← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

سورة التوبة [٩: ١٠٣] ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: أمر للنبي ﷺ . ﴿مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: أيْ: من أموال الّذين اعترفوا بذنوبهم، وهم أغنياء، ونسب الأموال وملكيتها لهم رغم أنّ المال كلّه لله تعالى. ﴿صَدَقَةً﴾: وليست الزّكاة صدقة خاصَّة بهم. ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾: أيْ: صدقة الغاية منها تطهرهم، وتزكيهم بها، والتّطهير لغة: إزالة القذارة الحسية، والمعنوية من فعل طهر يطهر، وتعني: تطهرهم من ذنوبهم عدم الخروج معك؛ أيْ: تمحو، وتزيل عنهم ذنوبهم، وقد تعني: تطهر أموالهم إذا دخل في المال شبهة من دون قصد، أو علم، وتزكيهم بها من التّزكية: وهي النّماء؛ أيْ: تنمِّي حسناتهم، وترفع درجاتهم، وتنمِّي المال، أو تزيده بركة. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أي: ادعوا لهم بالخير، واستغفر لهم، صلِّ من الصّلاة، والصّلاة: هي الدّعاء، والاستغفار؛ أي: ادع لهم بالقبول، والخير. ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ﴾: إنّ: للتوكيد، دعاءَك، واستغفارَك لهم. ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾: اطمئنان لقلوبهم، ورحمة لهم، ودعاؤك لهم يشعرهم: أنّ صدقاتهم ستُقبل منهم؛ فيفرحوا بذلك. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: الدّعاء، وسميع لأقوالهم، صيغة مبالغة من سمع كثير السّمع، وسميع لسرهم، وعلنهم. ﴿عَلِيمٌ﴾: بأفعالهم، وأحوالهم، وما تخفي صدورهم.

стр. 1962

سورة التوبة [٩: ١٠٤] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾: ألم: الهمزة: للاستفهام، والتّوبيخ، والإنكار. لم: حرف نفي؛ يعلموا: من العلم. ودخول نفي على نفي: هو إثبات؛ أيْ: كان من المفروض أن يعلموا هذا الأمر، أو الحكم، أو الخبر، أو الآية، أو النّبأ سابقاً؛ لأنّه أعلن، أو كان معروفاً سابقاً لديهم؛ فأنكر عليهم تخلُّفهم عن العلم به، ولم يقل: اعلموا أنّ الله يقبل التّوبة كفعل أمر، أو إخباراً من الله؛ لأنّه سبحانه يأتي بها في صيغة السّؤال، والاستفهام؛ ليجيب المسؤول عليها بنفسه، وتكون إقراراً منه. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: أنّ: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾: ولم يقل: يقبل التّوبة من عباده، فما هو الفرق بينهما. ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾: أيْ: يقبل التّوبة الصّادرة عن عباده؛ أيْ: يتجاوز عن العقوبة على الذّنب؛ لأنّ التّوبة تدل على أنّ هناك ذنباً قد حدث، واستوجب المذنب العقوبة فتاب المذنب؛ فإذا تقبل الله سبحانه توبته؛ فقد تجاوز عن عقوبته. أما لو قال: يقبل التّوبة من عباده؛ فتعني: من الجهة؛ أيْ: من العبد. إذن (عن): تشير إلى الصّدقة نفسها، ومن: تشير إلى الجهة المصدّرة للتوبة؛ أي: العبد. ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾: أيْ: يقبل الصّدقات (الزّكاة، وصدقات النّفل).

стр. 1963

وفي هذه الآية يقول الحق: يأخذ الصّدقات، وفي الآية السّابقة (١٠٣): ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: إذن يكون السّياق المتصدق، أو المصدق يتصدق، والرّسول ﷺ يأخذ الصّدقة (أو المؤمنون)، والله يتقبل الصّدقة، ولا يردُّها؛ أيْ: يثيب عليها، فالله سبحانه يقبل التّوبة، ويقبل الصّدقات، ولمعرفة الفرق بين المصدقين والمتصدقين: ارجع إلى سورة الحديد، آية (١٨). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ﴾: للتوكيد، وهو: لزيادة التّوكيد. ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٣٧) من سورة البقرة؛ للبيان. سورة التوبة [٩: ١٠٥] ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾: الخطاب في هذه الآية إلى المؤمنين الّذين خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً؛ بينما في الآية السّابقة (٩٤): الخطاب كان موجَّهاً إلى المنافقين فقط. قل لهم يا محمّد ﷺ خاصَّة: اعملوا الكثير من الأعمال الصالحة؛ أعمالاً جديدة بعد التّوبة، أو اعملوا ما شئتم من خير، وحلال، وأعمال طيبة. ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ﴾: الفاء: للتوكيد، سيرى: السّين: للاستقبال القريب، سيرى الله عملكم: أعمالكم الظّاهرة، والباطنة (الأقوال، والأفعال). ﴿وَرَسُولُهُ﴾: بما أنّها أعمال ظاهرة؛ مثل: الصّلاة، والإنفاق (الصّدقات)، والحج، والعمرة، والصّيام؛ فالرّسول كذلك سيراها. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾: سيرونها مثل الذّهاب إلى المساجد، وحلقات العلم، والحج، والصّدقات. ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: وستردون: الواو، والسّين: تدل على

стр. 1964

قرب الرّد؛ أي: الرّجوع إلى الله؛ أيْ: قرب الجزاء، والثّواب؛ أيْ: تثابون على العمل الصّالح في الدّنيا، والآخرة، ومن دون تأجيل. ارجع إلى الآية (١٠١)؛ للبيان؛ وكقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، بينما في آية التّوبة (٩٤): ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾: ثم: فيها تراخي في الزّمن، وفيها وعيد؛ أيْ: من كرم الله عليهم: أنّه يؤخِّر العقاب عنهم في الدّنيا؛ حتّى يتوبوا، أو لعلَّهم يتوبون، ويغفر لهم. ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾: عالم الغيب المطلق: الّذي لا يطلعه على أحد، والغيب النسبي: الّذي يطلعه على رسله، ومَنِ اصطفاهم. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: وعالم الشّهادة؛ أيْ: ما يشاهد بالمدركات، والعيون، والآذان؛ أيْ: عالم بما يشاهده النّاس بحواسهم؛ لأنّه سبحانه هو خالق هذه الحواس، وأعلم بما أودع فيها؛ فلا تعزب عنه مثقال ذرة في السموات، ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر إلا في كتاب مبين. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٩٤)؛ للبيان. لو قارنا هذه الآية (١٠٥) من سورة التّوبة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، مع الآية (٩٤) من سورة التّوبة: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ليس هناك تكرار؛ لأنّ الآية (٩٤): تتحدث عن المنافقين، وأمّا الآية (١٠٥): فتخاطب المؤمنين الّذين خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً. وفي الآية (٩٤): لم يُذكَر المؤمنون؛ لأنّ الله وحده مطَّلع على قلوب المنافقين، ورسولُه مطَّلع بما يخبره الله سبحانه، وأمّا الآية (١٠٥): فتحثهم على الأعمال الصّالحة، ومنها: الظّاهرة للعيان؛ فالله سبحانه، ورسوله، والمؤمنون يشاهدونها.

стр. 1965

وفي الآية (٩٤): ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، وفي الآية (١٠٥): ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾. ارجع إلى الآية (٩٤)؛ للبيان، ومعرفة السبب في الاختلاف. سورة التوبة [٩: ١٠٦] ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَآخَرُونَ﴾: من أهل المدينة مرجون لأمر الله. قيل: هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الرّبيع؛ أي: الثّلاثة الّذين تخلَّفوا عن تبوك، ولم يكن لهم عُذر. ﴿مُرْجَوْنَ﴾: من الإرجاء: وهو التّأخير. ﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾: لحكم الله فيهم الّذي لم ينزل بعد. ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾: إما: حرف شرط، وتفصيل. يعذبهم: بأن لا يقبل لهم توبة، ولو تابوا، أو يُمتهم بلا توبة. ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾: إما: حرف شرط، وتفصيل، إذا تابوا قريباً، أو بعيداً؛ أيْ: إذا شاء سبحانه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: عليم بأحوالهم، ونواياهم، وأقوالهم، وأخبارهم، ولماذا تخلَّفوا، وهل سيتوبون قريباً، أو بعيداً. ﴿حَكِيمٌ﴾: حكيم في تدبير شؤون خلقه، وشرعه. حكيم: من الحاكم؛ فهو الحاكم، وهو أحكم الحاكمين؛ أي: العادل، وحكيم: من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء. ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة؛ للبيان.

стр. 1966

سورة التّوبة [الآيات ١٠٧ - ١١١] سورة التوبة [٩: ١٠٧] ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أسباب النزول: كما ذكر الواحدي في أسباب النزول: لما بنى المسلمون من بني عمرو بن عوف مسجد قباء؛ بعثوا إلى رسول الله ﷺ ؛ فأتاهم؛ فصلى فيه؛ فقال المنافقون من الأنصار، وكانوا حوالي (١٢ رجلاً) من بينهم: أبو عامر الرّاهب: نبني نحن أيضاً مسجداً؛ كما بنوا مسجد قباء، ونرسل إلى رسول الله ﷺ ليصلي فيه، بنوه بأمر من أبي عامر الراهب؛ الّذي عادى رسول الله ﷺ بعد قدوم رسول الله ﷺ مهاجراً إلى المدينة؛ بنوه في زمن الخروج لغزوة تبوك، بنوه قريباً من مسجد قباء؛ ليضاهي مسجد قباء، ولا حاجة لبنائه إلا لإيقاع الفتنة، والاختلاف بين المؤمنين، وتفريق كلمتهم، وطلبوا من رسول الله ﷺ القدوم إليه؛ ليصلي فيه، وكان رسول الله ﷺ يستعد للخروج إلى تبوك؛ فقال لهم بعد العودة من تبوك، وبعد عودته ﷺ من تبوك نزل الوحي، وأخبره بالأمر؛ فدعا رسول الله ﷺ جماعة من الصحابة وأمر بهدمه، ونزلت هذه الآيات. ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: عاطفة. الّذين: اسم موصول يشير إلى المنافقين الّذين بنو مسجد ضرار. ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾: اتخذوا؛ أيْ: بنوا مسجداً ضراراً: الضرار بمعنى

стр. 1967

المضارة لمسجد قباء، وسمِّي بعد ذلك مسجد ضرار؛ لأنه يقصد به الضرر بالمؤمنين، وإيقاع العداوة بينهم. ﴿وَكُفْرًا﴾: بنوه بأمر من أبي عامر الرّاهب؛ ليكون مقراً لصلاته فيه بعد عودته من الشّام بعد أن خرج إلى الشام؛ ليأتي بجند من الروم؛ ليخرج محمّداً وأصحابه من المدينة، ولدعم الكفر، والنّفاق. ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: للذين يصلون بقباء؛ فيأتي قسم فيصلي في مسجد ضرار، وقسم يصلي في قباء طمعاً في اختلاف كلمتهم. ﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: إعداداً وتجهيزاً لمجيء الّذي حارب الله ورسوله: هو أبو عامر الرّاهب، والّذي سمّاه رسول الله ﷺ أبو عامر الفاسق؛ الّذي كان ينتظر رجوعه من الشّام. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل بناء مسجد ضرار. ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: وليحلفن: الواو: عاطفة، اللام: لام التّوكيد، يحلفن إن أردنا إلا الحسنى: إن أردنا: إن النّافية؛ أيْ: ما أردنا؛ إلا: أداة حصر، الحسنى: أيْ: ما أردنا ببنائه إلا الحسنى: الصّلاة، وذِكر الله، أو التّوسعة على المصلين، أو الرّفق بالمسلمين من المطر، أو الحر؛ لأنّ مسجد قباء لا يسع كلّ المصلين، وقيل: الحسنى: الجنة. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: استعمل يشهد بدلاً من يعلم؛ لأنّ بناء المسجد ليس أمر غيبي، أو سر، أو عمل قلبي، وإنما عمل يشهده الكل الرّسول، والصّحابة، ولذلك قال: يشهد إنهم لكاذبون: إنّ: للتوكيد. لكاذبون: اللام: لام التّوكيد، كاذبون بقولهم: إن أردنا الحسنى ببناء المسجد، وكاذبون: جملة اسمية؛ تدل على الثّبوت.

стр. 1968

سورة التوبة [٩: ١٠٨] ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾: لا: النّاهية. تقم فيه أبداً: لا تصلي فيه أبداً، ولم يصلي ﷺ فيه، وأمر بهدمه، وقيل: إحراقه؛ لأن الصّلاة؛ تعني: القيام، والنّهوض، أبداً: للتوكيد. ﴿لَّمَسْجِدٌ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ أيْ: مسجد قباء، وقيل: المسجد النّبوي. ﴿أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾: بُني على الطّاعة، وبناه المتقون؛ فالمسألة ليست في البناء، ولكن فيمن يدخل المسجد، ويصلي فيه، والهدف وما يقام فيه من أعمال. ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾: بُني، أو أُسِّس. من: الابتدائية؛ أيْ: بدأ بالتأسيس على التقوى من أوّل يوم. ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾: أحق، أو أجدر أن تقوم فيه بصلاة، أو ذكر. ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾: بالماء للوضوء، والغسل (طهارة للبدن)، والمطهِّرون: المتطهرون (الطهارة الحسية+ الطهارة المعنوية). ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: مبالغة في الطّهارة، والمطهِّرون؛ تعني: طهارة القلب من النّفاق، والطهارة الجسدية معاً؛ أي: الطهارة الحسية، والمعنوية معاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٢٢) لمزيد من البيان، وسورة الواقعة آية (٧٩). سورة التوبة [٩: ١٠٩] ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾: أفمن: الهمزة استفهامية؛ للتقرير. ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾: أيْ: أقام بنيانه؛ أي: القواعد، أو ما يسمَّى الأساس،

стр. 1969

والبنيان يختلف عن البناء، البنيان؛ يعني: بناء قوي ثابت يدوم قروناً طويلة؛ مثل: الأبنية التّاريخية، والأهرامات، أما البناء: فقد يكون غير ثابت، والبناء له ميزة التّغيُّر، والتّحوُّل. ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾: انتبه إلى الاستعارة؛ حيث شبه الإيمان بالبنيان والتّقوى ورضوان الله بقواعد البناء، أو الأسُس للبناء؛ كالأرض الصلبة الصّخرية الّتي يقوم عليها البناء، والتّقوى: هي امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه. ﴿أَمْ مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ﴾: أم: للإضراب الانتقالي، والاستفهام. ﴿أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾: شبه المسجد المبني على الضلال ببنيان قائم على شفا جرف هار. ﴿عَلَى شَفَا﴾: من الأرض الّتي يصنع البحر لها سطح، وليس لها قاعدة. ﴿جُرُفٍ﴾: الجزء المتآكل، أو ما ينجرف بالسّيول، وهو جانب الشّط. ﴿هَارٍ﴾: مشرف على السّقوط غير متماسك. ﴿فَانْهَارَ بِهِ﴾: به: تعود على الباني، أو البنيان سقط بالباني، والبنيان، وهذا تمثيل للبناء، أو المسجد الّذي يقوم على الكفر؛ فانهار به في نار جهنم، وهكذا شبه الإيمان بالبنيان القائم على أسس متينة صلبة، والكفر والضلال على أسس متصدعة متداعية؛ فهو قد جسد المعنويات في صور المحسوسات بصورة متكاملة في الإعجاز البياني في صورة الاستعارة. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: الظّالمين: بالنّفاق، ولم يريدوا الهداية، واختاروا الضّلال، والنّفاق. ارجع إلى الآية (١٩) من نفس السّورة؛ للبيان.

стр. 1970

سورة التوبة [٩: ١١٠] ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِى بَنَوْا رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِى بَنَوْا﴾: أيْ: مسجد ضرار رغم هدمه، وأصبح مكان للقمامة، وسمّاه بنياناً، وليس بناءً؛ لأن ذكره سيدوم قروناً طويلة، وستذكره الأجيال على كونه ليس له قدسية؛ كاللعبة، ولم يكن بنائه على تقوى، ورضوان من الله تعالى. والبنيان قد يعني: بناءً تاريخياً ثابتاً، لا يتغيَّر، ويدوم قروناً طويلة؛ مثل: الأهرامات، والأبنية الأثرية. ﴿رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ﴾: موضع شكٍّ، واتِّهام من أن يصيبهم رسول الله ﷺ بسوء بسبب ما بنوا، أو موضع غيظ، أو ارتياب بسبب هدمه، أو مصدر للشك، والرّيبة الدّائمة في قلوبهم، وسيظل أثره في قلوبهم. ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾: أن يموتوا، والقلوب لا تنقطع إلا بالموت حزناً وأسفاً، وقال تعالى: ﴿تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، ولم يقل: تتقطع، تقطّع فيها مبالغة في التّمزق، والتّقطع، وإلا بمعنى: حتّى. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٦) من سورة التّوبة. سورة التوبة [٩: ١١١] ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: في هذه الآية يبيِّن الله سبحانه فضل الجهاد. ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾: إنّ: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد، اشترى: فعل

стр. 1971

ماض؛ تعني: أنّ الشّراء قد حصل، وتم، وكذلك لو نظرنا إلى كلمة بايعتم؛ كذلك فعل ماضٍ، إذن: البيع والشّراء قد تمَّ، وانتهى. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾: قدَّم الأنفس على المال في هذه الآية؛ قدم الأسمى والشيء الغالي؛ لأن المشتري هو الله سبحانه، ولأنّ الجهاد بالنّفس أعلى درجة من الجهاد بالمال، والتّضحية بالنّفس أشد على الإنسان من التّضحية بالمال؛ فالله يريد شراء النّفس، ثمّ شراء المال. بينما في باقي الآيات يقدم المال؛ لأنه الأظهر أو الأعم. ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾: بأنّ: الباء: للإلصاق، والاختصاص، والمشتري عادة له الخيار فيما يشتري أوّلاً؛ لأنه هو دافع الثّمن. ﴿لَهُمُ﴾: اللام: لام الاختصاص، أو الملكية. بينما قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الصف: ١٢]. الدخول أولاً، ثمّ يحصل التملك، والتملك فيه حثٌّ على العمل، والمبالغة أكثر من مجرَّد الدخول. هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد، والقصر (قصر يفيد المبالغة)؛ فهناك من تكون لهم الجنة، ولكنهم أولى بها من غيرهم. ﴿يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ومن يقاتل إما أن يَقْتل، وإما أن يُقتل؛ فيقتلون ويُقتلون. ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾: وعداً عليه حقاً؛ أيْ: ثابتاً لا يتغيَّر في التّوراة، والإنجيل، والقرآن؛ أيْ: ذكر ذلك الحكم في كلّ الكتب السّماوية؛ فكلّ أمة أُمرت بالجهاد. ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾: من: استفهامية، والإجابة: لا أحد أوفى

стр. 1972

بعهده من الله تعالى، وجملة: ومن أوفى بعهده من الله بعد قوله: وعداً عليه حقاً؛ الّتي تحمل نفس المعنى: للتوكيد. ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم﴾: فاستبشروا: الانتقال من صيغة الغائب إلى صيغة المخاطب: هو تشريف من الله لهم، والبشارة خبر سار للمؤمن، ويظهر أثرها على الوجه سروراً، وغبطة، والفاء: للتوكيد. ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: الواو: للاهتمام، والتّوكيد، ذلك: اسم إشارة يفيد البعد، وتعظيم الفوز، وذلك إشارة إلى الصّفقة التي تمت بين الله سبحانه، والمجاهدين، وهو ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لبيان معنى الفوز وأنواعه أو درجاته، وارجع إلى الآية (٧٢) من سورة التّوبة؛ للبيان، والمقارنة.

стр. 1973

سورة التّوبة [الآيات ١١٢ - ١١٧] سورة التوبة [٩: ١١٢] ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أوصاف تسعة لأهل البيع؛ أيْ: أهل الجنة: ﴿التَّائِبُونَ﴾: جمع تائب عن الشّرك، والنّفاق، والمعاصي. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦ - ١٨)؛ للمزيد من البيان. ﴿الْعَابِدُونَ﴾: المطيعون لأوامر الله، ونواهيه، عبادة مع المحبة، والإخلاص، والتّعظيم، والخشية. ﴿الْحَامِدُونَ﴾: لله في السّراء، والضّراء، والرّاضين بقضاء الله وقدره. ﴿السَّائِحُونَ﴾: جمع سائح من الفعل ساح في الأرض في طلب العلم الشّرعي، والدّعوة إلى الله سبحانه كما قال عكرمة، والسّائحون قد تعني: الصّائمين كما فسرها أبو هريرة وابن مسعود وابن عباس وعائشة -وقد تعني الجهاد في سبيل الله كما فسرها عطاء. ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾: أي: المقيمون الصّلاة، والرّاكعون السّاجدون تشيران إلى كثرة السّجود، والركوع.

стр. 1974

﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: المعروف: هو كلّ ما أمر به الشّرع، واستحسنه العقل، والعرف الصّحيح. ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾: المنكر: هو ما يستقبحه الشّرع، ويمنعه، وما تستنكره العقول السّليمة؛ لمنافاة الأخلاق. ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾: المحافظة على الأوامر؛ فلا يعتدوها، والبعد عن المنهيات؛ فلا يقربوها. تلك حدود الله فلا تعتدوها: تلك حدود الله فلا تقربوها. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالجنة، والبشرى: من البشارة؛ ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان. ١ - انتبه إلى إدخال الواو فقط على: والنّاهون عن المنكر، والحافظون لحدود الله، الواو: تشير إلى الاهتمام، ولما كان النّهي عن المنكر، والمحافظة على حدود الله أصعب العبادات: أضاف لها الواو؛ تفريقاً عن غيرها من العبادات؛ لأنّها الأشد، وقد تكون سبباً للقتل، والإهانة. ٢ - الحافظون لحدود الله: اللام: لام الاختصاص، والتّوكيد. ٣ - كلّها صفات ثابتة لهم لا تتغيَّر، جاءت بالصّيغة الاسمية، وليست الفعلية.

стр. 1975

سورة التوبة [٩: ١١٣] ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: ﴿مَا كَانَ﴾: ما: في القرآن تأتي على وجهين: الوجه الأوّل: للنفي؛ مثال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠]. الوجه الثّاني: للنهي؛ مثال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التّوبة: ١١٣]. ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى﴾: أيْ: ما يصح للنبي، والّذين آمنوا: ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾: أن: حرف مصدري؛ للتعليل، والتّوكيد. ﴿يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾: من الاستغفار: وهو الدّعاء أن يغفر الله لآبائهم، أو ذويهم الّذين ماتوا وهم على الشّرك، أو الكفر. ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِى قُرْبَى﴾: لو: شرطية، ولو كان هؤلاء الآباء، والأمهات، أو غيرهم من النّاس أولي قربى: ذي قرابة تجمعهم رابطة الدّم، أو النّسب، أو الصّداقة. ﴿مِنْ بَعْدِ﴾: من: ابتدائية. بعد: ظرفية زمانية. ﴿مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ﴾: لهم: اللام: لام الاختصاص.

стр. 1976

﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: أنّ: للتوكيد، أصحاب: الجحيم: ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان. السّؤال هنا: كيف تبيَّن لهم أنّهم أصحاب الجحيم؟ أيْ: تحققوا وتبيَّن لهم أن آباءَهم وذويهم أنّهم ماتوا على الشّرك، ولم يتوبوا عندها لا يجوز الاستغفار لهم، والدعاء. و ﴿الْجَحِيمِ﴾: اسم من أسماء النّار، أو دركة من دركاتها السّبع: جهنم، لظى، الحطمة، السعير، سقر، الجحيم، الهاوية. سورة التوبة [٩: ١١٤] ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾: وحتّى لا يحتج أحد من المؤمنين، ويقول: إنّ إبراهيم ﵇ استغفر لأبيه، أو عمه، وأنا سأستغفر لفلان؛ جاءت هذه الآية لتبيِّن شأن استغفار إبراهيم. ﴿وَمَا كَانَ﴾: ما: النّافية. ﴿اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾: يرجح المفسرون: أن آزر ليس أباه، وإنما عمه (الأب قد يعني: العم)؛ ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٣)؛ للبيان. ﴿إِلَّا عَنْ مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿مَّوْعِدَةٍ﴾: على وزن المرة؛ أي: كانت موعدة قالها مرة واحدة ولم تتكرر، وموعدة فقط وليست وعداً؛ لأن كلمة وعداً لا تعني بالضرورة واحدة؛ أي: مرة واحدة لم تتكرر، وليس لكم أن تفعلوها أو تقولوها؛ أي: تستغفروا لأي

стр. 1977

كافر مهما كان حتى ولو كان أقرب الناس إليكم إذا كان ذلك موعدة من إبراهيم لأبيه حين قال: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]؛ فقد قال إبراهيم ذلك ظناً أنّ عمه قد يتوب، ويؤمن، أو كان يرجى، أو يؤمل منه التّوبة. ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾: فلما: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، لما: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حين. تبين: لإبراهيم عن طريق الوحي: أنّه لن يؤمن؛ انقطع رجاؤه، واستغفاره لأبيه (أيْ: عمه). ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿لَأَوَّاهٌ﴾: أوّاه: كثير التّأوه، كثير الدّعاء والتّضرع إلى الله، أواه: مبالغة في التأوه. ﴿حَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من الحلم؛ أيْ: كثير الحلم، والحلم: هو الصّبر، والإناة، وفي سورة هود، آية (٧٥): ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾ أيضاً كثير الرّجوع والإنابة إلى الله؛ أيْ: سريع التّوبة. سورة التوبة [٩: ١١٥] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾: ما: النّافية. ﴿لِيُضِلَّ﴾: اللام: لام التّوكيد، والتّعليل. ليضل: من الضلال، والضّلال له معانٍ: الهلاك، والنّسيان، والضّياع، والضّلال: ضد الهدى، والرّشاد إلى طريق الحق، والصّواب، أو الانحراف عن المنهج، واتباع طريق الباطل. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٩٨)؛ لبيان معنى الضلال.

стр. 1978

﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾: إذ: ظرفية، وحتّى: حرف غاية نهاية الغاية، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي يتقون. ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾: حتّى يُبيِّن لهم ما شُرع لهم، أو ما أمروا به من الطّاعة، أو النّهي، واجتنابه، والحلال، والحرام عن طريق الرّسل، والكتب، والوحي؛ أيْ: يبيِّن لهم طريق الهداية، والتّقوى؛ فإذا لم يتقوه، أو يفعلوا ما أمرهم به، أو نهاهم عنه، أو يهتدوا بعد تلك الوسائل؛ عندئذٍ يتركهم في ضلالهم، وانحرافهم يعمهون، وهذا يعتبر عذراً لمن خالف قبل ورود النّهي عنه، وكما قيل: لا حكم قبل الشّرع؛ فهؤلاء الّذين استغفروا لذوي قرباهم قبل نزول هذه الآية؛ فلن يؤاخذهم الله على ما فعلوا، وليس عليهم ذنب، أو إثم. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿بِكُلِّ﴾: الباء: للإلصاق، والاختصاص. ﴿شَىْءٍ﴾: نكرة؛ أيْ: يعلم من هو ضالٌّ، ومن هو مهتدٍ، وعليم بأحوال النّاس، وأعمالهم، وما شرع لهم. ﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة؛ أيْ: كثير العلم، يعلم الأقوال، والأفعال، وما يجري في السّماء، والأرض، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ويعلم ما في البر، والبحر، وما أهلك الله سبحانه أمة حتّى يبيِّن لها ما يجب أن تتقيه من أسباب الهلاك، والدّمار، وذلك عن طريق كتبه ورسله وأنبيائه.

стр. 1979

سورة التوبة [٩: ١١٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿لَهُ﴾: اللام: لام الملكية، والاختصاص، وتقديم له: تفيد الحصر له وحده. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: المُلكُ: الحكم؛ أيْ: هو الحاكم، حاكم السّموات والأرض؛ ضم الميم في كلمة مُلك: تعني: الحاكم، أو الحكم، وكسر الميم في كلمة مِلك: تعني: الملكية، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ فالله إذا منعك من الاستغفار لأولي القربى؛ لأنّه هو الحاكم؛ فهو النّافع، أو الضّار وحده، والاستغفار لأولي القربى لا ينفع، ولا يضر إذا لم يقبله الله سبحانه، أو يستجيب له، فكيف إذا حرمه، ومن مظاهر كونه الحاكم، ولا حاكم غيره؛ لأنّه هو الّذي يُحيي، ويُميت. ﴿وَمَا لَكُمْ﴾: ما: النّافية، لكم: اللام: لام الاختصاص. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: أيْ: في هذه الحياة الدّنيا. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله من استغراقية، ولي المعين المحب، والقريب. ﴿وَلَا﴾: تكرار لا يفيد زيادة النّفي، وفصل كلّ من الولاية عن النّصرة.

стр. 1980

﴿نَصِيرٍ﴾: النّاصر. ارجع إلى الآية (١٠٧) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. انتبه إلى الفرق بين قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، حين يستعمل من دون تأتي في سياق الدّنيا، أما قوله: ما لهم من ولي ولا نصير، فتأتي في سياق الآخرة، ففي الآخرة ليس هناك غير الله وحده من ولي، ولا نصير، أمّا في الدّنيا فقد يكون هناك من يواليه، وينصره إضافة إلى الله، ولذلك يستعمل من دون الله. سورة التوبة [٩: ١١٧] ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِىِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: لام التّوكيد. قد: للتحقيق أيضاً والتّوكيد. ﴿تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِىِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾: لقد تاب؛ أيْ: لقد قبل الله توبة النّبي، والمهاجرين، والأنصار، والتّوبة تدل على ذنب، وهل فعل النّبي ﷺ ذنباً حتّى يقول سبحانه: لقد تاب الله على النّبي ﷺ ؟ الجواب: لا، وإنما ﷺ أذن، أو سمح لبعض الصّحابة بالتّخلف عن الخروج إلى تبوك، سواء لحقوا به بعد ذلك أو لم يلحقوا به؛ لقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ﴾: صحابته رسول من المهاجرين، والأنصار أمثال: أبي ذر، أبي خيثمة … وغيرهما، وهؤلاء قبل توبتهم بسبب تثاقلهم في

стр. 1981

الخروج، أو لسماعهم لأقوال المنافقين، أو راودتهم أنفسهم بالرّجوع بعد أن خرجوا، وأيضاً من الّذين اعترفوا بذنوبهم وغيرهم. ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: زمن العسرة (غزوة تبوك) بسبب الحر الشّديد، وقلة الزّاد، والرّاحلة، والفقر. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾: الزّيغ: هو الميل، كاد: من أفعال المقاربة؛ أيْ: لم تزغ، ولكنها كادت تزيغ؛ تميل، والزّيغ هنا: ليس عن الإيمان، وإنما بالتّخلف عن الخروج في سبيل الله مع رسول الله ﷺ . ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: تكرار (ثمّ تاب) عليهم: للتوكيد؛ لإزالة الشّك من نفوسهم، والتّجاوز عن ذنوبهم. ﴿إِنَّهُ﴾: للتوكيد. ﴿بِهِمْ﴾: الباء: للإلصاق؛ هم: ضمير فصل. ﴿رَءُوفٌ﴾: من الرّأفة: وهي أشد الرّحمة، أو أخص من الرّحمة، ومنهم من قال: تكون فقط للمؤمنين، ورؤوف: من رأف به؛ أيْ: أشفق عليه بأن دفع عنه السّوء، أو كره أن يحل به مكروه. ﴿رَحِيمٌ﴾: كثير الرّحمة، الرّحمة تكون للمؤمن، والكافر في الدّنيا؛ فلا يعجِّل لهم العقاب، ويغفر لهم، أما في الآخرة: فالرّحمة خاصَّة بالمؤمنين.

стр. 1982

سورة التّوبة [الآيات ١١٨ - ١٢٢] سورة التوبة [٩: ١١٨] ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ﴾: الواو: عاطفة، معطوفة على النّبي ﷺ ؛ أيْ: لقد تاب الله على النّبي ﷺ ، والمهاجرين، والأنصار، وعلى الثّلاثة الّذين خلفوا، والثّلاثة قيل: هم: كعب بن مالك، هلال بن أمية، ومرارة بن الرّبيع. ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾: أُرجئوا، وتأخَّر نزول الحكم فيهم، وكانت مدة إرجائهم خمسين يومّاً، ولم يقبل النّبي ﷺ توبتهم حتّى نزلت هذه الآية. ﴿حَتَّى إِذَا﴾: حتّى: حرف غاية نهاية الغاية؛ إذا: ظرفية زمانية. ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: الرّحب: المكان المتسع؛ ضاقت عليهم الأرض بسعتها، ولم يجدوا مكاناً يلجؤون إليه بسبب إعراض النّاس عنهم، وعدم الحديث إليهم، أو مخالطتهم، وضاقت عليهم أنفسهم. تكرار كلمة ضاقت: للتوكيد؛ أيْ: شعروا بالغم، والهم، والوحدة، والنّدم، والذّنب، والعزلة؛ حتّى عن أزواجهم. ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾: ظنوا؛ أيْ: أيقنوا من الظّن المرجح، ومجيء أن بعد الظّن: تفيد في قلب الظّن يقيناً.

стр. 1983

﴿لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾: لا: النّافية للجنس؛ ملجأ: ملاذ؛ أيْ: لا مكان يلجؤون إليه هرباً من شدة يأسهم، وندمهم، وخوفهم من سخط الله، وعقابه. ﴿إِلَّا إِلَيْهِ﴾: إلا: أداة حصر؛ إليه: إلا فقط بالرّجوع إلى الله وحده. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾: ثم: للتراخي في الزّمن، تاب عليهم: شرع لهم التّوبة رحمة منه؛ لأنهم تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ من دون أيِّ عذر. ﴿لِيَتُوبُوا﴾: اللام: لام التّعليل؛ ليتوبوا، وأركان التّوبة: الإقلاع عن الذّنب، والنّدم، وعدم الرّجوع إليه، والإكثار من النّوافل؛ فإن تابوا قبِل الله تعالى توبتهم، وعفا عنهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ﴾: إن: للتوكيد، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: التواب: صيغة مبالغة كثير قبول التّوبة يقبل توبة التّائبين مهما كان عددهم، وعدد توباتهم. ﴿الرَّحِيمُ﴾: لأنّه شرع لهم التّوبة رحمة منه، وقبولها رحمة أخرى؛ فهو واسع الرّحمة بالمؤمنين؛ رؤوف رحيم. سورة التوبة [٩: ١١٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: نداء جديد للذين آمنوا: بالتّقوى، والتّقوى: هي امتثال أوامر الله، وتجنب نواهيه؛ اتقوا غضب الله، وسخطه: بإطاعة أوامره؛ التزموا الصّدق، والثّبات على دين الله تعالى، وطاعته، ولا تكونوا كالمعذِّرين الّذين جاؤوا بالأعذار الكاذبة، وكونوا مع الصّادقين: وهم الأنبياء، والرّسل، ولم يقل: كونوا من الصّادقين؛ أيْ:

стр. 1984

كونوا أنبياء ورسلاً، كونوا معهم في الدّنيا: بالصّدق، والطّاعة بامتثال الأوامر؛ تكونوا في صحبتهم بالآخرة. سورة التوبة [٩: ١٢٠] ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾: ما: النّافية، ما كان يصح، أو يحق لأهل المدينة. ﴿لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾: اللام: لام التّعليل، والاختصاص، أهل المدينة المنورة خاصَّة. ﴿وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الْأَعْرَابِ﴾: كمزينة، وجهينة، وأشجع، وغفار، وأسلم. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾: كان يجب عليهم الخروج مع رسول الله ﷺ إلى تبوك، وعدم التّخلُّف. ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَّفْسِهِ﴾: أيْ: لا يحق لهم، أو يصح لهم إيثار أنفسهم عن نفس رسول الله ﷺ ؛ أيْ: أن يجلسوا في ديارهم مرتاحين، ورسول الله ﷺ ، وبعض الصّحابة يحاربون العدو، ويقاسون من شدة الحر، والعطش، والمشقة. ﴿عَنْ نَّفْسِهِ﴾: ولم يقل: على نفسه، عن: تفيد المجاوزة، والابتعاد، وعلى: تفيد العلو، والتّكبر. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ﴾: ذلك:

стр. 1985

اسم إشارة للبعد يشير إلى ما يعانيه النّبي ﷺ ، والّذين معه لا يصبهم ظمأ (عطش شديد)، ولا نصب (تعب ومشقة)، ولا مخمصة: مجاعة خاصَّة؛ والمخمصة في اللغة: أصلها الضمور؛ أي: الجوع الشديد الذي يستمر لزمن طويل يؤدي إلى ضمور البطن والأطراف؛ لأن المصاب استهلك المادة الدهنية أو الشحم لتوليد الطاقة؛ جوع فردي. بينما المسغبة: مجاعة عامة تشمل الكل (سورة البلد آية ١٤). ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾: يدوسون مكاناً من أرض الكفار بأقدامهم، أو خيلهم يؤدِّي إلى غيظ الكفار، والغيظ: هو الغضب الكامن في نفس الإنسان العاجز عن التّشفي من مسبب الغيظ. ارجع إلى الآية السابقة (١٥) من نفس السّورة. ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا﴾: لا: النّافية، ينالون من عدو نيلاً: من: الاستغراقية؛ عدو نيلاً؛ أيْ: أسراً، أو قتلاً، أو غنيمة، أو هزيمة (من ديارهم، وأموالهم). ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾: إلا: أداة للحصر، كتب لهم به عمل صالح؛ أيْ: كتب لهم به ثواب ذلك العمل الصّالح، وعمل صالح: نكرة؛ أيُّ عمل صالح مهما كان نوعه، وقيمته سيثابون عليه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: إنّ الله: للتوكيد، ولم يقل: إنّ الله لا يضيع أجر العاملين؛ لأنّه بكرمه، وفضله ارتقى بعملهم الصّالح إلى درجة الإحسان، واعتبر كل ما يفعلونه من الإحسان، وأنّه سيجازيهم عليه، ولن ينساه، وضمهم إلى المحسنين.

стр. 1986

سورة التوبة [٩: ١٢١] ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَلَا﴾: لا: النّافية. ﴿يُنْفِقُونَ﴾: من الإنفاق: أيْ: صرف الأموال، أو الزاد. ﴿نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾: نفقة: نكرة؛ صغيرة، ولا كبيرة، ومهما كان نوعها، ولو كانت تمرة، أو درهم، أو كبيرة؛ مثل: إنفاق سيدنا عثمان ﵁ على جيش العسرة. ﴿وَلَا﴾: تكرار لا: يفيد التّوكيد، وفصل الإنفاق عن يقطعون وادياً، أو كلاهما معاً. ﴿يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾: في ذهابهم للجهاد في سبيل الله، أو رجوعهم منه. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كُتِبَ لَهُمْ﴾: في صحائف أعمالهم كتب لهم؛ لهم: اللام: لام الاختصاص؛ لهم خاصَّة. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد. ﴿اللَّهُ أَحْسَنَ﴾: على وزن أفعل؛ أيْ: أفضل الجزاء؛ أي: الثّواب، والأجر. ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ تعني: الّذي عملوا. ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: كانوا يعملون في الدّنيا، ويعملون: تضم الأقوال، والأفعال معاً.

стр. 1987

لنقارن بين الآيتين: الآية (١٢٠)، وهي قوله: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: هذه ابتلاءات من الله، وليس من عملهم، ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا﴾: هذه من أعمالهم الحقيقية، ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: فهذه الآية تضم ابتلاءات من الله صبروا عليها+ أعمال قاموا بها= أثابهم الله عليها؛ فقال تعالى: ﴿كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾؛ لأن هذه ابتلاءات، وليست من أعمالهم؛ فأكَّد لهم: أنها تكتب لهم أعمالاً صالحة، وجعلها من أعمال الإحسان، ورفع درجتهم إلى درجة المحسنين؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. أما الآية (١٢١)، وهي قوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: فهذه كلها من أعمالهم (نفقات، وقطع وديان)، أعمال حقيقة صالحة، وليس بينها ابتلاءات، كما في الآية (١٢٠) فوعدهم الله أحسن الجزاء عليها، ولا داعي للقول عنها أنها أعمال صالحة؛ لأنّ ذلك واضح. سورة التوبة [٩: ١٢٢] ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة، ما: النّافية، وما كان يصح، أو ينبغي. ﴿الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا﴾: النّفرة هي دعوة النّاس، أو حث النّاس للخروج إلى أمر ما بسرعة للجهاد، أو غيره؛ مثل: حريق، أو زلزلة أرضية. ﴿لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾: لا يصح للكل أن ينفر؛ أي: الكل يخرج لأمر ما، ويتركون المدينة، أو مساكنهم كلها خالية.

стр. 1988

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾: لولا: أداة حضٍّ، نفر: خرج من كل طائفة فرقة. ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾: من: ابتدائية استغراقية؛ طائفة: الجماعة تقسم إلى طوائف، هذه الطّائفة تنفر للجهاد، وتلك تنفر للتفقُّه في الدِّين، وطائفة تبقى حارسة. ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾: فالطائفة الّتي تخرج للتفقُّه في الدِّين، ثمّ تعود إلى الدّيار؛ لكي تنذر الطّائفة الّتي نفرت للغزو، أو تنذر القاعدين (الطائفة الحارسة). ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾: لعل: رجاء، أو للتعليل، يحذرون: عقاب الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. والخلاصة: أن تتبادل الطّائفة الّتي خرجت للجهاد، أو الغزو، والطّائفة الّتي خرجت للتفقُّه في الدِّين، والطّائفة الحارسة المعلومات، وأمور الدِّين.

стр. 1989

سورة التّوبة [الآيات ١٢٣ - ١٢٩] سورة التوبة [٩: ١٢٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: نداء جديد للذين آمنوا بتكليف جديد: وهو قتال الكفار، والهاء: للتنبيه، واليقظة. ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾: يجاورنكم؛ يلونكم: من يلي؛ أي: الّذي يأتي بعده؛ مثل: بني قريظة، والنّضير، قاتلوا العدو القريب قبل مقاتلة الرّوم، والفرس العدو البعيد؛ أيْ: تخلَّصوا من عدوكم القريب أولاً، وطهِّروا مَنْ حولكم حتّى تطمئنوا بعد الخروج إلى العدو الأبعد. ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾: ليجدوا: اللام: لام التّوكيد، والتّعليل، غلظة: قسوة أو خشونة، وشدة، وهذه الغلظة نحو الكفار وليست صيغة ثابتة دائمة، وأيضاً رحماء بينكم. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: يمدهم بعونه، ونصره؛ مع: تعني: المعية، واعلموا علم اليقين: أن للتوكيد؛ الله مع الّذين يطيعون أوامر الله، ويجتنبون نواهيه. سورة التوبة [٩: ١٢٤] ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: ﴿وَإِذَا﴾: الواو: استئنافية، إذا: ظرفية زمانية للمستقبل، ما: نافية للتوكيد.

стр. 1990

﴿أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾: سورة كاملة، أو بعض آيات السّورة. ﴿فَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ أيْ: من المنافقين من يقول بعضهم لبعض. ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾: استفهامية، زادته هذه إيماناً؛ يقولون ذلك استهزاءً، وإنكاراً لزيادة الإيمان. ﴿فَأَمَّا﴾: الفاء: استئنافية، أما: حرف شرط، وتفصيل. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: الّذين: اسم موصول؛ آمنوا: ساروا على درب الإيمان. ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: تظهر علامات السّرور على وجوههم، والفرحة: فرحاً بما أنزل ربهم موقنين: أنّ الله سيزيد إيمانهم. سورة التوبة [٩: ١٢٥] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: ﴿وَأَمَّا﴾: حرف شرط، وتفصيل. ﴿الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: مرض النّفاق، والكفر، والشّك. ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾: زادتهم كفراً، ونفاقاً إلى كفرهم، وإثماً. والرجس في اللغة: كل ما استقذر من عمل والقذر هو النتن حسياً، أو معنوياً. وفي الشرع: يطلق على كل ما يستقبح شرعاً؛ كالكفر، والشّرك، والأوثان، والأصنام … وغيرها. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩) لمزيد من المعنى والفرق بين الرجس والرجز. ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: من دون توبة.

стр. 1991

﴿وَهُمْ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿كَافِرُونَ﴾: جملة اسمية تدل على الثّبوت، ثبوت الكفر، والنّفاق. سورة التوبة [٩: ١٢٦] ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: ﴿أَوَلَا﴾: الهمزة: للاستفهام، والتّوبيخ؛ لا: النّافية. ﴿يَرَوْنَ﴾: رؤية قلبية، ورؤية بصرية معاً؛ أيْ: يتفكرون، ويرون بأعينهم ماذا يحدث لهم في كل عام. ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾: أن للتوكيد؛ يفتنون: الفتنة: هي الابتلاء، والابتلاء يكون بالخير، والشّر؛ يفتنون: بالمرض، والقحط، أو الجهاد، أو نقص في الأموال والأنفس. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٧)، والعنكبوت، آية (٢ - ٣). ﴿فِى كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾: في: ظرفية زمانية؛ كل عام: جاء بكلمة (عام) الّتي تأتي في القرآن عادةً في سياق الخير، وكلمة السّنة تأتي في سياق الشّر؛ لأنّ الفتنة في كل عام هي لصالحهم؛ لكي يتوبوا، أو يذكروا، ويرجعوا عن شركهم، وكفرهم، ونفاقهم؛ فالفتنة غايتها إنقاذهم. ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾: ثمّ هنا: ليست للتراخي في الزّمن، لا: النّافية، لا يتوبون: لا يكفون ويرجعون إلى الله. ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: وتكرار لا: النّافية؛ لزيادة التّوكيد، وفصل كل من التّوبة عن التّذكر، والإيقاظ؛ يذكرون: من التّذكر، وعدم النّسيان، يذكرون: يتعظون، ويصحون من غفلتهم، ويعودون إلى رشدهم، يذكرون، ولم يقل: يتذكرون. يذَّكَّرون: فيها مبالغة في التذكر وتعني: التذكر الشديد، أو القوي، والتذكر القلبي الذي ربما يوقظ قلوبهم ويتوبوا إلى الله توبة نصوحاً، وأما

стр. 1992

يتذكرون: تأتي في سياق التذكر العقلي، أو الفكري الذي يحتاج إلى زمن طويل. ارجع إلى سورة الأنفال آية (٥٧) لمعرفة الفرق بين يذكرون، ويتذكرون. سورة التوبة [٩: ١٢٧] ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ﴾: ارجع إلى الآية (١٢٤) من سورة التّوبة. ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾: هنا حذف يقولون؛ لأنّه مفهوم من السّياق؛ نظر بعض المنافقين إلى بعض: قائلين هل يراكم من أحد من المؤمنين. من: استغراقية؛ تعني: أيّاً من المؤمنين، وقد تعني: نظر بعضهم إلى بعض من دون أن يقولوا شيئاً، واستعملوا لغة العيون؛ كالغمز، وغيرها من الحركات؛ خوفاً من أن يسمعهم المؤمنون. ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾: هم يريدون الهرب، والتّسلل؛ لوذاً: خوفاً من أن يفتضح أمرهم؛ فهم في خوف دائم؛ فهم يسألون؛ هل: للاستفهام؛ يراكم من أحد من المؤمنين. ﴿ثُمَّ انصَرَفُوا﴾: ثم: للترتيب الذّكري، أو ترتيب الأحداث، ثمّ انصرفوا من مجلس، أو مكان نزول السّورة من دون الاستماع إليها، أو بيانها؛ فهم قد دخلوا بالكفر، وهم قد خرجوا به. ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: عن الهدى، والإيمان، والرّشد؛ فهذا دعاء عليهم بالخذلان. ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: الباء: للتعليل، والإلصاق؛ لا: النّافية؛ يفقهون: الفقه لغةً: الفهم، واصطلاحاً: هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها؛ أي: لا يفهمون ما يسمعونه، ولا

стр. 1993

يتدبرونه، ولا يفهمون قيمة الإيمان، ولا يريدون أن يتعلموا بأنفسهم، أو من غيرهم. سورة التوبة [٩: ١٢٨] ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿لَقَدْ﴾: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد، والإثبات. ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾: من أنفسكم؛ أيْ: من المؤمنين، أو من قريش، أو من جنسكم، وليس من الجن، ولا الملائكة، بينما قوله: رسول منهم؛ تعني: من العرب من الأميين. ﴿جَاءَكُمْ﴾: المجيء فيه صعوبة؛ قد تعني بتكاليف قد تشق عليكم، أو أوامر ونواهي يجب الأخذ بها، أو مجيء في وقت، أو زمن انتشر فيه الشّرك، والجهل، والظّلم. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾: عزيز: من عز عليه؛ أيْ: صعب وشق؛ أيْ: يصعب عليه ما يشق عليكم، العزيز: الممتنع لا يقدر عليه أحد، أو الأمر الّذي يعز (يصعب) على النّاس تداوله، أو يصعب عليه؛ أيْ: يألم ويحزن ما تعانونه من مشقة (مثل الهجرة، والفاقة، والحرب، والاضطهاد، وغيرها من الشّدائد). ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾: ما: مصدرية، أو اسم موصول؛ بمعنى: الّذي؛ أيْ: يصعب عليه عنتكم، أو الشّيء الّذي أعنتكم، أو ما يشق عليكم. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾: الحرص: هو بذل الجهد؛ لإدراك أمر مقصود، والمعنى: يبذل غاية جهده لمصلحتكم؛ أيْ: هدايتكم، وإيمانكم، وإنقاذكم من النّار؛ أيْ: حريص على دفع المكروه عنكم، وحصول المحبوب لكم. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: الباء: للإلصاق، والتّمسك، رؤوف

стр. 1994

رحيم: قال ابن عباس ﵄ سمَّى الله تعالى نبيَّه باسمين من أسمائه، أو وصف الله سبحانه نبيه بصفتين من صفاته: الرّأفة، والرّحمة، وقدَّم بالمؤمنين على رؤوف رحيم، ولم يقل: رؤوف يرحم المؤمنين: للتوكيد، والحصر. الرّأفة: أشدُّ الرّحمةِ، وأرقُّها: لم يحمِّلهم ما لا يطيقون. الرّحمة: هي جلب الخير، أو ما ينفع، ودفع الضّر. سورة التوبة [٩: ١٢٩] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: الفاء: عاطفة، إن: شرطية، تولوا: ابتعدوا عنك، أو أعرضوا عن الإيمان؛ فلا يهمَّنَّك إعراضهم. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ الخطاب للنبي. ﴿حَسْبِىَ اللَّهُ﴾: أيْ: يكفيني الله سبحانه، والحسب: اسم بمعنى: كاف؛ فهو كافيك، وناصرك. قلْ ذلك بالقلب واللسان، وكلمة الحسب تقال في الشّدائد (حسبي الله ونعم الوكيل). ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا: النّافية؛ إله معبود (أثبتت العبودية لله)؛ إلا: أداة حصر. هو: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد (نفت عنه الشّريك أثبتت له الوحدانية). ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٥)؛ لمزيد من البيان. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: عليه جار ومجرور تقدَّم توكلت؛ للدلالة على الحصر، والقصر؛ أيْ: أتوكل عليه وحده. التوكل: هو الاعتماد على الله، وطلب المساعدة منه بجلب المنافع، ودفع

стр. 1995

المضار بعد تقديم الأسباب كاملة ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لبيان معنى التوكل. ﴿وَهُوَ﴾: هو: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد، والحصر. ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: رب العرش: خالق العرش، ورب الكون، والعرش؛ تعني: الحكم، والملك، أو الحاكم، والمالك. ﴿الْعَظِيمِ﴾: قد تعود على الله سبحانه العظيم (رب العرش) القادر على كل شيء، ولمعرفة معنى العظيم؛ ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٥)، أو قد تعود على العرش العظيم؛ لأنه أعظم المخلوقات على الإطلاق؛ أعظم من السموات، والأرض؛ فالسموات والأرض بالنسبة للعرش؛ كحلقة في فلاة، وأعظم من خلق الإنسان؛ فهو خالق العرش، والكون، والإنسان، وكل شيء سبحانه، وهو الحاكم، والمالك لكل شيء، لا يشاركه أحد. ووصف العرش بأنه: عظيم، وكريم، ومجيد؛ فقال تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التّوبة: ١٢٩]، ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥]، ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]، وربط التوكل برب العرش العظيم؛ لأن مَنْ خلق العرش العظيم جديرٌ بأن يُتوكَّلَ عليه. ارجع إلى سورة هود آية (٧) لمزيد من البيان.

стр. 1996

سورة يونس [١٠: ١] سورة يونس ترتيبها في القرآن (١٠)، وترتيبها في النزول (٥١). ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾: ﴿الر﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة للبعد يدل على بعد منزلة آيات الكتاب (القرآن)، والكاف: للخطاب، والمخاطب: هو رسول الله ﷺ . وتلك: تشير إلى الكثرة، وتشير إلى الآيات الآتية، والتي سبقتها، والآيات بشكل عام. ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: آيات القرآن، والإضافة؛ للتفخيم لها، والتعظيم. ﴿الْحَكِيمِ﴾: وصف للقرآن، والحكيم: صفة مشتقة من حكم يحكم؛ أي: حاكم يحكم بين النّاس بالحق، ويحكم بين الأفعال؛ هذا فعل حسن، وهذا فعل قبيح، وحاكماً يفصل بين الحقّ والباطل، وبين النّاس فيما اختلفوا فيه، وحاكم في الأخلاق، وحكيم: مشتقة من الحكمة؛ أي: مليء بالحكمة، أو محكم لا تعارض فيه، ذو حكمة؛ لأنّه صادر من الله الحكيم. وحكيم: تعني: المهيمن على الكتب السماوية الأخرى.

стр. 1997

سورة يونس [١٠: ٢] ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: أسباب النزول: كما ذكر الواحدي والطبري عن ابن عباس قال: لما بعث الله تعالى محمّداً ﷺ رسولاً أنكرت الكفار ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمّد؟ فأنزل الله هذه الآية. كقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]. ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]. ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢]. ﴿أَكَانَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجب. ﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص، والنّاس في هذه الآية: أهل مكة، وكلمة النّاس: مشتقة من النوس. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١). ﴿عَجَبًا﴾: موضع العجب أو التعجب كونه رجل أولاً، ومنهم ثانياً؛ أيْ: من قريش العرب ومن الأميين. ﴿أَنْ﴾: المفسرة المخففة (للتوكيد). ﴿أَوْحَيْنَا﴾: الوحي لغة: هو الإعلام بالخفاء. وشرعاً: هو ما يلقي الله سبحانه على رسله من تكاليف، وتعاليم، وآيات … وغيرها. ويكون بأن يكلم الله أحد رسله وحياً، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان.

стр. 1998

﴿إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾: إلى محمد ﷺ . منهم: من قريش يعرفونه. ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾: أن: للتوكيد. أنذر النّاس: أنذر من الإنذار: وهو الإعلام مع التحذير، أو التّخويف، أو الزّجر، والإنذار: يكون بعدم فعل شيء ما، أو تركه، أو الحثِّ على ألا يُقدِمَ على ما يضره. ﴿النَّاسَ﴾: تشمل: الإنس، والجن. الإنذار إذن لكلّ النّاس بما فيهم المؤمن والكافر. ارجع إلى الآية (٢١) من سورة البقرة. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: البشارة تكون فقط لمن آمن. الّذين آمنوا، ولا تكون إلا بالخير عادة (البشارة المطلقة)، أما البشارة المقيدة: فقد تكون بالشّر؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ تكون على سبيل التهكم، والسّخرية. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾: أنّ: للتوكيد (حرف مشبه بالفعل). لهم: اللام: لام الاختصاص. لهم: خاصَّة، قدم صدق: سابقة خير؛ أيْ: ما قدَّموه من الأعمال الصّالحة في دنياهم قد وصل. قدَم: هو العضو المعروف الّذي نمشي عليه، وهو وسيلة للسعي، والسّبق؛ لأنّ السّعي والسّبق إلى الأعمال الصالحة غالباً ما يكون بالقدم؛ فعبر عن الإيمان، والاستماع، واتِّباع المنهج الرّباني بالقدم على سبيل المجاز، أو أنّهم قد قدَّموا أعمالاً صالحة في دنياهم فجزاء ذلك أن يكون لهم مقعد صدق عند ربهم.

стр. 1999

﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: وعندما أبلغهم الرّسول ﷺ الإنذار، أو أنذرهم باتباع منهج الله تعالى، قال الكافرون: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة؛ يشير إلى رسول الله ﷺ . ﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: أي: اتهم الكافرون الرّسول ﷺ بكونه: ساحراً مبيناً: اللام في كلمة لساحر: تفيد التوكيد. مبين: واضح، وبيِّن لكل من يعرفه: أنّه ساحر، وما جاء به السِّحر الواضح الّذي لا يحتاج إلى برهان، أو دليل، وفي آيات أخرى: اتَّهموا القرآن بأنّه سحر؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ: ٤٣]. والسّاحر: هو الّذي يقوم بأعمال توهم أنها حقيقة، وهي حيل، وتخيلات، ولو كان ساحراً كما زعموا لماذا لم يسحرهم حتّى يؤمنوا، وينتهي الأمر، واتَّهموه بالسّاحر، أو ما جاء به السحر حين رأوا من تأثيره القوي في النفوس، والقلوب، وكونه خارقاً للعادات، وظنوا أن رسول الله ﷺ ما يقوم به، أو جاء به هو نوع من الحيل والشعوذة، أو كيف يُوحَى إليه. ارجع إلى سورة طه، آية (٥٨)، وسورة البقرة، آية (١٠٢). كلمة صدق جاءت في القرآن في عدَّة آيات منها: ـ قدم: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]؛ أيْ: سابقة فضل، ومنزلة رفيعة. ـ لسان ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤]؛ أيْ: ثناءً حسناً، وذكراً جميلاً. ـ مخرج ومدخل: ﴿أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]؛ أيْ: أدخلني مُدخلاً مرضياً، وأخرجني مخرجاً مرضياً.

стр. 2000

ـ مقعد: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥]؛ أيْ: مكاناً مرضياً في الآخرة. ـ ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]؛ أيْ: منزلاً مباركاً في الدّنيا. والمدخل، والمخرج، والمقعد، والمبوأ: كل ذلك جزاء لمن استجاب لربه، وعمل صالحاً. سورة يونس [١٠: ٣] ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: بدلاً من العجب كيف أنزل الوحي إلى محمّد ﷺ كان عليكم أن تعجبوا من خلق السّموات والأرض في ستة أيام. فقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾: إنّ: للتوكيد، ربكم الله: ربكم: الرّب في اللغة: المالك، والمدبر، والمربي، والقيم، والرّازق، والمنعم. الله: سبحانه تشير أنّه المعبود الحقّ، والإله الحقّ الّذي يستحق العبادة؛ لأنّه سبحانه ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٥٤)، وسورة البقرة، آية (٢٢، ٢٩)، وسورة الأنبياء، آية (٣٠)؛ للبيان. ﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: قد تعني: ستَّ مراحل، وكلّ مرحلة تمثل بيوم، واليوم طوله بلايين السنين، ويُعينُ على تفسير ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ثمّ: هنا تفيد التفاوت بالمرتبة بين الاستواء على العرش: هو أكبر وأعظم المخلوقات، وأعظم من خلق السّموات والأرض الذي هو بدوره أكبر من خلق الناس، كما أشارت إلى ذلك الآية (٥٧) من سورة غافر.
следующие страницы →