Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
الّتي يتصف بها الخلق، ومن الإنس الألفة، ولمعرفة معنى النّاس: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١).
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾ الموعظة؛ أي: القرآن الكريم، والموعظة: تذكرة بالثّواب، والعقاب، وبالطّاعة، والعمل الصّالح، والإرشاد إلى الخير، ونهي، وتحذير. ارجع إلى سورة النساء، آية (٣٤) والنحل، آية (١٢٥)؛ لمزيد في معنى موعظة.
﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِى الصُّدُورِ﴾: من الشّك، والنّفاق، والحيرة، والشّبه، والحقد، والحسد، والمكر، والظّن، والغيبة … وغيرها من الأمراض.
﴿وَهُدًى﴾: مصدر هداية، أو هو الهدى يهدي للحق، والغاية والصّراط المستقيم، وسعادة الدّارين.
﴿وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: مصدر لجلب الخير، والنِّعم، ودفع ما يضر (وقاية لكم من الضّرر والوقوع في الذّنب).
﴿لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص.
وانتبه إلى المجيء بكلمة موعظة، وشفاء، وهدى، ورحمة: كلها جاءت بصيغة النّكرة؛ للتعظيم، والشمول.
سورة يونس [١٠: ٥٨]
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ :
﴿بِفَضْلِ اللَّهِ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد، والفضل: هو الزّيادة عما يستحق من الأجر، أو الثواب.
فضل الله: الجنة، ورضوان الله تعالى، وفضل الله قد يشمل عدم الشّرك
стр. 2067
بالله، والتّوحيد؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَىْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾ [يوسف: ٣٨].
﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾: قيل: هي القرآن، أو محمّد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أو كلاهما.
وتكرار الباء بفضل الله وبرحمته: دليل على أنّ كلّ منهما سبب للفرح على حِدَةٍ، أو كلاهما معاً.
﴿فَبِذَلِكَ﴾: الفاء: للتوكيد، الباء: للإلصاق، ذلك: اسم إشارة للبعيد، والتّعظيم، (وشمل الواحد، أو الاثنين، أو الجمع)، وتشير إلى فضل الله ورحمته.
﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾: الفاء: للتوكيد، واللام: لزيادة التّوكيد، وهو نوع من الفرح المحمود. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لبيان معنى الفرح وأنواعه.
﴿هُوَ خَيْرٌ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد، والحصر، خير: أفضل.
﴿مِمَّا﴾: من + ما؛ من: البعضية، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿يَجْمَعُونَ﴾: من المال، والذّهب، والفضة، والمتاع.
سورة يونس [١٠: ٥٩]
﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾:
﴿قُلْ﴾: لهم يا محمّد ﷺ .
﴿أَرَءَيْتُم﴾: أيْ: أخبروني بعلم، وتوكيد؛ رؤية قلبية، الخطاب موجَّه إلى مشركي قريش، وغيرهم من البشر.
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي، وقد تكون اسم استفهام.
стр. 2068
﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ﴾: أيْ: من الحرث، والأنعام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، وقد يعني: الغيث، والمطر الّذي هو السّبب في إنتاج الحبوب، والثّمار، والأنعام، أو تعني: الإيجاد، أو إنزال حقيقي، كما أنزل الحديد.
﴿فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾: مثل: البحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحام، ﴿هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ … وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا … مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٨ - ١٣٩].
والجعل: يتم بعد الخلق، والجعل هو حق للخالق وحده، فهل أعطاكم الله سبحانه تصريحاً، أو تفويضاً، أو سمح لكم بذلك، والفاء في فجعلتم: للتوكيد، وقدَّم الحرام على الحلال؛ لأن سياق الآيات في الظلم، والتحذير منه، وتحريم ما أحل الله.
﴿قُلْ آللَّهُ﴾: ارجع إلى كلمة الآن في الآية (٥١). الهمزة: للاستفهام الإنكاري.
﴿أَذِنَ لَكُمْ﴾: أعلمكم بهذا التّحليل، والتّحريم، وسمح لكم.
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، والهمزة: للاستفهام.
﴿عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمَّد المختلق، وتفترون: تدل على التّجدُّد، والتّكرار المستمر.
سورة يونس [١٠: ٦٠]
﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾:
﴿وَمَا ظَنُّ﴾: الواو: استئنافية؛ ما: اسم استفهام.
стр. 2069
﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: وفي هذه الآية كلام محذوف تقديره:
١ - ما ظنهم أنّ الله فاعل بهم يوم القيامة؛ بافترائهم الكذب عليه.
٢ - أو هل ظنوا أنّه لا توجد آخرة، ولا حساب، ولا ويل، ولا نار.
وفي إبهام الوعيد، وما سيكون حسابهم عند ربهم، تهديد عظيم لهم، ولتبقى عقولهم في حيرة في نوع العذاب الّذي ينتظرهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾: إن: للتوكيد؛ لذو: اللام: لام التّوكيد.
﴿فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾:
١ - بأن بيّن لهم الحلال، والحرام، وهداهم بإرسال الرّسل، وإنزال الكتب، وإنعامه عليهم بالعقل، والنِّعم الكثيرة الّتي لا تعد، ولا تحصى.
٢ - أو لذو فضل على النّاس بأن أخَّر عنهم العذاب.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك وتوكيد.
﴿أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾: لأنّهم منشغلون بالنِّعم، وغافلون عن المنعم، ولو قارنا (أكثرهم لا يشركون) مع قوله تعالى: (كثيراً لا يشركون): نجد أن أكثرهم أكثر من كثير في العدد.
﴿لَا﴾: النّافية.
﴿يَشْكُرُونَ﴾: الله على ما هداهم وبيَّن لهم. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٠) لبيان معنى الشكر.
سورة يونس [١٠: ٦١]
﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ
стр. 2070
شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾:
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النّافية، والخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ .
﴿تَكُونُ فِى شَأْنٍ﴾: شأن: هو إبلاغ الرّسالة، والمنهج؛ أي: الدعوة إلى الله تعالى.
﴿وَمَا﴾: مثل السّابقة، وتفيد التّوكيد.
﴿تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾: وما تتلو من القرآن، أو الآيات على النّاس، أو لأجل تبليغ النّاس ما نُزل عليهم.
﴿مِنْهُ﴾: الأولى تعليلية.
﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾: للتأكيد، أو للتبعيض؛ أي: بعض السور أو الآيات.
﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾: ينتقل إلى الله سبحانه من مخاطبة رسول الله إلى مخاطبة النّاس.
﴿وَلَا﴾: النّافية.
﴿تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾: العمل يشمل القول، والفعل؛ فإذا صدر الحدث من اللسان كان قولاً، وإذا صدر الحدث من بقية الجوارح كان فعلاً.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾: كنا عليكم شاهدين؛ أيْ: رقباء مطلعين عليه حيث الملائكة الكرام الكاتبين، شاهدين على ما تعملونه (من قول، وفعل).
﴿إِذْ﴾: ظرف زماني.
﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: من الإفاضة، كما يفيض الإناء إذا امتلأ، وأصل الإفاضة:
стр. 2071
الاندفاع بشدة، أو بكثرة؛ تفيضون: تشرعون فيه؛ لتأديته بنشاط وإقبال؛ مما يدل على حسن الاستجابة، والإقبال على العمل بشوق.
﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾: وما: ما: للنفي، ما يعزب عن ربك: ما يغيب عن علمه، وعزب الشّيء؛ أي: اختفى، وغاب، وما هو الفرق بين: وما يعزب عن ربك، ولا يعزب عن ربك؟ أولاً: ما: رد على قول أو ما يشابه ذلك، بينما لا: جواب لسؤال حصل أو مقدر، وما: مختصة بنفي الحال، ولا: تختص بنفي المستقبل.
﴿مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ﴾: من: استغراقية، وتفيد التّوكيد. ارجع إلى سورة سبأ، آية (٣)؛ لمزيد من البيان.
﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾: وانتبه إلى قوله: ولا أصغر من ذلك؛ فعندما يكون هناك أصغر يكون هناك كذلك صغير، وأصغر من الذّرة هي الإلكترونات، والبروتونات، والنترونات الّتي تشكل النّواة.
وأصغر على وزن أفعل؛ هو ما اكتشفه العلم الحديث، وهو ما يقال له: (كوارك)؛ أيْ: أصغر من الذرة.
﴿إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: وهو اللوح المحفوظ.
ولنقارن بين هذه الآية من سورة يونس، والآية (٣) من سورة سبأ.
آية (٦١) يونس: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
آية (٣) سبأ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
بين الآيتين ستة فروق:
стр. 2072
الأوّل: السّياق في آية يونس، في علم إحاطة الله بالأشياء، أمّا السّياق في آية سبأ ففي الساعة (ساعة تهدم النظام الكوني).
الثّاني: في يونس: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾؛ ما: مختصة بنفي الحال، وفي سبأ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾؛ لا: نافية للجنس مختصة بنفي المستقبل غالباً، وقد تنفي كلّ الأزمنة بما فيها الحال؛ فالنفي في آية يونس: أوسع، وأشمل.
الثّالث: في آية يونس قال: ﴿عَنْ رَبِّكَ﴾، وفي آية سبأ قال: ﴿عَنْهُ﴾، ولم يقل: عن ربك؛ لأنّه سبق ذكر كلمة الرّب في قوله: ﴿بَلَى وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾.
الرّابع: في آية يونس قال: ﴿ذَرَّةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ﴾: بدأ بالأرض؛ لأنّ الآية تتكلم عن أهل الأرض؛ لقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾، وفي آية سبأ قال: ﴿ذَرَّةٍ فِى السَّمَاوَاتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ﴾: بدأت بالسموات؛ لأنّ السّياق عن السّاعة، والسّاعة أمرها يبدأ من السّموات.
الخامس: في يونس قال: ﴿مِنْ مِّثْقَالِ﴾؛ من: هنا الاستغراقية؛ لأنّ الكلام عن علم الله، وإحاطة علمه بكلّ الأشياء يستغرق كلّ شيء، أما في سبأ: ﴿مِّثْقَالِ﴾: من دون (من)؛ فلأنّ السّاعة شيء واحد، أو أمر واحد.
السّادس: النّفي في آية يونس أقوى، وآكد من النّفي من آية سبأ؛ لأنّه جاء بـ (لا): النّافية للجنس، وكذلك استعمل: (من): الاستغراقية، وجاء بصيغة النّصب في يونس بدلاً من صيغة الرّفع؛ فقال: ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ﴾؛ بينما في سبأ: ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾.
стр. 2073
سورة يونس [١٠: ٦٢]
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾:
﴿أَلَا﴾: أداة استفتاح، وتنبيه للمستمع حتّى لا تفوته كلمة واحدة في الآية، وللاهتمام بما يستمع إليه.
﴿إِنَّ﴾: تفيد التّوكيد.
﴿أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ جمع ولي، والولي: هو التابع المحب أو القريب المحب المعين، والولاء: هو الحب والنّصرة، أولياء الله بالطّاعة والعبادة؛ أيْ: أحباؤه، والمقربون إليه، وقد وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾. ارجع إلى سورة المائدة، آية (٥١)؛ للمزيد في معنى الولاية.
﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٣٨)؛ للبيان.
سورة يونس [١٠: ٦٣]
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾:
هذا تفسير لأولياء الله، وكأن سائلاً سأل: مَنْ هم أولياء الله؟ فجاء الرّدُّ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول.
﴿آمَنُوا﴾: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتعني: الإخلاص، والتوحيد.
стр. 2074
﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: بامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، كانوا في الدّنيا يتقون الله تعالى؛ يخافونه، ويتقون: تدل على الاستمرار، والتّجدُّد، والتّكرار مدَّة حياتهم حتّى ماتوا وهم في تلك الحالة. وهذا يعني أن الولاية، أو لتكون من أولياء الله يجب الإنابة والمجاهدة فهي ولاية كسبية، وكذلك يهدي إليه من يريد أو يجتبي إليه من يشاء هي ولاية خاصة، أو ولاية هبة، أو اجتباء من الله تعالى.
سورة يونس [١٠: ٦٤]
﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾:
﴿لَهُمُ﴾: اللام: لام التّعليل، والاختصاص.
﴿الْبُشْرَى﴾: على وزن فعلى، هي الخبر السّار تسمعه لأوّل مرة، وسمِّيت بشارة؛ لأنّه يظهر أثرها على الوجه بالسّرور، والفرح، وغالباً تستعمل في الخير، ولكن قد تكون في الشّر، ويُراد بها التهكُّم، والاستهزاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣].
﴿الْبُشْرَى فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: تتمثل بثلاثة أفعال:
١ - الرّؤيا الصّالحة.
٢ - بشارة الملائكة للمؤمنين المتقين عند الموت (الوفاة) ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢].
٣ - البشرى بالجنة: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
لهم البشرى في الدّارين: الدّنيا، والآخرة، وإعادة ذكر (في) مرتين في الحياة الدّنيا، وفي الآخرة بدلاً من قوله: في الحياة الدّنيا والآخرة؛ للتوكيد، ولفصل كلٍّ على حدة، أو كلاهما معاً.
стр. 2075
﴿لَا﴾: النّافية للجنس، ولكلّ الأزمنة.
﴿تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾: لا تغيير، ولا تبديل لما وعد الله عباده؛ كلماتُ الله أقوالُه، وما بشَّر به.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، ويشير إلى البشارة في الدّارين.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أعظم أنواع الفوز هو الفوز العظيم؛ الّذي هو أفضل من الفوز المبين، والفوز الكبير. ارجع إلى سورة النساء آية (٧٣) لمزيد من البيان في معنى الفوز وأنواعه أو درجاته.
سورة يونس [١٠: ٦٥]
﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية؛ لا: النّاهية.
﴿يَحْزُنكَ﴾: الحزُن: بضم الزاي: هو ضيق في الصّدر مؤقت (له وقت محدَّد، وينتهي، ولو طال سنة، أو سنتين، أو أكثر).
أما الحَزَن: بفتح الزاي: فلا ينتهي أبداً إلا بالموت؛ إذن الحَزَن لا ينقضي، ولا يزول، حَزَنٌ دائم.
﴿قَوْلُهُمْ﴾: أنك ساحر، مجنون، مُفتر، كاذب، لست مرسلاً.
ويجب الوقوف في القراءة على: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾؛ أما إذا لم يقف القارئ؛ فيكون معنى: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: أيْ: قولهم: إن العزة لله جميعاً، وهو يُحزن رسول الله ﷺ ، وهذا غير صحيح، وباطل؛ لأنّهم
стр. 2076
هم لم يقولوا: إنّ العزة لله جميعاً أولاً، وثانياً: أن القول أن العزة لله جميعاً لا يحزن رسول الله ﷺ .
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الْعِزَّةَ﴾: القوة، والغلبة، والمنعة، والقهر؛ فهو لله سبحانه لا يُغلب، ولا يُقهر، والقوي الّذي لا يُحال بينه وبين مراده.
﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: اللام: لام الاختصاص، والملكية.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد.
﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿السَّمِيعُ﴾: لكلّ ما يقال؛ صيغة مبالغة، كثير السّمع، يسمع كلّ ما يقوله عباده في السّر والعلن، وما يقولون جميعاً في آن واحد.
﴿الْعَلِيمُ﴾: صيغة مبالغة، عليم بكلّ ما يجري في كونه، وما يفعله خلقه، وما تخفي الصّدور، ولا تخفى عليه خافية في الأرض، ولا في السماء.
سورة يونس [١٠: ٦٦]
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾:
وبما أنّ قانون العزة لله جميعاً؛ لأنّ كلّ من في السّموات، ومن في الأرض من كائن مملوكاً لله؛ فلا كائن يخرج عن إرادته سبحانه.
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ﴾: ألا: أداة استفتاح، وتنبيه.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
стр. 2077
﴿لِلَّهِ﴾: اللام: لام الاختصاص، والملكية، وتقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة: يدل على الحصر؛ أيْ: حصراً لله وحده؛ أيْ: كلّ كائن في السّموات، وفي الأرض خاضع لله سبحانه طوعاً، أو كرهاً.
﴿مَنْ﴾: تختص بالعقلاء فقط، وقد تستعمل لغير العقلاء إذا أنزلوا منزلة العقلاء؛ مثل: الأصنام إذا عبدوها، ومن: استغراقية تشمل المفرد، والمثنى، والجمع، وتشمل كلّ عاقل.
﴿فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ﴾: إعادة (مَنْ) مرة ثانية؛ يفيد التّوكيد، وفصل كلّ من السّموات عن الأرض.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾: ما: النّافية، وقد تكون اسم موصول، أو تكون اسم استفهام؛ مثل، وأيُّ شيء يتبع أولئك الّذين يدعون مع الله إلهاً آخر، إنهم لا يتبعون شيئاً.
﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: أيْ: يعبدون.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.
﴿شُرَكَاءَ﴾: أيْ: هم لا يتبعون شيء إلا الظن.
﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: إن: نافية؛ أقوى في النفي من: ما.
﴿إِلَّا﴾: حصراً.
﴿الظَّنَّ﴾: التردد الراجح؛ أي: الشّك، مع رجحان كفة الإثبات.
﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: وإن: نافية.
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل للتوكيد.
стр. 2078
﴿إِلَّا﴾: للحصر.
﴿يَخْرُصُونَ﴾: الخرص: هو القول من دون علم؛ فهو التّخمين، والحزر؛ فهو كذب، وتخمين، وقيل: الخرص: هو الحَزْر، والتّقدير الباطل، والكذب.
سورة يونس [١٠: ٦٧]
﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾:
المناسبة: بعد قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الْأَرْضِ﴾: يأتي بدليل آخر على عظمة الله وقدرته، وأنّه هو الّذي يستحق العبادة، وهذا الدّليل هو ما ذكر في الآية الآتية.
﴿هُوَ﴾: ضمير فصل؛ يفيد الحصر؛ أي: الله وحده هو الّذي جعل.
﴿جَعَلَ﴾: أيْ: هو الّذي خلق الزّمن، ثمّ جاء لهذا الزّمن؛ ليجعل منه ليلاً، ونهاراً، والجعل يكون بعد الخلق، والجعل هو توجيه الشّيء المخلوق بعد خلقه لمهمة معينة، وهو الّذي صيَّر لكم اللّيل.
﴿لَكُمُ﴾: خاصَّة، اللام: لام الاختصاص.
﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾: اللام: لام التّوكيد، السّكون الرّاحة، والحد من الحركة، وهذه رحمة، ونعمة من الله على الإنسان؛ لكي يرتاح، ويعود النشاط إلى قواه؛ لكي يزاول عمله في اليوم التالي، وتتداخل هنا الظلمة مع التعب إلى حثِّ الغدد على إفراز بعض العوامل، أو الهرمونات الّتي تؤدِّي إلى النوم.
﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾: مبصراً: اسم فاعل من أبصر؛ أسند الإبصار إلى النّهار، وهذا هو أمر حقيقي اكتشفه العلم حديثاً، وتفسير ذلك: كلّ الكواكب بما فيها الأرض يسبح في الظّلام، ولكن وجدت حول الأرض طبقة من الغازات
стр. 2079
(طبقة غازية) مشكلة من غازات الهيدروجين، والنّتروجين، والهليوم، وبخار الماء … وغيرها من الغازات.
وهذه الطّبقة الغازية يسمِّيها العلماء طبقة النهار، وهي الطّبقة السفلى من الغلاف الغازي للأرض الّتي أعطاها ربنا من الصّفات الطبيعية، والكيماوية ما يمكننا أن نرى نور الشّمس الأبيض، ويقدر سمكها بـ (٢٠٠ كم)، وأغلب أشعة الشّمس لا ترى مثل أشعة غاما، والأشعة السينية، وفوق البنفسجية، وتحت الحمراء … وغيرها، وما يصل إلى الأرض هو جزء من الطاقة المسمَّى الضوء المرئي، وهي عبارة عن ألوان الطيف: الأحمر، والبنفسجي، والأخضر، والأزرق، والأصفر، والنيلي، والبرتقالي، وكلّ طيف من هذه الطيوف لا يرى لوحده إلا بصورة ضعيفة، ولكنه لما يدخل هذه الطّبقة تبدأ ألوان الطيف تتحد، وتعطينا النور الأبيض الجميل الّذي نراه في وضح النهار.
وبما أنّ الأرض كروية فأشعة الشّمس سوف تشرق على الطّبقة الغازية المحيطة بالأرض، والمقابلة للشّمس؛ أمّا القسم من الطّبقة الغازية غير المقابل للشّمس فلا تضيء، ولا تنير؛ فتكون مظلمة، وما تحتها من الأرض مظلم (أيْ: ليل).
وأمّا الطّبقة المقابلة للشمس فتضيء، وتنير، وبالتّالي النّصف من الأرض الّذي تحتها في نهار، وبما أن الأرض تدور حول نفسها؛ لذلك سرعان ما يتبدل النّهار بالليل، ثمّ اللّيل بالنّهار … وهكذا؛ مما يدل على كروية الأرض.
وبعد أن تضيء وتنير تلك الطّبقة الغازية تنعكس أشعتها على الأرض، ثمّ إلى عيون النّاس؛ فيرى النّاس ما حولهم من المبصرات، والكائنات، ولولا هذه الطّبقة الغازية؛ لما رأينا أيَّ شيء؛ فهذه الطّبقة الغازية هي الّتي تبصر، ولذلك
стр. 2080
سمَّى النّهار مبصراً، وأما عيوننا فلا تبصر شيئاً، والدليل على ذلك حين نكون في ظلمة، فلا نرى شيئاً رغم وجود العيون.
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿فِى﴾: ظرفية.
﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للمخاطب؛ أيْ: يشير إلى الآيات الكونية؛ مثل: هذه الآية، آية النّهار، وآية اللّيل.
﴿لِّقَوْمٍ﴾: اللام: لام التّعليل، والتّوكيد، والاختصاص.
﴿يَسْمَعُونَ﴾: سماع تدبر، واعتبار، واختار يسمعون، ولم يقل: يبصرون؛ لأن الآية تتحدث عن الليل؛ لتسكنوا فيه، فالعين في الليل لا ترى؛ أيْ: معطلة، والسّمع يبقى دائماً لا يتعطل، ولذلك قال: لقوم يسمعون.
سورة يونس [١٠: ٦٨]
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِىُّ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
المناسبة: بعد ذكر أفعال المشركين باتخاذ الأصنام، والأوثان شركاء؛ يذكر في هذه الآية نوعاً آخر من الشّرك، والباطل: وهو اتخاذ الولد.
﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: قالوا؛ أي: المشركون، واليهود، والنّصارى.
﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾: يعني: ادعوا، أو ظنوا، أو حكموا؛ زعموا أنّ لله ولداً: عيسى ابن الله، عزير ابن الله، أو الملائكة بنات الله، وفعل اتخذ: على وزن افتعل، واتخذ: من أخذ، ولكن لما كثر استعمال أخذ أصبح اتخاذ، والاتخاذ فيه معنى الاستمرار.
стр. 2081
﴿سُبْحَانَهُ﴾: تنزيهاً لله؛ أيْ: أسبح الله سبحانه من هذا الافتراء؛ أيْ: هذا لا يمكن أن يكون، والله منزَّه عن ذلك، ومنزَّه؛ أيْ: مُبعد، والنّزاهة البُعد.
﴿هُوَ الْغَنِىُّ﴾: هو: ضمير فصل؛ للحصر، والتّوكيد.
﴿الْغَنِىُّ﴾: أيْ: غير المحتاج لأحد، لا لولد، ولا لبنت، أو ذرية؛ لأنّ:
﴿لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ﴾: له: اللام: لام الاختصاص، والملكية. ما: هي أوسع استعمالاً من: (من)، وأكثر إبهاماً؛ لتشمل كلّ ما في السّموات، وما في الأرض، وأصل الكلام: ما في السّموات وما في الأرض له، ولكنّه قدَّم له، أو أحياناً يقدِّم لله: للحصر، والقصر؛ له: تفيد الملكية، فهو مالك السّموات، ومالك الأرض، وما فيهنَّ؛ فهو الخالق، والمالك، والحاكم.
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾: إن: نافية أقوى أدوات النّفي؛ أيْ: ما عندكم من سلطان، والسّلطان: هو الحُجَّة القوية الّتي لا تدحض؛ لقوتها، وقد يعني سلطان القهر، والقوة.
﴿مِنْ﴾: استغراقية؛ تستغرق كلّ شيء.
﴿بِهَذَا﴾: الباء: للإلصاق، وهذا اسم إشارة للقرب، والهاء: للتنبيه، بهذا الّذي تقولونه: اتخذ الله ولداً؛ أيْ: ليس عندكم لا دليل، ولا برهان، ولا قوة للقول بهذا الباطل، والبهتان.
﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أتقولون: الهمزة: للاستفهام، للتّوبيخ، والتّقريع. تقولون: تفترون على الله الكذب، والباطل، وما عندكم من أيِّ سلطان؛ أيْ: دليل وحُجَّةٌ.
﴿مَا﴾: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
стр. 2082
﴿لَا تَعْلَمُونَ﴾: لا: النّافية للجنس. تعلمون: لأنّ كلّ قول لا برهان عليه، ولا حُجَّة، ولا دليل: هو جهل، وليس علماً.
سورة يونس [١٠: ٦٩]
﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾:
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول؛ يشير لهؤلاء الّذين قالوا اتخذ الله ولداً.
﴿يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾: الافتراء: هو الكذب المتعمد المختلق، الكذب: هنا معرفة مُعرف بأل التّعريف، ويشير إلى قولهم: اتخذ الله ولداً؛ فالكذب محدَّد، ولم يقل: يفترون على الله كذباً.
﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾: لا: النّافية للجنس. الفلاح: هو الفوز، والنّفع الباقي أثره، ويعني: النجاة من النّار، والفوز بالجنّة.
سورة يونس [١٠: ٧٠]
﴿مَتَاعٌ فِى الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾:
﴿مَتَاعٌ﴾: المتاع: هو كلّ ما ينتفع به، أو يتمتع به، ويرغب في اقتنائه الطّعام، والشّراب، وأثاث البيت، والسّلعة الأداة والمال، والمتاع: يطلق على القليل، أو الكثير، وهو متاع زائل.
﴿فِى الدُّنْيَا﴾: في: ظرفية، زمانية، ومكانية.
﴿الدُّنْيَا﴾: مشتقة من الدّنو؛ أيْ: متاع زائل، وفانٍ، وقليل جداً بالنّسبة لمتاع الآخرة.
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾: ثمّ: للترتيب، والتّراخي الزّمني؛ أيْ: يوم القيامة.
стр. 2083
﴿إِلَيْنَا﴾: جار ومجرور، وتقديمها للحصر، والقصر؛ أيْ: إلينا وحدنا مرجعُهُم.
﴿مَرْجِعُهُمْ﴾: لكي يتم حسابهم، والحكم، والقضاء فيهم.
﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾: ثمّ: للتوكيد، والتّرتيب الذِّكري.
﴿الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾: الشّديد: صيغة مبالغة شديد الإيلام لا أحد يطيقه.
﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾: الباء: للإلصاق، أو السّببية، أو البدل. ما: اسم موصول، أو مصدرية.
﴿يَكْفُرُونَ﴾: يجحدون، وينكرون الله، ويشركون بالله، ويكفرون: تدل على أنّهم لم يتوبوا، وماتوا وهم على الكفر؛ لأنّ يكفرون بصيغة المضارع؛ تدلّ على التّجدد، والاستمرار.
стр. 2084
سورة يونس [١٠: ٧١]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَىَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾: الواو: استئنافية، اتلُ عليهم، أو أخبرهم، أو اقرأ عليهم، والخطاب موجَّه إلى النّبي ﷺ ، أو أفراد أمته. والتّلاوة: هي في الأصل موالاة الكلمات الكلمة بعد الكلمة، واتلُ؛ أي: اقرأ: والتّلاوة أخص من القراءة؛ فكلّ تلاوة قراءة، وليست كلّ قراءة تلاوة. والتّلاوة لا تكون عادة إلّا من كتاب الله تعالى، ولها أجر؛ الحرف بعشر حسنات.
﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾: النّبأ: هو الخبر العظيم؛ أيْ: أخبر قومك خبر نوح العظيم.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ﴾: إذ: ظرف زماني للزمن الماضي، وتعني: حين.
﴿قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ﴾: يا: أداة نداء للبعد، يا قوم: نداء فيه معنى اللِّين، والعطف على قومه.
﴿إِنْ﴾: شرطية، وفيها معنى الاحتمال أن يكون مقامه قد كَبُرَ على قومه.
﴿كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم﴾: كان: للتوكيد.
﴿كَبُرَ عَلَيْكُم﴾: كبر؛ أيْ: عظم، وشق عليكم، أو صعب عليكم ما أدعوكم إليه.
стр. 2085
﴿مَّقَامِى﴾: مقامي؛ أيْ: طول إقامتي، أو مكثي بينكم، أو طالت دعوتي إليكم (٩٥٠ سنة)، انتبه إلى تشديد الميم، وفتحها مَقامي؛ لأنّ هناك مُقاماً بضم الميم، وهنا مَقامٌ بفتح الميم من دون تشديد، وأمّا الفرق بين هذه الثّلاث فهو:
مَّقام: تعني: المُقام المؤقت؛ سواء أكان الوقوف على الحجر لبناء الكعبة، أم الدّعوة؛ دعوة قومه المؤقتة، ثمّ تنتهي ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَّقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٩]، ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥].
بينما مُقام: مكان إقامة دائمة، وسكن؛ مثل: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣]، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦].
أما مَقام: فهو المنزلة الرّفيعة، أو الدّرجة الرّفيعة، وقد تعني: الخيرات كقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
﴿وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: وتذكيري لكم بآيات الله، وتشمل الآيات الكونية، أو التنزيلية، أو المعجزات الدّالة على وحدانية الله، وعظمته. والباء: للإلصاق، والاستمرار.
﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾: فعلى: الفاء: للتوكيد؛ على الله: تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة تشير إلى الحصر، أو فقط على الله وحده توكلت: أعتمد عليه وأطلب منه المساعدة والعون في دعوتي إياكم لتبعدوه وتوحدوه.
﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَىَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: أجمعوا: أي: اتفقوا على رأي واحد؛ اتفقوا معاً. أجمعوا: فيها معنيين: الإجماع، والجمع؛ الجميع اجتمعوا على رأي واحد؛ أي: اتفقوا.
﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾: الواو: تعني: مع؛ شركاءَكم: رؤساءَكم، أو ذوي الأمر؛
стр. 2086
اجتمعوا واتفقوا على رأي واحد، ثمّ ينصح أعدائه بقوله؛ لأنّه واثق من عون الله له.
﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾: ثمّ: للتدرج في التّحدي (الدّرجة الثّانية).
﴿لَا﴾: النّاهية.
﴿يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾: غمة: معناها السّتر، والتّغطية؛ أيْ: لا يكن أمركم مكتوماً، أو مستوراً مخفياً، بل أظهروه، واكشفوا ما اتفقتم عليه، أو حكمتم به للملأ.
﴿ثُمَّ﴾: الدّرجة الثّالثة.
﴿اقْضُوا إِلَىَّ﴾: اشرعوا في تنفيذ ما قضيتم (حكمتم به).
﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾: لا تمهلون (لا تعطوني وقتاً طويلاً، أو مهلة طويلة) نفِّذوا الحكم مباشرة ضدي، ومن دون تأخير، وهذا أقصى التّحدي؛ فإني لست مبالياً بكم، ولم يقل: ولا تنظروني؛ أيْ: تمهلوني، وإنما تنظرون: حذف الياء؛ ليدل على قصر زمن الإمهال.
ولنعلم: أنّ ما ورد في سورة يونس من قصة نوح هو جاء ليظهر موقف التحدي والصراع بينه وبين قومه، ولم يتطرق إلى كيفية كانت دعوته، وطريقته؛ فهذا تراه في سور أخرى؛ مثل: سورة هود، والأعراف، وسورة نوح … وغيرها.
سورة يونس [١٠: ٧٢]
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾:
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: فإن: الفاء: للتوكيد؛ إن: شرطية تفيد الاحتمال، أو الشّك.
стр. 2087
﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾: التولي: الابتعاد، أو أعرضتم عما جئتكم به، ولم تقبلوا دعوتي؛ فلن أسألكم عليه من أجر.
﴿فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ﴾: فما: الفاء: للتوكيد.
﴿سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ﴾: من أجر: من: استغراقية؛ للنّفي المطلق، وتفيد التّوكيد، من أيِّ أجر مهما كان نوعه، والأجر: الجزاء على العمل وهو المال، والجمع: أجور، والأجر الّذي يطلبه هو الثّواب من الله، ولا يعني: المال، أو المتاع.
﴿إِنْ أَجْرِىَ﴾: إن: نافية، وتعني: ما أجري، وإن: أكثر توكيداً للنفي من: ما.
وفي سورة هود قال: ﴿لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾، الأجر: أعم من المال؛ فهو يشمل المال، وغير المال؛ مثل: التّمر، والزّرع، والحب، أمّا المال: فهو نوع من الأجر، والذي يطمع به نوح، وغيره من الأنبياء: هو الثّواب؛ الّذي هو أفضل من الأجر، والمال.
﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾: إلا أداة حصر. على الله: وحده.
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: وأمرت: من ربي أن أكون من المسلمين، ولم يقل: أوّل المسلمين؛ لأنّ هناك من أسلم قبله لله؛ من المسلمين الموحدين المطيعين المنقادين لأوامر الله، وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٦٣) من سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ فقد تعني: أول المسلمين من أمة محمد ﷺ ، وقد تعني: أول المسلمين درجة، والآية (١٠٤) من سورة يونس، وهي قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ والإيمان أعلى درجة من الإسلام.
стр. 2088
سورة يونس [١٠: ٧٣]
﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِى الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾:
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾: الفاء: عاطفة، وهاء الضّمير تعود على قوم نوح الّذين كفروا، ولم يؤمنوا له.
﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، نجيناه: تعني: عملية النّجاة تمت ببطء (استغرق زمن طويل)، كي يصنع الفلك، ولو قال: فأنجيناه: هذا يدل على أنّ النّجاة تمت بسرعة.
﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾: مَنْ: استغراقية؛ تشمل كلّ واحد آمن معه، وتشمل الاثنين، أو أكثر، ومن معه، ولم يقل: والذّين معه؛ لأنّ من معه: تدل على قلّة عدد الّذين آمنوا معه، أمّا الّذين معه فتدل على الكثرة، وقيل: كانوا حوالي (٧٠).
﴿فِى الْفُلْكِ﴾: الفلك: السّفن، وتطلق على المفرد، والمثنى، والجمع.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾: ارجع إلى الآية (١٤) من سورة يونس، والأنعام، آية (١٦٥)؛ للبيان.
﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أغرقنا بالطّوفان.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: الكونية، والتّنزيلية، والمعجزات، والتّكذيب: نوع من الكفر، ويعني: عدم الإيمان بها، والتّصديق.
﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾: فانظر: الخطاب موجَّه إلى رسول الله ﷺ ، وبالتّالي إلى أمته؛ أيْ: فانظروا كيف كان مصير المنذرين، وهو الهلاك، والدّمار بأشكاله المختلفة.
﴿كَيْفَ﴾: استفهام يحمل معنى التّعجب.
стр. 2089
﴿كَانَ عَاقِبَةُ﴾: من خصائص القرآن الكريم حين يذكر العاقبة فيقول: كان، وليست كانت العاقبة؛ تعني: العذاب.
وحين يؤنث فيقول: كانت عاقبة تعني: الجنّة وهذا من خصائص القرآن الكريم.
سورة يونس [١٠: ٧٤]
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: تفيد التّرتيب، والتّراخي.
﴿بَعَثْنَا﴾: البعث؛ يعني: هناك منهج كان موجوداً، ثمّ اندثر؛ فيبعث الله سبحانه من يجدِّده على لسان رسول جديد، والبعث مقارنة بالإرسال فيه إثارة، وتهيج، وأقوى من الإرسال. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد نوح، واستعمال من: بدلاً من قوله: ثمّ بعثنا بعده. من تعني: مباشرة، أو بوقت قليل بعثنا من بعد نوح.
﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: أمثال: هود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم، ولوط.
﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: فجاؤوا أقوامهم بالبينات؛ الفاء: تدل على التّوكيد.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾: جمع: بينة؛ وتعني: البرهان، والدّليل، وتعني: الآيات، وفيها المعجزات الدّالة على صدق دعواهم، ورسالاتهم.
﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: الفاء: تدل على التّرتيب، والتّعقيب. ما: النّافية.
﴿كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: اللام: للتوكيد؛ ليؤمنوا: ليصدقوا.
﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾: الباء: للإلصاق، وما: اسم موصول، أو مصدرية؛
стр. 2090
أيْ: فما كانت تلك الأقوام أقوام الأنبياء الّذين أرسلوا بعد نوح ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح، بل كذبوا كتكذيب قوم نوح، وكأنّه سبحانه لم يبعث إليهم أحد، أو ما كانت أقوام الرّسل تؤمن بما كذبت به قبل بعثة الرّسل، بل استمروا على تكذيبهم، وعنادهم، ورفضهم لرسلهم.
﴿كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: بالبينات، والآيات.
﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾: أيْ: كما طبعنا على قلوب هؤلاء الّذين كذبوا رسلهم من قبل نطبع على قلوب المعتدين، فلا يؤمنون، والطّبع أشد من الختم، ويعني: لا يدخل قلوبهم أيُّ إيمان، ولا يخرج من قلوبهم؛ أيُّ كفر؛ لأنّهم هم الّذين اختاروا ذلك لأنفسهم.
لنقارن هذه الآية (٧٤) من سورة يونس: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾.
مع الآية (١٠١) من سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾.
في آية يونس: حدَّد ما كذبوا؛ فقال: ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ﴾، وتعني: آياتنا (خصص).
أمّا في آية الأعراف: فأطلق، ولم يحدِّد ما نوع ما كذبوا تركها لتشمل كلّ شيء، الآيات وغيرها.
وفي آية يونس قال: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ مبني للمجهول.
وفي آية الأعراف: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾: الفاعل معلوم: هو الله، والطّبع في هذه الآية (آية الأعراف) أشد من الطّبع في آية يونس، والكافرين أسوأ من المعتدين.
стр. 2091
سورة يونس [١٠: ٧٥]
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾:
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتّراخي في الزّمن.
﴿بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم﴾: من بعد هؤلاء الرّسل. انظر إلى الآية السّابقة.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠٣) للبيان.
﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ﴾: الملأ: هو أشراف القوم، ورؤساؤهم، وسموا بالملأ؛ لأنّهم الّذين يملؤون عيون النّاس؛ أيْ: لا ترى العيون غيرهم دائماً على التلفزيون، والإذاعة، أو ممثلين للقوم في مجلس النّواب، أو الشّعب، رؤساء العشائر، والقبائل.
﴿بِآيَاتِنَا﴾: بالمعجزات الدّالة على نبوَّة موسى، وهارون، وصدق رسالتهم، والدّالة على عظمة الله، ووحدانيته، ومنها: العصا، واليد، ومنها: الجدب، والطّوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدّم …
﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾: الفاء: تدل على التّوكيد، والتّرتيب، والتّعقيب. استكبروا بغير حق؛ استكبروا أن يؤمنوا بالله، ويصدقوا بموسى، وبالغوا في الاستكبار؛ السين والتاء: تدل على المبالغة. ارجع إلى سورة البقرة آية (٨٧) لمزيد من البيان.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾: كافرين، ومشركين ومجرمين: بالقتل، وسفك الدّماء، واستحياء النّساء. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمين.
في هذه الآية (٧٥) من سورة يونس: نرى أنّه سبحانه أخر ذكر الآيات فقال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ بِآيَاتِنَا﴾، بينما في
стр. 2092
الآية (١٠٣) من سورة الأعراف: قدَّم كلمة آياتنا؛ فقال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ﴾، وتعليل ذلك: في سورة يونس لم يذكر أيَّ شيء عن الآيات، ونوعها، ما هي، فلم تكن هي موضع الاهتمام، بينما في سورة الأعراف: قدَّم ذكر الآيات؛ لأنّ السّياق كان الاهتمام بالآيات؛ لدعوة فرعون، وملئه إلى الإيمان.
سورة يونس [١٠: ٧٦]
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ لما: ظرف زماني؛ بمعنى: حين.
﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾: الحقّ: ما جاء به موسى من الآيات.
﴿قَالُوا إِنَّ هَذَا﴾: إنّ: للتوكيد، هذا: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب؛ تشير إلى الآيات العصا، واليد … وغيرها.
﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾: اللام: لام التّوكيد، سحر مبين: سحر ظاهر لا يخفى على كلّ إنسان، وسحر مبين: سحر ظاهر، وتام، وكامل يشمل كلّ أنواع السّحر، ولا يحتاج إلى دليل، أو برهان: أنه سحر. ارجع إلى سورة طه، آية (٥٨) وسورة البقرة، آية (١٠٢)؛ لبيان معنى السّحر.
سورة يونس [١٠: ٧٧]
﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾:
﴿أَتَقُولُونَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري، وتوبيخي؛ أيْ: قال موسى منكراً، وموبخاً لهم: أتقولون.
﴿لِلْحَقِّ﴾: اللام: للاختصاص، والتّعليل. الحقّ: هنا الآيات: العصا، واليد … وغيرها.
﴿لَمَّا﴾: ظرف زماني؛ بمعنى: حين.
стр. 2093
﴿جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا﴾: أيْ: قال موسى: أتقولون للحق: إنّه لسحر، أو هو سحر، ثمّ قال: أسحر هذا؛ فهو يدعوهم إلى ضرورة النّظر إلى الحقّ بغض النّظر من أين جاء، ومن جاء به.
﴿لَمَّا جَاءَكُمْ﴾: شبه الحقّ برجل كأنّه يمشي على قدميه.
﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾: الهمزة استفهام إنكاري. هذا: الهاء: للتنبيه، وذا: اسم إشارة للقرب.
﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾: الواو: حالية؛ تفيد التّوكيد، ولا: النّافية للجنس؛ يفلح: من الفلاح هو الفوز والنجاة والظفر بالمرغوب.
﴿السَّاحِرُونَ﴾: جمع ساحر؛ أيْ: لا يفوز السّاحر، ولا ينال الخير، أو يدرك ما يتمنَّاه.
سورة يونس [١٠: ٧٨]
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِى الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿قَالُوا﴾: أي: الملأ من قوم فرعون.
﴿أَجِئْتَنَا﴾: استفهام التّهكم؛ أجئتنا؛ أيْ: نسبوا المجيء لموسى ﵇ نفسه؛ أي: المجيء بالمعجزة العصا، واليد لموسى، وليس إلى الله سبحانه.
﴿لِتَلْفِتَنَا﴾: اللام: لام الاختصاص؛ أيْ: تصرفنا، وتبعدنا عن تقليد آبائنا، أو تُثنينا، وأصل لتفلتنا: من الالتفات: وهو تحويل الوجه، وصرفه عن شيء ينظر إليه.
﴿عَمَّا﴾: عن: يفيد المجاوزة، والابتعاد، ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
стр. 2094
﴿وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: أيْ: من التّقليد، وعبادة الأصنام، والفساد، والضّلال.
﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِى الْأَرْضِ﴾: أي: السّيادة، والملك في أرض مصر، والكبرياء: العظمة، والملك، والتّجبر، والسّلطان، والسّيطرة: هم وجدوا في دعوة موسى ﵇ مصيبة كبرى الأولى: هي ترك عقيدة آبائهم، والثّانية خسارة السّلطة، والجاه، والمنصب.
﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾: لذلك أعلن فرعون، وملؤه وقومه؛ لكما: خاصة؛ أي: موسى وهارون.
﴿وَمَا﴾: الواو: استئنافية، ما: النّافية.
﴿نَحْنُ﴾: فرعون وبطانة فرعون وملئه أو قومه.
﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾: الباء: للتوكيد؛ توكيد النّفي بعدم الإيمان إيمان العقيدة الإيمان بالله تعالى، والتّصديق بما جاء به موسى وهارون.
стр. 2095
سورة يونس [١٠: ٧٩]
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِى بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾:
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾: لملئه: ﴿ائْتُونِى بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾: ساحر عليم: صيغة مبالغة من علم؛ أي: كثير العلم بالسّحر. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤٩) للتعرف على من هو فرعون.
سورة يونس [١٠: ٨٠]
﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُّلْقُونَ﴾:
﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ لما: ظرف زماني بمعنى: حين، الفاء: تدل على مجيء السّحرة مباشرة من دون تباطؤ.
﴿جَاءَ السَّحَرَةُ﴾: إلى فرعون.
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا﴾: أي: اطرحوا، أو ألقوا ما أنتم ملقون، وكان هذا هو القرار بعد المشاورة بينهم: أن يستجيبوا لطلب موسى بأن يلقوا أولاً.
وفي هذه السّورة لم يذكر سبحانه ما جرى من حوار بين السّحرة، وفرعون قبل إلقاء الحبال، والعصي، وبين السّحرة وموسى من سيلقي أولاً، وذكر ذلك في سورة طه، آية (٦٥ - ٦٦).
стр. 2096
سورة يونس [١٠: ٨١]
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾:
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾: الفاء: تدل على المباشرة، والتّرتيب؛ ألقوا حبالهم وعصيهم كما ورد في سورة طه، آية (٦٥ - ٦٦)، والشعراء، آية (٤٤).
﴿قَالَ مُوسَى﴾: للسحرة.
﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ﴾: ما: اسم موصول، أو ما: اسم استفهام؛ أي: الّذي جئتم به نوع من السّحر.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾: إن: للتوكيد، سيبطله: أمام النّاس، والسّين: للاستقبال القريب؛ أيْ: عما قريب الله سيبطله؛ أيْ: سيظهر بطلانه، أو سيزيله.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: إن: للتوكيد.
﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾: لا: النافية؛ لا يبارك ولا يديم عمل المفسدين.
سمَّى السّحرة مفسدين؛ لأنّ السّحر من أسباب الفساد في الأرض، وعملهم يعتبر فساداً؛ أيْ: تخريباً، وشراً في الأرض. المفسدين: جملة اسمية تدل على الثبوت؛ أي: ثبوت الفساد عندهم. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمزيد من البيان في معنى الفساد.
سورة يونس [١٠: ٨٢]
﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾:
﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾: أيْ: يظهر، ويبيِّن ويُمكِّن، وينشر الحقّ. والحق: هو الأمر الثابت الذي لا يتغير أو يتبدل.
стр. 2097
﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: بأوامره؛ كأمره للعصا أن تتحول إلى حية تسعى تلقف ما يأفكون.
﴿وَلَوْ﴾: لو: شرطية.
﴿كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: كره المفسدون، المشركون، الكافرون. ارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، وسورة الجاثية آية (٣١) لبيان معنى المجرمون.
سورة يونس [١٠: ٨٣]
﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِى الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾:
﴿فَمَا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب. ما: النّافية.
﴿آمَنَ لِمُوسَى﴾: أيْ: صدق موسى، أو اتبع موسى بعد الإلقاء، وفوز موسى على السّحرة.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.
﴿ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾: الهاء في قومه: إما تعود إلى ذرية موسى؛ أي: أتباعه، أو تعود إلى ذرية فرعون، أو كلاهما، أما بالنّسبة لذرية فرعون. فالذّرية: تعني القليل من ذرية فرعون، وهي امرأته، ومؤمن آل فرعون، وماشطة فرعون، أو ذرية موسى: وهم أولاد بني إسرائيل الصّغار من آمن بموسى وكتم إيمانه.
﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِمْ﴾: على خوف، ولم يقل: من خوف.
﴿عَلَى﴾: تفيد الاستعلاء والمشقة بسبب إيمانهم، والخوف: تعريفه هو توقع الضّرر المشكوك في وقوعه.
﴿مِنْ﴾: للابتداء. فرعون وملئهم.
стр. 2098
﴿وَمَلَإِيهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد. أن يفتنهم بالعذاب، والبطش.
﴿وَمَلَإِيهِمْ﴾: أيْ: أن يأمر فرعون زبانيته بالقيام بتعذيب هؤلاء الّذين آمنوا بموسى ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِمْ﴾: جاء بصيغة الجمع (ملئهم)؛ لأنّهم خافوا من زبانية فرعون أن يفتنهم بصيغة المفرد؛ لأنّ فرعون هو الّذي يصدر الأوامر إلى زبانيته.
والتّفسير الثّاني: أنّ طائفة من بني إسرائيل، وهم أشراف بني إسرائيل كانوا يمنعون أولادهم، وذريتهم من اتباع موسى؛ خوفاً من فرعون عليهم، وعلى أنفسهم أن يفتنهم؛ أيْ: يعذبهم فرعون وملؤُهُ.
﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ﴾: إنّ: للتوكيد. ارجع إلى سورة البقرة آية (٤٩) لمعرفة من هو فرعون.
﴿لَعَالٍ فِى الْأَرْضِ﴾: اللام: لام الاختصاص، عال في الأرض: متكبر.
﴿وَإِنَّهُ﴾: لزيادة التّوكيد.
﴿لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: لمن: اللام: للتوكيد، والاختصاص. المسرفين: جمع مسرف جملة اسمية تدل على الثبوت ثبوت الإسراف عنده.
﴿الْمُسْرِفِينَ﴾: لقد أسرف الّذي تجاوز حدوده، وادّعى الألوهية، وقال: أنا ربكم الأعلى، والمسرفين في الظلم، والعدوان، والفساد في الأرض، وقتل الأبرياء.
стр. 2099
سورة يونس [١٠: ٨٤]
﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّسْلِمِينَ﴾:
﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ﴾: نداء فيه عطف، وحنان، ولين. قال موسى هذا القول بعد أن شكا بنو إسرائيل من سوء معاملة قوم فرعون لهم، ومتى يكون الفرج.
﴿إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الشك، والاحتمال.
﴿آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾: إيمان العقيدة، والتصديق.
﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾: جواب الشّرط؛ فالتّوكل من متطلبات الإيمان، وهو الاستعانة بالله في كلّ الأمور بعد تقديم الأسباب. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لبيان معنى التّوكل.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّسْلِمِينَ﴾: جاء بشرط آخر: هو الإسلام، والإسلام هنا؛ يعني: التّوحيد، والطّاعة، والإخلاص، والاستسلام لله وحده.
ملاحظة: إذا جاء جواب شرط بعد جواب شرط آخر، كما ورد في هذه الآية، وورد جوابان لشرط واحد؛ فجواب الشّرط الأخير: هو المقدَّم؛ لأنّ جواب الشّرط الأوّل متضمن في الشّرط الأخير، عادة، فالتّوكل هنا لا ينشأ إلا أن يكون الفرد مؤمناً، ومن البديهي أن يكون مسلماً، قبل أن يكون مؤمناً.
سورة يونس [١٠: ٨٥]
﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾:
بعد أن حثَّهم موسى على الإيمان.
﴿فَقَالُوا﴾: الفاء: للمباشرة، والتّعقيب، واستجابة لموسى من دون تأخير.
﴿عَلَى اللَّهِ﴾: تقدَّم الجار والمجرور على الله يفيد الحصر، والقصر؛ أيْ: حصر وقصر التّوكل على الله وحده لا غيره؛ أيْ: لا نتوكل إلا على الله.
стр. 2100
﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾: أي: اعتمدنا، أو استعنَّا بالله. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٨٩)؛ لمزيد من البيان.
﴿رَبَّنَا﴾: أيْ: يا ربنا؛ حذف أداة النّداء الياء؛ لشعورهم بأن الله قريب يسمع دعائهم.
﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: لا: النّاهية.
﴿فِتْنَةً﴾: أيْ: لا تعذبنا على أيدي قوم فرعون، أو تنصرهم علينا، فيفتنوننا؛ أيْ: يردونا إلى الكفر، أو الفتنة، التّقصير في الدِّين، أو يضلونا عن الهدى. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (٧)؛ لمزيد من البيان في معنى الفتنة.
﴿لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، القوم الظّالمين؛ أيْ: قوم فرعون (الأقباط).
﴿الظَّالِمِينَ﴾: المشركين، الطّاغين.
سورة يونس [١٠: ٨٦]
﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾:
﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ﴾: نجنا: من نجّى، ولم يقل: أنجنا، نجنا: تدلّ على البطء، وطول الزّمن، وأنجنا: تدلّ على السّرعة، وقصر الزّمن، والشّدة.
﴿بِرَحْمَتِكَ﴾: الباء: باء السّببية. رحمتك: الرّحمة: هي الإنعام على المحتاج، وتعني: دفع الضّر، أو الوقاية منه.
﴿مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: قوم فرعون، وغيرهم من الكافرين، وهم أشد عصياناً من القوم الظّالمين، الكافرين: تتضمن الظّالمين.
стр. 2101
سورة يونس [١٠: ٨٧]
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾: الوحي: هو إعلام بخفاء. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان في معنى الوحي.
وحدث الإيحاء بعد أن خُربت بيوت عبادتهم من قبل فرعون، وجنوده، ومنعوا من الصّلاة، وإقامة شعائر دينهم، وذلك في المرحلة السّابقة؛ لخروجهم من أرض مصر.
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد.
﴿تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: التّبوُّء: هو اتخاذ المكان مباءَةً؛ أيْ: مرجعاً يبوء؛ أيْ: يرجع إليه الإنسان في كلّ مرة، أو المكان الّذي ينزل به الإنسان، ويسكن فيه، والتّبوُّء: التّوطن في مكان واحد.
﴿لِقَوْمِكُمَا﴾: اللام: لام التّوكيد، قومكما: أيْ: بني إسرائيل.
﴿بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: الباء: للإلصاق، ومصر هنا تعني: مصر أرض مصر القديمة.
﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾: أيْ: أمكنة للصلاة، والعبادة؛ أيْ: صلوا فيها خوفاً من فرعون وجنوده، أو اجعلوها مستقبلة القبلة؛ أيْ: متجهة إلى المسجد الأقصى، أو مقابلة بعضها بعضاً للحراسة، والأمن (أسهل للمراقبة).
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: وإقامة الصّلاة بأركانها، وشروطها، وفي أوقاتها، والمحافظة عليها، والصّلاة أهم الشّعائر.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالنّصرة، والعون في الدّنيا، وبالجنّة في الآخرة،
стр. 2102
والبشارة؛ تعني: الخبر السّار لأوّل مرة. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان.
سورة يونس [١٠: ٨٨]
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾:
كان هذا دعاء موسى على فرعون، وملئه بعد أن تبيَّن له أنّهم مصرون على الكفر، والجحود، وإنكار الرّسالة.
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ﴾: إنك: إن: حرف مشبه بالفعل؛ للتوكيد.
﴿آتَيْتَ﴾: الإيتاء: هو العطاء الممكن أن يُستَردُّ من صاحبه؛ أيْ: إيتاء من دون تملك، أمّا العطاء فهو يعني تملك. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة.
﴿زِينَةً﴾: الزّينة: هي ما يُتزيَّن به من الحلي؛ كالذهب، والفضة، واللباس، والأثاث، والزّخرف، والأموال.
﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: ليضلوا: اللام: لام التّعليل.
﴿عَنْ سَبِيلِكَ﴾: عن دينك، وكيف يقول موسى: آتيت فرعون وملأَه ﴿زِينَةً وَأَمْوَالًا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: حقيقة هل أعطاهم الله المال؛ ليضلوا؟! طبعاً لا، ولكن فتنة لهم، وهم الّذين اختاروا الضّلال، وجحدوا النِّعمة، وأضلوا غيرهم، وبذروا تبذيراً.
﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾: والطّمس: المحق، والإزالة، أو تغير الصّورة؛
стр. 2103
لأنّها كانت وسيلة إضلال، والطّمس قد يعني: المسخ، والتّشويه؛ حتّى لا يصح لها قيمة ولا ينتفع بها. قيل: سبائك الذّهب تحولت إلى حجارة.
﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أيْ: أحكم الأربطة على قلوبهم؛ أي: اطبع، أو اختم على قلوبهم؛ فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر.
﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾: الفاء: للتوكيد.
﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية.
﴿يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: قيل: العذاب الأليم: هو الغرق؛ فقد استجاب له ربه، وكان غرق فرعون وجنوده في البحر، وقيل: كان موسى يدعو وهارون يؤمن؛ لقوله بعد ذلك: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩].
وقد يسأل البعض كيف يدعو موسى على قومه هذا الدّعاء بعدم الهداية، والإيمان، وهو نبيهم، والرّد على هذا: أنّ موسى ﵇ لم يدعُ بهذا إلا بعد أن أُوحي إليه أنّه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، كما حدث لنوح ﵇ أيضاً عندها قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
стр. 2104
سورة يونس [١٠: ٨٩]
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
قال تعالى استجابة لدعاء موسى:
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾: أجيبت دعوة موسى، وهارون؛ حيث كان موسى يدعو وهارون يؤمِّن على دعاء أخيه، أو يدعو هارون سراً.
﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: الفاء: للتوكيد، استقيما: على منهج الدّعوة، والتّبليغ، أو استقيما على الحقّ، وقيل: كان بين الدّعاء والاستجابة بهلاك فرعون (٤٠ سنة)، كما روى الطبري.
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية.
﴿تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أيْ: تتعجلان الاستجابة، ومتى ستقع واتركا أمر التّدبير، ومتى سيتم لله وحده، وحكمته.
﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قد تعود على الّذين يستعجلون بالإجابة على الدّعاء، أو قد تعود على فرعون، وقومه.
стр. 2105
سورة يونس [١٠: ٩٠]
﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَاءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾:
﴿وَجَاوَزْنَا﴾: جاز المكان، أو جاوزه وتجاوزه، إذا عبر المكان، أو اجتازه حتّى تركه وراءه.
﴿بِبَنِى﴾: أيْ: عبرنا ببني إسرائيل البحر، ببني: الباء: للإلصاق.
﴿الْبَحْرَ﴾: الأحمر.
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب مباشرة؛ لحقهم فرعون وجنوده.
﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾: البغي هو أخذ حق الغير بقهر، وقوة؛ أي: الظّلم والقهر، وعدواً عدواناً عليهم.
أيْ: لحقوا بهم للبغي عليهم، والعدوان، والفتك بموسى وهارون وبني إسرائيل الّذين خرجوا معهما، وإعادتهم إلى مصر؛ ليعذبوهم، ويستعبدوهم، كما كانوا يفعلون.
﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: حتّى: حرف غاية نهاية الغاية، إذا ظرف زماني، أدركه الغرق: فكأن الغرق يجري وراء فرعون ليدركه.
﴿قَالَ﴾: فرعون، ﴿آمَنْتُ﴾: صدقت (قاله بلسانه)، ﴿أَنَّهُ﴾: أن: للتوكيد.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى﴾: لا: النّافية للجنس تنفي كلّ الأزمنة.
﴿إِلَهَ﴾: لا معبود.
следующие страницы →