← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

سورة يونس [١٠: ٨٧] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ﴾: الوحي: هو إعلام بخفاء. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان في معنى الوحي. وحدث الإيحاء بعد أن خُربت بيوت عبادتهم من قبل فرعون، وجنوده، ومنعوا من الصّلاة، وإقامة شعائر دينهم، وذلك في المرحلة السّابقة؛ لخروجهم من أرض مصر. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: التّبوُّء: هو اتخاذ المكان مباءَةً؛ أيْ: مرجعاً يبوء؛ أيْ: يرجع إليه الإنسان في كلّ مرة، أو المكان الّذي ينزل به الإنسان، ويسكن فيه، والتّبوُّء: التّوطن في مكان واحد. ﴿لِقَوْمِكُمَا﴾: اللام: لام التّوكيد، قومكما: أيْ: بني إسرائيل. ﴿بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾: الباء: للإلصاق، ومصر هنا تعني: مصر أرض مصر القديمة. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾: أيْ: أمكنة للصلاة، والعبادة؛ أيْ: صلوا فيها خوفاً من فرعون وجنوده، أو اجعلوها مستقبلة القبلة؛ أيْ: متجهة إلى المسجد الأقصى، أو مقابلة بعضها بعضاً للحراسة، والأمن (أسهل للمراقبة). ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: وإقامة الصّلاة بأركانها، وشروطها، وفي أوقاتها، والمحافظة عليها، والصّلاة أهم الشّعائر. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: بالنّصرة، والعون في الدّنيا، وبالجنّة في الآخرة،

стр. 2102

والبشارة؛ تعني: الخبر السّار لأوّل مرة. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. سورة يونس [١٠: ٨٨] ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: كان هذا دعاء موسى على فرعون، وملئه بعد أن تبيَّن له أنّهم مصرون على الكفر، والجحود، وإنكار الرّسالة. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ﴾: إنك: إن: حرف مشبه بالفعل؛ للتوكيد. ﴿آتَيْتَ﴾: الإيتاء: هو العطاء الممكن أن يُستَردُّ من صاحبه؛ أيْ: إيتاء من دون تملك، أمّا العطاء فهو يعني تملك. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة. ﴿زِينَةً﴾: الزّينة: هي ما يُتزيَّن به من الحلي؛ كالذهب، والفضة، واللباس، والأثاث، والزّخرف، والأموال. ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: ليضلوا: اللام: لام التّعليل. ﴿عَنْ سَبِيلِكَ﴾: عن دينك، وكيف يقول موسى: آتيت فرعون وملأَه ﴿زِينَةً وَأَمْوَالًا فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾: حقيقة هل أعطاهم الله المال؛ ليضلوا؟! طبعاً لا، ولكن فتنة لهم، وهم الّذين اختاروا الضّلال، وجحدوا النِّعمة، وأضلوا غيرهم، وبذروا تبذيراً. ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾: والطّمس: المحق، والإزالة، أو تغير الصّورة؛

стр. 2103

لأنّها كانت وسيلة إضلال، والطّمس قد يعني: المسخ، والتّشويه؛ حتّى لا يصح لها قيمة ولا ينتفع بها. قيل: سبائك الذّهب تحولت إلى حجارة. ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أيْ: أحكم الأربطة على قلوبهم؛ أي: اطبع، أو اختم على قلوبهم؛ فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر. ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾: الفاء: للتوكيد. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية. ﴿يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: قيل: العذاب الأليم: هو الغرق؛ فقد استجاب له ربه، وكان غرق فرعون وجنوده في البحر، وقيل: كان موسى يدعو وهارون يؤمن؛ لقوله بعد ذلك: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩]. وقد يسأل البعض كيف يدعو موسى على قومه هذا الدّعاء بعدم الهداية، والإيمان، وهو نبيهم، والرّد على هذا: أنّ موسى ﵇ لم يدعُ بهذا إلا بعد أن أُوحي إليه أنّه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، كما حدث لنوح ﵇ أيضاً عندها قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].

стр. 2104

سورة يونس [١٠: ٨٩] ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قال تعالى استجابة لدعاء موسى: ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾: أجيبت دعوة موسى، وهارون؛ حيث كان موسى يدعو وهارون يؤمِّن على دعاء أخيه، أو يدعو هارون سراً. ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾: الفاء: للتوكيد، استقيما: على منهج الدّعوة، والتّبليغ، أو استقيما على الحقّ، وقيل: كان بين الدّعاء والاستجابة بهلاك فرعون (٤٠ سنة)، كما روى الطبري. ﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية، لا: النّاهية. ﴿تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أيْ: تتعجلان الاستجابة، ومتى ستقع واتركا أمر التّدبير، ومتى سيتم لله وحده، وحكمته. ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: قد تعود على الّذين يستعجلون بالإجابة على الدّعاء، أو قد تعود على فرعون، وقومه.

стр. 2105

سورة يونس [١٠: ٩٠] ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَاءِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: ﴿وَجَاوَزْنَا﴾: جاز المكان، أو جاوزه وتجاوزه، إذا عبر المكان، أو اجتازه حتّى تركه وراءه. ﴿بِبَنِى﴾: أيْ: عبرنا ببني إسرائيل البحر، ببني: الباء: للإلصاق. ﴿الْبَحْرَ﴾: الأحمر. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب مباشرة؛ لحقهم فرعون وجنوده. ﴿بَغْيًا وَعَدْوًا﴾: البغي هو أخذ حق الغير بقهر، وقوة؛ أي: الظّلم والقهر، وعدواً عدواناً عليهم. أيْ: لحقوا بهم للبغي عليهم، والعدوان، والفتك بموسى وهارون وبني إسرائيل الّذين خرجوا معهما، وإعادتهم إلى مصر؛ ليعذبوهم، ويستعبدوهم، كما كانوا يفعلون. ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾: حتّى: حرف غاية نهاية الغاية، إذا ظرف زماني، أدركه الغرق: فكأن الغرق يجري وراء فرعون ليدركه. ﴿قَالَ﴾: فرعون، ﴿آمَنْتُ﴾: صدقت (قاله بلسانه)، ﴿أَنَّهُ﴾: أن: للتوكيد. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِى﴾: لا: النّافية للجنس تنفي كلّ الأزمنة. ﴿إِلَهَ﴾: لا معبود.

стр. 2106

﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿الَّذِى﴾: اسم موصول يشير إلى الله تعالى، ويدلّ على التّعظيم. ﴿آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: رغم أنّ فرعون نطق وقال: آمنت بالّذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين. لم يتقبَّل الله سبحانه توبته الّتي جاءت متأخرة؛ حيث أدركه الغرق؛ فهي توبة إكراه، وليست توبة خالصة، أو نصوحاً، قالها بسبب الغرق، وبعد نزول العذاب، ولو كان المطلوب هو إيمان إجبار لأجبر سبحانه كلّ الخلق على الإيمان، ولما كفر أحدٌ. سورة يونس [١٠: ٩١] ﴿آلْئَانَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: ﴿آلْئَانَ﴾: استفهام إنكاري، وتعجُّب؛ أي: الآن تقول: آمنت حين أدركك الغرق، وبلغت روحك الحلقوم. ارجع إلى الآية (٥١) من نفس السورة؛ للبيان. ﴿وَقَدْ﴾: قد: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿عَصَيْتَ قَبْلُ﴾: قبل الغرق، وطوال عمرك. ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾: الضّالين، الكافرين، المضلين، المتكبرين، المسرفين، المفسدين في الأرض بالقتل، والظلم، والطغيان.

стр. 2107

سورة يونس [١٠: ٩٢] ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾: ﴿فَالْيَوْمَ﴾: وكان يوم عاشوراء؛ كما ذكر الإمام البخاري في صحيحه: أنّ رسول الله ﷺ قال هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. ﴿نُنَجِّيكَ﴾: نخرجك من البحر حتّى لا يكون هناك شك في غرقك. ﴿بِبَدَنِكَ﴾: الباء: للإلصاق، والبدن: جسد بلا روح، ولا نفس. ﴿لِتَكُونَ﴾: اللام: لام التّعليل. لتكون: أنت. ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾: لمن بعدك. ﴿آيَةً﴾: عبرة، وموعظة، وعلامة على هلاكك، وحتّى لا يظن أحد أنّك نجوتَ من عذاب الله. قال ابن عباس ﵄: بعد غرقه وموته، طفت جثته على وجه الماء، وقيل: على نجوة من الأرض، وعليه ملابسه، ودرعه الّتي يعرفونها. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾: وإن: تفيد التّوكيد. ﴿كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾: كثيراً من الجن، والإنس. ﴿عَنْ آيَاتِنَا﴾: عن: تفيد المجاوزة، والابتعاد. والآيات: البينات، والأدلّة، والآيات القرآنية، والكونية، والمعجزات. ﴿لَغَافِلُونَ﴾: اللام: للتوكيد، غافلون: جمع غافل: وهو ترك ذكر الشّيء عمداً، وعدم اليقظة، والتّفكير. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان.

стр. 2108

سورة يونس [١٠: ٩٣] ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، لقد: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق. ﴿بَوَّأْنَا بَنِى إِسْرَاءِيلَ﴾: أنزلناهم منزلاً كريماً. ارجع إلى الآية (٨٧) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان. ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾: قيل: هو بيت المقدس، أو فلسطين (الأرض المباركة). ﴿وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾: الطيبات: جمع طيب: وهو الحلال الطاهر. ارجع إلى سورة الأنفال، آية (٦٩)؛ لمزيد من البيان. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾: الفاء: استئنافية، ما: النّافية. ﴿اخْتَلَفُوا﴾: الاختلاف هنا في بني إسرائيل، كما قال ابن عباس: من كون بعضهم آمن بمحمّد ﷺ ، وبعضهم استمر في كفره، وأنكروا رسالته؛ فهم كانوا متفقين غير مختلفين الكلّ ينتظرون قدوم النّبي المنتظر. ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يحكم بينهم، وبين من آمن بمحمّد، وكفر به من أهل الكتاب. ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: في أمر محمّد ﷺ ، والإيمان به، أو بأمور الدِّين، والسبت، وأخذهم الرّبا وقد نُهُوا عنه.

стр. 2109

﴿فِيمَا﴾: ما: تستعمل للشيء غير المحدَّد؛ لتشمل كلّ اختلاف، وتستعمل للمفرد، والمثنى، والجمع، بعكس الّذي: الّتي تستعمل للشيء المحدد. سورة يونس [١٠: ٩٤] ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِى شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: أولاً: حاشا للنّبي أن يكون من الشّاكين، أو الممترين. قال ابن عباس ﵄: لم يكن رسول الله ﷺ في شك، ولم يسأل. قال ﷺ : «لا أشك ولا أسأل»، وإن كان الخطاب موجَّهاً للنّبي ﷺ فهو موجَّه إلى كلّ من يشك في القرآن، وأنه الحقّ من ربك، سواء أكان من أتباع محمّد ﷺ ، أم غيره. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: استئنافية. إن: شرطية تستعمل للأمور الافتراضية، والّتي فيها شك في الحدوث. ﴿كُنْتَ فِى شَكٍّ﴾: الشّك: هو عندما تتساوى درجة الإثبات، ودرجة النّفي. ﴿مِمَّا﴾: مركبة من الاستغراقية، وما: تستعمل لذوات ما لا يعقل، وصفات من يعقل، وأوسع من حرف من، وأكثر إبهاماً، شيء مهما كان صغيراً، أو كبيراً. ﴿أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾: أنزلنا؛ تعني: جملة واحدة، أو دفعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ليلة القدر. الكتاب: القرآن. ﴿إِلَيْكَ﴾: إلى: تفيد عموم الغايات: البداية، الوسطى، النهاية؛ أيْ: لينتهي، أو يصل إلى أيدي النّاس، وعقولهم. ﴿فَسْئَلِ﴾: الفاء: للتوكيد.

стр. 2110

﴿الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾: التوراة، والإنجيل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾: هم اليهود، والنّصارى، أمثال: عبد الله بن سلام. ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: لقد: اللام: لام التّوكيد، قد: للتحقيق. ﴿جَاءَكَ الْحَقُّ﴾: وهو الشّيء الثّابت الّذي لا يتغير، والحق: يشمل القرآن، أو الوحي. ﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّاهية. ﴿تَكُونَنَّ﴾: النون: نون المخاطب، هنا محمّد ﷺ ، وبالتالي أمته، وحاشا أن يكون رسول الله ﷺ من الممترين. ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: الممترين: من المراء: هو الجدال بالباطل بعد ظهور الحقّ، جمع ممترٍ: وهو الّذي يجادل بالباطل بعد أن تبيَّن له الحقّ. سورة يونس [١٠: ٩٥] ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، ولا: النّاهية. ﴿تَكُونَنَّ﴾: ولم يقل: تكن، وإنما أكَّد بزيادة النّون في كلمة تكونن، والخطاب وإن كان موجَّهاً إلى رسول الله ﷺ فالمقصود به أمته، وكلّ من يكذب بآيات الله (القرآنية، أو الكونية، أو المعجزات، والبينات الدالة على عظمة الله ووحدانيته). ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: التّكذيب أقل درجة من الكفر، وحدد الكذب هنا بآيات الله، ولم يطلق الكذب ليشمل كلّ شيء.

стр. 2111

﴿فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: في الدّنيا، والآخرة؛ الخاسرين لأنفسهم، وربما لأهليهم. وفي هذه الآية حثٌّ على التّثبيت والعصمة، وعلى سبيل الإنذار. سورة يونس [١٠: ٩٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد. ﴿الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: وجبت وثبتت: حقت، جاءت بصيغة تدل على أنها وقعت رغم أنّها ستكون في المستقبل، والزّمن كله واحد عند الله: الماضي، والحاضر، والمستقبل؛ لأنّه خالق الزّمن، والمكان. ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾: قيل هي: ١ - أنّهم أصحاب النّار. ٢ - وقد تكون: لأملأن جهنم من الجِنة، والنّاس أجمعين. ٣ - وقد تكون كلمة العذاب. ٤ - وقد تكون كلمة ربك: أنّهم لا يؤمنون. ﴿حَقَّتْ﴾: ثبتت، ووجبت على الّذين كفروا، وعلى الّذين سبقوا؛ لأنّهم هم اختاروا ذلك، وما حقت عليهم بقهر، وجبروت، أو بالظّلم. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا: النّافية؛ تنفي كلّ الأزمنة: الماضي، والحاضر، والمستقبل.

стр. 2112

﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بالله، وآياته، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر. وتقدير الحقّ سبحانه على أنّهم لا يؤمنون نابع من علمه الأزلي بحالهم، أنهم سيختارون طريق الكفر، ويموتون وهم على الكفر. سورة يونس [١٠: ٩٧] ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: عاطفة، لو: شرطية. ﴿جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾: أيْ: مجيء الآيات، وتكرارها لن يفيدَهم، أو يهديهم إلى الإيمان. ﴿آيَةٍ﴾: بينة، أو دليل، أو برهان، أو آية قرآنية، أو كونية، أو معجزة؛ لأنّ الله سبحانه يعلم ذلك علماً أزلياً، ولم يفرض عليهم أن يؤمنوا. فهم سيستمرون على كفرهم، وسيموتون وهم كافرون، ومن دون توبة. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية، ونهاية الغاية؛ أيْ: إلى حين يرون العذاب. ﴿يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾: عندها يؤمنون، ولكن إيمانهم هذا لن ينفعهم آنذاك، وفي ذلك المكان.

стр. 2113

سورة يونس [١٠: ٩٨] ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: ﴿فَلَوْلَا﴾: الفاء: عاطفة؛ لولا: أداة حضٍّ، وحثٍّ، وفيها معنى: النّفي، والتّوبيخ. ﴿كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾: يعني: أهل قرية، والقرية تعني: الأهل، والمساكن، قرية ما: نكرة من القرى الّتي أُهلكت، واستؤصلت. ﴿آمَنَتْ﴾: قبل معاينة العذاب، أو مجيء بشائر العذاب، ولم تؤخر إيمانها إلى حين معاينة، أو بدء وقوعه؛ لأنّه عندها لن ينفعها إيمانها لم تكن آمنت من قبل؛ أيْ: لن يقبل الله إيمانها، ولن يبدّل، أو يحوّل العذاب؛ فقد وقع القول عليهم؛ لأن القانون السّماوي، وهو سنة الله في أنَّ أيَّ قرية لا تؤمن إلّا حين نزول العذاب فلن تنتفع بإيمانها آنذاك. واستثنى من كلّ القرى الّتي هلكت: قرية يونس ﵇، قرية نينوى في شمال العراق، أو قوم يونس فهم آمنوا قبل أن يأتيهم العذاب؛ فكشف عنهم عذاب الخزي في الحياة الدّنيا بعد أن تابوا بصدق، وندموا، وبعد أن تركهم يونس مغاضباً؛ أيْ: بعد أن أغضبوه، وقبل أن يؤمنوا؛ فتركهم من دون أمر إلهي، وأبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين، وسنرى هذه القصة كاملة في سورة الأنبياء.

стр. 2114

وبعد أن نبذه الله بالعراء، وأنبت عليه شجرة من يقطين، ثمّ أرسله إلى قومه الّذين آمنوا، وكانوا يزيدون على مئة ألف؛ فآمنوا. ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾: إلى أن جاء أجلهم. ﴿إِلَى﴾: حرف غاية، عموم الغايات. أما لو قال: حتّى حين؛ لكان يعني: نهاية الغاية موعد موتهم. سورة يونس [١٠: ٩٩] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَلَوْ﴾: الواو: استئنافية، لو: شرطية. ﴿شَاءَ رَبُّكَ﴾: المشيئة: هي تسبق الإرادة. ولو شاء ربك: مشيئة قسر، وإكراه؛ لفعل ذلك، ولآمن كلّ من في الأرض جميعاً، ولكنه سبحانه لم يشأْ، ولم يجبر إنسان على الإيمان. ﴿لَآمَنَ مَنْ﴾: اللام: للتوكيد؛ مَنْ: للمفرد، والجمع. مَنْ هنا: استغراقية؛ تستغرق كلّ إنسان، أو تشمل الجنس كلَّه. ﴿فِى الْأَرْضِ﴾: في: ظرفية مكانية، ولم يقل: على الأرض؛ لأنّ الغلاف الجوي المحيط بالأرض يعتبر تابعاً إلى الأرض. ﴿كُلُّهُمْ﴾: توكيد. ﴿جَمِيعًا﴾: لزيادة التّوكيد. إذن كلهم جميعاً: تأكيدان؛ لا يبقى معه أيُّ ريب. ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وفيه معنى النفي، والتعجب.

стр. 2115

﴿تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: وذلك لشدّة حرص رسول الله ﷺ على إيمان كلّ إنسان. ﴿أَفَأَنْتَ﴾: نكرة: تجبر، وتقديم ضمير أنت يدلّ على عدم حصول الإكراه، وتقدير الكلام الّذي يقدر على إكراه؛ هو الله لا أنت. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية. ﴿يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾: وقد قال سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ﴾؛ لأن الله سبحانه يريد إيمان اختيار، ومحبة، وليس إيمان إكراه، وقسر. سورة يونس [١٠: ١٠٠] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: ﴿وَمَا كَانَ﴾: الواو: عاطفة، ما: نافية. كان: ما كان لنفس القدرة، والاستطاعة أن تؤمن. ﴿لِنَفْسٍ﴾: اللام: لام التّعليل. ﴿أَنْ﴾: مصدرية؛ تفيد الاستقبال. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: بمشيئة الله وإرادته. والإذن: اسم للكلام الذي يفيد إباحة فعل أو قول، وتكون للعمل الذي ليس لنا فيه أي تدخل أو يد. ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾: الرّجس في اللغة: اسم لكلّ ما استقذر من عمل حسياً، أو معنوياً، ويطلق على ما يُستقبح في الشرع؛ فيها مبالغة في ذمّ بعض الأشياء، وسمّاها الله سبحانه: رجساً. وبما أن فعل الرجس يؤدي إلى الإثم

стр. 2116

والذنب والضلال، وهذا بدوره يؤدي إلى العذاب؛ فالرجس قد يعني: العذاب. ارجع إلى سورة البقرة آية (٥٩) لمزيد من البيان في معنى الرجس. ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا يعقلون: الحجج، والدلائل، ومن يعقل الشّيء يعرفه بدليله، ويفهمه بأسبابه، ونتائجه. أمثلة لا يعقلون: أن الهداية، والإيمان بيد الله، ولا شيء يحدث إلا بإذنه؛ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾، وأن الله لا يهدي القوم الكافرين، أو الظالمين، أو الفاسقين. سورة يونس [١٠: ١٠١] ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِى الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: بعد أن بيَّن الله سبحانه: أن الإيمان الّذي يدعو إليه سبحانه هو الإيمان الاختياري، وليس القسري، ومع ذلك لا يحصل الإيمان الاختياري إلا بمشيئة الله، وبإذنه. وما على البشر إلّا أن ينظروا إلى ما حولهم في هذا الكون، وما في السّموات، والأرض من الآيات، والدلائل الّتي تشير إلى وحدانية الله، وعظمته وقدرته، والتي تدعو إلى الإيمان بالخالق، وعبوديته؛ فيقول سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾: نظرة تفكر، واعتبار، نظرة بصرية، وقلبية معاً. ﴿مَاذَا﴾: أداة استفهام؛ تفيد المبالغة في الاستفهام بدلاً من قوله: ما في السّموات والأرض، ماذا في السّموات والأرض. و ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: من الآيات الكونية: من النّجوم، والمجرات، والأقمار، والشموس، ودورانها، وحركتها.

стр. 2117

والأرض وما فيها: من الجبال الراسيات، والأنهار، والبحار، والنباتات، والأشجار، والحيوانات. ﴿وَمَا تُغْنِى الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾: وما: استفهامية؛ تفيد النّفي. ﴿الْآيَاتُ﴾: الكونية، والقرآنية، والمعجزات، والدّلائل، والبراهين. ﴿وَالنُّذُرُ﴾: جمع نذير: الرُّسُل. والنذر: مصدر لفعل أنذر. ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: الجواب: لا تغني شيئاً، ولا فائدة منها لهؤلاء القوم، أو نعم؛ ما تغني شيئاً، ولا فائدة منها. سورة يونس [١٠: ١٠٢] ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾: الخطاب موجَّه إلى كل الذين لا يؤمنون، والضّالين المكذبين بآيات الله بما فيهم مشركو مكة. ﴿فَهَلْ﴾: الفاء: للتوكيد. هل: استفهام؛ بمعنى: النّفي المشرب بالتّعجب، والاستنكار. ﴿يَنْتَظِرُونَ﴾: أيْ: يتوقعون أن يحدث لهم أو يصبهم إلا مثل ما أصاب غيرهم. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿مِثْلَ أَيَّامِ﴾: وقائع، أو مصائب. ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: أيْ: سبقوهم، ومضوا؛ مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود، ولوط، وشعيب؛ أيْ: ننجي رسلنا والذّين آمنوا، ونهلك المكذبين. ﴿مِثْلَ أَيَّامِ﴾: العرب تسمِّي، أو تقصد باليوم: الحدث البارز الّذي حدث

стр. 2118

فيه؛ مثل: يوم حنين، ويوم بُعاث، ويوم الخندق، ورغم أنّ اليوم هو ظرف زمني، ولكن يقصد به الحدث الّذي كان في مثل هذا اليوم في السّنين الماضية. ﴿قُلْ فَانتَظِرُوا﴾: الفاء: للتوكيد. انتظروا: ما سيحل بكم، أو انتظروا عذاب الله وعقابه، وفيه تهديد، ووعيد. ﴿إِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾: ولم يقل: وأنا؛ إني: آكد من أنا؛ أيْ: أنا بكلّ توكيد سأنتظر معكم. ﴿الْمُنتَظِرِينَ﴾: المنتظرين لذلك اليوم. سورة يونس [١٠: ١٠٣] ﴿ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتّراخي الزمني. ﴿نُنَجِّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾: والذّين آمنوا، ولم يقل: والذّين آمنوا معهم؛ لأنّ الرّسل قد ينقطع إرسالهم، والذّين آمنوا فيمتد إرسالهم إلى يوم القيامة. ﴿كَذَلِكَ﴾: أيْ: مثل ما أنجينا، أو نجينا رسلنا السّابقين، ومن آمن؛ ننجي من يأتي بعدهم من الّذين آمنوا. ﴿حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: حقاً: من الحقّ، والحقّ: هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغير؛ أيْ: كتبنا، أو الأمر الثّابت. وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا﴾: عبَّر بصيغة المضارع بدلاً من الماضي؛ لاستحضار صورة نجاتهم من العذاب كأنّها تحدث الآن (حكاية الحال) وننجي: من أنجى؛ تدل على القصر في الزمن.

стр. 2119

سورة يونس [١٠: ١٠٤] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِنْ دِينِى فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿قُلْ﴾: يا محمّد ﷺ . ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: يا: أداة نداء، والهاء: للتنبيه. ﴿النَّاسُ﴾: الثقلين: الإنس، والجن. ﴿إِنْ﴾: شرطية للأمور الافتراضية، والنّادرة؛ بعكس إذا: للأمور الحتمية، والكثيرة الحدوث. ﴿فِى شَكٍّ مِنْ دِينِى﴾: الإسلام؛ هل هو حق أم باطل؟ والشّك حين تتساوى كفتي النّفي والإثبات. ﴿مِنْ دِينِى﴾: من: ابتدائية. ﴿فَلَا﴾: الفاء: للتأكيد؛ لا: النّافية لكلّ الأزمنة، وللجنس. ﴿أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: الأصنام، أو الشّركاء. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله. ﴿وَلَكِنْ﴾: للاستدراك، والتّوكيد. ﴿أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ﴾: الّذي: اسم موصول؛ يفيد التعظيم. ﴿يَتَوَفَّاكُمْ﴾: وصفه بالتوفي؛ لأنّ التوفي لا يشك فيه أحدٌ، وهو الأمر المخيف، والمرعب الّذي لا مراء فيه، ولا شك، وفيه تهديد بـ (يتوفاكم)؛ حيث يأمر ملك الموت بقبض أرواحكم؛ فهو الّذي يجب أن يخاف، ويُتَّقى.

стр. 2120

﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ولم يقل: وأمرت أن أكون من المسلمين؛ لأنّ السّياق في الآيات السّابقة في سياق الإيمان. سورة يونس [١٠: ١٠٥] ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: ﴿وَأَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾: الخطاب موجَّه إلى النّبي ﷺ ، وإلى كلّ فرد من أمته. وإقامة الوجه يعني: الذّات (مجاز مرسل)، وإقامة الوجه تعني: التّوحيد، والإنابة، وإقامة الصّلاة، والتّقوى، والاستقامة على الصّراط المستقيم، والإخلاص. ﴿لِلدِّينِ﴾: اللام: لام الاختصاص. ﴿حَنِيفًا﴾: مائلاً بعيداً عن كلّ الملل، والخرافات، والمذاهب، والبدع. ﴿وَلَا﴾: الناهية. ﴿تَكُونَنَّ﴾: النون: لزيادة التّوكيد. ﴿مِنَ﴾: ابتدائية، استغراقية. ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾: جمع مشرك: من اتخذ مع الله إلهاً آخر، أو أكثر. سورة يونس [١٠: ١٠٦] ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. لا: النّاهية. ﴿تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: تعبد، أو تطلب العون. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله.

стр. 2121

﴿مَا﴾: لغير العقلاء، ولصفات العقلاء، وما: أوسع من: الّذي، وتعني: الشركاء من الأصنام، والأوثان، أو الكواكب، أو الأولياء، وعيسى، وعزير، والملائكة. ﴿مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾: ما: النّافية. ﴿يَنْفَعُكَ﴾: إن أطعته، ولا يضُرُّك إن عصيته. وتكرار لا: تفيد تأكيد النفي؛ نفي النفع، ونفي الضّر، ونفي كلاهما. ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: استئنافية. إن: شرطية؛ أيْ: فإن عبدت، أو دعوت غير الله سبحانه. ﴿فَعَلْتَ فَإِنَّكَ﴾: إذن من الظالمين. إنك: تفيد التّوكيد. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب. ﴿مِنَ﴾: ابتدائية. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: لأنفسهم بالشّرك. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٥٤)؛ لمزيد من البيان. وقدّم النّفع على الضّر في هذه الآية؛ لأن سياق الآيات في الإيمان، والإيمان نفع للعبد؛ لأنّه يوصله إلى الجنّة، ورضوان الله.

стр. 2122

سورة يونس [١٠: ١٠٧] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: المناسبة: بعد أن ذكر الله سبحانه النّهي عن عبادة الأوثان، وأنّها لا تنفع، ولا تضر يُذكر سبحانه أنّ الله هو الضّار، وهو النّافع وحده. ﴿وَإِنْ﴾: شرطية؛ تستعمل للأمر المشكوك في حدوثه، أو النّادر الحدوث. ﴿يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾: من المسّ، وهو الاتصال الخفيف اليسير؛ مجرد تماس شيء بشيء من دون إحساس بالشّيء. ﴿بِضُرٍّ﴾: الباء: للإلصاق، ضر بكره؛ أيْ: ضر مثل ألم الفقر، والمرض، وعدم الأمن، والفاقة. ﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد، لا: النّافية للجنس. ﴿كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾: كاشف: مزيل له، أو رافع له. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد، وتعود على الله سبحانه. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾: وإن مثل: وإن يمسسك. ﴿يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾: أيْ: في المستقبل يردك بخير؛ مثل: الغنى، والصحة، والأمن، والرخاء، والعافية، والسكينة. ﴿بِخَيْرٍ﴾: الخير تعريفه: هو الحلال، الطّيب، النّافع، الحسن. ﴿فَلَا﴾: مثل الأولى.

стр. 2123

﴿رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾: لا دافع لفضله، أو مانع لفضله أحدٌ، أو لا رادّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه. ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ﴾: وهو: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: الغفور: صيغة مبالغة من الغفر؛ كثير الغفر؛ أيْ: لمن تاب، ولو كان ذنباً عظيماً؛ مثل الشرك؛ فإنه يتوب عليه. ﴿الرَّحِيمُ﴾: على وزن فعيل؛ صيغة مبالغة من الرحمة؛ كثير الرحمة لعباده المؤمنين. لمقارنة هذه الآية، مع الآية (١٧) من سورة الأنعام: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ارجع إلى سورة الأنعام؛ لمعرفة الفرق بينهما. سورة يونس [١٠: ١٠٨] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: ارجع إلى الآية (١٠٤). ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق وتوكيد. ﴿جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكُمْ﴾: أي: القرآن العظيم، وهو الحقّ؛ أي: الّذي لن يتغيَّر، أو يتبدَّل، أو الإسلام. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾: الفاء: عاطفة، من: شرطية؛ تفيد الابتداء. ﴿اهْتَدَى﴾: اختار طريق الإيمان، والإسلام، واتبع منهج الله، اهتدى إلى الحقّ. ﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء: رابطة لجواب الشّرط، إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد. ﴿يَهْتَدِى﴾: فعل مضارع؛ يدلّ على التّجدد، والتّكرار، والاستمرار. ﴿لِنَفْسِهِ﴾: أيْ: ثواب الاهتداء، والنفع من جراء الاهتداء يعود به على نفسه بشكلّ مستمر. اللام: لام الاختصاص، أو الاستحقاق؛ فالاهتداء لصالح نفسه.

стр. 2124

﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾: مثل: فمن اهتدى؛ فإنما يهتدي لنفسه. وهناك فرق بين لنفسه، ويضل عليها؛ استعمل عليها (على تعني: الاستعلاء، والشدة)؛ أيْ: عاقبة الضّلال تقع على نفسه وليس لصالح نفسه. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾: ما: النّافية؛ أيْ: ما أنا الموكل إلى أمركم، أو المتولي بتدبير شؤونكم، أو المحامي، أو المدافع عنكم الّذي يمنع عنكم العذاب، أو الهلاك. ﴿بِوَكِيلٍ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. سورة يونس [١٠: ١٠٩] ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: ﴿وَاتَّبِعْ﴾: ما أنزل عليك، وأوحاه الله إليك، وتمسك به؛ بالامتثال، والتّبليغ. ولمعرفة معنى الوحي: ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣). ﴿مَا﴾: تشمل كلّ ما أوحى الله إليك. ﴿وَاصْبِرْ﴾: على دعوتك، وعلى أذى قومك، وعلى ما أصابك. والأمر بالصبر: يدلّ على أن هناك عقباتٍ كثيرةً قادمةً، واصبر حتّى تكون قدوة لغيرك من الدعاة. ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية؛ حتّى نهاية الدّعوة، أو حتّى يأتيك اليقين؛ أي: الموت. أو ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾: يفصل الله بينك وبينهم بالنّصر، والظّفر، أو يُظهر دينه. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: هو: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: أحكم الحاكمين؛ أحكم من حكم؛ أيْ: له الحكم، والأمر، والقول، والفصل؛ يحكم، ويقضي، ويفصل بين العباد، والأمم، والحق، والباطل، وهو خير وأفضل من حكم؛ لأنّه سبحانه يعلم الظواهر، والسرائر، وما يفعله خلقه، وأحكم من الحكمة؛ أيْ: أنت أحكم الحكماء.

стр. 2125

سورة هود [١١: ١] سورة هود ترتيبها في القرآن (١١)، وترتيبها في النّزول (٥٢) نزلت بعد سورة يونس. ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾: ﴿الر﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾: كتاب: هو القرآن، كتاب: التنكير للتفخيم، والتعظيم. ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾: آياته محكمة، متقنة؛ أيْ: نظمت آياته بشكل محكم: ١ - محكمة لا تناقض فيها، ولا خلل، ولا لبس. ٢ - ومحكمة غير متشابهة؛ فلا تحتاج إلى تأويل. ٣ - ومحكمة موجزة غير مفصلة. ٤ - محكمة في النّظم، والبلاغة. ٥ - محكمة غير منسوخة. ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾: ثمّ: هنا ليست للترتيب، والتّراخي في الزّمن، وإنما تعني: الحال؛ فمعنى كتاب أحكمت آياته، ثمّ؛ أيْ: في الحال (في نفس الوقت) فصلت آياته على أحسن التفصيل، أو تعني: التّرتيب في الذّكر؛ أي: التّرتيب التّسلسلي؛ أيْ: بالتّعاقب، أحكمت، ثمّ فصلت. فصلت آياته أدق التّفاصيل في اللفظ،

стр. 2126

والمعنى، أو فصلت؛ تعني: فسرت، ووضحت، أو فصلت بالحلال، والحرام، والثّواب، والعقاب، والوعد، والوعيد. ﴿مِنْ لَّدُنْ﴾: من الابتدائية. ﴿لَّدُنْ﴾: ظرف مكان، أو زمان؛ بمعنى عند، ولم يقل: من عند؛ لأنّ لدن أبلغ من كلمة عند، وأقرب، ولدن: مشتقة، أو مأخوذة من اللدانة، أو اللدونة؛ أي: الليونة، أو التّلدن معناها التّمكث، أو التّريث الدّال على الحكمة في صياغة الآيات. ﴿حَكِيمٍ﴾: تعني: الحاكم، الحاكم لخلقه، وكَوْنِهِ؛ أيْ: أعدل، وأقسط الحكام، والقضاة، أو الحاكم من الحكمة؛ فهو أحكم الحكماء في خلقه، وشرعه، وكونه، والحكمة: من معانيها إحسان القول، والعمل. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٢٩)؛ لمزيد بيان في معنى حكيم. ﴿خَبِيرٍ﴾: الّذي يعلم بواطن الأمور، والأسرار، وما تخفي الصدور. سورة هود [١١: ٢] ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: ﴿أَلَّا﴾: أصلها: أن: المصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد، ولا: النّاهية، أو النّافية. ﴿تَعْبُدُوا﴾: من العبادة، والعبادة: لا تكون إلا للخالق، وهي الخضوع للمعبود، وطاعته فيما أمر، أو نهى عنه، ولا تكون إلّا مع العلم، والمعرفة بالمعبود، والعبادة تشمل كلّ قول طيب، وعمل صالح، ولها جزاء. ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾: إلا: أداة حصر، وبهذا ننفي العبادة لغير الله .

стр. 2127

وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾: فيها نفي: أن هناك إلهاً غير الله، وإثبات الألوهية لله وحده. ﴿إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ﴾: إنني: فيها توكيد بزيادة النّون، مقارنة بقوله: إني؛ ليؤكد قوله: إنني لكم. ﴿مِّنْهُ﴾: من الحكيم الخبير؛ مرسل إليكم نذير وبشير. ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾: نذير للعاصين، وبشير للطائعين. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ لبيان البشارة، والنذارة. وقدَّم النّذير على البشير؛ لأنّ جوَّ السّورة، والسّمة فيها هي الإنذار؛ لأنّها تتحدَّث عن أقوام أُهلكوا مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود، ولوط. وعن يوم القيامة، وقد يكون تقديم الإنذار لقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. وهذه الآية تبيِّن: أن رسول الله ﷺ نذير وبشير، وفي سورة فصلت، آية (٤) تبيِّن أن القرآن كذلك بشير ونذير: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. سورة هود [١١: ٣] ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾: ﴿وَأَنِ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾: من الكفر، والشّرك، والمعاصي، او الذّنوب، استغفروا ربكم: اطلبوا منه المغفرة، والغفر: هو السّتر والعفو. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: ثم: تفيد التّدرج التّسلسلي، أو التّعاقب، ولا تفيد التّرتيب، والتّراخي في الزّمن؛ لأنّ التّوبة مطلوبة مباشرة، والتّوبة تعني: الإقلاع عن الذّنب،

стр. 2128

وعدم الرّجوع إليه، والنّدم عليه، والإكثار من العمل الصّالح، والنّوافل، وإعادة الحق إلى صاحبه، وهناك توبة الإنابة من دون ارتكاب الذّنب، وهناك التّوبة من الذّنب. وقدم الاستغفار على التوبة؛ لأن الاستغفار يعني: الاعتراف بالذنب أولاً. ﴿يُمَتِّعْكُم مَتَاعًا حَسَنًا﴾: المتاع: هو ما ينتفع به، وما يُتمتع به، ويطلق على القليل، والكثير؛ مثل: السّعة في العيش، والرّزق، والطّعام، والشّراب، والمسكن، والملبس، والأداة، والسّلعة. المتاع الحسن: الطّيب الحلال. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: هو الموت، مسمَّى محدَّد لا يتبدل، مسمَّى في اللوح المحفوظ، أو أم الكتاب، والأجل: هو الوقت المضروب لانقضاء الشّيء، وأجل الإنسان: هو الوقت المضروب لانتهاء حياته. أمّا العمر: وهو الأجل، ولكن يمكن أن يزداد، أو ينقص إذا شاء الله، وهذا يدل عليه قوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِى كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]. ارجع إلى سورة فاطر؛ لمزيد من البيان. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾: ويؤتِ: من الإيتاء: وهو العطاء الّذي ليس فيه تملك؛ بينما العطاء فيه تملك، والإيتاء: أعمّ؛ يشمل: الأشياء الحسية، وغير الحسية. ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ويؤت؛ أي: الله سبحانه كلّ ذي فضل فضله، يؤت: كلّ عامل، أو مؤمن، أو محسن ثواب، أو أجر عمله، أو إحسانه. ﴿ذِى فَضْلٍ﴾: صاحب فضل، والفضل: هو الزّيادة على الأجر المستحق. ارجع إلى الآية (٢٦٨) من سورة البقرة؛ لبيان الفضل. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أصلها: وإن تتولوا؛ إن: شرطية؛ تستعمل في الأمر المحتمل

стр. 2129

حدوثه. وإن تولوا: تعرضوا عن الإيمان، أو تبتعدوا عنه، أو تتهاونوا في العبادة، وتقصروا في طاعة الله؛ فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير. وهناك فرق بين تولوا، وتتولوا: تولوا: تستعمل في قلة التّولي عن الإيمان، وطاعة الله، كما يحدث لبعض المؤمنين. أما تتولوا: كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ الآية (٥٢) من نفس السورة؛ فتدلّ على كثرة التّولي، والإعراض، كما يحدث في تولي الكفرة، أو شدة التّولي. ﴿فَإِنِّى﴾: الفاء: للتوكيد، إني: لزيادة التّوكيد. ﴿أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾: الخوف: وهو توقع الضّرر مع الشّك بوقوعه. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾: كبير وصف لليوم، ويوم كبير: يوم القيامة، ونكَّرهُ؛ للتّهويل، والاستعداد له، كبير في أحداثه؛ حيث تضع كلّ ذات حمل حملها، وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى … وغيرها من الأحداث الجسام. سورة هود [١١: ٤] ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾: إلى: جار ومجرور، ولفظ الجلالة: تقديمه في الآية؛ ليدلّ على الحصر؛ فقط إلى الله وحده مرجعكم لا إلى غيره، بالموت، ثمّ بالبعث، والحشر. ولم يقل جميعاً كما قال تعالى في الآية (١٠٥) من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ المخاطب في آية المائدة المؤمنين والكافرين؛ جميعاً: أيضاً تستعمل إذا كان السّياق، أو المخاطب طوائف مختلفة،

стр. 2130

أقوام مختلفة، يهود، نصارى، وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بدون جميعاً تعني: المخاطب جهة واحدة، أو فئة معينة من النّاس، أو طائفة واحدة هي طائفة المسلمين. ﴿وَهُوَ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد. ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: شيء: نكرة؛ تعني: قدير على أيِّ شيء مهما كان نوعه، وحجمه، وصفته، ولا يعجزه أيُّ شيء في السّموات، ولا في الأرض. ﴿قَدِيرٌ﴾: صيغة مبالغة من قادر. ارجع إلى سورة التغابن، آية (١)؛ لمزيد من البيان. سورة هود [١١: ٥] ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ﴿أَلَا﴾: أداة استفتاح، وتنبيه، وإيقاظ من هو غافل؛ لئلا يفوته ما سُيذكر من الآيات. ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: يثنون: من ثنى الثّوب؛ أيْ: طواه عدَّة مرات ربما ليُخفي ما فيه من عيب؛ قد تعني: يخفون ما في صدورهم من العداوة، والحقد للنّبيّ ﷺ ، ويظهرون له المحبة والمودة، أو ينحرفون، ويعرضون بصدورهم حين يمرون برسول الله ﷺ ، ويحاولون أن يتواروا عنه خوفاً من أن يدعوهم للإيمان، أو الإسلام. ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾: اللام: للتّعليل؛ أيْ: يريدون الخفاء. أيْ: من الله تعالى، أو تعود على الرّسول ﷺ . ﴿أَلَا﴾: أداة للتّنبيه.

стр. 2131

﴿حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: الثياب: المتنوعة التي تغطي البدن كله، وهي الخارجية، أما ما يغطي العورة والجسم مباشرة تسمى اللباس؛ أي: حين يبالغون في الاستخفاء كالّذي يستغشي ثيابه؛ أيْ: يتغطَّى بها حتّى لا يظهر منه شيء. ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: الإسرار يكون في النّفس، والإخفاء أشد من الإسرار (يعلم السّر وأخفى)، وتكرار ما يفيد التّوكيد؛ أيْ: يعلم كلَ ما يسرون على حِدَةٍ، وما يعلنون على حِدَةٍ، أو كلاهما. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من عالم كثير العلم. ﴿بِذَاتِ﴾: ذات تفيد الصّحبة. ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: الأمور المصاحبة للصدور، أو السّاكنة فيها. ارجع إلى سورة آل عمران، آية (١١٩)؛ لمزيد من البيان.

стр. 2132

سورة هود [١١: ٦] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: ﴿وَمَا مِنْ﴾: الواو: استئنافية؛ ما: النّافية؛ من: استغراقية تشمل كلّ دابة بلا استثناء؛ من: للمفرد، والجمع. ﴿دَابَّةٍ فِى الْأَرْضِ﴾: وقيل: دابّة: هو كلّ ما دبّ على الأرض (شيء) من إنسان، وحيوان، وقيل: دابة اسم فاعل، ويغلب على غير العاقل. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٦٠) لبيان معنى دابة، وهل تشمل الإنسان أم لا. ﴿فِى الْأَرْضِ﴾: ولم يقل: على الأرض؛ لأنّ الغلاف الجوي حول الأرض يعتبر من الأرض، فكلمة في الأرض تشمل على الأرض، وفي باطن الأرض. ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾: إلّا: أداة حصر. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور لفظ الجلالة: يدلّ على الحصر من دون استثناء؛ أيْ: أنّ الله هو الرّزاق لا غيره. ﴿رِزْقُهَا﴾: من طعام، وشراب. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾: المستقر: اسم مفعول يدلّ على اسم مكان، واسم زمان يعلم زمن استقرارها، ومكانها، وقيل: يعلم مستقرَّها قبل أن تأتي الأرض، أو أين تستقر في الأرض، أين تعيش، وتسكن، وقيل: المستقر؛ يعني: في الأصلاب، أو في الأرحام قبل أن تولد.

стр. 2133

﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: مكان موتها، وفنائها، أين ستموت، وتهلك، وتتحلل أجزائها (أيْ: أين تدفن)، أو بالعكس. مستودعها: قد يعني: قبل مجيئها إلى الأرض، والزمن، ومستقرها: بعد أن تستقر على الأرض؛ أين، ومتى إلى أن تموت، وبعد موتها مكاناً وزماناً. ﴿كُلٌّ﴾: تشمل كلّ دابّة، والرّزق، والمستودع، والمستقر. ﴿فِى كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: الكتاب المبين: هو اللوح المحفوظ؛ مدوَّن في اللوح المحفوظ، ومدوَّن في السّطور. المبين: الواضح، ظاهر لكلّ ملك من الملائكة، ولكلّ من يقرؤه بفهم وتدبُّر، والمبين: المظهر لنفسه، ولكلّ شيء يحتاج معرفته. سورة هود [١١: ٧] ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: ﴿وَهُوَ الَّذِى﴾: هو: ضمير فصل تفيد التّوكيد، والحصر، الّذي: اسم موصول؛ يفيد التّعظيم. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: وقد بيَّن كيفية هذا الخلق في سورة الأنبياء، آية (٣٠)، وفي سورة فصلت، الآية (٩ - ١٢)، وسورة الأعراف، آية (٥٤)، وسورة البقرة، آية (٢٢، ٢٩). ولماذا لم يتم الخلق بكلمة (كن)؟ لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه. قد تكون للدّلالة على عظمة وطلاقة قدرته سبحانه، ولكي يُمكن الإنسان

стр. 2134

من اكتشاف الحقائق العلمية، واستخدامها كآيات دالة على وجود، وعظمة الخالق، والقدرة على إعمار الأرض، والعيش عليها. ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: قبل خلق السّموات، والأرض. ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: يندرج تحت الإيمان بالغيب، والخوض في كيف كان عرشه على الماء، لا يأتي بثمرة، بل نؤمن به، كما أخبرنا ، وعلّمنا سبحانه: أنّ العرش أعظم من خلق السّموات، والأرض، وخلق السّموات، والأرض أعظم من خلق النّاس، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة. رواه أبو ذر الغفاري. أخرجه الألباني في السلسلة الصحيحة. فهو صاحب العرش؛ أي: المالك، والحاكم. ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾: اللام: لام التّعليل، خلق السّموات والأرض لكم؛ لكي تتمكنوا من العيش في الأرض، وبالتّالي ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، ولكي يبلوكم لا بُدَّ من إيجاد كوكب تستطيعوا العيش فيه، و ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، والله سبحانه ليس بحاجة أن يختبر، أو يبتلي عباده؛ فهو سبحانه يعلم منذ الأزل نتيجة الابتلاء، وهذا الابتلاء ليبيِّن لهم أنفسهم نتيجة ابتلائهم. ﴿وَلَئِنْ﴾: الواو: استئنافية؛ لئن: اللام: لام التّوكيد، إن: شرطية تفيد الاحتمال، والنّدرة. ﴿قُلْتَ﴾: يا محمّد ﷺ لأولئك الكافرين المنكرين للبعث والحساب أنكم:

стр. 2135

﴿مَّبْعُوثُونَ﴾: أيْ: ستبعثون من بعد الموت، وستحاسبون على أعمالكم. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾: اللام: لام التّوكيد، وكذلك نون النّسوة زيادة في التّوكيد. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: ارجع إلى سورة البقرة، آية (٦)؛ لبيان معنى الكفر. ﴿إِنْ﴾: حرف نفي أشد نفياً من: ما؛ أيْ: ما هذا. ﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب، وتعني: هذا الّذي تقوله. ﴿إِلَّا﴾: حصراً. ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ﴾: سحر: مجرَّد تخيُّل وحيل، وليس حقيقة. ﴿مُبِينٌ﴾: سحر ظاهر لكلّ إنسان، وسحر مظهر لنفسه لا يحتاج إلى أحد أن يبرهن، أو يدلل أنّه سحر. ووصفوه بالسّحر؛ لأنّهم رأوا تأثيره القوي في الأنفس، أو كونه غريباً خارقاً للعادة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٠٢)، وطه، آية (٥٨)؛ للبيان. سورة هود [١١: ٨] ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: ﴿وَلَئِنْ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٧). ﴿أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾: أجلنا عنهم العذاب، ولم نعاقبهم، ولم نستأصلهم مباشرة، ونُهلكهم، وأخّرنا عنهم العذاب. ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ﴾: الأمة تعني: الحين، أو فترة من الزّمن. ﴿مَّعْدُودَةٍ﴾: تفيد القلّة، وتعني: محدَّدة معلومة؛ أيْ: إلى أجل معلوم. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام: للتوكيد. يقولن: والنّون في يقولن؛ لزيادة التّوكيد.

стр. 2136

﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾: ما: اسم استفهام؛ يحبسه؛ أيْ: ما يمنع نزوله كأنهم يكذِّبونه، ويستبعدون نزوله بهم، أو يستهزئون به. ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه، وتوكيد. ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾: أيْ: ليس منصرفاً عنهم؛ أيْ: لا ينقطع، أو يهدأ، أو يتوقف، أو يخفُّ. ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أيْ: نزل وأحاط بهم من كلّ جانب، حاق: فعل ماض؛ أي: اعتبره وقع، وحصل رغم أنّه قادم في المستقبل؛ لأنّ الزّمن الماضي، والحاضر، والمستقبل كلّها متساوية عند الله؛ لأنّه هو خالق الزّمن. ارجع إلى سورة غافر آية (٤٥) لمزيد من البيان والفرق بين حاق ونزل. ﴿مَا﴾: اسم موصول، أو مصدرية. ﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: الباء: للإلصاق، وتفيد السّببية؛ أيْ: بسبب، أو بدل ما كانوا به يستهزئون؛ بسبب استهزائهم بالعذاب، وعدم تصديقهم بوقوعه. سورة هود [١١: ٩] ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: ﴿وَلَئِنْ﴾: ارجع إلى الآية (٧). ﴿أَذَقْنَا﴾: من ذاق؛ أيْ: شعر بطعم الطّعام؛ أيْ: مجرد الشّعور بالطّعم، وليس الأكل، ويستعمل الذوق مجازاً في إدراك غيره من الأشياء المعنوية؛ كالرّحمة، والنّعمة، والعذاب، وذوق الرّحمة يدلّ على لذة التّمتع بها بأقلّ حالاتها، فما بالك إذا تجاوز ذلك. وكلمة ذاق: تستعمل في الشّيء المحبوب، أو المكروه؛ مثل: الرّحمة، أو العذاب، أو الخير، أو الشّر، وتصح للكثير، والقليل، والشّديد، والخفيف،

стр. 2137

واللسان أداة الذّوق، ويقسم إلى مناطق خاصة بالطّعم الحامض، والحلو، والمالح، والمر، وشبه الرّحمة هنا بالطّعام الّذي يذاق. ﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾: الرّحمة بشكل عام تعني: كلّ ما يجلب ما يَسرُّ، ويدفع ما يَضرُّ. أي: الإنعام على العبد مثل: سعة العيش، والصّحة، والأمن، والغنى. نحن هنا أمام سؤالين: الأوّل: لماذا قدَّم منا على رحمة، ولم يقل رحمة منا؛ أي: التّأخير، أو التّقديم والثّاني: قال: منا، ولم يقل: من عندنا، أو من لدنا. الجواب على السّؤال الأوّل: إنّ السّياق في هذه الآية، وغيرها على قدرة الله سبحانه في خلق السّموات والأرض، والبعث، والإذاقة، وكلّ دابة على الله رزقها، فقدَّم (منا)، ولو كان السّياق في الرّحمة؛ كما ورد في سورة فصلت الآية (٥٠) ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا﴾؛ لقدَّم الرّحمة. الجواب على السّؤال الثّاني: منا، وليس من عندنا؛ (منا): يستعملها القرآن للمؤمن والكافر، وكلّ الخلائق؛ (من عندنا): هي أخص يستعملها عندما تخص المؤمن غالباً، أمّا من لدنا: فهي أخصُّ، وأقرب مقارنة من عندنا، وتستعمل للمحسن، أو أولياء الله، وأنبيائه. ﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتّراخي الزّمني؛ نزعناها بعد فترة طويلة. ﴿نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾: سلبناها إياه، أو حرمناه إياها، أو أخذناها منه، ونزعناها: تدل على شدة الأخذ؛ أي: الأخذ بقوَّة، وشدة وإكراه؛ لأنّه يتمسك بها بشدة، ولا يريد التّخلي عنها، ويحرص عليها؛ فلا بُدَّ من استعمال النّزع بدل الأخذ.

стр. 2138

﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: إنّه: إنّ: للتوكيد. ﴿لَيَئُوسٌ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد، يؤوس: صيغة مبالغة من اليأس؛ أيْ: يظل يائساً، واليأس: هو انقطاع الأمل في الشّيء، والإنسان لا يقطع الأمل في الله إلا إذا كان كافراً، والمؤمن لا ييْئَس من رحمة الله. ﴿كَفُورٌ﴾: من كفر، ويكفر: صيغة مبالغة من الكفر؛ أيْ: كثير الكفر؛ أيْ: كثير الجحد، والسّتر؛ لأنّ الكفر: هو أصلاً السّتر، وكفور: قد تعني: قليل الشّكر. وفي سورة فصلت، الآية (٤٩) قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾: والقنوط: أشد حالات اليأس، وهو حالة خاصة من حالات اليأس. وأمّا الفرق بين أنعمنا، وأذقنا: فأذقنا: قد تكون في الخير، أو الشّر. أمّا إذا أنعمنا: فالإنعام فقط يكون في الخير. وكلمة أذقنا، أو أذقناه: يصاحبها دائماً كلمة رحمة، أو نعماء في كلّ القرآن، وقد تخص الإنسان، أو النّاس. أما كلمة ذوقوا: فيصاحبها ذكر العذاب، أو تعملون، أو تكسبون، أو تمكرون … سورة هود [١١: ١٠] ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّى إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾: ارجع إلى الآية (٩). ﴿نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾: النّعماء: وردت هذه الكلمة فقط في هذه

стр. 2139

الآية، وهي هنا مقابل الضراء؛ فالإنسان إما في نعماء، أو في ضراء؛ النّعماء: مأخوذة من النّعمة: بفتح النّون، والنّعمة هي اسم مرة، والنّعماء لا يراد بها هنا ذكر النّعم الكثيرة، بل يراد بها الإشارة إلى جنس النّعم، وصفتها. ولماذا اختار كلمة النّعماء بدلاً من النّعمة؛ لأنّ النّعماء تظهر على صاحبها، أمّا النّعمة فقد تظهر، وقد لا تظهر، سواء بالبصر، أم الكلام. نعماء بعد ضراء: الضّراء، والمضرة الّتي تكون ظاهرة على الشّخص؛ من الضّر: وهو الشّيء الّذي يؤلم النّفس، ويضر بها؛ أيْ: أذقناه نعماء بدلاً من الضّراء. ﴿مَسَّتْهُ﴾: والمس: أقل اللّمس، أو الإدراك، أو الدّرجة في الإصابة. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ يقولن: مضارع فيه توكيد بالنّون. ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّى﴾: ولم يقل: ذهبت السيئات عني في اللغة يجوز التذكير والتأنيث، وجاء بالتذكير هنا يعني أثر السيئات؛ أي: العذاب؛ أي: ذهب أثر السيئات (العذاب) عني ولم يحمد ويشكر الله؛ ليقولنّ: ذهب السّيئات: جمع سيئة، وهي كلّ ما يسيء إلى النّفس؛ أيْ: زال وذهب عني البؤس، أو الفقر، والضّر، والخوف، وعدم الأمن، والمرض؛ اكتفى بذكر النّعماء، ولم يذكر المنعِم. ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾: إنّه: إنّ: للتوكيد؛ لفرح: اللام: لزيادة التّوكيد، فرح: كثير الفرح، وهذا الفرح من الفرح المذموم، ويعني البطر. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لمزيد من البيان في معنى الفرح وأنواعه. ﴿فَخُورٌ﴾: صيغة مبالغة من الفخر؛ كثير الفخر، والفخر: نوع من التّكبر

стр. 2140

على النّاس بالقول؛ أيْ: يُزكي الإنسان نفسه، ويمدح نفسه، ويثني عليها، ويأتي في مقام الذّم. انتبه إلى كلمة نِعمة: وردت بالإفراد، وكسر النّون في (٤٧) آية في القرآن، وتعني: الرّحمة، ومضافة إلى الله، وهي شيء حسن، وخير، ووردت كلمة نَعمة: بالإفراد، وفتح النّون في آيتين فقط، وجاءت في سياق النّعمة، والرّفاهية المذمومة، أو الرّخاء المذموم. فهي تدل على شيء مذموم، أو ترد في سياق الذّم؛ كقوله تعالى في سورة المزمل، آية (١١): ﴿أُولِى النَّعْمَةِ﴾، وسورة الدخان، آية (٢٧): ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾. سورة هود [١١: ١١] ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: ﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾: إلا: أداة استثناء. الّذين: اسم موصول. ﴿صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: صبروا على الابتلاءات الّتي ذكرها الله في الآية (٩)، ولم ييْئَسوا من رحمة الله تعالى، وكذلك الصّبر على تجنب المعاصي، والصّبر على الطّاعات. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفروض، والنّوافل، وأطاعوا الله، ورسوله في: افعل، ولا تفعل. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب، وتشير إلى منزلتهم العالية. ﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد.
следующие страницы →