Полный текст (5 934 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
سورة يونس [١٠: ١]
سورة يونس
ترتيبها في القرآن (١٠)، وترتيبها في النزول (٥١).
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾:
﴿الر﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة للبعد يدل على بعد منزلة آيات الكتاب (القرآن)، والكاف: للخطاب، والمخاطب: هو رسول الله ﷺ .
وتلك: تشير إلى الكثرة، وتشير إلى الآيات الآتية، والتي سبقتها، والآيات بشكل عام.
﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: آيات القرآن، والإضافة؛ للتفخيم لها، والتعظيم.
﴿الْحَكِيمِ﴾: وصف للقرآن، والحكيم: صفة مشتقة من حكم يحكم؛ أي: حاكم يحكم بين النّاس بالحق، ويحكم بين الأفعال؛ هذا فعل حسن، وهذا فعل قبيح، وحاكماً يفصل بين الحقّ والباطل، وبين النّاس فيما اختلفوا فيه، وحاكم في الأخلاق، وحكيم: مشتقة من الحكمة؛ أي: مليء بالحكمة، أو محكم لا تعارض فيه، ذو حكمة؛ لأنّه صادر من الله الحكيم. وحكيم: تعني: المهيمن على الكتب السماوية الأخرى.
стр. 1997
سورة يونس [١٠: ٢]
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾:
أسباب النزول: كما ذكر الواحدي والطبري عن ابن عباس قال: لما بعث الله تعالى محمّداً ﷺ رسولاً أنكرت الكفار ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمّد؟ فأنزل الله هذه الآية.
كقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤].
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١].
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَىْءٌ عَجِيبٌ﴾ [ق: ٢].
﴿أَكَانَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجب.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص، والنّاس في هذه الآية: أهل مكة، وكلمة النّاس: مشتقة من النوس. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١).
﴿عَجَبًا﴾: موضع العجب أو التعجب كونه رجل أولاً، ومنهم ثانياً؛ أيْ: من قريش العرب ومن الأميين.
﴿أَنْ﴾: المفسرة المخففة (للتوكيد).
﴿أَوْحَيْنَا﴾: الوحي لغة: هو الإعلام بالخفاء. وشرعاً: هو ما يلقي الله سبحانه على رسله من تكاليف، وتعاليم، وآيات … وغيرها.
ويكون بأن يكلم الله أحد رسله وحياً، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان.
стр. 1998
﴿إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ﴾: إلى محمد ﷺ . منهم: من قريش يعرفونه.
﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾: أن: للتوكيد. أنذر النّاس: أنذر من الإنذار: وهو الإعلام مع التحذير، أو التّخويف، أو الزّجر، والإنذار: يكون بعدم فعل شيء ما، أو تركه، أو الحثِّ على ألا يُقدِمَ على ما يضره.
﴿النَّاسَ﴾: تشمل: الإنس، والجن.
الإنذار إذن لكلّ النّاس بما فيهم المؤمن والكافر. ارجع إلى الآية (٢١) من سورة البقرة.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: البشارة تكون فقط لمن آمن. الّذين آمنوا، ولا تكون إلا بالخير عادة (البشارة المطلقة)، أما البشارة المقيدة: فقد تكون بالشّر؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ تكون على سبيل التهكم، والسّخرية. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾: أنّ: للتوكيد (حرف مشبه بالفعل). لهم: اللام: لام الاختصاص. لهم: خاصَّة، قدم صدق: سابقة خير؛ أيْ: ما قدَّموه من الأعمال الصّالحة في دنياهم قد وصل. قدَم: هو العضو المعروف الّذي نمشي عليه، وهو وسيلة للسعي، والسّبق؛ لأنّ السّعي والسّبق إلى الأعمال الصالحة غالباً ما يكون بالقدم؛ فعبر عن الإيمان، والاستماع، واتِّباع المنهج الرّباني بالقدم على سبيل المجاز، أو أنّهم قد قدَّموا أعمالاً صالحة في دنياهم فجزاء ذلك أن يكون لهم مقعد صدق عند ربهم.
стр. 1999
﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: وعندما أبلغهم الرّسول ﷺ الإنذار، أو أنذرهم باتباع منهج الله تعالى، قال الكافرون: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة؛ يشير إلى رسول الله ﷺ .
﴿لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾: أي: اتهم الكافرون الرّسول ﷺ بكونه: ساحراً مبيناً: اللام في كلمة لساحر: تفيد التوكيد. مبين: واضح، وبيِّن لكل من يعرفه: أنّه ساحر، وما جاء به السِّحر الواضح الّذي لا يحتاج إلى برهان، أو دليل، وفي آيات أخرى: اتَّهموا القرآن بأنّه سحر؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ: ٤٣].
والسّاحر: هو الّذي يقوم بأعمال توهم أنها حقيقة، وهي حيل، وتخيلات، ولو كان ساحراً كما زعموا لماذا لم يسحرهم حتّى يؤمنوا، وينتهي الأمر، واتَّهموه بالسّاحر، أو ما جاء به السحر حين رأوا من تأثيره القوي في النفوس، والقلوب، وكونه خارقاً للعادات، وظنوا أن رسول الله ﷺ ما يقوم به، أو جاء به هو نوع من الحيل والشعوذة، أو كيف يُوحَى إليه. ارجع إلى سورة طه، آية (٥٨)، وسورة البقرة، آية (١٠٢).
كلمة صدق جاءت في القرآن في عدَّة آيات منها:
ـ قدم: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]؛ أيْ: سابقة فضل، ومنزلة رفيعة.
ـ لسان ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ [الشعراء: ٨٤]؛ أيْ: ثناءً حسناً، وذكراً جميلاً.
ـ مخرج ومدخل: ﴿أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]؛ أيْ: أدخلني مُدخلاً مرضياً، وأخرجني مخرجاً مرضياً.
стр. 2000
ـ مقعد: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٥]؛ أيْ: مكاناً مرضياً في الآخرة.
ـ ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]؛ أيْ: منزلاً مباركاً في الدّنيا.
والمدخل، والمخرج، والمقعد، والمبوأ: كل ذلك جزاء لمن استجاب لربه، وعمل صالحاً.
سورة يونس [١٠: ٣]
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
بدلاً من العجب كيف أنزل الوحي إلى محمّد ﷺ كان عليكم أن تعجبوا من خلق السّموات والأرض في ستة أيام.
فقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾: إنّ: للتوكيد، ربكم الله: ربكم: الرّب في اللغة: المالك، والمدبر، والمربي، والقيم، والرّازق، والمنعم. الله: سبحانه تشير أنّه المعبود الحقّ، والإله الحقّ الّذي يستحق العبادة؛ لأنّه سبحانه ﴿الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٥٤)، وسورة البقرة، آية (٢٢، ٢٩)، وسورة الأنبياء، آية (٣٠)؛ للبيان.
﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: قد تعني: ستَّ مراحل، وكلّ مرحلة تمثل بيوم، واليوم طوله بلايين السنين، ويُعينُ على تفسير ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: ثمّ: هنا تفيد التفاوت بالمرتبة بين الاستواء على العرش: هو أكبر وأعظم المخلوقات، وأعظم من خلق السّموات والأرض الذي هو بدوره أكبر من خلق الناس، كما أشارت إلى ذلك الآية (٥٧) من سورة غافر.
стр. 2001
﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: استواءً يليق بذاته، وصفاته، وفي إطار ليس كمثله شيء، والاستواء: لا يدلُّ على مكان محدَّد؛ لأنّه سبحانه مُنزَّه أن يكون محدداً بمكان، أو زمان، والعرش فسره بعض العلماء بالملك، والسّلطان، والقدرة، والتّدبير، والعرش: لا يُقدر بقدر، وهو من الأمور الغيبية.
والكرسي فسِّر بالعلم، والسّموات السّبع، والأرض بالنّسبة للعرش كحلقة في فلاة. ارجع إلى سورة هود آية (٧) للبيان.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: الأمر: يضم كلّ شيء وزيادة، يدبِّر أيَّ أمر حسب مشيئته، وحكمته، وعلمه، وإرادته تدبير محكم، يدبر: يعني: ينظم، يقدِّر ويقضي، يدبر الأمر جاء لينفي التّعجب؛ فالّذي خلق هو الّذي يدبر الأمر، أمر الكون، وأمر الخلق.
﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾: ما: النّافية. من: الاستغراقية، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع. شفيع: صيغة مبالغة من شافع، وهو الّذي يطلب العفو لشخص آخر، وتكون في ذنب، أو تقصير في حق الله، والشفاعة لا بُدَّ لها من شروط، هي: إذن من الله، ورضا، والمشفوع له مؤهَّل للشفاعة، وكذلك الشّافع مؤهَّل للشفاعة؛ كقوله سبحانه: ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾، والشّفاعة الباطلة المزعومة شفاعة الأصنام، والأوثان … وغيرها من الآلهة المعبودة، واللات، والعزى: فليس لهذه شفاعة أصلاً عند الله سبحانه.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ ذلكم: اسم إشارة؛ يفيد البعد؛ أي: التعظيم، والعلو، والتّوكيد، ولم يقل: ذلك، وإنما ذلكم؛ أيْ: ذلكم العظيم الّذي
стр. 2002
خلق السّموات والأرض، ثم استوى على العرش، والّذي يدبِّر الأمر: هو الله الّذي يستحق العبادة وحده، ويستحق التّعظيم، والشّكر، والحمد.
﴿فَاعْبُدُوهُ﴾: وحده، والفاء: تفيد التّوكيد، والتّعليل.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: الهمزة: للاستفهام، الفاء: للتوكيد. ألّا: أداة حضٍّ، وحثٍّ، وطلب، وتنبيه للسامع الّذي قد يكون غافلاً.
﴿تَذَكَّرُونَ﴾: ولم يقل: تتذكرون؛ أيْ: لستم بحاجة إلى وقت طويل لتذكروا عظمة الخالق؛ لأن أدنى تذكُّر بخلق هذه السموات والأرض كافٍ للدلالة على عظمة الخالق المدبِّر.
سورة يونس [١٠: ٤]
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾:
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾: بعد الحديث عن دلائل وحدانية الألوهية، والرّبوبية ينتقل سبحانه إلى ذكر البعث، والجزاء.
﴿إِلَيْهِ﴾: جار ومجرور، وتقديم ذلك يدل على الحصر إليه وحده لا إلى غيره.
﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: جميعاً يوم القيامة (البعث والحشر).
﴿جَمِيعًا﴾: توكيد.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾: وعد الله صدقاً؛ أيْ: إرجاعه إياكم إليه وعدٌ منه صادق، وكلُّ وعدٍ من الله هو حقٌّ، والحق: هو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير.
стр. 2003
﴿حَقًّا﴾: يفيد التّوكيد؛ لأنّ الباطل قد يسود، ويطغو ويعمُّ، ثم يزول، وينمحي.
﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: إنّ: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد.
﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: يخلق الخلق ابتداءً بتقدير، ومن غير مثال سابق.
﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: ثمّ: للترتيب، والتّراخي يعيده بالبعث، والحشر، وهو أهون عليه.
والغاية والحكمة من الإعادة: هي الجزاء، والحساب.
﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾: ليجزي: اللام: لام التّعليل.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾: أيْ: يرفع الجور، ويحقق العدل؛ فالقسط يعني: الحكم بالعدل، وتنفيذ الحكم، والجزاء لا زيادة، ولا نقصان، وهذا لا يمنع الفضل من الله سبحانه، والحسنة بعشر أمثالها، أو أضعافٌ، والسّيئة بمثلها.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: وبالمقابل الّذين كفروا بالله، ورسله، واليوم الآخر، والبعث، والجزاء:
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾: الحميم الماء الشّديد المتناهي في الحرارة، والسّخونة.
﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: شديد الإيلام بما كانوا يكفرون.
﴿بِمَا﴾: الباء: للتعليل، أو السّببية؛ أيْ: بسبب كفرهم.
стр. 2004
سورة يونس [١٠: ٥]
﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾: هو: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر؛ هو وحده لا غيره.
﴿الَّذِى﴾: اسم موصول.
﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾: والجعل يكون بعد الخلق، وهو التّصيير؛ أيْ: خلق الشّمس، وهي نجم؛ أيْ: فرن نووي عملاق؛ مركب من غاز الهيدروجين بنسبة (٧٥%)، والهليوم بنسبة (٢٤%)، وتبعد الشّمس عن الأرض (١٥٠ مليون كم)، وهي أهم مصدر للحياة على كوب الأرض.
﴿ضِيَاءً﴾: أيْ: مصدراً للضوء، والدفء للكائنات الحية كلها: الإنسان، والحيوان، والنبات، ولولا الشّمس لما استقامت الحياة على الأرض، وفي كلّ شهر شمسي نجد أن الشّمس تقع في برج من البروج؛ فهي وسيلة لتحديد الزّمن أيضاً.
﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾: القمر: هو الجرم السماوي الوحيد الّذي يدور حول كوكب الأرض دورة كاملة في كلّ (٢٧، ٣ يوم) تقريباً، ويأخذ (٢٩ يوماً) ليدور حول نفسه ويظهر لنا كهلال، ويعتبر القمر خامس أكبر الأقمار الطبيعة الموجودة في المجموعة الشمسية، ويبعد عن الأرض حوالي (٣٨٤، ٠٠٠ كم)، ويستمد ضوءُه من الشّمس، ونسبة قليلة من أشعة الأجرام الأخرى، وقطر القمر يساوي ربع قطر الأرض، والقمر ليس مضيئاً بحد ذاته، وإنما يعكس الضّوء الواقع عليه من أشعة الشّمس، ويسمَّى ذلك نوراً، فهناك فرق بين الضوء والنور.
стр. 2005
وأما الضياء، أو الضوء الذي تصاحبه حرارة مقارنة بالنور الذي ليس فيه حرارة فهي إضاءة صادرة عن مصدر مشتعل بحد ذاته، أو مضيء بذاته؛ كالشمس، والنجوم، والنّور أوسع، أو أعم من الضّياء، والضّياء: حالة جزئية من حالات النّور، والنور حين يشتد يسمى ضياءً (أو فرط الإنارة).
والضّياء: هو حالة من حالات اشتداد النّور.
فالنّور حين يشتد يسمَّى ضياءً، وفرط الإنارة يسمَّى ضياءً.
﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾: منازل القمر هي: مواضع تحركه في مداره حول الأرض بين الشّمس والأرض، ومنازل القمر هي: المحاق، والهلال المتزايد، والتربيع الأوّل، والأحدب المتزايد، والبدر، والأحدب المتناقص، والتربيع الثّاني، والهلال المتناقص. ارجع إلى سورة ياسين آية (٣٩).
﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾: وتبعاً لتغير هذه المواقع تتغيَّر صورته الّتي نراه عليها خلال الشهر (أوله، وسطه، آخره)، والتقدير الشهري يكون بالقمر، والتقدير اليومي يكون بالشمس.
﴿لِتَعْلَمُوا﴾: اللام: لام التّعليل.
﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾: فدورة القمر حول الأرض دورة كاملة يحدد لنا الشهر، وكلّ (١٢ دورة) قمرية تحدد لنا السنة القمرية، وكلّ سنة قمرية أقل من السنة الشمسية بـ (١١ يوماً)، ودورة الأرض حول محورها (نفسها) يحدد لنا اليوم، وسنة المسلمين سنة شمسية قمرية معاً، ويحدد وقوع الشّمس في برج من الأبراج الاثني عشر الشهر الشمسي، وهناك أبراج للزينة، وأبراج تساعد على
стр. 2006
معرفة الاتجاهات. ارجع إلى سورة الإسراء آية (١٢)، وسورة الحجر آية (١٦)، وسورة الرحمن آية (٥)، وسورة إبراهيم آية (٣٣) للبيان المفصل في السنة الشمسية والسنة القمرية.
﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: ما: النّافية.
﴿خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾: أي: الشّمس، والقمر، والسّماء، والأرض، والليل، والنّهار، والضّياء، والنّور؛ إلا بالحق.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿بِالْحَقِّ﴾: الأمر الثّابت الّذي لا يتغيَّر (لا خلاف فيه)؛ بالصّدق.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: يفصل الآيات؛ مثل: كروية الأرض يبيِّنها في آيات أخرى؛ مثل: الليل، والنهار، والضياء، والنور. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٥٥)؛ للبيان.
﴿لِقَوْمٍ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿يَعْلَمُونَ﴾: العلم عملية نهائية تسبقها عملية الفقه، والتفكر، والتدبر، والعقل، ثمّ العلم. العلم بالحقائق الكونية الدّالة على وجود الخالق الحقّ الواحد، واجب الوجود.
سورة يونس [١٠: ٦]
﴿إِنَّ فِى اخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾:
المناسبة: بعد أن ذكر في الآية السّابقة هو الّذي جعل الشّمس ضياءً، والقمر نوراً أتبع ذلك؛ قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى اخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: في التّعاقب،
стр. 2007
والطّول والقصر، والمجيء والذّهاب؛ هذا الاختلاف الدّال على كروية الأرض، ودورانها حول محورها، وحول الشّمس الّذي يؤدِّي إلى تبادل اللّيل، والنّهار الضروريين لاستقامة الحياة على هذه الأرض.
﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: من المجرات، والكواكب، والنّجوم، والشّموس، والأقمار، وفي الأرض من الجبال، والحيوانات، والبحار، والنّباتات، والجمادات، والسّحاب، والأمطار، والرّعد، والبرق، والمد، والجزر … وغيرها.
﴿لَآيَاتٍ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ آيات: كونية، ودلائل على وجوده، ووحدانيَّته، وقدرته، وحكمته، وعظمته، وكمال علمه، وهذا يوجب طاعة الله وتقواه.
﴿لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ يتقون الله في أوامره بطاعتها، ويتقون الله في نواهيه بتجنُّبها.
وفي الآية السّابقة قال تعالى: ﴿الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: أيْ: يعلمون، وهذا العلم يهديهم إلى التقوى.
стр. 2008
سورة يونس [١٠: ٧]
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: إنّ: لتوكيد الّذين؛ لا: النّافية؛ لا يرجون: لا يودون، أو لا يتوقَّعون لقاءَنا؛ أيْ: لقاء الله سبحانه، والعرض عليه يوم القيامة، والرّجاء هنا؛ يعني: الشّك، والظّن، والخشية، والخوف؛ أيْ: يشكون، أو لا يتوقَّعون، وربما يخشون، ويخافون لقاءَنا.
﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: أيْ: أمثال هؤلاء الّذين لا يؤمنون بالبعث، والحشر، والقيامة، والدّار الآخرة، والجنة والنّار، ولا يؤمنون بثواب، ولا بعقاب؛ بما أنّهم لا يؤمنون بالبعث، والجزاء، والحساب؛ فهم لا يستعدون لذلك، أو يهيِّئون أنفسهم بالإيمان، وبالعمل الصّالح؛ فهم لا يخافون العاقبة، وسوء اللقاء، وقال سبحانه: (لقاءَنا)، ولم يقل: لقاء الآخرة؛ للتنبيه، والتّحذير لهؤلاء. ارجع إلى سورة الفرقان، آية (٢١)؛ لمزيد من البيان في معنى: لا يرجون.
﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: اكتفوا بالحياة الدّنيا، ولم يرغبوا بالآخرة، أو يفكروا بآخرتهم، أو هم آثروا الدّنيا على الآخرة.
﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾: ارتاحوا، وأخلدوا إلى دنياهم، وفرحوا بها.
وقصروا همهم، وغايتهم على لذائذ الدّنيا وزخارفها، فكان ذلك مبلغهم من العلم. والرضا: هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع.
стр. 2009
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾: الغفلة: هي ترك الشّيء، وذهابه عن فكر الإنسان، ولم يعد يخطر على باله، أو يتذكره رغم رؤيتهم لآيات الله سبحانه الكونية، أو القرآنية، وسماع تلك الآيات؛ فهي تمر عليهم كأن لم تكن لا يتيقَّظون بها، وكأنهم خشب مسندة لا يتعظون بها، فهؤلاء الّذين فرحوا بالحياة الدّنيا، واطمأنوا بها؛ أصبحوا في منزلة الغافلين عن الآخرة، أو عما هو مطلوب منهم.
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد.
وكان يكفي القول: والذّين عن آياتنا غافلون. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان في معنى: غافلون.
سورة يونس [١٠: ٨]
﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة؛ يفيد بُعد انحطاطهم، وغفلتهم.
﴿مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾: المأوى: اسم مكان من أوى يأوي، والمأوى: المنزل، والمكان؛ مكان استقرارهم، وخلودهم.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: الباء: للإلصاق، وتفيد السببية، أو البدلية؛ أيْ: بدل، أو بسبب ما كسبوا من الذّنوب، والآثام، وقال سبحانه: يكسبون، ولم يقل: يكتسبون. ارجع إلى الآية (٢٧) من سورة يونس، وسورة البقرة، آية (٢٨٦)؛ لبيان تفسير كلمة كسبوا، واكتسبوا.
سورة يونس [١٠: ٩]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾: إنّ: للتوكيد؛ الهداية تكون لهم في الدّنيا، وفي الآخرة، والهداية تعني: أخذوا بالمنهج، والتزموا به، وطلبوا العون من الله؛ فدلهم على الصّراط المستقيم،
стр. 2010
وأرشدهم إليه في الدّنيا، ويوم القيامة سوف يوصلهم ذلك الصّراط المستقيم إلى جنات النّعيم.
﴿تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِى جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: أيْ: تنبع الأنهار من تحت تلك الجنات. في جنات النعيم: ارجع إلى سورة الزخرف آية (٧١ - ٧٢) للبيان.
﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: النعيم: هو مشتق من النعمة، ويعني: النعمة الكثيرة الدائمة التي لا تزول، فالنعيم: يطلق على نعم الآخرة، وهو النعيم الدائم الكثير والمتجدد والخالد الخاص بأهل الجنة.
وأما النعمة: تطلق على نِعَم الدنيا الظاهرة والباطنة، وهي نعم زائلة، وإذا كان هناك نعيم في الدنيا فهو ناقص زائل غير كامل تشوبه الأكدار. ارجع إلى سورة الزخرف آية (٧١ - ٧٢) لمزيد من البيان.
سورة يونس [١٠: ١٠]
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾:
﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾: أيْ: دعاؤهم فيها؛ أيْ: في جنات النعيم، رغم كون دار الآخرة ليست دار تكليف، وعبادة؛ فهم يدعون ربهم فرحاً، وتلذذاً؛ كما كانوا يدعون في الدّنيا؛ لكثرة ما يفاجؤون به من النّعيم تنطلق ألسنتهم بالتّسبيح؛ فيقولون: سبحانك اللهم، ومعناها: يا الله، أو يا الله ائتنا بالخير من شدة الإعجاب يبدؤون بالتّسبيح، والتّنزيه؛ إجلالاً، وتعظيماً للمنعم.
﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾:
١ - سلام من الله سبحانه كقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].
٢ - وسلام من الملائكة كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٤].
стр. 2011
٣ - وهم يسلِّمون على بعضهم بعضاً.
كلمة السّلام: رمز الرّضا، والاستقرار، والاطمئنان؛ سلام شامل يشمل النّفس من كلّ مكروه، ويشمل الأهل، والمكان.
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: وآخر دعواهم أن: للتوكيد.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: أيْ: حمد بيقين، وتوكيد على فضل الله عليهم؛ حمد على نعم الله تعالى الّتي لا تزول، والحمد لله رب العالمين على نعمة الإيجاد، والحمد لله على نعمة الإمداد، والحمد لله على نعمة البقاء في دار الخلد حمداً يليق بجلاله، وعظيم سلطانه.
سورة يونس [١٠: ١١]
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية، لو: شرطية؛ تفيد النّفي، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١].
﴿يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾: لو يعجِّل الله إجابة دعائهم حين يدعون بالشّر كما يعجِّل لهم الإجابة بالخير.
﴿لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾: الأجل: الموت؛ لقضي إليهم أجلُهُم؛ أيْ: أهلكهم، أو أماتهم، أو أصابهم السّوء، ولكن من رحمته لم يستجب لهم؛ لأنّه رؤوف رحيم، واللام: في ليقضي: للتوكيد، والتّعليل.
ووضع استعجالهم بالخير بدلاً من تعجيله لهم بالخير؛ ليدل على سرعة إجابته لهم، ولنعلم: أنّ إجابة الدّعاء، أو عدمه مفوض إلى مشيئة الله وحده، وإلى حكمته سبحانه، والله سبحانه منزَّه أن يظن أيُّ عبد أنّ الله سبحانه يجب أن
стр. 2012
يستجيبَ لدعائه؛ فالله سبحانه بحكمه، وحكمته يقرِّر ما يشاء، ويختار، ما كان لهم الخيرة.
﴿فَنَذَرُ﴾: الفاء: للمباشرة. نذر: نترك، ونهمل.
﴿الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٧).
﴿فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: طغيانهم: مجاوزتهم الحد في الظّلم، والكفر، والعصيان.
﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتحيَّرون؛ يتردَّدون في الضّلال، والكفر، والعصيان؛ يتقلَّبون، ويدل قوله: يعمهون: على التّجدد، والتّكرار. ويعمهون: مشتقة من عمى البصيرة من عمه؛ إذا تردَّد، وتحيَّر، وأما العمى: فيكون في البصر، أو العين، وعمى البصيرة أشد من عمى العين.
سورة يونس [١٠: ١٢]
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: إذا: ظرف زماني؛ يدل على كثرة الحدوث، وحتمية الوقوع.
﴿مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ﴾: مس: المس: هو الإصابة الخفيفة (الطّفيفة) مجرد المس الّذي هو دون اللمس.
﴿الضُّرُّ﴾: هنا معرف بأل التّعريف، يعني: سوء الحال والمرض. والضُّرُّ: أشد من الأذى، ويكون في النفس وغيرها، وهناك فرق بين الضُّر بضم الضاد، والضَّر بفتح الضاد الذي ضد النفع.
﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾: لجنبه؛ أيْ: مضطجعاً على جنبه؛ أيْ: دعانا وهو مضطجع، وهو ملازم لجنبه، أو نائماً على جنبه. دعانا لجنبه: اللام: لام
стр. 2013
الاختصاص (لجنبه الدّالة على حالة ضره)، وقدَّم الجنب؛ لأنّ الإنسان في حالة المرض أكثر ما يلازم جنبه (أيْ: حالة الاضطجاع).
﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾: ثمّ قاعداً (أو قاعداً)؛ أيْ: جالساً، ثمّ القيام، والقيام يدلّ على تحسن حاله، ونرى عكس هذه الآية في الترتيب الآية (١٩١٩) من سورة آل عمران وهي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.
﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾: تشمل جميع أحواله حين المرض، فحين يصاب بالمرض الشديد يلزم جنبه، ثم إذا تحسن حاله يقعد ويصلي وهو قاعد، ثم إذا تحسن يقوم ويصلي.
ولم يذكر حالة المشي؛ لأنّ الماشي عادة ليس به ضر.
﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾: فلما: الفاء: تدل على التّرتيب، والتّعقيب. لما: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حين.
﴿كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ﴾: رفعنا، وأزلنا عنه ضُره، وهنا يشبَّه الضّر؛ كأنّه غطاء يغطي الإنسان، والكشف: هو رفع الغطاء، وإزالته، وهذا يشير إلى أنّ الضُّر أصاب الجسم كلّه، وليس عضواً واحداً.
﴿مَرَّ كَأَنْ لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ﴾: مر: كلمة تشير إلى أنّه حين لم يجد له معيناً غير الله لهم سبحانه راح يدعو الله سبحانه؛ حتّى يرفع عنه الضّر؛ فلما رفع عنه ضُره لم يعد يتذكر ما أصابه، وما دعا به، وعاد إلى ما كان عليه من عدم الإيمان، والكفر، ولم يتعظ، ولم يداوم على شكر الله، ويرجع عن ضلاله.
الكافر يدعو الله ساعة الضّر فقط، أما المؤمن: فهو يدعو ربَّه دائماً.
وقد وردت آيات الضّر بمعانٍ مختلفة:
стр. 2014
في سورة الزّمر، الآية (٨): ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾.
في سورة النّحل، الآية (٥٣، ٥٤): ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾.
فالضّر قد يمس الإنسان لوحده من دون الآخرين.
أو الضّر يمس الكلّ من دون استثناء.
﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أيْ: هذه صفة وعادة المسرفين سابقاً ولاحقاً؛ إذا أصابهم الضّر دعوا ربهم منيبين إليه، ثمّ إذا كشف عنهم الضّر؛ عادوا إلى فعل المعاصي، والكفر، والشّرك؛ أيْ: مروا كأن لم يدعوا إلى ضر مسهم، وزيِّن: هنا مبني للمجهول، وهو الشّيطان: بالوسوسة، والضّلال، والعودة إلى الكفر، ما كانوا يعملون العمل يشمل الفعل، والقول؛ أيْ: ما كانوا يقولون ويفعلون، والمسرف تعم الكافر، والمشرك وغيره، وسمِّي الكافر مسرفاً؛ لأنّه أسرف في حق نفسه؛ فجعلها عبداً للأوثان، والأصنام، أو أسرف في كفره، واستمر على ذلك، أو استمر على فعل المعاصي، والكبائر.
سورة يونس [١٠: ١٣]
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾:
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾: ولقد: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، وزيادة التّوكيد.
﴿أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾: جمع قرن، والقرن (أهل كلّ زمان)، والقرن من الزّمان هو (١٠٠ سنة)، ولقد أهلكنا القرون من قبلكم، وأبوا أن يؤمنوا، ويقولوا: لا إله إلا الله، وأشركوا بالله سبحانه، أو كذبوا بآياته، ورسله، أو ظلموا أنفسهم باتباع الشّهوات، وخروجهم عن منهج الله تعالى، أو ظلموا غيرهم بالصّد عن
стр. 2015
سبيل الله، أو الشرك. ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة؛ لمزيد في معنى: الظّلم.
﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾: لما: ظرف زماني.
﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بالمعجزات الدّالة على صدق نبوتهم، والدّالة على وحدانية الله، وعلى وجوب الإيمان، والبينات تشمل كذلك الحجج، والأدلة، والبراهين.
﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: ما: للنفي.
﴿كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: اللام: لام التّأكيد؛ تأكيداً للنفي (نفي الإيمان)، وأصروا على الكفر، والشّرك، والمعاصي.
﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾: كذلك؛ أيْ: بمثل هذا الهلاك؛ نجزي كلّ مجرم يكذب بما جاء به الرّسل، والمجرم: هو الكافر، والمشرك، والظالم، والمنكر للبعث، والحساب، والمستهزئ بآيات الله، وبرسله، وإذا قيل لهم: لا إله إلا الله يستكبرون. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمين.
انتبه وردت كلمة المجرمين خمس مرات في هذه السّورة:
الآية (١٣): ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
الآية (١٧): ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
الآية (٥٠): ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
الآية (٧٥): ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾.
الآية (٨٢): ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
стр. 2016
سورة يونس [١٠: ١٤]
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِى الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتّراخي في الزّمن.
﴿جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِى الْأَرْضِ﴾: خلائف: جمع خليفة، والخطاب في هذه الآية موجَّه إلى أمة محمد ﷺ .
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: من بعد الّذين أهلكناهم؛ أي: كفار مكة القوم المجرمين. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (١٦٥)؛ للبيان المفصل في خلائق الأرض، خلائق في الأرض، خلفاء في الأرض.
﴿لِنَنْظُرَ﴾: اللام: لام التّوكيد، والتّعليل.
﴿كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾: كيف: استفهامية وللتحذير، تعملون: تشمل الأقوال والأفعال، هل تعملون بعمل المجرمين الّذين أهلكناهم، أم تخالفونهم، وتكونوا أفضل منهم.
стр. 2017
سورة يونس [١٠: ١٥]
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَائِ نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: الواو: استئنافية؛ إذا: ظرفية زمانية تتضمن معنى الشّرط، وإذا تستعمل للشيء المحقق حدوثه.
﴿تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾: التّلاوة؛ تعني: القراءة؛ أيْ: آيات القرآن الحكيم. ارجع إلى الآية (٧١) من نفس السورة.
﴿تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾: تتلى: فعل مضارع؛ يدل على التّجدد، والتّكرار، بينما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ﴾: تليت: فعل ماض؛ أيْ: قرئت عليهم آياتنا؛ تدل على الحدوث في الماضي مرة، أو مرتين وانتهى الأمر؛ بينما تتلى: تدل على التّجدد، والتّكرار.
﴿بَيِّنَاتٍ﴾: الآيات الواضحات الدّالات على وحدانية الله تعالى، وعلى الإيمان، وترك الشّرك، ومحاربة الكفر، والأصنام.
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: ارجع إلى الآية (٧)؛ لمعرفة معنى الّذين لا يرجون لقاءنا.
وقيل: كانوا خمسة نفر؛ أمثال: عبد الله بن أمية، والوليد بن المغيرة، ومُكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس، والعاص بن عامر. هذا ما قاله مقاتل (انظر في أسباب النزول للواحدي).
стр. 2018
وقيل: نزلت في المستهزئين بالقرآن؛ كما قال ابن عباس ﵄.
﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾: هم يطلبون طلبين:
١ - الأوّل أن يأتي لهم رسول الله ﷺ بقرآن غير هذا؛ أيْ: يطلبون قرآناً جديداً كاملاً.
٢ - والثّاني: إذا لم تأتِ بقرآن جديد إذن بدل بعضه (أيْ: بعض آياته، أو كلماته)؛ بحيث لا تسيء إليهم، أو إلى آلهتهم؛ أيْ: هم يطلبون قرآناً لا يذم شركهم، وظلمهم، ولا يَعيبُ على آلهتهم، قرآناً خالياً من الإنذار، والوعيد، والبعث، والنّشور؛ فقد كانت صدورهم تضيق لسماعه، وفي الحقيقة هم لا يريدون سماع أيِّ شيء قليلاً كان أو كثيراً يقلق مضاجعهم.
﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَائِ نَفْسِى﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : ما: النّافية؛ لا يحق لي أو يحل لي: أن: مصدرية؛ تفيد التّوكيد. أبدِّله: انتبه جاء الرّد بالرّفض على التّبديل، ولم يرد على طلبهم بالتّغيير: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾؛ لأنّ هذا السّؤال الأوّل سخيف؛ أي: الإيتاء بغير هذا القرآن، وأما التبديل فنفى ذلك أيضاً؛ أيْ: نفى الأسهل؛ ليدل على نفي الأصعب، هو التغيُّر وهو أمر مستحيل.
وقوله: ﴿قُلْ مَا﴾: تنفي الحال، والمستقبل، وتحمل معنى التّوكيد.
﴿مِنْ تِلْقَائِ نَفْسِى﴾: أيْ: لا يمكن أن أبدِّله من قبل نفسي.
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَىَّ﴾: إنّ: حرف نفي. إلا: أداة حصر. ما يُوحى إلي؛ أيْ: ما ينزل به الرّوح الأمين فقط. ما يوحي إليَّ ربي من الآيات، والأحكام، ولمعرفة (ما يوحى إليَّ): ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣).
﴿إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: إنّ: للتوكيد؛ أخاف إن:
стр. 2019
شرطية، وجملة إني أخاف إن عصيت ربي: جملة تعليلية؛ لكوني أتبع فقط ما يوحى إليَّ.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أيْ: يوم القيامة.
سورة يونس [١٠: ١٦]
﴿قُلْ لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾:
﴿قُلْ لَّوْ﴾: شرطية.
﴿شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾: ما تلوته: ما: نافية. تلوته؛ أي: القرآن قرأته عليكم.
﴿وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ﴾: ولا أبلَغَكُم الله إياه؛ أيْ: ما تلوته عليكم، ولا أطلعكم الله عليه، أو نزَّله إليكم، وقرأته عليكم.
﴿فَقَدْ﴾: الفاء: للتأكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد أيضاً.
﴿لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾: أيْ: أقمت بينكم (٤٠ سنة) من قبل نزول القرآن لا أحدثكم، أو أبلغكم شيئاً من القرآن، وإني أُمي لا أكتب، ولا أستطيع قراءة الكتب الأخرى، ولم يُعلِّمني بشر.
﴿أَفَلَا﴾: الهمزة للاستفهام التّوبيخي الإنكاري؛ أيْ: للحثِّ، والتحريض، والتّنبيه.
﴿تَعْقِلُونَ﴾: أنّ هذا القرآن ليس من عندي، ولا أستطيع أن أغيره، ولا أبدله؛ أيْ: لو استعملتم عقولكم، وفكرتم لوصلتم إلى الحقيقة: أنكم لا تحتاجون إلى قرآن غيره، وتعقلون: من عقل الشّيء عرفه بدليله، وفهمه بأسبابه، وتوصل إلى الحقيقة: أنّه من عند الله وحده.
стр. 2020
سورة يونس [١٠: ١٧]
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِئَايَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾: الفاء: استئنافية. من: اسم استفهام إنكاري معناه: النّفي؛ أيْ: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذباً: نكرة تشمل كل أنواع الكذب، ولو قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [الصف: ٧]؛ الكذب في هذه الآية معرفة؛ أي: محدد بنوع واحد من الكذب. ارجع إلى سورة الصف لمزيد من البيان. أو كذّب بآياته؛ أيْ: هو أظلم من أيِّ ظالم آخر (لا أظلم منه).
ففي هذه الآية: يبيِّن لهم رسول الله ﷺ : لو بدل كلمة، أو آية من تلقاء نفسه، ومن دون وحي؛ لكان من هؤلاء الّذين افتروا على الله كذباً، (وجاءت نكرة)؛ لتدل على أيِّ نوع مهما كان صغيراً، أو كبيراً. والافتراء: هو الكذب المتعمَّد المختلق؛ مثال: نسبة الشّريك، أو الولد، أو البنت إلى الله سبحانه.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِئَايَاتِهِ﴾: بآياته القرآنية، أو الكونية، أو المعجزات؛ أيْ: جحد بها، وأنكرها.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾: تفيد التّوكيد.
﴿لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾: لا: النّافية. يفلح المجرمون؛ أيْ: لن ينجوا، ولن يفوزوا بالآخرة.
﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: المشركون، والكافرون كفار مكة، أو كفار قريش، وهم لم يحرفوا القرآن كما فعل أهل الكتاب حرفوا التوراة والإنجيل، وإنما مجرمون بسبب إشراكهم وتكذيبهم القرآن، ورسول الله ﷺ ، والمفترون على الله كذباً، أو المكذبون بآياته. ارجع إلى سورة هود، آية (١١٦)، والجاثية، آية (٣١)؛ لمعنى: المجرمين.
سورة يونس [١٠: ١٨]
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ
стр. 2021
شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: تشير إلى المشركين، وتدل على التّجدد، والتّكرار. من دون الله: من غير الله.
﴿مَا لَا يَضُرُّهُمْ﴾: ما: اسم موصول؛ تدل على ذوات ما لا يعقل؛ كالأصنام، والأوثان، والنّجوم، والكواكب، وتدل على صفات العقلاء: الأولياء عيسى، وعزير، والملائكة؛ أيْ: لا يضرهم إن لم يعبدوهم.
﴿وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾: أيْ: لا (النّافية): ينفعهم إن عبدوهم، وتكرار لا: يفيد التّوكيد، ولفصل الضّر عن النّفع، أو كلاهما معاً.
﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة؛ يشير إلى الآلهة، والأولياء.
﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: جمع شفيع، وشفيع: صيغة مبالغة من شافع، والشّافع: هو الّذي يطلب العفو لشخص آخر، ولكي يشفع لا بُدَّ له من إذن من الله سبحانه أوّلاً، ورضا من الله، وأن يكون أهلاً للشفاعة، وبعض المفسرين قالوا: لا تكون الشّفاعة في حد من حدود الله؛ فهم يبررون عبادتهم للأصنام وغيرها بكونها تشفع لهم عند الله، أو تقربهم إلى الله زلفى. ارجع إلى الآية (٣) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان.
﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : أتنبئون الله بما لا يعلم في السّموات ولا في الأرض: الهمزة: همزة استفهام إنكاري.
﴿أَتُنَبِّئُونَ﴾: من النّبأ: وهو الخبر العظيم؛ أتخبرون الله سبحانه بأنّ له شركاء، أو شفعاء في السّموات، أو في الأرض؛ وهو لا يعلم ذلك، أو على غير
стр. 2022
علم بذلك، وهذا يدل على جهلكم؛ أن يكون له شريك، أو ولي؛ فهو منزَّه تنزيهاً كاملاً من كلّ هذه الافتراءات، والأكاذيب.
سورة يونس [١٠: ١٩]
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾:
﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: وما: الواو: عاطفة، أو استئنافية؛ ما: نافية للتوكيد؛ إلا: أداة حصر، وما كان النّاس إلا أمة واحدة.
﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أيْ: على دين واحد: وهو دين الإسلام، على فطرة التّوحيد من لدن آدم إلى نوح، كما قال ابن عبّاس ﵄ عشرة قرون.
﴿فَاخْتَلَفُوا﴾: الفاء: للتأكيد؛ اختلفوا: فمنهم بقي على إيمانه، وتوحيده، ومنهم من كفر، وأشرك بالله؛ فحين اختلفوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾:
﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾: اللام: لام التَّعليل. قضي بينهم؛ أيْ: بين النّاس عاجلاً في الحياة الدّنيا، ومن دون انتظار؛ إما بإقامة السّاعة، أو بإنزال العذاب على المكذبين، والمشركين.
﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ولم يقل: فيما كانوا فيه يختلفون؛ فيما فيه يختلفون؛ تعني: لقضي بينهم حالاً في الدّنيا من دون التّأخير، والانتظار ليوم القيامة، ولو قال: فيما كانوا فيه يختلفون؛ تعني: يوم القيامة؛ أيْ: يؤخر القضاء لهم حتّى يوم القيامة، وعندها يقضي بينهم فيما كانوا يختلفون فيه في الدّنيا؛ فالله سبحانه قادر على أن يفعل القضاء الآن حالاً، أو يؤخِّره حتّى يوم القيامة.
стр. 2023
سورة يونس [١٠: ٢٠]
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانتَظِرُوا إِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾:
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: ويقولون؛ أيْ: كفار مكة، أو المشركون.
﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ، وطلب.
﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: الآية هنا؛ تعني: المعجزة؛ مثل: العصا، واليد، وآيات أخرى؛ مثل: النّاقة، وتجاهلوا أنّ القرآن الكريم: هو الآية الكبرى والمعجزة الخالدة على مرِّ الأيام، والدّهور، ومع ذلك: فهو لا يكفيهم، وانشقاق القمر، ونبع الماء من بين أصابعه ﵊، وغيرها من الآيات الكثيرة الّتي رآها الصّحابة.
﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾: فقل: الفاء: للتوكيد.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ للتوكيد، والحصر. قل: إنزال الآية، أو عدم إنزالها هذا في علم الغيب أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه، أو لِمَ لم تنزل الآية، أو متى ستنزل؟ غيب لا يعلمه إلا الله؛ يخص الله سبحانه إن شاء أنزل، أو إن شاء لم ينزل.
﴿فَانتَظِرُوا إِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾: فانتظروا: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ فما عليكم إلا الانتظار، وأنا معكم من المنتظرين؛ فانتظروا قضاء الله في الإنزال، أو عدمه، وإظهار من هو على حق، ومن هو على باطل، ويؤكِّد رسول الله ﷺ انتظاره باستعمال: وإني بدلاً: وأنا معكم من المنتظرين.
стр. 2024
سورة يونس [١٠: ٢١]
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرف زماني؛ تستعمل في الأمور الحتمية الحدوث، أو الكثيرة الحدوث.
﴿أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾: الرّحمة: هي جلب ما يسر، ودفع ما يضر؛ مثل: المطر، والخصب، وسعة العيش، والرّزق، والصّحة … وغيرها.
﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِى آيَاتِنَا﴾: الضّراء: مثل: الفقر، والبلاء، والجدب، والمرض، وانقطاع المطر؛ أيْ: إذا أنزلنا على النّاس المطر بعد القحط، والسّعة، والغنى بعد الفقر، والرّخاء بعد الشّدة تراهم ينكرون نعمة الله، وينسبوها إلى غيره، أو يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر، أو يكذبون بآيات ربهم، أو يستهزئون بها، وسمِّي ذلك مكراً في آياتنا. ارجع إلى سورة هود، آية (٩ - ١٠)؛ لمزيد من البيان في: أذقنا الإنسان رحمة، أو نعماء.
﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾: حاشا لله أن يكون ماكراً، وهو سبحانه ليس بحاجة أن يمكر، وإنما قال الله: أسرع مكراً؛ فقط للمشاكلة في اللفظ في المصطلح البلاغي، والله أسرع مكراً؛ أيْ: أسرع جزاء على المكر؛ قادر على أن يجازيهم على مكرهم قبل أن يقوموا به، ويبطله، ويدحضه؛ لأنّه سبحانه يعلم بمكرهم، ويعلم ما توسوس به نفوسهم، وأقرب إليهم من حبل الوريد، والمكر: هو التّدبير الخفي. ارجع إلى سورة الرعد، آية (٣٣)؛ لمزيد من البيان.
стр. 2025
﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾: رسلنا؛ أي: الملائكة الحفظة الموكلون بالعبد.
انتبه، لم يقل: ما يمكرون، وإنما قال: ما تمكرون؛ الانتقال من الغيبة إلى الخطاب؛ للتنبيه، وإيقاظ السّامع، والتحذير القوي.
﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾: يحفظون ذلك، ويكتبونه؛ لمجازاتكم عليه.
سورة يونس [١٠: ٢٢]
﴿هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾:
المناسبة: هو الّذي يكشف الضرَّ، والسوء، والقادر على أن يبتليكم مرة ثانية.
﴿هُوَ الَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾: هو الّذي: هو وحده سبحانه.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد الحصر، والتّوكيد.
﴿الَّذِى﴾: اسم إشارة؛ يفيد التّعظيم.
﴿يُسَيِّرُكُمْ فِى الْبَرِّ﴾: أي: الله سبحانه هو المسير الحقيقي، وإن كانت وسائل النّقل هي المستخدمة؛ مثل: السّيارات، أو الدّواب … وغيرها في البر.
﴿وَالْبَحْرِ﴾: أيْ: بالسّفن (الفلك).
﴿حَتَّى إِذَا﴾: حرف غاية يشير إلى منتهى الغاية؛ إذا: ظرفية زمانية للمستقبل، وتدل على حتمية الحدوث؛ إذا: ظرف زماني.
﴿كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ﴾: الفلك: تطلق على المفرد، والجمع؛ أي: السفن، والفلك: قد تعني الفلك الفضائية أيضاً.
﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾: ولم يقلْ: وجرين بكم؛ فالانتقال من الخطاب
стр. 2026
إلى الغيبة سببه أنّهم عندما ركبوا في الفلك، وجرين بهم أصبحوا غائبين لا مخاطبين، فالكلام يوافقه الحال الّذي هم عليه، وقد يكون سببه عدم شكرهم المنعم، والمسير الحقيقي، وهو الله سبحانه؛ فهم لا يستحقون المخاطبة؛ فاستعمل صيغة الغيبة.
وصف الرّيح في هذه الآية: بأنّها طيبة لينة، والقرآن عادة يأتي بكلمة ريح في سياق الدّمار، والشّر، وكلمة رياح في سياق الرّحمة، والخير، فكيف نفسر ذلك؟
الجواب: هو أن ننظر إلى ساعة إبحار الفلك، هل كانت الرّيح فعلاً عاصفة، أو هادئة طيبة؟ فلو كانت عاصفة لما أبحروا، وتركوا الشّاطئ؛ أي: فرحوا بالرّيح الطّيبة اللينة عند بدء رحلتهم في البحر؛ ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان نوع الفرح. ولما ابتعدوا عن السّاحل سرعان ما تحولت الرّيح الطّيبة اللينة إلى ريح عاصف؛ سريعة الهبوب، والجريان.
﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾: جاءتها؛ أي: الفلك؛ ريح عاصف: لا تحمل في طياتها إلا الدّمار، والهلاك، والغرق، واستعمل كلمة جاءتها بدلاً من أتاها؛ لأنّ المجيء هذا فيه صعوبة، ومشقة، ودمار؛ فالريح الطيبة لم تدم طويلاً.
﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾: والموج يبدأ من الأسفل، وهنا جاءهم من الأسفل، ومن كلّ جانب: الأمام، والخلف، واليمين، والشّمال.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾: وظنوا؛ أيْ: أيقنوا، والظّن هنا وصل إلى درجة اليقين، وأدركوا أنّهم أحيط بهم؛ وأحيط به تحمل معنيين:
ـ أحيط بهم مشتقة من إحاطة العدو بالبلد المُهاجم، وحين يحدث ذلك يعني: الهلاك، والدّمار للبلدة.
ـ وأحيط بهم: مشتقة من الإحاطة، وهي عدم وجود منفذ، أو ملجأ، أو منقذ، أو مخرج للنجاة، وهم في وسط البحر الهائج.
стр. 2027
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: لم يجدوا أحداً يدعونه؛ لينقذهم إلا إياه سبحانه، وعندها دعوا الله مخلصين له الدِّين: أقروا بوحدانية الله، وربوبيته، وأخلصوا بدعائهم، وتضرعهم، وتوسلهم.
﴿لَئِنْ﴾: اللام: للتوكيد؛ إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك.
﴿أَنجَيْتَنَا﴾: من هذه الريح، والغرق، والهلاك، وقالوا: أنجيتنا، ولم يقولوا لئن نجانا؛ أنجيتنا: تدل على السرعة؛ فهم يريدون النجاة بسرعة، وبقوة، ونجانا: تدل على البطء في النجاة، وأقل شدة.
﴿لَنَكُونَنَّ﴾: اللام: لام التّوكيد، والنون: نون النّسوة؛ لزيادة التّوكيد.
﴿مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: من: ابتدائية بعضية؛ على نعمك، أو الموحِّدين الشاكرين على إنقاذنا من الموت، والغرق.
سورة يونس [١٠: ٢٣]
﴿فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والمباشرة؛ لما: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حين.
﴿أَنجَاهُمْ﴾: من الغرق، والرّيح العاصفة بسرعة، وبقوة.
﴿إِذَا هُمْ﴾: إذا: الفجائية. هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿يَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: يبغون من البغي: وهو الظّلم، والفساد، والشّرك، وفعل المعاصي؛ أيْ: سارعوا إلى ما كانوا عليه من قبل.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: نداء بياء النّداء؛ الّتي تدل على البعد، والهاء: للتّنبيه.
﴿النَّاسُ﴾: من الإنس، والجن، والنّاس: مشتقة من النّوس؛ كثرة الحركة. ارجع إلى الآية (٢١) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
стр. 2028
﴿بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾: سوء العاقبة، أو وبال ظلمكم للناس، وشرككم، وفسادكم مردُّه على أنفسكم يوم القيامة، وفي الدّنيا.
﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: التّمتع بهذا الظّلم، والشّرك، والفساد، والمعاصي زائل، أو مقتصر على هذه الحياة الدّنيا؛ فلن يدوم طويلاً.
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾: ثمّ: تفيد التّرتيب، والتّراخي في الزّمن بعد البعث، والبرزخ.
﴿إِلَيْنَا﴾: تقديم الجار والمجرور؛ يفيد الحصر؛ أيْ: إلينا وحدنا عودتكم حتماً.
﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة بعد البعث مباشرة؛ فننبئكم، ونخبركم.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتّعليل؛ ما: بمعنى الّذي، أو مصدرية.
﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: كنتم في الدّنيا تعملون تشمل الأقوال، والأفعال من الشّرك، والبغي، والظلم، والفساد.
سورة يونس [١٠: ٢٤]
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾:
المناسبة: بعد قوله تعالى في الآية السّابقة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أيْ: لما كان سبب البغي على النّاس هو حرصكم على التمتع بنعيم الدّنيا الزائل، والفاني، وأكل أموال النّاس، والفساد في الأرض.
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد.
﴿مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: أيْ: حال هذه الحياة الدّنيا،
стр. 2029
ونعيمها؛ كماء: الكاف: للتشبيه، يشبه الماء، كماء أنزلناه من السّماء يشبه المطر النّازل من السّماء (أيْ: من السّحاب).
﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾: (أيْ: بماء المطر): نبات الأرض، والباء: للإلصاق، والاختلاط: هو تداخل الشّيء في الشّيء، مع عدم إمكانية فصلهما بعد الخلط، وبعد اختلاط الماء بالنّبات؛ تصبح الأرض مخضرة، والزّرع يغطي سطح الأرض.
﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ﴾: مما: من + ما؛ من: البعضية؛ ما: اسم موصول؛ يعني: الّذي يأكلّ النّاس من الحبوب، والقمح، والبقول، والثّمار … وغيرها، والأنعام من الكلأ، والحشيش.
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾: حتّى: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿إِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل، ويدل على حتمية الوقوع.
﴿أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾: بالورود، والأزهار، والنّباتات المختلفة، وزينت بالألوان المختلفة من ألوان الزّهور، والثّمار، والفواكه، والنّخيل. والزّخرف: هو الشّيء الجميل المنظر تُسر به النفس، وأصل الزّخرف: الذّهب، والفضة.
﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾: أيقن، وشعر أهلها أنهم قادرون عليها؛ أيْ: متمكِّنون من قطف ثمارها، ومحاصيلها الزّراعية من القمح، والحب.
﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾: أتاها قضاؤنا، وحكمنا بالهلاك، والتدّمير؛ أيْ: عذابنا.
﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾: أيْ: حين ينزل عذابنا على الكرة الأرضية قسم منها يكون في ليل ظلام، وقسم منها يكون في نهار؛ أي: حين يحل العذاب بأهل الأرض أو يأتيهم يأتي في وقت قسم من أهل الأرض نائم، وقسم غير نائم في حالة يقظة، وهذا يثبت كروية الأرض.
﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾: فجعلناها: الفاء: للترتيب، والتّعقيب. حصيداً: كالزّرع المحصود المقتلع، أو المستأصل.
стр. 2030
﴿كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾: أيْ: كأن لم تنعم بالأمس، أو تكون عامرة بالخيرات والحرث وبالمنازل وأهلها.
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: كذلك؛ أيْ: كهذا المثل الّذي يوضح حال الدّنيا، وغرورها، وسرعة زوالها، وتغيرها من الاخضرار إلى الاصفرار، ثمّ الحطام.
﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: ارجع إلى سورة الأنعام، آية (٥٥)؛ للبيان.
﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾: لقوم: اللام: لام الاختصاص. يتفكرون: ينظرون في الآيات، أو المعطيات؛ لكي يصلوا إلى الغاية، وهي التقوى، والنجاة من النّار.
سورة يونس [١٠: ٢٥]
﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾:
بعد أن ذكر أنّ الدّنيا متاع زائل وفانية، ها هو سبحانه يدعونا إلى ما هو أفضل من ذلك:
﴿دَارِ السَّلَامِ﴾: وهي الجنة ذات النّعيم الدّائم، ويرشدنا إلى كيفية الوصول إليها: بالإيمان الخالص، والعمل الصّالح.
وسمَّاها دار السّلام، والسّلام: هو اسم من أسماء الله الحسنى. ارجع إلى سورة الحشر، آية (٢٣)؛ للبيان.
وهي دار السّلامة من كلّ سوء، ودار الأمان، والاطمئنان.
﴿وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: فالله سبحانه يهدي الهداية الخاصَّة لهؤلاء الّذين استجابوا لربهم.
وأرادوا لأنفسهم الهداية؛ فهداهم الله إلى الجنة، وإلى الصّراط المستقيم: دين الإسلام؛ صراط الّذين أنعمت عليهم من الأنبياء، والصالحين.
стр. 2031
سورة يونس [١٠: ٢٦]
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾: اللام: لام الاختصاص، والتّوكيد. الّذين أحسنوا: إيمانهم: إحسان الكم، وإحسان الكيف؛ إحسان الكم: الزيادة في العدد؛ إحسان الكيف: يعبدوا الله سبحانه كأنهم يرونه، وإن لم يكن يرونه؛ فهو يراهم. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
ولهم ميزات تتجلَّى بقيام الليل، والعفو، والصّبر، والصّدق، والإنابة، والخوف، والخشية. والإحسان يشمل: العبادات، والمعاملات، والأخلاق، والإخبات، والإخلاص، والتّوكل، والرّضا، والحياء، والتّواضع.
﴿الْحُسْنَى﴾: على وزن فُعلَى، ومثلها: أفضل فُضلى، وأكبر: كبرى، ويسمَّى أفعل التفضيل، ويدل غالباً على شيئين اشتركا في المعنى، وزاد أحدهما على الآخر. والحسنى: قيل: هي الجنة، أو الجزاء في الآخرة، وقيل: هي الحسنة بعشر أمثالها.
﴿وَزِيَادَةٌ﴾: قيل: الزّيادة هي المغفرة والرّضوان، ورضوان من الله أكبر.
стр. 2032
وقيل: الزّيادة لذة النّظر إلى وجه الله الكريم؛ كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾: لا: النّافية، وجاءت لتأكيد النّفي؛ لأنّ لهم الحسنى؛ فكيف يرهق وجوههم قتر، ولا ذلة؟ جاءت للتأكيد؛ تأكيد ابتعادهم، ونجاتهم من النّار، وتذكير لهم بتلك الحسنى.
﴿وَلَا يَرْهَقُ﴾: لا يغشي، ولا يغطي وجوهَهَم قتر ولا ذلة. القتر: أصله من الدّخان الأسود الخارج من الشّواء، أو الفحم، والحطب … ونحوهما، وهو كذلك الهواء الّذي يمتلئ بدخان الدّهن المحترق من اللحم يصيب الوجه، فيؤدِّي إلى طبقة سوداء تسمَّى قترة، أو غبرة، وكلمة يرهق من رهقه يَرْهَقه؛ إذا غشيه بقهر؛ أيْ: لا خيار لهم بتجنُّب ذلك.
﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾: وتكرار لا: لتأكيد النفي، وفصل كلّاً من القتر عن الذّلة؛ أيْ: لا هذه، ولا تلك، ولا كلاهما، والذّلة: المذلة، والهوان، والصّغار؛ الّتي تبدو على وجوههم بمظهر الكآبة واليأس.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ ليدل على بعد منزلتهم العظيمة.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: أي: الملازمون للجنة؛ المقيمون فيها ملازمة الصّاحب لصاحبه، أو الإنسان لمنزله، والمالكون لجناتهم؛ فلا أحد يخرجهم منها.
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
стр. 2033
﴿خَالِدُونَ﴾: الخلود: هو استمرار البقاء، وعدم الفناء، والزّوال، ويبدأ من وقت دخولهم الجنة.
سورة يونس [١٠: ٢٧]
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
للذين أحسنوا الحسنى، وماذا للذين كسبوا السّيئات، أو مقابل الّذين أحسنوا هناك الّذين كسبوا السّيئات؛ ماذا عن حالهم؟
﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: عاطفة؛ الّذين: اسم موصول.
﴿كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾: ولم يقل: اكتسبوا السّيئات: الكسب تستعمل في الحلال، واكتسب على وزن افتعل؛ تستعمل في الحرام.
استعمل كسبوا بدلاً من اكتسبوا؛ لأنّهم استمروا، وألِفوا القيام بالسّيئات، واعتادوا عليها؛ فأصبح ارتكابها سهل، وأمر هيِّن عندهم، كما هو الحال في كسب الحلال عند غيرهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٨٦)؛ لمزيد من البيان.
والسّيئات: جمع سيئة، وهنا تعني: الكفر، والشّرك، والظّلم، وقد تعني: الصّغائر.
﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾: أيْ: من يكسب سيئة تكتب له سيئة واحدة، ويعاقب عليها بمثلها، ولا تضاعف له، الباء: للإلصاق.
﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.
стр. 2034
﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾: ما: النّافية؛ لهم: اللام: لام الاختصاص؛ من الله: من: ابتدائية استغراقية.
﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾: من: للتوكيد؛ عاصم: مانع، أو مُجير، أو منقذ من العذاب، أو سخط الله.
﴿كَأَنَّمَا﴾: الكاف: للتشبيه؛ أنما: تفيد التّوكيد.
﴿أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمًا﴾: أغشيت: غُطيت، وألبست؛ قِطْعاً: بكسر القاف، وتسكين الطّاء: هو اسم ما قُطع، أو قِطَعاً: بكسر القاف، وفتح الطّاء؛ وتعني: جمع قطعة، قِطعاً: نكرة تدل على التّهويل، والتّعظيم، من الليل مظلماً: قِطعاً من الليل الحالك السّواد، ولم يقل مظلمة؛ لأنّ في لفظ الذّكورة الشّدة، والقوة في السّواد.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب.
﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة البقرة.
سورة يونس [١٠: ٢٨]
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾:
﴿نَحْشُرُهُمْ﴾: الحشر: هو السّوق إلى أرض المحشر للحساب، والجزاء، والجمع (جمع الخلائق في أرض المحشر)، ويتم بعد النّشر: وهو إحياء الموتى، ثمّ البعث من القبور: الإيقاظ، والتّهيج، والتّحريض على الخروج من الأجداث، إذن يحدث النّشر، ثمّ البعث، ثمّ الحشر.
стр. 2035
﴿جَمِيعًا﴾: جمع الخلائق: العابد، والمعبود؛ الّذين أشركوا ورؤساؤهم وسادتهم، والذّين اتَّبَعوا، والّذين اتُّبِعوا، وأولاهم، وأخراهم، وجميعاً: تفيد التّوكيد؛ توكيد الحشر جميعاً، فكلّ معبود سيواجه، أو يحشر مع الّذي عبده؛ فالأصنام مثل: اللات، والعزى، ومناة الثّالثة: تحشر مع عبدتها المشركين، والملائكة مع الّذين عبدوهم (عبدة الملائكة)، الكواكب (الشّمس والقمر) مع الّذين عبدوها مثل الصابئة؛ عيسى ﵇ مع الّذين عبدوه، أو أشركوه كإله، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، والأولياء، والزّعماء، والرّؤساء مع الّذين اتَّبعهم من الضعفاء.
﴿ثُمَّ﴾: للتوكيد، والتّرتيب الذّكري، أو ترتيب الحوادث.
﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾: أي: الزموا مكانكم، ولا تتحركوا منه أنتم وشركاؤكم الّذين اتخذتموهم آلهة مع الله.
﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾: الفاء: تدل على التّعقيب، والمباشرة. زيلنا بينهم: فرقنا بينهم بين التّابعين، والمتبوعين، وبين العابدين، والمعبودين، وبذلك نقطع الصّلات بينهم.
﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: شركاؤهم: جمع شريك، والشّركاء: هم من الملائكة، وعيسى، وعزير الأنبياء؛ فكلّ هؤلاء يتبرَّؤون ممن عبدوهم؛ لأنّهم لم يأمروهم، ولا علم لهم بهذا الشّرك، ولم يدعوهم إليه.
فالأصنام، والكواكب أصلاً لا تتكلم، ولا تأمر، ولا تنهى، والّذي وسوس وزين لعبادتها هم الشّياطين، وتقول الملائكة، وعيسى، وعزير: ما كنتم تعبدوننا بعلمنا، فالملائكة، والأنبياء، والكواكب، والأوثان، والأصنام الّتي عُبدت من
следующие страницы →