Полный текст (5 934 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ركعاً سجداً كما في سورة الفتح آية (٢٩) سجداً تعني: كثرة السجود والمداومة عليه.
ولنقارن كلمة ﴿مَقَامِ﴾: الّتي وردت في هذه الآية، مع كلمة: مَقَام ومُقَام.
مَقام: بفتح الميم مع التشديد؛ تعني: مكان القيام، أو الوقوف أو العمل، وزمن البقاء فيه قصيراً، مثال ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
وأما كلمة مُقام: بضم الميم؛ فهو مكان الإقامة والسكن، وزمن البقاء فيه طويل، مثال: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦].
مَقام: فتح الميم؛ المنزلة والمكانة، مثال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤].
وفي هذه الآية؛ قال -جل وعلا-: ﴿طَهِّرَا بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.
وفي سورة الحج الآية (٢٦): ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، ذكر القائمين بدلاً من العاكفين؛ لأنه سبق ذكر العاكفين.
في الآية (٢٥) حين قال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾؛ أي: سواء العاكف: المقيم فيه، من أهل مكة، أو القادم إليه؛ كزائر، ولكونه جاء بذكر العاكفين فلم يكرر، وأبدلها بكلمة القائمين.
﴿وَالْقَائِمِينَ﴾: في الصلاة، أو قيل: المقيمون بمكة.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: ذكرهما؛ لأنهما أهم أركان الصلاة، وفيه عطف الخاص؛ أي: الركع السجود على العام (القائمين)؛ لإظهار أهمية الركوع والسجود. وقال الركع السجود، ولم يقل الركع السُّجَّد؛ لأن السجود يعني:
стр. 212
السجود الظاهري، والسجود الباطني (الخشوع)، وأما السُّجَّد: فهو يدل على السجود الظاهر فقط، وقوله الركع السجود: تدل على التكثير؛ أي: كثرة الركوع والسجود.
سورة البقرة [٢: ١٢٦]
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: ظرف زمان؛ تعني: واذكر إذ قال إبراهيم، أو واذكر حين قال إبراهيم.
﴿قَالَ إِبْرَاهِمُ رَبِّ﴾: ﴿رَبِّ﴾: حذف ياء النداء، ولم يقل: يا رب؛ لأنّ الله سبحانه قريب مجيب، لا يحتاج إلى أداة نداء، فلو كان بعيداً لقلنا: يا رب، فهو أقرب إلينا من حبل الوريد.
﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾: ﴿هَذَا﴾: الهاء للتنبيه، ذا: اسم إشارة يفيد القرب، ويشير إلى مكة، ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾: نكرة؛ حيث كان عبارة عن وادٍ غير ذي زرع، وخالياً من النّاس، وغير آمن.
وجاءت هنا نكرة؛ لأنّ دعاء إبراهيم هذا، كان قبل بناء الكعبة، عندما جاء بزوجته هاجر وإسماعيل إلى واد غير زرع، وكانت مكة بلداً قفراً، قبل أن تسكنها قبيلة جرهم.
﴿آمِنًا﴾: ذا أمن، واستقرار، وكان دعاء إبراهيم؛ هنا، دعاء عاماً قبل بناء البيت وقبل أن تكون مكة بلداً معروفاً.
وإذا رجعنا إلى الآية السابقة (١٢٥)؛ ألم يقل الله -جل وعلا-: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ
стр. 213
مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾، فما جدوى دعوى إبراهيم: ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾؟ أي: يا رب، داوم واستمر، على جعله آمناً، أو ردّه آمناً، وآمناً، يعني: الأمن التام، الكامل، الخالي من الخوف، وللتأكيد على أهمية الأمن، وفي الآية (٣٥) من سورة إبراهيم قال تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ جاء بأل التعريف؛ ارجع إلى سورة إبراهيم آية (٣٥) للبيان ومعرفة الفرق بين الآيتين.
﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: من: ابتدائية بعضية؛ أي: بعض الثمرات.
من آمن: منهم، تعود على أهل هذا البلد؛ أي: ارزق فقط المؤمنين وحدهم؛ أي: من آمن بالله واليوم الآخر. من آمن: من: اسم موصول بمعنى الذي، وشرطية.
ولعل إبراهيم قال ذلك؛ عندما تذكر قول الحق: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾، فحاول أن يستثني من الرزق من كفر؛ لأنه ربما نسي أنّ الرزق هو من عطاء الربوبية، ولا علاقة له بالإيمان؛ لأنّ الله يرزق الكافر والمؤمن، والعاصي والمطيع؛ ولذلك خالفه الله في الدعاء ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
قال الحق سبحانه: سأرزق من آمن بالله واليوم الآخر، وسأرزق من كفر؛ لأنّ الرزق هو من عطاء الربوبية؛ فهو للمؤمن والكافر معاً.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾: لأنّ متاع الدّنيا قليل، ولو كثر وعظم، فهو قليل؛ مقارنة بمتاع الآخرة، وقليلٌ لكونه محدداً بأجلٍ معينٍ لكل إنسان، سنين قليلة، ثم يموت.
стр. 214
والمتاع هو: كل شيء ينتفع به ويتزود به، والتمتع هو شيء يحبه الإنسان، ويتمنى تكراره ودوامه.
والمتاع يتضمن الرزق، بما فيه الطعام، والشراب، والزواج، ويتضمن الأمن.
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتراخي في الزمن.
﴿أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾: الاضطرار، الإلجاء، والحمل على الشيء، أو الإكراه.
﴿وَبِئْسَ﴾: بئس؛ من أفعال الذم. ﴿الْمَصِيرُ﴾: مصدر ميمي؛ لفعل صار، يصير، بمعنى: رجع؛ أي: بئس المنتهى، والمآل. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٤) في سورة لقمان، وهي قوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ نجد آية لقمان جاءت بصيغة الجمع فمتعهم؛ لأنها جاءت في سياق الدعوة والتبليغ للناس كافة، وآية البقرة خاصة متعلقة بالرزق، ونجد أيضاً أن عذاب النار وبئس المصير هو أشد وأبلغ من العذاب الغليظ؛ لأن العذاب الغليظ قد لا يكون في النار.
стр. 215
سورة البقرة [٢: ١٢٧]
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
﴿وَإِذْ﴾: ظرف للزمن الماضي، ويعني: واذكر إذ يرفع إبراهيم، أو اذكر حين رفع إبراهيم القواعد؛ أي: انقضت جدرانه، وبقيت قواعده في الأرض، وأول من بناه، كما قيل: الملائكة في زمن آدم، ويرفع جاءت بصيغة المضارع، بدلاً من رفع؛ لاستحضار صورة الرفع، وكأنه يرفع الآن، وهذا ما يسمى: حكاية الحال.
والرفع: من الارتفاع؛ فكل بناء له طول، وعرض، وارتفاع، والارتفاع هو البعد الثالث؛ فما دام الطول، والعرض، محددين من قبل؛ منذ البناء الأول؛ فإبراهيم عليه أن يحدد الارتفاع، ومكان القواعد، أو مكان البيت؛ كان مطموراً، وغطته الرمال والأتربة، فلما أُمر إبراهيم بالرفع، أطلع الله سبحانه نبيه إبراهيم ﵇ على مكانه؛ فوجد قواعده.
﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾: ساعد أباه إبراهيم، في الرفع، والبناء، وكان شاباً؛ حينذاك.
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾: يقولان إبراهيم وابنه إسماعيل حين كانا يرفعان القواعد، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾؛ أي: يسألان الله القبول منهما، والثواب فهما لا ينسيان الدعاء، وذكر الله تعالى في زمن العمل والرفع.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: أنت: تفيد التّوكيد. ﴿السَّمِيعُ﴾: لما نقول، وندعوك،
стр. 216
ونرجوك، ولما يقوله عبادك في السر والعلن، وما يقوله كل من في السموات والأرض، من ملك، وإنس، وجان، ودابة، وطير، وكلّ شيء.
﴿الْعَلِيمُ﴾: العليم لما نفعل، وما يفعله جميع خلقك من خير وشر، والذي أحاط علمه بكل شيء، وفي أي مكان وزمان، وفي الظاهر، والباطن، والسر، والعلن، فلا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، والعليم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وما لم يكن.
سورة البقرة [٢: ١٢٨]
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾:
﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ﴾: إسلام الوجه؛ أي: موحدين، مخلصين لك، واقمنا على دينك، وصراطك المستقيم، عابدين؛ خاضعين، وراضين لأمرك ونهيك، وامتد دعاؤهما؛ ليشمل ذريتهما، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾: من؛ للتبعيض، ولم يقل: واجعل ذريتنا أمة مسلمة لك؛ لكان ذلك يعني الكل؛ اليهود، والنصارى، وأمة الإسلام؛ أي: أمة واحدة على ملَّة واحدة.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾: تعريف الأمة: جماعة من النّاس، تربطها عقيدة واحدة، أو مبادئ واحدة، هي عقيدة الإسلام، أمة خاصة، وفي تعريف الأمة لا يهم الكم البشري، ولا الحيز الجغرافي.
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾: أي: بيِّن لنا شرائع ديننا، وأعمال حجِّنا.
والمناسك؛ جمع منسك؛ والأصل أنّ المنسك مكان العبادة، أو زمنها، وقد يكون بمعنى الفعل؛ أي: التعبد؛ أي: أرنا كيف نعبدك، وأين نعبدك، وشاع استعمال المناسك في معالم الحج وأعماله، مثل: الوقوف بعرفات، والإفاضة،
стр. 217
ورمي الجمار، والطواف، والسعي، والنسك؛ كذلك تطلق على الذبيحة. ارجع إلى سورة الحج آية (٣٤) للبيان.
﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾: أي: تقبل توبتنا، سألاه التوبة، والتوبة قد تكون توبة إنابة؛ أي: تقريباً إلى الله، من دون ذنب أو توبة من ذنب، ولها شروط قبول. ارجع إلى سورة النّساء، الآيتان [١٧ - ١٨].
﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾: لا تعني: أنّ إبراهيم وإسماعيل ﵉، قد فعلا معصية ما، وأنهما يطلبان التوبة، وقد يكون طلبهما التوبة لذريتهما القادمة.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: (للتوكيد).
﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٣٧) من سورة البقرة.
سورة البقرة [٢: ١٢٩]
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾:
﴿رَبَّنَا﴾: ولم يقل: يا ربنا؛ لأنّ إبراهيم ﵇، يعلم أنّ ربه قريب، لا يحتاج إلى (يا) النداء الّتي هي للبعد.
﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ﴾: تعود على ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ﴾، وابعث من البعث. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة.
﴿رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾: من العرب، من ذرية إبراهيم وإسماعيل.
﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾: التلاوة؛ هي القراءة ﴿آيَاتِكَ﴾: آيات القرآن، والتلاوة تختلف عن القراءة، والتلاوة لا تكون إلا من القرآن ولها أجر، ويعني: قراءة متتالية، والتلاوة أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، والقراءة قد تكون بكلمة.
стр. 218
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: التعليم؛ يعني: القراءة والأحكام والتبيين، ومعرفة المعنى، و ﴿الْكِتَابَ﴾: القرآن الكريم؛ أي: يعلمهم فهم معاني آيات القرآن.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: الفقه في الدِّين والأحكام، ومقاصد الشريعة، وإصابة الحق.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾: يطهرهم من الشرك، والمعاصي، ويهديهم إلى أحسن الأخلاق. وإذا قارنا هذه الآية بالآية (١٥١) في نفس السورة: نجد أن التزكية في الآية (١٢٩) جاءت بعد التلاوة ويعلمهم الكتاب والحكمة، وأما في الآية (١٥١) التزكية جاءت بعد التلاوة مباشرة وقبل التعليم والحكمة؛ لأن الآية (١٢٩) هي دعاء إبراهيم ﵇ فأراد لهم التلاوة والتعليم والتزكية، أما الآية (١٥١) هي قوله الله تعالى في سياق المنة عليهم فجاءت قبل التعليم.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾: للتوكيد.
﴿الْعَزِيزُ﴾: القوي، الذي لا يغلب، ولا يُقهر، ولا يمتنع عليه شيء، له العزة جميعاً، ولا يعجزه شيء، عزة القوة، والقهر، والغلبة، والامتناع، لا يحتاج إلى أحد، ولا ينفعه، أو يضره أحد.
﴿الْحَكِيمُ﴾: في خلقك، وشرعك، وكونك، وحكيم: مشتقة من الحكمة، أحكم الحكماء، واهب الحكمة، لا تخلق شيئاً عبثاً، وأنت أحكم الحاكمين، الحاكم المسيطر على السموات والأرض وما فيهن، ذو الحكمة المقرونة بالعلم والقدرة والعزة.
وحكيم؛ على وزن فعيل؛ أي: دائم الحكمة، حكيم بذاتك لا اكتساباً. وحكيم؛ مشتقة من الحكم، الحاكم على السموات والأرض، ومن فيهن.
الحاكم بين النّاس بالحق، والحاكم في كل أمر، وإليك ترجع كل الأمور.
стр. 219
سورة البقرة [٢: ١٣٠]
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾:
﴿وَمَنْ﴾: الواو؛ استئنافية. من: استفهام إنكاري، بمعنى النفي؛ أي: لا ﴿يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
يرغب في الشيء؛ أي: إذا أحبه، وأراده، يرغب عن الشيء؛ أي: إذا كرهه، وتركه، يعرض عنه، ويرفضه، أو يصد عنه.
﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِمَ﴾: شريعة إبراهيم، والملَّة؛ اسم لجملة الشرائع المتبعة في الدِّين، والشريعة الكاملة؛ تسمّى الملَّة، والملَّة لا تضاف إلَّا لنبيٍّ.
أما الدِّين: فهو أعم من الملَّة؛ إذ يشمل الشريعة كاملة، وما ورد في القرآن والسنة، وملة إبراهيم؛ هي الإسلام، الملَّة الحنيفية السمحة، والّتي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١]. ارجع إلى الآية (١٣٢) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: أصل السفه؛ الخفة في العقل، وضعف الرأي والجهل، والسفه؛ نقيض الحكمة، ويقال للجاهل: سفيه. وسفه نفسه قد تعني: استخف بنفسه، وأهان نفسه؛ لأنه رغب عن اتباع الحق، وهو اتباع ملَّة إبراهيم.
والطيش: خفة مع خطأ في العقل. وإذا رغب عمّا لا يرغب عنه عاقل، يقال: في عقله شيء، من السفه أو الجنون.
﴿وَلَقَدِ﴾: الواو استئنافية. لقد: اللام للتوكيد، قد حرف تحقيق.
стр. 220
﴿اصْطَفَيْنَاهُ فِى الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾: في ذلك الوقت، الذي عاش فيه. كما اصطفى آدم ونوحاً من قبله.
وهو بيان لخطأ من رغب عن ملَّة إبراهيم، الذي اصطفيناه في الدّنيا؛ أي: اخترناه من بين النّاس، ليكون إماماً، ونبياً.
وخليلاً: في الدّنيا، وهناك فرق بين الاصطفاء والاختيار في ملحق الآية، ﴿وَإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ﴾ (إن للتوكيد) في الآخرة، ﴿لَمِنَ﴾: اللام للتوكيد. ﴿الصَّالِحِينَ﴾: أي: إبراهيم ﵇ من الأنبياء الصالحين.
﴿الصَّالِحِينَ﴾: جمع صالح، والصالحين لغةً: من صلح، يصلح، وصلح أمره أو حاله: صار حسناً، وزال عنه الفساد؛ عَفَّ، فَضُل، من أمن وعمل صالحاً (معجم المعاني الجامع)، والصلاح: الاستقامة والسلامة من العيب، والصالح المستقيم المؤدي لواجباته، وهو الذي قام بحق وحق العباد، والمؤهل لحمل الخلافة الإيمانية، ويمتاز بصفة الصلاح في العقيدة، والأخلاق، والسلوك، والتربية، ويقاوم الفساد الذي هو ضد الصلاح.
الاصطفاء: هو الاختيار من بين الأشياء المتشابهة، مثلاً: تختار من بين النّاس أحداً فيهم نبياً، أو رسولاً.
الاختيار: هو أن تختار من بين الأشياء غير المتشابهة، مثلاً: تختار قلماً من بين ورقة، وكتاب، وقلم، ومحبرة.
سورة البقرة [٢: ١٣١]
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾: أي: واذكر إذ قال له ربه أسلم، أو واذكر حين قال له ربه أسلم، أسلم: هنا تعني: إسلام الوجه، أو الذات وهو أعلى درجات الإيمان، وليس الإسلام العادي؛ أي: «الشهادة، والصلاة، والزكاة، والحج»، وإنما إسلام
стр. 221
الذّات؛ أي: الإخلاص والتوحيد والطاعة والخضوع والانقياد لله وحده حين يكون الله سبحانه سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به، ويده الّتي يبطش بها، ورجله الّتي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، كما ورد في صحيح البخاري، عن أبي هريرة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥].
إذ قال له ربه: أسلم، ولم يقل: أسلم لي؛ لأنّ الإسلام مفهوم ومعروف فقط لله وحده، ولا حاجة لذكر لي أو له، وأجاب إبراهيم ﵇ أسلمت لرب العالمين، والرّب تعني: الخالق، والمدبر، والمربي، والرّزاق، والحفيظ.
سورة البقرة [٢: ١٣٢]
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾:
﴿وَوَصَّى بِهَا﴾: من الوصية، والوصية:
ووصَّى بالتشديد أبلغ من وصَى؛ لأنّها تكون لمرات كثيرة، ولكلّ واحد من بنيه، ووصَّى تستعمل للأمور المعنوية، مثل أمور الدِّين، أما أوصى فللأمور المادية الملموسة. ارجع إلى سورة النساء آية (١١)، وسورة لقمان آية (١٤) لمزيد من البيان في وصى، والفرق بين وصَّى وأوصى.
﴿بِهَا إِبْرَاهِمُ﴾: تقديم الجار والمجرور (بها) الّتي تعود على الوصية؛ أي: بدلاً من القول، ووصى إبراهيم بها، قال: ووصى بها إبراهيم؛ للدلالة على أهميتها، وعظمتها.
﴿بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾: بنيه: إسحاق وإسماعيل ويعقوب، (ابن ابنه) إسحاق.
﴿يَابَنِىَّ﴾: يا: النداء للبعد، قال: بني بدلاً من أبنائي. فيها تصغير يدل على
стр. 222
الرّأفة والشّفقة عليهم، الوصية: هي إنّ الله اصطفى لكم الدِّين فلا تموتن إلَّا وأنتم مسلمون.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾: الدّين: جاء بأل التعريف؛ أي: الإسلام ديناً (دين التّوحيد … ) يا بني أنّ الله: اصطفى لكم الإسلام ديناً؛ لأنّ الدّين عند الله الإسلام. والاصطفاء يكون من بين الشرائع، وليس من بين الأديان؛ لأن ليس هناك إلا دين واحد هو الإسلام. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٤٤) لمزيد من البيان، والفرق بين الاختيار والاصطفاء والاجتباء.
والدِّين: هو الطاعة والانقياد والشريعة والجزاء والعقيدة، والمنهج، ويسمى الصّراط المستقيم، والدِّين أعم من الملَّة، والدِّين يضاف إلى الله تعالى، وإلى الأنبياء، وإلى الأئمة، أما الملَّة فتضاف إلى الأنبياء، وإلى الأئمة، والدِّين واحد هو الإسلام، والشرائع مختلفة؛ الشريعة الإسلامية، والشريعة اليهودية، والنصرانية …
﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية.
﴿تَمُوتُنَّ﴾: نون التّوكيد.
﴿إِلَّا﴾: حصراً وقصراً.
﴿وَأَنْتُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿مُّسْلِمُونَ﴾: إسلام الوجه الّذي هو أعلى درجات الإيمان، كما بينا في الآية السّابقة (١٣١)؛ أي: على التوحيد والإخلاص (مخلصون موحدون).
وإذا كان إبراهيم ﵇ قد وصَّى بنيه بتلك الوصية، فالله -جل وعلا- بذاته وصَّى
стр. 223
الّذين آمنوا بنفس الوصية، بل بأحسن منها حين قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
سورة البقرة [٢: ١٣٣]
﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾:
أسباب النّزول: كما روى الواحدي في أسباب النزول. قيل: نزلت هذه الآية في اليهود الّذين قالوا للنبي ﷺ : ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية، فرد اللهُ عليهم بقوله بهذه الآية: أكنتم شهداء؛ أي: حضوراً لما حضر يعقوب الموت، فقال:
﴿أَمْ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري بمعنى النّفي، والتّوبيخ.
﴿شُهَدَاءَ﴾: جمع شاهد، أو شهيد، واصل الشّهادة: الرّؤية والحضور، وشاهدت شيئاً؛ أي: رأيته، وكنت حاضراً، وقال بعضهم: الشّهادة في الأصل إدراك الشّيء من جهة سمع، أو رؤية الشّيء، والإحاطة به، والعلم بالمشهود.
والشّاهد: هو الّذي يرى الشّيء، أو الحادثة فيشهد بما رآه وسمعه إذا دُعي إلى ذلك، والشّاهد قد لا يعلم تفاصيل الحادثة وأسبابها وخفاياها.
أما الشّهيد: صيغة مبالغة والله سبحانه سمى نفسه شهيداً، والشّهيد أكثر علماً من الشّاهد؛ لأنّه يعلم تفاصيل الحادثة، وأسبابها، وخفاياها، ويحيط بالمسألة إحاطة كاملة.
﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾: حضر فيها معنى القدوم، أو المجيء، مع المكث والبقاء؛ أي: حضر الموت يعقوب، وكأنّه جالس وحاضر معه، ولم يمت
стр. 224
بعد، ولم يستعمل جاء؛ لأنّ ليس فيها معنى المكث، والبقاء، ويفارق الحياة مباشرة، وفي كلمة جاء معنى الصّعوبة؛ أي: إذا جاء الموت والمشقة.
واستعمل حضر حتّى يعطي يعقوب مدَّة، وزمن؛ لكي يوصي بنيه، وقدَّم يعقوب على الموت بدلاً من القول؛ إذ حضر الموتُ يعقوب؛ أي: قدَّم المفعول على الفاعل (والأصل أن يقدَّم الفاعل على المفعول)، وهذا التقديم له غرض بياني، فكأنّ الله سبحانه لا يريد أن يفاجئ يعقوب بالموت، فقدَّم يعقوب؛ لأن يعقوب وكلّ إنسان يكره الموت، ولذلك أخر ذكر الموت؛ لكي يخفف ويراعي حالة يعقوب النّفسية.
﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾: إذ: ظرف زماني بمعنى: حين قال لبنيه.
﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾: ما: الاستفهامية، وتعني: أي شيء تعبدون من بعدي، ما تعبدون، ولم يقل من تعبدون من بعدي؛ لأنّ ما تستعمل لغير العاقل، أو صفات العاقل، إذا استعمل ما هنا بدلاً من؛ لأنّه يقصد بالسؤال عن صفة أو صفات المعبود.
﴿مِنْ بَعْدِى﴾: من بعد موتي.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾: هنا عطف الشيء على مرادفه بإله آبائه هو إلهه، ولذلك قال: إلهاً واحداً؛ للتوكيد.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: الواو: تفيد التّوكيد، مسلمون: مخلصون موحدون مطيعون، والجملة الاسمية تفيد الثّبوت؛ أي: صفة الإسلام ثابتة.
قال أولاد يعقوب لأبيهم يعقوب: نعبد إلهك (أي: الله)، وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق؛ أي: إله إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وهو الله.
стр. 225
وإبراهيم هو جد يعقوب، وإسماعيل هو عم يعقوب، فأطلق عليهم لقب الأب؛ لأنّ العرب كانت تسمي العم أباً، والجد أباً.
سورة البقرة [٢: ١٣٤]
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة يفيد البعد.
﴿أُمَّةٌ﴾: أي: أمة إبراهيم.
﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق وتوكيد.
﴿خَلَتْ﴾: مضت وانتهى زمانها، وخلت قد تعني: انفردت، وخلا فلان بفلان؛ أي: انفرد به؛ أي: لها خصائصها وزمانها.
﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾: اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق، ما: اسم موصول، أو مصدرية، لها ما كسبت من الإيمان والأعمال الصّالحة، والكسب: هو الفعل العائد على فاعله بنفع أو ضر.
﴿وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾: من الإيمان، والأعمال الصّالحة، أو الذنوب والسيئات؛ أي: لا ينفع الأبناء كسب الآباء، أو بالعكس، (الخطاب هنا للنبي ﷺ ولعامة المسلمين)؛ أي: لا تسألون عن أعمالهم، كما لا يسألون عن أعمالكم؛ أي: لا تزر وازرة وزر أخرى. ارجع إلى الآية (١٤١) في نفس السورة للمقارنة والبيان.
الفرق بين كسب واكتسب: كسب في القرآن تدل على فعل الخير، واكتسب على وزن افتعل تدل على فعل الشّر، ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة.
﴿عَمَّا﴾: ما: مصدرية، أو اسم موصول.
стр. 226
سورة البقرة [٢: ١٣٥]
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾:
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾: فيه حذف؛ أي: وقالوا: يهود المدينة للمسلمين، كونوا يهوداً تهتدوا؛ لأنّ موسى هو أفضل الأنبياء، والتّوراة أفضل الكتب، ودين اليهود أفضل الشّرائع، تهتدوا إلى الطّريق الصّحيح.
وقال نصارى نجران للمسلمين: كونوا نصارى تهتدوا؛ لأنّ عيسى أفضل الأنبياء، والإنجيل أفضل الكتب، وشريعتهم أفضل الشّرائع، تهتدوا إلى الطّريق السّوي الصّحيح كما روى ابن عباس.
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا﴾: جمع هائد؛ أي: تائب، ﴿أَوْ نَصَارَى﴾: ارجع إلى الآية (٦٢) من سورة البقرة للبيان.
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ .
﴿بَلْ﴾: للإضراب الإبطالي يبطل ما قبله من الأقوال.
﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِمَ حَنِيفًا﴾: أي: قل لهم يا محمّد: بل نتبع ملَّة إبراهيم الّذين تدعون أنكم أتباعه، ﴿حَنِيفًا﴾: أي: المائل عن الأديان كلّها إلى دين الإسلام، وأصل الحنف: هو ميل وعوج في القدَم حيث تميل القدَم اليمنى إلى اليسار، واليسرى تميل إلى اليمين، إذن الحنف هو اعوجاج في القدَم، فكيف يُجعل الحنف رمزاً للصراط المستقيم؛ لأنّ الرّسل حين يبعثهم الله يكون مجتمعهم
стр. 227
معوج، فيحاولون أن يصلحوا هذا الاعوجاج كما يتم تقويم القدَم بالاعتدال والاستقامة.
﴿وَمَا كَانَ﴾: الواو: عاطفة، ما: النّافية لكلّ الأزمنة.
﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: من: ابتدائية. استغراقية.
سورة البقرة [٢: ١٣٦]
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾:
الخطاب للمؤمنين:
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: قولوا آمنا بالله: الباء: للإلصاق؛ بالله: تعني: إيمان العقيدة بالله؛ وحده وبما أُنزل إلينا؛ أي: القرآن الكريم، ولمعرفة الفرق بين أنزل، ونزل، وإلينا، وعلينا: أنزل: تعني: جملة واحدة، أو دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا.
نزل: تعني منجماً على دفعات، وبالتّدرج على مدى (٢٣) سنة من السّماء الدّنيا على رسول الله ﷺ ، وتستعمل للأمور المهمة، والمؤكدة، والمبالغ فيها، أو الموقف أشد.
﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: إلينا: تستعمل في القرآن في سياق الدّعوة والتّبليغ، إلى: تفيد الانتهاء؛ أي: لينتهي إلى النّاس، أو منتهى الغاية.
أنزل عليك: تستعمل في سياق التّشريف بالأمور الخاصة برسول الله، على: تفيد العلو والاستعلاء، وتفيد المشقة والشّدة؛ أي: على: تستعمل في سياق ما هو أشق في الموقف، وعلى: أقوى وأكد من إلى، وعلى: تفيد البدائية بينما إلى تفيد النّهاية.
стр. 228
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾: وإسماعيل، وإسحاق أولاد إبراهيم ﵇، ويعقوب ابن إسحاق ﵉، وأما الأسباط: قيل: هم أبناء يعقوب، وقيل: هم من أحفاد يعقوب، أو ذريته، أو من صلبه، وكانوا أنبياء، وهذا هو المرجح؛ لأن أبناء يعقوب إلا يوسف لم يكونوا أنبياء، وأما معنى السبط: القبيلة، أو من شجرة واحدة، أو الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد، أو أحفاد الرجل، أو ابن البنت.
﴿وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى﴾: موسى (التّوراة)، وعيسى (الإنجيل).
﴿وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾: والإيتاء هو العطاء، ولكن الإيتاء ليس فيه تملك بعكس العطاء فيه معنى التّملك، الإيتاء يمكن أن تسترده أمّا العطاء فلا تستطيع أن تسترده والإيتاء أعم من العطاء، والإيتاء يشمل الأمور المعنوية الحسية، بينما العطاء يكون فقط في الأمور الحسية أو المادية.
وتكرار لفظي أنزل: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ﴾، والإيتاء: ﴿وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ﴾ دفعاً لمن ظن، أو توهم أنّ كل الذي أنزل على محمّد ﷺ هو نفسه الّذي أنزل على إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وكذلك ما أوتي موسى، وعيسى هو نفسه ما أوتي النّبيون من ربهم، فالأحكام، والشّرائع مختلفة.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾: أي: نحن نؤمن بكلّ رسل ونبي، ونصدق أنّ عقيدتهم واحدة، وهي: لا إله إلَّا الله، وإن اختلفت الأحكام، والشّرائع، باختلاف العصور، فنحن لا نؤمن ببعض، ونكفر ببعض.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: نحن لله مطيعون، مخلصون، موحدون.
لنقارن هذه الآية (١٣٦) من سورة البقرة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا
стр. 229
وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
مع الآية (٨٤) من سورة آل عمران: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
في آية البقرة: ﴿قُولُوا﴾: الخطاب موجه إلى المسلمين.
في آية آل عمران: ﴿قُلْ﴾: الخطاب موجه إلى رسول الله ﷺ .
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: ﴿إِلَيْنَا﴾: لأنّ الإنزال على رسول الله أوّلاً بأوّل، ثمّ انتهى، إلينا أي: إلى المؤمنين، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النّبيون من ربهم.
﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾: علينا: تعني الرسول والمؤمنون، وما أنزل على إبراهيم، وإسماعيل، وما أوتي موسى وعيسى والنّبيون من ربهم.
تكرار وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النّبيون من ربهم: ما أوتي موسى وعيسى هو غير ما أوتي النّبيون من الأحكام والشّرائع، وعدم تكرار ما أوتي في آية آل عمران؛ لأنّ ما أوتي موسى وعيسى والنّبيون هو نفسه (مثلاً عقيدة لا إله إلَّا الله والتّوحيد والرّبوبية).
فالإيتاء يقسم إلى قسمين قسم مختلف ذكر في آية البقرة، وقسم نفسه ذكر في آية آل عمران، فنحن نؤمن بكلّ منهما، وفي آية آل عمران بما أنّ الخطاب موجه إلى رسول الله فالرّسول لا يحتاج إلى تكرار، وما أوتي مرتين للتوكيد.
стр. 230
سورة البقرة [٢: ١٣٧]
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾:
﴿فَإِنْ﴾: الفاء للتأكيد. إن: شرطية.
﴿آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: أي: فإن آمن أهل الكتاب، وغيرهم من الأمم، ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: ما: اسم موصول بمعنى الذي آمنتم به؛ أي: أقروا بالوحدانية، وصدقوا بكلّ الأنبياء والرسل، واتبعوا ملَّة إبراهيم حنيفاً.
﴿فَقَدِ اهْتَدَوا﴾: أي: إلى الصّراط المستقيم، أو الغاية أو الحق، فقد: الفاء تفيد التّوكيد، قد: تفيد التحقيق.
﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: إن: شرطية، تولوا: ابتعدوا عما تدعوهم إليه من أتباع الحق، والهدى، والإسلام، وفرَّقوا بين الله ورسله، وصدقوا ببعض، وكفروا ببعض.
﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء للتوكيد، إنما: كافة مكفوفة تفيد زيادة التّأكيد.
﴿هُمْ﴾: ضمير منفصل يفيد التّوكيد.
﴿فِى شِقَاقٍ﴾: في خلاف معكم، وخلاف مع بعضهم بعضاً، موقف العداوة والخلاف، والشّقاق مشتقة من الشّق، وهو الّذي يفصل بين الشيئين؛ أي: كل واحدٍ منهم في شق غير شق الآخر، بسبب ما بينهما من العداوة، وقيل: مشتقة من شق العصا؛ أي: أظهر العداوة، وإذا استمروا على موقفهم هذا:
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾: شرهم، وأذاهم، ومكرهم، وينصركم عليهم، وقد حدث ذلك على سبيل المثال حين قاتل رسول الله بني قريظة، وأجلى بني النّضير، والسّين في ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾: للمستقبل القريب.
стр. 231
﴿وَهُوَ﴾: ضمير يفيد التّوكيد.
﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (١٢٧) من سورة البقرة للبيان.
سورة البقرة [٢: ١٣٨]
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾:
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: أي: دين الله (الإسلام)، وشبه الدّين (الإيمان) بالصّبغة؛ لأنّ آثاره تظهر على المؤمن، كما يظهر الصّبغ في الثّوب، والصّبغة هي إدخال لون على شيء بحيث يُغير لونه، والصّبغ ينفذ في المصبوغ كالقطن، أو الصّوف فيصبغه، والصّبغة غير الطّلاء: لأنّ الصّبغة تتدخل وتتسرب مادتها في مسام القماش، أو الصّوف، بينما الطّلاء: يبقى كطبقة خارجية لا تتدخل، ولا تتسرب كثيراً في المسام، فكأنّ الإيمان بالله، والدّين صبغة إلهية تتغلل في الجسد البشري بدرجات مختلفة حسب إيمان الفرد، وأحياناً قد تصل هذه الصّبغة إلى خلايا القلب، وكأنّ إيمان غير المسلمين كالطّلاء لا ينفذ إلَّا قليلاً، وإيمان المسلمين إيمان يصل إلى أعماق النفس والقلب.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾: ومن أحسن، ومن: استفهام تقريري، والجواب لا يوجد من هو أحسن من الله ديناً.
﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾: له: لام الاختصاص والاستحقاق، وتقديم له على عابدون تفيد الحصر؛ أي: فقط له عابدون؛ أي: لا نعبد إلَّا إياه وحده.
﴿عَابِدُونَ﴾: أي: مطيعون لأوامره، مجتنبون نواهيه.
سورة البقرة [٢: ١٣٩]
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾:
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِى اللَّهِ﴾: قل يا محمّد لهم: أتحاجوننا: الهمزة همزة استفهام إنكاري، وتوبيخ، والمحاججة: هي الحوار بين طرفين، أو أكثر؛ لإثبات الحجة،
стр. 232
وإظهار الحق من الباطل؛ كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَاجَّ إِبْرَاهِمَ فِى رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أتحاجوننا في الله: أي: من شأنّ الله واصطفائه لمحمد كنبي من العرب، وأنّكم أحق بالنّبوة، أو أنّكم أولياء الله وأحبائه.
﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر والتّوكيد.
﴿رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾: أي: نحن وأنتم الله ربنا، فهو الّذي يفصل بيننا وبينكم بالحق، فنحن:
﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾: ولا حاجة للمحاججة والادعاءات الباطلة.
﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾: له: اللام لام الاختصاص، والاستحقاق، وتقديم له الجار والمجرور على مخلصون بدلاً من القول، ونحن مخلصون له تفيد الحصر؛ أي: له وحده مخلصون؛ لأنّ العمل الصالح لا يُقبل إلَّا إذا كان خالصاً لوجه الله تعالى.
ومخلصون جملة اسمية تفيد الثبات؛ أي: صفة الإخلاص عندنا ثابتة لا تتغير.
سورة البقرة [٢: ١٤٠]
﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: الهمزة للاستفهام، والإنكار على قولهم: أنّ إبراهيم وأولاده كانوا هوداً ونصارى، أم للإضراب الانتقالي.
﴿تَقُولُونَ﴾: أي: تدَّعون، أو تزعمون أنّ هؤلاء الأنبياء إبراهيم وأولاده، ويعقوب وأولاده كانوا هوداً، أو نصارى، أو للتخيير.
стр. 233
وهم قد جاؤوا قبل موسى، وقبل عيسى، واليهودية، والنّصرانية ما حدثتا إلَّا بعد موسى، وبعد عيسى ﵉.
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد.
﴿ءَأَنتُمْ﴾: الهمزة همزة استفهام إنكاري، وتوبيخ.
﴿أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾: بما كانوا عليه من الدّين وهل هم يهود أو نصارى.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: ومن استفهامية تفيد التّعجب، والإنكار، والإقرار.
﴿أَظْلَمُ﴾: على وزن أفعل؛ أي: لا أحد أشد ظلماً من هذا الّذي يكتم شهادة.
﴿عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾: أي: يخفيها عن النّاس، ومن الثّانية هي استغراقية تشمل كل فرد.
والشّهادة هي علمهم بأنّ إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين، ولم يكونوا هوداً، ولا نصارى، أو قد تكون الشّهادة إنكارهم لأوصاف محمّد وصفاته ﷺ ، وأنه الرسول المنتظر ويجب تصديقه واتباعه.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو استئنافية، ما: النّافية، وأقوى في النّفي من ليس.
﴿اللَّهُ بِغَافِلٍ﴾: الباء: للتوكيد، والإلصاق، غافل: من الغفلة وهي عدم حضور الشيء في البال، عدم التّفطن للشيء؛ لعدم اليقظة، أو الانتباه. ارجع إلى الآية (٧٤) من نفس السورة، لمزيد من البيان.
стр. 234
﴿عَمَّا﴾: عن: تفيد المجاورة؛ أي: الابتعاد، ما: اسم موصول، أو حرف مصدري.
﴿تَعْمَلُونَ﴾: أي: تقولون، أو تفعلون.
سورة البقرة [٢: ١٤١]
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
هذه الآية ليست تكراراً للآية السّابقة (١٣٤)، فالآية (١٣٤) الخطاب فيها للنبي ﷺ ، ولعامة المسلمين، أما الآية (١٤١) فالخطاب فيها لليهود والنّصارى الّذين زعموا أنّ إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب كانوا هوداً ونصارى.
وزعموا لكونهم ينتسبون إلى هؤلاء الأنبياء؛ فإنّ ذلك سوف يشفع لهم يوم القيامة، فجاء الرّد على ذلك تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم؛ أي: أنتم لن تسألوا عما كانوا يعملون، وهم لن يسألوا عما أنتم تعلمون، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطّور: ٢١]، ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النّجم: ٣٩]، وهناك من قال: إنّ الآيتين بخصوص بني إسرائيل والنّصارى.
فالآية (١٣٤): تعني: أنّ نسبكم إلى إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق لن يشفع لكم يوم القيامة بما قدَّمتموه، وحرفتموه، وعصيتموه.
والآية (١٤١): تعني: حجتكم بكونكم هوداً، أو نصارى بالفعل لن يشفع لكم أيضاً، أو من جاؤوا قبلكم من أهل الكتاب لهم ما كسبوا من الأجر ولكم ما كسبتم من الإثم بمخالفتهم.
стр. 235
سورة البقرة [٢: ١٤٢]
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
سبب النّزول: روى البخاري عن البراء قال: لما قدِم رسول الله ﷺ المدينة، فصلَّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يتوجَّه نحو الكعبة، فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فقال السّفهاء من النّاس وهم اليهود: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ الآية.
﴿سَيَقُولُ﴾: السّين للاستقبال القريب.
﴿السُّفَهَاءُ﴾: أل: التّعريف؛ أي: نعرف من هم السّفهاء، السّفهاء: جمع سفيه: من السّفه، وهو الخفة، وضعف الرّأي، والسّفهاء: هم الجُهلاء.
﴿مِنَ النَّاسِ﴾: من: ابتدائية، النّاس: من المشركين (أهل مكة)، والمنافقين، ومن اليهود، ولماذا اقترنت كلمة النّاس بالسّفهاء؛ لأنّ السّفهاء تعني حتماً من النّاس للدلالة على أنّ السّفه هو سمتُهم، وقد بلغوا أعلى درجات السّفه.
﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾: ما: استفهامية، ولاهم: أي: ما صرفهم (أي: النّبي ﷺ والمؤمنين) وحولَهم.
﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: أي: قبلة بيت المقدس، والقبلة: اسم للجهة الّتي يتوجه إليها الإنسان في صلاته، أو الوجهة الّتي يتوجه إليها بوجهه.
стр. 236
﴿الَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾: فإن رسول الله ﷺ والمسلمون كانوا يصلون باتجاه بيت المقدس (باتجاه الشمال) بعد الهجرة إلى المدينة، كما روى البخاري في حديث البراء الّذي سبق ذكره في سبب النّزول، وكان استقباله إلى بيت المقدس بأمر من الله ووحيه، كما قال ابن عبّاس.
﴿قُلْ﴾: يا محمّد لهؤلاء السّفهاء.
﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾: مُلكاً، وخلقاً، وشمالاً، وجنوباً، فالكون له وحده، وله الخلق والأمر. لله: اللام لام الاختصاص تدل على الحصر؛ أي: لله حصراً.
﴿يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾: من يشاء إلى صراط مستقيم، لم يُبين لنا ما هو الصّراط المستقيم، ولكن بينه في سورة الحمد آية (٦ - ٧)، وقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ أي: الإسلام. ارجع إلى سورة الفاتحة، آية (٦) لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ١٤٣]
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿وَكَذَلِكَ﴾: الواو: عاطفة، الكاف: للتثبت، ذلك: اسم إشارة للبعد، يفيد بُعد منزلتهم.
كذلك: تعني: مثل، أو كما هديناكم إلى القبلة جعلناكم أمة وسطاً.
﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ولأمته.
стр. 237
والأمة هي الجماعة الّتي تجمعها عقيدة واحدة بغض النّظر عن الكم البشري، والحيز الجغرافي.
﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾: الوسط في الأصل: هو المنتصف، ووسط الشّيء، وله طرفان متساويان القدر. وقيل: الوسط: العدل (قال ابن عباس) والخيار.
﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾: أي: جعلناكم الخيار العدول؛ أي: لا غلو، ولا تقصير في العقيدة والعبادات.
﴿لِتَكُونُوا﴾: اللام: لام التّعليل.
﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: قيل: هؤلاء الشّهداء هم أولو العلم من أمة محمّد ﷺ ، فقط الّذين يسألون أن يشهدوا يوم القيامة، أو يدعون إلى الشّهادة للأنبياء على أممهم أنهم قد بلغوا رسالات ربهم بعد أن تكذبهم أممهم، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم؛ فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير؛ فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته؛ فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيداً، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، والسّؤال هنا ما دلالة تقديم الشّهداء على رسول الله ﷺ ؛ لأنّ شهادتهم على الأمم والأنبياء هو الهدف العام الأول، وكون الرّسول شهيداً عليهم هو الهدف الخاص بهم، وكيف يشهدون على غيرهم من الأمم وعلى الرسل وهم لم يدركوهم؟ يقولون بما معناه: ربنا قرأنا كتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب: صدق نوح (أو الرسل) وصدقت أمة محمد.
стр. 238
وهذه ميزة لأمة محمّد ﷺ على سائر الأمم الأخرى. ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة؛ لمعرفة معنى النّاس. وارجع إلى سورة الحج آية (٧٨) لمزيد في معنى شهداء على الناس.
﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾: يكون على أمته شهيداً في الآخرة على أنّه قد بلغهم (الرّسالة)؛ أي: شرعُ الله، أو يشهد على أعمالكم، ولم يقل لكم شهيداً، أو شهيداً لكم أي: يشهد لمصلحتكم، وإنما قال عليكم؛ أي: على أعمالكم؛ لأنّ على تفيد الاستعلاء؛ لأنّ حياة ومصير المشهود عليه رهن بشهادة الشّهيد، وليس الشّهيد بمنزلة المشهود له؛ أي: المتهم، أو شهيداً على صدقكم فيما شهدتهم به للرسل.
﴿وَمَا﴾: النّافية.
﴿جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: هذا بيان للحكمة في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة: إنّه اختبار إيماني لهم، فالله سبحانه يعلم علم اليقين ماذا سيحدث، وما فعل ذلك إلَّا ليكون الإنسان شهيداً على نفسه يوم القيامة، ويعلم درجة إيمانه، ومن يتبع الرّسول فيما أوحى اللهُ إليه ممن سينقلب على عقبيه، والعقب هو مؤخَّر القدَم؛ ويعني: الرّجوع إلى الوراء، والمراد به الارتداد عن الإسلام، والعودة إلى اليهودية، أو الشّرك، وينقلب على عقبيه استعارة تمثيلية للمرتد عن دينه.
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾: وإن المخففة تفيد التّوكيد، لكبيرة: اللام للتوكيد، إلا: للحصر.
وإن كانت هذه العملية تحويل القبلة لكبيرة؛ أي: أمر ثقيل، أو عملية شاقة إلَّا على الّذين هداهم الله، والصّادقين في إيمانهم في اتباع الرّسول ﷺ .
стр. 239
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: ما: النّافية، ليضيع: اللام للتوكيد.
ثباتكم على الإيمان والاستقامة. وقيل: نزلت فيمن صلَّى إلى بيت المقدس، ومات قبل تحويل القبلة فصلاته غير ضائعة وله أجره.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ﴾: انتبه إلى إن حرف توكيد، واللام في رؤوف حرف تأكيد ثان، بالناس: الباء للإلصاق. النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمزيد من البيان. رؤوف: من الرّأفة أشد من الرّحمة، والرّحمة أعم من الرّأفة.
﴿رَحِيمٌ﴾: لا يضيع أجر، عمل عاملٍ منكم مهما كان.
والصّلاة إلى بيت المقدس في البداية كان لها حِكم كثيرة لا يعلمها إلَّا الله إضافة إلى الاختبار الإيماني، قد يكون من بينها دلالاتها على وحدة الرّسالات السّماوية، ولتهدئة الصّراع النفسي لهؤلاء الّذين خرجوا من مكة، ولنعلم أنّ الكعبة كانت في ذلك الزّمان محاطة بالأصنام، ولم يتم تطهير الكعبة من رجس الوثنية بعد، والعبادة ليس وقفاً على جهة معينة، والتّسليم لما أمر الله هو أساس الطّاعة.
سورة البقرة [٢: ١٤٤]
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق توكيد، ويفيد الكثرة.
﴿نَرَى﴾: تدل على مرات كثيرة، ولم يقل قد رأينا؛ لأنّ رأينا تدل على مرة واحدة.
стр. 240
﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ﴾: تردُّد وجهك بالنّظر إلى السماء المرة تلو المرة طالباً قبلة غير الّتي أنت عليها (قبلة بيت المقدس).
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾: الفاء: للتأكيد، والنّون في نولينك: للتأكيد.
لنولينك: من التّولية، وتولية الوجه المكان؛ أي: اجعله أمامك، أو استقبله بوجهك، فلنولينك؛ تعني: لنوجهنك.
﴿قِبْلَةً﴾: أي: الجهة الّتي يستقبلها الإنسان في الصّلاة.
﴿تَرْضَاهَا﴾: الرّضا هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع، والرّضا: هو المحبة النّاتجة عن التّعقل، والتّفكير؛ أي: محبة ممزوجة بالفكر والعقل؛ لأنّ الحب من دون فكر، وعقل قد لا يدوم، أو لا تحمد عقباه.
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي: استقبل بوجهك في الصّلاة المسجد الحرام، والمراد بالوجه (الذّات؛ أي: جملة البدن) من قبيل المجاز؛ أي: إطلاق الجزء، وإرادة الكل.
شطر المسجد الحرام، وقال المسجد الحرام لم يقل الكعبة تحديداً؛ لإزالة الحرج على المسلمين؛ لأنّ المسجد الحرام يضم الكعبة حجر إسماعيل، ومقام إبراهيم، وكل ما حوله إلى حدوده.
الشّطر: الناحية الجهة؛ أي: جهته وناحيته، ونحوه وتلقاءه، والشّطر: هو النّصف، فإذا وقفت في وسط دائرة فيكون نصفها أمامك، ونصفها خلفك.
أي: اجعل وجهك جهة المسجد الحرام؛ أي: نحوه، وتلقاءَه، وبهذا الأمر الإلهي تحوَّلت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام.
стр. 241
روى البخاري عن البراء قال: لما قدِم رسول الله ﷺ المدينة فصلَّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً.
وروي عنه ﷺ : أنه كان يصلِّي في مكة نحو بيت المقدس، وكان يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فكأنه يستقبل القبلتين معاً.
وبعد الهجرة لم يعد يمكنه ذلك، فصار ﷺ يكثر تقلب وجهه في السّماء، ويدعو الله أن يوجهه نحو المسجد الحرام، وهكذا حتّى نزلت هذه الآية.
وروي عنه أنّه ﷺ كان يصلِّي الظّهر في مسجد بني سلمة المعروف الآن بمسجد القبلتين، فنزل الوحي (جبريل) بهذه الآية فصلَّى ركعتين إلى بيت المقدس، ثم صلَّى ركعتين إلى المسجد الحرام، وصلَّى وراءَه المسلمون.
وقد جاء في صحيح البخاري: أنّ الصّلاة الّتي وقع فيها التّحويل (تحويل القبلة) كانت صلاة الظّهر في المسجد النّبوي فصلَّى ركعتين متَّجهاً إلى المسجد الأقصى، وركعتين إلى المسجد الحرام.
وخلاصة أقوال المفسرين: أنّ صلاة الظّهر صلاها ﷺ كانت في بني سلمة صلَّى فيها ركعتين (من أصل ٤ ركعات) نحو المسجد الأقصى، وصلَّى الركعتين الباقيتين من صلاة الظّهر نحو المسجد الحرام، وصلَّى صلاة العصر في المسجد النّبوي كاملة نحو المسجد الحرام.
﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾: وحتى لا يعتقد أحد أن تحويل القبلة خاصاً بأهل المدينة؛ لذلك قال -جل وعلا-: وحيث ما كنتم: في أي بلد، أو مدينة، أو قرية، أو فلاة، أو كهف فولوا وجوهكم شطره.
وحيث: للمكان والزّمان والحال، وحيث: اسم مكان مبهم يفسِّره ما يضاف إليه، وإضافة ما (المطلقة) إلى حيث تزيدها إبهاماً وغموضاً.
стр. 242
﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾: في أي مكان على وجه الأرض، وأي ناحية من النواحي معروفة أو غير معروفة (مبهمة، غامضة).
﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾: اتجهوا بوجوهكم نحو المسجد الحرام، وقد يتساءل سائل لماذا لم يستعمل وأينما كنتم بدلاً من حيثما كنتم؛ لأنّ أينما أشد غموضاً، وإبهاماً، وأوسع شمولاً وعموماً من حيثما، واستعمل حيثما بدلاً من أينما؛ لأنّ هناك أمكنة لا تصح الصّلاة فيها كالمقبرة، وسطح الكعبة مثلاً، وأزمنة: والأزمنة المكروه فيها الصّلاة.
﴿وَإِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أي: اليهود والنصارى (أي: علماء اليهود، والنّصارى الّذين يعلمون التّوراة والإنجيل).
﴿لَيَعْلَمُونَ﴾: اللام للتوكيد، أنّه الحق من ربهم؛ لأنّه مكتوب عندهم: أنّ النّبي الجديد سوف يحول القبلة إلى البيت الحرام، أو لأنّهم يعلمون أنّ المسجد الحرام قبلة إبراهيم، أو في كتابهم الأمر بالتوجه إلى الكعبة، أو أنّ محمّداً (النّبي المنتظر) الذي لا يأمر إلَّا بالحق.
﴿أَنَّهُ﴾: إن للتوكيد.
﴿الْحَقُّ﴾: بأل التّعريف: أن تحويل القبلة إلى المسجد الحرام هو الحق، والحق هو ما كان من عند الله، والحق هو الأمر الثّابت الذي لا يتغير.
﴿مِنْ رَّبِّهِمْ﴾: الرّب الخالق، والحاكم، والمالك.
واستعمل الّذين أوتوا الكتاب، ولم يقل أهل الكتاب اليهود والنصارى؛ لأنّ استعمال كلمة أهل الكتاب فيها تكريم لهم وأوتوا الكتاب يستعملها في
стр. 243
سياق الذّم، أو التّقصير ويناديهم بالّذين أوتوا جزءاً من الكتاب؛ لأنّهم نسوا جزءاً منه وحرَّفوا كتابهم.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٤) من نفس السورة، لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ١٤٥]
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿وَلَئِنْ﴾: الواو: عاطفة، لئن: اللام للتوكيد، إن: شرطية.
﴿أَتَيْتَ﴾: من أتى؛ أي: ولئن جئت.
وأتى فيها سهولة أكثر من جئت (المجيء فيه معنى المشقة والصّعوبة)، والإيتاء في القرآن غالباً ما يستعمل في الكتب السّماوية، والرّحمة، والمال، والزّكاة، والأمور الخطيرة، والمعنوية، ويختلف عن العطاء بأنّ الإيتاء ليس فيه تملك. ارجع إلى الآية (١٣٦) من سورة البقرة.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (١٤٤).
﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾: الباء: للإلصاق، آية برهان ودليل، أو حجة على أنّ الحق هو تحويل القبلة من ربهم أملاً في اتباع قبلتك.
﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾: ما: النّافية للحال والاستقبال، تبعوا قبلتك: إلى المسجد الحرام عناداً وتكبراً.
﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾: وما أنت بتابع قبلتهم بعد اليوم إلى بيت المقدس، ولا فائدة ترجى من فعل ذلك، ما: النّافية، أنت: ضمير فصل للتوكيد والحصر.
стр. 244
﴿بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾: الباء: للتوكيد (الإلصاق)، قبلة اليهود نحو بيت المقدس، وقبلة النّصارى نحو المشرق مطلع الشّمس.
﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾: وما: للنفي والاستبعاد؛ أي: فلن تترك اليهود قبلتها، وتتجه إلى المشرق (مطلع الشّمس)، ولا النّصارى ستترك قبلتها نحو المشرق (مطلع الشّمس)، وتتَّجه إلى بيت المقدس مهما جاءتهم من الآيات.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: ثم جاء التّهديد من الله لنبيِّه، ويقصد به أمته، ومن خطر مخالفة أوامر الله، ونواهيه، واتباع الأهواء.
﴿وَلَئِنِ﴾: الواو: عاطفة، لئن: اللام للتأكيد، إن شرطية.
﴿اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم﴾: فصلَّيت إلى قبلتهم حرصاً على أن يتبعوك، ويؤمنوا لك ويصدِّقوك بعدما جاءك من الحق إنك إذن لمن الظّالمين.
﴿أَهْوَاءَهُم﴾: جمع هوى: والهوى ما يدور في العقل، وما تريده النّفس، وتميل إليه باطلاً، أو بما لا ينبغي، ولا دليل عليه، والهوى يغلب عليه صفة الذَّم، والهوى بالأداء والاعتقادات، والشّهوة تختص بنيل الملذات.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾: من: لابتداء الغاية؛ أي: تعني: مباشرة من بعد ما: لغير العاقل (تحويل القبلة) جاءك به الوحي، من العلم: علم اليقين من عند الله بأنّ الكعبة هي القبلة، وليس بيت المقدس إلى يوم القيامة. ارجع إلى الآية السابقة (١٢٠) للمقارنة ومعرفة معنى ﴿بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾؛ الذي: تعني: القرآن والإسلام؛ ما: تعني: تحويل القبلة.
стр. 245
﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾: إنك: إن للتوكيد، إذن: حرف جواب، لمن: اللام للتوكيد.
﴿الظَّالِمِينَ﴾: أنفسهم، وهذا في الحقيقة خطاب للمسلمين، بلا أدنى شك، بأن يتبعوا أوامر الله، ويتجنَّبوا أهواء الظالمين، وظلم النفس من جراء الخروج عن منهج الله وأوامره سبحانه.
الظالمين: جملة اسمية تفيد الثّبوت صفة الظّلم عندهم ثابتة لا تتغير ارجع إلى الآية (١٥٤) لمزيد من البيان من سورة البقرة. وإذا قارنا هذه الآية (١٤٥) مع الآية (١٢٠) نجد الاختلاف بين قوله تعالى: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥] ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: أشد وأبلغ في التحذير من ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
стр. 246
سورة البقرة [٢: ١٤٦]
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي: أولوا العلم من أهل الكتاب، وليس الأميون منهم؛ لأنّ الأميين منهم لا يعرفون الكتاب إلَّا أماني.
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾: تعود على النّبي ﷺ .
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾: الكاف: للتشبيه. ﴿يَعْرِفُونَ﴾: معرفة واضحة كما يعرفون أبناءَهم.
﴿يَعْرِفُونَ﴾: من عرف، والمعرفة تعني العلم بالذوات. وأما العلم: يتعلق بالصفات؛ أي: يعرفون رسول الله ﷺ بأوصافه وصفاته المذكورة في كتبهم، وما شاهدوه يفعل ويقول أمامهم قبل بعثته ﷺ .
مثال: فقد جاء في التّوراة: «يا أيها النّبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمِّيتك المتوكل ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو، ويغفر، ولن يقبضه الله حتّى يُقيم به الملَّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله ويفتح بها أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً».
﴿وَإِنَّ﴾: الواو: عاطفة، ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، ﴿فَرِيقًا مِّنْهُمْ﴾: أي: علماؤهم، ومن درسوا التّوراة والإنجيل، عاندوا وكتموا الحق.
стр. 247
﴿لَيَكْتُمُونَ﴾: اللام: لام التّوكيد، ﴿يَكْتُمُونَ﴾: من كتم الشيء؛ أي: سكت عن ذكره، والكتمان يختص بالمعاني، الأسرار والأخبار، أما الإخفاء فيكون للأشياء المادية، (أو الحسية)، فيقول: أخفيت الدراهم، ولا يقول كتمت الدراهم، والإخفاء أعم من الكتم.
﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: الحق هو الأمر الثابت، الذي لا يتغير، وهو ما جاء في ذكر رسول الله ﷺ ، وأوصافه، وأنه النّبي المنتظر.
وما أمر الله به في القرآن، وأمرُ القبلة، وأنّ عليهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وما جاء به.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أنه حق، ويعلمون عاقبة الكتمان، وهم ليس بجاهلين، أو أميين، ويعلمون أنّ الحق غالب على أمره، وسيظهر في النهاية، ويعلمون أنّ عليهم أن يؤمنوا بمحمَّد ﷺ ويصدِّقوه.
سورة البقرة [٢: ١٤٧]
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾:
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: هذا الذي يكتمون هو الحق من ربك (أمر محمّد ﷺ ، وصفاته، ونبوته، ورسالته، والقبلة، واتِّباعه وتصديقه)، وما دام أنه الحق من ربك؛ فلن يستطيع أحد أن يبدِّله.
والحق بطبيعته لا بد أن يظهر ويبرز وينتشر؛ لأنّ المعركة بين الحق والباطل لا بد أن تنتهي بهزيمة الباطل.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: فلا: الفاء: للتوكيد؛ تكونن: ولم يقل تكن؛ الزيادة التوكيد (بالنون الثقيلة)؛ الممترين: جمع ممترٍ، وممترٍ اسم فاعل من امترى.
المراء: هو الجدال بالباطل بعد ظهور الحق.
стр. 248
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
NORTH AMERICAN IMAMS FEDERATION
NAIF
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين إلى يوم الدين .. وبعد
فإن القرآن الكريم هو الكتاب المبارك الذي أنزله الله رحمة للعالمين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.
صدق الله حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وكان من دلائل صدق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه الكريم إلى يوم الدين أن قيض له من أولي العلم والتهي من بذلوا جهودا مشكورة، وصفوا المصنفات، وألقوا المؤلفات في العلوم التي تتصل بهذا الكتاب الكريم وتشكل سياجًا منيعًا للحفاظ عليه، تلك التي عرفت بـ "علوم القرآن".
وإن العمل في رحاب هذا الكتاب الكريم لهو شرف ما بعده شرف، وإن خدمة هذا النور الإلهي والكتاب الرباني لهو من أجلّ ما يتشرف به الإنسان ويعتزّ به حيث شهد له من أنزل عليه هذا الكتاب صلوات الله وتسليماته عليه بالخيرية والأفضلية عندما قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري.
وكان من توفيق الله لأخي الدكتور الفاضل محمد الهلال أن شارك بهذا الجهد الطيب في هذا المضمار وهو أخ عرفته عن قرب من خلال الزيارات الشخصية المتبادلة ومن خلال العلاقة الأكاديمية التي تربطني به كوني عميد الدراسات الإسلامية في الجامعة التي نال منها شهادة الدكتوراه.
فأقول وقبل الكلام عن كتابة انه رجل وداعيه قمة في التواضع والأدب قد خلط بين العلم الشرعي والعلم الأكاديمي وخاصة الطب وبرع فيهما.
وقد وهب الرجل قسم كبير من حياته لخدمة كتاب الله تعالي تعلما وتعليما من خلال منابر المساجد وله في هذا المجال باع طويل، واختتم هذه المسيرة المباركة مع كتاب الله تعالي بعمل رائع أضاف من خلال كتابه في التفسير والذي يحمل عنوان:
"تفسير القران الثري الجامع في الاعجاز البياني واللغوي والعلمي"
والذي كنت اتشرف بأبداء بعض الملاحظات هنا وهناك حسب رغبة فضيلة الدكتور ومختصر القول بأن هذا التفسير إضافه جميلة لكتب التفسير بأسلوب سهل ميسر يفهمه الجميع وهو غني بالمسائل اللغوية والعلمية في قالب جذاب مراعيًا التقيد بكل ما هو ضروري لمن يكتب في هذا الفن والله أسال أن يبارك في الكتاب وصاحبة وأن ينفع به المسلمين. آمين وصلى الله على نور الدين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأستاذ الدكتور عمر شاهين
مؤسس ورئيس اتحاد الأئمة بأمريكا الشمالية سابقًا
نائب رئيس جامعة مشكاة سابقًا
عميد برنامج الدراسات الإسلامية
فينکس اريزونا بتاريخ: ٢٥/ ٩ /
стр. 249
وفي آية يونس؛ أكد؛ لأنّ السياق في الشك مما أنزلنا إليك، فلإزالة الشك نحتاج إلى التّوكيد، فجاء بالنون. واللام في ﴿لَقَدْ﴾، وقد للتوكيد.
أما آية سورة آل عمران؛ جاءت في سياق خلق عيسى ﵇، وأنّ الله خلقه، كما خلق آدم، وليس في ذلك خلاف وإرجاف، كما في الآيات الأخرى، لذلك لم يؤكِّد بالنون، وقال: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
سورة البقرة [٢: ١٤٨]
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
الواو: استئنافية، ولكل: اللام لام التّوكيد؛ أي: لكل أمة، أو لكل أهل ملَّة، الإسلام، واليهودية، والنصرانية، في صلاتهم وجهة؛ أي: قبلة، ووجهة، هي: اسم للمكان المتوجَّه إليه كالكعبة، أو بيت المقدس.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾: ﴿هُوَ﴾: إما ترجع إلى الله؛ أي: اللهُ موليها لهم، وإما ترجع إلى المتولي، والمعنى يكون هو موليها نفسه؛ أي: متجه إليها في صلاته، فيكون المعنى أنّ الله مولٍّ كل ذي وجهة، وجهتهُ.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾: الفاء: للتأكيد، فاء السببية؛ لربط السبب بالمسبب.
﴿فَاسْتَبِقُوا﴾: من فعل سبق، ولم يقل: فسارعوا في الخيرات، من فعل سارع.
فما هو الفرق بين: سابقوا وسارعوا؟
﴿سَابِقُوا﴾: السباق يحتاج إلى أكثر من واحد للمسابقة، أما المسارعة؛ فتحتاج إلى واحد فقط، فإن أردت أن تسرع يمكن تسرع لوحدك، وإذا أردت أن تسابق تحتاج إلى آخر، أو أكثر، والسباق يحتاج إلى سرعة كذلك.
стр. 250
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾: ومنها استقبال القبلة، والفاء: للتأكيد، فاستبقوا من فعل سبق، واسبقوا غيركم من الأمم؛ أي: ليسبق كل منكم الآخر في فعل الخيرات: والطاعات، ويسرع في أدائها، والنوافل، وأعمال الخير، والبر، والإحسان، ولنسلم أنّ الخير مطلق، حتّى ولو وقع عن سهو.
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: ﴿أَيْنَ﴾: ظرف مكان مبهم، وإضافة ﴿مَا﴾: تزيدها إبهاماً وشمولاً.
للمقارنة بين ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾، ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾؛ ارجع إلى الآية (١٤٤).
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾: أي: في أي مكان في السماء والأرض.
﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: يأت من أتى، وأتى تعني: بسهولة، ويسر يوم القيامة؛ للجزاء، والحساب.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، لا تعجزونه، لا يعجزه؛ أي: شيء مهما كان في السموات ولا في الأرض.
﴿قَدِيرٌ﴾: صيغة مبالغة لقادر. ارجع إلى الآية (٢٠) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ١٤٩]
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَمِنْ﴾: الواو عاطفة، من استغراقية؛ حيث: ظرف للمكان.
﴿خَرَجْتَ﴾: إلى أي جهة خرجت، ودخل وقت الصلاة.
следующие страницы →