Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
﴿مَا يَحْبِسُهُ﴾: ما: اسم استفهام؛ يحبسه؛ أيْ: ما يمنع نزوله كأنهم يكذِّبونه، ويستبعدون نزوله بهم، أو يستهزئون به.
﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه، وتوكيد.
﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾: أيْ: ليس منصرفاً عنهم؛ أيْ: لا ينقطع، أو يهدأ، أو يتوقف، أو يخفُّ.
﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾: أيْ: نزل وأحاط بهم من كلّ جانب، حاق: فعل ماض؛ أي: اعتبره وقع، وحصل رغم أنّه قادم في المستقبل؛ لأنّ الزّمن الماضي، والحاضر، والمستقبل كلّها متساوية عند الله؛ لأنّه هو خالق الزّمن. ارجع إلى سورة غافر آية (٤٥) لمزيد من البيان والفرق بين حاق ونزل.
﴿مَا﴾: اسم موصول، أو مصدرية.
﴿كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾: الباء: للإلصاق، وتفيد السّببية؛ أيْ: بسبب، أو بدل ما كانوا به يستهزئون؛ بسبب استهزائهم بالعذاب، وعدم تصديقهم بوقوعه.
سورة هود [١١: ٩]
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾:
﴿وَلَئِنْ﴾: ارجع إلى الآية (٧).
﴿أَذَقْنَا﴾: من ذاق؛ أيْ: شعر بطعم الطّعام؛ أيْ: مجرد الشّعور بالطّعم، وليس الأكل، ويستعمل الذوق مجازاً في إدراك غيره من الأشياء المعنوية؛ كالرّحمة، والنّعمة، والعذاب، وذوق الرّحمة يدلّ على لذة التّمتع بها بأقلّ حالاتها، فما بالك إذا تجاوز ذلك.
وكلمة ذاق: تستعمل في الشّيء المحبوب، أو المكروه؛ مثل: الرّحمة، أو العذاب، أو الخير، أو الشّر، وتصح للكثير، والقليل، والشّديد، والخفيف،
стр. 2137
واللسان أداة الذّوق، ويقسم إلى مناطق خاصة بالطّعم الحامض، والحلو، والمالح، والمر، وشبه الرّحمة هنا بالطّعام الّذي يذاق.
﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾: الرّحمة بشكل عام تعني: كلّ ما يجلب ما يَسرُّ، ويدفع ما يَضرُّ.
أي: الإنعام على العبد مثل: سعة العيش، والصّحة، والأمن، والغنى. نحن هنا أمام سؤالين:
الأوّل: لماذا قدَّم منا على رحمة، ولم يقل رحمة منا؛ أي: التّأخير، أو التّقديم
والثّاني: قال: منا، ولم يقل: من عندنا، أو من لدنا.
الجواب على السّؤال الأوّل: إنّ السّياق في هذه الآية، وغيرها على قدرة الله سبحانه في خلق السّموات والأرض، والبعث، والإذاقة، وكلّ دابة على الله رزقها، فقدَّم (منا)، ولو كان السّياق في الرّحمة؛ كما ورد في سورة فصلت الآية (٥٠) ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا﴾؛ لقدَّم الرّحمة.
الجواب على السّؤال الثّاني: منا، وليس من عندنا؛ (منا): يستعملها القرآن للمؤمن والكافر، وكلّ الخلائق؛ (من عندنا): هي أخص يستعملها عندما تخص المؤمن غالباً، أمّا من لدنا: فهي أخصُّ، وأقرب مقارنة من عندنا، وتستعمل للمحسن، أو أولياء الله، وأنبيائه.
﴿ثُمَّ﴾: للترتيب، والتّراخي الزّمني؛ نزعناها بعد فترة طويلة.
﴿نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾: سلبناها إياه، أو حرمناه إياها، أو أخذناها منه، ونزعناها: تدل على شدة الأخذ؛ أي: الأخذ بقوَّة، وشدة وإكراه؛ لأنّه يتمسك بها بشدة، ولا يريد التّخلي عنها، ويحرص عليها؛ فلا بُدَّ من استعمال النّزع بدل الأخذ.
стр. 2138
﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾: إنّه: إنّ: للتوكيد.
﴿لَيَئُوسٌ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد، يؤوس: صيغة مبالغة من اليأس؛ أيْ: يظل يائساً، واليأس: هو انقطاع الأمل في الشّيء، والإنسان لا يقطع الأمل في الله إلا إذا كان كافراً، والمؤمن لا ييْئَس من رحمة الله.
﴿كَفُورٌ﴾: من كفر، ويكفر: صيغة مبالغة من الكفر؛ أيْ: كثير الكفر؛ أيْ: كثير الجحد، والسّتر؛ لأنّ الكفر: هو أصلاً السّتر، وكفور: قد تعني: قليل الشّكر.
وفي سورة فصلت، الآية (٤٩) قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾: والقنوط: أشد حالات اليأس، وهو حالة خاصة من حالات اليأس.
وأمّا الفرق بين أنعمنا، وأذقنا:
فأذقنا: قد تكون في الخير، أو الشّر.
أمّا إذا أنعمنا: فالإنعام فقط يكون في الخير.
وكلمة أذقنا، أو أذقناه: يصاحبها دائماً كلمة رحمة، أو نعماء في كلّ القرآن، وقد تخص الإنسان، أو النّاس.
أما كلمة ذوقوا: فيصاحبها ذكر العذاب، أو تعملون، أو تكسبون، أو تمكرون …
سورة هود [١١: ١٠]
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّى إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾:
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾: ارجع إلى الآية (٩).
﴿نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾: النّعماء: وردت هذه الكلمة فقط في هذه
стр. 2139
الآية، وهي هنا مقابل الضراء؛ فالإنسان إما في نعماء، أو في ضراء؛ النّعماء: مأخوذة من النّعمة: بفتح النّون، والنّعمة هي اسم مرة، والنّعماء لا يراد بها هنا ذكر النّعم الكثيرة، بل يراد بها الإشارة إلى جنس النّعم، وصفتها.
ولماذا اختار كلمة النّعماء بدلاً من النّعمة؛ لأنّ النّعماء تظهر على صاحبها، أمّا النّعمة فقد تظهر، وقد لا تظهر، سواء بالبصر، أم الكلام.
نعماء بعد ضراء: الضّراء، والمضرة الّتي تكون ظاهرة على الشّخص؛ من الضّر: وهو الشّيء الّذي يؤلم النّفس، ويضر بها؛ أيْ: أذقناه نعماء بدلاً من الضّراء.
﴿مَسَّتْهُ﴾: والمس: أقل اللّمس، أو الإدراك، أو الدّرجة في الإصابة.
﴿لَيَقُولَنَّ﴾: اللام: لام التّوكيد؛ يقولن: مضارع فيه توكيد بالنّون.
﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّى﴾: ولم يقل: ذهبت السيئات عني في اللغة يجوز التذكير والتأنيث، وجاء بالتذكير هنا يعني أثر السيئات؛ أي: العذاب؛ أي: ذهب أثر السيئات (العذاب) عني ولم يحمد ويشكر الله؛ ليقولنّ: ذهب السّيئات: جمع سيئة، وهي كلّ ما يسيء إلى النّفس؛ أيْ: زال وذهب عني البؤس، أو الفقر، والضّر، والخوف، وعدم الأمن، والمرض؛ اكتفى بذكر النّعماء، ولم يذكر المنعِم.
﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾: إنّه: إنّ: للتوكيد؛ لفرح: اللام: لزيادة التّوكيد، فرح: كثير الفرح، وهذا الفرح من الفرح المذموم، ويعني البطر. ارجع إلى سورة آل عمران آية (١٧٠) لمزيد من البيان في معنى الفرح وأنواعه.
﴿فَخُورٌ﴾: صيغة مبالغة من الفخر؛ كثير الفخر، والفخر: نوع من التّكبر
стр. 2140
على النّاس بالقول؛ أيْ: يُزكي الإنسان نفسه، ويمدح نفسه، ويثني عليها، ويأتي في مقام الذّم.
انتبه إلى كلمة نِعمة: وردت بالإفراد، وكسر النّون في (٤٧) آية في القرآن، وتعني: الرّحمة، ومضافة إلى الله، وهي شيء حسن، وخير، ووردت كلمة نَعمة: بالإفراد، وفتح النّون في آيتين فقط، وجاءت في سياق النّعمة، والرّفاهية المذمومة، أو الرّخاء المذموم.
فهي تدل على شيء مذموم، أو ترد في سياق الذّم؛ كقوله تعالى في سورة المزمل، آية (١١): ﴿أُولِى النَّعْمَةِ﴾، وسورة الدخان، آية (٢٧): ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾.
سورة هود [١١: ١١]
﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾:
﴿إِلَّا الَّذِينَ﴾: إلا: أداة استثناء. الّذين: اسم موصول.
﴿صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: صبروا على الابتلاءات الّتي ذكرها الله في الآية (٩)، ولم ييْئَسوا من رحمة الله تعالى، وكذلك الصّبر على تجنب المعاصي، والصّبر على الطّاعات.
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الفروض، والنّوافل، وأطاعوا الله، ورسوله في: افعل، ولا تفعل.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب، وتشير إلى منزلتهم العالية.
﴿لَهُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق، هم: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد.
стр. 2141
﴿مَّغْفِرَةٌ﴾: من الغفر: وهو ستر الذّنب، ومحيه؛ أي: العفو، وكذلك إثابتهم على أعمالهم الصّالحة.
﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾: هناك الأجر العظيم، والكريم، والكبير، وغير ممنون.
أجر كبير: على الصّبر، وعمل الصّالحات من الله العلي الكبير.
وحذف كلمة الّذين آمنوا في هذه الآية؛ لأنّ العمل الصّالح لا يقبل إلا مع الإيمان؛ فاكتفى بذكر عملوا الصّالحات، والصّبر نصف الإيمان أيضاً.
سورة هود [١١: ١٢]
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾:
﴿فَلَعَلَّكَ﴾: الفاء: استئنافية؛ لعلك: استفهام فيه معنى التّحذير، والنّهي والأصل في لعل: للترجي المتوقع.
﴿تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد.
﴿تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾: أيْ: تتردَّد، ولا ترغب في تلاوة بعض الآيات على أهل مكة من المشركين، أو تبليغهم إياها؛ مخافة إعراضهم، وإنكارهم، واستهزائهم بالآيات الّتي تتعلَّق بأمر الآلهة، والتنديد بها، وبعبادتهم إياها.
﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾: ضائق: اسم فاعل يدل على ضيق عارض أو عابر، ويعني: الشعور بالحرج، وانقباض في الصدر لعدم سماعهم لآيات القرآن والإعراض عنه، أو أن يقولوا منكراً من القول وزوراً.
﴿بِهِ﴾: تعود على القرآن.
стр. 2142
مخافةَ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: أن: للتّعليل، والتّوكيد؛ لئلا يقولوا، أو كراهة أن يقولوا.
﴿يَقُولُوا﴾: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدُّد، والتّكرار، والاستمرار في أسئلتهم الّتي لن تنتهي.
﴿لَوْلَا﴾: أداة حضٍّ، وتمنٍّ، وحثٍّ.
﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾: الكنز: هو المال المجمع، والمدخر، والكنز: يعني: الذّهب، أو الفضة، والكنز: يعني: المال المخفي.
﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾: أو: للتخيير، جاء معه ملك: من الملائكة، ولم يحدِّدوا شكله، ملك ينزل على صورة بشر، أو ملك يأتي بأجنحته، وعلى صورة ملك من الملائكة، وإذا نزل بصورة بشر كيف سيعرفون أنّه ملك، وعندها يشكُّون في أمره، وماذا لو أنزلنا معك ملك، أو أنزلنا عليك كنز، ولم يؤمنوا ماذا سيحدث لهم، وقد ردّ الله سبحانه على سؤالهم هذا في سورة الأنعام، آية (٨ - ٩). ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨].
فلا تدعْ ذلك يجرك إلى ترك بعض ما يوحى إليك من ربك، أو تركن إليهم شيئاً قليلاً طمعاً في إيمانهم، بل اصبر على دعوتك، وما أرسلت به، ولا يضيق صدرك بما يقولون، والأصل في التّقدير: أن يحدث ضيق الصّدر أوّلاً، ثمّ التّرك ثانياً؛ أيْ: ضائق به صدرك: تارك بعض ما يوحَى إليك؛ فقدَّم التّرك على ضيق الصّدر؛ لأنّ أمر التّبليغ والدّعوة بشكل كامل أهم من ضيق الصّدر، ولذلك جاء بكلمة ضائق به صدرك، وضائق اسم فاعل يدل على ضيق مؤقت، وعارض.
إذا حدث وضاق صدرك بما يقولون فهذا أمر مؤقَّت، أو أمر عارض سيزول سريعاً.
стр. 2143
ولو قال بدلاً من ضائق به صدرك: ضيِّق به صدرك؛ لدلَّ ذلك على أنّ ضيق الصّدر صفة ثابتة في رسول الله ﷺ ، وهذا ليس صحيح.
وانتبه إلى قوله: ضائق به صدرك أن يقولوا، ولم يقل: وضائق بما يقولون صدرك؛ فقد قدَّم صدر رسول الله ﷺ على أقوالهم؛ لأن صدر الرّسول ﷺ هو أهم مما يقولون.
وكذلك جاء بكلمة (تاركٌ): بالتّنوين، وليس (تاركُ) بالضّم؛ لأنّ (تاركٌ) بالتّنوين: يدل على اسم الفاعل، وتعني: في الحال، والمستقبل؛ بينما تاركُ: تدل على أنّ التّرك حدث، وانتهى، ورسول الله ﷺ لم يترك شيئاً لم يبلِّغه، فجاء بصيغة الحال، والمستقبل؛ أي: احذر أن تترك بعض ما يوحَى إليك من ربك في الحال، والمستقبل؛ كقوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾: إنما: كافة مكفوفة؛ تفيد التّوكيد. نذير: من الإنذار، وهو الإعلام مع التّحذير، والتّرهيب. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ للبيان.
وليس عليك واجب الرّد على أسئلتهم، أو اقتراحاتهم، ولم يقل: إنما أنت نذير، وبشير، أو بشير، ونذير؛ لأنّهم ليسوا من أهل البشارة؛ حين يقولون تلك الأقوال الدّالة على تكبُّرهم وعنادهم، فلا يهمك إذا استجابوا، أم لم يستجيبوا إنما أنت نذير.
﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾: والله سبحانه المتولي، والمدبر لكلّ أمر، وشيء، والحافظ، والمعين، والقائم بأمور العباد، وتقديم على كلّ: تفيد الحصر، والقصر؛ فهو الوكيل على كلّ شيء، ولا أحد غيره.
الفرق بين كلمة ضائق، ويضيق صدرك، ولا تك في ضيق مما يمكرون:
стр. 2144
أوّلاً: كلمة ضائق به صدرك: ضائق اسم فاعل (قاعدة: وإذا أردت الأمر العارض استعملت اسم الفاعل)، إذن: ضائق تعني: ضيق عارض، بسبب موقف ما عارض، أو موقف معين، أو مرحلة معينة.
ثانياً: كلمة ضيق: صفة مشبهة تدل على الثّبوت، والدّوام وحاشا لرسول الله ﷺ أن يكون ضيق الصّدر؛ فقد شرح الله صدره؛ فقال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١].
ثالثاً: واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن ولا تك في ضيق مما يمكرون؛ أيْ: لا يضيق صدرك بأدنى الضّيق، وهنا تدل على درجة الضّيق؛ بسبب ما يمكرون.
стр. 2145
سورة هود [١١: ١٣]
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾:
﴿أَمْ﴾: المنقطعة: للإضراب الانتقالي، الهمزة: للاستفهام.
﴿يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: بصيغة المضارع؛ أيْ: يقولون بتكرار واستمرار أنّ محمّداً افترى القرآن، والافتراء: هو اختلاق الكذب المتعمد.
قل: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾: أي: فأتوا بعشر سور مثله، وتعني من الفاتحة إلى سورة هود؛ أي: إشارة إلى ما تقدم سورة هود، وهن عشر سورة؛ فالله سبحانه تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن، ثم تحداهم بأن يأتوا من مثله، ثم تحداهم بعشر سور، ثم تحداهم بسورة واحدة، وفي سورة يونس، الآية (٣٨): تحداهم بأن يأتوا بسورة مثله، وكذلك في سورة البقرة، الآية (٢٣): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ لمعرفة الاختلاف بين هذه الآيات: ارجع إلى آية البقرة (٢٣).
﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٨) من سورة يونس، والآية (٢٣) من سورة البقرة للبيان، والفرق بين من استطعتم وشهداءكم.
стр. 2146
سورة هود [١١: ١٤]
﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾:
﴿فَإِلَّمْ﴾: الفاء: عاطفة؛ إن: شرطية؛ لم: نافية. وانظر كيف لم يفصل بين (فإن) و (لم) في هذه الآية أن جمع بين فإن+ لم= فإلم، بينما في الآية (٥٠) من سورة القصص فصل بين (فإن)، و (لم)، ولبيان الفرق بينهما؛ ارجع إلى سورة القصص آية (٥٠).
﴿يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾: إلى ما تدعوهم إليه من الإتيان بعشر سور مثله مفتريات.
﴿لَكُمْ﴾: بدلاً من لك؛ جاءت بصيغة الجمع؛ تعظيماً لرسول الله ﷺ ، أو الخطاب موجَّه لكلّ النّاس. وانتبه إلى الجمع بين فإن، وبين لم، فقال: فإلم في هذه الآية، بينما في سورة القصص آية (٥٠) فصل بين فإن ولم. ارجع إلى سورة القصص آية (٥٠) للبيان ومعرفة سبب الجمع والفصل.
﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾: يأمرهم بالعلم حتّى يكون إيمانهم على علم.
﴿أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾: أنزل جملة واحدة، وبعلم الله؛ أيْ: لا يمكن أن يكون فيه أيُّ خطأ مهما كان نوعه.
﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: لا إله معبود؛ إلا الله وحده. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٥٥)؛ للبيان.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾: هل استفهام، فيه معنى الأمر، ومعناه: لا يكفي العلم، بل لا بُدَّ من الدّخول في الإسلام، وأن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً رسول الله ﷺ ؛ أيْ: لا بُدَّ من التّوحيد، والإخلاص لله تعالى.
стр. 2147
سورة هود [١١: ١٥]
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾:
المناسبة: هذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: لولا أنزل عليه كنز، وقوله: يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمَّى.
﴿مَنْ﴾: شرطية.
﴿كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾: هذه الآية عامة يقصد بها كلّ إنسان يريد الحياة الدّنيا، وزينتها (سواء أكان مؤمناً، أم كافراً؛ لأنّ ذلك من عطاء الرّبوبية).
﴿يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾: يطلب ويبتغي ويركض وراء الحياة الدّنيا. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (١٥٢) من سورة آل عمران، وهي قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ فهذه الآية خاصة بأصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يذكر فيها كلمة (الحياة)؛ لأن الموقف كان في معركة أحد، وموقف قتال فناسب ذلك حذف كلمة الحياة من كلمة الدنيا.
﴿وَزِينَتَهَا﴾ الزّينة: قيل: هي تحسين الشّيء بغيره، والزّينة: قيل: هي الأمر الزّائد عن ضروريات الحياة، ومقوماتها، وتشمل الذّهب، والفضة، والأثاث، والملابس، والخيل المسومة، والمنازل، والقصور، والمراكب.
وجاء بفعل يريد: كفعل مضارع؛ ليدل على التّكرار، والتّجديد، والاستمرار على الإرادة، ولم يقل: من أراد الحياة الدّنيا، وانتهى.
﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾: الوفاء: يعني: إعطائه أجره كاملاً دون نقص في حقه، كما يحصل بين العامل ورب العمل؛ فإذا أتقن المهنة، والعمل سواء كان مؤمناً، أو كافراً؛ فلا بُدَّ من أن يأخذ أجره كاملاً، والوفاء يتم في الدّنيا والآخرة، ومنهم من قال: في الدّنيا كقوله تعالى في سورة فاطر، الآية (٣٠): ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
стр. 2148
﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾: وهم: تفيد التّوكيد، وتعود على كلّ من يريد الحياة الدّنيا.
﴿فِيهَا﴾: في الدّنيا.
﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾: لا: النّافية؛ نافية للجنس. يبخسون: من البخس: وهو الإنقاص، بخسه حقه بخساً: نقصه حقه، ولم يوفه؛ أيْ: لا ينقصون شيئاً من أجورهم في الدّنيا والآخرة.
سورة هود [١١: ١٦]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول؛ يعني: الذين يريدون الحياة الدّنيا وزينتها.
﴿لَيْسَ لَهُمْ فِى الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾: إلا: أداة حصر، ليس لهم في الآخرة إلا حصراً النّار.
﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا﴾: أعمالهم حبطت بسبب كفرهم، وشركهم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢١٧)؛ للبيان.
وباطل ما كانوا يصنعون: أيْ: غير حقٍّ ما صنعوا فيها؛ أيْ: لم يطبقوا ويلتزموا بالقرآن والسنة.
وردت في هذه الآية أربع كلمات كلمة حبط، وما صنعوا فيها، كلمة (الصّنع)، وباطلٌ (كلمة باطل) ما كانوا يعملون، كلمة (العمل).
ما هي الفروق بين هذه الكلمات، وبالتّالي معانيها.
ما هو الفرق بين الصّنع، والعمل:
стр. 2149
العمل: يشمل القول، والفعل (الأقوال، والأفعال)، والعمل قد يكون جيداً، أو رديئاً، أو عادياً، والعمل: قد يتم بإجادة، أو عدم إجادة؛ فعندما يتم بإجادة: نطلق عليه الصّنع، فالعمل: أعم من الصّنع.
الصّنع: هو إجادة العمل؛ أيْ: يتم بجهد، وجودة، وهذا يسمَّى الصّنع، والصّنع يكون في الدّنيا؛ أيْ: خاص بالدّنيا.
أمّا الفرق بين الحبوط، والبطلان:
فالحبوط: (حبطت أعمالهم): حبط، الحبط: أصله مشتق إصابة الماشية بمرض الحبط، أو الحبن؛ حين تنتفخ الماشية بالسّوائل، أو الماء؛ بسبب مرض الكبد، ويظنها الجاهل بها سمينة، ولحمها كثير، ولكنه حين يذبحها ليأكل منها يجدها مليئة بالمرض؛ فلا يُستفاد منها بشيء.
الحبط: خاص بالأعمال فقط، ولم ترد كلمة حبط إلا مقرونة بالعمل، وسبب حبوط أعمالهم، وذهاب ثوابها: هي كفرهم، وشركهم، ومعاصيهم، أو ذنوبهم، وعدم توبتهم، والحبوط: يكون في الآخرة، وهو خاص بالآخرة، بينما كان الصّنع خاصاً بالدّنيا.
البطلان (باطل): يكون في العمل، وغير العمل؛ مثل: الاعتقاد، والقضاء. والباطل: ضد الحق، وهو ما لم يشرع بالكلية، والبطلان عام، والعمل كذلك عام.
وإذا عدنا إلى الآية: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: نجده قَرَنَ أمراً خاصاً: هو حبط، مع أمر خاص: هو الصّنع (ما صنعوا فيها)، وقرن باطلاً: وهو أمر عام، مع أمر عام: هو العمل (ما كانوا يعملون).
﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾: فيها حبط في الآخرة ما صنعوا في الدّنيا (فيها:
стр. 2150
تعود على الآخرة، والدنيا معاً)؛ أيْ: حبط في الآخرة ما صنعوه في الدّنيا؛ فهي تعود على الصّنع. الصّنع: لا يكون إلا في الدّنيا، والحبوط: يكون في الآخرة.
﴿مَا صَنَعُوا﴾: ما: مصدرية؛ حبط صنعهم، أو ما: اسم موصول؛ حبط: الّذي صنعوا، ولم يقل الحقُّ: ما صنعوه، وإنما قال: ما صنعوا، ما صنعوا: عامة تشمل كلّ ما صنعوه، ولو قال: ما صنعوه؛ تعني: جزءاً، أو قسماً مما صنعوا.
حبط: (فعل ماض): ما صنعوا فيها: صنعوا فعل ماض، إذن جاء بفعل ماض+ فعل ماض.
﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: وباطل: اسم فاعل؛ يدلّ على الثّبوت.
﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: فعل مضارع يدل على التّجدُّد، والتّكرار، والاستمرار، إذن ثبوت مع تجدُّد، وتكرار.
سورة هود [١١: ١٧]
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: أفمن: الهمزة: للاستفهام الإنكاري، أو التّقرير، والفاء: للتّوكيد، ومن: اسم موصول، وتشمل المفرد، أو الجمع.
﴿مِنْ﴾: مبتدأ، والخبر محذوف تقديره كمن لا يريد الحياة الدّنيا وزينتها، أو أفمن كان على بيّنة من ربه، كمن لم يكن، أو أفمن كان على بينة من ربه كالأعمى، والأصم، أو الضال الكفور، والمراد بهذه الآية رسول الله ﷺ (الذي هو على بينة من ربه)، أو هل يستوي أيُّ مؤمن هو على بينة من ربه، مع من يريد الحياة الدّنيا وزينتها؟
стр. 2151
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾: البينة بشكل عام: قد تعني: القرآن، أو الرّسول، أو الدِّين، أو الحُجَّة، والدّليل القاطع.
﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: وتعني: الرّسولَ ﷺ ، أو أيَّ مؤمن.
﴿وَيَتْلُوهُ﴾: يقرؤه، أو يتبعه، وتعني: القرآن، أو النّبي ﷺ .
﴿شَاهِدٌ﴾: جبريل ﵇، أو الرّسول ﷺ .
﴿مِّنْهُ﴾: من الله ، أو النّبي ﷺ .
﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾: هذه الآية تبيِّن لنا نحن أمام بينة وشاهدان. البيّنة كما سبق الحجة والدّليل القاطع، وكلّ ما يحتاج إليه لإقامة الحكم، وقيل: هي القرآن، أو الرّسول ﷺ ، أو الدّين، أمّا الشّاهدان: فهما: ويتلوه شاهد منه، ومن قبل كتاب موسى إماماً ورحمة.
﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾: أيْ: يتبعه القرآن شاهد منه آيات القرآن الّتي تشهد على صدقه، ووحدانية الله وعظيم قدرته؛ آيات القرآن الّتي تدل على الإعجاز العلمي في الآفاق، وفي أنفسهم كما قال الحق سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِى الْآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]؛ ففي كلّ زمان يظهر شاهد جديد على صدق القرآن، وعظمته، وأنّه منزل بالحق من الله سبحانه.
﴿وَيَتْلُوهُ﴾: جاءت بصيغة المضارع؛ لتدل على التّجدُّد، والتّكرار، والاستمرار إلى يوم القيامة، وأنّ القرآن: هو المعجزة الخالدة إلى يوم القيامة.
﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾: ومن قبله: الهاء: تعود على القرآن العظيم، أو على محمّد ﷺ ، أو كلاهما، ومن قبله كتاب موسى؛ أي: التّوراة،
стр. 2152
ومن قبله: قد تعود على الإنجيل، ومن قبل الإنجيل كتاب موسى التّوراة شاهد على القرآن، أو على نبوة محمّد ﷺ .
﴿إِمَامًا﴾: يُهتدى به؛ أيْ: مصدر هداية، وإماماً: ليبشر بقدوم الرّسول محمّد ﷺ .
﴿وَرَحْمَةً﴾: ذا رحمة؛ لأنّه يجلب النّفع، ويدفع الضّرر، ووقاية من السّيئات.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾: أصحاب موسى ﵇، أو محمّد ﷺ ، أو أهل الحق من أمة موسى، وعيسى، ومحمّد عليهم الصّلاة والسلام، يؤمنون به: يصدقون بالقرآن العظيم.
﴿بِهِ﴾: تعود على القرآن، وعلى محمّد ﷺ .
﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾: بالقرآن، ومحمّد ﷺ ، والكفر: هو السّتر؛ فالإيمان موجود قبل الكفر؛ لقوله: ومن يكفر به؛ أي: المكفور به الإيمان سابق على الكفر.
﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: جمع حزب، والحزب: جماعة ملتفة على مبدأ، أو مبادئ واحدة، وتعني: جميع الملل من اليهود، والنّصارى، وقريش، أو القبائل من الأعراب.
﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾: أيْ: إليها مصيره.
﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾: من القرآن؛ لا تك، ولم يقل: ولا تكن؛ أيْ: حذف النّون.
стр. 2153
﴿فَلَا﴾: الفاء: للتوكيد. لا: النّاهية.
﴿تَكُ﴾: في أدنى شك، أو في أيِّ لحظة، أو طرفة عين في مرية منه.
﴿فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾: في: ظرفية. مرية: هي الجدال بعد ظهور الحق؛ أيْ: لا تجادلهم بعد ظهور الحق، أو في شك منه بعد ظهور الحق.
﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: إنّ: للتوكيد؛ أي: القرآن.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: الحق: هو الأمر الثّابت الّذي لا يتغيَّر أبداً.
﴿وَلَكِنَّ﴾: حرف استدراك، وتوكيد.
﴿أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: لا: النّافية؛ لا يؤمنون: تكبراً، وعناداً، وكفراً، وتقليداً لآبائهم، وليس من قلة الآيات، والأدلة الشّاهدة عليهم.
سورة هود [١١: ١٨]
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: الواو: استئنافية. من: اسم استفهام، وتقرير (يأتي بشكل السّؤال حتّى يُجيب المخاطب، ويقول: لا أحد؛ فتقام عليه الحجة)، والإقرار: هو سيد الأدلة؛ ليس هناك من أظلم ممن افترى على الله كذباً، وأظلم: على وزن أفعل. والظلم: هو نقصان الحق، والخرج عن منهج الله تعالى، ويشمل ظلم النفس، وظلم الآخرين.
﴿مِمَّنِ﴾: أدغمت من الأولى بمن الثّانية؛ من الأولى: ابتدائية، ومن الثّانية: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي.
﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: افترى: اختلق متعمداً الكذب.
стр. 2154
﴿كَذِبًا﴾: نكرة يشمل كلّ أنواع الكذب، والقليل، والكثير، ولم يقل: الكذب (المعرف بأل؛ ويعني: كذباً معيناً).
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد.
﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾: يعرضون من العرض: وهو إظهار الشّيء الخفي؛ أيْ: يُظهر ما كانوا يخفون في الدّنيا. يقفون صفوفاً أمام ربهم للحساب.
﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾: الرّب: اشتقت من المربي: وهو القائم بتدبير أمورهم، وتصريفها، وهو خالقهم، ورازقهم.
﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: جمع شاهد، أو شهيد؛ أي: الشّهداء بالحق، والأشهاد: قد يكونون من الملائكة الحفظة، أو الرّسل، والأنبياء، أو أهل العلم من أمة محمّد ﷺ .
﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: حين قالوا: اتخذ الله ولداً؛ أيْ: نسبوا له الولد، أو الشّريك في الملك، أو الولي، أو حرم هذا ولم يحرمه، وأحل ذلك ولم يحله، وقالوا: هو من عند الله، وما هو من عند الله.
﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة يشار إليهم يوم العرض يوم القيامة؛ ليفضحهم، ويخزيهم؛ الّذين كذبوا على ربهم.
﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: ألا: أداة تنبيه، واللعنة: تعني: الطّرد من رحمة الله، والإبعاد، والقائل هنا قد يكون الحق سبحانه، أو الأشهاد، أو الملائكة، ولم يقل: ألا لعنة الله على الكاذبين؛ لأنّ الكذب جزء من الظّلم فجاء بالّذي هو أعم، فالكافرون أعم من الظّالمين، والظّالم تشمل كذلك المشرك، والظّالم لغيره، والظّالم لنفسه بالخروج عن منهج الله تعالى.
стр. 2155
سورة هود [١١: ١٩]
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: اسم موصول؛ يفيد الذم.
لم يكتفوا بالكذب على ربهم؛ فهم كذلك يصدون عن سبيل الله، وسبيل الله دينه: وهو الإسلام؛ يحاربون، ويهاجمون؛ يمنعون النّاس من الدّخول في دينه، أو يشوهون سمعته، ويتهمون الإسلام بالتّطرف، والعنف.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: يلتمسون لسبيل الله (دينه) الزّيغ والتّحريف، ويريدون لأهل دين الله الضّلال، ويتهمون الدّين، وأهل العلم بالغلو، والانحراف، ويصفونه بالمعوج المنحرف المتطرف.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾: هم: ضمير الفصل؛ تفيد التّوكيد، والباء: تفيد للإلصاق، والتّوكيد؛ لأنّهم افتروا على الله الكذب، وقاموا بالصّد عن السبيل، ويبغونها عوجاً؛ فزاد توكيدهم بالكفر بالآخرة باستعمال هم: ضمير الفصل مرتين، وهم: الثانية تفيد زيادة التّوكيد.
﴿كَافِرُونَ﴾: لا يؤمنون، لا يصدقون بالحساب، ولا بالبعث، أو بالجنة، أو النّار.
стр. 2156
سورة هود [١١: ٢٠]
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعيد يشير إلى الّذين كذبوا على ربهم، وصدوا عن سبيل الله، وكفروا بالآخرة.
﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾: لم: حرف نفي، معجزين: جمع مُعْجز في الأرض، والمُعجز: من لا تقدر عليه، ويستطيع الهرب؛ أيْ: يفلت منك، ولا تلحق به.
﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ﴾: نفى عنهم صفة الإعجاز أصلاً؛ أيْ: لن يفلتوا من عذاب الله وعقابه.
﴿مُعْجِزِينَ﴾: جاء بالاسم الّذي هو أثبت وآكد من الفعل.
﴿فِى الْأَرْضِ﴾: حيث كانوا يعيشون، ولم يذكر السماء كما في سورة العنكبوت آية (٢٢)؛ لأن السياق في الآخرة، والموقف موقف محاسبة، أو إذا كانوا غير معجزين في الأرض؛ فكيف يكونون معجزين في السّماء، وأمّا حين يذكر السّماء كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِى السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: ٢٢]؛ لأن سورة العنكبوت تدعوا إلى النظر والتدبر حيث قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [آية: ٢٠]، والتحدي أكبر، وأوسع، ويشمل السّموات السبع حتّى لا يظن أحد أنه إذا لم يستطع أن ينجو في الأرض
стр. 2157
يمكن أن ينجو في السّماء، ومنهم من قال: أن هذه الآية قد تشير إلى غزو الفضاء الّذي بدأ ينتشر.
﴿وَمَا﴾: الواو: عاطفة؛ ما: نافية.
﴿كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: بالإضافة إلى عجزهم في الأرض ما كان لهم من غير الله من أولياء: جمع ولي: وهو المعين، والمحب، والنّاصر.
﴿مِنْ﴾: استغراقية؛ استغرقت النّفي المطلق، وتفيد التّوكيد، لا ولي، ولا اثنان، ولا أكثر من ذلك.
وعبارة من دون الله من أولياء؛ أيْ: في الدّنيا.
﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾: لعظم كفرهم، وإضلالهم غيرهم، وصدهم عن سبيل الله، ويبغونها عوجاً.
﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾: قدَّم السّمع على البصر؛ لأهمية السّمع على البصر، وكذلك من ناحية التّشكل الجنيني؛ فتشكل السّمع يكون قبل البصر، وكذلك من الناحية التشريحية: فموقع السّمع أمام موقع البصر. ارجع إلى سورة المُلك، آية (٢٣)، وإلى سورة البقرة، آية (٧)؛ لمزيد من البيان.
﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: رغم وجود آلة السّمع؛ فهم لم يستفيدوا منها بالاستماع إلى الرّسول ﷺ ، وآيات القرآن؛ لكونهم يكرهون الاستماع للحق، وما أنزل الله.
﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾: أيْ: نفى عنهم السّمع أوّلاً، ونفى عنه البصر ثانياً، لا هذه، ولا هذه، ولا كلاهما؛ منهم لم يستفيدوا من سمعهم، ولا أبصارهم؛ فيؤمنون بالله ورسوله.
стр. 2158
ولكن في الآخرة يتغير ذلك فيصبح سمعهم وأبصارهم كالحديد من شدتها، وحدَّتها؛ كقوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
سورة هود [١١: ٢١]
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (٢٠).
﴿أُولَئِكَ﴾: للتأكيد.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾: بأن أوردوها النّار.
﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾: أيْ: غاب عنهم، أو غابت عنهم أصنامهم، وأولياؤهم، ولم يهتدوا إلى أصنامهم، وكذلك أصنامهم لم تهتدِ إليهم.
﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: على الله من الكذب المتعمد بأنّ له شريكاً، وولداً، وأن الأصنام ستشفع لهم، وتقربهم عند الله زلفى، وغيره من الأكاذيب.
سورة هود [١١: ٢٢]
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾:
﴿لَا جَرَمَ﴾: حقاً، أو لا بُدَّ، أو لا محالة، وقد تحمل معنى القسم، وجَرَم معناها قطع، جرم يده: قطع يده، وجَرَم أذنب، وجنى جناية.
﴿أَنَّهُمْ﴾: أنّ للتوكيد.
﴿فِى الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾: جمع أخسر على وزن أفعل، وخاسر: اسم فاعل مأخوذ من الخسارة.
﴿هُمُ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
﴿الْأَخْسَرُونَ﴾: هم أشد خسارة من الخاسرين، وعذابهم أشد ومضاعف، والأخسرون؛ لأنّهم كذبوا، وصدوا عن سبيل الله غيرهم، وابتغوها عوجاً. أمّا الخاسرون: فهم لم يصدوا غيرهم واكتفوا بعدم الإيمان بالآخرة،
стр. 2159
واستحبوا الحياة الدّنيا على الآخرة، وأفسدوا في الأرض. ارجع إلى سورة النساء آية (١١٩)، والآية (٦٣) من نفس السورة للمقارنة.
سورة هود [١١: ٢٣]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾:
مقابل الظّالمين الّذين صدوا عن سبيل الله ويبغونها عوجاً الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات.
﴿إِنَّ﴾: للتوكيد.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: قرنوا الإيمان بالعمل الصّالح، صدقوا بالله، واتبعوا ما أنزل الله ورسوله، وعملوا الصّالحات.
﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: أطاعوا أوامر الله تعالى في السر والعلن، وأخلصوا في توحيدهم؛ خافوا ربهم، والخبت: التواضع، والسكون (السكينة)، أو الطمأنينة إلى حكم الله وقضائه.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة، واللام: للبعد، والكاف: للخطاب.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: الملازمون لها. ارجع إلى الآية (٤٢) من سورة الأعراف.
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد.
﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾: الخلود: هو استمرار البقاء ابتداءً من زمن دخول الجنّة.
سورة هود [١١: ٢٤]
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾:
стр. 2160
الفريق الأوّل: الظّالمون، والّذين يبغونها عوجاً، وهم بالآخرة هم كافرون؛ حالهم يشبه حال الأعمى، وحال الأصم.
والفريق الثّاني: الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات؛ حالهم يشبه حال البصير، وحال السّميع.
فعندنا أربعة تشبيهات؛ لكلّ فريق تشبيهان، ولو كان تشبيهاً واحداً لقال: مثل الفريقين كالأعمى الأصم، والبصير السّميع من دون الواو، والتّقديم والتّأخير في السّميع على البصير ليس له علاقة بالأفضل.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجب، ألا: أداة حضٍّ على التّذكر.
﴿تَذَكَّرُونَ﴾: لم يقل: تتذكرون؛ أي: المسألة لا تحتاج إلى زمن طويل للتذكر، والتّفكير؛ لأنّ أيَّ إنسان ذي لبٍّ، أو عقل لا يحتاج إلى طول تذكر، أو تفكر؛ ليدرك أنّ الأعمى، والأصم لا يستوي مع البصير والسّميع، والإنسان مطلوب منه أن يتذكر مسائل العقيدة بسرعة، وليس هو بحاجة إلى وقت طويل؛ لأنّ مسائل العقيدة مستقرة في القلب، ولا تحتاج إلى طول تذكير، أو تفكير.
سورة هود [١١: ٢٥]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾:
﴿وَلَقَدْ﴾: اللام: لام التّوكيد. قد: حرف تحقيق. وإذا قارنا (ولقد) مع قوله تعالى في سورة الأعراف آية (٥٩) (لقد) بدون الواو: نجد أن آية الأعراف لم يتقدمها ذكر رسول، أو نبوة؛ فهو كلام ابتداء، أما في سورة هود، وسورة المؤمنون، والعنكبوت، والحديد: فقد تقدمها ذكر رسول، والواو عاطفة، أو استئنافية.
стр. 2161
﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾: أرسلنا، ولم يقل: بعثنا. ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان.
﴿نُوحًا﴾: من سلالة إدريس، وإدريس: هو أبو جد نوح، وجاء في صحيح البخاري عن ابن عبّاس: كان بين آدم ونوح ما يقارب عشرة قرون؛ أيْ: (١٠٠٠ سنة)، ونوح كان أول الرّسل من أولي العزم، وذكر اسمه في (٤٣) آية.
﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾: الّذين سكنوا شمال العراق ما بين دجلة والفرات، وهم من بقايا ذرية آدم الّذين سكنوا مكّة، ثمّ رحلوا إلى شمال العراق.
القوم هنا: تعني الرّجال والنّساء، والقبيلة، والعشيرة، وهنا ملاحظة يجب العلم بها: أنّ كلمة قوم دائماً يرد معها عقوبة في نهاية الآيات.
﴿إِنِّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: لكم نذير من الله؛ الإنذار: هو الإعلام، والتّحذير؛ أيْ: لأنذركم خاصة، أو أقول لكم منذراً بالإيمان بالله، والاستجابة له، وامتثال أوامره، وعلى تجنب ما حرم عليكم.
﴿مُبِينٌ﴾: يعني: كلّ واحد يعلم أنّه إنذار واضح، ولا يحتاج إلى بينة، وهو ألا تعبدوا إلا الله.
سورة هود [١١: ٢٦]
﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾:
﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد.
﴿لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾: لا: النّاهية؛ تعبدوا إلا: أداة حصر؛ الله حيث كانوا يعبدون أصناماً كثيرة؛ مثل: ودٍّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر … وغيرها، ولمعرفة معنى العبادة: ارجع إلى الآية (٢) من نفس السورة.
﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.
стр. 2162
﴿أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾: أليم تعود على العذاب، وليس اليوم.
﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾: عذاب أليم يوم الطّوفان، أو أحذركم يوم الطّوفان، وأحداثه.
سورة هود [١١: ٢٧]
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأْىِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾:
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾: الفاء: تدل على التّعقيب، والمباشرة مجرَّد ما دعاهم إلى عبادة الله وحده مباشرة، قال الملأ الّذين كفروا من قومه: الملأ: أشراف القوم، وزعماء القوم وأعيانهم الّذين يملؤون أعين النّاس مهابة واحتراماً. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٧٥، ٨٨)؛ للبيان.
﴿مَا نَرَاكَ﴾: ما: النّافية؛ نراك: رؤية بصرية.
﴿إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا﴾: البشر: يعني الإنسان، وسمي بشراً لكونه ظاهر على الأرض بعكس الجن الذي يمتاز بالخفاء؛ إلا: أداة حصر؛ أيْ: حصراً أنت بشر مثلنا لا مزية لك علينا، ولا فضل يعطيك حق النّبوة، أو تكون رسولاً علينا.
﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأْىِ﴾: الرّؤية هنا قد لا تدل على الصّواب والحقيقة؛ فالرّؤية تحيط بظواهر الأمور؛ فهم حكموا بظواهر الأمور.
﴿إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾: إلا: أداة حصر.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول تشير إلى الأراذل.
﴿هُمْ﴾: ضمير فصل يفيد التّوكيد.
стр. 2163
﴿أَرَاذِلُنَا﴾: مفردها رذل: الدّون من كلّ شيء، وتعني: السّفلة، أو أحقر النّاس في أعينهم، والحقيقة هم أفضل الناس، وأفضل منهم خاصة.
﴿بَادِىَ الرَّأْىِ﴾: الّذين لا رؤية لهم؛ أيْ: سطحيو النّظر، لا يفكرون، ولو أمعنوا النّظر لما اتبعوك.
﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾: من فضل: من: ابتدائية.
﴿فَضْلٍ﴾: أيْ: زيادة تؤهلكم للنّبوة؛ مثل: المال، أو فضل في الخلق، أو الملك، أو الجاه.
﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾: بل: حرف إضراب إبطالي.
﴿نَظُنُّكُمْ﴾: الظّن: هو أنا نحسبكم، أو نرجِّح أنكم كاذبون.
سورة هود [١١: ٢٨]
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾:
﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: يا: النّداء، كلمة قومي فيها بعض الحنان على قومه، والاستعطاف.
﴿أَرَءَيْتُمْ﴾: الهمزة استفهام، وتعجب، وتقرير، والرّؤية رؤية قلبية، أو فكرية؛ بمعنى: العلم، وبشكل مؤكد.
﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى﴾: إن: شرطية. البينة: الحجة الدّامغة، والبرهان الّذي يثبت صحة ما أقول، وقال: بينة من ربي، ولم يقل: بينة من ربكم؛ لأنّ البينة جاءت إليه، ولم تجئ إليهم، وهم لم يؤمنوا بعد ليقول: ربكم.
﴿وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِنْدِهِ﴾: وآتاني: من الإيتاء: وهو عطاء بدون تمليك، ويشمل الإيتاء الحسي والمعنوي، وهو أشمل من العطاء؛ ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) لمزيد من البيان، والفرق بين العطاء والإيتاء. وبما أنّ الكلام عن
стр. 2164
الرّحمة؛ فقد قدَّمها على من عنده، ولم يقل: وآتاني من عنده رحمة، ورحمة من عنده، ولم يقل: رحمة منه؛ لأنّ رحمة من عنده أخص بالمؤمنين من خصوصيات القرآن، أمّا رحمة منه: فهي رحمة عامة للمؤمن، والكافر، ورحمة من عنده؛ تعني: النّبوة، والرّحمة: هي كلّ ما يجلب ما يَسرُّ ويدفع ما يَضرُّ.
﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾: أيْ: أُخفيت وأُبهمت ولم تعلموها، والتبست عليكم؛ وعُميت من العمى عمى البصيرة؛ أيْ: لم تفهموها؛ عمِّيت بالتضعيف، ولم يقل: عَمِيَت.
﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾: أيْ: أنلزمكم قبولها، والهمزة: همزة استفهام إنكاري؛ أيْ: لا نقدر أن نُلزمكم أنفسنا، وأنتم غير راغبين في قبولها، أو كيف أوصلها إليكم، وأنتم لها كارهون، وهي عبادة الله وحده، أو لا إله إلا الله.
﴿وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾: كارهون: جملة اسمية؛ تدل على أنّ (كارهون) صفة ثابتة: تدلّ على التّجدُّد، والتّكرار، فربما في المستقبل أوصلها لكم، أو تقبلوا بها.
أنلزمكموها: جاءت هذه الكلمة بعد أن رفض قوم نوح الاستجابة لدعوته؛ فأحسَّ نوح بالصّعوبة الشّديدة في إبلاغهم الدعوة؛ فأصبحت كأنّها مستحيلة؛ لأنك ترغم إنساناً على شيء، وهو كاره له، كافر به.
فجاءت هذه الكلمة لتعبر عن هذه الحالة الّتي تمتاز بالإكراه، ومحاولة إبلاغ الشّيء إلى من لا يؤمن به، ويرفضه؛ فبدأت بهمزة الاستفهام الإنكاري، وفيها ضميران: الكاف، والهاء، وأشبعت الميم المضمومة؛ فأصبحت واواً، وفيها فعل وفاعل، ومفعول به أوّل، ومفعول به ثان.
стр. 2165
سورة هود [١١: ٢٩]
﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾:
﴿وَيَاقَوْمِ﴾: نداء فيه رقة، وحنان لقومه.
﴿لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾: لا: النّافية.
﴿أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾: على تبليغ الرّسالة، أو الدّعوة للإيمان.
﴿مَالًا﴾: ولم يقل تعالى: ولا أسألكم عليه أجراً هنا حدَّد نوع الأجر، ولو قال: لا أسألكم عليه أجراً (لم يحدِّد قد يكون مالاً، أو غير المال)، والأجر أعمّ من المال.
﴿إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾: إن: نافية، وأقوى في النّفي من (ما)؛ أجري: والأجر يعقب العمل، وقد يكون في الدنيا، أو في الآخرة، ولا يأتي الأجر إلا في سياق الخير، ولذلك جاء بها ليؤكد لهم أنّه لن يطالبهم بأيِّ أجر.
﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ جاءت بعد نفي تؤكد الحصر؛ فقط أجري على الله وحده، والأجر يكون مقابل عمل، والأجر: هو ثواب عن عمل دنيوي، والأجر؛ يعني: النّفع دائماً، وأمّا الجزاء: فقد يستخدم في النّفع، والضّر، وهو أعم من الأجر، والجزاء: يكون على عمل سيِّئ، أو صالح.
стр. 2166
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: ردٌّ على قولهم: أنؤمن لك واتبعك الأرذلون؟ وما: الواو استئنافية؛ ما: النّافية.
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: ولو بشكل عارض، أو مؤقت؛ أيْ: لا يمكن أن أطردهم مهما كان السّبب، لا في الماضي، ولا في المستقبل، ولو قال: بطاردٍ؛ لكان يعني: في المستقبل، ويحتمل أن يكون قد طردهم في الماضي.
﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: إنّهم: إنّ: للتوكيد.
﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: أيْ: كيف أطردهم، وهم سيلقون ربهم، ويخبرونه بما فعلت بهم، ويحاسبني على طردهم، وظلمهم، ومن ينصرني من الله إن طردتهم؛ فهو يدرك أنّه سيحاسب، ولو كان رسولاً.
﴿وَلَكِنِّى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾: تجهلون حين تسألوني أن أطردهم. ارجع إلى آية الأعراف، آية (١٣٨)؛ لمقارنة قول موسى ﵇: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، وقول لوط ﵇: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]. ارجع إلى سورة الزمر آية (٦٤) لبيان تجهلون، ومعنى الجهل.
سورة هود [١١: ٣٠]
﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِى مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدتُّهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾:
﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِى مِنَ اللَّهِ﴾: من: استفهامية، يا قوم: ارجع إلى الآية السّابقة.
﴿مَنْ يَنصُرُنِى مِنَ اللَّهِ﴾: أي: من ينجيني من عذاب الله إن طردتهم؛ هذا هو السّبب الثّاني، والسّبب الأوّل: أنّهم ملاقو ربهم، والأمر ليس بيدي.
﴿إِنْ طَرَدتُّهُمْ﴾: إن: شرطية؛ تعني، ولو مرة واحدة، وتفيد الشّك في حصول ذلك. ولو قال: من ينصرني من الله إذا طردتهم؛ لكانت تعني: مرات عديدة، أو حتمية الحدوث.
стр. 2167
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾: الهمزة: استفهام إنكاري تذكرون؛ ألا: أداة حثٍّ، وتحريض على اليقظة، والتّذكر؛ لأنّ هذا الأمر واضح، ولا يحتاج إلى طول تفكير، فلا تنسوا ذلك، واتعظوا إنّ طردهم ليس بأمر حكيم، وله عواقبه.
في سورة هود هذه قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وفي سورة الشّعراء آية (١١٤) قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ المؤمنين: تدلّ على ثبوت صفة الإيمان عندهم.
في سورة هود: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: الّذين إيمانهم يتجدَّد، ويتكرَّر؛ فهم أقل درجة من المؤمنين؛ فهو يعلن لهم لن يطرد أحداً مهما كان نوع إيمانه.
سورة هود [١١: ٣١]
﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ إِنِّى إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾:
﴿وَلَا﴾: الواو: استئنافية؛ لا: النّافية تنفي كلّ الأزمنة وتنفي الجنس، وتفيد الإطلاق، والعموم، وأوسع حروف النّفي؛ أي: لا أقول لكم على وجه الاستمرار (الآن وفي المستقبل).
﴿أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: أي: لا أقول لكم خاصة فيها تودُّد وحنان.
﴿عِندِى خَزَائِنُ اللَّهِ﴾: أي: كلّ أنواع النعم، والخيرات، والرّزق، أو خزائن الذّهب، والفضة لكي تحثكم إلى اتباعي، أو تدعو الفقير منكم إلى الاستجابة لدعوتي. وخزائن الله كما بيّن الإعجاز العلمي: أن هذه الخزائن موجودة في النّجوم. ارجع إلى سورة الحجر، آية (٢١)، وسورة الأنعام، آية (٥٠)؛ لمزيد من البيان.
стр. 2168
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: أي: أنا بشر رسول، ورغم ذلك لا أعلم الغيب؛ حتّى تتبعوني كي أدلكم عليه، وأعلم ماذا سيحصل لكم، ويحل بكم.
﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ﴾: أي: من الملائكة إنما أنا بشر، وقد يظن السّامع لهذه الآية: أنّ الملائكة أفضل من الرّسل، والأنبياء، وهذا ليس بضروري، وإنما قال نوح ذلك حين قالوا له ما نراك إلا بشراً، ولأنّ قومه ظنوا أنّ الرّسل لا يكونون من البشر إنما من الملائكة، أو لا أدَّعي أني من الملائكة، وجئتكم على صورة بشر، وتكرار لا ثلاث مرات: للتوكيد، ونفي كلّ واحدة من هذه الأمور على حِدَةٍ، وكلّها معاً.
وقول: يا قوم لا أقول لكم: فيها رقة، وحنان، وتلطف؛ كأسلوب يجب اتِّباعه في الدّعوة إلى الله، ونشر دينه من قبل الدّعاة.
﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ﴾: ولا: الواو: استئنافية؛ لا: النّافية.
﴿لِلَّذِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص.
﴿تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ﴾: أي: تحتقر أعينكم؛ لفقرهم، أو مكانتهم، والازدراء من زرى عليه؛ أيْ: عابه، وتزدري أعينكم جاءت بصيغة المضارع الّتي تدل على التّجدُّد، والتّكرار، والاستمرار في الازدراء؛ أي: ازدراؤهم لم يتوقف بعد، ولم يقل: ازدرت أعينكم وانتهى الأمر، ولم يقل: للذين تزدرونهم؛ إكراماً لهم.
﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾: لن: حرف نفي للمستقبل القريب، أو البعيد؛ أي: لن يؤتيهم الله خيراً قريباً، أو في المستقبل القريب؛ أي: في الدّنيا، أو في المستقبل البعيد؛ أي: الآخرة، والخير: هو الحلال الطيب، الحسن، النّافع.
стр. 2169
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ﴾: أنفسهم: جمع قلة؛ لأنّه يتحدث عن الّذين آمنوا من قومه؛ نفوسهم: جمع كثرة، تعني: كلّ النّفوس على الإطلاق.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق.
﴿فِى﴾: ظرفية، وجاء بكلمة الله، ولم يقل: ربهم أعلم بما في أنفسهم؛ لأنّ السّياق، والمقام: هو سياق الدّعوة إلى الله.
﴿إِنِّى﴾: إنّي: للتوكيد.
﴿إِذًا﴾: حرف جواب.
﴿لَمِنَ﴾: اللام: للتوكيد؛ من الظّالمين: أي: إن قلت لهم لن يؤتيهم الله خيراً.
﴿الظَّالِمِينَ﴾: جمع ظالم؛ الظّلم هنا: يعني نقصان حقهم، ويعني: الجور، والعدول عن الحقّ.
سورة هود [١١: ٣٢]
﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾:
﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾: قد: حرف تحقيق، وتوكيد.
﴿جَادَلْتَنَا﴾: من الجَدلْ، وهو الحوار الّذي يحدث بين طرفين أو أكثر؛ لإظهار حُجة، أو لدفع شبهة، أو إثبات حق، وقد يحدث فيه مشادة كلامية؛ فهو حوار غير هادئ.
والمراء: هو الجدال بعد ظهور الحق، وقد يستعمل للوصول إلى الحقّ؛ كقوله: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
стр. 2170
أمّا الحجاج: هو إظهار حُجَّة الخصم على الخصم.
﴿قَدْ جَادَلْتَنَا﴾: لم يقل: لما تجادلنا؛ ليدل على أنّ نوح هو الّذي كان يلاحقهم، ويجادلهم، وهم لا يريدون الكلام إليه.
﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾: يعني: أنّ نوحاً هو الّذي كان يجادلهم، ويكثر جدالهم، وهم كانوا يهربون منه، ويجعلون أصابعهم في آذانهم، ويستغشون ثيابهم كي لا يسمعوا دعوته.
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: هنا تبدأ مرحلة التّحدي؛ فقد انتهت مرحلة التّكذيب، وعدم التّصديق، وبما أنّ نوحاً عاش بينهم (٩٥٠ عاماً) يدعوهم؛ فأصبحوا غير مكترثين به، وبدعوته، وبوعيده.
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: ولم يقل: وعدتنا، بل قال: تعدنا: فعل مضارع يدلّ على التّجدُّد، والتّكرار؛ لأنّه كان يكرر، ويكرر، ويحذرهم المرات العديدة، أمّا وعدتنا فتعني: مرة، أو مرتين.
﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. ما: اسم موصول؛ تعني: الّذي تعدنا، وهو العذاب.
﴿إِنْ كُنْتَ﴾: إن: شرطية؛ تحتمل الشّك، والاحتمال أن تكون من بين الصّادقين في إنذارك، ووعيدك، وكلامك.
سورة هود [١١: ٣٣]
﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾:
﴿قَالَ إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة؛ تفيد الحصر، والتّوكيد؛ أي: هو الله حصراً يأتيكم به؛ أي: العذاب؛ أي: بيده الأمر، وليس بيدي، ولا بيد غيري.
﴿يَأْتِيكُم بِهِ اللَّهُ﴾: كما تشاؤون بناءً على طلبكم؛ تقديم (به).
стр. 2171
﴿بِهِ﴾: تعني: العذاب؛ به: جار ومجرور، وتقديمه يدل حصراً، وقصراً الله وحده يأتيكم به، ولو قال: يأتيكم الله به؛ فهذا يعني: الله سبحانه يأتيكم به، وهناك آخرون غير الله يأتون به، وهذا غير صحيح.
﴿إِنْ شَاءَ﴾: إن: شرطية. شاء: إذن، أو أراد.
﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾: الواو: واو الحال: للتأكيد. ما: النّافية للحال، والاستقبال.
﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. معجزين: الآن، ولا في المستقبل. ارجع إلى سورة يونس، الآية (٥٣)؛ للبيان.
سورة هود [١١: ٣٤]
﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾:
﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِى﴾: ولا: الواو: عاطفة، لا: النّافية.
﴿يَنفَعُكُمْ نُصْحِى﴾: النّصح: الإرشاد، والدّلالة على الخير.
﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾: إن أردت أن: حرف مصدري؛ يفيد التّوكيد.
﴿أَنْصَحَ لَكُمْ﴾: أنصح: فعل مضارع؛ يدلّ على التّجدُّد، والاستمرار؛ نصح له، ونصحه نصحاً، ونصيحة: تحري ما يصلح له، وأراد له الخير، والنّفع، ودله عليه.
﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾: هل يغوي الله سبحانه عباده؟ حاشا لله.
والغواية: هي الضّلال، والبعد عن الصّراط المستقيم؛ أي: الهلاك، والفساد. ارجع إلى سورة الحجر، آية (٤٢)؛ لبيان معنى: الغواية.
﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾: يضلكم، أو يهلككم، وهذا غير صحيح،
стр. 2172
وغوى: بمعنى: خاب، وضل، وانهمك في الجهل، وغابت عنه الحجة، وضاع ونسي.
الجواب: إنّ الله سبحانه لا يغوي أحداً من البشر، وإنما يترك له الخيار ليختار: إما طريق الهداية، وإما طريق الضّلال؛ فإن سار في طريق الضّلال، واختار ذلك لنفسه، واستمر هذا الإنسان العاصي الكافر في طريقه، وأصر على ذلك؛ فالله سبحانه يتركه وشأنه، ويخلي بينه وبين ما يريد من الضّلال، والإغواء، وحين يصبح، أو يصل درجة عالية من الضّلال، والإغواء؛ حينئذٍ لا تنفعه نصيحة النّاصحين، سواء من رسول، ولا نبي، ولا أحد.
ومعنى الآية الإجمالي: لا ينفعكم نصحي مهما حاولت من النّصيحة، والنصح لكم إن كان الله سبحانه يريد أن يترككم في ضلالكم، وغوايتكم الّتي أنتم مصرون عليها.
﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: هو: ضمير فصل للحصر.
﴿رَبُّكُمْ﴾: أولى بكم إن يشأ يعذبكم، أو إن يشأ يرحمكم؛ أي: المربي، والمدبر، والحاكم.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: إليه وحده؛ تقديم الجار والمجرور: يفيد الحصر، والقصر إليه وحده مرجعكم؛ إليه ترجعون رغماً عن إرادتكم.
سورة هود [١١: ٣٥]
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا بَرِاءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾:
﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، أم منقطعة، والهمزة: للاستفهام.
جاءت هذه الآية في وسط قصة نوح، أو خلال قصة نوح؛ لأنّ كفار قريش
стр. 2173
لم يصدقوا رسول الله ﷺ حين كان يخبرهم عن قصة نوح، وقالوا: إنّ محمّداً افترى هذه القصة؛ فجاء الرّد على ذلك من الحق سبحانه.
﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾: لهم يا محمّد ﷺ .
﴿إِنِ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك.
﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾: أي: اختلقت هذه القصة، وهي كذب؛ فعليَّ إجرامي، والافتراء: هو الكذب المتعمَّد المختلق.
﴿فَعَلَىَّ إِجْرَامِى﴾: عليَّ عقوبة ذنبي، وعقوبة افترائي؛ لأن من يفتري على الله تعالى هو مجرم.
﴿وَأَنَا بَرِاءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾: وإن لم أفترِ عليكم؛ فعليكم عقوبة إجرامكم، وأنا بريء مما تجرمون (تشركون، تكفرون).
﴿تُجْرِمُونَ﴾: جاءت بصيغة المضارع الّتي تدل على التّجدُّد، والتّكرار، واستمرارهم في إجرامهم، وهو ليس إجرام واحد، بل إجرام في كثير من الأمور، ولو كان إجرام واحد لقال: أنا بريء مما أجرمتم. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٥) من سورة سبأ وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، ولم يقل عما تجرمون؛ لأن هذه الآية في سورة سبأ جاءت في سياق الدعوة إلى الله والتبليغ لكي يحبب قلوبهم للإيمان، وآية هود تخص نوح، وآية سبأ تخص رسول الله ﷺ .
سورة هود [١١: ٣٦]
﴿وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾:
﴿وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ﴾: الوحي: إعلام خفي بطريقة الوحي من عالم الغيب
стр. 2174
سبحانه من علمه الأزلي أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، ولمعرفة معنى الوحي: ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣).
﴿أَنَّهُ لَنْ﴾: للتوكيد؛ حرف مشبه بالفعل؛ لن: نافية تنفي المستقبل القريب، والبعيد.
﴿يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾: إلا: أداة حصر.
﴿مَنْ قَدْ﴾: تحقيق للتوكيد.
﴿آمَنَ﴾: وقيل: كانوا حوالي (٨٠) فرداً، كما قال ابن عبّاس، ومنهم أولاده الثّلاثة: سام، وحام، ويافث، وزوجاتهم.
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾: الفاء: رابطة لجواب شرط مقدر تفيد التّوكيد؛ لا: النّاهية.
﴿تَبْتَئِسْ﴾: تحزن؛ يقال: ابتأس الرّجل إذا بلغه خبر يكرهه، والابتئاس: هو الحزن المحبط.
﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: من الشّرك، وعدم الإيمان، ولم يقل بما كانوا يعملون؛ لأنّ من خصائص القرآن لا يستعمل مع العقوبات، أو في سياق العقوبات، وإهلاك الأمم السّابقة؛ إلا كلمة (فعل) مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، كذلك نفعل بالمجرمين.
عندها دعا نوح على قومه؛ فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾.
سورة هود [١١: ٣٧]
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾:
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾: والفلك: تطلق على المفرد، والمثنى، والجمع،
стр. 2175
وللمذكر والمؤنث، واصنع: الصّنع: هو الإحداث، والإنشاء، والصّنع: هو إجادة العمل والإتقان والمهارة.
﴿بِأَعْيُنِنَا﴾: تحت رعايتنا، ومراقبتنا، وحفظنا، وجاء بصيغة الجمع؛ للدلالة على كثرة العناية، والاهتمام، وكمال الحفظ، والرّعاية الإلهية.
﴿وَوَحْيِنَا﴾: إليك كيف تصنعها.
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: لا: النّاهية؛ أي: أنهاك؛ أي: لا تطلب المغفرة، أو تدعوني لرفع العذاب عن هؤلاء الّذين ظلموا أنفسهم بالكفر، والشّرك، والمعاصي، أو تأخيره، أو إمهالهم، أو أيّ شيء آخر.
﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾: إنّ: للتوكيد.
﴿مُّغْرَقُونَ﴾: محكوم عليهم بالإغراق، والموت؛ مغرقون: صفة ثابتة تدل كأنّه حصل الإغراق، وانتهى الأمر، انتبه إلى قوله: واصنع الفلك: فعل أمر، ولم يحدِّد متى يصنع الفلك.
следующие страницы →