← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

سورة يونس [١٠: ٢٦] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾: اللام: لام الاختصاص، والتّوكيد. الّذين أحسنوا: إيمانهم: إحسان الكم، وإحسان الكيف؛ إحسان الكم: الزيادة في العدد؛ إحسان الكيف: يعبدوا الله سبحانه كأنهم يرونه، وإن لم يكن يرونه؛ فهو يراهم. ارجع إلى الآية (١١٢) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ولهم ميزات تتجلَّى بقيام الليل، والعفو، والصّبر، والصّدق، والإنابة، والخوف، والخشية. والإحسان يشمل: العبادات، والمعاملات، والأخلاق، والإخبات، والإخلاص، والتّوكل، والرّضا، والحياء، والتّواضع. ﴿الْحُسْنَى﴾: على وزن فُعلَى، ومثلها: أفضل فُضلى، وأكبر: كبرى، ويسمَّى أفعل التفضيل، ويدل غالباً على شيئين اشتركا في المعنى، وزاد أحدهما على الآخر. والحسنى: قيل: هي الجنة، أو الجزاء في الآخرة، وقيل: هي الحسنة بعشر أمثالها. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: قيل: الزّيادة هي المغفرة والرّضوان، ورضوان من الله أكبر.

стр. 2032

وقيل: الزّيادة لذة النّظر إلى وجه الله الكريم؛ كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾: لا: النّافية، وجاءت لتأكيد النّفي؛ لأنّ لهم الحسنى؛ فكيف يرهق وجوههم قتر، ولا ذلة؟ جاءت للتأكيد؛ تأكيد ابتعادهم، ونجاتهم من النّار، وتذكير لهم بتلك الحسنى. ﴿وَلَا يَرْهَقُ﴾: لا يغشي، ولا يغطي وجوهَهَم قتر ولا ذلة. القتر: أصله من الدّخان الأسود الخارج من الشّواء، أو الفحم، والحطب … ونحوهما، وهو كذلك الهواء الّذي يمتلئ بدخان الدّهن المحترق من اللحم يصيب الوجه، فيؤدِّي إلى طبقة سوداء تسمَّى قترة، أو غبرة، وكلمة يرهق من رهقه يَرْهَقه؛ إذا غشيه بقهر؛ أيْ: لا خيار لهم بتجنُّب ذلك. ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾: وتكرار لا: لتأكيد النفي، وفصل كلّاً من القتر عن الذّلة؛ أيْ: لا هذه، ولا تلك، ولا كلاهما، والذّلة: المذلة، والهوان، والصّغار؛ الّتي تبدو على وجوههم بمظهر الكآبة واليأس. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: أولئك: اسم إشارة، واللام: للبعد؛ ليدل على بعد منزلتهم العظيمة. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: أي: الملازمون للجنة؛ المقيمون فيها ملازمة الصّاحب لصاحبه، أو الإنسان لمنزله، والمالكون لجناتهم؛ فلا أحد يخرجهم منها. ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.

стр. 2033

﴿خَالِدُونَ﴾: الخلود: هو استمرار البقاء، وعدم الفناء، والزّوال، ويبدأ من وقت دخولهم الجنة. سورة يونس [١٠: ٢٧] ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: للذين أحسنوا الحسنى، وماذا للذين كسبوا السّيئات، أو مقابل الّذين أحسنوا هناك الّذين كسبوا السّيئات؛ ماذا عن حالهم؟ ﴿وَالَّذِينَ﴾: الواو: عاطفة؛ الّذين: اسم موصول. ﴿كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾: ولم يقل: اكتسبوا السّيئات: الكسب تستعمل في الحلال، واكتسب على وزن افتعل؛ تستعمل في الحرام. استعمل كسبوا بدلاً من اكتسبوا؛ لأنّهم استمروا، وألِفوا القيام بالسّيئات، واعتادوا عليها؛ فأصبح ارتكابها سهل، وأمر هيِّن عندهم، كما هو الحال في كسب الحلال عند غيرهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٨٦)؛ لمزيد من البيان. والسّيئات: جمع سيئة، وهنا تعني: الكفر، والشّرك، والظّلم، وقد تعني: الصّغائر. ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾: أيْ: من يكسب سيئة تكتب له سيئة واحدة، ويعاقب عليها بمثلها، ولا تضاعف له، الباء: للإلصاق. ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة.

стр. 2034

﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾: ما: النّافية؛ لهم: اللام: لام الاختصاص؛ من الله: من: ابتدائية استغراقية. ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾: من: للتوكيد؛ عاصم: مانع، أو مُجير، أو منقذ من العذاب، أو سخط الله. ﴿كَأَنَّمَا﴾: الكاف: للتشبيه؛ أنما: تفيد التّوكيد. ﴿أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمًا﴾: أغشيت: غُطيت، وألبست؛ قِطْعاً: بكسر القاف، وتسكين الطّاء: هو اسم ما قُطع، أو قِطَعاً: بكسر القاف، وفتح الطّاء؛ وتعني: جمع قطعة، قِطعاً: نكرة تدل على التّهويل، والتّعظيم، من الليل مظلماً: قِطعاً من الليل الحالك السّواد، ولم يقل مظلمة؛ لأنّ في لفظ الذّكورة الشّدة، والقوة في السّواد. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب. ﴿أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٩) من سورة البقرة. سورة يونس [١٠: ٢٨] ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾: الحشر: هو السّوق إلى أرض المحشر للحساب، والجزاء، والجمع (جمع الخلائق في أرض المحشر)، ويتم بعد النّشر: وهو إحياء الموتى، ثمّ البعث من القبور: الإيقاظ، والتّهيج، والتّحريض على الخروج من الأجداث، إذن يحدث النّشر، ثمّ البعث، ثمّ الحشر.

стр. 2035

﴿جَمِيعًا﴾: جمع الخلائق: العابد، والمعبود؛ الّذين أشركوا ورؤساؤهم وسادتهم، والذّين اتَّبَعوا، والّذين اتُّبِعوا، وأولاهم، وأخراهم، وجميعاً: تفيد التّوكيد؛ توكيد الحشر جميعاً، فكلّ معبود سيواجه، أو يحشر مع الّذي عبده؛ فالأصنام مثل: اللات، والعزى، ومناة الثّالثة: تحشر مع عبدتها المشركين، والملائكة مع الّذين عبدوهم (عبدة الملائكة)، الكواكب (الشّمس والقمر) مع الّذين عبدوها مثل الصابئة؛ عيسى ﵇ مع الّذين عبدوه، أو أشركوه كإله، أو ابن إله، أو ثالث ثلاثة، والأولياء، والزّعماء، والرّؤساء مع الّذين اتَّبعهم من الضعفاء. ﴿ثُمَّ﴾: للتوكيد، والتّرتيب الذّكري، أو ترتيب الحوادث. ﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾: أي: الزموا مكانكم، ولا تتحركوا منه أنتم وشركاؤكم الّذين اتخذتموهم آلهة مع الله. ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾: الفاء: تدل على التّعقيب، والمباشرة. زيلنا بينهم: فرقنا بينهم بين التّابعين، والمتبوعين، وبين العابدين، والمعبودين، وبذلك نقطع الصّلات بينهم. ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾: شركاؤهم: جمع شريك، والشّركاء: هم من الملائكة، وعيسى، وعزير الأنبياء؛ فكلّ هؤلاء يتبرَّؤون ممن عبدوهم؛ لأنّهم لم يأمروهم، ولا علم لهم بهذا الشّرك، ولم يدعوهم إليه. فالأصنام، والكواكب أصلاً لا تتكلم، ولا تأمر، ولا تنهى، والّذي وسوس وزين لعبادتها هم الشّياطين، وتقول الملائكة، وعيسى، وعزير: ما كنتم تعبدوننا بعلمنا، فالملائكة، والأنبياء، والكواكب، والأوثان، والأصنام الّتي عُبدت من

стр. 2036

دون الله تعالى تعلن رفضها لمسألة عبادتها، ويبقى إبليس وذريته شياطين الجن وأولياؤهم من الإنس والسّادة والكبراء، والضّعفاء؛ فهؤلاء سنرى كيف يتحاجُّون في النّار في آيات أخرى. سورة يونس [١٠: ٢٩] ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾: الفاء: للتوكيد، كفى بالله: الباء: للتوكيد أيضاً. شهيداً: وحكماً بيننا وبينكم؛ أيْ: إنّا لم نأمركم بعبادتنا، هذا هو قول الشركاء، أو ندعوكم إلى ذلك، والشّهيد: صيغة مبالغة من شاهد. ارجع إلى الآية (١٣٣) من سورة البقرة؛ لبيان معنى الشّهيد. وتقديم شهيداً على بيننا وبينكم جاء على الأصل، ولكن أحياناً قد يؤخر شهيداً على بيني وبينكم كما جاء في سورة العنكبوت آية (٥٢) ارجع إلى سورة العنكبوت للبيان. ﴿إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾: إن: تفيد التّوكيد؛ عن عبادتكم لغافلين؛ أيْ: ما كنَّا نعلم بعبادتكم لنا، واللام في لغافلين: لام الاختصاص؛ للتوكيد. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمعرفة معنى: غافلين. سورة يونس [١٠: ٣٠] ﴿هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ﴿هُنَالِكَ﴾: ظرف زمان، أو ظرف مكان، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب، في ذلك الوقت، أو ذلك المكان؛ موقف الحشر، أو زمن الحشر. ﴿تَبْلُوا﴾: تُخبر، أو تُعْلَمُ كلُّ نفس، أو ترى كلُّ نفس جزاء أعمالها.

стр. 2037

﴿مَا أَسْلَفَتْ﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي. أسلفت: ما قدَّمت من عمل صالح، أو سيِّئ، أو عمل قبيح، أو حسن مقبول، أو مردود. والبَلْو: هو الاختبار؛ بَلْوته؛ أي: اختبرته، وأصله من بَلِيَ الثّوب بلاءً؛ إذا خَلَق من كثرة اختباره؛ أيْ: لبسه وغسله، وهناك قراءة أخرى تستبدل الباء بالتاء؛ فبدلاً من قراءة تبلوا تقرأ تتلوا؛ فيكون المعنى: هنالك تتلوا كلُّ نفس ما أسلفت؛ أيْ: تقرأ كلُّ نفس كتاب أعمالها. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ﴾: الرّد: العودة إلى مكان، وأنت مجبر على ذلك، وذلك في الآخرة؛ أي: أُرجعوا إلى الله مولاهم الحقّ من دون خيار للحكم، والقصاص. ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾: المولى ربهم المتولي أمورهم حقاً، والحق الثّابت الدّائم الّذي لا يتغيَّر. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾: وهذا يعني: أنّه كان لهم مولى في الدّنيا (غير الحقّ)؛ مولى باطل. المولى الباطل، أو غيرّ الحقّ في الدّنيا: هم الشّركاء الّذين اتخذوهم أولياء، وعبدوهم، واتخذوهم آلهة، وهذا يؤيِّده قوله: وأنّ الكافرين لا مولى لهم؛ (في الدّنيا)، ولا مولى لهم (لا معين ولا نصير في الآخرة)، ويوم القيامة يردُّون إلى المولى الحقّ. ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: ضل: تاه وغاب، ولم يعودوا يجدون هؤلاء الشّركاء، والشّفعاء، والأولياء الّذين سيقرِّبوهم إلى الله زلفى، أو يشفعوا لهم.

стр. 2038

﴿مَا﴾: اسم موصول بمعنى الّذي. ﴿كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمد المختلق من شفاعة هذه الآلهة لهم، أو يمنعوهم من العذاب، أو يقربوهم من الله زلفى؛ فكلّ ذلك كان كذباً مفترى. سورة يونس [١٠: ٣١] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: المناسبة: بعد ذكر الشّركاء والرّد إلى مولاهم الحقّ في الآخرة؛ يأتي بعدد كبير من الأدلة، والبراهين؛ الدالة على أن الله هو الإله الحقّ، واجب الوجود؛ الّذي يستحق أن يُعبد، وأنه لا شريك له. ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ ، أو اسألهم: من يرزقكم من السّماء والأرض؟ ﴿مَنْ﴾: ابتدائية. ﴿السَّمَاءِ﴾: تضم السّموات، وكلّ ما علاك، والرزق من السّماء؛ يعني: الغيث، أو الماء الّذي ينبت به الزّرع، والزّيتون، والنّخيل، والأعناب، ومن كلّ الثمرات، ومنه الشّراب، ومنه الشّجر، والرزق من السماء؛ يعني: الحديد … وغيرها من المعادن الّتي تنزل على الأرض من تفجر النيازك، والأجرام. ومن الأرض: من حبوب، وثمار، وفاكهة، وخضروات، ومعادن، وبترول، وذهب، وفضة … وغيرها.

стр. 2039

﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾: أم + من. أم: للإضراب الانتقالي، والاستفهام. من: اسم موصول. ﴿يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾: أيْ: يملكها حقاً؛ لأنّه قادر على تعطيلها بمرض، أو غير مرض بحيث لا تعد تسمع، ولا تبصر؛ كالعمى، والصّمم، وهو قادر على تشغيلها، وهدايتها، والقيام بما سخِّرت له؛ فالسّمع، والبصر … وغيرها هي كلّها ودائع عند الإنسان؛ حتّى يموت، ويبعث، وهو ليس بمالكها الحقيقي، وإنّما سخِّرت له. ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ﴾: ارجع إلى الآية (٢٧) من سورة آل عمران، والآية (٩٥) من سورة الأنعام؛ للبيان. فاللهُ سبحانه قادر على أن يخرج الحي من الميت، والميت من الحي، والحي من الحي؛ لا يعجزه شيء، والحقيقة ليس هناك شيء ميت؛ أيْ: لا حياة فيه؛ لأنّ النّبات، والجماد، وكلّ ما خلق الله له حياة، وإنّما يقصد بالميت الّذي لا يتحرَّك بالعين المجرَّدة، وهذا تقريب لما تعارف عليه النّاس. ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: ومن يدبِّر: كلّ شيء، وكلّ أمر بالخلق، والجعل، والملك للتسخير، والعمل، والتّحريك، والتّعطيل، أو التّصريف، والتّحويل … وغيرها. وقدَّم السّمع على البصر، وأفرد السّمع وجمع البصر (الأبصار): ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧)، وسورة الملك، آية (٢٣)؛ للبيان.

стр. 2040

وخصّ هاتين الحاستين بالذِّكر؛ لأنّهما أهم حواس الإدراك، والعلم المؤدِّية إلى الإيمان، أو الكفر، والهداية، أو الضّلال. ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: فسيقولون الله: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والتّوكيد؛ سيقولون: السّين: للاستقبال، والتّرتيب؛ أي: الإجابة مباشرة. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: للتوكيد. ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: الهمزة استفهامية، ألا: أداة حضٍّ، وتحريض، وتنبيه، أفلا تتقون: تطيعون أوامره، وتتجنَّبوا نواهيه، وتكفوا، وتتجنَّبوا الشّرك بالله، أو أفلا تحذرون عقابه، وتتقون سخطه، وغضبه. سورة يونس [١٠: ٣٢] ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: ﴿فَذَلِكُمُ﴾: الفاء: للتوكيد، ذلكم: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف للخطاب؛ ذلكم: اسم إشارة يشير إلى القائم بالأفعال الكثيرة؛ كالرّزق، وملكية السّمع، والأبصار، والقدرة على إخراج الحي من الميت، والميت من الحي، وتدبير الأمر هو الله ربكم الحقّ: جمع الألوهية والرّبوبية معاً؛ إشارة إلى أنّ من يفعل كلّ ذلك هو إله واحد، ورب واحد هو الحقّ، وما سواه هو الضّلال، أو الباطل. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾: فماذا: الفاء: للتوكيد، ماذا: اسم استفهام فيه معنى النّفي، وأقوى في النّفي من ما، أو ماذا= ما+ ذا. ما: اسم استفهام، وذا اسم موصول. ﴿بَعْدَ﴾: ظرف زمان ومكان.

стр. 2041

﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿الضَّلَالُ﴾: أي: الباطل، أو الهلاك. ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: فأنى: الفاء: عاطفة؛ أنى: كيف، أو من أين، وفيها معنى التّعجب، والاستفهام. ﴿تُصْرَفُونَ﴾: أيْ: كيف انصرفتم عن الحقّ إلى الضّلال؟ كيف تركتم الحق واتبعتم الباطل، وعن التّوحيد إلى الشّرك؟ سورة يونس [١٠: ٣٣] ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿كَذَلِكَ﴾: أيْ: كما حقت الألوهية، والرّبوبية لله وحده؛ حقت كلمته (وعده) للذين فسقوا أنّهم لا يؤمنون، وكما انصرفوا عن الحقّ إلى الضّلال، وعن التّوحيد إلى الشّرك حقت كلمة ربك (أيْ: وجبت وسبقت). ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: وعده، وقضائه، وعذابه؛ حق على الّذين فسقوا؛ خرجوا عن طاعة الله والإيمان. ﴿أَنَّهُمْ﴾: أنَّ: للتوكيد، هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ: يموتون، وهم كافرون، وهذا ما اختاروه لأنفسهم، واستمرُّوا عليه، ولم يتوبوا.

стр. 2042

سورة يونس [١٠: ٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: أي: اسألهم، والخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ يسأل المشركين. ﴿هَلْ﴾: استفهام يحمل معنى التّقرير، والتّوبيخ. ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾: من: استغراقية تشمل كلَّ الشّركاء: الآلهة، والأصنام، والأوثان، والملائكة، والكواكب أيِّ شريك. ﴿مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: من: ابتدائية. ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾: يخلق، والخلق: هو التّقدير، والإيجاد، خلق ابتداء من العدم، أو من شيء. ارجع إلى سورة الأنعام، آية (١)؛ لبيان معنى الخلق. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: ثمّ: للترتيب، والتّراخي في الزّمن. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾: بالبعث من جديد. ﴿قُلِ اللَّهُ﴾: هذا هو الجواب؛ أيْ: قل لهم يا رسول الله ﷺ : الله الّذي يبدأ الخلق، ثمّ يعيده؛ إذا كانوا لا يعرفون الإجابة على هذا السّؤال؛ عندها قل لهم: إنّه الله وحده، أمّا إذا عرفوا الإجابة، وهذا هو المفروض، وقالوا لك: الله، فلماذا إذن لا يؤمنون بالله وحده، وأمّا إذا أرادوا أن يكذبوا على أنفسهم، ويفتروا على الله الكذب، ويقولون: غير الله؛ فقل لهم: أنّى تؤفكون. ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾: أنّى: تحمل معنى الاستفهام، وتحمل معنى كيف، ومن أين، وتحمل التّعجب.

стр. 2043

﴿تُؤْفَكُونَ﴾: تصرفون عن الحقّ إلى الباطل، أو الكذب؛ تقلبون الحقيقة باطلاً، أو تكذبون كذباً عمداً، ومختلقاً، أو كيف تصرفون عن التّوحيد إلى الكذب، والباطل (وهو الشّرك)، وفيه معنى التّعجب؛ يقال: أفكه عن الشّيء: صرفه عنه وقلبه. سورة يونس [١٠: ٣٥] ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّى إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: اسألهم يا محمّد ﷺ : هل: استفهام إنكاري. ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾: من هنا: استغراقية؛ تشمل كلّ الشّركاء: الملائكة، والإنس أمثال: عيسى، وعزير، والأصنام، والكواكب. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي. ﴿يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ﴾: الحقّ: هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغيَّر (ضد الباطل)، والحقّ هنا يعني: الصّراط المستقيم، وهو دين الله (الإسلام)، يهدي إلى الحقّ: التّعدِّي هنا بإلى؛ أيْ: من يستطيع أن يهدي إنساناً سائراً في طريق الضّلال، والباطل، يهديه للعودة والسّير على طريق الحقّ، أو هو خارج عن الصّراط المستقيم يستطيع أن يعيده للسير عليه. ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ﴾: إذا أجابوك، وقالوا: الله؛ فذلك المطلوب، إذا لم يجيبوك على سؤالك عندها قل لهم: الله سبحانه يهدي إلى الحق؛ أيْ: قادر على أن يهدي الضّال الخارج عن الحقّ، وعن الصّراط المستقيم إلى الحقّ، وإلى الصّراط المستقيم، وليس فقط ذلك، بل هو قادر على أن يهدي للحقّ؛ أيْ: يهدي الإنسان، ويوصله إلى غايته، ونهاية الغاية (خاتمة الهداية)، وقيل: هي الجنّة؛ فالهداية إلى الصّراط المستقيم تكون على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: الهداية إلى الصّراط المستقيم: اهدنا إلى الصّراط

стр. 2044

المستقيم؛ أي: الإنسان خارج عن الحقّ، والصّراط المستقيم، وسائر في طريق الضّلال، والغي، ويدعو الله أن يهديه إلى الصّراط المستقيم. المرحلة الثّانية: أي: اهدنا الصّراط المستقيم؛ أي: الإنسان سائر على الصّراط المستقيم الآن، ويطلب من الله أن يثبته على الصّراط المستقيم حتّى يصل إلى النّهاية والغاية. المرحلة الثّالثة: الهداية للصّراط المستقيم: اهدنا للصراط المستقيم؛ أيْ: وصلوا إلى النهاية؛ نهاية الصّراط؛ أي: الغاية. فالله يهدي إلى الحقّ، وكذلك يهدي للحقّ للوصول للغاية القصوى. ﴿أَفَمَنْ يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّى إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾: أفمن: الهمزة: للاستفهام التّقريري، والإلزام، والتّوبيخ. ﴿يَهْدِى إِلَى الْحَقِّ﴾: سبق تفسيره. ﴿أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾: فيما يأمر به، وينهى عنه، أو يُتبع منهجه، وما يدعو إليه. ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّى﴾: كالأصنام، والأوثان، والآلهة. ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾: كلمة ﴿لَا يَهِدِّى﴾: فيها تضعيف؛ يفيد المبالغة، والتّكثير؛ أصلها: لا تهتدي؛ فالأصنام، أو الأوثان الّتي هي حجارة لا تستطيع أن تهدي نفسها؛ لأنّها لا تفهم، ولا تعقل، فكيف تهدي غيرها ممن يعبدونها، وغيرها لا يستطيع أن يهديها، ولو أراد ذلك. ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾: أيْ: ماذا أصاب عقولكم؛ لتحكموا بهذا الحكم الباطل. ﴿فَمَا﴾: الفاء: استئنافية. ما: اسم استفهام للتوبيخ، والإنكار. ﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: أنتم خاصَّة.

стр. 2045

﴿كَيْفَ﴾: للاستفهام، والتّعجب من هذا الأمر العجيب، العاقل يطلب من غير العاقل أن يهديه، فهذا من منتهى الضلال. ﴿تَحْكُمُونَ﴾: فأيُّ حكم هذا، ساء ما تحكمون: وهو اتِّباع من لا يهدي، وترك عبادة من يهدي إلى الحقّ. سورة يونس [١٠: ٣٦] ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية. ما: النّافية للحال؛ أيْ: تنفي الحال، ولو استعمل لا؛ أيْ: ولا يتبع أكثرهم إلا ظناً؛ لنفي المستقبل. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا﴾: أيْ: إنّ الأكثرية تتبع مجرَّد الظّن، والأقلية الباقية لا يفعلون ذلك، والظّن: هو التردد الرّاجح، فهم حين يقولون: إن هذه الآلهة تشفع لهم، أو تقرِّبهم عند الله زلفى، أو تمنعهم من عذاب الله هذا اعتقاد مرجّح عندهم؛ رغم أنه باطل. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾: والشيء: هو أقل القليل. وشيئاً: نكرة تعني: أي شيء مهما كان. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿إِنَّ الظَّنَّ﴾: لا يُكتفى به في العقائد، والعبادات، فهي تُبنى على اليقين، والعلم، والصّواب. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من عالم؛ أيْ: كثير العلم. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. ﴿يَفْعَلُونَ﴾: يقومون به من شرك، وتكذيب. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾: فيها تهديد ووعيد، وأنّه سيجازيهم على ذلك.

стр. 2046

سورة يونس [١٠: ٣٧] ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾: هذا جزء من الرّد على سؤالهم لرسول الله ﷺ : ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾. ﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة؛ للقرب. ﴿هَذَا الْقُرْآنُ﴾: كلمة القرآن مشتق من القراءة، ولنتمكن من قراءته يجب أن يكون قريباً. ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾: ما: النافية، ما يصح، وما يحق. ﴿أَنْ﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التّوكيد. ﴿يُفْتَرَى﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمَّد المختلق. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله. ﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك؛ يفيد التّوكيد. ﴿تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أيْ: مصدقاً، ومؤيِّداً لما سبقه من الكتب السّماوية: كالتّوراة، والإنجيل. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾: بيان للأحكام، والشّرائع، والفرائض. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا: النّافية للجنس. الرّيب: هو الشّك+ التّهمة؛ فالمشركون مع شكِّهم بالقرآن بأنه منزل من رب العالمين كانوا يتَّهمون النّبي ﷺ بأنّه هو الّذي افتراه، أو أعانه عليه قوم آخرون. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أيْ: منزل من ربّ العالمين وحدَه سبحانه لا غير.

стр. 2047

سورة يونس [١٠: ٣٨] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾: أم: بمعنى: بل؛ أيْ: يقولون افتراه، وجاء بصيغة المضارع في قوله: يقولون، بدلاً من قالوا؛ لأنّ قولهم لم ينقطع، وهو يتكرَّر ويتجدَّد؛ فجاء الرد والتحدي على الإتيان بسورة مثله في سورة يونس وكان ذلك في مكة؛ أي: سورة واحدة، واشتد التحدي بعد ذلك في المدينة فجاء الرد والتحدي بسورة من مثله كما في سورة البقرة آية (٢٣)؛ أي: الإتيان بأي سورة تشبه سورة القرآن من البقرة إلى سورة الناس. ارجع إلى الآية (٢٣) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ادعوا من استطعتم من الإنس، أو الجن؛ ليشهد أنّه اختلقه، أو افتراه، وفي آية البقرة (٢٣) قال سبحانه: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، شهداءَكم: خاصَّة بالشّهداء؛ أي: الّذين رأوا بأم أعينهم أن رسول الله ﷺ اختلقه: افتراه. بينما قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُم﴾: عامة تشمل الشّهداء، وغيرهم، والتّحدي أكبر، ومطلق في قوله: من استطعتم. ﴿إِنْ﴾: شرطية؛ تفيد النّدرة، أو الاحتمال. ﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: أنّه افتراه، واختلقه. سورة يونس [١٠: ٣٩] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب انتقالي. ﴿كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾: بما لم يحيطوا بعلمه: لها تفسيرات عدَّة: ١ - أي: كذبوا بالقرآن قبل أن يتدبَّروه، أو يفهموا معانيه، أو يدركوا ما جاء فيه من

стр. 2048

أمر، أو نهي، كذبوا به بمجرد سماعه من رسول الله ﷺ ، ولم يكتفوا بذلك، بل اتَّهموا رسول الله ﷺ بأنّه افتراه. ٢ - كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه بالجنة، والنّار، والبعث، والجزاء. ﴿بِمَا لَمْ﴾: الباء: للإلصاق؛ ما: اسم موصول؛ كذبوا بالّذي لم يحيطوا بعلمه. ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾: لما: نافية تنفي الحدث إلى ساعة الكلام، أو الحاضر. ﴿يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾: كذبوا بالقرآن، ولم يكن عندهم علم تأويله. ﴿تَأْوِيلُهُ﴾: قيل: تفسيره؛ أيْ: كذبوا بالقرآن، ولم يأتهم تفسيره بعد (لم ينتظروا تفسيره)، كذبوا به قبل أن يتبيَّن لهم أهو كذب أم صدق، أو كذبوا به قبل أن يخبروا أخباره، والمغيبات الّتي ذكرت لهم في القرآن، ولما يأتهم ما وعدوا به من الوعيد. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: كذلك: أيْ: كما كذَّب مشركو مكّة بالرّسول ﷺ كذَّب الّذين من قبلهم برسلهم، وبما جاؤوا به، والتّكذيب بالرّسل؛ أيْ: بالمعجزات الدّالة على صدق رسالتهم. ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: الفاء: للتّعقيب، والتّرتيب؛ أيْ: لا تتأخر بالتّفكر والنّظر في عاقبة الظّالمين. ﴿كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾: عذاب الظالمين، فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً، أو أخذته الرّجفة، أو خسفنا به الأرض، أو أهلكنا بالغرق … وغيره. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٦) لبيان معنى العاقبة. ﴿عَاقِبَةُ﴾: من التّعقب؛ أي: المباشرة، ومن دون تأخر. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: قمة الظّلم: الشّرك بالله، وإعطاء الألوهية لغير الله، وظلم النّاس، وظلم النّفس: وهي حين تخرج عن منهج الله تعالى، وتصبح ضالة جائرة، وتورد الهلاك.

стр. 2049

سورة يونس [١٠: ٤٠] ﴿وَمِنْهُم مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾: ومنهم؛ أيْ: من المكذبين الظّالمين المشركين. ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾: أيْ: بالقرآن، وقد تعود إلى محمّد ﷺ ، والقرآن، أو محمّد ﷺ شيء واحد. السّؤال هنا: كيف يؤمن به، وهو مكذب، أو ظالم، أو مشرك. ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾: من: للتوكيد، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع. ﴿يُؤْمِنُ بِهِ﴾: أيْ: يكذب بلسانه، ويخفي الإيمان في قلبه (بأن القرآن من عند الله، وأنّه صدق أو أنّ محمّداً رسول الله)، ولكن العناد، والحقد، والحسد والمكابرة تمنعه من إعلان إيمانه، تفسير ثانٍ: أنه سيؤمن به في المستقبل. ﴿وَمِنْهُم مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾: يستمر في الشّك، والتّكذيب بلسانه وبقلبه. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾: المفسدين؛ أي: المكذبين المصرون على العناد، والتّكذيب، وعدم الإيمان. سورة يونس [١٠: ٤١] ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِاءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾: الواو: عاطفة؛ إن: شرطية تفيد الشك أو الاحتمال، ولم يقل: وإذا كذبوك تفيد الحتمية. ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾: كذبوك: بصيغة الماضي؛ لأنّ التّكذيب هنا يدل على حادثة معينة واحدة (وهي قولهم: افتراه)، ولم يقل: وإن يكذبوك بصيغة المضارع الّتي تدل على التّجدد، والتّكرار، والاستمرار. ﴿فَقُلْ﴾: الفاء: للتوكيد. ﴿لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾: أيْ: أبلغهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ولمقارنة قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾: ارجع إلى الآية (١٨٤) من سورة آل عمران، وسورة الأنعام، آية (٣٣)؛ لمزيد من البيان، والمقارنة.

стр. 2050

سورة يونس [١٠: ٤٢] ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾: ﴿وَمِنْهُم﴾: تعود على المكذبين، والّذين قالوا: افتراه، ومن الّذين لا يؤمنون. ﴿مَنْ﴾: للتوكيد، وتشمل المفرد، والمثنى، والجمع. ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: يستمعون إليك: إذا قرأت القرآن، ويستمعون، ولم يقل: يسمعون؛ يستمع: هو الّذي يسمع عمداً؛ أيْ: يقصد الاستماع، أو السّمع؛ أما يسمعون: من يسمع: هو الّذي يسمع عرضاً من دون نية، أو قصد. ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: لا لغرض الهداية، وإنما للطعن في القرآن، والاستهزاء به، أو التّكذيب، واللغو فيه. ﴿يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾: تدل على كثرة المستمعون، ولم يقل: ومنهم من يستمع إليك: تدل على قلة المستمعون كما قال تعالى في الآية (٤٣) القادمة، ومنهم من ينظر إليك التي تدل على الإفراد الذي يدل على القلة مقارنة بالجمع الذي يدل على الكثرة كما في هذه الآية (٤٢)، كما ورد في سورة الأنعام، الآية (٢٥)؛ حيث كان المستمعون (٥ - ٧) نفر كما قال ابن عباس. ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: للاستفهام الإنكاري؛ تفيد النّفي، والتّعجب. ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾: والأصم هنا يعني: الّذي يصل الكلام إلى أذنيه، ويسمعه، ولكنه لا ينتفع بما يسمع؛ فكأنه مصاب بالصّمم. ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾: الواو: العاطفة، لو: شرطية، لا: النّافية. ﴿يَعْقِلُونَ﴾: أضاف عدم الفهم، أو العقل إلى مرض الصّمم.

стр. 2051

سورة يونس [١٠: ٤٣] ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾: ﴿وَمِنْهُم مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾: ومنهم: تعود على المشركين. ﴿يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾: نظرة تعجب أأنت النّبي المختار، والنّظر هنا يعني: التأمل، والتفكر، ولا يصدقونك. ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: همزة استفهام؛ تفيد النّفي المشوب بالتّعجب. ﴿تَهْدِى الْعُمْىَ﴾: أيْ: أأنت يا رسول الله تستطيع أن تهدي من عُمي على بصيرته. ﴿تَهْدِى الْعُمْىَ﴾: العُمي: جمع أعمى، والأعمى: هو المصاب بعمى البصيرة (عمى القلب). ﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة؛ لو: شرطية. ﴿كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾: لا: النّافية؛ يبصرون: من البصر: وهو الرؤيا بالعين، ويعني: البصيرة، والبصيرة: منطقة بالدّماغ هي منطقة الإدراك، والوعي؛ فهم رغم كونهم يرون بأعينهم الأشياء الحسية؛ فهم فقدوا بصرهم الحقيقي، والبصيرة حين لم يؤمنوا، واتبعوا الباطل. وقوله سبحانه: فمنهم من ينظر إليك، ولم يقل: ينظرون إليك؛ ينظر إليك: تدل على قلة الفئة النّاضرة مقارنة بالفئة المستمعة الّتي مرّ ذكرها في الآية (٤٢).

стр. 2052

سورة يونس [١٠: ٤٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿اللَّهَ﴾: اسم علم على واجب الوجود المتصف بكلّ صفات الكمال، واسم الجامع لكلّ صفاته، وأسمائه الحسنى. ﴿لَا﴾: النّافية للجنس؛ تنفي كلّ الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. ﴿يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾: شيئاً: نكرة قد تعني ظلماً؛ أي: أن الله لا يظلم الناس ظلماً مهما كان نوعه، وإن قل، أو تعني شيئاً من الأشياء مادياً أو معنوياً؛ تعني: أيَّ شيء مهما كان نوعه، وحجمه صغيراً، أو كبيراً؛ في الدّنيا، أو الآخرة؛ فكلّ مصيبة، وكلّ بأساء، وضراء تصيبهم: فهي بما قدَّمت أيديهم، أو هي ابتلاء لهم، ولرفع درجاتهم، ولمحو خطاياهم؛ وتعني: أنّ الله لا يظلم الإنسان في الآخرة بزيادة سيئة في ميزانه، أو نقصان حسنة من حسناته والمعنيان واردان. ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ﴾: ولكن: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بكسب المعاصي، والشّرك، وجحد نعم الله، وفعل ذلك منسوب إليهم. ﴿يَظْلِمُونَ﴾: يشركون، ومجيئها كفعل مضارع؛ تدلّ على التّكرار، والتّجدد، أو الاستمرار. ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. سورة يونس [١٠: ٤٥] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: ﴿وَيَوْمَ﴾: القيامة: الواو: استئنافية.

стр. 2053

﴿يَحْشُرُهُمْ﴾: الحشر: هو السّوق من قبورهم بعد النّشر، والبعث إلى أرض الحشر، والجمع هناك. ﴿كَأَنْ﴾: للتشبيه، والتّشبيه بكأن أبلغ من التّشبيه بكاف التّشبيه. ﴿كَأَنْ﴾: مؤلفة من كاف التّشبيه، وإن المخففة، وأصلها: كأنّهم، وخففت كأن؛ دلالة على قلّة مكثهم في الدّنيا. ﴿لَّمْ﴾: حرف نفي. ﴿يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾: أيْ: في الدّنيا، أو في قبورهم، أو كلاهما معاً. والأغلب هو التّفسير الأوّل؛ أي: الدّنيا، والغرض من هذه الآية هو مقارنة زمن الدّنيا بزمن الآخرة؛ أيْ: زمن عمر الإنسان، وبقائه في الدّنيا بزمن الآخرة؛ كأنّه ساعة، أو أقل. ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾: يحاول أن يعرف بعضهم بعضاً في أرض المحشر، ولا يدوم ذلك طويلاً، ثمّ تنقطع المعرفة، وقيل: قد يكون الغرض من التّعارف التّوبيخ، ولكي يعلم الضّال من المضل، وتقوم عليهم الحُجَّة، وليس المقام مقام إيناس، ومحبة، واجتماع. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾: أيْ: لم يؤمنوا بالبعث، والحشر، والحساب. ﴿خَسِرَ﴾: ماذا خسر؟ نفسه؛ لأنّه أهلكها بالضّلال في الدّنيا، وقد يخسر أهله، أو خسر؛ تعني: ضلَّ، أو خسر ثواب الجنة. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: الواو: عاطفة، ما: حرف نفي، كانوا مهتدين إلى

стр. 2054

منهج الله تعالى في الدّنيا، وسائرين على الصّراط المستقيم، وجملة: مهتدين: جملة اسمية؛ تدل على ثبوتهم على الضلال. سورة يونس [١٠: ٤٦] ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾: ﴿وَإِمَّا﴾: الواو: عاطفة. إما: مكونة من إن + ما. إن: شرطية؛ ما: للتوكيد، وإن: تفيد الاحتمال، أو القلة. ﴿نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ﴾: النّون في نرينَّك: للتوكيد، في الدّنيا بعض الّذي نعدهم (أي: الّذين كذبوا بلقاء الله، والمشركين) من الخذلان، والهزيمة، والقتل، والبأساء، والضّراء. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾: أو: للاختيار؛ نتوفينك: قبل أن نعذبهم، والنّون في نتوفينك: للتأكيد. ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: إلينا تقديم الجار، والمجرور، ويدل على الحصر إلينا حصراً مرجعهُم في الآخرة للحساب والجزاء. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾: ثمّ: للترتيب الذّكري. ﴿شَهِيدٌ﴾: صيغة مبالغة من شهد، يشهد. ارجع إلى الآية (١٣٣) من سورة البقرة؛ لبيان معنى شهيد. ﴿عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾: ما: بمعنى: الّذي: مصدرية. ﴿يَفْعَلُونَ﴾: في الدّنيا من تكذيب، وشرك، وكفر. سورة يونس [١٠: ٤٧] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾: ولكلّ أمة من الأمم رسول، وكلّ رسول هو نبي،

стр. 2055

وليس كلّ نبي رسولاً، وقيل: الرّسول: من بعثه الله بشريعة جديدة. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٤)؛ لمزيد من البيان. ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: تدل على التّوكيد، والمباشرة. ﴿جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾: إلى أرض المحشر؛ كقوله: ﴿وَجِااءَ بِالنَّبِيِّنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الزّمر: ٦٩]. ﴿قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ﴾: بالعدل بين الرّسول، وقومه، أو أمته، وبين الّذين آمنوا، والذّين كذبوا. ﴿بِالْقِسْطِ﴾: الباء: تفيد الإلصاق، والتّوكيد. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: وهم: ضمير منفصل؛ تفيد التّوكيد. ﴿لَا يُظْلَمُونَ﴾: لا: النّافية؛ يظلمون: شيئاً. ارجع إلى الآية (٤٤) من نفس السّورة. سورة يونس [١٠: ٤٨] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ﴿وَيَقُولُونَ﴾: أي: المشركون، والمكذبون بالرّسل، والبعث، يقولون: وهم في الدّنيا، ويتكرر قولهم، ويتجدد السّؤال عن متى سيكون هذا الوعد؟ ﴿مَتَى﴾: اسم استفهام؛ تفيد معنى الاستبطاء، والاستبعاد. ﴿هَذَا﴾: اسم إشارة؛ يفيد القرب. ﴿الْوَعْدُ﴾: الوعد بالعذاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾، أو الوعد: متى يوم القيامة، أو يوم الحساب، أو متى هذا الوعد الّذي يعدنا به محمّد ﷺ ، أو غيره من الرّسل. ﴿إِنْ﴾: شرطية؛ فيها معنى الشّك، الشّك في كونكم صادقين.

стр. 2056

﴿كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: في دعواكم، وإنذاركم، وصادقين فيما جئتمونا به من رسالة. سورة يونس [١٠: ٤٩] ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ ردّاً على سؤالهم: متى هذا الوعد؟ (أي: متى العذاب، أو يوم القيامة … ) ويعني: الضّر: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾: لا: النّافية للجنس. ﴿أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا﴾: اللام: لام الاختصاص، والملكية؛ أيْ: غير قادر على دفع الضّر عن نفسي، أو جلب المنفعة لنفسي. والضّر: مصدر خلاف النفع، أو الشّر، والنّفع: هو مثل الغنى، والصّحة، والخير … وغيرها، ويجب تفريق الضَّر عن الضُّر (بضم الضاد) الذي يحصل في البدن من مرض أو مصيبة. ﴿وَلَا نَفْعًا﴾: ولا: لزيادة توكيد النّفي، وتكرار النّفي بلا: يفيد الفصل بين النّفع، والضّر؛ فهو لا يملك أياً منهما على حدة، أو كلاهما معاً، فكيف أملك، أو أقدر على المجيء بيوم القيامة، أو إنزال العذاب بكم، وقدم الضَّر على النفع؛ لأن سياق الآيات في الوعيد والتحذير لهؤلاء الذين كذبوا بلقاء الله تعالى، وكذبوا بالبعث والحساب. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: أن أملكه، أو يقدرني عليه من الحول، والقوة، والنفع، والضّر، وقدَّم الضّر على النّفع؛ لأنّ سياق الآيات يدعو إلى تقديم الضّر على النّفع؛ حيث ذكر الله سبحانه: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: ١١]. ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا﴾ [يونس: ١٢].

стр. 2057

﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس: ٥٠]. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾: هذا قد يكون الرّد الثّاني، أو الجواب الثّاني على سؤالهم متى هذا الوعد (العذاب، أو الضّر … ). ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾: وقت محدد، أو عمر محدد، وحين يشاء الله سبحانه ينزل بالّذين كفروا العذاب، أو قد يؤخِّره إلى أجل مسمَّى هو يوم القيامة، أو حياة البرزخ (عذاب القبر). ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾: أيْ: وقت إهلاكهم، أو موتهم، أو عذابهم؛ إذا: ظرف زماني متضمن معنى الشّرط، ويحمل معنى حتمية الوقوع؛ أيْ: هو حتماً قادم لا محالة، ولا شك. ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَئْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: انتبه إلى قوله سبحانه: إذا: شرطية؛ جواب الشّرط: هو جاء أجلهم لا يستأخرون، وينتهي الكلام، ولا يستقدمون، ليست تتمة لجواب الشّرط. أيْ: إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، ولا دقيقة، ولا ثانية، وإذا لم يجئْ أجلهم لا يستقدمون ساعة، ولا دقيقة، ولا ثانية. سورة يونس [١٠: ٥٠] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾: هذا هو الجواب، أو الرّد الثّالث على سؤالهم متى هذا الوعد؛ فقد كان الرّد الأوّل: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، وكان الرّد الثّاني: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، والرّد الثّالث: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ ما ستفعلون عندها. ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ﴾: قل لهم يا محمّد ﷺ : أرأيتم: الهمزة: همزة استفهام، وتقرير،

стр. 2058

والرّؤية هنا رؤية قلبية، وبصرية، وتعني: أخبروني بشكلّ مؤكد؛ أخبروني إخبار من له علم ودراية بالأمر: عما سيحدث لكم إن أتاكم عذابه. ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾: إن: شرطية؛ تدلّ على الاحتمال (احتمال حدوث العذاب). ﴿أَتَاكُمْ﴾: استعمل أتاكم؛ لأنّه لم يجئْ بعد، وسيأتي في المستقبل، ولو جاء الآن لقال: لجاءَكم العذاب، ونسب العذاب إليه؛ للتّهديد، والوعيد الشّديد؛ فهو عذاب الله الجبار؛ القهار؛ القوي؛ العزيز، وليس عذاب أحدٍ من النّاس. ﴿بَيَاتًا﴾: أيْ: ليلاً، وأنتم نائمون، أو غير نائمين؛ غير مستعدين؛ غير حاذرين، وبات: لا تعني: النّوم؛ فهو سواء نام، أو لم ينم؛ بات: أظله المبيت. ﴿أَوْ نَهَارًا﴾: في وضح النّهار، وأنتم في تقلُّبكم وشغلكم، أو على استعداد، أو غير استعداد له. ﴿مَاذَا﴾: للاستفهام، وتفيد المبالغة في الاستفهام. ﴿يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ﴾: منه: تعود على العذاب. ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: المشركون الكافرون العاصون المستهزئون. ارجع إلى سورة هود آية (١١٦)، والجاثية آية (٣١) لبيان معنى مجرمون. وجواب إن أتاكم: محذوف، وحذفه ليدل على التّفخيم، والتّعظيم، ويذهب الفكر إلى كلّ أنواع العذاب، والتّصورات، والأجوبة؛ فلا يكون محدداً بنوع واحد، وقد لا تطيقونه، وقد يهلككم عن بكرة أبيكم.

стр. 2059

سورة يونس [١٠: ٥١] ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْئَانَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾: ﴿أَثُمَّ﴾: الهمزة: همزة استفهام، وتوبيخ، وإنكار التّأخير، وقدِّمت الهمزة على حرف العطف، وهو ثمّ؛ تنبيهاً على أصالتها في الصّدارة، والتّقدير. ﴿إِذَا﴾: ظرف زماني للمستقبل، وتدل على حتمية الحدوث. ﴿مَا وَقَعَ﴾: ما: للتوكيد، وقع: حل ونزل بكم. ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾: صدقتم به، وبه قد تعود إلى العذاب، أو تعود إلى الله، وتعني: آمنتم بالله تعالى. ﴿آلْئَانَ﴾: الهمزة: همزة استفهام، وتعجب، وإنكار، كلمة آلآن: الهمزة همزة الاستفهام فيها أدغمت بهمزة الوصل في أل التّعريف، وأدغمت الألفان، وأصبحتا ألفاً واحدة فوقها علامة المد، وحذفت همزة الوصل، وأبقيت همزة الاستفهام، وكلمة آلآن: ذكرت في ست آيات في القرآن. ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ﴾: قد: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿كُنْتُمْ بِهِ﴾: بالعذاب. ﴿تَسْتَعْجِلُونَ﴾: أيْ: قيل لهم بعد أن يحل بهم، أو قبيل وقوعه: آلآن الإيمان لا يفيد، ولا يُجدي. سورة يونس [١٠: ٥٢] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف؛ يفيد التّرتيب، والتّراخي. ﴿قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: المشركين المكذبين في الآخرة عند دخولهم النّار، وعند وقوع العذاب: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾: العذاب الدّائم المستمر بلا انقطاع.

стр. 2060

﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾: استفهام إنكاري، وتوبيخ. ﴿تُجْزَوْنَ﴾: من الجزاء المقابل للعمل. ﴿إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق؛ ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، أو مصدرية. ﴿تَكْسِبُونَ﴾: من الشّرك، والكفر، والمعاصي؛ تكسبون، ولم يقل: تكتسبون. ارجع إلى الآية (٢٨٦) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. سورة يونس [١٠: ٥٣] ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّى إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ﴾: يطلبون أن تخبرهم؛ من استنبأه؛ أيْ: طلب أن ينبئه؛ أيْ: يسألونك، ويبدو أنهم عادوا مرة أخرى إلى رسول الله ﷺ ليسألوه سؤالاً جديداً بدلاً من: متى هذا الوعد، أحق هو. ﴿أَحَقٌّ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري؛ أيْ: أصحيح هذا العذاب، أو الحساب، أو البعث، وفيه معنى الاستهزاء. ﴿هُوَ﴾: قد تعود على البعث، والحساب، أو العذاب، أو القيامة. قل لهم يا محمّد ﷺ : ﴿إِى﴾: إي: بالكسر، والسّكون، وإي: حرف جواب بمعنى: نعم؛ تفيد تصديق المخبر، ولإعلام المستخبر، وتقع قبل القسم. ﴿وَرَبِّى إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾: الواو: واو القسم؛ أيْ: نعم، وأقسم بربي إنه لحقٌّ، والقسم هنا: يفيد التّوكيد. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: الواو: عاطفة، ما: النّافية.

стр. 2061

﴿أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء: للإلصاق، والتّأكيد. معجزين: بفائتين من العذاب، أو نحن غير قادرين عليكم، ما أنتم بمعجزين؛ لا في أيِّ مكان، ولا في أيِّ زمان، ولا تعجزون في أيِّ شيء مهما كان. ومن الجدير بالذّكر: أنّ الله سبحانه أمر رسوله ﷺ بأن يقسم بربه في ثلاث آيات في القرآن: هذه الآية (٥٣) من سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّى إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾. والآية (٣) من سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. والآية (٧) من سورة التّغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ﴾. وإذا نظرنا في سياق هذه الآيات نجدها كلَّها تؤكِّد قيام السّاعة، والبعث، والعذاب، أو الجزاء.

стр. 2062

سورة يونس [١٠: ٥٤] ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: المناسبة: جاءت هذه الآية بعد قوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي: ناجين من العذاب، وكذلك: لا شفاعة لكم، ولن يُقبل منكم فداء. ﴿وَلَوْ أَنَّ﴾: الواو: استئنافية؛ لو: شرطية؛ تفيد النّدم والحسرة؛ أن: للتوكيد. ﴿لِكُلِّ﴾: اللام: لام الاختصاص، والتّوكيد. ﴿نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾: ظلمت بالشّرك، أو الكفر، أو المعاصي، أو تعدَّت على غيرها، ولم تتبْ. ﴿مَا﴾: بمعنى: الّذي، وما: أوسع شمولاً من: الّذي. ﴿الْأَرْضِ﴾: من ذهب، أو فضة، أو كنوز. ﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ افتدت به: قدَّمته فدية لها من العذاب يوم القيامة، والفداء: هو ما يُقدَّم من مال، وغيره من البدائل؛ لتخليص المفدى؛ مثل: فداء الأسرى، كقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]. ولو أمعنَّا في النّظر في هذه الآية: نجد أنّ الله سبحانه لم يقل: جميعاً، ومثله معه، واكتفى بقوله: ما في الأرض؛ بينما في آيات أخرى ذكر جميعاً، ومثله معه، كما هو الحال في الآية (٤٩) من سورة الزّمر: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾، لم يذكر في آية يونس جميعاً، ومثله؛ لأنّها جاءت في سياق النّفس الواحدة؛ فقال: لكلّ نفس، ولم يقل: للذين ظلموا (كجمع)،

стр. 2063

والنّفس الواحدة مستحيل أن تملك ما في الأرض جميعاً، ومثله معه، ولذلك حذف جميعاً، ومثله ومعه، بينما في آية الزّمر وغيرها من الآيات المشابهة ذكر الّذين ظلموا؛ فهؤلاء ثرواتهم وفدائهم سيكون أكثر من النّفس الواحدة، وأعظم، ومع ذلك لا يقبل منهم فداء، ولا شفاعة. وهناك نقطة أخرى: وهي قوله: لافتدوا به في سورة الرّعد، الآية (٣٨)، والزّمر، الآية (٤٧)؛ بينما في سورة المائدة، الآية (٣٦) قال تعالى: ليفتدوا به، السّبب في تغيير صيغة الفعل: هو أنّ قوله: لافتدوا به: الآيات تتحدث عنهم، وهم في الآخرة، وبعد أن تم حسابهم، ولقاء الله سبحانه. أما قوله: ليفتدوا به: فالآية تتحدث عنهم، وهم ما زالوا في الدّنيا، وقبل لقاء الله سبحانه في المستقبل. والخلاصة: لافتدوا به: تأتي في سياق الآخرة، وليفتدوا به: تأتي في سياق الدّنيا. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: وأسروا: الواو: عاطفة، أسروا النّدامة؛ أيْ: أخفوا النّدامة، والنّدامة: من النّدم، وهو ما يجد الإنسان في نفسه من الأسف، والحسرة، والحزن إذا فاته فعل شيء فيه خير، أو فعل فعلاً ضاراً به، ومن المفسرين من قال: أسروا النّدامة؛ أيْ: أظهروها حين رأوا العذاب؛ فأسررت الشّيء قد تعني: أخفيته، وقد تعني: أظهرته من أفعال الأضداد. ﴿لَمَّا﴾: ظرف زماني بمعنى: حين. ﴿رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: لأنهم حين يرون العذاب يبهتوا؛ أيْ: ينقطعوا عن الكلام من هول، وشدة الموقف. ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: وقضي بينهم بالقسط؛ أيْ: حكم الله بين الظّالمين، وفصل بينهم بالعدل، والحقّ، وقيل: القسط: هو

стр. 2064

القضاء، والعدل + تنفيذه (إقامته)، نحكم ونقضي بالقسط لكلّ نفس، وقد تعني: القضاء بين الأتباع، والمتبوعين، وقد تعني: القضاء بين الظّالمين أنفسهم، أو المشركين، أو الكفرة، أو الكل. ولو نظرنا إلى هذه الآية (٥٤)، والآية (٤٧) من نفس السورة: نجد كلاهما انتهى بقوله سبحانه: ﴿وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: وليس هذا تكرار؛ لأنّ الآية (٤٧): جاءت في سياق القضاء بين الأنبياء، ومكذبيهم، والآية (٥٤): جاءت في سياق القضاء بين الظّالمين أنفسهم، أو الظّالمين والمظلومين. سورة يونس [١٠: ٥٥] ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: المناسبة: ذكر هذه الآية بعد ذكر: ولو أنّ لكلّ نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به؛ لتخبر ليس للظالم من شيء يفتدي به؛ لأنّ كلّ ما في السّموات، والأرض هو لله سبحانه. ﴿أَلَا﴾: أداة استفتاح، وتفيد التّنبيه؛ تنبيه الغافل: أنّ لله ما في السّموات والأرض. ﴿إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إن: للتوكيد. ﴿لِلَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: ارجع إلى الآية (٢٨٤) من سورة البقرة. ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: فليس فقط لله ما في السّموات والأرض؛ كذلك. ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه، كما ورد سابقاً. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾: البعث، والحساب، والجزاء (من ثواب وعقاب)، وكلّ ما أعدَّه الله سبحانه لعباده المؤمنين، وعباده الكافرين حق، وصدق، وكلّ شيء نطق به حق لا يتغيَّر، ولا يتبدَّل.

стр. 2065

والوعد: إذا جاء في سياق الخير فهو بشارة سارة، وإذا جاء في سياق الشّر؛ فهو إنذار، والوعد عادة يأتي في سياق الخير، والوعيد يأتي في سياق الشّر. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: لكن: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾: تعود على المشركين؛ الكافرين؛ العاصين. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: عن البعث، والحساب، والجزاء شيئاً، والدّليل على ذلك الآية الّتي تليها؛ أيْ: ﴿هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. سورة يونس [١٠: ٥٦] ﴿هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد يعود على الله (وعد الله حق). ﴿يُحْىِ وَيُمِيتُ﴾: القادر على أن يحيي ويميت، وجاء بصيغة المضارع؛ ليدل على تجدُّد الإحياء والإماتة. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: إليه: جار ومجرور، وتقديمها يفيد الحصر؛ أيْ: إليه وحده ترجعون. وتُرجَعون، ولم يقل: تَرْجِعون؛ تُرجَعون؛ أيْ: رجوعاً قسرياً، لا إرادة لكم فيه؛ فمن لا يكفيه دليل الإحياء، والموت على قدرة الله؛ فعليه أن يرتدع بخوف الرّجوع إلى الله سبحانه. سورة يونس [١٠: ٥٧] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: نداء إلى النّاس كافة، والهاء: للتنبيه إلى أمر مهمٍّ عظيم. ﴿النَّاسُ﴾: من الإنس، والجن، والنّاس: مشتقة من النّوس: الحركة؛ أي:

стр. 2066

الّتي يتصف بها الخلق، ومن الإنس الألفة، ولمعرفة معنى النّاس: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١). ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ الموعظة؛ أي: القرآن الكريم، والموعظة: تذكرة بالثّواب، والعقاب، وبالطّاعة، والعمل الصّالح، والإرشاد إلى الخير، ونهي، وتحذير. ارجع إلى سورة النساء، آية (٣٤) والنحل، آية (١٢٥)؛ لمزيد في معنى موعظة. ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِى الصُّدُورِ﴾: من الشّك، والنّفاق، والحيرة، والشّبه، والحقد، والحسد، والمكر، والظّن، والغيبة … وغيرها من الأمراض. ﴿وَهُدًى﴾: مصدر هداية، أو هو الهدى يهدي للحق، والغاية والصّراط المستقيم، وسعادة الدّارين. ﴿وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: مصدر لجلب الخير، والنِّعم، ودفع ما يضر (وقاية لكم من الضّرر والوقوع في الذّنب). ﴿لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص. وانتبه إلى المجيء بكلمة موعظة، وشفاء، وهدى، ورحمة: كلها جاءت بصيغة النّكرة؛ للتعظيم، والشمول. سورة يونس [١٠: ٥٨] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ : ﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد، والفضل: هو الزّيادة عما يستحق من الأجر، أو الثواب. فضل الله: الجنة، ورضوان الله تعالى، وفضل الله قد يشمل عدم الشّرك

стр. 2067

بالله، والتّوحيد؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَىْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٣٨]. ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾: قيل: هي القرآن، أو محمّد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أو كلاهما. وتكرار الباء بفضل الله وبرحمته: دليل على أنّ كلّ منهما سبب للفرح على حِدَةٍ، أو كلاهما معاً. ﴿فَبِذَلِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، الباء: للإلصاق، ذلك: اسم إشارة للبعيد، والتّعظيم، (وشمل الواحد، أو الاثنين، أو الجمع)، وتشير إلى فضل الله ورحمته. ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾: الفاء: للتوكيد، واللام: لزيادة التّوكيد، وهو نوع من الفرح المحمود. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان معنى الفرح وأنواعه. ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد، والحصر، خير: أفضل. ﴿مِمَّا﴾: من + ما؛ من: البعضية، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي. ﴿يَجْمَعُونَ﴾: من المال، والذّهب، والفضة، والمتاع. سورة يونس [١٠: ٥٩] ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ . ﴿أَرَءَيْتُم﴾: أيْ: أخبروني بعلم، وتوكيد؛ رؤية قلبية، الخطاب موجَّه إلى مشركي قريش، وغيرهم من البشر. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، وقد تكون اسم استفهام.

стр. 2068

﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ﴾: أيْ: من الحرث، والأنعام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، وقد يعني: الغيث، والمطر الّذي هو السّبب في إنتاج الحبوب، والثّمار، والأنعام، أو تعني: الإيجاد، أو إنزال حقيقي، كما أنزل الحديد. ﴿فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: مثل: البحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحام، ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ … وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا … مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٨ - ١٣٩]. والجعل: يتم بعد الخلق، والجعل هو حق للخالق وحده، فهل أعطاكم الله سبحانه تصريحاً، أو تفويضاً، أو سمح لكم بذلك، والفاء في فجعلتم: للتوكيد، وقدَّم الحرام على الحلال؛ لأن سياق الآيات في الظلم، والتحذير منه، وتحريم ما أحل الله. ﴿قُلْ آللَّهُ﴾: ارجع إلى كلمة الآن في الآية (٥١). الهمزة: للاستفهام الإنكاري. ﴿أَذِنَ لَكُمْ﴾: أعلمكم بهذا التّحليل، والتّحريم، وسمح لكم. ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام. ﴿عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمَّد المختلق، وتفترون: تدل على التّجدُّد، والتّكرار المستمر. سورة يونس [١٠: ٦٠] ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾: ﴿وَمَا ظَنُّ﴾: الواو: استئنافية؛ ما: اسم استفهام.

стр. 2069

﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: وفي هذه الآية كلام محذوف تقديره: ١ - ما ظنهم أنّ الله فاعل بهم يوم القيامة؛ بافترائهم الكذب عليه. ٢ - أو هل ظنوا أنّه لا توجد آخرة، ولا حساب، ولا ويل، ولا نار. وفي إبهام الوعيد، وما سيكون حسابهم عند ربهم، تهديد عظيم لهم، ولتبقى عقولهم في حيرة في نوع العذاب الّذي ينتظرهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: إن: للتوكيد؛ لذو: اللام: لام التّوكيد. ﴿فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: ١ - بأن بيّن لهم الحلال، والحرام، وهداهم بإرسال الرّسل، وإنزال الكتب، وإنعامه عليهم بالعقل، والنِّعم الكثيرة الّتي لا تعد، ولا تحصى. ٢ - أو لذو فضل على النّاس بأن أخَّر عنهم العذاب. ﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد. ﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾: لأنّهم منشغلون بالنِّعم، وغافلون عن المنعم، ولو قارنا (أكثرهم لا يشركون) مع قوله تعالى: (كثيراً لا يشركون): نجد أن أكثرهم أكثر من كثير في العدد. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿يَشْكُرُونَ﴾: الله على ما هداهم وبيَّن لهم. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠) لبيان معنى الشكر. سورة يونس [١٠: ٦١] ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ

стр. 2070

شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: ﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النّافية، والخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ . ﴿تَكُونُ فِى شَأْنٍ﴾: شأن: هو إبلاغ الرّسالة، والمنهج؛ أي: الدعوة إلى الله تعالى. ﴿وَمَا﴾: مثل السّابقة، وتفيد التّوكيد. ﴿تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾: وما تتلو من القرآن، أو الآيات على النّاس، أو لأجل تبليغ النّاس ما نُزل عليهم. ﴿مِنْهُ﴾: الأولى تعليلية. ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾: للتأكيد، أو للتبعيض؛ أي: بعض السور أو الآيات. ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾: ينتقل إلى الله سبحانه من مخاطبة رسول الله إلى مخاطبة النّاس. ﴿وَلَا﴾: النّافية. ﴿تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾: العمل يشمل القول، والفعل؛ فإذا صدر الحدث من اللسان كان قولاً، وإذا صدر الحدث من بقية الجوارح كان فعلاً. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾: كنا عليكم شاهدين؛ أيْ: رقباء مطلعين عليه حيث الملائكة الكرام الكاتبين، شاهدين على ما تعملونه (من قول، وفعل). ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني. ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: من الإفاضة، كما يفيض الإناء إذا امتلأ، وأصل الإفاضة:
следующие страницы →