← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

﴿مِّنكُمْ﴾: خاصَّةً؛ أيْ: من صحابة رسول الله ﷺ ، أو منكم من أتباع رسول الله، وأنصاره من المؤمنين. ﴿عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾: أيْ: أصبح الصّبر عندهم صفة ثابتة. ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾: أيْ: كلّ مؤمن إذا صبر، وتوكل على الله قادر على أن يقاوم، ويجاهد عشرة رجال من الأعداء. ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِّائَةٌ﴾: أي: مئة صابرة أيضاً. ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: الرّجل يغلب (١٠) رجال من الّذين كفروا، فالمعيار الإيماني، أو القوة الإيمانية الواحد يساوي أو يعادل عشرة. ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: الباء: للإلصاق والتوكيد؛ ما هو الفرق بين بأنهم قوم لا يفقهون، والقول: لا يفقهون؟ إضافة كلمة قوم تدل على عدم الفقه، والفهم عندهم منذ القديم متمكن فيهم؛ أي: أسوء من قوله: بأنهم لا يفقهون؛ لا يفقهون: لا: النّافية، يفقهون: الفقه لغةً: الفهم، واصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية مثل القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها؛ أي: لا يفهمون حكمة الجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته، وما هو جزاء الّذين يحاربون الله، ورسوله، والّذين يسعون في الأرض فساداً، فالمؤمن يقاتل بشجاعة، ولا يخاف الشّهادة في سبيل الله، وأما الكافر: فهو يقاتل للحفاظ على حياته، ودنياه، ولا يؤمن بالآخرة، وما فيها. سورة الأنفال [٨: ٦٦] ﴿الْئَانَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: ﴿الْئَانَ﴾: ظرف زماني، الآن وقد كثر عدد المسلمين، والمجاهدين في

стр. 1822

سبيل الله، وتغيَّرت وسائل القتال، والحرب من السّيف إلى الصّاروخ، ومن الرّكوب على الجياد إلى الطّائرات … وغيرها. ﴿خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾: الحكم السابق، أو المعادلة الإيمانية السّابقة الواحد يعادل عشرة إلى معادلة جديدة الواحد يعادل اثنين. ﴿وَعَلِمَ أَنَّ﴾: تدل على التّوكيد؛ أيْ: أنّه علم علماً مؤكداً أنّ فيكم ضعفاً. ﴿فِيكُمْ ضَعْفًا﴾: لم يُبيِّن ما هو هذا الضّعف؛ فقد يكون في الاستقامة على الدِّين، وقد يكون في العدَّة، والعتاد، والقوة العسكرية، ويشمل كلَّ ضعف؛ لأنّه نكرة، و (ضعفاً) قد تكون جمع ضعيف. فمع مرور الزّمن تكثر الفتن، ويضعف الإيمان ويُقبل النّاس على الدّنيا، ومع مرور الزّمن تتغير وسائل الحرب، فتظهر الصّواريخ العابرة للقارات، والطّائرات، ووسائل القتل، والدّمار. ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فكلّ نصر، أو هزيمة يكون بإرادة الله. ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: يمدهم بقوته، وبنصره، وبالصّبر، والشّهادة. ويجب أن لا نظنَّ أنّ الآية الثّانية (٦٦) نسخت الآية الأولى (٦٥): فكلا الحكمين قائمين، فالحكم الأوّل: هو الحد الأعلى، وتمثل المسلمين الأوائل، والحكم الثّاني: هو الحد الأدنى، وتمثل باقي المسلمين والمؤمنين. سورة الأنفال [٨: ٦٧] ﴿مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِى الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أسباب النّزول: نزلت هذه الآية في أسرى بدر.

стр. 1823

﴿مَا كَانَ﴾: ما: النّافية. كان: تعني: «ينبغي»؛ أي: ما كان ينبغي أو يصح. ﴿لِنَبِىٍّ﴾: اللام: لام الاختصاص، والتّوكيد، نبي: نكرة، ومعنى ذلك: ما صح لأيِّ نبيٍّ من الأنبياء بما فيهم أنت يا محمّد ﷺ : أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض، وأما لو قال: يا أيها النّبي، أو ما كان للنبي؛ لدلَّ ذلك على المعرفة، ولكانت الآية خاصَّةً به ﷺ . ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿أَسْرَى﴾: جمع أسير: وهو الّذي يقبض عليه من العدو، ويشد عليه بإسار: وهو القيد من الجلد، أو الحديد، هناك فرق بين أسرى، أو أُسارى: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]. ارجع إلى الآية (٨٥) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. أسرى: جميع أسير، وأُسارى: جمع أسرى، فأسارى: جمع الجمع. وقيل: الأسرى: الذين في اليد، وأسارى: الذين هم في القيود. ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِى الْأَرْضِ﴾: حتّى: حرف غاية، وتشير إلى نهاية الغاية، وهي يثخن في الأرض؛ أي: تصبح له شوكة، وقوة عظيمة عندها يصح أن يأخذ أسرى بدلاً من قتلهم؛ أيْ: كان الأصح، والصّواب هو قتل المشركين الكفار يوم بدراً بدلاً من أسر السّبعين رجلاً، ثخن الشّيء: غلَظ وصلب، فهو ثخين؛ كقوله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾: تريدون المال، أو متاع الدّنيا الزّائل الفاني، ويعني هنا: الفداء فداء أسرى بدر بالمال. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: والله يريد لكم الجنة، والنّعيم المقيم، فلا تبدلوا

стр. 1824

الأعلى بالأدنى، ولم يقل تعالى: والله يريد عرض الآخرة؛ لأن العرض يزول والآخرة متاعها خالد لا يزول. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: قوي، عزيز، لا يُغلب، ولا يُقهر، ممتنع لا يضره أحد من خلقه، حكيم في تدبير شؤون خلقه، وكونه، وحكيم فيما يشرعه لكم؛ لأنّه هو الحاكم، وهو أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. سورة الأنفال [٨: ٦٨] ﴿لَّوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿لَّوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾: حكم منه تعالى سبق في اللوح المحفوظ، وهو ألّا يعذِّب أحداً قبل أن يُبيِّن لهم أمراً، أو نهياً ما يفعلون. ﴿لَمَسَّكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص (التّعليل)، والتّوكيد. ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾: أيْ: من الفدية؛ أي: المال يوم بدر؛ لإطلاق سراح الأسرى. ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: وهو أشد أنواع العذاب على الإطلاق، والّذي يتضمن الألم الشّديد، والمهين؛ فهذا الكتاب يعني: أنّ الله غفر لأهل بدر ذنوبَهم، وأخطاءَهم. سورة الأنفال [٨: ٦٩] ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: بعد نزول الآية السّابقة: امتنع الصّحابة عما أخذوه من الفدية، أو المال، والغنائم، وأصبحوا في حيرة من أمرهم؛ فنزلت هذه الآية. ﴿فَكُلُوا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة، والتّوكيد.

стр. 1825

﴿مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾: من الفدية، والغنائم، مما: من: بعضية، من بعض ما غنمتم، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي. ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾: الحلال: ما نصَّ الشارع على حلِّه، والذي لا يتعلَّق به حقُّ الغير، والطيب الطاهر المستحسن غير النجس، أو الخبيث، وسواء أكان طيباً في الواقع، أم لا. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: بطاعة أوامره، وطاعة رسوله، وتجنُّب محارمه. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لما أخطأتم من الأسر، وأخذ الفدية، غفور رحيم: صيغة مبالغة. ﴿غَفُورٌ﴾: كثير المغفرة، يغفر الذنوب جميعاً؛ إلا الشرك، والكفر، ويغفر الذنوب مهما كثرت، وعظمت. ﴿رَحِيمٌ﴾: بكم وبعباده المؤمنين، ومن آثار رحمته: الإمهال، فلا يعجل لهم العقوبة، أو العذاب؛ لعلَّهم يتوبون.

стр. 1826

سورة الأنفال [٨: ٧٠] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لِمَنْ فِى أَيْدِيكُم مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أسباب النّزول: كما روى الطبراني، والكلبي، قيل: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ﵁ الّذي خرج إلى بدر قبل إسلامه مع مشركي مكة، وكان معه كمية من الذّهب الّتي كان ينوي إنفاقها على إطعام العرب أيام بدر، وبعد أن أُسر دفعها فدية لنفسه، وأخذها رسول الله ﷺ ، وبعد أن أسلم، وحسن إسلامه طلب من الرسول أن يرد عليه ما أُخذ منه من فدية؛ فنزلت هذه الآية. ﴿قُلْ لِمَنْ فِى أَيْدِيكُم مِنَ الْأَسْرَى إِنْ﴾: شرطية، وتفيد الاحتمال، أو الندرة. ﴿يَعْلَمِ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾: أيْ: فيه الدخول في الإسلام والإيمان والإخلاص. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ﴾: من الفدية؛ أيْ: يخلفكم خيراً، مما أُخذ منكم أضعافاً مضاعفة في الدّنيا والآخرة. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾: ذنوبكم وسيئاتكم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (٦٩) من نفس السورة. سورة الأنفال [٨: ٧١] ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: قيل: هذه الآية نزلت في أسرى بدر حين طلب بعض الأسرى من

стр. 1827

رسول الله ﷺ أن يسمح لهم بالذّهاب إلى مكة؛ لكي يحضروا له الفداء، وخشي رسول الله ﷺ أن تكون هذه خدعةً، واحتيالاً؛ لكي يطلق سراحهم حتّى يحضروا الفدية، أم هذه حيلة وخيانة للنجاة، أو يراد بهم الأسرى الذين أخذ منهم الفداء وأظهروا إسلامهم إذا عادوا إلى مكة خانوك وعادوا إلى الكفر. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾: وإن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الشّك، وقيل: معنى إن يريدوا خيانتك: بالكفر بعد الإسلام؛ أي: الردّة بعد أن نطقوا بالشّهادة، وعادوا إلى ديارهم، وعادوا إلى الكفر، فلا تبالِ بهم. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشّرط، قد: تحقيق، وتوكيد. ﴿خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾: أيْ: إن عادوا إلى الخيانة فسيمكنك الله منهم: بقتلهم، أو أسرهم، كما فعل ببدر، خانوا الله: بكفرهم، ونقضهم عهدهم، وعدم إيمانهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: عليم: بأيِّ خيانة يمكن أن يقوموا بها، أو عليم بنواياهم، وما تخفي صدروهم، وعليم: كثير العلم؛ صيغة مبالغة لعالم. ﴿حَكِيمٌ﴾: في تدبيره لخلقه، وما يأمرهم، ويفرض عليهم ويجازيهم عليه. وحكيم مشتقة من الحكم؛ فهو أحكم الحاكمين، أو مشتقة من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء في تشريعه، وما يفرض من الأحكام. سورة الأنفال [٨: ٧٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ

стр. 1828

شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. هناك ملاحظة يجب الإشارة إليها، وهي إذا جاءت إنَّ في مطلع آية الجهاد، كما في هذه الآية نرى تأخير جملة في سبيل الله إلى ما بعد ذكر أموالهم وأنفسهم، وإذا لم تجئْ إن، أو تذكر في مطلع آية الجهاد؛ فإنّ ذلك يصاحبه تقديم كلمة في سبيل الله على الأموال والأنفس، وهذه الملاحظة قد تساعد حافظ القرآن. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: آمنوا بالله، ورسوله، وما أنزل الله، وكتبه، وملائكته، واليوم الآخر. ﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: من دار الحرب، والكفر إلى دار الإسلام إلى المدينة، وإلى الحبشة، أو غيرها، وهم المهاجرون، وتركوا أموالهم، وديارهم استجابة لله ورسوله. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿آوَوْا﴾: أسكنوا المهاجرين ديارهم. ﴿وَّنَصَرُوا﴾: المهاجرين على أعدائهم، آووا ونصروا: هم الأنصار. ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: أي: المهاجرين، والأنصار بعضهم أولياء بعض في الموالاة؛ أي: المودة، والمحبة، والمعونة، والنّصرة، وتبادل الأسرار، والنّصرة: ينصر بعضهم بعضاً. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾:

стр. 1829

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا﴾: خوفاً على أموالهم، وديارهم، وبقوا في مكة، لا ولاية لهم؛ أيْ: لا تولوهم حتّى يهاجروا. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية «نهاية الغاية»؛ أي: متى هاجروا؛ ارجعوا إلى ولايتهم. ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ﴾: ﴿وَإِنِ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والنّدرة. ﴿اسْتَنصَرُوكُمْ فِى الدِّينِ﴾: أيْ: طلبوا منكم أن تنصروهم في الدِّين على المشركين؛ فعليكم واجب نصرتهم، ولكن بشرط: ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ﴾: عهد مؤكد. إلا: أداة استثناء؛ أي: لا تنصروا الّذين طلبوا منكم النّصرة في الدِّين على هؤلاء الّذين عاهدتم، ولا يجوز نقض العهد معهم. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: بصير بظواهر الأمور وبواطنها، بصير بما تقولون، وتفعلون. سورة الأنفال [٨: ٧٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: ويجب الانتباه إلى أمر مهم: هو أن موالاة المؤمنين بعضهم لبعض أمر تشريعي شرعه الله تعالى، وكذلك عدم موالاة الكفار؛ بينما موالاة الكافرين بعضهم لبعض أمر كوني فرضته الحال، والحاجة، والمصالح الاجتماعية، وليس أمراً تشريعياً؛ أيْ: هو أمر وضعيٌّ من وضع البشر.

стр. 1830

﴿إِلَّا﴾: إلا: أصلها: إن: الشّرطية؛ تفيد الاحتمال، لا: النّافية. ﴿تَفْعَلُوهُ﴾: ما شرع لكم من موالاة المسلمين ونصرتهم؛ أيْ: ولاية بعضكم لبعض. ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ﴾: ابتلاء في الأرض، وشرٌّ، والابتلاء أشدُّ من الفتنة. ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾: أي: انتشار للفساد في الأرض، وانتشار الشّرك والكفر، والقتل، والتشرد، وانتصار للباطل على الحق، وفساد في الدِّين، وإهلاك للحرث، والنسل، وسفك الدّماء. سورة الأنفال [٨: ٧٤] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: هذه الآية ليست تكراراً للآية السّابقة (٧٢)، فهذه الآية تتحدث عن ثواب، ومنزلة الّذين آمنوا وهاجروا، وجاهدوا في سبيل الله «المهاجرين»، والّذين آووا ونصروا «الأنصار» إذا أطاعوا أمر الله، ووالَى بعضهم بعضاً، وطبَّقوا شرع الله. ﴿وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ولم يذكر بالمال، أو بالنفس ليكون شاملاً لكل من يريد أن يجاهد في سبيل الله تعالى بأي شيء كان. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، يشير إلى علو المنزلة. ﴿هُمُ﴾: تفيد التّوكيد. ﴿الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: أيْ: حقاً في كمال الإيمان؛ فهم في طليعة المؤمنين مقارنة بالمؤمنين الذين لم يهاجروا.

стр. 1831

﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾: لهم خاصَّةً، مغفرة: تُمحَى عنهم سيئاتهم وذنوبهم. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: لا ينقطع في الجنة، رزق مبارك من دون تعب، ولا جهد، ولا مشقة. سورة الأنفال [٨: ٧٥] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾: انظر كيف لم يحدد (من بعد) فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾، ولم يقل: من بعد ذلك؛ لتدل على الإطلاق والعموم، وتشمل كل مؤمن آمن من بعد، ومنهم من فسر من بعد صلح الحديبية، وتأخرت هجرتهم عن الهجرة الأولى، وهؤلاء الّذين آمنوا قيل هم الّذين وصفهم الله تعالى في سورة الحشر، الآية (١٠): ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. ﴿وَهَاجَرُوا﴾: إلى المدينة، والسّؤال: هل كانت هناك هجرة أخرى؟ الجواب: لا، وقيل: هجرة إلى الله في سبيل مرضاة الله؛ للجهاد في سبيله، وإعلاء كلمته، والانضمام إلى صفوف المؤمنين. ﴿فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾: الفاء: للتأكيد، أولئك: اسم إشارة؛ يفيد المدح، منكم: أيها المهاجرون والأنصار، أو أيها المؤمنون. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾: أي: ذوو الأرحام الّذين تربطهم رابطة الرحم؛ أي: النّسب والدّم. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾: في حقِّ الميراث؛ أيْ: في الإرث من التّوارث

стр. 1832

بالهجرة، أو الموالاة بالإيمان. ارجع إلى سورة الأحزاب، آية (٦)؛ لمزيد من البيان. ﴿فِى كِتَابِ اللَّهِ﴾: في اللوح المحفوظ، وفي القرآن، أو في حكم الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿بِكُلِّ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. ﴿شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: بكل ما شرعه لكم من الأحكام في علم المواريث، وعليم بما تفعلونه في قسمة الميراث، وما تحلُّونه، وما تحرِّمونه في التّوارث. وعليم بالهجرة، أو الجهاد، والموالاة، وكلِّ ما تقومون به من قولٍ أو فعلٍ.

стр. 1833

سورة التوبة [٩: ١] سورة التوبة سورة التّوبة [الآيات ١ - ٦] ترتيبها في القرآن (٩)، وترتيبها في النزول (١١٣). تسميتها: لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ﴾، ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِىِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾، ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾، ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾. وسورة براءة؛ لقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وعن ابن عباس قال: إنها الفاضحة. وهي السّورة الوحيدة في القرآن الّتي لم تبدأ بـ: بسم الله الرّحمن الرّحيم، وقيل في أسباب عدم ذكر التسمية، وهو أمر توقيفي: ١ - أنّ بسم الله الرّحمن الرّحيم؛ تعني: الأمان، والرّحمة، وبراءة تنافي الرّحمة، والأمان، كما قال ابن عباس، وجاء في تفسير الرازي. ٢ - أنّ سورة الأنفال، وسورة التّوبة واحدة؛ لأن سورة التوبة متممة لسورة الأنفال؛ فسورة الأنفال ذكر فيها العهود، وبراءة نقضها. نزلت سورة التّوبة في السنة التاسعة من الهجرة، وهي السّنة الّتي حدثت فيها غزوة تبوك، وهي آخر غزوات الرّسول ﷺ . ترتيب نزولها هي السّورة (١١٣) في ترتيب نزول السّور، وسور القرآن (١١٤)، نزلت قبل سورة النّصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ الّتي هي آخر سورة نزلت، كما قال ابن عبّاس في «صحيح مسلم».

стр. 1834

﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أيْ: هذه براءة من الله ورسوله. أو ﴿بَرَاءَةٌ﴾: بالتّنوين: مصدر لفعل برأ يبرأ، والتّنوين، أو المجيء، أو البدء بالمصدر: للتفخيم. ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: لزيادة التّفخيم، والتّهويل؛ من الله ورسوله، ولم يقل: من الله، ومن رسوله؛ لأنّ براءة الله، وبراءة رسوله هي واحدة، نفس البراءة. و ﴿بَرَاءَةٌ﴾ من برئ؛ أيْ: سَلِم، أو تخلى، أو قطع من العيب، أو الدّين، أو الحماية، أو العهد، أو لم يبق ثمة علاقة، أو صلة، أو عهد مع المشركين؛ أيْ: هذا أمر من الله ورسوله بقطع، ونبذ عهود الموالاة للمشركين؛ الّذين عاهدتم منهم. والخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ ، وأصحابه بالتّخلي عن كلّ العهود المبرمة مع المشركين؛ مثل: قبائل خزاعة، وبني مدلج، وبني خزيمة، وغيرهم. وسبب هذه البراءة؛ لأنّ المشركين لم يوفوا بما عاهدوا عليه المؤمنين، فجاء الأمر الرّباني بنقض العهد معهم. و ﴿عَاهَدْتُمْ﴾: من العهد، والمعاهدة: عقد العهد بين طرفين التزم كلٌّ منهما بقبول شروط العقد، وكانت العهود توثق بوضع كلّ طرف يده اليمنى بيمين الآخر، ولذلك سمِّيت أيماناً. ارجع إلى الآية (٢٧) من سورة البقرة؛ للبيان. سورة التوبة [٩: ٢] ﴿فَسِيحُوا فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِى الْكَافِرِينَ﴾: ﴿فَسِيحُوا فِى الْأَرْضِ﴾: فسيحوا: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، سيحوا في الأرض أربعة أشهر: أيْ: سيروا في الأرض بحرية آمنين أربعة أشهر دون قتال؛ فمن كان له عهد أقل من أربعة أشهر؛ فأجله إلى مدته، ومن كان له عهد أكثر من أربعة أشهر فأجله أربعة أشهر، ولا أمان، ولا حرية بعدها.

стр. 1835

﴿فَسِيحُوا﴾: من السّياحة، والسّياحة في الأصل: جريان الماء، كما تمليه الطّبيعة، ثم استعملت في السّير، وسبب هذه الأربعة أشهر حتّى لا يُنسب إلى المسلمين الغدر، أو نبذ العهد دون إعلان، أو إنذار. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: تبدأ من قراءة علي ﵁ لهم هذا الإنذار في منى من السّنة التّاسعة للهجرة، وكان معه أبو بكر ﵁. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ﴾: أنكم: تفيد التّوكيد. غير معجزي الله: بالهرب، أو التّحصُّن، أو الخفاء بعد هذه المهلة؛ أيْ: لا تفوتونه. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِى الْكَافِرِينَ﴾: وأنّ: للتوكيد، مخزي: من الخزي: وهو الذّل، والفضيحة في الدّنيا، والآخرة، سواء أكان ذلك بالقتل، والتّشريد، أم العذاب بالبأساء، والضّراء في الدّنيا، وفي الآخرة بعذاب النّار. سورة التوبة [٩: ٣] ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِاءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: ﴿وَأَذَانٌ﴾: أيْ: إعلام، أو بلاغ من الله، ورسوله: وهو ما قرأه علي ﵁ عليهم في منى، وأذان: مصدر أذن. ﴿إِلَى النَّاسِ﴾: جميعاً من عاهد، أو لم يعاهد، ومن نكث، أو لم ينكث بعهده. ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾: وسمِّي الحجَّ الأكبرَ؛ لأنّه الحج الوحيد الّذي اجتمع فيه الكفار، والمؤمنون معاً، وبعدها لم يسمح لهم بالاقتراب من المسجد الحرام، وقد يكون لتسمية الحج الأكبر أسباب أخرى؛ منها: كون يوم عرفة كان يوم الجمعة، أو الحج الأكبر؛ لأنّه كان حج قران (عمرة، وحج معاً).

стр. 1836

﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِاءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾: أنّ: للتوكيد، الله بريء من المشركين ورسوله: هذا هو نص الأذان، وهنا يجب الانتباه إلى أمرين: الأوّل: قولُهُ: ورسولُهُ: بالضّم، ولو جاءت بالفتح: ورسولَهُ: لكان ذلك يعني: أنّ الله بريء من المشركين، وبريء من رسوله، وهذا خطأ فاحش. والأمر الثّاني: لو عطف بالرّفع، وقال: أنّ الله بريء من المشركين، ورسولَه: لكانت براءة الرّسول بمنزلة براءة الله، وهذا غير صحيح؛ لأنّ براءة الرّسول ﷺ تابعة لبراءة الله، ولذلك عطف بالرّفع على منصوب؛ ليفيد كلا المعنيين. فإن: الفاء: للتوكيد، إنّ: شرطية تفيد الاحتمال. ﴿تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: رغم الإعلام بالبراءة، وإمهاله أربعة أشهر لا يغلق الله سبحانه باب رحمته أبداً بالتّوبة؛ فإن تبتم من الكفر، والغدر، ونقض العهود؛ فهو أفضل لكم وخيرٌ. ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: وإن: شرطية؛ تفيد النّدرة، والقلة. ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: عن التّوبة، أو الوفاء، بالعهود، وامتثال أوامر الله ورسوله. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ﴾: اعلموا علم اليقين. ﴿غَيْرُ مُعْجِزِى اللَّهِ﴾: فائتين (ناجين) من عقابه، وعذابه. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: البشارة عادة هي الإعلام بخبر سار لأول مرة، ولكن استعملت هنا: للتهكم، والتقريع بهم، بدلاً من القول، وأنذر؛ قال وبشر بعذاب أليم، لا يستطيع أحد على تحمله. سورة التوبة [٩: ٤] ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء؛ أيْ: يستثنى من هذا الإنذار، والإعلام الأربعة أشهر.

стр. 1837

﴿الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾: أي: الّذين لم ينقضوا عهدهم معكم، أو لم ينقضوا من بنود العهد شيئاً. ﴿شَيْئًا﴾: نكرة؛ أيْ: لم يقتلوا منكم أحداً، ولم ينقصوكم من الممتلكات شيئاً؛ بالاستيلاء على أموالكم، أو التّعرض لتجارتكم، ولم تبدر منهم أيُّ خيانة أمثال بني بكر، وبني ضمرة. ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾: أيْ: لم يُعينوا عليكم أحداً، يظاهروا: اشتقت من رفع الحمل على الظّهر، ولكي ترفعه على الظّهر تحتاج إلى من يساعد على رفعه. ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾: أيْ: أتموا العهد إلى مدته مهما طالت، والوفاء بالعهد من فرائض الإسلام، والفاء: للمباشرة، والتّوكيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: جاء بكلمة المتقين؛ لأنّ من يوفي بالعهد هو من المتقين، والمتقين الّذين امتثلوا لأوامر الله تعالى، وقالوا: سمعنا، وأطعنا، وتجنَّبوا نواهيه. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد، يحب المتقين، وجاءت كجملة اسمية؛ لتدل على ثبوت صفة الوفاء بالعهد، والتّقوى. سورة التوبة [٩: ٥] ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: عاطفة، إذا: شرطية؛ تفيد حتمية الحدوث. ﴿انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾: انسلخ: انقضت وانتهت، وخرجت الأشهر الحرم؛ أيْ: أشهر الأمان الأربعة الّتي أبيح فيها للمشركين الّذين نقضوا عهدهم أن يسيحوا في الأرض بأمان، وشبه انقضاء الأشهر الأربعة بما يقوم به الجزار بسلخ

стр. 1838

الجلد عن الحيوان المذبوح، وقال تعالى: انسلخ، ولم يقل: انسلخت؛ ذكر الفعل، والتّذكير يدل على جمع القلَّة. ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾: فاقتلوا المشركين الّذين نكثوا عهدهم. ﴿حَيْثُ﴾: ظرف مكان، وجدتموهم؛ أيْ: في أيِّ مكان في الحلِّ، والحرم. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾: أيْ: أسرى إذا تعذَّر قتلهم. ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾: أي: احبسوهم، والحصر؛ يعني: قيِّدوا حركاتهم، (ويكون بالسجن). ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: أي: ارصدوا حركاتهم؛ أيْ: راقبوها حتّى تأمنوا مكرهم، وأفعالهم، وأقوالهم. كلّ: تفيد التّوكيد؛ أيْ: لا يغيبوا عن أعينكم، والمرصد: هو الموضع الّذي يرَاقب فيه العدو. ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ثم بعد الأخذ، والحصر، والرّصد لا زال باب التّوبة مفتوح لهم؛ لأن الله سبحانه غفور رحيم بعباده. ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾: الفاء: للتعقيب، تابوا من الكفر، ومعاداة المسلمين، ودخلوا الإسلام، وأعلنوا الشّهادة. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: أدوا الصّلاة الّتي هي عماد الدّين، بجميع أركانها، وشروطها، وأوقاتها، والمحافظة عليها، ودوامها. ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾: الّتي تحقق التّكافل الاجتماعي. ارجع إلى الآية (٤٣) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾: أطلقوا سراحهم، واتركوهم وشأنهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: إنّ: تفيد التّوكيد بغفور رحيم.

стр. 1839

﴿غَفُورٌ﴾: صيغة مبالغة كثير المغفرة، وتعني: ستر الذنب، وترك العقاب، يغفر الذنوب مهما كثرت، وعظمت؛ إلا الشرك، والكفر. ﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من الرحمة؛ رحيم بعباده المؤمنين، لا يعجل لهم العقاب؛ لعلهم يتوبون. سورة التوبة [٩: ٦] ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: استئنافية، إن: شرطية؛ تفيد قلة الحدوث، أو النّدرة. ﴿اسْتَجَارَكَ﴾: طلب الحماية من أجاره تكفل بحمايته، استجارك: الألف، والسين، والتّاء؛ تعني: الطّلب، طلب جوارك؛ أيْ: حمايتك، واستأمنك من القتل فأجره. ﴿فَأَجِرْهُ﴾: أيْ: أزل عنه الجور، وأمنه، واحميه. ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾: حتّى: حرف غاية، ويفيد منتهى الغاية؛ حتّى يسمع كلام الله؛ أي: القرآن، ويطلع عليه، ويفكر فيه، ويتدبره، أو حتّى يتوب، أو يعلن الشهادة: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتّراخي، أبلغه مأمنه، وبما أنه طلب منك الحماية؛ فخذه إلى مكان آمن، أو مسكنه، أو دار قومه، أو أين ما يطلب منك. ﴿ذَلِكَ﴾: التّكفل بحمايته، وأمنه. ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾: الباء: للتعليل، وللتوكيد، أو للسببية؛ بسبب أنّهم لا يعلمون، قوم جهلة لا يعلمون ما الإسلام، ولا ما أنزل الله على رسوله ﷺ .

стр. 1840

سورة التّوبة [الآيات ٧ - ١٢] سورة التوبة [٩: ٧] ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: ﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام، والاستبعاد، والتّعجب، استبعاد ثبات المشركين على أيِّ عهد يصدر عنهم، والعهد: تعريفه كما بينا في الآية (١) من سورة التّوبة، وآية (٢٧) من سورة البقرة. ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾: كيف يكون؟ الجواب: لا يكون، أو لا عهد لهم. وعهد جاءت بصيغة النّكرة للتعظيم؛ أيْ: مهما كان نوعه صغيراً، أو كبيراً، أو مع أيِّ طرف. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف زمان، ومكان؛ أيْ: لا عهد لهم عند الله، ولا عند رسوله، وتكرار عند: للتوكيد، وكلاً على حدة؛ أيْ: لا عهد لهم عند الله، ولا عند رسوله، ولا كلاهما معاً. ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: إلا: أداة استثناء، عاهدتم عند المسجد الحرام. قيل: هم بنو بكر، وبنو ضمرة، وهم المستثنون من قبل في الآية (٤) من سورة التّوبة. ﴿عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أيْ: قرب المسجد الحرام. ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾: ما: شرطية، أو مصدرية.

стр. 1841

﴿اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾: أيْ: حافظوا على عهدهم، ولم ينقضوه. ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾: أيْ: وأنتم حافظوا على عهدكم إليهم، ولا تنقضوه، والفاء: للمباشرة والتّوكيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: الّذين يوفون بعهدهم إذا عاهدوا؛ الّذين أطاعوا أومر الله، وتجنبوا نواهيه، وتكرار إنّ الله يحب المتقين: يؤكد حبه للمتقين الّذين من بين صفاتهم الثّابتة: الوفاء بالعهد، والتّقوى، المتقين: جملة اسمية تدل على الثّبوت، بثبوتهم على التقوى، والاستقامة. سورة التوبة [٩: ٨] ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾: ﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام، والاستبعاد، والتّعجب من أن يكون لهم عهد، وحذف الفعل، ولم يكرِّره مرة أخرى؛ لأنّه أصبح معلوماً. ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: إن: شرطية. ﴿يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: أيْ: يتمكنوا منكم، أو تكون لهم قوة، أو يجدوا من يظاهرهم عليكم فعندها: ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾: لا: النّافية، يرقبوا: من الرّقيب، الرّقابة: تعني: الحراسة، والمراقب الحارس؛ أيْ: لا يحافظوا على عهد، ولا قرابة، ولا جوار، ولا حلف، ولا قسم، ولا أمانة. ﴿فِيكُمْ﴾: في: ظرفية زمانية ومكانيه؛ أيْ: لا يرقبوا في أيِّ زمان، ولا مكان. ﴿إِلًّا﴾: الإل: الحلف، أو اليمين، أو العهد، أو القرابة، والجوار.

стр. 1842

﴿وَلَا ذِمَّةً﴾: الذّمة: الأمانة، أو حقاً؛ أي: الوفاء بالأمانة الّتي ليس عليها شهود، أو كتابة، أو يؤدِّي حقاً لأهله. ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: أيْ: يظهرون لكم الكلام الحسن الجميل، والنون في يرضونكم: بدلاً من يرضوكم للتوكيد؛ أيْ: مجرد كلام، أو لغو لا قيمة لما يقولون. ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾: الإيفاء بالعهد، أو تأبى قلوبهم إلا الغدر، ونكث العهد، والخيانة. ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾: وأكثرهم خارجون عن طاعة الله، ورسوله، وعن دِين الإسلام، كاذبون، وناقضون للعهد، والميثاق. سورة التوبة [٩: ٩] ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: اشترى: أخذ المادة المشتراة، ودفع الثّمن؛ أيْ: أخذوا الثّمن القليل (المال، أو الجاه)، ودفعوا الثّمن آيات الله (أيْ: إيمانهم)؛ لأنهم امتنعوا عن الاستماع إلى آيات الله (آيات القرآن)، ولذلك لم يؤمنوا فخسروا إيمانهم، ولو استمعوا؛ لآمنوا. أسباب نزول هذه الآية: روي أنّ أبا سفيان كان يجمع الأعراب بين الحين والآخر على طعامه؛ ليكونوا في حِلفِه. في هذه الآية يقول الحق سبحانه: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. وفي الآية (٧٧) من سورة آل عمران يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. وفي الآية (١٧٧) من سورة آل عمران: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾.

стр. 1843

إذن: هم اشتروا المال، والكفر، ودفعوا آيات الله، أو عهد الله وأيمانهم ثمناً لذلك. ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: وصف الثّمن بالقليل؛ لأن ليس هناك ما يساوي، أو أفضل من ثمن النّجاة من النّار، والفوز بالجنة؛ فمهما أخذوا من أموال طائلة؛ تبقى قليلة مقابل ما خسروا. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾: صدوا أنفسهم عن دين الإسلام، والإيمان، وصدوا غيرهم؛ أيْ: منعوهم من الدّخول في دين الإسلام، أو منعوا غيرهم من الوفاء بالعهد، أو منعوهم من طاعة الله، والتّقرب إليه بشتى الوسائل: بالتّعذيب، والاضطهاد، أو الرّشوة، ومنعهم من الاستماع إلى القرآن، واللغو حين تلاوته؛ حتّى لا يفهم منه شيئاً، أو يمنعون النّاس من الاتصال برسول الله ﷺ . ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ﴾: للتوكيد، ساء: قبح، وساء من أفعال الذّم، وتعني: كذلك بئس. ﴿مَا﴾: اسم موصول، أو مصدرية؛ أيْ: بئس وقبح الّذي، أو بئس العمل عملهم. ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: يعملون: تضم الأقوال، والأفعال؛ أيْ: ساء، أو بئس ما يقولون، أو يفعلون. سورة التوبة [٩: ١٠] ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾: ﴿لَا يَرْقُبُونَ﴾: لا: النّافية، يرقبون: من راقب؛ أيْ: حافظ، والمراقب الحارس الّذي يحرس الأشياء، لا يرقبون: لا يحافظون، ولا يراعون عهداً، أو أمانة مع أيِّ مؤمن، والفاعل هنا كفار مكة، ومَن حولهم من الأعراب، والمنافقين، واليهود. ﴿فِى﴾: ظرفية زمانية ومكانية.

стр. 1844

﴿مُؤْمِنٍ﴾: أيِّ مؤمن. ﴿إِلًّا﴾: الإل العهد، وقيل: القرابة، أو الجوار، أو اليمين، والقسم. ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾: ولا حق، ولا أمانة، وتكرار (لا) تفيد التّوكيد، وفصل كلّ من الإل والذّمة؛ فهم لا يرقبون لا الإل لوحده، أو الذّمة لوحدها، أو كلاهما. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد؛ يفيد الذم. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿الْمُعْتَدُونَ﴾: جمع معتدٍّ؛ أيْ: هم المعتدون. المعتدي: هو من تجاوز الحد في الظّلم، ظلم الغير، حقاً من بين كلّ الأعداء؛ أيْ: هم في طليعة الأعداء، والمعتدون: جملة اسمية؛ تعني: أنّ صفة الاعتداء أصبحت عندهم ثابتة، لا تتغيَّر. سورة التوبة [٩: ١١] ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: هذه الآية تؤكد لنا: أنّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وأنّ باب التّوبة مفتوح. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب. إن: شرطية، ولم يقل: فإذا تابوا؛ استعمال (إنْ): يدل على الاحتمال، والشّك، وقلة الحدوث، ولو استعمل فإذا تابوا: لدلَّ على حتمية الحدوث، وأن توبتهم مؤكَّدة. ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشّرط؛ تفيد التّوكيد. ﴿فِى﴾: ظرفية ﴿الدِّينِ﴾، الإخوة نوعين: إخوة النّسب والدّم، وهناك الإخوة في الدّين والعقيدة، وشاء الله أن يرفع الإيمان إلى مرتبة النّسب؛ فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فما دام قد دخلوا معنا في الإيمان؛ فأصبح لهم حق إخوة النّسب في التّواد، والتّراحم، بل جعل إخوة الدّين أهم من إخوة الدّم، والنّسب. ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: نفصل؛ أيْ: نأتي بالآيات بأشكال وألوان متعدِّدة، ومواضيع مختلفة؛ لكي يتعلم النّاس، ويفقهوا أمور دينهم، واللام في

стр. 1845

لقوم: لام الاختصاص؛ أيْ: نفصل هذه الآيات لقوم يعلمون؛ أي: يتفكرون أولاً، ثم يتدبرون، ثم يفقهون، ثم يعلمون ما في الآيات من أحكام ومواعظ وأسرار. سورة التوبة [٩: ١٢] ﴿وَإِنْ نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِى دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة، إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال. ﴿نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم﴾: نقضوا أيمانهم، وعهودهم، وإن نكثوا أيمانهم: هذا القول يثبت أنّ لهم أيمان، ولكن حين قال بعدها لا أيمان لهم؛ نفى عنهم الأيمان أصلاً. ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾: للتوكيد، ومن: تعني بعد الزّمن القصير مما يدل على أيمانهم لا تطول. ﴿وَطَعَنُوا فِى دِينِكُمْ﴾: الطّعن في الدِّين: أن يعاب، ويعني: السّب، والشّتم، والإساءة بالقول، والفعل، وأنّ الدِّين ناقص، وغير كامل، وأصل الطّعن: طعن الجسم بالآلة الحادة؛ كالسكين، أو الرّمح؛ لإفساده، أو طعنوا الرّسول ﷺ ، أو الصحابة بسبب إيمانهم. ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾: فقاتلوا: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والتّوكيد، أئمّة الكفر: زعماء الكفر، وقادته؛ أيْ: رؤساء المشركين، وقادتهم. ﴿إِنَّهُمْ﴾: للتوكيد. ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾: لا: النّافية للجنس، أيمان: عهود لهم صادقة، وقيل: لا أمان لهم؛ أيْ: بطل أمانهم؛ لأنّهم نقضوا عهدهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: لعل: للتعليل، ينتهون؛ أيْ: لينتهوا بأنفسهم عن نقضهم الأيمان، والطّعن في الدِّين، ومحاربة الإسلام، أو لعلَّ قتالكم لهم يُنهي كلّ ذلك.

стр. 1846

سورة التوبة [٩: ١٣] ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿أَلَا﴾: أداة حضٍّ، وحثٍّ على القتال. ﴿تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: نقضوا عهودهم؛ مثل: نقض عهد الحديبية … وغيره. ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾: هموا: عقدوا، وعزموا النّية على إخراجه من مكة؛ حين اجتمعوا في دار النّدوة. ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: بدؤوا بالعداوة، ومحاربتكم، والصّد عن الإسلام من أوّل ما بدأ ﷺ يدعو النّاس إليه، أو بدؤوكم بنقض العهود بالقتال يوم بدر، أو في غيره من المواقع. ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، وتفيد النّفي؛ أيْ: لا تخشوهم؛ أيْ: لا يصح أن تخشوهم، أو تخافوهم، أو ما الّذي يمنعكم من قتالهم؛ إلا أن تكونوا خائفين منهم، أو تخافون أن يغلبوكم، أو ينالكم منهم مكروه، وهنا أنتم أمام حالين: إما أن تخشوهم، أو تخشوا الله سبحانه، والله سبحانه هو أحق بالخشية؛ لأنه هو الأشد، والأعظم، والمؤمن لا يخشى إلا ربه وحده. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: بالله حقاً؛ فعليكم بقتالهم، إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك؛ فإما الشّهادة في سبيل الله، وإما النّصر.

стр. 1847

سورة التّوبة [الآيات ١٤ - ٢٠] سورة التوبة [٩: ١٤] ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾: ﴿قَاتِلُوهُمْ﴾: تكرار؛ للحضِّ، والتّرغيب، والتّوكيد، وأن القتال مطلوب منكم، ولو قال: إن تقاتلوهم؛ فيدل على أن القتال غير مؤكَّد عليكم، ثمّ يبيِّن الله -جل وعلا- الحكمة من الأمر بالقتال؛ فيقول: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾: والسّؤال: لماذا اختار أن يعذب المشركين، وكفار مكة بأيدي المؤمنين، وليس بعذابٍ من عنده: بأن ينزل عليهم آية، وينتهي الأمر؟! ولا داعي للقتال، لو حدث ذلك، وأنزل الله عليهم آية من السّماء؛ لما تغيَّرت نظرة كفار مكة بالنّسبة للمؤمنين ـ ولكونهم لا يؤمنون بالله ـ إذن: لن تتغيَّر حالتهم الإيمانية، ولو كانوا آمنوا من قبل؛ لانتهت المسألة، وما قالوا؛ هذا حدث كوني قد مسَّ آباءنا البأساء والضّراء مثل هذا من قبل، فأراد الله سبحانه أن يُري الكفار بأس الفئة القليلة الّتي غلبت فئة كثيرة، ولعلَّ ذلك يردعهم؛ فلا تحدثهم أنفسهم بقتال المؤمنين في المستقبل. ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾: يذلهم، ويفضحهم، والخزي فيه عذاب نفسي، وفضيحة أمام النّاس. ﴿وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾: بالقوة، والعدة، والسّلاح. ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾: قيل: هؤلاء القوم: هم خزاعة؛ قدموا من اليمن، وسبأ إلى مكة؛ فأسلموا، وكانوا حلفاء رسول الله ﷺ ، وواجهوا،

стр. 1848

ولقوا من أهل مكة أذىً شديداً، وأخبروا رسول الله ﷺ بذلك؛ فبشرهم بالفرج القريب، وكان ذلك في بدر. سورة التوبة [٩: ١٥] ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ﴾: الغم والهيجان الّذي أصاب قلوب المؤمنين أمثال: خزاعة وغيرهم من أفعال المشركين من قريش، وبني بكر من الظّلم، والإيذاء، والغدر بخزاعة. والغيظ: هو غضب كامن في نفس العاجز عن الثأر، والانتقام، أو التشفي، وهو نوع من الغم، أو مرحلة من مراحل الغضب، وهو أشد من الغضب، وقيل: مراحل الغضب هي: السخط، ثم الغضب، ثم الغيظ، ثم الحرد، ثم الحنق، ثم الاختلاط. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: هذا إخبار من الله بأن بعض أهل مكة سيتوبون من بعد كفرهم، وقد كان ذلك حين أسلم بعض منهم، وحسن إسلامهم؛ مثل: أبي سفيان، وعكرمة … وغيرهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بنيات كل فرد، وما يقولون، وما يفعلون، وما يدبرون، وما كان، وما سيكون من توبة بعض المشركين. ﴿حَكِيمٌ﴾: الحاكم، وذو الحكمة: وهي تدبير أمر خلقه، وكونه بحكمته. حكيم: مشتقة من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء، وحكيم: مشتقة من الحكم؛ فهو أحكم الحاكمين. لنقارن الآيتين (١٥، و ٢٧) من سورة التّوبة.

стр. 1849

الآية (١٥) من التّوبة، يقول تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. جاءت في سياق كفار مكة، وما فعلوه برسول الله من التّضييق، والعمل على إخراجه من مكة، فأمر الله بقتالهم، وخزيهم، ثمّ يتوب الله على من يشاء؛ أيْ: من أسلم منهم بعد ما فعل ما فعل من العدوان، والصّد عن سبيل الله؛ فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾؛ عليم: بما جرى، وحكيم: فيما يقدر. أما الآية (٢٧) من التّوبة: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فجاءت في سياق ما جرى يوم حنين من تولِّي المسلمين، والهزيمة في بداية معركة حنين؛ حيث أعجبتهم كثرتهم، وفاجأهم العدو رغم أنهم كانوا (١٢) ألفاً، والعدو (٤) آلاف؛ فهؤلاء فروا، ثمّ عادوا، وقاتلوا مع رسول الله ﷺ ، وما وقع منهم من خطأ فالله غفره لهم، ولذلك قال: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. سورة التوبة [٩: ١٦] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي؛ «أم المنقطعة»، والهمزة: للاستفهام الإنكاري. ﴿حَسِبْتُمْ﴾: من الحسبان: وهو الظّن الرّاجح؛ أي: اعتقدتم، وهو حساب حسي وحساب قلبي قائم على النّظر، والتّجربة والحساب، والمخاطب: هم المؤمنون. ﴿أَنْ﴾: أن حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد.

стр. 1850

﴿تُتْرَكُوا﴾: من دون ابتلاء، وتمحيص، أو لا تصيبكم فتنة، والابتلاء: يكون في الخير، أو الشر، وهذا الابتلاء، والاختبار فائدته: ١ - معرفة الّذين جاهدوا منكم، وصدق نواياهم للجهاد، أم فقط كذب، وادِّعاء، وبطر، ورياء. ٢ - معرفة من يتخذ وليجة من دون الله، ولا رسوله، ولا المؤمنين، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾. وقوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾: لما: حرف نفي. سبحانه يقوم بهذا الابتلاء، أو الاختبار لهؤلاء، لا ليعلم نفسه سبحانه صدق جهادهم، أو تجسسهم؛ فهو يعلم منذ الأزل ذلك، ولكن قيامه بالابتلاء والاختبار هو ليبيِّن لهم صدقهم، أو كذبهم يوم القيامة، ويقيم الحجج عليهم، أو لهم؛ فهو اختبار للعبد؛ لكي يعرف نفسه فيما إذا كان صادقاً، أم كاذباً؛ فقد يأتي يوم القيامة فيقول: لولا اختبرتني بكذا الفعلة؛ فهو اختبار للعبد نفسه. ﴿وَلِيجَةً﴾: بطانة من الكفار؛ ليفشوا إليهم أسرار المؤمنين؛ أيْ: يتخذوهم أصدقاء يتداخلون فيهم، أو معهم؛ ليعرفوا أسرارهم. وليجة: من الولوج؛ دخول شيء بشيء من ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: أيْ: هناك من اتخذوا من غير الله، وغير رسوله، وغير المؤمنين أصدقاء يسرون إليهم بالمودة، وبأخبار المؤمنين. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: خبير عليم ببواطن الأمور، وبأعمال العباد، ودقائقها. وقدم خبير؛ لأن السياق في النوايا، والأسرار، وهذه أفعال لا يعلمها إلا الله تعالى.

стр. 1851

سورة التوبة [٩: ١٧] ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِى النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾: ﴿مَا﴾: النّافية. ﴿كَانَ﴾: أيْ: ما كان ينبغي، وليس معقولاً، أو مقبولاً، أو يصح للمشركين. اللام: لام الاختصاص، والتّوكيد؛ أن يعمروا مساجد الله. ﴿يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾: العمارة نوعين: حسية؛ تعني: التّشييد، والبناء، والتّرميم والإعداد. والعمارة المعنوية: القدوم إلى المسجد، والصّلاة، والذّكر، والاعتكاف، والعبادة. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يعني: التّوكيد للمشرك. إذن لا يُعقل، أو يصح أن يبني المشركون مسجداً لله، أو يأتوا إليه، ويعمروه بالعبادة؛ لأنّ ذلك يصبح شاهداً عليهم بالكفر؛ إضافة إلى الشّهود الآخرين. أو ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾: بما يقولونه؛ أيْ: بكلامهم الّذي لا يطابق أفعالهم. ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾: جمع مسجد، ومسجد اسم جنس، ومساجد الله تشمل كلّ مسجد بما فيها المسجد الحرام. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد. ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطلت وذهبت أجورها بلا فائدة؛ بسبب شركهم، وكفرهم. ﴿حَبِطَتْ﴾: مشتقة من مرض الحبط الّذي يصيب الماشية؛ فتصاب بانتفاخ

стр. 1852

البطن، أو الحبن، ويُظن أنها سمينة، أو نمت وهي في الحقيقة مريضة، ومتورِّمة، وما نراه هو ليس لحماً، أو شحماً، وإنّما تورُّم مرضيٌّ، ثمّ تموت الماشية، ولا يستفاد منها بشيء. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١٧)؛ لمزيد من البيان. ﴿وَفِى النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾: قدَّم الجار والمجرور للحصر والقصر. ﴿هُمْ﴾: ضمير يفيد التّوكيد. ﴿خَالِدُونَ﴾: من الخلود، وهو استمرار البقاء من وقت له بداية، وليس له نهاية. سورة التوبة [٩: ١٨] ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد. ﴿يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾: بالبناء، والتّشييد، والصّيانة، والإعداد، وبالعبادة، والذّكر، والقدوم إليها، وإقامة العلم. ارجع إلى سورة الجن آية (١٨) لبيان معنى: (مساجد الله). ﴿مَنْ﴾: ابتدائية. ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: ارجع إلى سورة البقرة آية (٨) للبيان. ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾: وهي عماد الدِّين إقامتها بأركانها، وشروطها، وأوقاتها، والمحافظة عليها. ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٣) من سورة البقرة. ﴿وَلَمْ﴾: للنفي.

стр. 1853

﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾: والخشية: هي الخوف مع شعور بعظمة الخالق، والعلم به (معرفته). ﴿وَلَمْ﴾: أداة حصر، وقصد. ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ﴾: الفاء: للتوكيد. أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد، والمدح. عسى: من أفعال الرجاء. ﴿أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾: أن: تدل على الاستقبال. من المهتدين إلى طريق الحق، والصّواب، والإسلام، والطريق المستقيم المؤدِّي إلى الجنة. سورة التوبة [٩: ١٩] ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُنَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: سبب النّزول: كما روي عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في أسرى بدر، ومنهم: العباس بن عبد المطلب؛ فبعد الأسر تحدث إليهم بعض الصّحابة، ودعوهم للإسلام، والجهاد في سبيل الله، فأجابوهم أنا كنا نسقي الحجيج، ونعمر المسجد الحرام، ونفكُّ العاني، وكذلك كانوا يفتخرون بأنّهم أهل الحرم، ويقومون على السّقاية، وسدنة البيت، ويعتبرون ذلك أفضل من الإيمان، والجهاد؛ فنزلت هذه الآية. ذكره الواحدي في أسباب النزول. ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، والتعجبي. ﴿سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾: سقي الحجيج بالماء. والسّقاية في اللغة: موضع السّقي المكان الّذي يشرب منه النّاس؛ مثل: السّبيل، والسّقاية: هي إناء السّقي، أو المهنة مهنة السّقي.

стр. 1854

﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: بنائه، وصيانة وسدانة البيت. ﴿كَمَنْ﴾: الكاف: للتشبيه. ﴿آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ارجع إلى الآية (٨) من سورة البقرة؛ للبيان، والجهاد في سبيل الله. ارجع إلى سورة الحج آية (٣٩) للبيان المفصل. ﴿لَا يَسْتَوُنَ عِنْدَ اللَّهِ﴾: لا: النّافية، لا يستوون في الدّرجة، والفضل. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الظّالمين: جمع ظالم: وهو الّذي اختار لنفسه طريق الضّلال، والغواية، واتبع هواه، والشّيطان، وازداد ظلماً، وبعداً عن خالقه، ولم يتب، ولم يطلب من الله العون، ولم يقدم الأسباب للهداية؛ فالله سبحانه لا يهديه، ويتركه لنفسه، وهواه. سورة التوبة [٩: ٢٠] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: هذا التّصنيف إذا قابلناه بالتّصنيف في سورة الأنفال، الآية (٧٤). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَّنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: نجد أنّ تصنيف آية الأنفال كان تصنيفاً بعد الهجرة مباشرة، أمّا التّصنيف في آية التّوبة فجاء بعد سنوات من الهجرة. ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾: من الّذين افتخروا بسقاية الحج، وعمارة المسجد الحرام. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ﴾: أولئك: اسم إشارة للبعيد؛ يفيد المدح، والتّعظيم، وهم: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد.

стр. 1855

﴿الْفَائِزُونَ﴾: تفيد كمال فوزهم؛ أي: الفائزون حقاً، وإن كان غيرهم من بين الفائزين. وإذا قارنا هذه الآية من سورة التّوبة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾. مع الآية (٧٢) من سورة الأنفال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. في آية التّوبة: قدَّم في سبيل الله على أموالهم وأنفسهم؛ لأنّ السياق سياق الآيات في الجهاد، وأهم شيء في الجهاد أن يكون في سبيل الله. وفي آية الأنفال: قدَّم الأموال والأنفس على سبيل الله؛ لأنّ السّياق كان في الغنائم؛ أي: الأنفال، ولذلك قدَّم الأموال على سبيل الله. وهناك ملاحظة أخرى: مجيء إنَّ: فإذا ذكرت إنّ في بداية آية الجهاد: نرى دائماً تقديم أموالهم، وأنفسهم على جملة في سبيل الله. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (٧٢)؛ للمقارنة. للنظر: آية الأنفال (٧٢): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾. آية التوبة (٢٠): ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾.

стр. 1856

سورة التّوبة [الآيات ٢١ - ٢٦] سورة التوبة [٩: ٢١] ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: الّذين آمنوا، وهاجروا، وجاهدوا في سبيل الله؛ يبشرهم ربهم برحمة منه. ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: من البشارة؛ يخبرهم ربهم بخبر سار. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ لبيان معنى البشارة. ﴿بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾: الباء: للإلصاق، والاهتمام، والرّحمة: هنا تعني النّجاة من النّار، والفوز بالجنة، وهي أكبر رحمة. ﴿مِّنْهُ﴾: تعني: رحمة عامة، ولم يقل من لدنه؛ فهذا يدل على رحمة خاصَّة، والرحمة تعريفها: تعني جلب ما يسر، ودفع ما يضر. ﴿وَرِضْوَانٍ﴾: من الرّضا: وهو سرور واطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع، صيغة مبالغة، على وزن فعلان؛ أيْ: كثير الرّضا، ورضوان مشتقة من رضا الله عن العبد، وهو أكبر من الجنة، وما فيها، وهو أفضل الجزاء. فالجنّة: هي الجزاء المادي، ورضوان الله هو الجزاء الرّوحي المعنوي، ومن ثمراته الزّيادة، وهي رؤية الله -جل وعلا-؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، جنات الفردوس، والنّعيم، وجنات عدن، وجنات المأوى، ودار السّلام.

стр. 1857

﴿فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: دائم لا يزول، ولا يحول. سورة التوبة [٩: ٢٢] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود: هو البقاء، والاستمرار من بداية؛ أيْ: له بداية، وليس له نهاية، يبدأ من زمن دخولهم الجنات. ﴿أَبَدًا﴾: للمبالغة في الخلود؛ أي: الخلود في المستقبل إلى غير نهاية، وقد تعني: للتوكيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الأجر: يكون مقابل العمل؛ أي: الأجر لا يُستحق إلا بعد العمل، والأجر يكون في الطّاعات للأعمال البدنية، أو هو الجزاء على العمل، سواء أكان عملاً دنيوياً، أم أخروياً، والأجر يأتي دائماً بمعنى: النفع. ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: أيْ: أعظم الأجور على الإطلاق. سورة التوبة [٩: ٢٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: المناسبة: قيل: نزلت هذه الآية لما أمر رسول الله ﷺ المسلمين بالهجرة إلى المدينة؛ فعزَّ على بعض المسلمين ترك آبائهم، وإخوانهم في مكة، ولم يهاجروا، وتركوا الهجرة، كما رُوي عن ابن عباس ﵄. وقيل: نزلت في تسعة نفر ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بأهلهم بمكة؛ فنهى الله عن ولايتهم، كما رُوي عن مقاتل، والمهم: هو عموم اللفظ، وليس خصوص السبب. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين هم على درب الإيمان بأمر أو بتكليف هو:

стр. 1858

﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾: لا: النّاهية، تتخذوا: من اتخذ، وبمعنى: جعل، أو صير. ﴿آبَاءَكُمْ﴾: الآباء، والأمهات، والأجداد، والأعمام. ﴿وَإِخْوَانَكُمْ﴾: أي: الأصدقاء والإخوة. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي، والولي: المعين، وتعني: المودة، والمحبة؛ أيْ: لا تتخذوهم بطانة تحبوهم، وتودوهم، وتفشوا إليهم بأسرار المسلمين، أو تؤثروهم على الهجرة إلى المدينة، أو تنصروهم. ﴿لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك، أو الندرة. ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾: ولم يقل: إن أحبوا الكفر على الإيمان؛ لأن القول: إن أحبوا؛ تعني: هذا الحب، هو حب الفطرة؛ أيْ: أمر فطري، وهذا غير معقول، وإنّما قال استحبوا وهذا الحب هو حب مستفعل؛ أيْ: هو حبٌّ هم صنعوه، واختاروه بأنفسهم، وهو حبٌّ يعارض حب الفطرة؛ الّذي هو حب الإيمان، وللمزيد في بيان الولي: ارجع إلى الآية (١٠٧) من سورة البقرة. ﴿وَمَنْ﴾: شرطية. ﴿يَتَوَلَّهُمْ﴾: يتخذهم أولياء، ويلقي إليهم بالمودة، ويطلعهم على أسرار المسلمين، ويتجسس لهم، وينصرهم. ﴿مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: منكم خاصَّة. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتأكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد. ﴿هُمُ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: الظّالمون حقاً، وإن كان يوجد غيرهم من الظّالمين؛ فهم

стр. 1859

أظلمهم. جمع ظالم، والظالم: الّذي لا يتبع منهج الله سبحانه؛ فيظلم نفسه بأن يوردها في النار. ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان في معنى الظلم. و ﴿الظَّالِمُونَ﴾: جملة اسمية تفيد الثّبوت، صفة الظّلم أصبحت ثابتة عندهم. سورة التوبة [٩: ٢٤] ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: هذه الآية تتمة للآية السّابقة؛ نزلت في هؤلاء الّذين تخلفوا عن الهجرة بسبب أهليهم، وعيالهم، وأموالهم، وديارهم. وقد قيل: إنّه لما نزلت الآية السّابقة قال بعض الصّحابة: يا رسول الله! إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدِّين؛ قطعنا آباءنا، وعشيرتنا، وذهبت تجارتنا، وخُربت ديارنا؛ فنزلت هذه الآية، كما رُوي عن ابن عباس ﵄. ﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ : ﴿إِنْ﴾: شرطية. ﴿كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾: عشيرتكم: جمعها عشائر، والعشيرة: تضم كل الأقارب، والعائلة. ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾: أيْ: حصلتم عليها بجهد ومشقة، وتعب، وليست من المال الموروث؛ أيْ: من وراء تجارة، أو حرفة. اقترفتموها: من الاقتراف، أو القرف. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (١١٣)؛ للبيان.

стр. 1860

﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾: بوارها؛ لتركها وراءكم في مكة بعد الهجرة، وعدم رواجها، وخاصَّة إذا كانت له شراكة مع المشركين، أو غير المسلمين؛ فستضيع حصتهم. ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾: مسرورين بها، أو فرحين بها. ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: من الهجرة، ومن محبة الله ورسوله، والامتثال لأوامرهما، وطاعتهما. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: التّربص: هو الانتظار، ولو طال، والانتظار مع التّحفز؛ أي: الانتباه، والترقُّب لوقوع شيء بكم. ﴿حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: بقضائه، أو عقابه، وقيل: فتح مكة، وهذا وعيد لهؤلاء الّذين لا يريدون الهجرة. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: جمع فاسق: وهو الخارج عن طاعة الله، والدّين ـ باختياره طريق الفسق والضّلال ـ وابتعاده عن طريق الهدى؛ فالله لا يوفقه، ولا يرشده إذا كان الفاسق يريد أن يفسق؛ يتركه الله سبحانه لما يحب من الفسق، والعصيان. ارجع إلى الآية (٢٦) من سورة البقرة؛ لبيان الفسق، والفاسقين. سورة التوبة [٩: ٢٥] ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أيْ: قد ثبت، وتحقق ذلك النّصر. ﴿نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾: مواطن: جمع موطن: اسم مكان لفعل وطن، يطن، والموطن: هو مكان التّوطن؛ أي: الإقامة، ويطلق على موقع المعركة.
следующие страницы →