← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ﴾: لكن: حرف للاستدراك، والتّوكيد، كره الله انبعاثهم: ارجع إلى الآية (١٩) من سورة النّساء؛ لمعرفة الفرق بين الكُره، والكَره؛ بضم الكاف، أو فتح الكاف. انبعاثهم: انطلاقهم، أو قيامهم للخروج. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾: الفاء: للتعقيب، والمباشرة. ثبطهم: منعهم، وأقعدهم عن الخروج؛ جعلهم يشعرون بالجبن، والكسل؛ فلم يخرجوا، أو شغلهم عن الخروج. ﴿وَقِيلَ﴾: القائل هنا رسول الله ﷺ ؛ لما طلبوا منه ذلك. ﴿اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: الّذين لا يجب عليهم الجهاد من النّساء، والأطفال، والشّيوخ، أو ربما المعذورين أولو الضّرر، أو القواعد من النّساء. سورة التوبة [٩: ٤٧] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾: لو: شرطية. خرجوا فيكم: ولم يقل: خرجوا معكم؛ لأنّ فيكم: في: ظرفية؛ تعني: مختلط فيهم، أو أصبح منهم؛ بينما خرجوا معكم: قد يخرجوا معهم، ويبقوا منعزلين عنهم غير مختلطين بهم. ﴿مَا زَادُوكُمْ﴾: ما: النّافية، زادوكم بخروجهم. ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾: إلا: أداة حصر، خبالاً: شراً، وفساداً، وبلبلة في الأفكار، والخبال: مرض عقلي، واضطراب في الرّأي؛ فلا تستطيعون اتخاذ قرار حاسم. ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: من الإيضاع؛ يقال: أوضعت النّاقة: إذا أسرعت في سيرها؛ أيْ: يسرعوا بينكم بالفتنة، والفساد.

стр. 1892

﴿خِلَالَكُمْ﴾: جمع خلَلَ، والخلل: هو الفرجة بين الشّيئين؛ أيْ: أحدثوا الفرقة بين صفوفكم بسرعة. أو لسَعَوا بينكم وأسرعوا في نشر وبث النّميمة، والتّحريش، والإفساد، والتّفرقة، وإثارة الفتن، والكذب، والرّعب. ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: يبغون: يلتمسون لكم الفتنة في الدّين، وبغى: طلب، أو التمس، وأضاف النّون في يبغونكم: للتوكيد. ﴿الْفِتْنَةَ﴾: إيقاع الخلاف بينكم، والشّك في الخروج، والجهاد، وتهويل الأمر، والهزيمة. ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾: أيْ: بينكم أُناس ضعاف يسمعون لحديثهم، ويتأثرون بأقوالهم، وأخبارهم، وينقلونها إلى غيرهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: عليم: صيغة مبالغة من عالم؛ كثير العلم بأحوال الظّالمين الظّاهرة، والباطنة، ونواياهم، وأقوالهم، وأفعالهم. ﴿بِالظَّالِمِينَ﴾: الباء: للإلصاق؛ الظّالمين: الّذين لم يخرجوا معكم، وقعدوا. ﴿بِالظَّالِمِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. والظّالمين: جملة اسمية؛ تدل على ثبوت صفة الظّلم فيهم. والظّالمين: جمع ظالم، وهو كل من خرج على منهج الله، أو لم يطعه.

стр. 1893

سورة التّوبة [الآيات ٤٨ - ٥٤] سورة التوبة [٩: ٤٨] ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: ﴿لَقَدِ﴾: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق، والتّوكيد. ﴿ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾: طلبوا، أو أرادوا الفتنة من قبل الخروج إلى تبوك، أو من قبل؛ تعني: يوم أحد؛ حين انصرفوا راجعين، والفتنة: قد تعني: صد النّاس عن الدّخول في الإسلام، والفتنة: قد تعني: بث الخلاف، والفرقة، والشّتات بين المسلمين؛ للإيقاع بهم، أو محاولتهم رد المسلمين إلى الكفر. ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: قلبوا الحق باطلاً، والباطل حقاً، والتّقلب: جعل أعلى الشّيء أسفله، أو أسفله أعلاه، ودبَّروا لك الحيل؛ حتّى يتخلصوا منك، ومن دين الإسلام الجديد. ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾: حتّى: حرف غاية نهاية الغاية. جاء الحق: النّصر. ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾: ظهر، وانتشر أمر الله؛ دين الله الإسلام، أو شرعه، ودخل النّاس فيه أفواجاً، وعلا وانتصر شرعه. ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: أن يروا كلّ ذلك يحدث أمام أعينهم، وكارهون: جملة اسمية؛ تدل على الثّبات؛ ثبات كرههم لكم، ولدينكم.

стр. 1894

سورة التوبة [٩: ٤٩] ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ ائْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّى أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: سبب نزول الآية: كما رُوي عن ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية في الجد بن قيس: وهو من الأنصار، من المنافقين؛ فقد جاء يطلب الإذن بعدم الخروج، والسّماح له بالبقاء في المدينة؛ لأنّه لم يكن له جلد على الحرب، وشدائدها، وكان له ولع بحب النّساء، وسمع عن جمال بنات الروم، وخشي أن يُفتن بهنَّ. ﴿وَمِنْهُم﴾: أيْ: الجدُ بن قيس منهم من المنافقين. ﴿مَنْ يَقُولُ ائْذَن لِّى﴾: بالقعود، وعدم الخروج. ﴿وَلَا تَفْتِنِّى﴾: لا: النّاهية، تفتني: أيْ: لا توقعني في الفتنة، وهي الإثم؛ أي: الفاحشة؛ كونه لا يملك نفسه من بنات بني الأصفر؛ أيْ: نساء الرّوم. ﴿أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾: ألا: أداة استفتاح؛ ليلفت السامع؛ فينصت، فلا تأخذه غفلة عن الأمر المهم الّذي يتكلم به المتكلم؛ أيْ: يستمع المستمع بكلّ قواه. أيخافون أن يقعوا في فتنة نساء الرّوم؛ فهم قد سقطوا في فتنة النّفاق، وفتنة التّخلف، وعدم الخروج، وأيُّ فتنة أعظم من هذه الفتن! أمّا فتنة رؤية نساء الرّوم؛ فلا شيء مقارنة بتلك الفتن؛ بعد أن وقعوا في أشد منها بكثير، والفتنة: قد تكون جهنم؛ أيْ: ألا في جهنم سقطوا. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: إن: حرف توكيد. ﴿بِالْكَافِرِينَ﴾: الباء: باء الإلصاق؛ أي: المصاحبة، والكافرين: جملة

стр. 1895

اسمية؛ تدل على الثّبوت؛ ثبوت كفرهم، وإنّ جهنم محيطة بهم يوم القيامة من كل الجوانب، وكأنهم في وسطها يصطلون فيها، ولا محيص، ولا مهرب لهم عنها؛ فهي مؤصدة عليهم، وشبهت بالسّوار المحيط بالمعصم. سورة التوبة [٩: ٥٠] ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾: ﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الافتراض. ﴿تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾: نصر، أو غنيمة، والحسنة: ما يُسر النّفس حصوله، السّيئة: ما يسوء النّفس وقوعه. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٠١) لمزيد من البيان. ﴿تَسُؤْهُمْ﴾: جواب الشّرط؛ تحزنهم وتزعجهم؛ تضايقهم، أو يشعروا بالغم. ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾: إن: شرطية. تصبك مصيبة: مثل: القتل، أو الهزيمة، أو جراح وشدة. ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: قد أخذنا حذرنا؛ فلم نخرج معه، أو نقاتل معه. من قبل: أيْ: من قبل حدوث هذه المصيبة. ﴿وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ﴾: يستمروا على إعراضهم، وهم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. فرحون: بما أصابك من الخسارة، والهزيمة، أو فرحون بسلامتهم، وعدم خروجهم معك، ولبيان معنى الفرح وأنواعه ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠).

стр. 1896

سورة التوبة [٩: ٥١] ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ . ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾: لن: للنفي؛ تدخل على الفعل المضارع؛ كما هو الحال في هذه الآية؛ يصيبنا: فتخلصه للاستقبال، وتنفيه نفياً مؤكداً؛ نفي الاستقبال البعيد، والقريب. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾: ما: اسم موصول للتوكيد؛ توكيد الحصر؛ إلا ما كتب الله لنا: اللام: تفيد الاختصاص، ما كتب لنا: ما قدّر لنا من القدر، والقدر: هو تقدير الله -جل وعلا-؛ لما خلق من مخلوقات مهما كانت من إنسان، أو حيوان، أو نبات، أو جماد؛ حتّى الورقة، والذّرة، والحبة في البر، والبحر، والرّطب، واليابس. ونحن نعلمه بعد وقوعه سواء أكان خيراً، أم شراً. فالقدر يعني: التّقدير؛ أيْ: فعل الله وهو المقدر، وما قدره الله سبحانه هو القدر، وهذا التّقدير حدث قبل خلقه السّموات والأرض بـ (٥٠ ألف سنة)، والإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان، والنّاس في القدر ثلاثة أقسام: ١ - الغلاة في إثباته؛ مثل: الجبرية الّذين يؤمنون بأنّ كل ما يفعله الإنسان بغير اختياره؛ يقوم، ينام، يشرب، يعصي، وهو عقيدة مبنية على آية الله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، ومثل هذه العقيدة باطلة في الكتاب والسّنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]،

стр. 1897

﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]. ٢ - الغلاة في إنكار القدر؛ بعكس الأوّل: يؤمنون أنّ كلّ ما يفعله الإنسان هو بإرادته؛ يأكل، ينام، يصلي، يعصي، يطيع؛ كلّه بإرادته، وهو مستقل بعمله؛ ليس لله قدرة، ولا اختيار؛ فالعبد يخلق أفعاله، والله يعلم ما سيصنعه عبده، مع نفي مشيئة الله، أمثال القدرية. ٣ - أهل السّنة والجماعة: يؤمنون بعلم الله، وكتابته، ومشيئته، وخلقه، وللعبد مشيئة، وخيار، ولكن ضمن مشيئة الله، وما قدره. والتقديرات أربعة أنواع: ١ - تقدير أزلي (أولي) قبل خلق السموات والأرض بـ (٥٠ ألف سنة). ٢ - تقدير جنيني: حين نفخ الروح، ويشمل الرزق، والأجل، والعمل شقي، أو سعيد. ٣ - تقدير سنوي، أو حولي، ليلة القدر؛ كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. ٤ - تقدير يومي، كما قال تعالى: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويعز، ويُذل، والإيمان بالقدر من تمام الرّبوبية. والإيمان بالقدر: لا ينافي ما يفعل الإنسان باختياره؛ لأنّ ما يفعله الإنسان هو من قدر الله أيضاً.

стр. 1898

﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾: من المولى؛ أيْ: مالكنا، وسيدنا، ومتولي أمورنا، ومدبرها، وحافظنا، وناصرنا. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: ولأنّه هو مولانا؛ فعليه يجب أن نتوكل؛ أيْ: نطلب منه المساعدة، والمعونة في تدبير أمورنا، والقيام بها بعد أن نقوم، ونؤدِّي الأسباب المطلوبة منا. فاتخاذ الأسباب لا تكفي؛ فلا بد من الاعتماد عليه، وقوله تعالى: وعلى الله: تقديم الجار والمجرور على الفعل؛ يفيد القصر؛ أيْ: فقط نتوكل على الله وحده لا غيره. سورة التوبة [٩: ٥٢] ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: يا محمّد ﷺ . ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾: هل: استفهام؛ بمعنى: النّفي، والنّفي هنا غير تام؛ لأنّ فيه معنى التّحدي، والتّربص. ﴿تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾: أيها المنافقون. التّربص: الانتظار الطّويل، وبحذر، ويقظة، وأصلها: تتربصون، وحذفت إحدى التّاءين. ﴿بِنَا﴾: الباء: للإلصاق؛ للدلالة على نفاد صبرهم، وتربصهم. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: الحسنيين: مشتقة من أحسن، وتأنيث أحسن

стр. 1899

حسنة، وحسنى، وتثنية الحسنى: هي الحسنيين؛ إلا إحدى العاقبتين: إما النّصر، أو الشّهادة في سبيل الله، وكلاهما حسن. ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾: ننتظر، ولو طال الانتظار، بكم: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. ﴿أَنْ﴾: مصدرية؛ تفيد التّوكيد. ﴿يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ﴾: الباء: للتعليل، والتّوكيد. ﴿بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ﴾: أيْ: أن تحل بكم قارعة من السّماء، أو مصيبة، أو زلزلة، أو رجفة، أو ما شاء الله. ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: أيْ: ننتصر عليكم بالقتل، والأسر، والتّشريد. ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾: أي: انتظروا وترقبوا، أو انتظروا عاقبة ونهاية ما سيحدث لنا ولكم في الدّنيا، وفي الآخرة، وفيها نوع من الوعيد، والتّهديد. سورة التوبة [٩: ٥٣] ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: هذه الآية أمر في معنى الخبر. ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا﴾: من دون إكراه، أو جبر. ﴿أَوْ كَرْهًا﴾: ملزمين أو مُكرهين. ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾: والسّؤال هنا كيف يأمرهم بالإنفاق، ثمّ يقول لهم: لن

стр. 1900

يُتقبل منكم، هذا القول يشابه قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: أيْ: أنفقوا، أو لا تنفقوا؛ لا يهم، ولا يُتقبل منكم. ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾: للنفي القريب، والبعيد، وبكل تأكيد لن يُتقبل منكم خاصَّة. ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: إن: للتعليل. فاسقين: من الفسق: وهو الخروج عن طاعة الله تعالى، ولم يحدد معنى الفسق في هذه الآية، وإنما حدَّده في الآية الآتية (٥٤). سورة التوبة [٩: ٥٤] ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: عدم قبول نفقاتهم في الآية السّابقة: هو كونهم قوماً فاسقين، ولم يشرح معنى فاسقين في تلك الآية السّابقة، ثمّ جاء في هذه الآية ليحدد معنى الفسق الّذي أريد به، وتضمن ثلاثة أمور: ١ - الكفر بالله وبرسوله. ٢ - ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى. ٣ - ولا ينفقون إلا وهم كارهون. ﴿كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾: انتبه استعمال الباء بالله، وبرسوله، ولم يقل بالله ورسوله، بالله وبرسوله: فيها توكيد أكثر من بالله ورسوله؛ وتعني: كفر العقيدة. والباء: تفيد الإلصاق، والاختصاص، وحين يستعمل بالله وبرسوله؛

стр. 1901

يستعملها في سياق المنافقين الّذين يعتبرون أنفسهم مسلمون، ويحاربون الله ورسوله، وهم غير معروفين. وحين يستعمل بالله ورسوله يستعملها في سياق الكفار؛ فهؤلاء هم كفار من الأصل لا يؤمنون بالله، ولا بمحمّد، وهويتهم معروفة، ويعبدون الأوثان وهم أخف وطئاً من المنافقين؛ لأنّهم لا يخادعون، ولا يمكرون. ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾: رياءً من دون إخلاص، فهم يصلون رياء؛ إلا: أداة حصر، هم: ضمير فصل للتوكيد، وكسالى: تعني: التّراخي في القيام إليها. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: فهم لا ينفقون طاعة، بل لمصالح ظاهرة، وستراً لنفاقهم، ويُعدون الإنفاق مغرماً، وخسارة؛ إلا: أداة حصر، كارهون: غير راغبون؛ أيْ: مكرهون عن غير طيب نفس.

стр. 1902

سورة التّوبة [الآيات ٥٥ - ٦١] سورة التوبة [٩: ٥٥] ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾: فلا: الفاء: استئنافية. والتّقدير: بما أنّهم كفروا بالله وبرسوله، ولا يأتون الصّلاة إلا وهم كسالى، ولا ينفقون إلا وهم كارهون؛ فإن اتصفوا بتلك الصّفات: فلا تعجبك أموالهم، ولا أولادهم، أو لا تنظر إلى أموالهم، ولا أولادهم. لا: النّاهية. تعجبك: من الإعجاب بالشّيء: وهو الفرح به، مع التّعجب، واستحسانه. ﴿أَمْوَالُهُمْ﴾: من كثرتها، أو من غناهم. ﴿وَلَا﴾: أولادهم من الكثرة والقوة، تكرار لا: الناهية للتوكيد، ولفصل كلّ منهما على حدة، كثرة الأموال عن كثرة الأولاد، أو كلاهما معاً. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد. ﴿بِهَا﴾: في الحياة الدّنيا؛ ليعذبهم بها في كيفية جمعها، ويخافون عليها، وما يصحب ذلك من الحرص، ومن القلق، والهم حين يخسرون في التّجارة، أو الأسهم، وفي الآخرة يعذبون على عدم إخراج زكاتها؛ فتكون عليهم حسرة، أو ينفقونها في الصّد عن سبيل الله، أو في المحرمات، والمعاصي، أو التّبذير.

стр. 1903

وأمّا الأولاد فيعذبهم بهم حين يمرضون، أو يموتون، أو يحدث لهم طارئ، أو مصيبة. ﴿فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ولم يقل في الدّنيا؛ لأنّها جاءت في سياق الإعجاب، والفرح؛ فإضافة كلمة الحياة تزيد من الغرور، ولكنه وصفها بالدّنيا؛ أيْ: بالحياة الدنيئة السفلى؛ لكونها زائلة، لا تدوم، وتخلوا من الطمأنينة. ﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ﴾: تخرج. ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد، كافرون: لم يتوبوا إلى الله؛ لأنّ التّكاثر ألهاهم؛ حتّى زاروا المقابر. ولا بد من مقارنة هذه الآية (٥٥) من سورة التّوبة، مع الآية (٨٥) من سورة التّوبة أيضاً. الآية (٥٥): ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. والآية (٨٥): ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. كلا الآيتين في سياق المنافقين: الآية ٨٥ الآية ٥٥ في سياق الجهاد، والقتال في سبيل الله في سياق الإنفاق في سبيل الله ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ﴾: الواو: لا تدل على الترتيب، والتّعقيب ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعجب والتّوكيد

стр. 1904

﴿أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ﴾: جمع الأموال والأولاد معاً؛ أيْ: أُعطوا نعمتي المال والأولاد معاً ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾: زيادة لا: للتوكيد؛ نافية، وفصل كلّ من الأموال والأولاد على حدة، أو كلاهما معاً؛ أيْ: منهم من أُعطي الأموال، ومنهم من أُعطي الأولاد ﴿أَنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾: أنْ: للتعليل ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾: اللام: للتوكيد، والتّعليل، والعذاب ليس بسبب جمعهم المال فقط، وإنما بسبب حبهم له، وعدم إنفاقه. ﴿فِى الدُّنْيَا﴾: من دون كلمة الحياة؛ لأنّ الجهاد، والقتال لا يناسب معه ذكر الحياة الدّنيا؛ اكتفى بذكر الصّفة ﴿فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: لأنه يتحدث عن المال، ناسب ذكر الحياة كلمة الدّنيا. الحياة الدنيا: الدنيا صفة للحياة سورة التوبة [٩: ٥٦] ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُمْ مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾: ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾: أي: المنافقون يحلفون بالأيمان الكاذبة، وكلمة الحلف في القرآن تأتي عادة في سياق اليمين الكاذب، وأما القسم في القرآن فيأتي عادة، أو يصدر من الصادق في أيمانه، أو الّذي يظن أنه صادق في قوله، رغم أنه كاذب، أو على غير حق، أو يقسم بغير حق. ﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد، يحلفون بالله الخطاب للمؤمنين. ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾: إن: للتوكيد، واللام: للاختصاص، والتّوكيد، منكم؛ أيْ: من المؤمنين، أو على دينكم.

стр. 1905

﴿وَمَا هُمْ مِّنكُمْ﴾: ما: النّافية، هم: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد، منكم: أيّها المؤمنون. ﴿وَلَكِنَّهُمْ﴾: لكن: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾: الفرق: هو الخوف الشّديد مع الفزع الدّائم بتوقع الضّرر أن يفتضح أمرهم (نفاقهم)، ويحل بهم ما حل بالمشركين من القتل، والسّبي، ويؤيدون ذلك بالأيمان الكاذبة إنّهم لمنكم، وهم يبطنون الكفر. سورة التوبة [٩: ٥٧] ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئًا أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: ﴿لَوْ﴾: شرطية. ﴿مَلْجَئًا﴾: وهو الحصن. ﴿مَغَارَاتٍ﴾: جمع مغارة: هي الكهف في الأرض عموماً مقارنة بالغار الذي هو مغارة في الجبل. ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾: اسم مكان في الأرض تدخل فيه بمشقة والْتواء وصعوبة. ﴿لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: لذهبوا إليه، وهم يسرعون، كما تسرع الفرس الجموح، والجماح: هو فقد السّيطرة على الفرس الّتي يركبها الفارس؛ فلا يقدر على التّحكم بها؛ لأن ليس لها جماح، أو رسن، أو لجام. ويعني ذلك: أنّهم في زمن السّلم، ومن مظاهر خوفهم (كونهم قوم يفرقون)؛ أيْ: يتمنون الفرار منكم؛ لئلا يفتضح أمرهم (نفاقهم)، والعيش بعيداً عنكم، ولو كان في ملجأ، أو مغارات، أو مدخلاً؛ أيْ: مكان أمن، ولو كان شر الأمكنة؛ لأنّ الله قذف في قلوبهم الرّعب. وفي زمن الحرب، والقتال مجرد بدء القتال تجدهم يبحثون عن ملجأ،

стр. 1906

أو مغارات، أو مدخلاً؛ ليفروا إليه مسرعين خوفاً على أرواحهم من القتل، أو التّشريد، والفضيحة. سورة التوبة [٩: ٥٨] ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾: المناسبة: حدث هذا اللمز يوم حنين يوم قسم رسول الله ﷺ الغنائم. ﴿وَمِنْهُم﴾: من: البعضية؛ أيْ: بعض المنافقين. ﴿مَنْ يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَاتِ﴾: يَعيبُ عليك، ويطعن بك يا محمّد في قسمة الصدقات: بأنّك غير عادل، أو مقسط. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال. ﴿أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾: أيْ: قبِلوا، واطمأنوا، وتوقفوا عن اللمز. ﴿وَإِنْ لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ﴾: ظرفية فجائية، هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿يَسْخَطُونَ﴾: السّخط: هو عدم الرّضا؛ يبدأ في القلب، ثمّ يتعدَّى إلى اللسان؛ فيظهر التّذمر. سورة التوبة [٩: ٥٩] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة، لو: شرطية (جوابها محذوف تقديره: لكان خيراً لهم). ﴿رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: فالله: هو المشرع، والرّسول: هو المنفذ، أو المقسِط. ﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى: الّذي، وأوسع شمولاً من الذي، والإيتاء:

стр. 1907

هو العطاء مع قابلية استرداده. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة. رضوا بما آتاهم الرّسول من الغنائم وقبلوا بها. ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا﴾: يكفينا ما آتانا الله ورسوله، أو رضينا بما قسم الله لنا. ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: سيرزقنا الله من فضله مرة أخرى على يد رسول الله ﷺ ، أو سيرزقنا الله عن قريب، والسّين: للاستقبال القريب؛ أيْ: في الدّنيا. ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾: إنّا إلى طاعة الله ورسوله عاكفون مقيمون؛ أيْ: طالبون من الله الخير، والعفو، وتقديم (إلى الله) يفيد الحصر، والقصر؛ أيْ: فقط إلى الله راغبون، راغبون: جمع راغب على وزن فاعل. سورة التوبة [٩: ٦٠] ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: تسمَّى هذه الآية آيةَ مصارف الزّكاة. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾: للتوكيد، والحصر. الصّدقات: تعني الزّكاة. ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق (أو الملكية)، والفقير الّذي لا شيء له. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: المسكين الّذي له شيء، ولكنه غير كاف، وهو أحسن حالاً من الفقير. ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: الجباة الّذين يجمعون الزكاة.

стр. 1908

﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: هم حديثو العهد بالإسلام، أو إسلامهم ضعيف، ولكسب قلوبهم، واستمالتهم للدخول في الإسلام يصرف لهم من الزكاة. ﴿وَفِى الرِّقَابِ﴾: لتخليصهم من الرّق، والعبودية، أو السّجن، أو الأسر؛ نعطي المال ليس لهم مباشرة إنما لغيرهم؛ لتبادل الأسرى، أو الفداء بالمال. ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: الّذين أثقلهم الدَّين، وعجزوا عن الوفاء بالدَّين، ولا يعصون الله (ولا يسرفون من الإسراف والتّبذير). ﴿وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: في الجهاد، وشراء السّلاح، والعدة للجهاد، ومن العلماء من قال في سبيل الله؛ يعني: كلّ عمل يرضي الله. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: المسافر المنقطع في سفره، والغريب عن وطنه يعطى من الزّكاة؛ لسد حاجته حتّى يرجع إلى وطنه. ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: أيْ: هؤلاء الثّمانية الّذين سبق ذكرهم يستحقون الزّكاة بفرض من الله تعالى، فلولا قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: فقد يُفهم إنما الصّدقات على سبيل الاستحباب، وليس الوجوب. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة كثير العلم، واسع العلم، عليم بمن يستحق الزّكاة، وعليم من يُزكي، وكم يُزكي، وبمن ينفق في سبيل الله. ﴿حَكِيمٌ﴾: صيغة مبالغة كثير الحكمة، أحكم الحاكمين، أحكم الحكماء، حكيم في تدبير شؤون خلقه، وحكيم بما يُشرع لهم، وما يفرض عليهم. انتبه إلى استعمال اللام، لام الملكية في الأصناف الأربعة الأوائل: الفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، ثمّ استعمل (في) في الأصناف الأربعة الأواخر: الرّقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السّبيل، والسبب

стр. 1909

في ذلك؛ لأنّ الأربعة الأوائل حين تصرف لهم الزّكاة، أو الصّدقات تصبح ملكاً لهم، وقيل: إنّ اللام للفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم: لام الملكية؛ أيْ: يصرفونها كما يشاؤون. أمّا الأربعة الأواخر: حين تصرف لهم الزّكاة؛ فهي لا تصل إلى أيديهم أنفسهم؛ فلا يملكونها، وإنما تصرف، وتعطى لغيرهم؛ فمثلاً في الرّقاب: تعطى لتخليص الفرد من الرّق، والعبودية؛ فهي تعطى للمالك، أو في سبيل فك أسره؛ فهي لا تعطى للشخص نفسه. وفي الغارمين: المثقلون بالدُّيون؛ تدفع لمستحقي الدُّيون، وليس له هو نفسه تدفع من أجله، وليس له … وهكذا. وفي سبيل الله: تدفع للجهاد، والتّحضير له. وابن السّبيل: تعطى كي تسد حاجته فقط للعودة إلى وطنه، تعطيه أجرة الطّريق، وحاجته فقط، ولا يعطى المال لكي يمتلكه، وقد يكون غنياً، والتّرتيب هنا لا يفيد من هم الأهم، فالأهم. سورة التوبة [٩: ٦١] ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىَّ﴾: منهم: من البعضية؛ أيْ: من بعض المنافقين. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿يُؤْذُونَ النَّبِىَّ﴾: بأقوالهم، وأفعالهم، والإيذاء ما يؤذي الإنسان في نفسه،

стр. 1910

أو بدنه، أو ماله، أو أهله، وإيذائهم له يتكرر، ويتجدد لقوله يؤذون بصيغة المضارع الّتي تدل على التّجدد، والتّكرر، ولم يقل: أُوذوا وانتهى الأمر. ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾: هو: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد، يقولون: هو أذن: أيْ: يصدق كلّ ما يقال له من خبر، ويستمع لكل فرد، ويعتبرون هذا غير جيد، ولا يليق بحقه، أو هو لا يميز بين الحق والباطل، ولا يمحص ما يقال له، وأطلقوا عليه لقب أُذن على اسم الجارحة الأذن. ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ﴾: أيْ: إن كان أذن كما تقولون فَنِعم الأذن؛ لأنّ نفعه يعود عليكم، ويبلغكم ما أنزل عليكم من ربكم. ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق؛ إيمان عقيدة وإخلاص. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨). ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: إيمان تصديق؛ أيْ: يصدقهم، ولم يقل: يؤمن لكم؛ لكان ذلك يشمل الكل: المؤمن، والمنافق … وغيرهما. ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾: والرحمة؛ تعني: يجلب لكم كل منفعة، ويدفع عنكم كل مضرة، ويبيِّن لكم ما أنزل عليكم. ﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، رحمة خاصَّة للذين آمنوا منكم. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: يؤذونه بأيِّ قول، أو فعل، أو طعن، أو عيب في ذاته، وأهله. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: شديد الإيلام في الدّنيا، والآخرة.

стр. 1911

سورة التّوبة [الآيات ٦٢ - ٦٨] سورة التوبة [٩: ٦٢] ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾: يحلفون؛ أي: المنافقون يحلفون الأيمان الكاذبة للمؤمنين: أنّهم لم يطعنوا بالنّبي في خلواتهم، أو يطعنوا بالمؤمنين، وأنّ ذلك لم يصدر عنهم؛ يحلفون ليرضوكم، والله ورسوله أحق بالإرضاء من المؤمنين. ﴿لِيُرْضُوكُمْ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد. ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾: ولم يقل: يرضوهما؛ لأنّ الله ورسوله مثنى، ولكن جاء بصيغة المفرد (أن يرضوه)؛ لأنّ رضا الله سبحانه، ورضا رسوله واحد. ﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك إن كان إيمانهم صحيح، وليس نفاقاً. سورة التوبة [٩: ٦٣] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ﴾: ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام، والتّوبيخ، والاستنكار. ﴿يَعْلَمُوا﴾: دائماً حين يقال: ألم يعلموا؛ يعني: أن هذا الأمر المعلن عنه الآن أُعلن في السابق، أو حدث سابقاً أن بلغهم الحكم، أو الخبر، أو الآية، أو

стр. 1912

النبأ، وكان من الواجب أن يعلموا ذلك، ولم ينسوه؛ فقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ استنكار لجهلهم، وعدم علمهم، أو لتخلفهم عن العلم، وهو: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾. ﴿أَنَّهُ﴾: أن: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد. ﴿مَنْ﴾: شرطية؛ تفيد معنى الابتداء، والاستغراق. ﴿يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أيْ: يعادي، ويحارب، ويشاقق دين الله ورسوله، كلمة يحادد: من الحد، وحد السّيف: هو الجزء القاطع؛ أيْ: كأنّه يحمل السّيف ليحارب، أو يحادد منهج الله ورسوله، أو دين الله ورسوله. ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾: هذا إنذار إلى من يحادد الله ورسوله، الفاء: رابطة لجواب الشّرط؛ تفيد التّوكيد. ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾: ولم يقل: خالدين فيها؛ لأنّ العزلة، والانفراد: هو نوع من العذاب؛ إضافة إلى النّار. ﴿ذَلِكَ﴾: ذلك: اسم إشارة يفيد البعد، بعد درجته في الخزي والذّل. ﴿الْخِزْىُ الْعَظِيمُ﴾: أيْ: ما ينتظرهم من العذاب، ليس أليماً فقط، بل فيه خزي، وهوان، وفضيحة؛ لكونه سيحدث على مرأى من النّاس. سورة التوبة [٩: ٦٤] ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾: الحذر: هو توقي الضرر، أو الإعداد لدفع الخطر، أو الضّرر المتوقع سواء أكان التّوقع ظناً، أم يقيناً؛

стр. 1913

فهم يخافون، ويحذرون أن تنزل عليهم سورة؛ أيْ: على المؤمنين (الرّسول والصحابة). ﴿سُورَةٌ﴾: مجموعة من الآيات؛ تكشف بما في قلوبهم من النّفاق، أو تفضحهم. ﴿بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾: الباء: للتعليل، وما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي في قلوبهم. ﴿فِى قُلُوبِهِمْ﴾: في: ظرفية. قلوبهم: ورغم حذرهم؛ فهم لا يكفون عن الاستهزاء بالآيات، والدّين، والرّسول، والمؤمنين. ﴿قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾: الاستهزاء: هو التصغير من قدر وشأن المستهزَأ به، وعيبه. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿مُخْرِجٌ﴾: مُظهر، ومُبدٍ. ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾: ما: بمعنى: الّذي، وهي أوسع شمولاً من الّذي. ﴿مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾: أي: إظهار نواياكم، وأقوالكم، وأفعالكم، وتخلفكم، وإسراركم. سورة التوبة [٩: ٦٥] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾: سبب النّزول: كما رُوي عن ابن عباس ﵄: كان ثلاثة من المنافقين يسيرون إلى غزوة تبوك بين يدي النّبي اثنان كانا يستهزئان بالرّسول، وبالقرآن، والثّالث يضحك؛ فنزل جبريل فأخبر رسول الله ﷺ بما كان هؤلاء الثّلاثة

стр. 1914

يستهزئون، ويضحكون؛ فقال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر: سلهم عما كانوا يستهزئون، ويضحكون منه، وقل لهم: أحرقكم الله؛ ففعل؛ فعلموا أن قرآناً نزل فيهم، فأقبلوا يعتذرون لرسول الله ﷺ ، وقال أحدهم: ما تكلمت بشيء، ولكن ضحكت عجباً من قولهم؛ فنزلت الآية: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم﴾ [الآية: ٦٦]. وقيل: هناك أسباب أخرى، ومهما كان السّبب؛ فالعبرة بعموم اللفظ، وليس بخصوص السّبب. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾: لئن: اللام للتوكيد، إن: شرطية، سألتهم: المنافقين الثّلاثة، ليقولن: اللام للتوكيد والنّون لزيادة التّوكيد. ﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد التّوكيد. ﴿كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾: نخوض من الخوض والدّخول في الماء لمجرد اللعب؛ فالمنافقون يسمون الطّعن والاستهزاء بآيات الله ورسوله والمؤمنين مجرد تسلية ولعب، (واللعب هو اللهو الّذي يُشغل عن الطّاعات). ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : أبالله: الهمزة همزة استفهام إنكاري، والباء: للإلصاق. ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾: أبالله: تستهزئون؛ كأن تقولوا: إنّ الله فقير ونحن أغنياء، عيسى ابن مريم، والعزير ابن الله، الملائكة بنات الله، يداه مقبوضتان، وآياته (آيات القرآن العظيم والمعجزات)، أو يعدنا بالنصر على الروم، وفتح قصور الشام وحصونها. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: تقولون: شاعر، وساحر، وكاهن، ومجنون، وإنّه مفتر، وأنّه أبتر، وأنّه أُذن.

стр. 1915

﴿كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾: الاستهزاء: هو الاستخفاف، والتّحقير، والعبث بآيات الله، وبالتّالي الضّحك. سورة التوبة [٩: ٦٦] ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَّعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾: لا: النّاهية، تعتذروا: الاعتذار: الإدلاء بالعذر؛ طلباً لعدم المؤاخذة؛ لما قاله، أو فعله، لا تعتذروا: أيْ: لن تنفعكم أعذاركم الكاذبة. ﴿قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾: قد: حرف تحقيق، وتوكيد، كفرتم بعد إيمانكم: كفرتم بسبب استهزائكم بعد إيمانكم بعد أن ادَّعيتم الإيمان باللسان فقط. ﴿إِنْ نَّعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِّنكُمْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والنّدرة، نعف عن طائفة منكم؛ أيْ: نغفر ونتوب على طائفة منكم بأن نتوب عليهم إن تابوا؛ أي: الثالث الّذي كان يضحك (اعتبره وحده طائفة). ارجع إلى الآية السابقة (٦٥). ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾: الاثنين المستهزئين (الطائفة الأخرى). ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: الباء: للتعليل، أو الإبدال. أنّهم: للتوكيد. ﴿كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: جمع مجرم، والمجرم: المذنب، أو المنافق، وتطلق على المشرك، والكافر، والظّالم. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥) لبيان معنى مجرمين، وسورة الجاثية آية (٣١). سورة التوبة [٩: ٦٧] ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ

стр. 1916

عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾: جمع منافق، والمنافق: هو الّذي يظهر الإيمان باللسان، ويبطن الكفر. ارجع إلى الآية (٤٩) من سورة الأنفال. ﴿بَعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ﴾: أيْ: صنف واحد كتشابه أجزاء الشّيء الواحد، أو ذكورهم؛ كإناثهم متشابهون في النّفاق، والصّفات، والأحوال، وبعضهم من بعض؛ تعني: ليسوا من المؤمنين. ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ﴾: يأمرون: يدعون إلى المنكر. المنكر تعريفه: هو ما يستقبحه الشّرع، ويمنعه، وما تستنكره العقول السّليمة؛ لمنافاته الأخلاق. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾: يحثون على ترك المعروف، والمعروف: هو كلّ أمر به الشّرع، واستحسنه العقل، والعرف الصّحيح، وينهون عن الإيمان. ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾: يمسكون عن الإنفاق في سبيل الله، والصّدقة؛ كناية عن الشّح، والبخل. ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾: نسوا طاعة الله، وعبادته، وذِكره. ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾: والله سبحانه لا ينسى أبداً، ولا ينسب له الغفلة سبحانه كقوله تعالى: ﴿فِى كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، ولكن تعني: أهملهم، ونسيهم من رحمته، أو تركهم ولم ينظر إليهم، أو يكترث بهم. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾: إنّ: للتوكيد، هم: ضمير فصل يفيد المبالغة، الفاسقون: إذا كان يوجد غيرهم من الفاسقين فهم حقاً العاملون في الفسق، وفي طليعتهم. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: جمع فاسق، والفاسق: من خرج عن شرع الله؛ أيْ: دينه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٦)؛ لمزيد من البيان.

стр. 1917

سورة التوبة [٩: ٦٨] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾: الوعد عادة يكون للخير، والوعيد للشر، من أوعد، وإذا استخدم وعد بدلاً من أوعد: فهذا يدل على الاستهزاء بالمنافقين، والتهكم، ولم يقل: يعد الله المنافقين؛ فجاء بصيغة الماضي؛ ليدل على أنّ هذا الأمر تحقق، وانتهى. ﴿الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ﴾: الكفار: تدل على الاسم، والكافرين: تدل على الفعل، وفيها مبالغة من الكفر، والكفار أكثر من الكافرين؛ أيْ: عموم الكافرين، والمشركين، وعبدة الأصنام. ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود: استمرار البقاء من وقت مبتدأ، وهو دخولهم فيها، والخلود: اللزوم المستمر لما لا نهاية. ﴿هِىَ حَسْبُهُمْ﴾: دلالة على عظم عذابها؛ أيْ: تكفيهم جميعاً، وتكفي كل واحد منهم مهما عمل من سيئات، وذنوب، ومعاصٍ؛ فلا يحتاج إلى شيء آخر من العذاب. ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: طردهم من رحمته، فلا تقبل لهم توبة، ولا عودة إلى الإيمان في الآخرة؛ لأنّ مكان التّوبة، والعودة هو في الدّنيا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: دائم، ومستمر على ألمه، وشدته، ونوعه لا يخفف، ولا يتغير، وتقديم لهم؛ تعني: خاصَّة لهم.

стр. 1918

سورة التّوبة [الآيات ٦٩ - ٧٢] سورة التوبة [٩: ٦٩] ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: الكاف: للتشبيه، والخطاب للمنافقين؛ فهم كأولئك الّذين جاؤوا من قبلهم في أمرين: الأوّل: الاستمتاع بالخلاق؛ فهم استمتعوا بخلاقهم، وأنتم استمتعتم بخلاقكم، كما استمتعوا هم بخلاقهم، والخلاق: مشتق من الخلق؛ ويعني: التّقدير؛ أي: استمتعوا بنصيبهم الّذي قدر لهم من الملاذ، وكلمة خلاق: اختيرت بدلاً من نصيب؛ لتفيد كلا المعنيين. والأمر الثّاني: خضتم في الباطل؛ كما خاضوا. ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا﴾: واختلفتم عنهم: بأنهم كانوا أشد منكم قوة؛ قوة بدنية؛ حيث زادهم الله بسطة في الجسم، وكانوا عمالقة، ويعيشون سنين أطول، وكانوا أكثر أموالاً، وأكثر أولاداً. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم: إشارة للبعد؛ تفيد الذمَّ.

стр. 1919

﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: أيْ: لم يعُد لأعمالهم ثواب في الدّنيا والآخرة بطلت أعمالهم بسبب كفرهم ونفاقهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١٧)، وآل عمران، آية (٢٢)؛ لبيان معنى: حبطت. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: تكرار أولئك: للتوكيد. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿الْخَاسِرُونَ﴾: للمبالغة؛ أيْ: هم من أعظم الخاسرين؛ فإن وجد خاسرين فهم أشد الخاسرين. ارجع إلى سورة النساء، آية (١١٩)؛ لمزيد من البيان. سورة التوبة [٩: ٧٠] ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: الآية السّابقة: تحدثت بشكل عام عمن جاؤوا من قبل. وهذه الآية: جاءت ببعض الأمثلة على أسماء الأقوام الخاسرين. ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾: ألم: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والتّعجب، لم: حرف نفي، ألم يأتهم: أيْ: أتاهم؛ فحين ينفي النّفي في أمر ما يعني: المراد إثبات الأمر. ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٧)، وسورة آل عمران، آية (١١٧)؛ للبيان. سورة التوبة [٩: ٧١] ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ

стр. 1920

عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: قال تعالى سابقاً: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ﴾، ويقول في هذه الآية: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: هذا يسمَّى فنَّ المقابلة في علم البديع. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: الولاية: مأخوذة من يليه؛ أيْ: صار قريباً؛ فالموالاة: المحبة، والمودة، والنّصرة، والقرب، والمعونة؛ كلّ مؤمن ينصر أخاه، وكلّ مؤمن هو ولي، وهو موالٍ في نفس الوقت. الولاية؛ تعني: القرب (من يليه صار قريباً منه)، والنّصرة. ارجع إلى سورة المائدة، آية (٥)؛ لمزيد من البيان. ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾: ارجع إلى الآية (٦٧) من نفس السّورة. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: لأن الصّلاة؛ تعني: استدامة الولاء للخالق سبحانه، وإقامة الصّلاة تعني: بشروطها، وأركانها، وسننها، وأوقاتها، وهي عماد الدِّين. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: ارجع إلى الآية (٤٣) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَيُطِيعُونَ﴾: الطاعة: الاستجابة، والانقياد لمطلوب الشارع وهو الله

стр. 1921

سبحانه بما أمر به واجباً كان أم مستحباً. يطيعون: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التجدُّد، والتكرار؛ فهي طاعة تتكرَّر، وتتجدَّد، ومستمرة. ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٣٢)؛ لمزيد من البيان. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة؛ يفيد البعد، والتّعظيم. ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾: السّين: للاستقبال القريب؛ تعني: الرّحمة قادمة لهؤلاء لا محالة، دائمة لا تنقطع، وإن تأخرت قليلاً، والرّحمة؛ تعني: جلب كل ما يسُر، ودفع ما يضر (أي: الوقاية)، وتعني: الإنعام. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد. ﴿عَزِيزٌ﴾: غالب على أمره، لا يُغلب، عزيز ولا يُقهر، وممتنع، وقوي لا يعجزه شيء؛ له العزة جميعاً. ﴿حَكِيمٌ﴾: فيما يدبِّره في خلقه، وكونه، وحكيم تعني: الحاكم؛ فهو أحكم الحاكمين، وحكيم من الحكمة؛ تعني: أحكم الحكماء. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٢٩)؛ للبيان. سورة التوبة [٩: ٧٢] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: وعد من الوعد.

стр. 1922

الوعد: ما يلزم الشخص نفسه بالفعل، ومن دون شرط، ويرتب على عدم القيام به التوبيخ؛ فالوعد يقضي الإنجاز، وإذا أطلق ولم يتقيد يأتي عادة في سياق الخير، كما يأتي الوعيد في سياق الشر، والوعد: قد يكون مؤقت، أو غير مؤقت. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: أيْ: تنبع من تحتها؛ جنات: جمع جنة، ومنها جنات الفردوس، وجنات عدن، وجنات النّعيم، ودار السّلام … وغيرها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: ارجع إلى الآية (٦٨) من نفس السّورة. ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: جنات عدن؛ تعني: جنات الإقامة الدّائمة، جنات كما جاء في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «فيها ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: رضوان: مصدر لفعل رضي يرضى، ورضوان من الله أكبر: جملة اسمية؛ تدل على الثّبوت. مقارنة ﵃، ورضوا عنه: ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١٥)؛ لمعرفة معنى: رضوان. ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: أكبر من الجنات، والمساكن الطّيبة، وجنات عدن، وكل ما فيها. ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: ذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد. هو: ضمير الفصل؛ يفيد التّوكيد.

стр. 1923

فلما كان هناك رضوان من الله أكبر من الجنات ناسب ذلك استعمال هو: ضمير الفصل. ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أعظم أنواع الفوز، وليس هناك أفضل من الفوز العظيم. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لمزيد من البيان في معنى الفوز العظيم وأنواع الفوز أو درجاته والفروق. لنقارن هذه الآيات الثّلاثة من سورة التّوبة: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ آية (٧٢): فيها توكيد واحد: هو ضمير الفصل، هذا الفوز أعظم من الفوز العظيم، ولكنه أقل درجة من ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ آية (٨٩): ليس فيها توكيد؛ الفوز العظيم. ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ آية (١١١): فيها توكيدان: الواو+ هو؛ الفوز العظيم هذا: هو أعلى درجات الفوز، ويتضمن جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة، ورضوان من الله، والخلود فيها أبداً. انظر إلى السياق في الآيات الأخرى؛ فهي أقل من ذلك. فالآية (١١١): جاءت في سياق الجهاد في سبيل الله، ويَقتلون، ويُقتلون. والآية (٨٩): جاءت في سياق الجهاد في سبيل الله، ولم يقاتلوا، أو يقتلوا (كما حدث في تبوك … وغيرها).

стр. 1924

والآية (٧٢): جاءت في سياق المؤمنين، والمؤمنات الّذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويأتون الزكاة. لنقارن الآية (٧٢) مع الآية (١٠٠) من سورة التّوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾. فقوله تعالى في الآية (٧٢): ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: يشمل جنات، ومساكن طيبة، ورضوان من الله، وتجري من تحتها الأنهار. ١ - هذه أعلى منزلة من الّتي وردت في الآية (١٠٠)، والّتي تخص السّابقون الأولون، والذين اتبعوهم (ليس فيهم الأنبياء). ٢ - ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا﴾: أفضل من: ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا﴾: تدل على الثّبوت. ٣ - ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: جملة اسمية؛ أفضل من: ﴿رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: جملة فعلية تدل على تجدُّد الحدوث.

стр. 1925

سورة التّوبة [الآيات ٧٣ - ٧٩] سورة التوبة [٩: ٧٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾: ارجع إلى الآية (٦٤) من سورة الأنفال؛ للبيان. والخطاب موجَّه إلى أمته ﷺ . ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾: جاهد بالقول والحُجَّة والقوَّة، الكفار: جمع كافر، والكفار: صيغة مبالغة، ولم يقل: الكافرين، الكفار: جمع تكسير؛ فهي تدل على أكثر عدد من الكافرين. وكلمة الكفار: تشير عادة إلى عقيدة الكفر، والكافرين تشير إلى فعل الكفر، أو العمل. ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾: جمع منافق: وهو الّذي يظهر الإيمان والإسلام، ويبطن الكفر. ارجع إلى الآية (١٣٨) من سورة النساء؛ لمزيد من البيان. ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: الغلظة: الشّدة بالإنذار، وخشونة الجانب، وعدم الرّأفة، وعدم اللِّين معهم. ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: المأوى: مكان الاستقرار، والإقامة في الآخرة. ﴿جَهَنَّمُ﴾: اسم من أسماء النّار؛ مشتق من الجهومة؛ أي: الشيء المرعب، والكريه المنظر، وقد تعني: بعيدة القعر.

стр. 1926

﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: وبئس: من أفعال الذّم، والمصير: النّهاية؛ بئس النّهاية، أو المنتهى والإقامة. وقدَّم الكفار على المنافقين في هذه الآية: التّقديم هنا من حيث الزّمن فالكفار جاؤوا قبل المنافقين، والنّفاق ظهر في المدينة بعد الهجرة، أو بسبب كثرة الكفر مقارنة بالنفاق. وقد يقدِّم النّفاق على الكفر إذا كان سياق الآيات في المنافقين، وأعمالهم، وانتشار النّفاق وكثرته؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]. سورة التوبة [٩: ٧٤] ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى الْأَرْضِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: سبب النّزول: كما روي عن ابن عباس ﵄: المرجح أنّ رسول الله ﷺ خطب ذات يوم بغزوة تبوك؛ فذكر المنافقين الّذين تخلفوا عن تبوك، وسماهم رجساً، وعابهم، وبعد ذلك قال الجلاس بن سويد: والله لئن كان محمّداً صادقاً فيما يقول؛ فنحن أشرُّ من الحمير؛ فسمعه عامر بن قيس الأنصاري، وقال له: لقد صدق رسول الله ﷺ ، وأنتم أشرُّ من الحمير، ولما عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة؛ قام عدد من المنافقين ليقتلوا عامر بن قيس؛ فلجأ إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره بما قال الجلاس، وكان من سادة قومه؛ فدعا رسول الله ﷺ الجلاس؛ فأنكر ما قاله، وحلف بالله أنّ ما قاله عامر بن قيس كذب، وعندها دعا عامر بن قيس الله أن ينزل على نبيه آية لتصديق الصّادق، وتكذيب الكاذب؛ فنزلت هذه

стр. 1927

الآية، واعترف الجلاس بما قاله، ثمّ تاب بعد ذلك وحسنت توبته، وتجاوزت هذه الآية إلى ذكر أشياء أخرى، منها: محاولة الفتك برسول الله ﷺ ؛ كما سنرى. وقيل: نزلت في عبد الله بن أُبَيٍّ حين قال: رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذلَّ؛ فحلف أنّه لم يقل ذلك، وهذا ما قاله قتادة. وقيل: نزلت في بعض المنافقين الّذين سبُّوا رسول الله ﷺ ، وطعنوا في الدِّين، ثمّ حلفوا أنّهم لم يقولوا ذلك، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب، هذا ما قاله الضحاك. ﴿يَحْلِفُونَ﴾: أي: المنافقون؛ أمثال: الجلاس بن سويد، أو عبد الله بن أُبَيٍّ، والحلف يعني هنا: الأيمان الكاذبة. ﴿مَا قَالُوا﴾: ما: النّافية، قالوا: ولم يُبين، أو يذكر ما قالوا؛ لأنّه غير مهم، أو الّذي قالوا من سبٍّ، أو طعن، أو كذب. ﴿وَلَقَدْ قَالُوا﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق، والتّوكيد. ﴿قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾: لم يذكر الله سبحانه ما هي كلمة الكفر الّتي قالها المنافقون ترفعاً عن ذكرها، ولكي لا يردِّدها أحد، أو تذكر في كتاب الله الكريم، ولذلك لا داعي لمحاولة معرفتها، والتكهُّن بها. ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾: عادوا إلى الكفر بعد أن أظهروا، أو ادعوا الإسلام بالنّطق بالشّهادة؛ أيْ: مجرَّد قول باللسان فقط. ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾: وهمُّوا على قتل الرّسول ﷺ ، وكانوا (١٢) منافقاً، وكان ذلك عند العقبة، وفشلت مؤامرتهم لقتل النّبي ﷺ ، ولم يتحقق ما هموا به، وقيل: كلّهم ماتوا، وهم على الكفر، ومحاربة الله ورسوله ﷺ .

стр. 1928

﴿وَمَا نَقَمُوا﴾: الواو: استئنافية، ما: النّافية، نقموا: فيه تهكم عليهم، وتأكيد الشّيء بخلافه، وتعني: فليس هناك شيء بقي لهم؛ لينقموا: ليعتبوا، أو لا يرضوا بعد أن أغناهم الله، ورسوله من فضله؛ فقد كانوا كما قال ابن عبّاس ﵄ قبل قدوم النّبي ﷺ إلى المدينة في ضنك العيش فقراء؛ فلمَّا قدِم: غنموا، وصارت لهم الأموال، وقيل: إنّ الجلاس بن سويد لما قُتل له غلام على يد المسلمين دفع له رسول الله ﷺ (١٢٠٠٠) درهم دِيةً؛ فبدلاً من شكر الله وحده على ما فضل الله عليهم ورسوله؛ كفروا، ونقموا، وهموا بما لم ينالوا. ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: إلا: أداة حصر، أن أغناهم الله ورسوله من فضله: ولم يقل: من فضلهما، ولكنه قال: من فضله؛ لأنّ الله سبحانه لا يُثنى مع أحد، ولو كان رسول الله ﷺ نفسه، والفضل يعود إلى الله وحده، وإن كان رسول الله سبباً لذلك الفضل. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للتوكيد، إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك. ﴿يَتُوبُوا﴾: من النّفاق، ومما قالوه، وفعلوه. ﴿يَكُ﴾: ولم يقل: يكن، يك: للدلالة على أنّ هذه التّوبة، ولو كانت بأقل الدرجات أفضل من كفرهم، ونفاقهم؛ فعسى الله أن يعفو عنهم حيث باب التّوبة ما زال مفتوحاً أمامهم. ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾: عن التّوبة، والإيمان، ويعرضوا، ويصروا على النّفاق. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى الْأَرْضِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ولي: القريب المعين الّذي يكن لك المحبة، والمودة، ولا نصير: الّذي ينقذه من العذاب، أو يشفع له، أو يدفع عنه العذاب، من: تفيد الاستغراق، والتّوكيد.

стр. 1929

سورة التوبة [٩: ٧٥] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿وَمِنْهُم﴾: من المنافقين. من: ابتدائية، وتعني: المفرد، والمثنى، أو الجمع. ﴿عَاهَدَ اللَّهَ﴾: العهد: الوعد المقرون بشرط، والعهد: يقتضي الوفاء. ﴿لَئِنْ﴾: اللام: للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال، والشّك. ﴿آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾: آتاهم: أعطاهم، وهناك فرق بين الإيتاء، والعطاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: المال، والحرث، والأنعام. ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾: اللام: للتوكيد، والتّعليل، والنّون: للتوكيد أيضاً. الصّدقة: تعني: الزّكاة الواجبة، أو صدقة النّفل. ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ولنكونن: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد، والنّون: للتوكيد. ﴿مِنَ﴾: ابتدائية بعضية. ﴿الصَّالِحِينَ﴾: أيْ: نعمل عمل أهل الصّلاح، والخير؛ مثل: الإنفاق في الخير، والبر، والطاعات. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٠)؛ لمزيد من البيان في معنى الصالحين. سورة التوبة [٩: ٧٦] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب. لما: ظرف زماني متضمن معنى الشّرط. ﴿آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أتاهم؛ أيْ: رزقهم رزقاً وافراً؛ زاد عما تعطيه

стр. 1930

الأسباب، وقدرة الشّخص؛ فهو رزق+ فضل. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: والفضل: هو الزّيادة على الأجر؛ أيْ: رزقهم، وأغناهم من فضله، ومن دون استحقاق. ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾: والبخل: هو الامتناع عن العطاء. ﴿وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: أعرضوا، وامتنعوا عن التّصدق، والعمل الصّالح الّذي وعدوه، وطاعة الله ورسوله، وهم: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿مُّعْرِضُونَ﴾: جمع معرض؛ أيْ: رافض، أو ناقض لعهده، ومعرضون: جملة اسمية؛ تدل على الثّبوت؛ أيْ: ثبوتهم، واستمرارهم على الإعراض، والتولي. سورة التوبة [٩: ٧٧] ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب. أعقبهم؛ أيْ: تلا ذلك، أو عاقبهم على نفاقهم بأن أسكن الله النّفاق في قلوبهم إلى يوم القيامة. فلا ينفك عنهم، ولا يمكنهم من التّوبة؛ فيموتوا وهم على النّفاق. ﴿نِفَاقًا﴾: هنا: نكرة يشمل كلّ أنواع النّفاق: نفاق القول، والعمل … وغيرها. ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾: إلى يوم القيامة. ﴿بِمَا﴾: الباء: باء البدلية، أو السّببية، أو التّعليل. ما: حرف مصدري.
следующие страницы →