← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾: وبئس: من أفعال الذّم، والمصير: النّهاية؛ بئس النّهاية، أو المنتهى والإقامة. وقدَّم الكفار على المنافقين في هذه الآية: التّقديم هنا من حيث الزّمن فالكفار جاؤوا قبل المنافقين، والنّفاق ظهر في المدينة بعد الهجرة، أو بسبب كثرة الكفر مقارنة بالنفاق. وقد يقدِّم النّفاق على الكفر إذا كان سياق الآيات في المنافقين، وأعمالهم، وانتشار النّفاق وكثرته؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]. سورة التوبة [٩: ٧٤] ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى الْأَرْضِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: سبب النّزول: كما روي عن ابن عباس ﵄: المرجح أنّ رسول الله ﷺ خطب ذات يوم بغزوة تبوك؛ فذكر المنافقين الّذين تخلفوا عن تبوك، وسماهم رجساً، وعابهم، وبعد ذلك قال الجلاس بن سويد: والله لئن كان محمّداً صادقاً فيما يقول؛ فنحن أشرُّ من الحمير؛ فسمعه عامر بن قيس الأنصاري، وقال له: لقد صدق رسول الله ﷺ ، وأنتم أشرُّ من الحمير، ولما عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة؛ قام عدد من المنافقين ليقتلوا عامر بن قيس؛ فلجأ إلى رسول الله ﷺ ، وأخبره بما قال الجلاس، وكان من سادة قومه؛ فدعا رسول الله ﷺ الجلاس؛ فأنكر ما قاله، وحلف بالله أنّ ما قاله عامر بن قيس كذب، وعندها دعا عامر بن قيس الله أن ينزل على نبيه آية لتصديق الصّادق، وتكذيب الكاذب؛ فنزلت هذه

стр. 1927

الآية، واعترف الجلاس بما قاله، ثمّ تاب بعد ذلك وحسنت توبته، وتجاوزت هذه الآية إلى ذكر أشياء أخرى، منها: محاولة الفتك برسول الله ﷺ ؛ كما سنرى. وقيل: نزلت في عبد الله بن أُبَيٍّ حين قال: رجعنا إلى المدينة ليخرجنَّ الأعز منها الأذلَّ؛ فحلف أنّه لم يقل ذلك، وهذا ما قاله قتادة. وقيل: نزلت في بعض المنافقين الّذين سبُّوا رسول الله ﷺ ، وطعنوا في الدِّين، ثمّ حلفوا أنّهم لم يقولوا ذلك، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السّبب، هذا ما قاله الضحاك. ﴿يَحْلِفُونَ﴾: أي: المنافقون؛ أمثال: الجلاس بن سويد، أو عبد الله بن أُبَيٍّ، والحلف يعني هنا: الأيمان الكاذبة. ﴿مَا قَالُوا﴾: ما: النّافية، قالوا: ولم يُبين، أو يذكر ما قالوا؛ لأنّه غير مهم، أو الّذي قالوا من سبٍّ، أو طعن، أو كذب. ﴿وَلَقَدْ قَالُوا﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق، والتّوكيد. ﴿قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾: لم يذكر الله سبحانه ما هي كلمة الكفر الّتي قالها المنافقون ترفعاً عن ذكرها، ولكي لا يردِّدها أحد، أو تذكر في كتاب الله الكريم، ولذلك لا داعي لمحاولة معرفتها، والتكهُّن بها. ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾: عادوا إلى الكفر بعد أن أظهروا، أو ادعوا الإسلام بالنّطق بالشّهادة؛ أيْ: مجرَّد قول باللسان فقط. ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾: وهمُّوا على قتل الرّسول ﷺ ، وكانوا (١٢) منافقاً، وكان ذلك عند العقبة، وفشلت مؤامرتهم لقتل النّبي ﷺ ، ولم يتحقق ما هموا به، وقيل: كلّهم ماتوا، وهم على الكفر، ومحاربة الله ورسوله ﷺ .

стр. 1928

﴿وَمَا نَقَمُوا﴾: الواو: استئنافية، ما: النّافية، نقموا: فيه تهكم عليهم، وتأكيد الشّيء بخلافه، وتعني: فليس هناك شيء بقي لهم؛ لينقموا: ليعتبوا، أو لا يرضوا بعد أن أغناهم الله، ورسوله من فضله؛ فقد كانوا كما قال ابن عبّاس ﵄ قبل قدوم النّبي ﷺ إلى المدينة في ضنك العيش فقراء؛ فلمَّا قدِم: غنموا، وصارت لهم الأموال، وقيل: إنّ الجلاس بن سويد لما قُتل له غلام على يد المسلمين دفع له رسول الله ﷺ (١٢٠٠٠) درهم دِيةً؛ فبدلاً من شكر الله وحده على ما فضل الله عليهم ورسوله؛ كفروا، ونقموا، وهموا بما لم ينالوا. ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: إلا: أداة حصر، أن أغناهم الله ورسوله من فضله: ولم يقل: من فضلهما، ولكنه قال: من فضله؛ لأنّ الله سبحانه لا يُثنى مع أحد، ولو كان رسول الله ﷺ نفسه، والفضل يعود إلى الله وحده، وإن كان رسول الله سبباً لذلك الفضل. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للتوكيد، إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك. ﴿يَتُوبُوا﴾: من النّفاق، ومما قالوه، وفعلوه. ﴿يَكُ﴾: ولم يقل: يكن، يك: للدلالة على أنّ هذه التّوبة، ولو كانت بأقل الدرجات أفضل من كفرهم، ونفاقهم؛ فعسى الله أن يعفو عنهم حيث باب التّوبة ما زال مفتوحاً أمامهم. ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾: عن التّوبة، والإيمان، ويعرضوا، ويصروا على النّفاق. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى الْأَرْضِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ولي: القريب المعين الّذي يكن لك المحبة، والمودة، ولا نصير: الّذي ينقذه من العذاب، أو يشفع له، أو يدفع عنه العذاب، من: تفيد الاستغراق، والتّوكيد.

стр. 1929

سورة التوبة [٩: ٧٥] ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿وَمِنْهُم﴾: من المنافقين. من: ابتدائية، وتعني: المفرد، والمثنى، أو الجمع. ﴿عَاهَدَ اللَّهَ﴾: العهد: الوعد المقرون بشرط، والعهد: يقتضي الوفاء. ﴿لَئِنْ﴾: اللام: للتوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال، والشّك. ﴿آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾: آتاهم: أعطاهم، وهناك فرق بين الإيتاء، والعطاء. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: المال، والحرث، والأنعام. ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾: اللام: للتوكيد، والتّعليل، والنّون: للتوكيد أيضاً. الصّدقة: تعني: الزّكاة الواجبة، أو صدقة النّفل. ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ولنكونن: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد، والنّون: للتوكيد. ﴿مِنَ﴾: ابتدائية بعضية. ﴿الصَّالِحِينَ﴾: أيْ: نعمل عمل أهل الصّلاح، والخير؛ مثل: الإنفاق في الخير، والبر، والطاعات. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٠)؛ لمزيد من البيان في معنى الصالحين. سورة التوبة [٩: ٧٦] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للتعقيب. لما: ظرف زماني متضمن معنى الشّرط. ﴿آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أتاهم؛ أيْ: رزقهم رزقاً وافراً؛ زاد عما تعطيه

стр. 1930

الأسباب، وقدرة الشّخص؛ فهو رزق+ فضل. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾: والفضل: هو الزّيادة على الأجر؛ أيْ: رزقهم، وأغناهم من فضله، ومن دون استحقاق. ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾: والبخل: هو الامتناع عن العطاء. ﴿وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾: أعرضوا، وامتنعوا عن التّصدق، والعمل الصّالح الّذي وعدوه، وطاعة الله ورسوله، وهم: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿مُّعْرِضُونَ﴾: جمع معرض؛ أيْ: رافض، أو ناقض لعهده، ومعرضون: جملة اسمية؛ تدل على الثّبوت؛ أيْ: ثبوتهم، واستمرارهم على الإعراض، والتولي. سورة التوبة [٩: ٧٧] ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب. أعقبهم؛ أيْ: تلا ذلك، أو عاقبهم على نفاقهم بأن أسكن الله النّفاق في قلوبهم إلى يوم القيامة. فلا ينفك عنهم، ولا يمكنهم من التّوبة؛ فيموتوا وهم على النّفاق. ﴿نِفَاقًا﴾: هنا: نكرة يشمل كلّ أنواع النّفاق: نفاق القول، والعمل … وغيرها. ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾: إلى يوم القيامة. ﴿بِمَا﴾: الباء: باء البدلية، أو السّببية، أو التّعليل. ما: حرف مصدري.

стр. 1931

﴿أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾: ما: هنا اسم موصول؛ تعني: الّذي وعدوه من التّصدق، والعمل الصّالح، ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. ﴿وَبِمَا﴾: تكرار بما: للتوكيد، وفصل كلاً منهما على حدة، أو كلاهما معاً؛ أيْ: بعضهم أخلف، وبعضهم كذب. ﴿يَكْذِبُونَ﴾ بما كانوا يكذبون أنّهم مؤمنون، ومخلصون، أو إنّهم لمنكم، وصدق رسول الله ﷺ حين قال ـ كما جاء في الصحيحين ـ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». سورة التوبة [٩: ٧٨] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾: الهمزة: للاستفهام، وتعني: ألم يكن عندهم علماً سابقاً، أو أولم يكن معروفاً لديهم سابقاً؛ أيْ: كان عندهم علم، وخبر، ومعروفاً سابقاً أنّ الله يعلم سرهم ونجواهم. ارجع إلى الآية (٦٣) من سورة التّوبة؛ لمزيد من البيان. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: للتوكيد. ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾: السّر: هو ما يسره الإنسان في نفسه، ولا يطلعه على أحد. ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾: من النّجوى: وهي ما تسر به للغير بوجود شخص آخر لا يعلم ما تسرون به. ارجع إلى النّجوى في سورة المجادلة، آية (٧). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾: أن: للتوكيد، علام: صيغة مبالغة من فعل علم على وزن فعّال عالم، عليم، علام.

стр. 1932

﴿الْغُيُوبِ﴾: جمع غيب، والغيب: هو غاب، واستتر عن البشر، وما غاب في السّماء، والأرض. ﴿عَلَّامُ﴾: لأنّه هو خالق الغيوب، فلا الغيب يغيبُ عن علمه، ولا العالم المشهود. ارجع إلى سورة المائدة، آية (١٠٩)؛ لمزيد من البيان في علام الغيوب. سورة التوبة [٩: ٧٩] ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يعود على المنافقين. ﴿يَلْمِزُونَ﴾: من اللمز: وهو أن يعيب شخص على آخر، وهو غير حاضر، وأما الهمز: فهو أن يعيب شخص على آخر، وهو حاضر. والعيب: يكون بالقول، أو الفعل، أو بالإشارة بالعين، أو الفم، أو اليد. يلمزون بصيغة المضارع بدلاً من لمزوا؛ لتدل على تجدُّد، وتكرُّر هذا الفعل، واستمرارهم عليه. ﴿الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِى الصَّدَقَاتِ﴾: المطوعين: جمع مطوع، أو متطوع. المتطوعون: المتبرعون، المتصدقون من المؤمنين، والمطوع: هو الّذي يزيد على ما فرض الله عليه من جنس ما فُرض، وهذا يسمَّى الإحسان، وهو نوعان: إحسان الكم، وإحسان الكيف. يعيبون على المطوعين من المؤمنين في الصّدقات: يعيبون على الفرض ما فرضه الله ورسوله؛ سواء كان المقدار قليلاً، أو كثيراً؛ فإذا كان المقدار كثيراً يقولون: جاء المطوع رياء، وإذا كان قليلاً يقولون عن صاحبه: بخيل. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: الجهد: هو الشّيء القليل من المال؛ إلا

стр. 1933

طاقتهم، وما يقدرون عليه من التّصدق، وجُهد المقل قدر ما يتحمله حال القليل المال. ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾: السّخرية: استنقاص حق من يسخر منه، وفيها معنى الإذلال لمن يسخر منه، والتّسخير في الأصل التّذليل. والسّخرية: تكون خاصَّة بالأشخاص، أو أعمالهم، والسّخرية تدل على فعل قام به المسخور منه أولاً، ويسخرون بصيغة المضارع؛ للدلالة على حكاية الحال إحضار فعل السّخرية؛ كأنه يحدث الآن. ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾: أيْ: جازاهم الله على سخريتهم، وهذا من باب المشاكلة في القول، أو أذلهم الله، وأنقص قدرهم، والله سبحانه غني عن السّخرية من أحد. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: لهم: اللام: لام الاستحقاق، والاختصاص. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: شديد الإيلام في الآخرة لا يطيقونه.

стр. 1934

سورة التّوبة [الآيات ٨٠ - ٨٦] سورة التوبة [٩: ٨٠] ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: ﴿اسْتَغْفِرْ﴾: أمر؛ بمعنى: الخبر. ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: تقديره: استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم؛ لن يغفر الله لهم. ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾: قيل: تعود على المنافقين الّذين كانوا يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات. سبب نزول الآية: روي عن ابن عمر: سأل عبد الله بن عبد الله بن أُبَيٍّ رسولَ الله ﷺ ، وكان رجلاً صالحاً: أن يستغفر لأبيه، أو قيل: جاء بعض المنافقين؛ لما نزلت الآيات الفاضحة بشأنهم يعتذرون، ويطلبون من الرّسول الاستغفار؛ فجاء الرّد من الله سبحانه بنزول هذه الآية. فاستغفار النّبي ﷺ للمنافقين، وعدمه سواء، والسّبب واضح: ذلك بأنّهم كفروا بالله، ورسوله، وماتوا على ذلك. ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾: كانت السّبعة عند العرب في السّابق تعتبر نهاية العدد، وإذا أرادوا الزّيادة على السّبعة يستعملون حرف عطف مثل سبعة، وثامنهم كلبهم، أو يستعملون السبعين (٧٠)؛ للمبالغة، أو سبعمئة. ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾: فلن: الفاء للترتيب والتّعقيب وتفيد التّوكيد، لن: من أقوى حروف النّفي؛ ينفي المستقبل القريب، والبعيد؛ بأن الله لن يغفر لهم إذا لم يتوبوا، ويرجعوا عن نفاقهم، وكفرهم.

стр. 1935

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: والسّبب لعدم قبول الاستغفار: ﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: الباء: للإلصاق، والتّعليل، وتفيد التّوكيد؛ جحدوا بالله، وآياته، ولم يعترفوا برسوله. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: لا يهدي القوم الفاسقين؛ الّذين هداهم الله إلى طريق الخير، والإيمان، ولكنّهم رفضوا ذلك، واختاروا طريق الفسق، والخروج عن طاعة الله ورسوله، والضّلالة، والغي، وتمادوا في ذلك، ولم يعد هنالك أمل في إصلاحهم. لنقارن بين هذه الآية (٨٠): ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. مع الآية (٦) من سورة المنافقون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. فآية التّوبة: لما نزلت وحدَّدت سبعين مرة؛ ظنَّ رسول الله ﷺ أنه إذا زاد عن السّبعين قد يقبل الله؛ فجاءت الآية في سورة المنافقون بحسم الأمر: لن يكون هناك استغفار مقبول لهم؛ مهما كان عدده، ونوعه إذا لم يتوبوا توبة صادقة، أو توبة نصوحاً. سورة التوبة [٩: ٨١] ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِى الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾: ﴿فَرِحَ﴾: الفرح: هو شعور النّفس بالسّرور، وهو فرح مذموم. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان أنواع الفرح.

стр. 1936

﴿الْمُخَلَّفُونَ﴾: منهم المنافقون، والّذين تخلفوا، ولم يخرجوا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك، وبقوا في المدينة. ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾: بقعودهم، المقعد: هو مكان القعود، والقعود يعني: البقاء في المكان. ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾: ١ - خلاف: قد تعني: بعد خروج رسول الله ﷺ تصبح الآية: فرح المخلفون بمقعدهم بعد خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك. ٢ - وخلاف: قد تعني: فرح المخلفون بمقعدهم مخالفة رسول الله ﷺ ؛ أيْ: قعدوا لمخالفة رسول الله ﷺ . ٣ - وخلاف: قد تعني: أنّهم تأخروا عن الجهاد. وقد تعني كل هذه المعاني. ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِى الْحَرِّ﴾: وقالوا: لا تنفروا في الحر؛ إذن: هم فرحوا أولاً بمقعدهم، وكرهوا الجهاد ثانياً، وثالثاً: لم يكتفوا بموقفهم المخزي، بل أخذوا يحرِّضون المؤمنين على عدم الخروج، والجهاد، والقتال في سبيل الله، وقالوا لبعضهم بعضاً: لا تخرجوا بسبب الحر الشّديد؛ أيْ: إيثاراً للراحة، وعدم التّعرض للحر الشّديد، والشّدة. ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾: الله سبحانه علم ما قالوا لبعضهم بعضاً: لا تنفروا في الحر؛ فردَّ عليهم: قل لهم يا محمد ﷺ نار جهنم أشد حراً. ﴿لَّوْ﴾: شرطية. ﴿كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾: والفقه: الفهم؛ فهم الأحكام الشرعية؛ فالتّدرج يكون كما يلي: التّفكر، ثمّ التّدبر، ثمّ الفقه، ثمّ العلم. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) للبيان المفصل في يفقهون.

стр. 1937

سورة التوبة [٩: ٨٢] ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾: الفاء: للتوكيد، واللام: لام الأمر، أو التّعليل، ولم يقل: سيضحكون: كلام إخباري، وإنما: فليضحكوا جاء مؤكداً للضحك، ولا بدّ من أن يحدث في الدّنيا، ولكنّه قليل؛ فليضحكوا قليلاً في الدّنيا. ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والبدلية، والسّببية، وما: اسم موصول، أو مصدرية، وليبكوا كثيراً في الآخرة، واللام في ليبكوا: للتوكيد، وتعني: أما الزمن: أي: ليضحكوا وقتاً أو زمناً قليلاً في الدنيا، وليبكوا وقتاً أو زمناً كثيراً في الآخرة. وأما الحدث: أي: ليضحكوا ضحكاً قليلاً في الدنيا، وليبكوا بكاء كثيراً في الآخرة، وقد تعني كلاهما. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: في الدّنيا من الذّنوب، والسّيئات، والكسب عادة يستعمل للحسنات (للحلال). والاكتساب يستعمل للسيئات (للحرام). ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة؛ للبيان لماذا استعمل يكسبون. سورة التوبة [٩: ٨٣] ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب. إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك. ﴿رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾: رجعك: ولم يقل: رجعت، رَجَعَكَ: الفاعل هنا هو الله سبحانه؛ أما رجعت: فالفاعل هو محمد ﷺ ؛ فقوله: رجعك: تدل على أن الأمر بيد الله تعالى، ولا خيار لك. رجعك الله؛ أيْ: قدر لك الرّجوع بعد غزوة تبولك إلى طائفة منهم؛ طائفة من المخلفين (المنافقين)؛ الّذين لم يتوبوا بعد رجوعك إلى المدينة، واستمروا على نفاقهم.

стр. 1938

﴿فَاسْتَئْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾: طلبوا منك الإذن لهم؛ ليخرجوا معك في الغزوات القادمة. ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ أَبَدًا﴾: الفاء: للتوكيد، قل لهم: لن حرف نفي للمستقبل القريب والبعيد، تخرجوا معي أبداً: أبداً للتوكيد، تخرجوا معي للجهاد، ولن تقاتلوا معي عدواً. ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: إنكم: إن: للتوكيد، رضيتم بالقعود أول مرة (بعدم الخروج لتبوك). قيل: كانوا (١٢) رجلاً. ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾: ولم يقل: مع المخلفين. الفاء: للتوكيد؛ اقعدوا مع الخالفين: تختلف عن المخلفين؛ لها معانٍ عدة: الأول: الخالفين من النّساء، والصّبيان، والمرضى: الّذين تخلفوا، ولم يستطيعوا الخروج. ثانياً: الّذين تخلّفوا لأعذار. ثالثاً: المخالفين الفاسدين؛ لأنهم خالفوا رسول الله ﷺ . سورة التوبة [٩: ٨٤] ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾: سبب النّزول: نزلت في شأن عبد الله بن أُبَيٍّ زعيم المنافقين؛ حين مرض جاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أُبَيٍّ إلى رسول الله ﷺ الّذي أسلم، وحسن إسلامه طالباً من رسول الله أن يعطيه قميصه حتّى يكفن فيه أباه؛ فأعطاه ثمّ سأله أن يصلي عليه؛ فقام ليصلي عليه، ويستغفر له عندها وقف عمر بين رسول الله ﷺ والقبلة؛ حتّى لا يصلي، ونزلت هذه الآية؛ كما روي عن ابن عمر ﵄. أخرجه البخاري. ووافق الوحي موقف سيدنا عمر ﵁ في عدم الصّلاة على عبد الله بن أُبَيٍّ،

стр. 1939

وكذلك وافق الوحي سابقاً رأي سيدنا عمر ﵁ في أُسارى بدر، ووافقه في اتخاذ مقام إبراهيم مصلى؛ حيث كان يقول لرسول الله ﷺ : لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى. أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس. ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾: كان إذا دفن الميت، وقف على قبره، ودعا له، أو السّلام عليه، أو الوقوف على القبر لدفنه؛ فمُنع في هذه الآية أن يقيم على قبر أيِّ منافق ويدعو له. ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾: إنّهم: إن: للتوكيد؛ كفروا بالله ورسوله؛ هذا تعليل للنهي، ولم يقل: وماتوا وهم كافرون، وماتوا وهم فاسقون، وصفهم بالفسق بعد أن وصفهم بالكفر؟؟ والكفر أعظم من الفسق؛ فكيف يكفر، ثمّ يموت وهو فاسق؟ إذا قلنا: كفروا بالله ورسوله؛ أيْ: هم غير مسلمين أصلاً، وفاسقون؛ أيْ: خارجون عن الإسلام، ولم يتوبوا، وماتوا وهم على ذلك، وقد تعني: ذكر الخاص بعد العام، العام: هو الكفر، والفسق: هو الخاص. سورة التوبة [٩: ٨٥] ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِى الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٥٥) من سورة التّوبة؛ للبيان، والمقارنة. سورة التوبة [٩: ٨٦] ﴿وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَئْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: ظرفية شرطية؛ تفيد حتمية الحدث، وكثرته. ﴿أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾: تحض على الجهاد في سبيل الله. ﴿أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾: أن: تفيد التّوكيد، آمنوا بالله؛ أيْ: أخلصوا دينكم، آمنوا بالقلب، واللسان، آمنوا بالله إيمان عقيدة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨).

стр. 1940

﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾: بالمال، والأنفس، واخرجوا معه. ﴿اسْتَئْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾: طلبوا (الألف، والسين، والتاء؛ تعني: طلب الإذن، والسّماح لهم)، طلب أولو الطّول: الأغنياء الّذين يملكون المال، والعدة، والقدرة على الجهاد. ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: ذرنا: اتركنا مع القاعدين: العجزة، والمرضى، والخالفين. ما هو الفرق بين القاعدين، والخالفين؟ القاعدين: ليس لهم القدرة على القتال؛ كالمرضى، والأطفال، والنّساء، والعجزة من الرجال. الخالفين: لهم القدرة على القتال، ولكنّهم انتحلوا الأعذار الكاذبة؛ للسماح لهم بالقعود مع الخالفين. الخالفين: الّذين تخلَّفوا من دون عذر، أو تعني: المخالفين لرسول الله ﷺ ؛ أي: العاصين.

стр. 1941

سورة التّوبة [الآيات ٨٧ - ٩٣] سورة التوبة [٩: ٨٧] ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾: ﴿رَضُوا﴾: قبلوا، أو اكتفوا. ﴿بِأَنْ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد؛ أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾: الخوالف: جمع خالفة، والخوالف: النّساء، القاعدات، المقيمات في البيوت بعد رحيل الرّجال. ﴿وَطُبِعَ﴾: مبني للمجهول يناسب قوله تعالى: وإذا أنزلت سورة: مبني للمجهول. ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: بحيث لا يدخل قلوبهم ذرة من الإيمان، ولا يخرج منها ذرة كفر. قلوبهم أصبحت كالحجارة، أو أشد قسوة، وطبع على قلوبهم: الفاعل ضمير مبني للمجهول مقارنة بقوله: وطبع الله على قلوبهم الفاعل هو الله سبحانه؛ فحين يقول: وطبع الله على قلوبهم: أشد، وأقوى، وأسوأ حالة من قوله: وطبع على قلوبهم، والطّبع كما نعلم أشد من الختم؛ لأنّ الختم قد يُفك، والطّبع لا يفك. وإذا قارنا هذه الآية (٨٧) مع الآية (٩٣) من نفس السورة نجد أن السياق في الآية (٩٣) جاء في الذين أشد ضلالاً وكفراً، وهم من الأغنياء الذين لم يخرجوا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك.

стр. 1942

﴿فَهُمْ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾: لا: النّافية؛ فهم لا يفقهون: الفقه: هو الفهم، واصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها؛ أيْ: لم يفهموا ما في جهادهم مع رسول الله من الأجر العظيم. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٨) لمزيد من البيان. سورة التوبة [٩: ٨٨] ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: ﴿لَكِنِ﴾: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: أيْ: وإن تخلف هؤلاء عن الخروج، فلا يهم ذلك، ولا تكترث بهم، ما دمت قد خرجت أنت، والذين آمنوا معك للجهاد في سبيل الله. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، بُعد منزلتهم، ومكانتهم في الآخرة. ﴿لَهُمُ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. ﴿الْخَيْرَاتُ﴾: جمع الخيرة، لهم الخيرات في الدارين: الدّنيا والآخرة. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: تكرار أولئك: يفيد التّوكيد. ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. المفلحون: الناجون من النار، والفائزون بالجنة؛ الفائزون حقاً، بل هم في طليعة الفائزين. ارجع إلى الآية (٥) من سورة البقرة؛ للبيان.

стр. 1943

سورة التوبة [٩: ٨٩] ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: هذه الآية قد تكون تفسيراً للخيرات، والفلاح في الآخرة، أما في الدّنيا: فتشمل النّصر، والمعونة، والغنى … وغيرها. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ﴾: هيَّأ، وجهَّز الله لهم. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: جنات: حدائق، وبساتين فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما ورد في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁. ارجع إلى الآية السابقة (٧٢)؛ لمزيد من البيان. ﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: من: تعني: تنبع من تحت هذه الجنات الأنهار. أما تجري تحتها، كما ورد في الآية (١٠٠) من نفس السورة؛ أيْ: تمر تحتها الأنهار الّتي تنبع من أماكن أخرى. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: الخلود هو استمرار البقاء إلى ما لا نهاية، ويبدأ من زمن دخولهم الجنات. ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: ذلك: اسم إشارة، واللام: للبعد، الفوز العظيم لا يعادله فوز. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لمزيد من البيان في معنى الفوز وأنواعه أو درجاته، ارجع إلى الآية (٧٢) من سورة التّوبة؛ للمقارنة. سورة التوبة [٩: ٩٠] ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾: لفهم هذه الآية لا بد من معرفة: أنّ المنافقين قسمان: قسم كان يعيش في المدينة، وسبق الحديث عنهم، وقسم كان يعيش خارج

стр. 1944

المدينة، كانوا يسمون الأعراب؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾؛ فهذه الآية تتحدث عن هؤلاء الأعراب المنافقين الّذين كانوا يسكنون خارج المدينة في البوادي، والصّحراء. ﴿وَجَاءَ﴾: الواو: استئنافية. جاء: فعل ماض، وجاء تدل على صعوبة في المجيء بعكس أتى التي تدل على سهولة المجيء. ﴿الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: بفتح العين، وتشديد الذَّال: جمع مُعَذِّر: وهو الّذي يعتذر، وليس له عذر حقيقي؛ فهو يفتعل، أو يختلق العذر؛ أيْ: هو كاذب، عذره غير صحيح. بينما المُعْذرون: بسكون العين جمع مُعْذر: هو الّذي يعتذر بعذر حقيقي صحيح، والمُعْذرون لهم عذر واحد فقط. أما المُعْتذرون: بسكون العين جمع معتذر: هو الّذي يعتذر بعدة أعذار حقيقية صحيحة؛ أيْ: عنده أكثر من عذر. وجاء المُعذِّرون من الأعراب: الأعراب: اسم جنس، وهم البدو الّذين يسكنون الصحراء، أو خارج المدن، والقرى، والواحد أعرابي، وهم يشتهرون بشدة وغِلظَة الطّباع الّتي تماشي طبيعة الصّحراء القاسية. أما العرب: فهم الّذين يعيشون في المدن، والقرى، وعندهم حضارة، وأسهل معاشرة من الأعراب. المُعَذَّرون: بفتح العين، وتشديد الذَّال وفتحها: إذن جاء الأعراب الّذين ينتحلون الأعذار الكاذبة.

стр. 1945

﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد. ليؤذن لهم: بالقعود، وعدم الخروج للجهاد، جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ؛ ليؤذن لهم، وقعد الّذين كذبوا الله ورسوله؛ هؤلاء صنف آخر من الأعراب المنافقين الّذين لم يكترثوا، أو يهمهم لا الخروج في سبيل الله، ولا الجهاد، ولم يفكِّروا حتّى بأيِّ عذر ليس عندهم نية بالاعتذار؛ حتّى ولو كان كذباً؛ مما يدل على تكبرهم؛ فهم الأسوأ على الإطلاق؛ فهم كذبوا في إيمانهم. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: السّين: للاستقبال القريب؛ سيصيب الّذين كفروا منهم: من الأعراب منهم خاصَّة لا غيرهم: عذاب أليم قريب في الدّنيا بالقتل، والسّبي، والتّشريد، والفضيحة، وفي الآخرة: عذاب النّار. سورة التوبة [٩: ٩١] ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿لَّيْسَ﴾: أداة نفي؛ لنفي الحال، والاستقبال، وليس مقيدة بزمن. ﴿عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾: العجزة، والشّيوخ، والنّساء، والصّبيان. ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾: الواو: عاطفة، لا: لتأكيد النّفي، المرضى: بمرض حاد، أو مزمن؛ مثل: السّكري، والتهاب المفاصل، وكذلك الأعمى، والأعرج. ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾: ولا: لتأكيد النّفي؛ نفي الحرج: وهو الإثم، أو الذّنب على كل هؤلاء، وكذلك الفقراء: ليس عليهم إثم، أو ذنب في عدم الخروج للجهاد في سبيل الله، أو الإنفاق في سبيل الله (أي: الجهاد).

стр. 1946

﴿إِذَا﴾: شرطية؛ تفيد الحتمية، والحرج في القرآن له ثلاثة معانٍ: ١ - الضيق. ٢ - الإثم، أو الذنب. ٣ - الشك. ﴿نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: النّصح لله ورسوله هنا؛ يعني: حضَّ الآخرين القادرين على الجهاد بالخروج، والإنفاق، أو معاونة أهل المجاهدين بعد الخروج، ومحاربة أكاذيب المنافقين الّذين تخلفوا عن الخروج، ودحر إشاعاتهم، وإطاعة النّبي ﷺ ، وتصديقه. ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ما: النّافية، على المحسنين: سمَّى هؤلاء الضعفاء، والمرضى، والفقراء الّذين نصحوا لله، ورسوله محسنين إذا قاموا بما يستطيعون من جهد؛ فهم كأنهم اشتركوا في الجهاد. ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾: من ابتدائية استغراقية. من سبيل: من عقوبة، أو لوم، أو توبيخ، أو إثم، أو ذنب. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: لهؤلاء غفور: كثير المغفرة، لهم وأمثالهم، رحيم في التّوسعة عليهم؛ فلا يكلِّفهم ما لا طاقة لهم به، وأثابهم ثواب المحسنين.

стр. 1947

سورة التوبة [٩: ٩٢] ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾: ليس على الضّعفاء، ولا على المرضى، ولا على الّذين لا يجدون ما ينفقون، ولا على الّذين إذا ما أتوك. ﴿إِذَا﴾: ظرفية شرطية؛ تفيد الحتمية. ﴿أَتَوْكَ﴾: لم يقل: جاؤوك؛ لأنهم أتوا وهم يتطلعون إلى الخروج للجهاد؛ قلوبهم مطمئنة صافية أتوك بسهولة، ولم يجدوا في أنفسهم حرج، أو مشقة. ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾: اللام: لام التّعليل؛ أيْ: لم يجدوا وسيلة نقل، أو ركوب (أيْ: دواب): للخروج للجهاد معك؛ أيْ: سألوا رسولَ الله ﷺ أن يحملهم على الدّواب؛ فكان الجواب: لا أجد ما أحملُكم عليه. ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ﴾: أيْ: لم تجد لهم من الدّواب ما تحملهم عليه، وسُمُّوا البكائين، واختلف في عددهم، وأسمائهم. قيل: كانوا ستة، أو سبعة، وكانوا من أشد الفقراء، وليس المهم الأسماء، والعدد، وإنما النية، والقصد. فكان على المجاهد: أن يعول نفسه في الذّهاب، والإقامة مدَّة الحرب، وأن يجد له وسيلة النقل، وعنده ما يكفيه لعائلة كل ذلك؛ فإذا لم يقدروا على ذلك إذن تكون وظيفتهم أخرى: وهي النّصح لله ورسوله. ﴿تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾: أيْ: تفيض دمعاً؛ كأن العين كلها دمع فائض من كثرة بكائهم، وحزنهم؛ أيْ: رجعوا من عندك بعد أن أخبرتهم بالخبر الحزين: أنهم لا يستطيعون الخروج معك؛ لعدم توافر الراحلة.

стр. 1948

والفيض: الانصباب بغزارة؛ لشدة حزنهم؛ لعدم الاستطاعة على الخروج، حزناً ألا يجدوا ما سينفقون. ﴿حَزَنًا﴾: حَزَنَاً بفتح الحاء، وهناك الحُزْن بضم الحاء، وهناك فرق بينهما. فالحَزَن: لا ينتهي، ولا ينقضي، كما هو الحال في الحُزْن الّذي سرعان ما ينتهي، وينقضي، وهذا يدل على أنّهم حزنوا حزناً شديداً طويلاً طويل الأمد حتّى ماتوا وهم عليه. ﴿أَلَّا﴾: أصلها: أن لا. أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد، ولا: النّافية. ﴿أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾: لماذا لم يقل: ألا يجدوا ما يركبون؟ هم أتوك لتحملهم، ما ينفقون تدل على كونهم فقراء ليس عندهم من مقومات الخروج؛ حتّى الزّاد، وما ينفقون تشمل: الطّعام، والرّاحلة. سورة التوبة [٩: ٩٣] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: ﴿إِنَّمَا﴾: كافة ومكفوفة؛ تفيد التّوكيد. ﴿السَّبِيلُ﴾: الذّنب، والإثم، واللوم، والتّوبيخ، والعقوبة. ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَئْذِنُونَكَ﴾: على الذين؛ أيْ: واقع على الّذين يطلبون الإذن بالتّخلف، والبقاء في المدينة، وعدم الخروج. ﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾: هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد، أغنياء: عندهم المال، وعندهم ما يحملهم، وعندهم الطّعام، والزّاد، وكل شيء يحتاجونه.

стр. 1949

﴿رَضُوا﴾: الرّضا: هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع. ﴿بِأَنْ يَكُونُوا﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. اختاروا عدم الخروج، وقبلوا أن يكونوا في عداد الخوالف (النّساء). ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: جاءت بالتّصريح باسم الفاعل، وهو الله سبحانه الفاعل. بينما في الآية (٨٧) من نفس السّورة، قال تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: مبني للمجهول. ارجع إلى الآية السابقة (٨٧)؛ لمزيد من البيان. ﴿فَهُمْ﴾: الفاء: للتوكيد، هم: ضمير فصل لزيادة التّوكيد. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: تعود على الأغنياء؛ فهم لا يعلمون كما علم البكاؤون، ولو علموا كما علم البكاؤون؛ لما تخلفوا عن الخروج لحظة واحدة؛ نفى العلم عنهم، ونفي العلم أسوأ من نفي الفقه؛ أيْ: لا يعلمون أسوأ من لا يفقهون؛ لأنّ العلم، أو لكي تتعلم تحتاج إلى فهم؛ فعندما نفى العلم عنهم؛ فهو قد نفى أيضاً الفهم (الفقه)؛ فقوله: فهم لا يعلمون؛ أيْ: لا يفقهون، ولا يعلمون، وكذلك لا يعلمون؛ تعني: لا يفهمون بذواتهم، ولا يفهمون ما يقوله الغير لهم بشأن إصلاحهم، وتقواهم، أو محاولة تعليمهم.

стр. 1950

سورة التّوبة [الآيات ٩٤ - ٩٩] سورة التوبة [٩: ٩٤] ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾: هذا إخبار من الله لرسوله، وللمؤمنين عن المنافقين حين ترجعون من تبوك سيحاولون الاعتذار إليكم، ولذلك قال رسول الله ﷺ للصحابة: «لا تكلِّموهم، ولا تجالسوهم». ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾: الّذي يعتذر هو من يُبدي كلاماً ليخرجه من دائرة اللوم، والتّوبيخ على قولٍ أو فعل صدر منه مظنة أنّه ذمٌّ؛ فيطلب منه الصّفح. ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾: ظرفية، زمانية؛ للاستقبال. رجعتم إليهم: أيْ: بعد رجوعكم من تبوك إلى المدينة. ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ ، والخطاب كذلك موجَّه إلى المؤمنين: لا: النّاهية. تعتذروا: بأيِّ عذر؛ لأنّه: ﴿لَنْ نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾: لن: النّافية؛ للاستقبال القريب، والبعيد، وهي من أقوى حروف النّفي؛ أيْ: لن نؤمن لكم قريباً، أو بعيداً، نؤمن لكم: لن نصدقكم مهما قلتم، أو اعتذرتم. ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾: قد: للتحقيق، والتّوكيد (قد ثبت وتحقق): أنّ الله نبَّأ رسوله ﷺ عن طريق الوحي عما فعلتموه، أو قلتموه في غيابنا عنكم.

стр. 1951

إذن: علَّة النّهي عن الاعتذار لن نؤمن لكم؛ أيْ: لن نصدقكم. وعلَّة عدم تصديكم؛ لأنّ الله نبأنا عن أخباركم. وبعد أن رفض رسول الله ﷺ الاستماع إلى أعذارهم عندها أخبرهم بأنّ الله قد أخبره بما يخفوه في صدورهم من النّفاق، والكذب، وقال لهم: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾: السّين: للاستقبال القريب، سيرى الله عملكم: أتتوبون إلى ربكم وتنيبون إليه، وتستغفرونه؟ أم تستمرون على نفاقكم، وكفركم. ﴿وَرَسُولُهُ﴾: أيْ: وسيرى الرّسول من خلال إعلام الله له بطريق الوحي، ولم يقل: والمؤمنون؛ لأن المؤمنين لا يرون أعمال المنافقين القلبية الخفية؛ مثل: النّفاق، والكفر. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: ثم: للترتيب، والتّراخي. تردُّون: من الرّد، والرّد يكون ليس بإرادتكم، واختياركم؛ تردُّون بعد بعثكم يوم القيامة. ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: الغيب: هو كل ما غاب، واستتر عن البشر، ما غاب من السّماء، والأرض؛ فهو يعلم، وعالم، فلا يغيب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٥)؛ للبيان. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾: الفاء: تعليلية. ينبئكم: يخبركم.

стр. 1952

﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق. ما: اسم موصول؛ بمعنى الّذي، أو مصدرية. ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: العمل: يضم القول، والفعل؛ أيْ: يخبركم بأقوالكم، وأفعالكم في الدّنيا. ارجع إلى الآية (١٠٥)؛ للبيان، ومعرفة الفرق بين الآيتين (٩٤، و ١٠٥). سورة التوبة [٩: ٩٥] ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾: السّين: للاستقبال القريب، وتدل على أنّهم لم يحلفوا بعد، وسيحلفون بعد انقلابكم إليهم؛ أيْ: بعد عودتكم إليهم؛ أيْ: رجوعكم إلى المدينة من تبوك. ﴿انقَلَبْتُمْ﴾: من الانقلاب: وهو الرّجوع لا إلى ما كان عليه من قبل، ولكن لحالة مختلفة لا تشابه الحالة الأولى؛ أيْ: ما قبل الحدث. أما الرّجوع؛ يعني: الرّجوع إلى الحالة الأولى الّتي كان عليها قبل الحدث؛ أيْ: نفسها؛ مثال: انقلب الطّين خزفاً؛ رجع الطّين طيناً. ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾: اللام: لام التّعليل، تعرضوا عنهم؛ أيْ: لتتركوهم، ولا تعاتبوهم، ولا تؤنِّبوهم، أو توبخوهم على ما فعلوا. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ فأعرضوا عنهم؛ أي: استجيبوا لما طلبوه، وأعرضوا عنهم. ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾: تعليل لترك معاتبتهم، وتوبيخهم. إن: للتوكيد. ﴿رِجْسٌ﴾: أيْ: هم القذارة، والنّجاسة عينها، والخبث، والرّجس قد يعني: الكفر، والشّرك، ويعني هنا: النّجاسة المعنوية، أو هم نجس، كما قال سبحانه:

стр. 1953

﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ نفس السورة آية (٢٨)، والرجس أعم وأوسع معنًى من الرجز، ولمعرفة الفرق بين الرجس والرجز ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩). ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: مصيرهم إلى جهنم في الآخرة. المأوى: مكان استقرارهم، وإقامتهم في الآخرة هي جهنم. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: جزاء بما كانوا يكسبون في الدّنيا من المعاصي، والآثام، وسمَّاه كسباً، وليس اكتساباً؛ لأنّهم داوموا على فعل النّفاق، والمعاصي؛ حتّى أصبحت مهنتهم، أو حرفتهم، واعتادوا عليها؛ فأصبح ارتكابها سهلاً، كما يحصل عند كسب الحسنات. ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة؛ للبيان. سورة التوبة [٩: ٩٦] ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾: يحلفون لكم الأيمان الكاذبة؛ لأنّ رسول الله ﷺ أمر صحابته بأن لا يكلِّموا الّذين تخلفوا عن تبوك، ولا يجالسوهم. ﴿لَكُمْ﴾: خاصَّة، وليس لغيركم. ﴿لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾: اللام: لام التّعليل؛ أيْ: علَّة الحلف بالأيمان الكاذبة: هي أن ترضوا عنهم؛ أيْ: تقبَّلوا ما فعلوه من التّخلف، ولا تؤاخذوهم ولا تعاتبوهم، والرّضا كما قلنا سابقاً: هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: للتوكيد. إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال والشّك. ﴿تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾: على سبيل الافتراض وتنسون ما فعلوه من التّخلف، وتصفحوا عنهم.

стр. 1954

﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: الفاء: للتوكيد. إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك. ﴿لَا يَرْضَى﴾: لا: النّافية؛ أيْ: إن رضيتم عنهم، فليس لرضاكم فائدة، ولا يهُم؛ لأنّ رضا الله سبحانه هو وحده المهمُّ، والمقبول. ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: الفاسقين: جمع فاسق؛ أي: الخارجين عن طاعة الله، ورسوله، وعن الدِّين باختيارهم، ومن دون إكراه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٦)؛ لمزيد من البيان. سورة التوبة [٩: ٩٧] ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿الْأَعْرَابُ﴾: مجموعة من البشر اتصفوا بنقص في الدِّين والإيمان، ولا يعني سكان البادية، كما يظن بعض المفسرين، ولا يجوز القول أن كل سكان البادية كفار؛ فهم قوم ذمَّهم الله، وكانوا أشد كفراً من غيرهم أينما وجدوا، وكانوا لا يعرفون حدود الله، وفرائضه. ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾: أجدر بترك العلم، أو من المتوقع منهم ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله؛ لكونهم بعيدين عن منابع العلم، أو حضور دروس العلم. ﴿أَلَّا﴾: أن لا يعلموا. أن: مصدرية؛ تفيد التّعليل. لا: الناهية. ﴿حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾: من الحلال، والحرام، والطّلاق، والزّواج، والرّدة، والحرابة، والقتل، والسّرقة. الحدود: هي الفرائض، والأوامر، والنّواهي الّتي يجب عدم تجاوزها، أو الاقتراب منها.

стр. 1955

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بما شرع، وبما أنزل على رسوله، وعليم: بأقوالهم، وأفعالهم، وأحوالهم، ومصادر علمهم. ﴿حَكِيمٌ﴾: من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء، وهو أحكم الحاكمين، فلا يشرع إلا بحكمةٍ، وبما أنّه هو الحاكم؛ فيجب عدم مخالفة حدوده، وأوامره. سورة التوبة [٩: ٩٨] ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَمِنَ﴾: من: الابتدائية، وتفيد البعضية؛ أيْ: بعض الأعراب الّذين دخلوا في الإسلام. ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾: من هذه اسم موصول؛ بمعنى: الّذي يعتبر الزّكاة، أو الصّدقة حين يعطيها غرامةً؛ أيْ: خسارة، والغرم: التزام ما لا يلزم؛ فهو يعطيها، وهو مجبر، أو كاره، أو يعطيها خوفاً، أو رياءً، ولا يؤمن بثوابها، وأنّها تطهير، ونماء للمال. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾: يتربص: من التّربص: وهو الانتظار بحذر، وترقُّب يتربص دوائر الموت، أو القتل: أن تحل بكم حتّى لا تأخذوا منه تلك الغرامة. ﴿الدَّوَائِرَ﴾: جمع دائرة: مصيبة؛ مثل: الموت، والقتل، والمكروه. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: دعاء معترِض دعا الله عليهم بنفس ما دعوا به أنفسهم، والسّوء: هو الذّم، والسّوء: كل ما يسيء إلى النّفس. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: سميع لما يقولون، ويتناجون، ويسرون، عليم: بأعمالهم (أقوالهم+ أفعالهم)، وما يسرون في أنفسهم، وما يقولونه لغيرهم. سورة التوبة [٩: ٩٩] ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ

стр. 1956

قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: الصّنف الآخر: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: إيمان تصديق، وعقيدة، ويؤمن بالبعث، واليوم الآخر، والحساب. ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أيْ: هذا الصّنف من الأعراب يعتبر ما ينفق من زكاة، أو صدقة: أنّها قربات عند الله: جمع قربى، والقربى؛ يعني: شيء يقرِّبه إلى رضا الله ومحبته. ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾: دعائه، واستغفاره له؛ فهو يعتبرها شيء يقربه إلى الله، وكذلك تجعل الرّسول يدعو له حين تصله زكاته؛ أيْ: طمعاً في دعوات (صلوات) الرّسول، واستغفاره. ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ﴾: السّين: للاستقبال القريب. في رحمته: في جنته، أو رحمته الّتي هي أعظم من الدّخول في الجنة، فرحمة الله باقية، وخالدة ببقاء ذات الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿غَفُورٌ﴾: صيغة مبالغة كثير الغفران؛ يغفر لهم ذنوبهم، ولو كانت مثل زبد البحر، ومهما عظمت، أو كثرت. ﴿رَحِيمٌ﴾: لا يعجِّل لهم العذاب؛ لعلهم يتوبون فيغفر لهم، يؤكد الله سبحانه بأنّه سيدخلهم في رحمته بعد أن يغفر لهم ذنوبهم أوّلاً.

стр. 1957

سورة التّوبة [الآيات ١٠٠ - ١٠٦] سورة التوبة [٩: ١٠٠] ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: المناسبة: بعد ذكر المنافقين، والأعراب: ينتقل إلى ذكر بقية أصناف النّاس؛ فيذكر صنفين: هما المهاجرين، والأنصار، والّذين اتبعوهم بإحسان. ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾: قيل: هم الّذين صلوا إلى القبلتين، أو الّذين شهدوا بدراً، وشهدوا بيعة الرّضوان، أو هم الّذين سبقوا إلى الإيمان من المهاجرين (من أهل مكة)، والأنصار الّذين سبقوا إلى الإيمان من أهل المدينة. ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾: أيْ: من التّابعين، وتابع التّابعين إلى يوم القيامة. ﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. بإحسان: في العبادات، والطّاعات، والإيمان. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة؛ لبيان معنى الإحسان. ﴿﵃﴾: جميعاً، وقبل طاعاتهم، وإيمانهم، وتجاوز عن سيئاتهم. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾: بما أتاهم من فضله، ونعمه. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾: وأعدَّ؛ أيْ: هيَّأ، وجهَّز، وبنى

стр. 1958

لهم جنات تجري تحتها الأنهار، وأعد: جاء بصيغة الفعل الماضي، وأنّ الإعداد انتهى، وتم مع كونه يكون يوم القيامة؛ لأنّ الزّمن ماضيه، وحاضره، ومستقبله عند الله واحد؛ فهو سبحانه خالق الزمان، والمكان. ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾: ولم يقل من تحتها، وهذه هي الآية الوحيدة في القرآن التي جاءت بدون من تحتها لا تنبع الأنهار من تحتها، وإنما تأتيها وتمر تحتها بدون أن تتفجر، أو تنبع، وقيل: هي أقل منزلة، وأقل درجة من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار. ارجع إلى الآية (٨٩)؛ للبيان، والمقارنة. ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لبيان معنى الفوز وأنواعه أو درجاته، وارجع إلى الآية (٧٢)؛ للبيان، والمقارنة. سورة التوبة [٩: ١٠١] ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾: المناسبة: في الآية (٩٧ - ٩٨ - ٩٩): ذكر أصناف الأعراب الّذين يعيشون في البادية، والصّحراء؛ بعيدين عن المدن، والقرى، ونوعية إسلامهم، وإيمانهم. ثمّ ذكر السّابقين الأولين من المهاجرين، والأنصار، والّذين اتبعوهم بإحسان، والآن يذكر بقية الأعراب الّذين يسكنون حول المدينة المنورة، ومكة، وداخل المدينة المنورة، أمثال: قبائل جهينة، ومزينة، وأسلم، وأشجع، وغفار. فيقول سبحانه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾: منافقون: جمع منافق: هو الّذي يظهر الإسلام، أو الإيمان، ويبطن الكفر. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٣٨)؛ لمزيد من البيان. ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾: ترجع إلى ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة، كلاهما مردوا على النّفاق، أو ترجع إلى أهل المدينة فقط.

стр. 1959

﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾: مرد: يمرد؛ أيْ: تدرب، وتمرَّن؛ حتّى أصبح النّفاق حرفتهم؛ فاستقاموا عليه، واتخذوه سبيلاً؛ حتّى ماتوا. ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾: يا محمّد ﷺ ، نحن نعلمهم؛ أيْ: يخفون عليك. لا تعرف مَنْ هم؛ لأنهم شديدوا الحذر. وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠]. ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَّرَّتَيْنِ﴾: لأنّهم مردوا على النّفاق، والسّين في سنعذبهم: للاستقبال القريب، المرة الأولى في الدّنيا: بالفضيحة، والهزيمة، والقتل، والتّشريد، والمرة الثّانية: حين الموت، وعذاب القبر (حياة البرزخ). ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾: ثمّ: للترتيب، والتّراخي. ﴿يُرَدُّونَ﴾: يرجعون إلى عذاب عظيم: هو عذاب جهنم، عذاب الحريق، أو الدّرك الأسفل من النّار. يردون: من الرّد: وهو الرّجوع، والرّد: هو الذّهاب إلى مكانٍ ما، وعدم النّية للرجوع للمكان الّذي انطلق منه، وفيه معنى: الإكراه، والإجبار على العودة. ﴿عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾: هو أعظم أنواع العذاب على الإطلاق، وهو يشمل كلّ أنواع العذاب الأخرى الأليم، والمُهين، والشّديد، والمُقيم. سورة التوبة [٩: ١٠٢] ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿وَآخَرُونَ﴾: الواو: عاطفة؛ أيْ: آخرون معطوفة على أهل المدينة؛ أيْ: من أهل المدينة.

стр. 1960

﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد بعدم الخروج معك إلى تبوك. ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: وهؤلاء هم الّذين ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، ومنهم أبي لبابة، وأصحابه (قيل: كان عددهم ٦، أو ٨، أو ١٠). إذن: يمكن تقسيم المخلفون إلى ثلاثة أصناف: الصّنف الأوّل: المنافقين الّذين مردوا على النّفاق من أهل المدينة، ومن حولها من الأعراب. الصّنف الثّاني: الّذين اعترفوا بذنوبهم، وخلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً. الصّنف الثّالث: المُرجون لأمر الله (قيل: هم الثّلاثة). ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: الخلط؛ يعني: الجمع بين شيئين، أو أكثر، ويبقى كلّ واحد منهما منفصل عن الآخر رغم الخلط، العمل الصّالح؛ مثال: ما سبق من جهادهم، وطاعاتهم، وتوبتهم، واعترافهم بذنوبهم، والعمل السّيِّئ؛ قيل: هو التّخلف عن الجهاد، أو الخروج إلى تبوك مع رسول الله ﷺ . ﴿عَسَى﴾: من أفعال الرّجاء الممكن حصولها، ويتوقَّع حدوثها. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾: أنّ: حرف مصدري؛ يفيد التّوكيد، يتوب عليهم: أيْ: يقبل توبتهم، وبما أنه جاء بـ: عسى؛ يعني: قبِل الله توبتهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿غَفُورٌ﴾: صيغة مبالغة كثير الغفر؛ يغفر الذّنوب الكبائر، والصّغائر. ﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة على وزن فعيل؛ كثير الرّحمة لعباده المؤمنين، لا يعذبهم إذا تابوا، واعترفوا بذنوبهم، ولم يصروا على ما فعلوا.

стр. 1961

سورة التوبة [٩: ١٠٣] ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: أمر للنبي ﷺ . ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: أيْ: من أموال الّذين اعترفوا بذنوبهم، وهم أغنياء، ونسب الأموال وملكيتها لهم رغم أنّ المال كلّه لله تعالى. ﴿صَدَقَةً﴾: وليست الزّكاة صدقة خاصَّة بهم. ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾: أيْ: صدقة الغاية منها تطهرهم، وتزكيهم بها، والتّطهير لغة: إزالة القذارة الحسية، والمعنوية من فعل طهر يطهر، وتعني: تطهرهم من ذنوبهم عدم الخروج معك؛ أيْ: تمحو، وتزيل عنهم ذنوبهم، وقد تعني: تطهر أموالهم إذا دخل في المال شبهة من دون قصد، أو علم، وتزكيهم بها من التّزكية: وهي النّماء؛ أيْ: تنمِّي حسناتهم، وترفع درجاتهم، وتنمِّي المال، أو تزيده بركة. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أي: ادعوا لهم بالخير، واستغفر لهم، صلِّ من الصّلاة، والصّلاة: هي الدّعاء، والاستغفار؛ أي: ادع لهم بالقبول، والخير. ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ﴾: إنّ: للتوكيد، دعاءَك، واستغفارَك لهم. ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾: اطمئنان لقلوبهم، ورحمة لهم، ودعاؤك لهم يشعرهم: أنّ صدقاتهم ستُقبل منهم؛ فيفرحوا بذلك. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: الدّعاء، وسميع لأقوالهم، صيغة مبالغة من سمع كثير السّمع، وسميع لسرهم، وعلنهم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بأفعالهم، وأحوالهم، وما تخفي صدورهم.

стр. 1962

سورة التوبة [٩: ١٠٤] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾: ألم: الهمزة: للاستفهام، والتّوبيخ، والإنكار. لم: حرف نفي؛ يعلموا: من العلم. ودخول نفي على نفي: هو إثبات؛ أيْ: كان من المفروض أن يعلموا هذا الأمر، أو الحكم، أو الخبر، أو الآية، أو النّبأ سابقاً؛ لأنّه أعلن، أو كان معروفاً سابقاً لديهم؛ فأنكر عليهم تخلُّفهم عن العلم به، ولم يقل: اعلموا أنّ الله يقبل التّوبة كفعل أمر، أو إخباراً من الله؛ لأنّه سبحانه يأتي بها في صيغة السّؤال، والاستفهام؛ ليجيب المسؤول عليها بنفسه، وتكون إقراراً منه. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أنّ: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾: ولم يقل: يقبل التّوبة من عباده، فما هو الفرق بينهما. ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾: أيْ: يقبل التّوبة الصّادرة عن عباده؛ أيْ: يتجاوز عن العقوبة على الذّنب؛ لأنّ التّوبة تدل على أنّ هناك ذنباً قد حدث، واستوجب المذنب العقوبة فتاب المذنب؛ فإذا تقبل الله سبحانه توبته؛ فقد تجاوز عن عقوبته. أما لو قال: يقبل التّوبة من عباده؛ فتعني: من الجهة؛ أيْ: من العبد. إذن (عن): تشير إلى الصّدقة نفسها، ومن: تشير إلى الجهة المصدّرة للتوبة؛ أي: العبد. ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾: أيْ: يقبل الصّدقات (الزّكاة، وصدقات النّفل).

стр. 1963

وفي هذه الآية يقول الحق: يأخذ الصّدقات، وفي الآية السّابقة (١٠٣): ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: إذن يكون السّياق المتصدق، أو المصدق يتصدق، والرّسول ﷺ يأخذ الصّدقة (أو المؤمنون)، والله يتقبل الصّدقة، ولا يردُّها؛ أيْ: يثيب عليها، فالله سبحانه يقبل التّوبة، ويقبل الصّدقات، ولمعرفة الفرق بين المصدقين والمتصدقين: ارجع إلى سورة الحديد، آية (١٨). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ﴾: للتوكيد، وهو: لزيادة التّوكيد. ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٣٧) من سورة البقرة؛ للبيان. سورة التوبة [٩: ١٠٥] ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾: الخطاب في هذه الآية إلى المؤمنين الّذين خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً؛ بينما في الآية السّابقة (٩٤): الخطاب كان موجَّهاً إلى المنافقين فقط. قل لهم يا محمّد ﷺ خاصَّة: اعملوا الكثير من الأعمال الصالحة؛ أعمالاً جديدة بعد التّوبة، أو اعملوا ما شئتم من خير، وحلال، وأعمال طيبة. ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ﴾: الفاء: للتوكيد، سيرى: السّين: للاستقبال القريب، سيرى الله عملكم: أعمالكم الظّاهرة، والباطنة (الأقوال، والأفعال). ﴿وَرَسُولُهُ﴾: بما أنّها أعمال ظاهرة؛ مثل: الصّلاة، والإنفاق (الصّدقات)، والحج، والعمرة، والصّيام؛ فالرّسول كذلك سيراها. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: سيرونها مثل الذّهاب إلى المساجد، وحلقات العلم، والحج، والصّدقات. ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: وستردون: الواو، والسّين: تدل على

стр. 1964

قرب الرّد؛ أي: الرّجوع إلى الله؛ أيْ: قرب الجزاء، والثّواب؛ أيْ: تثابون على العمل الصّالح في الدّنيا، والآخرة، ومن دون تأجيل. ارجع إلى الآية (١٠١)؛ للبيان؛ وكقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، بينما في آية التّوبة (٩٤): ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾: ثم: فيها تراخي في الزّمن، وفيها وعيد؛ أيْ: من كرم الله عليهم: أنّه يؤخِّر العقاب عنهم في الدّنيا؛ حتّى يتوبوا، أو لعلَّهم يتوبون، ويغفر لهم. ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: عالم الغيب المطلق: الّذي لا يطلعه على أحد، والغيب النسبي: الّذي يطلعه على رسله، ومَنِ اصطفاهم. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: وعالم الشّهادة؛ أيْ: ما يشاهد بالمدركات، والعيون، والآذان؛ أيْ: عالم بما يشاهده النّاس بحواسهم؛ لأنّه سبحانه هو خالق هذه الحواس، وأعلم بما أودع فيها؛ فلا تعزب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر إلا في كتاب مبين. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٩٤)؛ للبيان. لو قارنا هذه الآية (١٠٥) من سورة التّوبة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، مع الآية (٩٤) من سورة التّوبة: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ليس هناك تكرار؛ لأنّ الآية (٩٤): تتحدث عن المنافقين، وأمّا الآية (١٠٥): فتخاطب المؤمنين الّذين خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً. وفي الآية (٩٤): لم يُذكَر المؤمنون؛ لأنّ الله وحده مطَّلع على قلوب المنافقين، ورسولُه مطَّلع بما يخبره الله سبحانه، وأمّا الآية (١٠٥): فتحثهم على الأعمال الصّالحة، ومنها: الظّاهرة للعيان؛ فالله سبحانه، ورسوله، والمؤمنون يشاهدونها.

стр. 1965

وفي الآية (٩٤): ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، وفي الآية (١٠٥): ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾. ارجع إلى الآية (٩٤)؛ للبيان، ومعرفة السبب في الاختلاف. سورة التوبة [٩: ١٠٦] ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَآخَرُونَ﴾: من أهل المدينة مرجون لأمر الله. قيل: هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الرّبيع؛ أي: الثّلاثة الّذين تخلَّفوا عن تبوك، ولم يكن لهم عُذر. ﴿مُرْجَوْنَ﴾: من الإرجاء: وهو التّأخير. ﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾: لحكم الله فيهم الّذي لم ينزل بعد. ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾: إما: حرف شرط، وتفصيل. يعذبهم: بأن لا يقبل لهم توبة، ولو تابوا، أو يُمتهم بلا توبة. ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: إما: حرف شرط، وتفصيل، إذا تابوا قريباً، أو بعيداً؛ أيْ: إذا شاء سبحانه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: عليم بأحوالهم، ونواياهم، وأقوالهم، وأخبارهم، ولماذا تخلَّفوا، وهل سيتوبون قريباً، أو بعيداً. ﴿حَكِيمٌ﴾: حكيم في تدبير شؤون خلقه، وشرعه. حكيم: من الحاكم؛ فهو الحاكم، وهو أحكم الحاكمين؛ أي: العادل، وحكيم: من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ للبيان.
следующие страницы →