Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
يمنع عنهم العذاب؛ حتّى تقوم السّاعة، وهذا من رحمة الله سبحانه بهذه الأمة: أن عوَّض عليهم بعدم بقاء الرسول ﷺ بينهم بالاستغفار المتجدِّد والمتكرر.
وثانياً: لم يقل: وما كان الله معذبهم وهم مستغفرون؛ لكان ذلك يعني: يجب أن تكون صفة الاستغفار عندهم ثابتة مستمرة، وهذا من المستحيل، أو الصعب جداً، واكتفى بالاستغفار المتجدِّد، أو المؤقت؛ بقوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
ثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: فيه نفي للفعل؛ أي: التعذيب مقارنة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: فيه نفي القصد أو النية للقيام بالفعل (التعذيب)، أو هناك فرق بين نفي القصد (النية)، ونفي الفعل ذاته؛ لأن نفي القصد أو النية أبلغ وأشد من نفي القيام بالفعل، وفي هذا دليل على مكانة وشرف النبي ﷺ عند ربه.
стр. 1787
سورة الأنفال [٨: ٣٤]
﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
﴿وَمَا لَهُمْ﴾: وما: الواو: استئنافية. ما: اسم استفهام؛ للحث، وتقديره: ولمَ لا يعذبُهُم الله.
﴿أَلَّا﴾: أن لا؛ أن: حرف مصدري، لا: نافية للتوكيد.
ومعنى ذلك؛ أي: شيء يمنعهم من أن يعذبهم الله، إن يعذبهم الله عدل؛ لأنّهم فعلوا، وما زالوا يفعلوا ما يستحق العذاب؛ فهم لا زالوا يصدون - فعل مضارع يدل على التّجدُّد، والتّكرار - يصدون النّاس عن المسجد الحرام؛ أيْ: يمنعون النّاس عن الطّواف بالمسجد الحرام، والعمرة؛ فهم منعوا رسول الله، والمؤمنين عام الحديبية من زيارته، والعمرة.
﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾: وما: النّافية، كانوا أولياءَه: حيث كانوا يدَّعون أنهم أولياء المسجد الحرام باطلاً؛ فنفى الله سبحانه عنهم ذلك، وكيف يكونون أولياءَه وهم المشركون بالله، ويعادون دينه، ويصدون عن المسجد الحرام؛ فمن أعطاهم الولاية عليه؟
﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾: إن: نافية تفيد النّفي أكثر من: ما؛ أيْ: أولياؤه المتقون.
﴿إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: إلا: أداة حصر؛ أي: حصراً، وقصراً، أولياؤه: هم المتقون لا غيرهم.
стр. 1788
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾: لكن: حرف استدراك، أكثر أهل مكة لا يعلمون.
﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: أنهم ليسوا أولياءَه؛ إما لجهل، وإما لعنادهم، أو أنهم لا يستحقون أن يكونوا أولياءَه.
سورة الأنفال [٨: ٣٥]
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النّافية؛ للتوكيد.
﴿كَانَ صَلَاتُهُمْ﴾: ولم يقل: كانت صلاتهم؛ لأنّ صلاتهم كانت صفيراً (من التصفير) وتصفيقاً، وكلاهما مذكر فجاء بالفعل المطابق لنوع صلاتهم.
﴿عِنْدَ الْبَيْتِ﴾: أي: المسجد الحرام.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿مُكَاءً﴾: من فعل مكا، يمكو؛ أي: صفَّر.
﴿وَتَصْدِيَةً﴾: تصفيقاً؛ فقد كان الرّجال كذلك يطوفون بالبيت عراة، وهم يصفِّرون، ويصفِّقون، وكان ذلك في بداية الإسلام، وكان هذا من الجهل، والضّلال.
﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: الباء: للتعليل، أو السّببية، وما: مصدرية؛ أيْ: بسبب كفرهم.
سورة الأنفال [٨: ٣٦]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾:
لا زالت الآيات تتحدث عن غزوة بدر، ونزلت هذه الآية كما قال مقاتل والكلبي تتحدث عما أنفقه الكافرون من أهل مكة من الأموال والأَنعام يوم
стр. 1789
بدر؛ مثال: المطعمين يوم بدر كانوا (١٢) رجلاً من كبار قريش يطعم كلّ واحد (١٠) من الجزور يومياً، وقيل: نزلت في أبي سفيان؛ فقد استأجر يوم أُحُدٍ ألفين من الأحابيش، وأنفق عليهم (٤٠) أوقية من الذَّهب؛ ليقاتلوا رسول الله ﷺ ، وأصحابه، والعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السّبب.
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد.
﴿كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾: ينفقون، ولم يقل: أنفقوا، بل يستمرون في الإنفاق، والتّجدُّد، وتكرار فعل الإنفاق في حرب رسول الله ﷺ ، والمؤمنين.
﴿لِيَصُدُّوا﴾: اللام: لام التّوكيد، والتّعليل، يصدوا؛ أيْ: يمنعوا النّاس عن اتِّباع محمّد ﷺ ، وعن سبيل الله، وهو دين الإسلام، والإيمان.
﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة، والسّين: للاستقبال القريب؛ أي: سينفقونها قريباً.
﴿ثُمَّ﴾: للاستقبال، والتراخي في الزّمن.
﴿تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾: أيْ: في الآخرة؛ أيْ: عاقبة إنفاقها ندماً، وحسرة، أو المال نفسه يتحول إلى حسرة.
﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾: في الدّنيا، والآخرة.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾: يحشرون: يجمعون، وعلَّة هذا الجمع: هو ليميز الله الخبيث من الطّيب، «والحشر: هو السّوق+ الجمع». إلى: حرف يستعمل لكل الغايات، وهنا يفيد الانتهاء.
стр. 1790
سورة الأنفال [٨: ٣٧]
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾:
﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد، يميز الله: يكشف، يفصل، يفرِّق.
﴿الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: أي: العمل الخبيث «الإنفاق في سبيل الصّد عن سبيل الله» من الطّيب الإنفاق في سبيل الله، وإعلاء كلمته، أو يميز الخبيث «الكافر» من الطّيب «المؤمن»، أو يميز أهل النّار من أهل الجنة، وقدَّم الخبيث على الطّيب؛ لأنّ الحديث عن الّذين كفروا.
﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾: أي: يجمع الخبيث بعضه فوق بعض.
﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾: الرّكم: أن يجعل بعض الشّيء على بعض؛ أي: يجمع الكفار بعضهم على بعض، أو فيركمه: يُلقي بعضهم على بعض إلى جهنم، أو تجمع أموالهم بعضها فوق بعض؛ أي: تضم، ثم يُلقى بها في جهنم لتكوى بها جباههم، وجنوبهم، وظهورهم، جميعاً: للتوكيد.
﴿فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ﴾: الفاء: ظرفية، جهنم: اسم من أسماء النّار، أو دركة من دركات النّار، مشتق من كونها بعيدة القعر، أو الجهومة: الشّيء المخوف الكريه المنظر.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد.
﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: هم: يفيد التّوكيد، الخاسرون: للمبالغة؛ أي: إذا كان هناك خاسرون؛ فهم في الطّليعة، أو الخاسرون حقاً أعظم الخاسرين.
стр. 1791
سورة الأنفال [٨: ٣٨]
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾:
سبب النّزول: قيل: نزلت هذه الآية في أبي سفيان وأصحابه في مكة قبل فتحها، كما روي عن ابن عباس ﵄.
﴿إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال. إن ينتهوا عما هم عليه من الكفر، والشّرك، ويدخلوا في الإسلام، ويتوبوا يغفر لهم.
﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾: قد: حرف تحقيق، وتوكيد، قد سلف: ما قد مضى من سيئات أعمالهم؛ «لأنّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، والتّوبة تَجُبُّ ما قبلها»، كما ورد في الصّحاح.
﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾: وإن: شرطية، يعودوا إلى حرب الرّسول، والكفر؛ فقد مضت سنة الأولين؛ أي: أخذهم بالعذاب، والعقوبة بعد الإنذار، وانتهاء المُهلة.
انتبه إلى قوله: إن ينتهوا، ولم يقل: إن تنتهوا؛ أي: ليس المراد أن تخاطبهم نفسك؛ أيُّ إنسان يمكن أن يبلغهم ذلك.
سورة الأنفال [٨: ٣٩]
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾: ولم يقل: اقتلوهم، قاتلوهم؛ أي: هناك مفاعلة قتال طرفين كلّ يحاول قتل الآخر، أما اقتلوهم: فتعني: من طرف واحد؛ أي: من دون أن يتصدوا لكم، أو يخرجوا لقتالكم.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية؛ أي: حتّى النّهاية (نهاية الغاية).
стр. 1792
﴿لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: لا: النّاهية، تكون فتنة: فتنة هنا؛ تعني: الشّرك، والكفر، أو الظّلم، أو أي فتنة، أو الفتنة في الدِّين؛ أي: اضطهاد؛ أي: المؤمن، أو المؤمنة من أجل دينه. ارجع إلى الآية (٢٥) من نفس السّورة؛ للبيان.
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: أي: لا شرك، فلا يعبد مع الله أحد سواه.
﴿فَإِنِ انتَهَوْا﴾: الفاء: للتفصيل، إن: للتوكيد، انتهوا: استجابوا، وأطاعوا، ودخلوا في الإسلام.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: الفاء، وإن: للتوكيد.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، أو مصدرية.
﴿يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: يعملون: تضم الأقوال، والأفعال، بصير: يرى، ويراقب أعمالهم، ويحيط علمه بكلّ شيء.
ولنقارن سورة الأنفال، الآية (٣٩): ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
مع سورة البقرة، الآية (١٩٣): ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
الاختلاف: آية الأنفال: ويكون الدِّين كلّه لله، والنّهاية: فإنّ الله بما يعملون بصير.
آية البقرة: ويكون الدِّين لله، والنّهاية: فلا عدوان إلا على الظّالمين.
الاختلاف: سببه أنّ آية الأنفال: جاءت في سياق قتال الكفار كافة، والآية تفيد العموم، والشّمول، ولذلك قال: كلّه لله؛ أي: قاتلوا الكفار كافة؛ ليكون الدِّين كله لله.
стр. 1793
أمّا آية البقرة: فجاءت في سياق قتال كفار مكة؛ فحسب، وحول المسجد الحرام قتال لصد عدوانهم، وحتّى يكون الدِّين لله.
أمّا نهاية الآيتين: فإنّ الله بما يعملون بصير؛ لأنّ من الكفار بعد قتالهم منهم من سيدخل في الإسلام، ومنهم من لن يدخل؛ فإنّ الله بما يعملون بصير.
وأما قوله تعالى: فلا عدوان إلا على الظّالمين؛ لأنّه سبقها قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، فلذلك ختمها بقوله: فلا عدوان إلا على الظّالمين «كفار قريش وغيرهم».
سورة الأنفال [٨: ٤٠]
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال.
﴿تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا أو نكثوا العهد، وعادوا إلى حربكم.
﴿فَاعْلَمُوا﴾: الفاء: تعليلية، وللتوكيد.
﴿أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾: أنّ: تفيد التّوكيد أيضاً، مولاكم: متولي أموركم بالنّصر، والتّأييد، والمعونة.
﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾: نعم: من أفعال المدح، المولى: المتولي بأمور عباده، المتعهد لأوليائه بالأمن، والهداية، والمحافظ على أوليائه، والقيِّم على أمورهم.
﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: على وزن فعيل؛ صيغة مبالغة، النّصير: كثير النصرة لعباده المؤمنين، ولأوليائه على أعدائهم.
стр. 1794
سورة الأنفال [٨: ٤١]
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا﴾: أيها المسلمون: أنما: أن: للتوكيد، ما: شرطية، أو اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿غَنِمْتُم﴾: من الغنيمة؛ أي: أخذتم من أموال الكفار بالقتال، والقهر، والحرب «هذا يُسمَّى الأنفالَ»، وما غنمتم من أموال الكفار من دون قتال «هذا يُسمَّى الفيءَ»؛ فالغنيمة قد تكون نفلاً، أو فيئاً.
﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية؛ تشمل كلّ شيء غنمتموه قليلاً، أو كثيراً مهما كان نوعه، أو قيمته.
﴿فَأَنَّ﴾: الفاء: جواب الشّرط؛ تفيد التّوكيد.
﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾: اللام: لام الاختصاص، والتّعليل. خمسه: والسّؤال كيف يكون لله خمسه مع العلم أن لله ما في السّموات، وما في الأرض، وهو مالك الملك؟ قيل: ذكر اسم الله هنا؛ للتشريف، والبركة.
﴿وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: الواو: في كلّ هؤلاء عاطفة. إذن () لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كما أجمع أكثر المفسرين، فالغنيمة، أو الأنفال تقسم إلى خمسة أخماس: أربعة أخماسها توزع على المقاتلين، والخُمُس الباقي لهؤلاء الخمسة
стр. 1795
بما فيهم رسول الله ﷺ ، وبعد وفاته نصيبه هو لصالح المسلمين، والثّابت: أنّ الغنائم لم تكن تحل لأحد من الأنبياء قبل رسول الله ﷺ .
﴿وَلِذِى الْقُرْبَى﴾: أيْ: سهماً من خُمُس الخُمُس لذوي القربى: وهم أقارب النّبي ﷺ : بنو هاشم، وبنو المطلب، حسب قول الإمام الشّافعي مستنداً إلى حديث في صحيح البخاري.
﴿وَالْيَتَامَى﴾: وهم الأطفال الصّغار من المسلمين من لا أب له.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: أهل الفقر، والحاجة من المسلمين.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: المسافر البعيد عن ماله، أو الّذي فقد ماله، ولم يبقَ معه شيئاً، ويُسمَّى ابن السّبيل؛ أيْ: ابن الطّريق؛ فهو بحاجة للمساعدة، وكما قلنا أربعة أخماس الغنيمة الباقية توزع على المقاتلين: للفارس مثلاً: سهمان، أو ثلاثة أسهم، وللراجل: سهم واحد، هذا هو قول أكثر أهل العلم، وهذا تغيَّر في عصرنا الحديث؛ فالدّولة هي المسؤولة عن كلّ ذلك، والجنود هم موظفون عند الدّولة، ولهم أجرهم.
﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو النّدرة.
﴿كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾: فاعلموا أنما غنمتم من شيء فأنّ لله خُمُسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والأربعة أخماس الباقية توزع على المقاتلين.
﴿إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾: بالله: الباء: للإلصاق، إيمان العقيدة.
﴿وَمَا أَنزَلْنَا﴾: الواو: عاطفة، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾: محمّد ﷺ ، وهو ألف من الملائكة المردفين، والمطر، والنّعاس، والإيحاء بالضّرب فوق الأعناق، والبنان.
стр. 1796
﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يوم بدر، وسُمِّي يوم الفرقان؛ لأنّه فرق بين أهل الحق، وأهل الباطل؛ معسكر الإيمان، ومعسكر الكفر، والشرك.
﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: تكرار يوم؛ يفيد التّوكيد، توكيد عظمة ذلك اليوم، يوم التقى: جمع المسلمين بجمع الكافرين من قريش على ماء بدر.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: قادر على الجمع بينهما، وقادر على أن يجعل فئة قليلة تغلب فئة كثيرة؛ أي: لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السّموات.
سورة الأنفال [٨: ٤٢]
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِى الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِّيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾: إذ: ظرف للزمن الماضي؛ أي: واذكروا إذ أنتم بالعدوة الدّنيا، بالعدوة الدنيا: العدوة ظرفية تعني شط الوادي، والدّنيا؛ أيْ: شط الوادي الأقرب إلى المدينة المنورة، والدّنيا: مؤنث الأدنى؛ أي: الأقرب.
﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾: كفار قريش بالعدوة القصوى: شط الوادي الأبعد عن الوادي؛ أي: العدوة القصوى وهي أفضل من العدوة الدنيا؛ لأنّ الماء كان فيها، وكانت أرض صلدة، والعدوة الدّنيا ليس فيها ماء، وأرض رملية يصعب المشي عليها.
﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾: أيْ: أبو سفيان، والأربعون رجلاً، والعير أسفل منكم؛ أي: بالسّاحل، وبمكان أسفل من مكانكم حيث غيَّر أبو سفيان مسير القافلة، واتجه إلى ساحل البحر، وساحل البحر هو أسفل من الأرض اليابسة، وذكر كلّ هذه التّفاصيل؛ للتذكير بأهمية موقع القتال، وقلة عدد المسلمين وعدتهم حينذاك، وعدم خبرتهم في القتال، وحالتهم الصّعبة، وهم لا يريدون القتال، ولم يخرجوا له.
﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِى الْمِيعَادِ﴾:
стр. 1797
﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة، لو: شرطية.
﴿تَوَاعَدتُّمْ﴾: أيْ: وجعلتم بينكم وبين المشركين موعداً لزمن القتال والمكان على سبيل الافتراض.
﴿لَاخْتَلَفْتُمْ﴾: اللام: للتوكيد؛ أي: اختلفتم في المكان، والزّمان؛ فجاء بعضكم متأخِّراً عن الموعد، أو منحرفاً عن المكان، ولم يحصل اللقاء بينكم، أو وليتم مدبرين بعد أن رأيتم عددهم، وعدتهم؛ خوفاً من القتل، ولم يحدث اللقاء كما حدث في بدر في الزمان والمكان المحدد.
﴿وَلَكِنْ لِّيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾:
﴿وَلَكِنْ﴾: للاستدراك، والتّوكيد.
﴿لِّيَقْضِىَ﴾: اللام: للتوكيد، والتّعليل.
﴿لِّيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: أي: يُتم الله سبحانه أمراً مقدراً: وهو نصر الله لأوليائه، وجمعكم بغير ميعاد، وليحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين دلالة على عظمة ذلك الأمر أو النصر.
﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾:
﴿لِّيَهْلِكَ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد؛ ليهلك في معركة بدر ﴿مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: ليموت من مات من الكفار، أو المؤمنين عن بينة.
﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: أيْ: ليتبيَّن لكلّ منهما حقيقة نفسه، ويعلم حالته الّتي هو عليها من الكفر، أو الإيمان من دون لبس، ولا شك، هذا مات على الإسلام، وهذا مات على الكفر.
﴿وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: ويعيش من عاش بعد معركة بدر، سواء من الكفار، أو المؤمنين.
﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: ومن دون شبهة أنه يعيش كمسلم، أو أنه يعيش كافراً.
стр. 1798
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد.
لسميع: اللام: لزيادة التّوكيد، سميع: لكلّ ما يقوله عباده في السّر، والعلن، والقريب، والبعيد من الأصوات.
﴿عَلِيمٌ﴾: بكلّ ما يفعلوه في الخفاء، وفي الظّاهر؛ أحاط علمه بكلّ شيء؛ فلا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السّماء.
سورة الأنفال [٨: ٤٣]
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾:
في هذه الآية، والّتي تليها: يخبرنا الله سبحانه بما حدث من الأحداث، والأمور الغيبية التي أصابت قلوب، وعيون كلّ من الطّرفين يوم بدر.
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾:
﴿إِذْ﴾: ظرفية؛ أي: في ليلة معركة بدر رأى رسول الله ﷺ رؤيا في المنام: أنّ عدد جيش الكفار قليل؛ «فكانت هذه المعجزة الأولى»، وفي الصّباح أخبر رسول الله ﷺ أصحابه بهذه الرّؤيا؛ ففرحوا بذلك، وسرت فيهم روح العزيمة، والجرأة، والشّجاعة على القتال، والمضي إلى أرض المعركة.
﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: شرطية؛ أيْ: لو كانت الرؤيا أنّ عدد جيش الكفار كثير؛ لحدث العكس.
﴿أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾: في منامك.
﴿لَّفَشِلْتُمْ﴾: الفشل: أي: الإحباط، والوهن، وعدم الجرأة على القتال، واللجوء إلى الفرار، واللام في لفشلتم، واللام في لتنازعتم: تدلان على التّوكيد.
стр. 1799
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾: فلم يحدث مثل ذلك الفشل، والتّنازع في أمر القتال.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة آل عمران؛ للبيان.
سورة الأنفال [٨: ٤٤]
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾:
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾: وفي يوم المعركة «معركة بدر»، وقبل بدء القتال حدثت معجزة ثانية؛ فقد أصبح يرى المؤمنون عددَ أعدائهم قليلاً؛ حتّى يبث الله في المؤمنين الشّجاعة، والشّعور بالعزة، والنّصر.
﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ﴾: وفي نفس الوقت أصبح المشركون «جيش أبي جهل»: يرون عددَ المؤمنين «صحابة رسول الله ﷺ » قليلاً أيضاً؛ حتّى يبث في أنفسهم الإقدام على المعركة، ولا يتراجعون؛ حتّى قال أبو جهل: إنّهم أكلةُ جزور خذوهم أخذاً، واربطوهم بالحبال؛ فالله سبحانه يريد أن تبدأ المعركة.
وما إن بدأت المعركة حتى حدثت معجزة ثالثة: أصبح المشركون يرون عدد المؤمنين ضعفين، وذكر هذا في الآية (١٣) من سورة آل عمران: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِى فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ مما أدَّى إلى انسحاب المشركين من أرض المعركة، وهزيمتهم، وقُتِل (٧٠) منهم، وأُسِر (٧٠). ارجع إلى الآية (١٣) من سورة آل عمران؛ لمزيد من البيان.
﴿لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: هذا تكرار للآية (٤٢)؛ للتوكيد أنّ وعده بنصر المؤمنين، وإعلاء كلمة الحق سيتم لا محالة.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: تقديم الجار والمجرور: وإلى الله: يفيد الحصر؛ أيْ: وإلى الله حصراً وقصراً كل الأمور ترجع إليه؛ للفصل، والحساب، وإصدار الحكم بعد ذلك إلى الجنة، أو إلى السّعير.
стр. 1800
سورة الأنفال [٨: ٤٥]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء إلى الّذين آمنوا بأوامر جديدة، بكيفية قتال العدو:
الأمر الأوّل: كان في الآية (١٥ - ١٦) من نفس السّورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾.
الأمر الثّاني: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾: إذا: ظرف زماني للمستقبل.
﴿لَقِيتُمْ فِئَةً﴾: أيْ: حاربتم. فئة: جماعة من النّاس. ارجع إلى الآية (١٣) من سورة آل عمران؛ للبيان.
﴿فَاثْبُتُوا﴾: أيْ: لا تفروا، أو تنسحبوا من أرض المعركة؛ اصمدوا أمام عدوكم.
الأمر الثّالث: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾: أيْ: في مواطن الحرب لا تنسوا ذكر الله بالتّكبير، والتّحميد، والتّسبيح، والصلاة، والدعاء باللسان؛ تضرعاً وخفية، والتّوكل على الله.
﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: لعلَّ: للتعليل، والتّرجي؛ أيْ: لعلَّكم إذا ثبتُّم في أرض المعركة، وذكرتم الله، وأخذتم بالأسباب الأخرى الموصلة إلى الفلاح، والنّصر؛ لعلَّكم تفلحون: لعلَّ النّصر، والفوز يتحقق لكم. ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة؛ لبيان معنى الفلاح.
стр. 1801
سورة الأنفال [٨: ٤٦]
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾:
الأمر الرّابع: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: اتبعوا ما أمر الله تعالى، ورسوله في أحكام القتال؛ مثل: عدم الخيانة، والأمانة، وتوزيع الغنائم، وطاعة أولي الأمر منكم.
﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾: لا: النّاهية، ولا تنازعوا: أي: إياكم والخلاف.
﴿فَتَفْشَلُوا﴾: فإنّه مدعاة للفشل، والهزيمة، وعليكم بوحدة الصّف، والكلمة.
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: أيْ: قوتكم، وقيل: الرّيح الدّولة؛ أيْ: تذهب دولتكم، واستعمل الريح؛ لأن الريح القوية العاصفة قد تقلع الأشجار والبيوت، فالريح تحمل في معانيها وتمثل القوة، واستخدم الريح بدلاً من القوة.
﴿وَاصْبِرُوا﴾: على الشّدائد، والمحن، والجراح، وتحمل البأس.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: يمدهم بالعون، والقوة، والصّبر.
سورة الأنفال [٨: ٤٧]
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية.
стр. 1802
﴿تَكُونُوا﴾: أي: لا تتشبهوا بالكفار، والنهي عن التشبه أبلغ من النهي عن الفعل كما لو قال: ولا تخرجوا كالذين خرجوا من ديارهم.
﴿كَالَّذِينَ﴾: الكاف: للتشبيه. الّذين: اسم موصول؛ يفيد الذم.
﴿خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾: أيْ: كفار مكة، وعلى رأسهم أبو جهل، وأصحابه، خرجوا من مكة لحماية العير «القافلة الّتي يقودها أبو سفيان» بالدّفوف والمعازف، ولما نجا أبو سفيان بالعير أبى أبو جهل العودة إلى مكة، وقال: لا نرجع حتّى نرد بدراً، ونشرب بها الخمور، وتعزف لنا القيان، ونطعم الطّعام، وتسمع بنا العرب؛ فذلك كان بطراً، ورئاء النّاس؛ أيْ: تكبراً، وخيلاء، ورئاء النّاس: بإطعامهم الطّعام؛ أيْ: يريدون الحرب، والخروج إلى بدر للسمعة، وحتّى تصبح لهم الهيبة، والسّمعة بين العرب.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يمنعون النّاس من الدّخول في الإسلام؛ فقد ظنوا أنّهم بقتالهم رسول الله ﷺ ، وأصحابه يخوفون النّاس، ويصدونهم عن الدّخول في الإسلام، والإيمان بالله ورسوله.
﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: بما: الباء: للإلصاق، ما: حرف مصدري.
﴿مُحِيطٌ﴾: عالم بكلّ شيء يعملونه؛ أيْ: بما يقولون، ويفعلون محيط به إحاطة تامة.
سورة الأنفال [٨: ٤٨]
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّى جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِاءٌ مِّنكُمْ إِنِّى أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: أيْ: واذكر إذ زيَّن، أو: اذكر حين زين الشّيطان، وإذ ظرف للزمن الماضي.
стр. 1803
﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: الشّيطان: هو إبليس.
﴿زَيَّنَ لَهُمُ﴾: بالوسوسة، والتّزيُّن لكفار مكة أبي جهل، وأتباعه من قريش بالخروج للقاء الرّسول ﷺ ، وصحابته الّذين تصدوا للعير القادمة من الشّام يقودها أبو سفيان، زيَّن لهم بالوسوسة، وشجعهم على الخروج من مكة؛ لأنّ قريشاً قتلت رجلاً من كنانة، وكانت تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم إذا خرجوا، وكان سراقة بن مالك سيد بني بكر بن كنان، وقيل: إنّ إبليس تمثل بصورة سراقة، وقدِم إلى قريش، ومعه جند من الشّياطين، وقال لقريش: اخرجوا، وإنَّا معكم، ولا تخافوا أحداً؛ فلا غالب لكم اليوم من النّاس؛ هذا ما روي عن ابن عباس ﵄.
﴿وَإِنِّى جَارٌ لَّكُمْ﴾: أي: مجيركم، وحاميكم من بني بكر، أو من أيِّ عدو.
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب، والتّرتيب، لما: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حين.
﴿تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾: الفئة المؤمنة، والفئة الكافرة.
﴿تَرَاءَتِ﴾: اقتربت الفئتان من بعضهما، وبدأت المعركة.
﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: أيْ: رأى إبليس الّذي لا زال متمثلاً بصورة سراقة بن مالك الملائكة تنزل إلى أرض المعركة، معركة بدر، ولَّى هارباً تاركاً أرض المعركة، وقال:
﴿إِنِّى بَرِاءٌ مِّنكُمْ﴾: أيْ: لا دخل لي فيكم، وأنا متخلٍّ عنكم.
﴿إِنِّى أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾: أي: الملائكة تنزل إلى أرض المعركة.
﴿إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ﴾: أن يهلكني.
стр. 1804
﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: ولما عادت قريش إلى مكة منهزمة، قالوا: إنّ سراقة هو سبب هزيمتهم في بدر؛ فبلغ هذا الخبر سراقة بن مالك؛ فتعجب، وقال: ما علمت بخروجكم حتّى بلغني هزيمتكم، فلما أسلم بعضهم علموا: أنّ إبليس تمثل في صورة سراقة.
سورة الأنفال [٨: ٤٩]
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:
﴿إِذْ﴾: واذكر إذ يقول المنافقون، أو حين قال المنافقون.
﴿يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾: المنافقون: جمع منافق: وهو الّذي يظهر الإسلام، ويبطن الكفر، وكلمة منافق مأخوذة من حيوان يشبه الفأر يُسمَّى اليربوع يحفر لنفسه نفقاً في الأرض له بابان، أو أكثر؛ فإذا حاولت صيده خرج من الباب الآخر.
﴿وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: ضعاف الإيمان، أو مرض الحسد، أو الحقد، أو الشّبهات؛ يقولون بعد أن خرج رسول الله ﷺ وأصحابه إلى بدر، وكان عددهم (٣١٣) رجلاً:
﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾: قالوا ذلك سراً؛ أي: اغتر هؤلاء المسلمون بدينهم، فكيف يخرجون للتصدِّي لقريش القادمة بأكثر من (١٠٠٠) مقاتل، غرَّ: من الغرور: هو خداع، أو إيهام يحمل الإنسان على فعل ما يضرُّه؛ أي: الوقوع في مضرة مع الإيهام بمنفعة، والمغرور: هو الّذي يرى نفسه، أو يشعر بأنّه أعظم من غيره بما يملكه من خصلة، أو خصال، فقال المنافقون: غرَّ هؤلاء؛ أيْ: أحس المسلمون بقوتهم رغم أنّهم قلة، أو بوعد الله لهم بالنّصر فهذا غرور في ظنهم.
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: يطلب العون من الله، وبعد أن يقدِّم الأسباب؛ فهو حسبه، وكافيه، وينصره على عدوه، ولو كان ضعيفاً.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: العزيز: الّذي لا يقهر، ولا يُغلب، الممتنع. والفاء، وإن: للتوكيد.
стр. 1805
﴿حَكِيمٌ﴾: والحكيم: في تدبير شؤون خلقه، وكونه؛ فهو الحاكم المالك، وهو ذو الحكمة؛ لأنّه أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٢٩)؛ لمزيد من البيان.
سورة الأنفال [٨: ٥٠]
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾:
لا زالت الآيات تتحدث عن كفار قريش الّذين خرجوا من ديارهم بطراً، ورئاء النّاس، فلو ترى هؤلاء حين يتوفاهم ملائكة الموت:
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى﴾.
﴿وَلَوْ﴾: لو: شرطية، وجواب لو محذوف للتعجب والتهويل والتعظيم.
﴿إِذْ يَتَوَفَّى﴾: إذ: ظرف زماني؛ أي: حين يتوفَّى الّذين كفروا ملائكة الموت بما فيهم ملك الموت يتوفَّى؛ أيْ: في مرحلة الوفاة، وهي المرحلة السّابقة لقبض الرّوح؛ ففي هذه المرحلة يبدأ عذاب البرزخ، ويظن النّاس أنّ المريض متألم، ومتوجع، فلو أتيح لأعينهم رؤية الحقيقة؛ لرأوا الملائكة يضربون وجوه هؤلاء الكفار، وأدبارهم، والعياذ بالله، وترى على وجه المريض الهلع، والذّعر، والخوف، وتقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب الحريق الّذي ينتظركم.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: المشركين قد يكونوا قتلى بدر، وغيرهم من الكفار.
﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾: أي: وجوههم وظهورهم إذا جاؤوهم من بين أيديهم ومن خلفهم، أو إذا لقوهم يضربون وجوههم وإذا ساقوهم يضربون أدبارهم، وهذا الضرب قبل قبض أرواحهم؛ أي: قبل الموت، وسواء أكان في يوم بدر، أو يوم القيامة، أو يوم تتوفاهم الملائكة.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: في القبر (البرزخ)، وفي الآخرة (عذاب الحريق في جهنم).
стр. 1806
سورة الأنفال [٨: ٥١]
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ يفيد البعد، ويشير إلى الضّرب، وعذاب الحريق.
﴿بِمَا﴾: الباء: باء السّببية، أو التّعليل؛ أيْ: بسبب، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الذي، أو مصدرية.
﴿قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾: أيْ: بما قدَّمتم من الأعمال السّيئة، والمنكرات، والكفر، والظّلم، ونسب ارتكاب المعاصي إلى الأيدي؛ لأنّ معظم الأعمال السّيئة يزاولها، أو يكسبها الإنسان بيده، وهناك طبعاً اللسان، والأعين، والأرجل، وغيرها من الحواس، والأعضاء.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: وأنّ: للتوكيد.
﴿لَيْسَ﴾: للنفي المستمر.
﴿بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾: الباء: للتوكيد، والإلصاق، ظلام: صيغة مبالغة لظالم؛ فكان يمكن أن ينفي الأدنى أيْ: ظالماً، ويقول: ليس ظالماً للعبيد، أو يقول: ليس بظلام للعبد، ولكنه عدل عن ذلك فهو ليس بظالم، وليس بظلام، لا للعبد، ولا للعبيد. ارجع إلى الآية (١٨٢) من سورة آل عمران؛ لمزيد من البيان.
سورة الأنفال [٨: ٥٢]
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
﴿كَدَأْبِ﴾: الكاف: للتشبيه، الدّأب: هو الشّأن، والحال، والدّأب؛ يعني: الدّوام على فعل أمر ما، والإدمان عليه لطول الزّمن.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أي: حال كفار مكة، وشأنهم، وأفعالهم، ودأبهم كحال، وشأن، وأفعال آل فرعون، ومن سبقهم من الأمم؛ مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود.
стр. 1807
﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: كما كفر هؤلاء مشركي مكة، كفروا: أي: جحدوا بآيات ربهم، ولم يؤمنوا بها.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: الأخذ: يعني الانتقام والعذاب، والهلاك، والأخذ: يكون بطرق متعدِّدة: بالصّيحة، والرّجفة، أو الطّوفان، أو بالسّنين، ونقص الثّمرات … وغيرها.
﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾: الباء: للإلصاق، والتّعليل، والذّنوب: الآثام، والمعاصي، والكبائر.
﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾:
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل؛ للتوكيد.
﴿قَوِىٌّ﴾: لا يُغلب، ولا يُقهر، وممتنع.
﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: مشتق من عقب؛ لأنّ فاعل الذّنب يستحق عقوبته عقيب فعل ذنبه؛ يعني: في الدّنيا، وعادة العقاب يكون في الدّنيا، والعذاب في الآخرة.
стр. 1808
سورة الأنفال [٨: ٥٣]
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾:
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة للبعد، ويشير إلى الأخذ والعقاب الّذي حدث لكفار مكة، وآل فرعون، ومن سبقهم من الأمم لم يحدث إلا بسبب كفرهم، وجحدهم بنعم الله؛ فهم بدَّلوا نعمة الإيمان بالكفر، ولم يشكروا الله تعالى المنعم عليها، فمن سُننه الكونية هذه السُّنة: سُنة تغيُّر النِّعمة.
﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾: الباء: للتوكيد، والإلصاق، والاستمرار، أن: لزيادة التّوكيد.
﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾: لم يك: ولم يقل: لم يكن؛ حذف النّون؛ لأنّ يك: أقل من يكن؛ أي: لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم أدنى، أو أقل تغيُّراً بأن منعها عنهم، أو أنقصها، أو بدَّلها؛
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾: أيْ: حتّى هم يغيروا ما بأنفسهم؛ حتّى يكونوا هم البادئين بالتّغيير، وهذا من رحمته سبحانه: أنّه شاء أن يكون الإنسان هو البادئَ بالتّغيير، بالكفر، وترك الشّكر، والإعراض.
﴿وَأَنَّ﴾: أنّ: للتوكيد، الله سميع لكلّ ما يقوله الكافرون، ومكذبوا الرّسل، وعليم بما يفعلون.
﴿اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (٤٢) من نفس السّورة.
стр. 1809
سورة الأنفال [٨: ٥٤]
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾:
هذا هو الدّأب الثّاني، وأمّا الدّأب الأوّل: فقد جاء في الآية (٥٢)، وهذا الدّأب الثّاني غير الدّأب الأوّل.
الدّأب الأوّل: كان في العقيدة: الكفر، والشّرك، وعدم الاستجابة للرسل، والإيمان؛ فكان دأب كفار قريش؛ كدأب آل فرعون، ومن سبقهم من الأمم، مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود في الكفر، والشّرك.
وأما الدّأب الثّاني: فجاء في الكفر بالنِّعم، والجحود بها؛ فكان كفار قريش أيضاً يشبهون آل فرعون، ومن سبقهم من الأمم في الكفر بأنعم الله، وعدم شكر المنعم على نعمه.
وأمّا الفروق بين الآيتين:
فالآية (٥٢): ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
والآية (٥٤): ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
الفرق الأول: ﴿كَفَرُوا﴾ (آية ٥٢)، ﴿كَذَّبُوا﴾ (آية ٥٤): الكفر: هو أعم من التّكذيب، والكفر أشد من التّكذيب، والتّكذيب: قد يكون جزئياً، أما الكفر: فهو عام.
الفرق الثاني: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (آية ٥٢)، ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (آية ٥٤):
стр. 1810
﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: آيات الألوهية؛ أي: العبودية، والتقوى، والطاعة، وآيات التوحيد؛ توحيد الصفات، والأسماء، والتكاليف، والمنهج.
﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: آيات الخلق، والرزق؛ أي: آيات الربوبية، والحلال، والحرام، والنِّعم.
الفرق الثالث: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ (آية ٥٢)، ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ (آية ٥٤).
الأخذ: يكون بالعذاب، وأنواعه، والأخذ: قد يكون أليماً شديداً.
والهلاك: قد يعني: الموت أولاً. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٥).
﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾: الفاء: للتوكيد، بذنوبهم: الباء: للتعليل، أو السببية.
وهناك فرق بين قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١١] إضافة التكذيب بآيات ربهم الخاصة يشير إلى بشاعة وشدة كذبهم والاجتراء على الله تعالى مقارنة بقوله بآياتنا (عامة).
﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾: وبين كيف تم ذلك في سورة طه، آية (٧٨).
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وأيضاً في سورة يونس، آية (٩٠ - ٩٢).
﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾: مشركو قريش، وآل فرعون، والّذين من قبلهم كانوا ظالمين: بالشّرك، والكفر، والمعاصي، وظالمين لأنفسهم بالصّد عن سبيل الله، وبإدخال أنفسهم في النّار، وبجحدهم نِعَمِ الله تعالى.
стр. 1811
سورة الأنفال [٨: ٥٥]
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
أسباب النّزول: قيل: نزلت هذه الآية في بني قريظة حين نقضوا عهد رسول الله ﷺ ، وأعانوا مشركي قريش بالسّلاح في معركة بدر، كما رُوي عن ابن عباس ﵄. والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿شَرَّ الدَّوَابِّ﴾: أصلها: أشر الدّواب، والدّواب جمع دابة، والدّابة: هي كلّ ما يدب على الأرض، مثل: الحيوان، والإنسان، والجن.
ومنهم من قال: الإنسان مستثنى من هذا التّعريف، ويقصد بالشّر الإصرار على الكفر، ونقض العهد، فهم لا يؤمنون، كما جاء في الآيتين (٥٥ - ٥٦).
﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: العندية: عندية منزلة، أو درجة.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦)؛ لبيان معنى الّذين كفروا.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: فهم: الفاء: للتوكيد، هم: لزيادة التّوكيد.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا: النّافية، يؤمنون: تدل على إصرارهم على الكفر، وعدم الإيمان بالله تعالى، وبآياته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر، والبعث، والحساب، والجزاء.
سورة الأنفال [٨: ٥٦]
﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾: أخذت منهم العهد على عدم التّدخل والانحياز، ونصرة الأعداء، أو إعانة مشركي قريش.
﴿مِنْهُمْ﴾: من الّذين كفروا؛ أمثال: بنو قريظة.
стр. 1812
﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب الزّمني، والتّراخي.
﴿يَنْقُضُونَ﴾: أي: لا يوفون بالعهد، أو ينكثون العهد، وينقضون بصيغة المضارع: لتدل على استمرار نقضهم، وتجدُّده، ولم يتوقَّف. ارجع إلى سورة النحل آية (٩٢) لمزيد من البيان.
﴿فِى كُلِّ مَرَّةٍ﴾: للتوكيد.
﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾:
﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿لَا يَتَّقُونَ﴾: لا: النّافية، يتقون: لا يطيعوا أوامر الله، ولا يتجنبوا محارمه، ولا يخافون عاقبة الغدر، والنّقض.
سورة الأنفال [٨: ٥٧]
﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾:
﴿فَإِمَّا﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية، وما: تفيد التّوكيد، وأصلها: للتفصيل.
﴿تَثْقَفَنَّهُمْ فِى الْحَرْبِ﴾: تجدنَّهم، وتظفر بهم، وتقدر عليهم في الحرب.
﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾: من الثقف: وثقف الرجل؛ أيْ: تمكن منه، وظفر به، وليس مجرَّد أن وجده حاول قتله، أو أسره، بل لا بُدَّ من أن يكون قادراً على فعل ذلك، وإلا يصبر زمناً، أو مكاناً آخر.
﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾: أرغمهم على ترك منازلهم بالقوة؛ فيصبحوا لا منزل لهم؛ إلا العراء، أو الخيام؛ فيؤدِّي ذلك إلى خوف الّذين من خلفهم من أعداء الدِّين الّذين يتربصون بكم؛ فيخافون أن يتشرَّدوا، كما حصل ذلك لغيرهم؛ مما يؤدِّي إلى الكف عن محاربتك، والكيد منك.
стр. 1813
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: لعلَّ: للتعليل. يذكرون: لا ينسون ما حدث لإخوانهم، أو يتعظون. يذَّكرون: أصلها يتذكرون، ويذَّكرون: فيها مبالغة في التذكر، أو شدة تذكر تجعلهم يستيقظون من سباتهم، وتهتز مشاعرهم أو قلوبهم لما حدث، وأما يتذكرون تستعمل لما يحتاج إلى طول وقت للتذكر العقلي.
سورة الأنفال [٨: ٥٨]
﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾:
﴿وَإِمَّا﴾: أصلها: (وإن ما) أدغمتا. إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، ما: للتوكيد، وإما أصلها للتفصيل.
﴿تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾: أيْ: إذا ظهرت لك بوادر خيانةٍ، أو نقضٍ للعهد من الّذين بينك وبينهم عهد.
﴿فَانبِذْ إِلَيْهِمْ﴾: الفاء: للتوكيد، انبذ: من النّبذ: وهو إلقاء الشّيء وطرحه؛ استهانةً به، وإظهاراً بعدم الاهتمام به؛ أي: اطرح العهد الّذي بينك وبينهم؛ أي: تخلَّى عنه، أو تحلَّل منه لمجرد الخوف من الخيانة وتوقعها؛ لأن الانتظار لكي تحدث فيه خطر كبير للأمة ولمصالحها، وأخبرهم: بأنّك نقضت العهد معهم؛ لكي يعلم الكل ذلك.
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾: أيْ: هم وأنت على سواء في العلم، لا خداعٌ، ولا خيانةٌ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾: إنّ: للتوكيد، لا يحب: لا: النّافية.
﴿الْخَائِنِينَ﴾: جمع خائن، والخائن: هو الّذي تصدر منه الخيانة مرة واحدة، أو تصدر منه خيانة في أمر غير عظيم.
أمّا الخوان: فهو الّذي تصدر منه الخيانة مرات عديدة، أو مراراً، وتكراراً، وفي أمور عظيمة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: ١٠٧]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨].
стр. 1814
سورة الأنفال [٨: ٥٩]
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية، يحسبن: من حسب؛ أي: اعتقد، أو هو الظّن الرّاجح، وحسِبَ: تقوم على حساب حسي، وحساب قلبي قائم على النّظر، والتّجربة، والحساب.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾: سبقوا: من السبق؛ أي: الّذين فرُّوا من معركة بدر من المشركين خوفاً من القتل، أو الأسر: بأنّهم خلصوا، أو فلتوا من العذاب، والآية عامة؛ تعني: كلّ الكفار، وأصل السّبق: هو الفوت، والنّجاة من العذاب.
﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾: إنّ: حرف توكيد، لا: النّافية، يعجزون: أيْ: سوف ندركهم في الدّنيا، ونأخذهم بالعذاب، لا يحسبن الّذين كفروا أنا غير قادرين عليهم.
سورة الأنفال [٨: ٦٠]
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَىْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾: من الإعداد، والتّهيئة؛ لقتال العدو.
﴿مَا اسْتَطَعْتُم﴾: قدر استطاعتكم؛ أيْ: كل ما تقدرون عليه، كل ما بوسعكم، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾: من: استغراقية؛ تشمل كلّ قوة. قوة: جاءت نكرة؛ لتشمل أيَّ قوة مهما كانت من السّلاح، والصّواريخ، والطّائرات، والقنابل. والإعداد: يشمل الإعداد العسكري، والمالي، والمعنوي «النّفسي»؛ لبث روح الشّجاعة، والإقدام، والتّضحية.
﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾: ومن: استغراقية، رباط الخيل: كان هذا في القديم،
стр. 1815
والآن قد يتمثل رباط الخيل: بالطّائرات، والصّواريخ، والقذائف، وراجمات الصّواريخ، والأسلحة الخفيفة، والثقيلة، ولنعلم أن الخيل كانت رمز القوة في الزمن القديم.
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾: من الرهبة: وهي الخوف المقترن بالعلم من الّذي تخافه، وطول مدة الخوف المصحوب باضطراب نفسي، وقلق؛ أي: ترهبونهم حتّى لا يقاتلوكم، أو يجرؤوا على محاربتكم. وتكرار ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ولو قال عدو الله لكان يكفي أو عدوكم يكفي، ولكن قوله تعالى: ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾: فيها حث على وجوب القتال والجهاد أكثر؛ لأن الجهاد في سبيل الله فيه مكاسب دنيوية وأخروية.
﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: أي: إرهاب العدو الموالي لهؤلاء، أو إرهاب الآخرين من غيرهم «غير كفار قريش»، واليهود لا تعلمونهم الله يعلمهم، أمثال: الفرس، والرّوم، وغيرهم من الأمم.
﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَىْءٍ﴾: ما: شرطية، من شيء: من: استغراقية. شيء: مهما كان صغيراً، أو كبيراً: من مال، أو غير مال، طعام، أو مسكن.
﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الجهاد، وغيره، وإعلاء كلمة الله تعالى.
﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾: أضعافاً كثيرة عشرة أضعاف أو (٧٠) ضعفاً، أو أكثر من ذلك.
﴿وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾: أنتم: تفيد التّوكيد، لا: النّافية، تظلمون: لا تنقصون حسنة، ولا تظلمون سيئة؛ أي: لا تظلمون من الثّواب، والأجر شيئاً، والشيء: هو أقل القليل.
стр. 1816
سورة الأنفال [٨: ٦١]
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية تدل على احتمال الحدوث.
﴿جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾: مالوا إلى الصّلح، والسّلم، وعدم القتال، ودعوك إليه بنية حسنة ورغبة صادقة فاجنح لها.
﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾: أيْ: وافق على الصّلح، والسّلم أيضاً.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: استعن بالله، وفوض أمرك إلى الله بعد الأخذ بالأسباب، والحيطة، والحذر.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد في كمال السّمع، والعلم.
﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٤٢).
стр. 1817
سورة الأنفال [٨: ٦٢]
﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَإِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، يريد بنو قريظة أن يخدعوك، أو غيرهم.
﴿يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد، يخدعوك حين يدعوك إلى السّلم، أو الصّلح، أو لتكف عنهم حتّى يستعدوا، أو يفاجئوك بغدر، أو مكر، والخداع: هو محاولة ستر وجه الصّواب عن الآخر؛ لكي يوقعه في مكروه.
﴿فَإِنَّ﴾: الفاء: جواب الشّرط. إن: للتوكيد.
﴿حَسْبَكَ اللَّهُ﴾: الحسب: الكافي، وحسبك: أي: كافيك، أو يكفيك الله؛ أي: لن يستطيعوا خداعك.
﴿هُوَ الَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾: هو ضمير فصل للتوكيد، أيَّدك بنصره: يوم بدر، والباء: للإلصاق، أيَّدك: من التّأييد، وهو التّمكين بالقوة، وبإنزال الملائكة، والمطر، والنّعاس، والرّعب … وغيرها من وسائل النصر، وأضاف سبحانه النصر إلى نفسه؛ لأنه نصر خارق للعادة بإنزال الملائكة والمطر وما حدث في بدر لينصر رسوله ﷺ خاصة، ولذلك قال أيدك بنصره.
﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾: وليس معنى ذلك أنّهم حسبه، وإنما يؤيدونك، أو قوَّاك بنصرتهم لك.
стр. 1818
سورة الأنفال [٨: ٦٣]
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: أيْ: أحدث بينهم الموافقة في الآراء، والتحابَّ، والتوادَّ، والصفاء، وأبعد عنهم التّباغضَ؛ بعد أن كانوا أعداءً تسيطر عليهم الحميَّة، والعصبية، مثال: ألَّف بين الأوس والخزرج (بين المهاجرين والأنصار)، ألَّف بينهم بالإسلام، وأخوَّة الدِّين، ويختلف التألف عن الجمع؛ فقد تجمع بين أفراد القوم، ويبقى بينهم عدم التحابِّ، والتوادِّ.
﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: شرطية، أنفقت ما في الأرض: من مال، أو غيره، جميعاً توكيد.
﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾: ما: النّافية، ألفت بين قلوبهم: ولكن الله ألَّف، ولكن: للاستدراك، والتّوكيد.
﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد.
﴿عَزِيزٌ﴾: القوي الّذي لا يُقهر، ولا يُغلب، والممتنع؛ أيْ: لا يضرُّه أحدٌ من خلقه.
﴿حَكِيمٌ﴾: في تدبير شؤون خلقه، وكونه، حكيم فهو الحاكم، وحكيم من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة الأنفال [٨: ٦٤]
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾: نداء للنبي ﷺ استعمل فيها يا النّداء؛ للبعد، والهاء: للتنبيه، وهو نداء تكريم، وتعظيم، ولم يقل: يا محمّد، أو: يا أيها الرّسول.
стр. 1819
إذا نظرنا في القرآن الكريم: نجد أنّ الله سبحانه حين ينادي على رسله ناداهم بأسمائهم، أمثلة: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّءْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤]، ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: ٤٨]، ﴿يَامُوسَى إِنِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦].
أما حين نادى الله نبيَّه محمّداً؛ فقد ناداه بيا أيها النّبي، وذلك في (١٣) آيةً في القرآن، وناداه بيا أيها الرّسول مرتين في آيتين.
هذا في النّداء، أما في الإخبار، وهو غير النّداء؛ فقد ذكر اسمه محمّد في (٤) آيات، وورد اسم أحمد في آية واحدة، وسنرى سبب ذلك حين بيان تلك الآيات، وهي:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
﴿مُّحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: ٢٩].
﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾: [محمّد: ٢].
والنّداء بـ (يا أيها الرّسول): يأتي في سياق الدّعوة والتّبليغ والرّسالة: مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١].
وباقي النّداءات جاء بيا أيها النّبي، وهو نداء تشريف، وعام، ويأتي في سياق الأمور، والشّؤون الخاصَّة به ﷺ ، وعلى كونه الأسوة، والقدوة للناس، أو في سياق الأحكام الخاصَّة به ﷺ ، وشؤون أسرته، وأزواجه، وأحكام الأسرة المسلمة بشكل عام.
стр. 1820
﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾: الحسب الكافي، وحسبك؛ أيْ: يكفيك أو كافيك.
﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: لا تعني- كما يظن بعض النّاس-: حسبك الله، وحسبك من اتبعك من المؤمنين، وإنما تفسيرها حسبك الله وحده، ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله، أو: يا أيها النّبي حسبك الله، وأيها المؤمنون حسبكم الله؛ «أي: يكفيكم الله وحده»، أو: يا أيها النّبي حسبك الله، وحسب من اتبعك من المؤمنين أيضاً هو الله، والواو في كلمة ومن تبعك؛ تعني: مع، أيْ: حسبك الله مع من تبعك من المؤمنين، الكلّ حسبكم الله ، في كلّ ما تدعونه، أو تحتاجونه في أمور دنياكم، وآخرتكم من النّصر، والرّزق، والتّوكل.
سورة الأنفال [٨: ٦٥]
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾: نداء إلى النّبي. ارجع إلى الآية السّابقة؛ للبيان.
﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: التّحريض: هو الحث، والتّشجيع على فعل الشّيء، ويكون ذلك بإلقاء الخُطب، أو تبيان الحكمة، والموعظة، والتّزيين، وبكونك الأسوة الحسنة، والقدوة الصّالحة.
﴿عَلَى الْقِتَالِ﴾: أي: حثهم على الجهاد، والقتال في سبيل الله.
﴿إِنْ يَكُنْ مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾: إن: شرطية تفيد الاحتمال، والقلَّة.
﴿يَكُنْ﴾: يوجد.
стр. 1821
﴿مِّنكُمْ﴾: خاصَّةً؛ أيْ: من صحابة رسول الله ﷺ ، أو منكم من أتباع رسول الله، وأنصاره من المؤمنين.
﴿عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾: أيْ: أصبح الصّبر عندهم صفة ثابتة.
﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾: أيْ: كلّ مؤمن إذا صبر، وتوكل على الله قادر على أن يقاوم، ويجاهد عشرة رجال من الأعداء.
﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِّائَةٌ﴾: أي: مئة صابرة أيضاً.
﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: الرّجل يغلب (١٠) رجال من الّذين كفروا، فالمعيار الإيماني، أو القوة الإيمانية الواحد يساوي أو يعادل عشرة.
﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: الباء: للإلصاق والتوكيد؛ ما هو الفرق بين بأنهم قوم لا يفقهون، والقول: لا يفقهون؟ إضافة كلمة قوم تدل على عدم الفقه، والفهم عندهم منذ القديم متمكن فيهم؛ أي: أسوء من قوله: بأنهم لا يفقهون؛ لا يفقهون: لا: النّافية، يفقهون: الفقه لغةً: الفهم، واصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية مثل القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها؛ أي: لا يفهمون حكمة الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته، وما هو جزاء الّذين يحاربون الله، ورسوله، والّذين يسعون في الأرض فساداً، فالمؤمن يقاتل بشجاعة، ولا يخاف الشّهادة في سبيل الله، وأما الكافر: فهو يقاتل للحفاظ على حياته، ودنياه، ولا يؤمن بالآخرة، وما فيها.
سورة الأنفال [٨: ٦٦]
﴿الْئَانَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾:
﴿الْئَانَ﴾: ظرف زماني، الآن وقد كثر عدد المسلمين، والمجاهدين في
стр. 1822
سبيل الله، وتغيَّرت وسائل القتال، والحرب من السّيف إلى الصّاروخ، ومن الرّكوب على الجياد إلى الطّائرات … وغيرها.
﴿خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾: الحكم السابق، أو المعادلة الإيمانية السّابقة الواحد يعادل عشرة إلى معادلة جديدة الواحد يعادل اثنين.
﴿وَعَلِمَ أَنَّ﴾: تدل على التّوكيد؛ أيْ: أنّه علم علماً مؤكداً أنّ فيكم ضعفاً.
﴿فِيكُمْ ضَعْفًا﴾: لم يُبيِّن ما هو هذا الضّعف؛ فقد يكون في الاستقامة على الدِّين، وقد يكون في العدَّة، والعتاد، والقوة العسكرية، ويشمل كلَّ ضعف؛ لأنّه نكرة، و (ضعفاً) قد تكون جمع ضعيف.
فمع مرور الزّمن تكثر الفتن، ويضعف الإيمان ويُقبل النّاس على الدّنيا، ومع مرور الزّمن تتغير وسائل الحرب، فتظهر الصّواريخ العابرة للقارات، والطّائرات، ووسائل القتل، والدّمار.
﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فكلّ نصر، أو هزيمة يكون بإرادة الله.
﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: يمدهم بقوته، وبنصره، وبالصّبر، والشّهادة.
ويجب أن لا نظنَّ أنّ الآية الثّانية (٦٦) نسخت الآية الأولى (٦٥): فكلا الحكمين قائمين، فالحكم الأوّل: هو الحد الأعلى، وتمثل المسلمين الأوائل، والحكم الثّاني: هو الحد الأدنى، وتمثل باقي المسلمين والمؤمنين.
سورة الأنفال [٨: ٦٧]
﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:
أسباب النّزول: نزلت هذه الآية في أسرى بدر.
стр. 1823
﴿مَا كَانَ﴾: ما: النّافية. كان: تعني: «ينبغي»؛ أي: ما كان ينبغي أو يصح.
﴿لِنَبِىٍّ﴾: اللام: لام الاختصاص، والتّوكيد، نبي: نكرة، ومعنى ذلك: ما صح لأيِّ نبيٍّ من الأنبياء بما فيهم أنت يا محمّد ﷺ : أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض، وأما لو قال: يا أيها النّبي، أو ما كان للنبي؛ لدلَّ ذلك على المعرفة، ولكانت الآية خاصَّةً به ﷺ .
﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد.
﴿أَسْرَى﴾: جمع أسير: وهو الّذي يقبض عليه من العدو، ويشد عليه بإسار: وهو القيد من الجلد، أو الحديد، هناك فرق بين أسرى، أو أُسارى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. ارجع إلى الآية (٨٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
أسرى: جميع أسير، وأُسارى: جمع أسرى، فأسارى: جمع الجمع. وقيل: الأسرى: الذين في اليد، وأسارى: الذين هم في القيود.
﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِى الْأَرْضِ﴾: حتّى: حرف غاية، وتشير إلى نهاية الغاية، وهي يثخن في الأرض؛ أي: تصبح له شوكة، وقوة عظيمة عندها يصح أن يأخذ أسرى بدلاً من قتلهم؛ أيْ: كان الأصح، والصّواب هو قتل المشركين الكفار يوم بدراً بدلاً من أسر السّبعين رجلاً، ثخن الشّيء: غلَظ وصلب، فهو ثخين؛ كقوله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾: تريدون المال، أو متاع الدّنيا الزّائل الفاني، ويعني هنا: الفداء فداء أسرى بدر بالمال.
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: والله يريد لكم الجنة، والنّعيم المقيم، فلا تبدلوا
стр. 1824
الأعلى بالأدنى، ولم يقل تعالى: والله يريد عرض الآخرة؛ لأن العرض يزول والآخرة متاعها خالد لا يزول.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: قوي، عزيز، لا يُغلب، ولا يُقهر، ممتنع لا يضره أحد من خلقه، حكيم في تدبير شؤون خلقه، وكونه، وحكيم فيما يشرعه لكم؛ لأنّه هو الحاكم، وهو أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة الأنفال [٨: ٦٨]
﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿لَّوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود.
﴿كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾: حكم منه تعالى سبق في اللوح المحفوظ، وهو ألّا يعذِّب أحداً قبل أن يُبيِّن لهم أمراً، أو نهياً ما يفعلون.
﴿لَمَسَّكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص (التّعليل)، والتّوكيد.
﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾: أيْ: من الفدية؛ أي: المال يوم بدر؛ لإطلاق سراح الأسرى.
﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: وهو أشد أنواع العذاب على الإطلاق، والّذي يتضمن الألم الشّديد، والمهين؛ فهذا الكتاب يعني: أنّ الله غفر لأهل بدر ذنوبَهم، وأخطاءَهم.
سورة الأنفال [٨: ٦٩]
﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
بعد نزول الآية السّابقة: امتنع الصّحابة عما أخذوه من الفدية، أو المال، والغنائم، وأصبحوا في حيرة من أمرهم؛ فنزلت هذه الآية.
﴿فَكُلُوا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة، والتّوكيد.
стр. 1825
﴿مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾: من الفدية، والغنائم، مما: من: بعضية، من بعض ما غنمتم، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾: الحلال: ما نصَّ الشارع على حلِّه، والذي لا يتعلَّق به حقُّ الغير، والطيب الطاهر المستحسن غير النجس، أو الخبيث، وسواء أكان طيباً في الواقع، أم لا.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: بطاعة أوامره، وطاعة رسوله، وتجنُّب محارمه.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لما أخطأتم من الأسر، وأخذ الفدية، غفور رحيم: صيغة مبالغة.
﴿غَفُورٌ﴾: كثير المغفرة، يغفر الذنوب جميعاً؛ إلا الشرك، والكفر، ويغفر الذنوب مهما كثرت، وعظمت.
﴿رَحِيمٌ﴾: بكم وبعباده المؤمنين، ومن آثار رحمته: الإمهال، فلا يعجل لهم العقوبة، أو العذاب؛ لعلَّهم يتوبون.
следующие страницы →