Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
سورة التّوبة [الآيات ٢١ - ٢٦]
سورة التوبة [٩: ٢١]
﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾:
الّذين آمنوا، وهاجروا، وجاهدوا في سبيل الله؛ يبشرهم ربهم برحمة منه.
﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: من البشارة؛ يخبرهم ربهم بخبر سار. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ لبيان معنى البشارة.
﴿بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾: الباء: للإلصاق، والاهتمام، والرّحمة: هنا تعني النّجاة من النّار، والفوز بالجنة، وهي أكبر رحمة.
﴿مِّنْهُ﴾: تعني: رحمة عامة، ولم يقل من لدنه؛ فهذا يدل على رحمة خاصَّة، والرحمة تعريفها: تعني جلب ما يسر، ودفع ما يضر.
﴿وَرِضْوَانٍ﴾: من الرّضا: وهو سرور واطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع، صيغة مبالغة، على وزن فعلان؛ أيْ: كثير الرّضا، ورضوان مشتقة من رضا الله عن العبد، وهو أكبر من الجنة، وما فيها، وهو أفضل الجزاء.
فالجنّة: هي الجزاء المادي، ورضوان الله هو الجزاء الرّوحي المعنوي، ومن ثمراته الزّيادة، وهي رؤية الله -جل وعلا-؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، جنات الفردوس، والنّعيم، وجنات عدن، وجنات المأوى، ودار السّلام.
стр. 1857
﴿فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾: دائم لا يزول، ولا يحول.
سورة التوبة [٩: ٢٢]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾: الخلود: هو البقاء، والاستمرار من بداية؛ أيْ: له بداية، وليس له نهاية، يبدأ من زمن دخولهم الجنات.
﴿أَبَدًا﴾: للمبالغة في الخلود؛ أي: الخلود في المستقبل إلى غير نهاية، وقد تعني: للتوكيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: الأجر: يكون مقابل العمل؛ أي: الأجر لا يُستحق إلا بعد العمل، والأجر يكون في الطّاعات للأعمال البدنية، أو هو الجزاء على العمل، سواء أكان عملاً دنيوياً، أم أخروياً، والأجر يأتي دائماً بمعنى: النفع.
﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: أيْ: أعظم الأجور على الإطلاق.
سورة التوبة [٩: ٢٣]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾:
المناسبة: قيل: نزلت هذه الآية لما أمر رسول الله ﷺ المسلمين بالهجرة إلى المدينة؛ فعزَّ على بعض المسلمين ترك آبائهم، وإخوانهم في مكة، ولم يهاجروا، وتركوا الهجرة، كما رُوي عن ابن عباس ﵄.
وقيل: نزلت في تسعة نفر ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بأهلهم بمكة؛ فنهى الله عن ولايتهم، كما رُوي عن مقاتل، والمهم: هو عموم اللفظ، وليس خصوص السبب.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين هم على درب الإيمان بأمر أو بتكليف هو:
стр. 1858
﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾: لا: النّاهية، تتخذوا: من اتخذ، وبمعنى: جعل، أو صير.
﴿آبَاءَكُمْ﴾: الآباء، والأمهات، والأجداد، والأعمام.
﴿وَإِخْوَانَكُمْ﴾: أي: الأصدقاء والإخوة.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي، والولي: المعين، وتعني: المودة، والمحبة؛ أيْ: لا تتخذوهم بطانة تحبوهم، وتودوهم، وتفشوا إليهم بأسرار المسلمين، أو تؤثروهم على الهجرة إلى المدينة، أو تنصروهم.
﴿لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك، أو الندرة.
﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾: ولم يقل: إن أحبوا الكفر على الإيمان؛ لأن القول: إن أحبوا؛ تعني: هذا الحب، هو حب الفطرة؛ أيْ: أمر فطري، وهذا غير معقول، وإنّما قال استحبوا وهذا الحب هو حب مستفعل؛ أيْ: هو حبٌّ هم صنعوه، واختاروه بأنفسهم، وهو حبٌّ يعارض حب الفطرة؛ الّذي هو حب الإيمان، وللمزيد في بيان الولي: ارجع إلى الآية (١٠٧) من سورة البقرة.
﴿وَمَنْ﴾: شرطية.
﴿يَتَوَلَّهُمْ﴾: يتخذهم أولياء، ويلقي إليهم بالمودة، ويطلعهم على أسرار المسلمين، ويتجسس لهم، وينصرهم.
﴿مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: منكم خاصَّة.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتأكيد، أولئك: اسم إشارة للبعد.
﴿هُمُ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿الظَّالِمُونَ﴾: الظّالمون حقاً، وإن كان يوجد غيرهم من الظّالمين؛ فهم
стр. 1859
أظلمهم. جمع ظالم، والظالم: الّذي لا يتبع منهج الله سبحانه؛ فيظلم نفسه بأن يوردها في النار. ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان في معنى الظلم.
و ﴿الظَّالِمُونَ﴾: جملة اسمية تفيد الثّبوت، صفة الظّلم أصبحت ثابتة عندهم.
سورة التوبة [٩: ٢٤]
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾:
هذه الآية تتمة للآية السّابقة؛ نزلت في هؤلاء الّذين تخلفوا عن الهجرة بسبب أهليهم، وعيالهم، وأموالهم، وديارهم.
وقد قيل: إنّه لما نزلت الآية السّابقة قال بعض الصّحابة: يا رسول الله! إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدِّين؛ قطعنا آباءنا، وعشيرتنا، وذهبت تجارتنا، وخُربت ديارنا؛ فنزلت هذه الآية، كما رُوي عن ابن عباس ﵄.
﴿قُلْ﴾: لهم يا رسول الله ﷺ :
﴿إِنْ﴾: شرطية.
﴿كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾: عشيرتكم: جمعها عشائر، والعشيرة: تضم كل الأقارب، والعائلة.
﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾: أيْ: حصلتم عليها بجهد ومشقة، وتعب، وليست من المال الموروث؛ أيْ: من وراء تجارة، أو حرفة. اقترفتموها: من الاقتراف، أو القرف. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (١١٣)؛ للبيان.
стр. 1860
﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾: بوارها؛ لتركها وراءكم في مكة بعد الهجرة، وعدم رواجها، وخاصَّة إذا كانت له شراكة مع المشركين، أو غير المسلمين؛ فستضيع حصتهم.
﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾: مسرورين بها، أو فرحين بها.
﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: من الهجرة، ومن محبة الله ورسوله، والامتثال لأوامرهما، وطاعتهما.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: التّربص: هو الانتظار، ولو طال، والانتظار مع التّحفز؛ أي: الانتباه، والترقُّب لوقوع شيء بكم.
﴿حَتَّى يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: بقضائه، أو عقابه، وقيل: فتح مكة، وهذا وعيد لهؤلاء الّذين لا يريدون الهجرة.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: جمع فاسق: وهو الخارج عن طاعة الله، والدّين ـ باختياره طريق الفسق والضّلال ـ وابتعاده عن طريق الهدى؛ فالله لا يوفقه، ولا يرشده إذا كان الفاسق يريد أن يفسق؛ يتركه الله سبحانه لما يحب من الفسق، والعصيان. ارجع إلى الآية (٢٦) من سورة البقرة؛ لبيان الفسق، والفاسقين.
سورة التوبة [٩: ٢٥]
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾:
﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق؛ أيْ: قد ثبت، وتحقق ذلك النّصر.
﴿نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾: مواطن: جمع موطن: اسم مكان لفعل وطن، يطن، والموطن: هو مكان التّوطن؛ أي: الإقامة، ويطلق على موقع المعركة.
стр. 1861
﴿مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾: مثل: بدر، والحديبية، وخيبر، وفتح مكة.
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾: غزوة، أو موقعة حنين، وحنين: وادي بين مكة، والطائف.
خرج رسول الله ﷺ ، ومعه عشرة آلاف مقاتل من المدينة، مع ألفين من أهل مكة؛ لمحاربة هوزان، وثقيف بعد فتح مكة، وكانوا أربعة آلاف، فأُعجب المؤمنون بكثرتهم، وقالوا عندها: لن نغلب بعد اليوم من قلة، ولكن سرعان ما انهزموا في بداية المعركة، ولم تغن عنهم كثرتهم شيئاً، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثمّ لما عدلوا عن غرورهم، وتضرعوا إلى الله؛ نصرهم الله في نهاية المعركة، وأنزل جنوداً (ملائكة، ولكنها لم تقاتل).
﴿إِذْ﴾: ظرفية زمانية؛ تفيد الفجأة.
﴿أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾: أيْ: غرتكم كثرة عددكم، ولم تتوكلوا على الله.
﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾: تُغن: ولم يقل تغني، حذف الياء؛ للدلالة على أن هذا كان غنى مؤقت في بداية المعركة وزال، أما يغني: بزيادة الياء يعني: غنى كامل ودائم؛ أيْ: لم تنفعكم شيئاً، وفررتم في أول المعركة، ولم يبق مع النّبي إلا مئة رجل. شيئاً: نكرة، وتعني: أي شيء، والشيء: هو أقل القليل.
﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: أيْ: ضاقت عليكم رغم سعتها، ورحابها.
﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾: ثم: لتباين موقف الغرور، والشّعور بالنصر، مع الشّعور بالهزيمة.
﴿مُّدْبِرِينَ﴾: جمع مدبر: اسم فاعل من أدبر، انهزمتم راجعين من أرض
стр. 1862
المعركة على أدباركم؛ إلا رسول الله ﷺ ، ومعه العباس، وأبو سفيان، وقلة من الصّحابة.
سورة التوبة [٩: ٢٦]
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، ترتيب الأحداث، وليس للتراخي في الزّمن.
﴿أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: لو تأملنا في القرآن: لوجدنا أنّ الله سبحانه يأتي بذكر سكينته، وهاء الضّمير في سكينته: يعود على الله تعالى.
وقد لوحظ: أنه سبحانه حين يذكر الرّسول يذكر سكينته؛ تعظيماً للسكينة، وتشريفاً لرسول الله ﷺ ، وحين لا يذكر الرّسول في سياق الآيات يأتي بذكر السّكينة بدلاً من سكينته، فهذه سكينة عامة بالمؤمنين، وتلك سكينة خاصَّة برسول الله ﷺ .
﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾: أي ملائكةً لم تقاتل كما قاتلت في بدر، وإنّما كانت فائدتها: أنّها ثبتت قلوب المؤمنين، وألقت الرّعب في قلوب الكافرين.
﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: بالقتل، والسّبي، والأسر، وخسارة الأموال، والأنعام يومها، وتكرار على رسول الله، وعلى المؤمنين: يفيد التّوكيد، وفصل كل منهما على حِدَةٍ.
﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾: ذلك: اسم إشارة؛ للبعد، يشير إلى العذاب؛ جزاء الكافرين على كفرهم في الدّنيا: بالهزيمة، والقتل، والسّبي، وخسارة الأموال.
стр. 1863
سورة التّوبة [الآيات ٢٧ - ٣١]
سورة التوبة [٩: ٢٧]
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: يفتح الله باب التّوبة. ثم: للترتيب والتراخي في الزمن، أو للتباين بين مرتبة التولي مدبرين والتوبة.
﴿يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: من بعد ذلك من بعد الهزيمة، والخزي، والخسارة.
﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: أيْ: يقبل الله توبة من يشاء أن يتوب.
وقيل: بعد موقعة حنين بـ (٢٠) يوماً؛ لحق قوم هوازن برسول الله ﷺ قرب الجعرانة (٧) أميال من مكة، وأسلموا، وتابوا إلى الله، وأعاد الله لهم ما أُخذ منهم.
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: كثير المغفرة، غفور لمن تاب، وآمن، وعمل صالحاً. صيغة مبالغة من غفر؛ أيْ: ستر ومحا الذنب.
﴿رَحِيمٌ﴾: لم يعجِّل لهم العقوبة؛ ليتوبوا، وتعاد إليهم أموالهم، وسبيهم.
سورة التوبة [٩: ٢٨]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ
стр. 1864
بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء جديد للذين آمنوا بأمر جديد، أو تكليف، أو بيان، أو حكم: وهو المشركون نجس. يقال لكل شيء مستقذر نجس.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة، ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
﴿الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾: جمع مشرك، فكل مشرك نجس، والنّجاسة تقسم إلى نجاسة حسية؛ مثل: البول، والميتة، ولحم الخنزير، ونجاسة حكمية معنوية: كالشرك، والخمر، والميسر، بسبب اعتقاداتهم الفاسدة، وشركهم، وقوله: إنما المشركون نجس: تشبيه بليغ.
﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾: لا: الناهية، يقربوا المسجد الحرام: أيْ: ألا يكونوا قريبين من حدود الحرم، من جهة المدينة المنورة عند التنعيم (٣ أميال) من الكعبة، ومن جهة اليمن (٧ أميال)، ومن جهة جدة (١٠ أميال)، ومن جهة الجعرانة (٩ أميال)، ومن جهة العراق (٧ أميال).
وهل النهي يشمل كل مسجد، أم المسجد الحرام فقط؟ وكل مسجد غيره؛ لأنهم قالوا بالقياس؛ اختلف العلماء في هذا. ارجع إلى المصادر الفقهية.
﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾: بعد هذا العام التّاسع من الهجرة؛ أي: المنع يبدأ في السّنة العاشرة.
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة؛ للقرب، وهو العام الّذي حج فيه أبو بكر ﵁، وقرأ علي ﵁ على النّاس وثيقة البراءة من المشركين.
стр. 1865
ولما نزلت هذه الآية خاف، وتوهم بعض المسلمين من أهل مكة: أن تنقطع تجارتهم، أو لقمة عيشهم بسبب هذا المنع؛ فرد الله على ظنهم بقوله:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: وإن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الشّك.
﴿عَيْلَةً﴾: مصدر عال، يعيل؛ لها معانٍ عدة: العيلة: الفقر، عال يعيل عَيْلة: إذا افتقر، والعيلة: من أعال إعالة؛ فهو يعيل؛ أيْ: أصبح صاحب عيال، أو كثر عياله، وتعني: وإن خفتم ألا تجدوا ما تنفقوا على عيالكم. ارجع إلى سورة النساء، آية (٣)؛ لمزيد من البيان.
﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتّأكيد، سوف: حرف للاستقبال؛ تفيد البعد، والتّراخي؛ أيْ: سوف يرزقكم الله تعالى بإنزال المطر، وإخراج الزرع، والثمار.
﴿يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: بإنزال مطر، أو إسلام الكثير من النّاس، والقدوم إلى الحج، والعمرة، وازدياد حركة التّجارة.
الفضل: هو الزّيادة على ما يستحق.
﴿إِنْ شَاءَ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد.
﴿عَلِيمٌ﴾: عليم بأقوالكم، وأفعالكم، ونواياكم، وعليم بما يصلح أحوالكم: الغنى، أم الفقر.
﴿حَكِيمٌ﴾: حكيم من الحكم؛ فهو الحاكم، وحكيم من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء في العطاء، أو المنع، حكيم بتدبير شؤون خلقه، وكونه، وشرعه؛
стр. 1866
فهو أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٢٩)؛ لمزيد من البيان.
سورة التوبة [٩: ٢٩]
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾:
أسباب النزول: روى ابن المنذر، عن الزهري، قال: أنزلت هذه الآية في قتال كفار مكة من قريش، والعرب. وقيل: هم الكفار من الّذين أوتوا الكتاب، وسبب قتالهم: هو عدم دفعهم الجزية.
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق؛ أيْ: إيمان عقيدة، وتوحيد، إيمان يشمل إيمان الألوهية، والرّبوبية، والصفات، والأسماء، والملائكة، والرسل، والكتب … وغيره.
﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: تكرار لا: للتوكيد؛ توكيد النفي، والباء: للتوكيد. واليوم الآخر؛ أي: يوم البعث والحساب، والجزاء، وتعني: الكفر بأحدهما، أو كلاهما معاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨) لمزيد من البيان.
﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: من الشرك، والكفر، والقتل، والفساد، ونقض العهود.
﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾؛ أي: دين التوحيد.
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أي: اليهود، والنّصارى.
стр. 1867
﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: والجزية: هي المقدار من المال، أو الضريبة الّتي يجب أن يدفعها كل من يعيش في ديار المسلمين من غير المسلمين مقابل تقديم الحماية له، والخدمات الاجتماعية، لكن لا يشارك في الجيش، أو الدفاع، أو حماية الوطن، وكان يطلق على هذه الضريبة: الجزية، وهو قادر على دفع ذلك، أما من تبيَّن أنه غير قادر؛ فتسقط عنه.
﴿عَنْ يَدٍ﴾: عن سعة وقدرة، وقيل: عن طوع وانقياد، وقيل: قهر وذل، وإذا أسلم تسقط عنه.
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: هم: للتوكيد. صاغرون: تعني: الالتزام، والخضوع لهذا الحكم؛ صاغرون: جمع صاغر: وهو الذليل.
سورة التوبة [٩: ٣٠]
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾: وقالت بعض الطّوائف من اليهود: عزير ابن الله؛ عزيرٌ بالتّنوين، وعند اليهود يسمَّى: عِزْرا، ويقرأ بالتّنوين، أو بالضّم: عزيرُ، وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل، ضرب الله به مثلاً؛ لإحياء الموتى حين قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْىِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾.
وقيل: قد حفظ التّوراة عن ظهر قلب. وقيل: إنّه كتب التّوراة لبني إسرائيل بعد أن فقدها بنو إسرائيل إلى العمالقة.
стр. 1868
﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾: لكونه وُلِدَ بلا أب، وجرت على يديه الكثير من المعجزات؛ مثل: إحياء الموتى، والتّكلم في المهد، وخلق الطّير من الطّين، ومعالجة الأكمه، والأبرص.
﴿ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: ذلك: اسم إشارة للبعد، ويشير إلى قولهم: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله.
﴿قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: أيْ: مجرد قول بالفم، لا سند له، ولا برهان، كلام لغو، وعبث، والباء: للإلصاق.
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: يضاهئون: يشابهون، أو يماثلون، والمضاهاة: هي المشابهة، والمماثلة، وقيل: مشتقة من امرأة ضهياء: هي المرأة الّتي لا يظهر لها ثدي، أو قيل: لا تحيض، وأنّها تشبه الرّجل.
﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الوثنيين، وقدماء الفرس، والعرب المشركين؛ الّذين قالوا: الملائكة بنات الله.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من الأمم الّذين جاؤوا من قبلهم.
من قبلُ: بالضّم حين تضم: تدل على مدة معينة من الزّمن، سواء أكانت قريبة، أم بعيدة.
من قبلِ: وحين تكسر تدل على مدة غير معينة قريبة، أو بعيدة
﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾: لعنهم الله، وطردهم من رحمته، أو أبعدهم عن رحمته، وهو دعاء عليهم بالهلاك.
стр. 1869
﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: أيْ: كيف يصرفون عن الحق، والدّليل: وهو توحيد الله، وتنزيهه عن الشّرك، والولد إلى عبادة مخلوقاته؛ مثل: المسيح ابن مريم، والعزير، والأوثان.
﴿يُؤْفَكُونَ﴾: مشتقة من الإفك، وهو الكذب المفترى المتعمَّد. ارجع إلى سورة العنكبوت، آية (٦١)؛ للبيان.
سورة التوبة [٩: ٣١]
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
﴿اتَّخَذُوا﴾: جعلوا، أو صيروا.
﴿أَحْبَارَهُمْ﴾: جمع حبر: وهو العالم عند اليهود.
﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾: جمع: راهب، وهو العابد عند النّصارى، المنقطع لعبادة الرّب؛ أيْ: عُبادهم، والعالم عند النّصارى يسمَّى قسيساً، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة: ٨٢].
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾: أرباباً: جمع رب، واتخذوا: لا يعني أنّهم يقولون لكل حبر وراهب رب، ولكن المعنى هنا: أطاعوهم، كما أطاعوا الرّب الإله الخالق في التّحليل، والتّحريم، والتّعظيم؛ أيْ: عظموهم، كما يعظمون الرّب بالدّعاء، والذّكر، والثّناء.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله، أو سواه.
стр. 1870
﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أي: اتخذوا المسيح ابن مريم رباً؛ حين قالوا: المسيح ابن الله، أو ثالث ثلاثة.
﴿وَمَا أُمِرُوا﴾: الواو: حالية؛ تفيد التّوكيد، أمروا: في كتبهم في التّوراة، والإنجيل، وما جاءت به رسلهم.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿لِيَعْبُدُوا﴾: اللام: لام التّوكيد، العبادة: لا تكون إلا للخالق، وهي الخضوع، والطّاعة مع المعرفة بالمعبود. ارجع إلى سورة النحل، آية (٧٣)؛ لبيان معنى العبادة.
﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: الإله: المعبود، واحداً: توكيد، والواحد؛ تعني: المتفرِّد بالذّات، والذي لا يتجزأ، فلا شريك له، ولا يصبح اثنين، أو ثلاثة، أما الأحد: فهو الّذي لا شبيه، ولا نظير، ولا مثيل، ولا ثاني له.
﴿لَا﴾: النّافية للجنس.
﴿إِلَهَ﴾: معبود بمعنى: مألوه على وزن مفعول؛ لا معبود بحق في الوجود إلا هو.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
قوله: ﴿لَا إِلَهَ﴾: للنفي. إلا هو: للإثبات، أو توكيد النّفي.
стр. 1871
فقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: جمعت النّفي، والإثبات معاً. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٥)؛ لمزيد من البيان.
﴿سُبْحَانَهُ﴾: أيْ: أصفه بكل كمال، وأنزهه عن كل نقص، وشرك، وعجز، وما لا يليق به؛ تنزيهاً لذاته، وصفاته، وأفعاله؛ فلا ذات مثل ذاته، ولا صفة مثل صفاته، ولا فعلاً مثل أفعاله. ارجع إلى سورة الإسراء، آية (١)؛ لمزيد من البيان.
﴿عَمَّا﴾: عن: تفيد المجاوزة، والابتعاد، ما: مطلقة للعاقل، وغير العاقل، ما: حرف مصدري.
﴿يُشْرِكُونَ﴾ بالله، يشركون بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدد، والتّكرار، وأنّهم مستمرون في شركهم بقولهم المسيح ابن الله، أو عزير ابن الله، أو الملائكة بنات الله، أو يتخذون من دونه أولياء، أو يتخذون الأصنام، والأوثان آلهة يُعبدون.
سورة التّوبة [الآيات ٣٢ - ٣٦]
стр. 1872
سورة التوبة [٩: ٣٢]
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾:
﴿يُرِيدُونَ﴾: أي: اليهود، والنّصارى … وغيرهم.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ تفيد التّوكيد.
﴿يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: نور الله: دين الله، دين الإسلام، شبه الدّين بالنّور. بأفواههم: الباء: للإلصاق، والتّوكيد، والاختصاص، بأفواههم؛ أيْ: بأقوالهم، وأقوالهم فارغة لا تستند إلى برهان، ولا دليل.
﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾: يأبى من الإباء: شدة الامتناع؛ أيْ: لا بد أن يُتم الله نوره، ولو في المستقبل؛ إلا: أداة حصر. أن: للتوكيد، يتم نوره: جاء بجملة فعلية فيها تجديد واستمرار.
﴿نُورَهُ﴾: أيْ: دينه وهو الإسلام؛ أيْ: ينشر، ويظهر دينه، والإظهار يكون بالحُجَّة، والسلطان، ومنها آيات الإعجاز العلمي، ولا يعني بالقوة، والجبروت، ولو شاء الله لفعل هذا أيضاً.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: ولو: بمعنى: وإنْ كره الكافرون. لو: شرطية.
ولا بد من مقارنة هذه الآية بآية الصّف (٨)، والّتي يقول فيها سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.
ففي هذه الآية، آية الصف: أضاف اللام: لام التّوكيد، والتّعليل في كلمة (ليطفئوا)، وبدل أن يتم الله نوره، قال: والله متم نوره، جاء بالجملة الاسمية
стр. 1873
بدلاً من الفعلية، وتفسير الاختلاف يعود إلى أنّ آية التّوبة جاءت في سياق اتخاذ الأحبار، والرّهبان أرباباً من دون الله، والمسيح ابن مريم.
أما آية الصّف: فجاءت في سياق إنكار نبوَّة رسول الله ﷺ ؛ فجاء الرّد أشد بالتّوكيد بلام (ليطفئوا)، وكذلك جاء بالجملة الاسمية، والله متم نوره؛ للدلالة على الثّبات، وعدم التّغير، والإتمام حاصل لا محالة.
بينما في التّوبة: جاء بالجملة الفعلية؛ أيْ: تدل على التّجدد، والاستمرار، والجملة الاسمية أقوى من الفعلية، وآكد؛ فيكون المعنى بالتّجديد، والاستمرار، والثّبات معاً على إتمام الله سبحانه لنوره (دينه). ارجع إلى سورة الصف، آية (٨)؛ لمزيد من البيان، والمقارنة.
سورة التوبة [٩: ٣٣]
﴿هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾:
﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل يفيد الاختصاص والقصر والتّوكيد على الله سبحانه.
﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾: محمّد ﷺ .
﴿بِالْهُدَى﴾: بالقرآن، والباء: للتوكيد.
﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: دين الإسلام.
﴿لِيُظْهِرَهُ﴾: اللام: للتعليل، والتّوكيد، والهاء: تعود إلى الدِّين.
﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾: ليظهر هذا الدِّين على سائر الملل، سواء حدث هذا عاجلاً، أم آجلاً، كما قيل بعد نزول عيسى ﵇، أو ليظهره إظهار حُجَّة، وبرهان ليعليه؛ أيْ: يجعله مهيمناً هيمنة برهان، وحُجَّة، وليس معناه: يمحو الدّيانات الأخرى، ولا ظهور أتباع بحيث يصبح كلّ واحد مسلم.
стр. 1874
﴿الدِّينِ كُلِّهِ﴾: كله: توكيد.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: ولو: حرف شرط؛ بمعنى: وإن كره المشركون.
سورة التوبة [٩: ٣٤]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾:
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد.
﴿كَثِيرًا﴾: ولم يقل كلّ، بل قال: كثيراً؛ أيْ: هناك القلة من الأحبار وهم علماء اليهود لا يأكلون أموال النّاس بالباطل، والكثير يأكل.
﴿وَالرُّهْبَانِ﴾: عُباد النّصارى. ارجع إلى الآية (٣١) من نفس السّورة؛ للبيان.
﴿لَيَأْكُلُونَ﴾: اللام: للتعليل، والتّأكيد. يأكلون: جاء بالفعل المضارع؛ ليدل أنهم أكلوا، ولا زالوا يأكلون، وتدل على التّجدد، والاستمرار في الأكل؛ أيْ: أخذ أموال النّاس بالباطل، وشبه الأخذ بالأكل؛ لكثرة حدوثه؛ لأنّ النّاس تأكل المرات العديدة في اليوم، أو لأنهم يشترون بالمال الباطل الطعام فينتهي في بطونهم.
﴿أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾: بالباطل: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ بغير الحق؛ أيْ: بالرّشوة، والغش، والكذب، والخداع، والحرام.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: يمنعون النّاس عن الدّخول في دينه، واتباع رسوله محمّد ﷺ ، ويحاربون الإسلام بأقوالهم، وأفعالهم.
стр. 1875
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾: الّذين: اسم موصول يفيد الذّم.
﴿يَكْنِزُونَ﴾: الكنز؛ بمعنى: الجمع، والخزن. يكنزون: جاء بصيغة المضارع؛ للتجدد، والتّكرار، وبصيغة الجمع؛ لأنّ المخاطبين كثرة؛ هذا عنده ذهب، وهذا عنده فضة، أو كلاهما.
﴿الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾: هما أساس التّعامل التّجاري، والعملة.
﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾: لا: النّافية.
﴿يُنْفِقُونَهَا﴾: لا يؤدُّون حق زكاتها، أو ينفقون بعضها في سبيل الله، ومساعدة الفقراء، والمساكين، ولم يقل ينفقونهما؛ لأنّ الصّيغة هي الجمع؛ إذن: هم يقومون بأربعة أفعال: الأكل بالباطل، والصّد عن سبيل الله، وكنز الذّهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله.
﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: الفاء: للتوكيد، بشرهم: من البشارة، والبشارة هي الإخبار بأمر سار عادة، واستعملت هنا بقصد التّهكم، والاستهزاء.
﴿بِعَذَابٍ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد، والاستمرار.
﴿أَلِيمٍ﴾: شديد الإيلام لا يطيقه أو يقدر عليه أحد.
سورة التوبة [٩: ٣٥]
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾:
﴿يَوْمَ﴾: ظرف زمان منصوب؛ تقديره: واذكر يوم يحمى عليها، أو تتمة للآية السّابقة: فبشرهم بعذاب أليم يُحمى عليها. قال: يُحمى عليها في نار جهنم، ولم يقل: تحمى عليها؛ لأنّ تحمى عليها قد تعني: النّار أن توقد وتُسعر، ولكن قوله: يحمى عليها؛ تعني: الأموال الذّهب والفضة.
стр. 1876
﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾: لماذا اختيرت هذه الأعضاء من بين سائر أعضاء الجسم.
نحن لو نظرنا إلى ما يفعله الغني البخيل في وجه الفقير لكي لا ينفق عليه شيئاً:
أوّلاً: العبوس، ويظهر ذلك على الجباه؛ لذلك تكوى أولاً جباهُهُم.
ثمّ يدير له جانبه في المجلس؛ جنوبهم تكوى ثانياً.
ثمّ يولي له ظهره؛ ظهورهم تكوى ثالثاً.
﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾: هذا: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة؛ يفيد القرب والذّم.
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي كنزتم.
أو مصدرية ﴿كَنَزْتُمْ﴾: وبال كونكم كانزين لأنفسكم؛ أي: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق.
﴿فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾: ذوقوا وبال ما كنزتم، أو كونكم كانزين.
سورة التوبة [٩: ٣٦]
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِى كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾:
نزلت هذه الآية بشأن النّسيء الّذي كانت العرب تفعله؛ كي يستحلُّوا فيه المحرمات.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
стр. 1877
﴿عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾: عند الله؛ أيْ: في علمه تعالى، وحكمه، والشّهور: جمع شهر، وهي الأشهر القمرية؛ لأنّ الحساب كان يتم بها، ويعتمد على رؤية القمر، وعدة الشهور، وثباتها يعتمد على ثبات بُعد الأرض عن الشمس، وهو (١٥٠ مليون كم)، فلو كانت الأرض أقرب إلى الشمس؛ لقل عدد الشهور، ولو كانت أبعد؛ لكان عدد الشهور أكثر. إذن: ثبات عدد الأشهر باثني عشر شهراً؛ يدل على ثبات بُعد الشمس عن الأرض.
﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾:
﴿فِى كِتَابِ اللَّهِ﴾: في اللوح المحفوظ، أو المدوَّن في كتابه؛ أيْ: في شرع الله يوم خلق السموات والأرض؛ أيْ: يوم حدِّد بُعدُ الأرض عن الشمس، وعن القمر، وعن غيرها من الأجرام، وثبته على ذلك، وهو البُعد المثالي للعيش على هذه الأرض.
﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: ثلاثة أشهر متواليات: ذو القعدة، وذو الحِجَّة، ومحرَّم، ورجب. حُرُم: لا قتال فيها؛ هنَّ فرصة للسلام، والأمان.
قال تعالى: منها، ولم يقل: منهنَّ أربعة حرم؛ لأنّ منهنَّ: جمع قلة (أقل من عشرة)، أما اثنا عشر؛ فهي جمع كثرة، ولذلك استعمل منها.
﴿ذَلِكَ﴾: أيْ: تحريمها من الدِّين القيم؛ الدِّين الّذي تستقيم به أمور الحياة، وهو دِين إبراهيم، دِين الإسلام؛ فمن دون الدِّين لا حياة حقيقة أصلاً، بل يعم الفساد، والضّلال، وأمّا إذا اعتدوا عليكم، واستحلوا حرمة هذه الشّهور؛ فقاتلوهم، وذلك جزاء الكافرين.
﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّافية.
﴿تَظْلِمُوا﴾: من ظلم النّفس؛ أيْ: إنقاصها حقها من فعل الخيرات، وتزكيتها في هذه الأشهر الحرم؛ أيْ: أكثروا، وبادروا إلى القيام بالأعمال الصالحة؛ لأن
стр. 1878
أجرها عظيم، ولا تجعلوا الحرام حلالاً، والحلال حراماً، وبفعل المعصية، وترك الطّاعات، والقتل، والسّلب، وقال فيهنَّ: ولم يقل فيها؛ لأنّ الأربعة أشهر جمع قلَّة، وفيهنَّ: لجمع القلَّة. انتبه إلى الفرق بين قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ﴾.
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: يجب الانتباه إلى معنى كافة في هذه الآية؛ كافة هنا: تعود على المؤمنين؛ تعني: يا أيها الّذين آمنوا إذا قاتلتم المشركين فكونوا جميعاً؛ أيْ: يداً واحدة، أو قاتلوهم كافة الكل يشارك في قتالهم، كما يقاتلونكم كافة، ولا تفرقوا. أمّا إذا عادت إلى المشركين فكيف نقاتلهم كافة ونحن قلة؟
وانتبه إلى قوله: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: الكاف: للتنبيه؛ أيْ: قوى الباطل تجتمع عادة مع بعضها، فلا داعي لدعوتها إلى الاجتماع أصلاً؛ فهم لا يقاتلونكم إلا كافة من شدة خوفهم منكم، ولا تعني: قاتلوا المشركين كافة، وأنتم قلَّة، أو لا تقدروا عليهم.
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: علم اليقين. أن: للتوكيد، مع المتقين: يمدهم بالعون، والنّصر. معهم بعلمه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السّموات، ولا في الأرض.
стр. 1879
سورة التّوبة [الآيات ٣٧ - ٤٠]
سورة التوبة [٩: ٣٧]
﴿إِنَّمَا النَّسِاءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر، والتّوكيد.
﴿النَّسِاءُ﴾: تأخير الشّيء، من نسأ؛ أيْ: أخَّر، وتعني: تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر؛ أي: التلاعب بتغير موضع الشهر عن موقعه الحقيقي؛ حتّى يبيحوا لأنفسهم ما حرم الله فيها من القتال، أو فعل المحرمات.
فكان معلوماً عند العرب حرمة الأربعة أشهر: رجب، وذي القعدة، وذي الحِجَّة، ومحرَّم؛ أيْ: لا قتال فيها فكانوا إذا احتاجوا إلى تحليل الشّهر المحرم للحرب عندها يؤخِّرون مثلاً تحريم شهر محرم إلى صفر، وهكذا تصبح الأشهر مختلطة، أو إلى زيادة، أو إنقاص يوم من الشهر.
﴿زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ﴾: فأخبرهم الله سبحانه: أنّ هذا زيادة في الكفر؛ إضافة إلى كفرهم بالله، وكتبه ورسله (الكفر العادي)؛ لأنّهم أحلوا الحرام، وحرموا الحلال.
﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: به تعود على النسيء. يُضَل به الفاعل مجهول (مبني للمجهول)؛ قد يكون الشّيطان، أو من جاء من قبلهم، أو هم أنفسهم من يقوم بإضلال.
стр. 1880
وهناك فرق بين الضّلال، والإضلال؛ فالضّلال: يقتصر على الذّات، أو النّفس، أما الإضلال: فيتعدَّى إلى الغير.
﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾: بإبدال شهر من الأشهر الحرم، بشهر من الشّهور الحل، أو إبدال شهر حل بشهر محرم، أو يحرمونه عاماً، ويحافظون على حرمته، فلا يحلونه أبداً، أو يحلونه هذا العام، ويحرمونه العام القادم.
﴿لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد.
المواطأة: هي الموافقة في العدد؛ فهم لا يحلوا شهراً من الأشهر الحرم؛ إلا حرموا مكانه شهراً من الحلال، ولم يحرموا شهراً من الحلال؛ إلا أحلوا مكانه شهراً من الحرام؛ لئلا تكون الأشهر الحرم أكثر من أربعة؛ أيْ: لتوافق عدة الأربعة أشهر الحرم الّتي حرم الله؛ أي: العدد في النهاية متساوٍ.
﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: فيحلُّوا القتال في الأشهر الحرم.
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾: زَين لهم الشّيطان سوء أعمالهم، أو قادتهم ورؤساؤهم.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: والله لا يهدي القوم الّذين اختاروا طريق الكفر على الإيمان، وساروا فيه، ولا يريدون العودة إلى طريق الهدى، والتّوبة؛ فالله سبحانه لا يهديهم كلما ابتعدوا عن طريق الهداية، ويتركهم وشأنهم.
سورة التوبة [٩: ٣٨]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾:
المناسبة: قيل: نزلت هذه الآية لما أمر رسول الله ﷺ المسلمين بالخروج
стр. 1881
إلى غزوة تبوك، والاستعداد لها، وكان ذلك في زمن عسرة، وجدب، وحر شديد، وقد طابت الثّمار؛ فعظم على النّاس هذا الأمر؛ أي: الجهاد، والخروج، وبعضهم فضل البقاء؛ فنزلت هذه الآية، كما روى الطبري عن مجاهد.
نداء جديد إلى الّذين آمنوا، والهاء: للتنبيه للجهاد في سبيل الله، وحين يقول في سبيل الله: تعني: غالباً الجهاد في سبيل الله، والاستعداد للخروج؛ فهو يشكل الخطوة الأولى في الجهاد، وقتال العدو.
﴿مَا لَكُمْ﴾: ما: الاستفهامية فيها معنى التّوبيخ، والتعجب، لكم: خاصَّة.
﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾: إذا: بمعنى حين ظرف زماني، قيل لكم: من قِبل الرّسول، أو إخوانكم.
﴿انْفِرُوا﴾: اخرجوا من النفرة: الأصل في النّفرة: التّباعد بين إنسان وصديقه كان بينهما مودة، ومحبة، ثمّ حدث من هذا الصّديق فعل، أو قول أدَّى إلى أن يبتعد عنه، أو ينفر منه، انفروا فيها حث للنّاس، ودعوتهم للخروج إلى أمر ما بسرعة؛ مثل: الجهاد، أو إنقاذ غريق، أو حريق، ومنه إعلان النّفير العام هبوا إلى القتال.
﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ابتغاء مرضاة الله؛ لإعلاء كلمة الله، أو الجهاد غالباً.
﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾: أصلها تثاقلتم إلى الأرض؛ أدغمت التّاء في الثّاء؛ أي: أخلدتم إلى الأرض؛ غرتكم شهوات الدّنيا؛ حيث طابت الثمار؛ أيْ: أينعت، وكون الجو حاراً، أو اطمأننتم إلى الدّنيا، وأردتم البقاء في الدّيار، وعدم الخروج، والتّثاقل: معناه لك المقدرة على الفعل المطلوب منك، ولكنك تتصنع أنك غير قادر؛ أي: تتكاسل.
﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري،
стр. 1882
وتوبيخي، الرّضا: القبول، والسّرور، وحب القلب، أرضيتم بنعيم الدّنيا بدل نعيم الآخرة، وبالحياة: بالباء: للإلصاق، والتّوكيد.
﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِى الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: فما: الفاء: عاطفة، ما: النّافية، متاع الدّنيا: الفاني، والزائل، والقليل، والمتاع: هو كل ما ينتفع به، ويرغب في اقتنائه؛ كالطّعام، والأثاث، والسّلعة، والأداة به، وما يستمتع به من لذائذ لا يقارن بمتاع الآخرة الدّائم، والأكبر، والّذي لا ينفد.
سورة التوبة [٩: ٣٩]
﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أصلها: إن: الشّرطية، لا: النّافية، وتقديرها: إن لا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً.
﴿تَنْفِرُوا﴾: إن لم تخرجوا للجهاد مع النّبي ﷺ إلى تبوك. ارجع إلى الآية (٣٨)؛ لمزيد من البيان.
﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: ينذركم بالعذاب الأليم في الدّارين، وبالقحط، أو الأوبئة، أو الهلاك.
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: يستبدلكم بجيل آخر، أو قوماً آخرين، ويستبدل قوماً غيركم: من الاستبدال، والاستبدال لا يعني الاستخلاف.
الاستبدال: يأتي بقوم غير القوم، ولو بعد مرور قرون، والاستبدال يحصل لأقوام أعرضوا عن دين الله، وتطبيق شريعته، ولذلك قضى عليهم، وأهلكهم، وجاء بقوم آخرين.
والاستخلاف: يأتي بجيل، أو قوم بعد جيل، أو تلو الآخر من دون انقطاع.
стр. 1883
والاستخلاف: يحصل لأقوام قصروا في دينهم، وإيمانهم؛ فأبدلهم بقوم آخرين، وانقضى أجلهم؛ أيْ: ماتوا، وجاء بقوم آخرين.
﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾: ولا: النّافية، تضروه: الهاء: تعود على رسول الله ﷺ ؛ أي: لا تضروا رسول الله ﷺ شيئاً؛ لأنّ الله وعده بالعصمة، والنّصر.
﴿شَيْئًا﴾: أقل القليل. شيئاً: نكرة مهما كان نوعه؛ بالقول، أو بالفعل، والضّر: هنا كلّ ما يحصل من عواقب وخيمة من ترك الجهاد.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: قادر على هزم الأعداء وحده، وقادر على أن يهلككم، ويأتي بقوم آخرين أفضل منكم؛ لرفضكم الاستجابة إلى الخروج في سبيل الله .
﴿قَدِيرٌ﴾: صيغة مبالغة كثير القدرة؛ قادر على أن يفعل أيَّ شيء، أو يقهر أيَّ شيء.
سورة التوبة [٩: ٤٠]
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِىَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾:
﴿إِلَّا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة؛ للبيان.
﴿تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾: إن لم تنصروه، وتؤيِّدوه بالنّفير، والخروج إلى تبوك.
﴿فَقَدْ نَصَرَهُ﴾: الفاء: للتوكيد، قد: لزيادة التّوكيد، والتّحقيق، ولم
стр. 1884
يقل: فسينصره الله؛ لأن قوله تعالى: فقد نصره الله (بصيغة الماضي)؛ أيْ: قد حدث وانتهى.
﴿نَصَرَهُ اللَّهُ﴾: قبل ذلك أيْ: أعانه على أعدائه، أو تكفل الله بنصره.
أيْ: إن تخاذلتم، ولم تنصروه الآن؛ فقد نصره الله من قبل؛ إذ أخرجه الّذين كفروا من مكة.
﴿ثَانِىَ اثْنَيْنِ﴾: أيْ: هو وأبو بكر فقط، وأسند الإخراج إلى الكفار، والحقيقة: أنّ الله هو الّذي أذن له بالخروج عن طريق جبريل ﵇ حين هموا بقتله، وحين اجتمعوا في دار الندوة، وعزموا على قتله، ولكنهم لم ينالوه بأذى، وترك علياً في فراشه ﷺ ، وخرج من بينهم، ولم يروه إلى الغار (غار جبل ثور) في مكة.
﴿إِذْ﴾: ظرف زمان بمعنى: واذكر إذ، أو واذكر حين.
﴿هُمَا فِى الْغَارِ﴾: هذه هي مرة أخرى الّتي نصره الله فيها، بإرسال العنكبوت؛ لينسج خيوطه على باب الغار، وجاء بالحمام؛ ليبني عشَّه كذلك، ولم يَرَ، أو يعثر الكافرون على رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وهما داخل الغار، وهم على بابه.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾: إذ؛ أيْ: حين قال رسول الله ﷺ لصاحبه أبي بكر: لا تحزن إن الله معنا: وأبو بكر لم يحزن عن ضعف إيمان، أو لخروجه مع رسول الله ﷺ ، وإنما كان حزنه خوفاً على رسول الله ﷺ أن يُمسَّ بمكروه.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾: إنّ: للتوكيد، الله معنا: بعونه، ونصره؛ معنا: يرانا، ويراقبنا، ويحفظنا؛ معنا: بعلمه، وقدرته.
стр. 1885
﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾: فأنزل: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ أيْ: مباشرة أنزل الله سكينته، أنزل الله سكينته على رسوله ﷺ ، أو كلاهما. ارجع إلى الآية (٢٦) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾: مثل: العنكبوت، والحمام، والطّمس على قلوب الّذين كفروا، وعدم الدّخول في الغار، وأيد رسوله ﷺ بجنود؛ تعني: الملائكة في الغار، أو في بدر.
﴿لَّمْ تَرَوْهَا﴾: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾: كلمة الكفر، والشّرك. السّفلى: أي: المغلوبة، أو الباطلة.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا﴾: هي: ضمير فصل؛ تفيد التّوكيد، كلمة الإيمان والتّوحيد: لا إله إلا الله محمّد رسول الله ﷺ .
﴿الْعُلْيَا﴾: كلمة الحق.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: عزيز: القوي الّذي لا يغلب، ولا يقهر، والممتنع له العزة جميعاً.
﴿حَكِيمٌ﴾: في أفعاله، وتدبير شؤون خلقه، وكونه حكيم هو الحاكم؛ إليه يرجع الأمر كله، وحكيم من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء، وأحكم الحاكمين، في هجرة نبيه إلى المدينة. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
стр. 1886
سورة التّوبة [الآيات ٤١ - ٤٧]
سورة التوبة [٩: ٤١]
﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾:
﴿انْفِرُوا﴾: اخرجوا للقتال من دون تردُّد، أو تثاقل. ارجع إلى الآية (٣٨)؛ للبيان.
﴿خِفَافًا﴾: من دون سلاح، أو بالسّلاح الخفيف.
﴿وَثِقَالًا﴾: حاملين السّلاح، مدججين بالسّلاح؛ شباناً أو كهولاً.
﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾: وجاهدوا: من الجهاد؛ أي: قتال العدو؛ لإعلاء كلمة الله تعالى، أو الدّفاع عن الأنفس، وجاهدوا فيها حث على الجهاد، وليس مجرد أن تخرج، فلا بد من الخروج من بذل أكبر الجهد.
﴿بِأَمْوَالِكُمْ﴾: الباء: للإلصاق، والاهتمام، والأموال مهمة للاستعداد للجهاد، وشراء المؤونة، والعدة، والإنفاق على الجنود، ورعاية أهليهم حين الخروج.
﴿وَأَنفُسِكُمْ﴾: بالتّضحية بالأنفس؛ ضحوا بأنفسكم في سبيل الله.
﴿فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ابتغاء مرضات الله، لا لرياء، أو سمعة، أو غنيمة، أو حمية، أو عصبية.
﴿ذَلِكُمْ﴾: ذلكم: اسم إشارة للبعيد، واستعمل ذلكم، وليس ذلك؛ لأنّ الخطب عظيم، وهو الجهاد، ولكونه يشمل: الأموال، والأنفس … وغيرها؛ أي: يشير إلى عدة أمور.
стр. 1887
﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: من القعود عن الجهاد، والموت؛ موت البعير، وخير لكم من البخل، والشّح. خير لكم عند ربكم، خير: نكرة تشمل: كل أنواع الخير.
﴿إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: إن: شرطية. تعلمون: أنّ الشّهادة في سبيل الله، أو النّصر، وإعلاء كلمة الله، ونصر دينه خير لكم من الدّنيا، ونعيمها الزّائل الفاني.
سورة التوبة [٩: ٤٢]
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾:
﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾: لو: شرطية، كان عرضاً قريباً: الخروج إلى تبوك للجهاد.
﴿عَرَضًا﴾: أيْ: متاعاً، أو غنيمة، أو منفعة دنيوية، وسمِّي ذلك عرضاً؛ لأنّه يزول، ويتغير، وكلّ ما يتغير يسمَّى عرضاً، والدّنيا عرض، والصّحة والمرض عرض.
﴿قَرِيبًا﴾: سهل الوصول إليه، أو التّناول، أو ليس فيه تعب، ومشقة، وسفر.
﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾: سفراً وسطاً غير بعيد معتدلاً، والقاصد، ومنه المقتصد الّذي هو الوسط.
﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد. لاتبعوك: طلباً للغنيمة، أو المنفعة الدّنيوية.
﴿وَلَكِنْ﴾: حرف: استدراك، وتوكيد.
﴿بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾: أي: المسافة الّتي تحتاج إلى تعب، ومشقة، ولذلك لم يخرجوا معك.
﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾: السّين: للاستقبال القريب؛ أيْ: سيحلفون
стр. 1888
بالله: عندما ترجعون من غزوة تبوك؛ سيحلفون بالله لكم كذباً (وهذا ما حدث فعلاً): لو استطعنا لخرجنا معكم، فهم كانوا يستطيعون الخروج، ولديهم المال، والقدرة، ولكنهم حلفوا كذباً، لم يستطيعوا.
﴿يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ﴾: لأنهم لم يخرجوا معك في سبيل الله، ويحلفون بالله كذباً أنهم غير قادرين على الخروج؛ فهم زجُّوا بأنفسهم في دائرة الهلاك، يُهلكون أنفسهم بصيغة المضارع بدلاً من أهلكوا أنفسهم بصيغة الحال، وبشاعة الحلفِ.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: للتوكيد، لكاذبون: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد؛ كاذبون: جمع كاذب، وجاء بالجملة الاسمية بدلاً من يكذبون للدلالة على أنّ سمة الكذب أصبحت ثابتة عندهم، ولم يقل: والله يشهد إنهم لكاذبون: لأنّ الكذب عمل قلبي، أو سر أو غيبي لا يعلمه إلا الله، ولم يشاهده النّاس، أو الصّحابة، أو يعلموا به.
سورة التوبة [٩: ٤٣]
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾:
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾: من العفو: وهو محو الخطأ، أو الذّنب، ولا عقاب عليه.
﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾: لم: اللام: للتعليل. ما: للاستفهام. أذنت لبعض المنافقين بعدم الخروج إلى تبوك، أو التّخلف عنك.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾: أيْ: لو تمهلت لتبيَّن لك الحق؛ أيْ: تعلم الّذين صدقوا، وتعلم الكاذبين، تعلم الّذين صدقوا في أعذارهم، هل هي صدق أم كذب، وقال الّذين صدقوا: ولم يقل: الصّادقين؛ لأنّ
стр. 1889
صفة الصّدق غير ثابتة عندهم، والّذين صدقوا: صدقوا؛ أيْ: صفة الصدق عندهم غير ثابتة، مرة يصدقون، ومرة يكذبون.
أما الصّادقون: فصفة الصّدق عندهم ثابتة؛ أيْ: يصدقون دائماً.
وسنرى في الآية (٤٧): أنّ ما فعله رسول الله ﷺ بالإذن لهم بالقعود كان فيه حكمة: هي لو أنّهم خرجوا فيهم ما زادوهم إلا خبالاً، ولأوضعوا خلالهم، وربما كانوا سبباً لهزيمة المسلمين.
سورة التوبة [٩: ٤٤]
﴿لَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾:
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أيْ: من طلب منك الإذن بالقعود، وعدم الخروج: هم الّذين لا يؤمنون بالله، واليوم الآخر، وأما من آمن بالله، واليوم الآخر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨). فلم يطلبوا منك ذلك، وخرجوا ليجاهدوا في سبيل الله بأموالهم، وأنفسهم.
﴿أَنْ يُجَاهِدُوا﴾: أنْ: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من علم، علم ما في قلوبهم من إيمان وتقوى. عليم: صيغة مبالغة؛ أي: كثير العلم.
﴿بِالْمُتَّقِينَ﴾: الباء: للإلصاق، المتقين: الّذين أطاعوا أوامر الله، وتجنبوا نواهيه، والباء: للإلصاق؛ أيْ: أصبحت صفة، أو سمة التّقوى عندهم ثابتة لا تتغير.
стр. 1890
سورة التوبة [٩: ٤٥]
﴿إِنَّمَا يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
﴿يَسْتَئْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي: المنافقون، بعدم الخروج.
﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: لا زالت الرّيبة تساور قلوبهم، والرّيبة: هي الشّك، والتّهمة معاً.
﴿فَهُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، هم: لزيادة التّوكيد.
﴿فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾: التّردد: هو الذّهاب، والمجيء، وعدم الاستقرار في مكان واحد؛ أيْ: لا مع المؤمنين، ولا مع الكفار.
يترددون بين الخروج معك، أو البقاء في ديارهم مع الكفار.
سورة التوبة [٩: ٤٦]
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾:
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾: الواو: استئنافية، لو: شرطية، أرادوا الخروج: معك.
﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾: اللام: رابطة لجواب الشّرط، تعليلية، والعدة: ما يعدُّه الإنسان ويهيئه؛ أيْ: للخروج في سبيل الله؛ أيْ: لو كانوا عازمين على الخروج في سبيل الله؛ لأعدوا، وأحضروا ما يلزمهم للحرب من الزّاد، والرّاحلة، والسّلاح؛ فهم ليس عندهم حتّى النّية في الخروج، فكيف الاستعداد.
وسبب ذكر ذلك؛ لأنّهم لو استعدوا للخروج، وأحضروا عدتهم، ثمّ حدث طارئ ما يمنعهم عن الخروج، لكن ذلك مقبول، أو أهون درجة.
стр. 1891
﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ﴾: لكن: حرف للاستدراك، والتّوكيد، كره الله انبعاثهم: ارجع إلى الآية (١٩) من سورة النّساء؛ لمعرفة الفرق بين الكُره، والكَره؛ بضم الكاف، أو فتح الكاف. انبعاثهم: انطلاقهم، أو قيامهم للخروج.
﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. ثبطهم: منعهم، وأقعدهم عن الخروج؛ جعلهم يشعرون بالجبن، والكسل؛ فلم يخرجوا، أو شغلهم عن الخروج.
﴿وَقِيلَ﴾: القائل هنا رسول الله ﷺ ؛ لما طلبوا منه ذلك.
﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: الّذين لا يجب عليهم الجهاد من النّساء، والأطفال، والشّيوخ، أو ربما المعذورين أولو الضّرر، أو القواعد من النّساء.
سورة التوبة [٩: ٤٧]
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾: لو: شرطية. خرجوا فيكم: ولم يقل: خرجوا معكم؛ لأنّ فيكم: في: ظرفية؛ تعني: مختلط فيهم، أو أصبح منهم؛ بينما خرجوا معكم: قد يخرجوا معهم، ويبقوا منعزلين عنهم غير مختلطين بهم.
﴿مَا زَادُوكُمْ﴾: ما: النّافية، زادوكم بخروجهم.
﴿إِلَّا خَبَالًا﴾: إلا: أداة حصر، خبالاً: شراً، وفساداً، وبلبلة في الأفكار، والخبال: مرض عقلي، واضطراب في الرّأي؛ فلا تستطيعون اتخاذ قرار حاسم.
﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: من الإيضاع؛ يقال: أوضعت النّاقة: إذا أسرعت في سيرها؛ أيْ: يسرعوا بينكم بالفتنة، والفساد.
стр. 1892
﴿خِلَالَكُمْ﴾: جمع خلَلَ، والخلل: هو الفرجة بين الشّيئين؛ أيْ: أحدثوا الفرقة بين صفوفكم بسرعة.
أو لسَعَوا بينكم وأسرعوا في نشر وبث النّميمة، والتّحريش، والإفساد، والتّفرقة، وإثارة الفتن، والكذب، والرّعب.
﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: يبغون: يلتمسون لكم الفتنة في الدّين، وبغى: طلب، أو التمس، وأضاف النّون في يبغونكم: للتوكيد.
﴿الْفِتْنَةَ﴾: إيقاع الخلاف بينكم، والشّك في الخروج، والجهاد، وتهويل الأمر، والهزيمة.
﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾: أيْ: بينكم أُناس ضعاف يسمعون لحديثهم، ويتأثرون بأقوالهم، وأخبارهم، وينقلونها إلى غيرهم.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: عليم: صيغة مبالغة من عالم؛ كثير العلم بأحوال الظّالمين الظّاهرة، والباطنة، ونواياهم، وأقوالهم، وأفعالهم.
﴿بِالظَّالِمِينَ﴾: الباء: للإلصاق؛ الظّالمين: الّذين لم يخرجوا معكم، وقعدوا.
﴿بِالظَّالِمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
والظّالمين: جملة اسمية؛ تدل على ثبوت صفة الظّلم فيهم.
والظّالمين: جمع ظالم، وهو كل من خرج على منهج الله، أو لم يطعه.
стр. 1893
سورة التّوبة [الآيات ٤٨ - ٥٤]
سورة التوبة [٩: ٤٨]
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾:
﴿لَقَدِ﴾: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق، والتّوكيد.
﴿ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾: طلبوا، أو أرادوا الفتنة من قبل الخروج إلى تبوك، أو من قبل؛ تعني: يوم أحد؛ حين انصرفوا راجعين، والفتنة: قد تعني: صد النّاس عن الدّخول في الإسلام، والفتنة: قد تعني: بث الخلاف، والفرقة، والشّتات بين المسلمين؛ للإيقاع بهم، أو محاولتهم رد المسلمين إلى الكفر.
﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: قلبوا الحق باطلاً، والباطل حقاً، والتّقلب: جعل أعلى الشّيء أسفله، أو أسفله أعلاه، ودبَّروا لك الحيل؛ حتّى يتخلصوا منك، ومن دين الإسلام الجديد.
﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾: حتّى: حرف غاية نهاية الغاية. جاء الحق: النّصر.
﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: ظهر، وانتشر أمر الله؛ دين الله الإسلام، أو شرعه، ودخل النّاس فيه أفواجاً، وعلا وانتصر شرعه.
﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: أن يروا كلّ ذلك يحدث أمام أعينهم، وكارهون: جملة اسمية؛ تدل على الثّبات؛ ثبات كرههم لكم، ولدينكم.
стр. 1894
سورة التوبة [٩: ٤٩]
﴿وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ ائْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّى أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾:
سبب نزول الآية: كما رُوي عن ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في الجد بن قيس: وهو من الأنصار، من المنافقين؛ فقد جاء يطلب الإذن بعدم الخروج، والسّماح له بالبقاء في المدينة؛ لأنّه لم يكن له جلد على الحرب، وشدائدها، وكان له ولع بحب النّساء، وسمع عن جمال بنات الروم، وخشي أن يُفتن بهنَّ.
﴿وَمِنْهُم﴾: أيْ: الجدُ بن قيس منهم من المنافقين.
﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَن لِّى﴾: بالقعود، وعدم الخروج.
﴿وَلَا تَفْتِنِّى﴾: لا: النّاهية، تفتني: أيْ: لا توقعني في الفتنة، وهي الإثم؛ أي: الفاحشة؛ كونه لا يملك نفسه من بنات بني الأصفر؛ أيْ: نساء الرّوم.
﴿أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾: ألا: أداة استفتاح؛ ليلفت السامع؛ فينصت، فلا تأخذه غفلة عن الأمر المهم الّذي يتكلم به المتكلم؛ أيْ: يستمع المستمع بكلّ قواه.
أيخافون أن يقعوا في فتنة نساء الرّوم؛ فهم قد سقطوا في فتنة النّفاق، وفتنة التّخلف، وعدم الخروج، وأيُّ فتنة أعظم من هذه الفتن! أمّا فتنة رؤية نساء الرّوم؛ فلا شيء مقارنة بتلك الفتن؛ بعد أن وقعوا في أشد منها بكثير، والفتنة: قد تكون جهنم؛ أيْ: ألا في جهنم سقطوا.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: إن: حرف توكيد.
﴿بِالْكَافِرِينَ﴾: الباء: باء الإلصاق؛ أي: المصاحبة، والكافرين: جملة
стр. 1895
اسمية؛ تدل على الثّبوت؛ ثبوت كفرهم، وإنّ جهنم محيطة بهم يوم القيامة من كل الجوانب، وكأنهم في وسطها يصطلون فيها، ولا محيص، ولا مهرب لهم عنها؛ فهي مؤصدة عليهم، وشبهت بالسّوار المحيط بالمعصم.
سورة التوبة [٩: ٥٠]
﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾:
﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الافتراض.
﴿تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾: نصر، أو غنيمة، والحسنة: ما يُسر النّفس حصوله، السّيئة: ما يسوء النّفس وقوعه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠١) لمزيد من البيان.
﴿تَسُؤْهُمْ﴾: جواب الشّرط؛ تحزنهم وتزعجهم؛ تضايقهم، أو يشعروا بالغم.
﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾: إن: شرطية. تصبك مصيبة: مثل: القتل، أو الهزيمة، أو جراح وشدة.
﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: قد أخذنا حذرنا؛ فلم نخرج معه، أو نقاتل معه. من قبل: أيْ: من قبل حدوث هذه المصيبة.
﴿وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾: يستمروا على إعراضهم، وهم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. فرحون: بما أصابك من الخسارة، والهزيمة، أو فرحون بسلامتهم، وعدم خروجهم معك، ولبيان معنى الفرح وأنواعه ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠).
следующие страницы →