين عن رسول الله ﷺ لا يتكرر، أو أقل عدداً، أو أقصر زمناً إذا حدث من تولي الكافرين، أو المجرمين؛ الّذي هو تولي كثير وعام، فالزّيادة في فعل التّولي وطوله يقابله زيادة في بناء الفعل، وحروفه؛ زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. مع العلم: أن المخاطبين في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: هم قوم عاد. ارجع إلى سورة هود، آية (٥٢). بينما المخاطبون في آية الأنفال: الصحابة الكرام.

стр. 1774

سورة الأنفال [٨: ٢١] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: ﴿وَلَا﴾: النّاهية. ﴿تَكُونُوا كَالَّذِينَ﴾: الذين: اسم موصول؛ كالكافرين، والمشركين. ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾: ما تقول من الآيات، والوعيد، والإنذار. ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: وهم: للتوكيد، لا يسمعون؛ أي: لا ينتفعون بما يسمعون، أو يقولون: سمعنا وعصينا، أو لا يستجيبوا لما تأمرهم به، أو تنهاهم عنه؛ كالصم، وعندها يكونون شراً من الّذين لم يسمعوا على الإطلاق، أو البتة. سورة الأنفال [٨: ٢٢] ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿شَرَّ الدَّوَابِّ﴾: جمع: دابة: وهي ما تدب على الأرض، وتشمل: الإنس، والجن. أصل الكلام: إنّ أشر الدّواب عند الله على وزن أفعل، ولكثرة الاستعمال، وأخف على اللّسان قال: شر الدّواب؛ أي: شر الخلق. ﴿عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: أي: الكافرين، والمشركين. ﴿الصُّمُّ﴾: جمع أصم؛ أي: الّذين لا يسمعون الحق، وما أنزل الله من الآيات والذكر الحكيم. ﴿الْبُكْمُ﴾: جمع أبكم: وهو الأخرس عن قول الحق، وكلمة التّوحيد. ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: من عقل الشّيء عرفه بدليله، وفهم أسبابه، ونتائجه. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿لَا﴾: النّافية للجنس؛ أي: الّذين لا يعقلون، لا يتدبرون، ولا يفهمون الحق، والصّواب، ولا يهتدون للخير، ويتجنبون الهدى، والرشاد.

стр. 1775

سورة الأنفال [٨: ٢٣] ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة، لو: شرطية. ﴿عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾: أي: لو علم في هؤلاء شر الدّواب الصّم البكم؛ الّذين لا يعقلون خيراً أيَّ خير؛ يعني: أيَّ نفع، أو صلاح، قليلاً أو كثيراً، أو مهما كان. ﴿لَّأَسْمَعَهُمْ﴾: لأسمعهم آياته، وأحكامه، السّماع الحقيقي: وهو سماع الحق، والهدى، سماع الاستجابة، والفهم، والبصيرة، وهو الإيمان بآيات الله، ورسوله، واللام: للتوكيد، وهداهم الهداية الخاصَّة. ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾: لو: شرطية غير امتناعية؛ أي: لا تقول: لو أسمعهم على سبيل الافتراض؛ لما حدث التّولي، أو امتنع التّولي لامتناع الاستماع؛ لأنّهم هم متولون أصلاً، سواء أسمعهم، أو لم يسمعهم. ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: لتولوا: اللام: للتوكيد، وهم: لزيادة التّوكيد؛ مؤكداً جحودهم، وإعراضهم عن الحق، والإيمان، وطاعة الله ورسوله. ﴿مُّعْرِضُونَ﴾: جملة اسمية: تدل على الثّبوت، والاستمرار؛ أي: قد علم الله سبحانه منذ الأزل أن هؤلاء ليس فيهم أيُّ خير، فلم يسمعهم السماع الحقيقي الّذي يُفيدهم، مع العلم أن آلات السمع عندهم موجودة، وتسمع اللغو، والباطل، ولكنها معطلة عن سماع الحق. سورة الأنفال [٨: ٢٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد أو أمر جديد والهاء للتنبيه.

стр. 1776

﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ﴾: استجيبوا: الألف، والسّين، والتّاء: للطلب؛ أيْ: أجيبوا؛ أطيعوا الله فيما أمر به، أو نهى عنه؛ أي: شرع لكم. ﴿لِلَّهِ﴾: اللام: للاختصاص. ﴿وَلِلرَّسُولِ﴾: أي: واستجيبوا للرسول أيضاً: اتبعوا الرّسول، وسنته، وأطيعوه فيما أمركم به، أو نهاكم عنه، وتكرار اللام، وللرسول: يفيد التّوكيد. ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية للمستقبل، وشرطية. ﴿دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: دعاكم لما فيه حياتكم، أو لما هو سبب حياتكم في الدّنيا، والآخرة حياتكم الأبدية إذا دعاكم للقرآن، والإسلام، وأمور دينكم، ودنياكم. قال سبحانه: إذا دعاكم، ولم يقل: إذا دعياكم بالتّثنية؛ أي: الله ورسوله؛ لأنّ دعوتهما دعوة واحدة. ﴿لِمَا﴾: اللام: هنا للتعليل، وما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي يُحييكم. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: أي: يستطيع الله أن يقف حائلاً، أو حاجزاً، أو مانعاً بين الإنسان، وما يتمناه، وقلبه وما يريده، من الحول بين الشّيء والشّيء؛ بمعنى: الحجز، والفصل بينهما، أو يحول بينه، وبين قربه تعالى من عبده: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، والله يصرف القلوب كما يشاء؛ فالإنسان على سبيل الافتراض يريد أن يستدرك ما فاته من الإيمان؛ فيحول بينه وبين ذلك الموت، أو الإنسان يريد أن يُوفق للاستجابة، والطّاعة، ويعبد الله، فلا يوفقه الله؛ لسبب ما في العبد، وما دام الله سبحانه يستطيع أن يفعل ذلك؛ فما علينا إلا أن نُسرع، ونستجيب لله سبحانه قبل أن ينتهي الأجل، ويحول الله بيننا، وبين التّوفيق. ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: قدَّم إليه الجار والمجرور: للحصر؛ أي: إليه

стр. 1777

وحده تحشرون؛ أي: تجتمعون في أرض المحشر. الحشر: هو السّوق، والجمع معاً. سورة الأنفال [٨: ٢٥] ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: ﴿وَاتَّقُوا﴾: أي: تجنبوا واحذروا. ﴿فِتْنَةً﴾: جاءت بصيغة النّكرة؛ لتشمل كلَّ أنواع الفتن؛ مهما كانت صغيرة، أو كبيرة، وما نوعها، والفتنة أشد من الاختبار، وأهمها فتنة الكفر، والشّرك، والمعصية، والقتل، والبدع، وفتنة العذاب، والبأساء، والضّراء؛ كالفقر، والمرض، والغلاء، وتسلط الظّلم، وفتنة انتشار الزِّنى، واللواطة، والفاحشة، وفتنة السّكوت عن إنكار المنكر، والأمر بالمعروف. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٧)، والعنكبوت، آية (٢ - ٣)؛ لمزيد من البيان. ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾: لا تصيبن: لا تهلك، أو لا تضر، أو لا تؤذي الّذين ظلموا منكم فقط؛ «أي: الّذين قاموا بعمل المنكر، أو إظهار البدع، ونشرها، والكفر، والقتل … وغيرها»، وإنما تصيب كذلك، وتتعدَّى الّذين ظلموا؛ لتصيب الصّالح أيضاً؛ لأنّ الصّالح لم يقم بواجبه بردع الظّالم، والحدِّ من ظلمه، وبتغيير المنكر، لا باليد، ولا باللسان، ولا بالقلب. ﴿مِنكُمْ خَاصَّةً﴾: أيْ: ستعم الفتنة، وتشمل الكلَّ؛ فلا ينجو منها إلا من رحم ربك. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: تأكيد للتحذير السّابق؛ أي: إذا عاقب سبحانه؛ فإنّ عقابه أليم شديد.

стр. 1778

سورة الأنفال [٨: ٢٦] ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَئَاوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: ﴿وَاذْكُرُوا﴾: فضل الله عليكم. ﴿إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى الْأَرْضِ﴾: إذ: بمعنى: حين. أنتم: للتوكيد. قليلٌ: أي: قلة؛ أي: عددكم قليل في مكة، أو المَدينة خائفين فقراء، مستضعفون بسبب الإذلال، والاضطهاد من الكافرين، والمشركين. ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾: من الخطف: وهو الأخذ بسرعة؛ أي: يأخذكم أعداؤكم من الكفار، والمشركين، وغيرهم بسرعة بالتعذيب، أو القتل، والسّلب دون أن يدافع عنكم أحدٌ، أو ينصركم أحدٌ. ﴿فَئَاوَاكُمْ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، آواكم: جعل لكم مأوى تأوون إليه: وهو المدينة المنورة، ورحَّب بكم الأنصار. ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾: أيْ: أمدكم بيد العون في كثير من الغزوات؛ بإنزال الملائكة، وبالرعب، وبكفِّ أيدي النّاس عنكم … وغيرها. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الحلال المبارك الطاهر؛ من مطعم، ومشرب، وملبس، ومركب.

стр. 1779

﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: لعلَّ: للتعليل، تشكرون: المنعم: وهو الله على ما رزقكم، وذلك بطاعته، والاعتراف بفضله عليكم، وتكرار الشّكر، والاستمرار على ذلك. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠)؛ لمزيد من البيان. سورة الأنفال [٨: ٢٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد إلى الّذين آمنوا بأمر، وتكليف جديد بعدم الخيانة. ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: لا: الناهية، تخونوا الله والرّسول: الخيانة: الغدر، أو نقض العهد، أو إخفاء الشّيء؛ أي: الأمانة. والأمانة: تعريفها: كلّ حق يجب أداؤه إلى الغير من دون شهود، أو وثيقة، والأمر متروك إلى من عنده الأمانة إن شاء أقر بها، أو إن شاء أنكرها، وخيانة الله: تكون في تعطيل ما شرعه من الدِّين، وتعدِّي حدوده، ومحارمه، وعصيانه؛ أي: عدم أداء حقِّ الله؛ مثل: الفرائض، وعدم تجنب المحرمات، وإخفاء الكفر، والنفاق، وخيانة الرّسول: بعدم اتباع سنته، أو معصيته. ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: المالية، أو العهود، والمواثيق، والمعاهدات. ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أيْ: تخونون بنِيَّة، وقصد، ولستم ساهين ناسين، وأنتم تعلمون وبالَ عاقبة الخيانة. سورة الأنفال [٨: ٢٨] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿أَنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد.

стр. 1780

﴿أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾: أي: ابتلاء، واختبار، والفتنة: أشد من الابتلاء، وفتنة الأموال: تكون كيف كسبها، وكيف أنفقها، وهل أدَّى زكاتها، وهل شغلته عن طاعة الله، وذكره، والأولاد فتنة: لكونها تشغلكم عن طاعة الله، وسبب للوقوع في الإثم، والذّنوب. وقدَّم الأموال على الأولاد: تقديم الأكثر على الأقل؛ فالكلّ عنده مال، وليس عند الكلّ أولاد. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: وأنّ: للتوكيد، عنده أجر عظيم: خير من الأموال والأولاد، وهو النجاة من النار، والفوز بالجنة. سورة الأنفال [٨: ٢٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف، أو أمر جديد، أو حكم. ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾: إن: شرطية، تتقوا الله: أي: تطيعوا أوامره، وتجنبوا نواهيه في القول، والعمل. ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾: هذا هو جواب الشّرط، والفرقان: هو ما يفرق بين الحق والباطل؛ أي: ندلكم كيف تعرفون الحق من الباطل، والنّافع من الضّار، والصّالح من المفسد، والهدى من الضّلال؛ مما يحقق لكم النّجاة، والنصر. ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: أي: يستر سيئاتكم؛ فلا يعاقبكم عليها،

стр. 1781

والسّيئات، قيل: الصّغائر من الذّنوب. وقيل: السيئة الشيء الذي يسيء إليك، وتختلف عن الذنب؛ السيئات تحتاج إلى تكفير، والذنوب تحتاج إلى توبة وغفران، والغفران أشد من التكفير. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾: الذّنوب، والكبائر. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: والله ذو؛ أيْ: صاحب. ولفظ (ذو): أشرف وأفضل من لفظ: صاحب. ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (٨٧). والفضل: الزّيادة الّتي تعطى زيادة عن الأجر، أو الثواب. سورة الأنفال [٨: ٣٠] ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: ظرف زماني، واذكر إذ يمكر بك، أو اذكر حين مكر بك، والمخاطب هنا رسول الله ﷺ . ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يمكر: جاءت بصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار، واذكر إذ اجتمع الّذين كفروا في دار الندوة؛ ليتشاوروا في أمرك، ويمكروا بك، والمكر: هو التّدبير الخفي؛ لإلحاق الضّرر بالآخر؛ من حيث لا يعلم، أو يشعر، وفيه نوع من الخداع والسوء، ولا يقوم به إلا ضعيف أو مهزوم، وتمخض اجتماعهم في دار الندوة عن ثلاثة مقترحات: هي الحبس، أو القتل، أو النّفي خارجاً، كما روي عن ابن عباس ﵄.

стр. 1782

﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: اللام: لام التّعليل، يثبتوك: أيْ: يحبسوك، ويقيدوك بالقيد؛ حتّى لا تقدر على الهروب. ﴿أَوْ﴾: للتخيير. ﴿يَقْتُلُوكَ﴾: بحيث يختار من كل قبيلة غلاماً، فيضربون رسول الله ﷺ ضربة رجل واحد؛ فيفترق دمه بين القبائل؛ فلا يستطيع بنو هاشم على حربهم، وإذا طلبوا الدّية تدفع لهم. وكان القرار النّهائي: الاتفاق على قتل رسول الله ﷺ . ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: أيْ: هم يمكرون ليقتلوك، والله يمكر، وهو أعظم منهم مكراً، قادر على إحباط مكرهم، ومعاقبتهم على ذلك؛ لأنّه هو القوي العزيز، وهو خير الماكرين. والسّؤال: كيف يمكر الله سبحانه، أو ينسب المكر إلى نفسه؟ الجواب: هو مجرد مشاكلة باللفظ، والمكر من الله؛ يعني: الانتقام منهم، ومجازاتهم على ما يقومون به من مكر، وغدر، وكيد. وجاء جبريل ﵇ فأخبر رسول الله ﷺ ، وأمره أن لا يبيت في مضجعه، وأذن له بالهجرة إلى المدينة، وأمر رسول الله علياً ﵁؛ فنام في فراشه، وأبطل الله مكرهم، كما روي عن ابن عباس ﵄.

стр. 1783

سورة الأنفال [٨: ٣١] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أسباب النزول: كما ذكر الواحدي في أسباب النزول، وروى الطبري. قيل: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، كان تاجراً، ويسافر بين البلاد، ويشتري كتب الأعاجم، ويحدِّث بها أهل مكة، ولما سمع ما يُتلى من القرآن، وقصصه قال لأهل مكة: أنا أخبركم بمثل هذا. ﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل. ﴿تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾: على كفار قريش، أو أهل مكة، تتلى عليهم آيات القرآن، وقصص القرآن، وذكر الأقوام الخالية، وتتلى: تدل على تكرار التلاوة، وتجدُّده. ﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا﴾: مثل هذه القصص، والأقوال، والأمثال من قبل أن تخبرونا. ﴿قَدْ﴾: للتحقيق، والتّوكيد. ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾: لو حرف شرط، وتمنٍّ. ﴿لَقُلْنَا﴾: اللام: لام التّوكيد. ﴿لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾: أي: مثل الّذي تقوله يا محمّد، أو تتلوه علينا. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي أشد نفياً من ما؛ أي: ما هذا إلا أساطير الأولين.

стр. 1784

﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقريب. ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: جمع أسطورة، والأسطورة: هي القصة الّتي سطرت في الكتب القديمة الأولى من أخبار السّابقين، والأسطورة: قد تكون قصة خيالية، أو أكذوبة. سورة الأنفال [٨: ٣٢] ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿وَإِذْ﴾: أي: واذكر إذ قالوا، أو حين قالوا. ﴿قَالُوا﴾: القائل هنا قيل: أبو جهل، أو النضر بن الحارث، وهو المرجح، أو غيره، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السّبب. ﴿إِنْ﴾: شرطية. ﴿كَانَ هَذَا﴾: الّذي يقرؤه محمّد علينا؛ أي: القرآن هو الحق المنزل من عندك. ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. ﴿حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾: كما حدث لأصحاب الفيل، أو قوم لوط من قبل. ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: كما حدث لقوم عاد، وثمود، ومدين، والإتيان: أسهل من المجيء، والمجيء فيه معنى الصعوبة والشدة. قالوا ذلك استهزاءً وجحوداً، وقيل: جواب هذا السّؤال، أو الدّعاء جاء في

стр. 1785

سورة المعارج: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. سورة الأنفال [٨: ٣٣] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: النّافية. ﴿كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد؛ توكيد النفي، ومنهم من يسميها لام الجحود. ليعذبهم: يعذبهم فعل مضارع؛ يدل على التّجدد، والتّكرار. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: جملة خبرها؛ أي: (خبر كان) محذوف تقديره قاصداً أو ناوياً أو مقدراً أن يعذبهم وأنت فيهم. ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾: أي: وأنت يا رسول الله حيٌّ، وما زلت بينهم، أو معهم؛ فلن يعذبهم حتّى تخرج من عندهم، أو يتوفاك الموت. أي: العذاب مرفوع عنهم مؤقتاً ما دمت يا رسول الله بين ظهرانيهم؛ فإذا مت قد ينزل بهم العذاب، وبما أن بقاء رسول الله ﷺ بينهم مؤقت لذلك استعمل الجملة الفعلية، ولم يقل: معذبهم. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ﴾: معذبهم: اسم يدل على الثّبوت؛ أي: الله من صفاته الثّابتة الرّحمة بعباده المؤمنين. ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يستغفرون: أولاً: فعل مضارع؛ يدل على التّجدد، أو التّكرار؛ أي: الاستغفار، ولو كان متكرر، أو متقطع، أو مؤقت غير ثابت يرفع، أو

стр. 1786

يمنع عنهم العذاب؛ حتّى تقوم السّاعة، وهذا من رحمة الله سبحانه بهذه الأمة: أن عوَّض عليهم بعدم بقاء الرسول ﷺ بينهم بالاستغفار المتجدِّد والمتكرر. وثانياً: لم يقل: وما كان الله معذبهم وهم مستغفرون؛ لكان ذلك يعني: يجب أن تكون صفة الاستغفار عندهم ثابتة مستمرة، وهذا من المستحيل، أو الصعب جداً، واكتفى بالاستغفار المتجدِّد، أو المؤقت؛ بقوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: فيه نفي للفعل؛ أي: التعذيب مقارنة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: فيه نفي القصد أو النية للقيام بالفعل (التعذيب)، أو هناك فرق بين نفي القصد (النية)، ونفي الفعل ذاته؛ لأن نفي القصد أو النية أبلغ وأشد من نفي القيام بالفعل، وفي هذا دليل على مكانة وشرف النبي ﷺ عند ربه.

стр. 1787

سورة الأنفال [٨: ٣٤] ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَمَا لَهُمْ﴾: وما: الواو: استئنافية. ما: اسم استفهام؛ للحث، وتقديره: ولمَ لا يعذبُهُم الله. ﴿أَلَّا﴾: أن لا؛ أن: حرف مصدري، لا: نافية للتوكيد. ومعنى ذلك؛ أي: شيء يمنعهم من أن يعذبهم الله، إن يعذبهم الله عدل؛ لأنّهم فعلوا، وما زالوا يفعلوا ما يستحق العذاب؛ فهم لا زالوا يصدون - فعل مضارع يدل على التّجدُّد، والتّكرار - يصدون النّاس عن المسجد الحرام؛ أيْ: يمنعون النّاس عن الطّواف بالمسجد الحرام، والعمرة؛ فهم منعوا رسول الله، والمؤمنين عام الحديبية من زيارته، والعمرة. ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾: وما: النّافية، كانوا أولياءَه: حيث كانوا يدَّعون أنهم أولياء المسجد الحرام باطلاً؛ فنفى الله سبحانه عنهم ذلك، وكيف يكونون أولياءَه وهم المشركون بالله، ويعادون دينه، ويصدون عن المسجد الحرام؛ فمن أعطاهم الولاية عليه؟ ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾: إن: نافية تفيد النّفي أكثر من: ما؛ أيْ: أولياؤه المتقون. ﴿إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: إلا: أداة حصر؛ أي: حصراً، وقصراً، أولياؤه: هم المتقون لا غيرهم.

стр. 1788

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾: لكن: حرف استدراك، أكثر أهل مكة لا يعلمون. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: أنهم ليسوا أولياءَه؛ إما لجهل، وإما لعنادهم، أو أنهم لا يستحقون أن يكونوا أولياءَه. سورة الأنفال [٨: ٣٥] ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النّافية؛ للتوكيد. ﴿كَانَ صَلَاتُهُمْ﴾: ولم يقل: كانت صلاتهم؛ لأنّ صلاتهم كانت صفيراً (من التصفير) وتصفيقاً، وكلاهما مذكر فجاء بالفعل المطابق لنوع صلاتهم. ﴿عِنْدَ الْبَيْتِ﴾: أي: المسجد الحرام. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مُكَاءً﴾: من فعل مكا، يمكو؛ أي: صفَّر. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾: تصفيقاً؛ فقد كان الرّجال كذلك يطوفون بالبيت عراة، وهم يصفِّرون، ويصفِّقون، وكان ذلك في بداية الإسلام، وكان هذا من الجهل، والضّلال. ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: الباء: للتعليل، أو السّببية، وما: مصدرية؛ أيْ: بسبب كفرهم. سورة الأنفال [٨: ٣٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾: لا زالت الآيات تتحدث عن غزوة بدر، ونزلت هذه الآية كما قال مقاتل والكلبي تتحدث عما أنفقه الكافرون من أهل مكة من الأموال والأَنعام يوم

стр. 1789

بدر؛ مثال: المطعمين يوم بدر كانوا (١٢) رجلاً من كبار قريش يطعم كلّ واحد (١٠) من الجزور يومياً، وقيل: نزلت في أبي سفيان؛ فقد استأجر يوم أُحُدٍ ألفين من الأحابيش، وأنفق عليهم (٤٠) أوقية من الذَّهب؛ ليقاتلوا رسول الله ﷺ ، وأصحابه، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السّبب. ﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد. ﴿كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾: ينفقون، ولم يقل: أنفقوا، بل يستمرون في الإنفاق، والتّجدُّد، وتكرار فعل الإنفاق في حرب رسول الله ﷺ ، والمؤمنين. ﴿لِيَصُدُّوا﴾: اللام: لام التّوكيد، والتّعليل، يصدوا؛ أيْ: يمنعوا النّاس عن اتِّباع محمّد ﷺ ، وعن سبيل الله، وهو دين الإسلام، والإيمان. ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، والسّين: للاستقبال القريب؛ أي: سينفقونها قريباً. ﴿ثُمَّ﴾: للاستقبال، والتراخي في الزّمن. ﴿تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾: أيْ: في الآخرة؛ أيْ: عاقبة إنفاقها ندماً، وحسرة، أو المال نفسه يتحول إلى حسرة. ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾: في الدّنيا، والآخرة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾: يحشرون: يجمعون، وعلَّة هذا الجمع: هو ليميز الله الخبيث من الطّيب، «والحشر: هو السّوق+ الجمع». إلى: حرف يستعمل لكل الغايات، وهنا يفيد الانتهاء.

стр. 1790

سورة الأنفال [٨: ٣٧] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد، يميز الله: يكشف، يفصل، يفرِّق. ﴿الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: أي: العمل الخبيث «الإنفاق في سبيل الصّد عن سبيل الله» من الطّيب الإنفاق في سبيل الله، وإعلاء كلمته، أو يميز الخبيث «الكافر» من الطّيب «المؤمن»، أو يميز أهل النّار من أهل الجنة، وقدَّم الخبيث على الطّيب؛ لأنّ الحديث عن الّذين كفروا. ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: يجمع الخبيث بعضه فوق بعض. ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾: الرّكم: أن يجعل بعض الشّيء على بعض؛ أي: يجمع الكفار بعضهم على بعض، أو فيركمه: يُلقي بعضهم على بعض إلى جهنم، أو تجمع أموالهم بعضها فوق بعض؛ أي: تضم، ثم يُلقى بها في جهنم لتكوى بها جباههم، وجنوبهم، وظهورهم، جميعاً: للتوكيد. ﴿فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ﴾: الفاء: ظرفية، جهنم: اسم من أسماء النّار، أو دركة من دركات النّار، مشتق من كونها بعيدة القعر، أو الجهومة: الشّيء المخوف الكريه المنظر. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد. ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: هم: يفيد التّوكيد، الخاسرون: للمبالغة؛ أي: إذا كان هناك خاسرون؛ فهم في الطّليعة، أو الخاسرون حقاً أعظم الخاسرين.
следующие страницы →