← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

﴿بِهِ﴾: تعني: العذاب؛ به: جار ومجرور، وتقديمه يدل حصراً، وقصراً الله وحده يأتيكم به، ولو قال: يأتيكم الله به؛ فهذا يعني: الله سبحانه يأتيكم به، وهناك آخرون غير الله يأتون به، وهذا غير صحيح. ﴿إِنْ شَاءَ﴾: إن: شرطية. شاء: إذن، أو أراد. ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾: الواو: واو الحال: للتأكيد. ما: النّافية للحال، والاستقبال. ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد. معجزين: الآن، ولا في المستقبل. ارجع إلى سورة يونس، الآية (٥٣)؛ للبيان. سورة هود [١١: ٣٤] ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِى﴾: ولا: الواو: عاطفة، لا: النّافية. ﴿يَنفَعُكُمْ نُصْحِى﴾: النّصح: الإرشاد، والدّلالة على الخير. ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾: إن أردت أن: حرف مصدري؛ يفيد التّوكيد. ﴿أَنْصَحَ لَكُمْ﴾: أنصح: فعل مضارع؛ يدلّ على التّجدُّد، والاستمرار؛ نصح له، ونصحه نصحاً، ونصيحة: تحري ما يصلح له، وأراد له الخير، والنّفع، ودله عليه. ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾: هل يغوي الله سبحانه عباده؟ حاشا لله. والغواية: هي الضّلال، والبعد عن الصّراط المستقيم؛ أي: الهلاك، والفساد. ارجع إلى سورة الحجر، آية (٤٢)؛ لبيان معنى: الغواية. ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾: يضلكم، أو يهلككم، وهذا غير صحيح،

стр. 2172

وغوى: بمعنى: خاب، وضل، وانهمك في الجهل، وغابت عنه الحجة، وضاع ونسي. الجواب: إنّ الله سبحانه لا يغوي أحداً من البشر، وإنما يترك له الخيار ليختار: إما طريق الهداية، وإما طريق الضّلال؛ فإن سار في طريق الضّلال، واختار ذلك لنفسه، واستمر هذا الإنسان العاصي الكافر في طريقه، وأصر على ذلك؛ فالله سبحانه يتركه وشأنه، ويخلي بينه وبين ما يريد من الضّلال، والإغواء، وحين يصبح، أو يصل درجة عالية من الضّلال، والإغواء؛ حينئذٍ لا تنفعه نصيحة النّاصحين، سواء من رسول، ولا نبي، ولا أحد. ومعنى الآية الإجمالي: لا ينفعكم نصحي مهما حاولت من النّصيحة، والنصح لكم إن كان الله سبحانه يريد أن يترككم في ضلالكم، وغوايتكم الّتي أنتم مصرون عليها. ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: هو: ضمير فصل للحصر. ﴿رَبُّكُمْ﴾: أولى بكم إن يشأ يعذبكم، أو إن يشأ يرحمكم؛ أي: المربي، والمدبر، والحاكم. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: إليه وحده؛ تقديم الجار والمجرور: يفيد الحصر، والقصر إليه وحده مرجعكم؛ إليه ترجعون رغماً عن إرادتكم. سورة هود [١١: ٣٥] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا بَرِاءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾: ﴿أَمْ﴾: للإضراب الانتقالي، أم منقطعة، والهمزة: للاستفهام. جاءت هذه الآية في وسط قصة نوح، أو خلال قصة نوح؛ لأنّ كفار قريش

стр. 2173

لم يصدقوا رسول الله ﷺ حين كان يخبرهم عن قصة نوح، وقالوا: إنّ محمّداً افترى هذه القصة؛ فجاء الرّد على ذلك من الحق سبحانه. ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾: لهم يا محمّد ﷺ . ﴿إِنِ﴾: شرطية؛ تفيد الاحتمال، والشّك. ﴿إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾: أي: اختلقت هذه القصة، وهي كذب؛ فعليَّ إجرامي، والافتراء: هو الكذب المتعمَّد المختلق. ﴿فَعَلَىَّ إِجْرَامِى﴾: عليَّ عقوبة ذنبي، وعقوبة افترائي؛ لأن من يفتري على الله تعالى هو مجرم. ﴿وَأَنَا بَرِاءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾: وإن لم أفترِ عليكم؛ فعليكم عقوبة إجرامكم، وأنا بريء مما تجرمون (تشركون، تكفرون). ﴿تُجْرِمُونَ﴾: جاءت بصيغة المضارع الّتي تدل على التّجدُّد، والتّكرار، واستمرارهم في إجرامهم، وهو ليس إجرام واحد، بل إجرام في كثير من الأمور، ولو كان إجرام واحد لقال: أنا بريء مما أجرمتم. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٢٥) من سورة سبأ وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، ولم يقل عما تجرمون؛ لأن هذه الآية في سورة سبأ جاءت في سياق الدعوة إلى الله والتبليغ لكي يحبب قلوبهم للإيمان، وآية هود تخص نوح، وآية سبأ تخص رسول الله ﷺ . سورة هود [١١: ٣٦] ﴿وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: ﴿وَأُوحِىَ إِلَى نُوحٍ﴾: الوحي: إعلام خفي بطريقة الوحي من عالم الغيب

стр. 2174

سبحانه من علمه الأزلي أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، ولمعرفة معنى الوحي: ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣). ﴿أَنَّهُ لَنْ﴾: للتوكيد؛ حرف مشبه بالفعل؛ لن: نافية تنفي المستقبل القريب، والبعيد. ﴿يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿مَنْ قَدْ﴾: تحقيق للتوكيد. ﴿آمَنَ﴾: وقيل: كانوا حوالي (٨٠) فرداً، كما قال ابن عبّاس، ومنهم أولاده الثّلاثة: سام، وحام، ويافث، وزوجاتهم. ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾: الفاء: رابطة لجواب شرط مقدر تفيد التّوكيد؛ لا: النّاهية. ﴿تَبْتَئِسْ﴾: تحزن؛ يقال: ابتأس الرّجل إذا بلغه خبر يكرهه، والابتئاس: هو الحزن المحبط. ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾: من الشّرك، وعدم الإيمان، ولم يقل بما كانوا يعملون؛ لأنّ من خصائص القرآن لا يستعمل مع العقوبات، أو في سياق العقوبات، وإهلاك الأمم السّابقة؛ إلا كلمة (فعل) مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، كذلك نفعل بالمجرمين. عندها دعا نوح على قومه؛ فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾. سورة هود [١١: ٣٧] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾: والفلك: تطلق على المفرد، والمثنى، والجمع،

стр. 2175

وللمذكر والمؤنث، واصنع: الصّنع: هو الإحداث، والإنشاء، والصّنع: هو إجادة العمل والإتقان والمهارة. ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾: تحت رعايتنا، ومراقبتنا، وحفظنا، وجاء بصيغة الجمع؛ للدلالة على كثرة العناية، والاهتمام، وكمال الحفظ، والرّعاية الإلهية. ﴿وَوَحْيِنَا﴾: إليك كيف تصنعها. ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: لا: النّاهية؛ أي: أنهاك؛ أي: لا تطلب المغفرة، أو تدعوني لرفع العذاب عن هؤلاء الّذين ظلموا أنفسهم بالكفر، والشّرك، والمعاصي، أو تأخيره، أو إمهالهم، أو أيّ شيء آخر. ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿مُّغْرَقُونَ﴾: محكوم عليهم بالإغراق، والموت؛ مغرقون: صفة ثابتة تدل كأنّه حصل الإغراق، وانتهى الأمر، انتبه إلى قوله: واصنع الفلك: فعل أمر، ولم يحدِّد متى يصنع الفلك.

стр. 2176

سورة هود [١١: ٣٨] ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾: فعل مضارع؛ يعني: يصنع الفلك الآن، ويدل على أنّ الصّنع بدأ منذ حين ومستمر، وأمّا في سورة المؤمنون، الآية (٢٧): ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾؛ أي: في المستقبل، وأتى بصيغة المضارع، ولم يقل: وصنع الفلك (يسمَّى حكاية الحال)؛ ليتصور المستمع عملية الصّنع؛ كأنها تجري أمامه، ونوح الّذي ليس له خبرة في صناعة الفلك، وكأنّه مهندس مختص رغم أنّه لم يصنع أيَّ فلك من قبل. ﴿وَكُلَّمَا﴾: الواو: حالية؛ كلما: ظرف زمان. ﴿مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾: ولم يقل: مر به؛ لأنّه كان يصنع الفلك في مكان منخفض من الطّريق الّذي يمرون به. ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾: استخفوا به، ضحكوا منه، أو استهانوا به، والسخرية: خاصة بالأشخاص، وأما الاستهزاء عام في الأشخاص وغير الأشخاص بالله، وآياته، ورسوله، وبالجنة، والنار، والزقوم … وغيره؛ ارجع إلى الآية (٧٩) من سورة التّوبة؛ لمزيد من البيان. ولأنه كان يبني سفينة في البر بعيدة عن البحر، أو أيِّ ماء، وأخبرهم أنها ستجري على الماء، وهم لم يروا سفينة قط.

стр. 2177

﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾: إن: شرطية؛ تفيد الشّك، أو الاحتمال، ولم يقل: إن تسخروا مني؛ لأنّه شمل نفسه والمؤمنين الّذين آمنوا معه؛ لأنّهم كانوا يسخرون من الكل، تسخروا: فعل مضارع؛ يدل على التّجدُّد، والتّكرار؛ فالسّخرية مستمرة، ولم تنتهِ، ولم يقل: سخرتم. ﴿فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾: أي: يوم القيامة، أو عندما يأتي الطّوفان. ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾: الآن، كانوا يقولون: رسول تحول إلى نجار، أو كيف ستسير هذه الفلك، أو السّفينة على الماء، الكاف: كاف التّشبيه. سورة هود [١١: ٣٩] ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: ﴿فَسَوْفَ﴾: الفاء: للتوكيد؛ سوف: ظرف للاستقبال البعيد، والتّراخي. وإذا أردنا مقارنة (فسوف تعلمون) مع (سوف تعلمون) في الآية (٩٣) من نفس السورة، وكذلك مع الآية (٣٩) من سورة الزمر؛ ارجع إلى سورة الزمر آية (٣٩) للبيان. ﴿تَعْلَمُونَ﴾: بعد فترة من الزّمن، وهذا يدل على نوح ﵇ يعلم أنّ العذاب الطّوفان قادم. ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾: من: اسم استفهام، أو اسم موصول، وتفيد الابتداء. ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾: يفضحه، ويذله في الدّنيا، ولا يستلزم الثّبات؛ فقد يأتي ويذهب. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: في الآخرة، لا يتحول، ودائم، ويحل ضد الرّحيل، وتفيد النّزول من أعلى، حل بالمكان: نزل ليقيم فيه؛ أي: هناك عذابان، وليس عذاباً واحداً. ارجع إلى سورة الزمر آية (٤٠) لمعرفة الفرق بين يحل عليه عذاب مقيم، ويأتيه عذاب مقيم.

стр. 2178

سورة هود [١١: ٤٠] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: ﴿حَتَّى﴾: حرف غاية نهاية الغاية؛ أي: يصنع الفلك حتّى جاء موعد الطّوفان. ﴿إِذَا﴾: ظرفية زمانية متضمنة معنى الشّرط، وتدل على حتمية الحدوث. ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾: الأمر هنا المقصود به العقوبة (الطوفان)، أو العذاب إهلاكهم بالطّوفان، وجاء: تحمل معنى الصعوبة، والمشقة مقارنة بكلمة أتى الّتي تحمل معنى المجيء بسهولة، والطّوفان أمر ليس سهل فهو مخيف، ومرعب، وفيه الهلاك، والغرق. ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: التفسير القديم: التّنور تنور الخبز، فار التّنور: نبع الماء منه، وكانت هذه علامة على بدء الطّوفان، وعلامة لنوح، والّذين آمنوا أن يتجهوا إلى الفلك حالاً؛ فقد جاء موعد الإبحار، وتصور كيف ينبع الماء من تنور الخبز؛ فهذه معجزة تذكرنا بكيفية نبع الماء من بين أصابع الحبيب محمّد ﷺ ، وتدل على عظمة الله تعالى وقدرته. أمّا التفسير العلمي، وفار التنور: أيْ: يثور البركان، وتخرج الحمم منه، وبخار الماء الشّديد، ويتحول إلى مطر غزير، يصحب ذلك هزة أرضية تشبه (التسونامي) ترفع السّفينة كالموج الّذي يشبه الجبال عشرات الأمتار. ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: قلنا، ولم يقل: قيل؛ تدل على العناية، والرّحمة بنوح، والّذين آمنوا معه؛ حيث أسند القول إليه سبحانه، وبصيغة الجمع؛ للتعظيم. ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾: احمل فيها: في الفلك. وفي سورة المؤمنون

стр. 2179

آية (٢٧) قال تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، السلوك: الدخول بسهولة، والحمل يكون بعد الدخول، فآية هود جاءت في سياق الحمل، وآية المؤمنون جاءت في سياق الدخول والاستواء والنزول. ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾: ذكر وأنثى، واحمل فيها ما تحتاجه من طعام، وشراب، ومتاع، ولا تعني: احمل فيها من كلّ أنواع الحيوانات، والنباتات؛ فهذا أمر مستحيل؛ لكون الفلك كان لا يزيد طولها عن (١٥٠ ذراعاً)، وعرضها (٥٠ ذراعاً)، وتعني: احمل فيها الزوج والزوجة (ذكر وأنثى). وقيل: كانوا قلة عددهم (٣٠ - ٨٠). وأما من فسر ذلك: احمل فيها من جميع أصناف الحيوانات، والنباتات؛ فقد قدر العلماء: أن هناك أكثر من (١٢) ألف مليون كائن حي، وهذا من المستحيلات، وكيف يجلب معه الحيوانات المفترسة ويضعها مع الحيوانات الأهلية. ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾: القول: العذاب، والهلاك بالغرق؛ مثل: كنعان، وزوجة نوح. ﴿وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: أي: احمل فيها من كلّ زوجين اثنين، وأهلك. ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾: ما: النّافية. ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ﴾: مع نوح. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر.

стр. 2180

﴿قَلِيلٌ﴾: قيل: (٧٢) رجلاً وامرأةً، ونوح وعائلته وأولاده يصبح العدد حوالي (٨٠) كما قال ابن عباس ﵄. سورة هود [١١: ٤١] ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْراهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾: القائل: نوح ﵇؛ لمن آمن معه. ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾: ولم يقل: عليها؛ فيها: لأنّ الفلك كانت مركبة من عدة طبقات (أدوار)؛ فهي كالظّرف لهم. ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراهَا وَمُرْسَاهَا﴾: مَجْريها: تقرأ قراءات مختلفة؛ منها: بفتح الميم، وكسر الرّاء، ومُجرها: بضم الميم، ومُجريها، ومَجرها، ومَرساها، مَجْرها: مصدر (من فعل جرى): اسم زمان، واسم مكان، زمان الجري، ومكان الجري، ومنهم من قرأها مُجرِيها، ومُرسِيها: بضم الميم، وبياءين. ﴿وَمُرْسَاهَا﴾: ولها قراءات مختلفة؛ باسم الله مجريها ومرساها؛ قد تعني: باسم الله جريانها، وإرساؤها. باسم الله جريها، وأرساها. بسم الله تجري، وباسم الله ترسو. ﴿إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿لَغَفُورٌ﴾: اللام: تفيد التّوكيد. ﴿إِنَّ رَبِّى﴾: أيْ: هو الرّبان الحقيقي؛ فهو يُزجي السّفينة إلى مسارها الصّحيح، ولولا رحمته؛ لما نجا أحد.

стр. 2181

سورة هود [١١: ٤٢] ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَابُنَىَّ ارْكَب مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾: ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ﴾: أي: السّفينة (الفلك). ﴿تَجْرِى بِهِمْ﴾: بنوح، ومن آمن معه، جاء بصيغة المضارع بدلاً من جرت؛ ليصور لنا جريان السّفينة أمام أعيننا في وسط هذه الأمواج العالية. ﴿فِى مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾: للدلالة على شدة ارتفاع الموج، وشدة الرياح، وشدة الطّوفان. ﴿فِى﴾: ظرفية. ﴿مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾: هذا ما نراه عند حدوث هزة أرضية شديدة تشبه (التسونامي) الّذي يرفع الموج عشرات الأمتار. ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ﴾: نادى: تدل على أنّ الابن كنعان كان بعيداً؛ لأنّ النّداء: هو رفع الصّوت. ﴿وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ﴾: المعزل: اسم مكان منقطع؛ عزل نفسه فيه، وابتعد عن أبيه، وإخوته. ﴿يَابُنَىَّ ارْكَب مَعَنَا﴾: يا بني: نداء فيه عطف وحنان، والواجب: أن ينادي الابن أباه، وإذا نادى الأب ابنه؛ كان على الابن أن يستجيب لنداء أبيه، ولكنه عَمِيَ على بصيرته، فلم يستجبْ. ﴿ارْكَب مَعَنَا﴾: تعال، واركب معنا في الفلك. ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾: ولم يقل: ولا تكن من الكافرين، هذا النّداء تودُّد، وعطف من أب لابنه الّذي سيغرق عن قريب إن لم يركب في الفلك مع أبيه

стр. 2182

وأهله، ولم يطلق على ابنه كافر؛ فقال مع الكافرين؛ أيْ: في صحبة الكافرين؛ أيْ: لم يتهم ابنه بالكفر، أو يصفه بذلك؛ مما يؤدِّي بالابن إلى الإصرار على عدم الرّكوب، ورغم جريان السّفينة لا زال هناك إمكانية للركوب، والوقت وقت نجاة؛ النّجاة أوّلاً، ثمّ الإيمان إذا شاء الله، وأذن بعد ذلك. لنقارن بين هذه الآية (٤٢) من سورة هود: ﴿وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾. والآية (٣١) من سورة لقمان: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾. الآية في سورة هود: الرّاكبون في الفلك غير خائفين من الغرق؛ أيْ: نوح ومن آمن معه، وهم ركبوا الفلك بأمر من الله تعالى، والفلك تمخر الأمواج، وما يحدث يدل على عظمة، وقدرة الله تعالى. أمّا في آية لقمان: الرّاكبون في الفلك خائفون من الغرق، وهم من المشركين، والأمواج؛ كالظّلل؛ أيْ: أصبحت فوق رؤوسهم، وهم في مقام خوف، ورهبة يدعو إلى التّضرع إلى الله؛ لإنقاذهم وهو مقام تحذير. سورة هود [١١: ٤٣] ﴿قَالَ سَئَاوِى إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾: ﴿قَالَ سَئَاوِى﴾: قال الابن كنعان لأبيه: سآوي: السّين: أداة للاستقبال القريب؛ أيْ: سألجأ إلى جبل بعد قليل. ﴿إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَاءِ﴾: يعصمني: يحميني من الماء من الغرق، والعصمة: هي المنع، والحفظ ظاناً أنّ الموج، أو الماء لن يبلغ الجبل لارتفاعه، وقال نوح راداً على ابنه: ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾: لا: النّافية للحال، والاستقبال.

стр. 2183

﴿عَاصِمَ﴾: قد تكون اسم مفعول، وتعني: لا مخلوق، ولا مانع، ولا حافظ، أو لا معصوم اليوم؛ أي: الناجي، ولا يُغني، ولا يفيد جبل، ولا دعاء، ولا إيمان، ولا فرار. وعاصم: قد تكون اسم فاعل؛ أي: لا عاصم إلا الراحم (إلا الله وحده). ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: من عذاب الله؛ أي: الطّوفان، والغرق. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول؛ تفيد الاستغراق. كلّ من رحم الله؛ أيْ: بالنجاة. ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾: وبدأ الموج يرتفع، ويرتفع حتّى لم يعد يرى الأب ابنه؛ أي: فصل، وحجز الموج بين نوح وابنه. ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾: الفاء: للتوكيد. ﴿مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾: أيْ: ليس وحده من غرق، وإنما غرق معه الكثير. مُغرقين: بضم الميم؛ أيْ: لم يغرق بنفسه بسبب السّباحة، أو غيرها، وإنما أغرقه الله رغم حذره، وحيطته، وأغرق معه كلّ كافر ومشرك. سورة هود [١١: ٤٤] ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِى مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِى وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِىَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِىِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿وَقِيلَ﴾: القائل مبني للمجهول، والمهم هنا المقولة؛ أيْ: ما قيل، وهو: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِى مَاءَكِ﴾: يا: أداة نداء للبعد. أرض ابلعي ماءك: ولم يستعمل يا أيتها الأرض؛ أيْ: يستعمل هاء التّنبيه؛ لأنّ الأرض لم تكن غافلة عما يحدث، ولا تحتاج إلى تنبيه بينما الإنسان هو الّذي يحتاج إلى تنبيه، أرض: اسم جنس. ﴿ابْلَعِى مَاءَكِ﴾: ابلعي: فعل أمر يدل على قوَّة الأمر، وفيها إيجاز؛ لأنّ الموقف جداً صعب، ابلعي بسرعة من دون تأخير، ومن دون جهد؛ كبلع الإنسان

стр. 2184

الماء من الفم إلى المعدة، أو مرور الطّعام من الفم إلى المعدة وبسرعة، ولم يقل: ابتلعي ماءك؛ مما يدل على تأخر في البلغ، وجهد، ومشقة؛ أيْ: دَعِي الماء يغور في أعماقك. وقوله تعالى: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِى مَاءَكِ﴾: يدل على أن الماء كله منبعه من الأرض، ونسبة الماء في الأرض نسبة شبه ثابتة، وهكذا عاد الماء إلى مخزنه. والطوفان لم يغمر كلّ اليابسة كما يظن البعض، وإنما غمر جزءاً من الأرض، ولم يكن على الأرض آنذاك إلا قوم نوح. ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِى﴾: أي: كفي عن المطر، أو أمسكي، والسّحاب: يسمّى السّماء، والإقلاع هو الإمساك، ويدل هذا على أنّ الماء؛ أي: ماء الفيضان ماء حلو، وليس مالح. ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾: ذهب، وغار في الأرض؛ أي: نقص، والغيض: هو الابتلاع السريع. ﴿وَقُضِىَ الْأَمْرُ﴾: تم بسرعة نجا من نجا، وهلك من هلك، تم هلاك الكافرين من قوم نوح، ونجاة من آمن مع نوح، ثمّ ذهبوا إلى مكة في نهاية الطوفان، ومات نوح، وقيل: دفن في الحرم. ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِىِّ﴾: استوت: استقرت، أو رست على الجودي. قيل: هو جبل في شرق تركيا، وليس هو جبل أرارات كما قال البعض؛ لأن جبل أرارات: جبل بركاني، لو استوت عليه السّفينة لاحترقت، واسمه جبل الجودي، وجدت عليه سفينة نوح، وتم هذا الاكتشاف عام (١٩٤٨ م). ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: قيل: ارجع إلى مطلع الآية، والقائل هنا غير معلوم، قد يكون الله، أو الملائكة، أو الصّالحين من العباد.

стр. 2185

﴿بُعْدًا﴾: هلاكاً، والمصدر يدل على الثّبوت، وبعداً لا تحتاج إلى فاعل، أو زمن. والقول بعداً للقوم الظالمين هو دعاء على القوم الظالمين بالهلاك غير مقيد بزمن ولا بفاعل؛ أي: دعاء عام. ﴿لِّلْقَوْمِ﴾: اللام: لام الاستحقاق، والاختصاص. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: جمع: ظالم، والظّلم: هو الشرك، وظالم لنفسه، وظالم للآخرين. ارجع إلى الآية (٥٤) من سورة البقرة؛ لمزيد من البيان. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: جملة اسمية؛ تدل على الثّبوت؛ أي: أصبح الظّلم صفة ثابتة لن تتغير عندهم، والظالم: هو كلّ من يخرج عن منهج ربه يُعتبر ظالم لنفسه. ارجع إلى الآية (٦٠) من نفس السورة؛ لمزيد من البيان في كلمة (بُعداً). سورة هود [١١: ٤٥] ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ﴾: لما حال بينهما الموج. ﴿فَقَالَ﴾: الفاء: تدل على التّرتيب، والتّعقيب، أو تفيد التّرتيب التّسلسلي في الحوادث، أو لعطف مفصل على مجمل. ﴿رَبِّ﴾: ولم يقل: يا رب؛ باستعمال ياء النّداء؛ لأنّ نوحاً يعلم أنّ الله سبحانه قريب منه، أو ليس هناك زمن؛ لأنّ نوحاً يريد إنقاذ ابنه، وعدم إطالة النّداء؛ لأنّ ابنه يغرق، وكلّ حرف، وكلّ ثانية مهمة. ﴿إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِى﴾: إنّ: حرف مشبه بالفعل؛ تفيد توكيد ما يقوله نوح إنّ كنعان من أهلي. ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾: وإنّ: تفيد التّوكيد.

стр. 2186

﴿وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾: حتّى يشمل ابنه، وكلّ ما تعد به هو الحق، أو: ما وعدتني به هو الحق، ولم يقل: رب إنّ ابني من أهلي، وأنت وعدتني بنجاة أهلي، وإنّ وعدك الحق يشمل كلّ وعد وعده الله له ولعباده الآخرين، والحق هو الشّيء الثّابت الكامل الّذي لا يتغير. وقوله: ﴿إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِى﴾: فيه تفصيل: فالله سبحانه يعلم ذلك: أنّ ابنه من أهله، وما وعده الله جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]؛ فنوح كان لا يعلم من سبق عليه القول، ومنهم زوجته، وابنه كنعان. ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾: أنت: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿أَحْكَمُ﴾: اسم تفضيل؛ يفيد المبالغة. ﴿أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾: أحكم من حكم؛ أيْ: لك الحكم، والأمر، والقول الفصل، ولا تحكم إلا بالحق بين العباد، والأمم، وأحكم من الحكمة؛ أيْ: أنت أحكم الحكماء، وأفضل، وأقسط، وأعدل، وخير من حكم.

стр. 2187

سورة هود [١١: ٤٦] ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّى أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: ﴿قَالَ يَانُوحُ﴾: قال سبحانه رداً على قول نوح: رب إنّ ابني من أهلي: ﴿يَانُوحُ﴾: يا: النّداء: للبعد. ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿لَيْسَ﴾: للنفي. ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾: من: ابتدائية، استغراقية؛ ليس من أهلك: قد تعني: من أهل دينك؛ بسبب عمله غير الصّالح؛ لأنّ الكفر يقطع قرابة النّسب، والدّم، وقالوا: أخوَّة الدِّين أهم من أخوَّة النّسب، أو ليس من أهلك: الّذين وعدتك بنجاتهم. فنوح ﵇ لم يعلم، أو نسي هذا الحكم الشّرعي: إنّ الكفر يقطع صلة القرابة، والنّسب، أو لم يظن أنّه عمل غير صالح (ما قام به ابنه كنعان)، أو نسي نوح قول الله : ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾، أو نسي قوله: ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾؛ أيْ: زوجته، وكنعان. ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾: قد تعني: ما تسألني عمل غير صالح إنه ابن غير صالح، أو ما قام به، أو عمله كنعان عمل غير صالح، أو إنه ذو عمل غير صالح، أو إن كنعان كله تحول إلى عمل غير صالح؛ مبالغة في الذم، ولم يُعد يرجى منه خيراً. ﴿فَلَا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: الفاء: للتوكيد. لا: النّاهية.

стр. 2188

﴿تَسْئَلْنِ﴾: النّون: لزيادة التّوكيد؛ تسألن: من دون ياء المتكلم، وأشار إليها بكسرة؛ لأن الرّد فيه نهي، وإيجاز، واختصار، ونوح سأل سؤالاً واحداً. بينما في سورة الكهف، الآية (٧٠) قال تعالى على لسان الخضر: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْئَلْنِى عَنْ شَىْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾؛ لأنّ موسى سأل الخضر ثلاثة أسئلة: عن السّفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار؛ طبقاً للقاعدة: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. تسألن: سؤال واحد، تسألني: عدة أسئلة. ﴿مَا﴾: النّافية للحال، والاستقبال. ﴿لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾: أيْ: فكر جيداً قبل أن تسأل أيَّ سؤال ليس لك به علم. والسؤال كان: ﴿إِنَّ ابْنِى مِنْ أَهْلِى﴾ ولم يكن من أهله الذين وعده بنجاتهم. ﴿إِنِّى أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: إنّي: إنّ: للتوكيد، أعظك: الوعظ: النّصح بالطّاعة، والعمل الصّالح، والإرشاد إلى الخير، والتّحذير، والنّهي. ﴿أَعِظُكَ﴾: أيْ: أنهاك، وأحذرك، أو أنصحك. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: الجاهلين: الّذين لا يعلمون بأنّه ليس من أهلك، أو الّذين يعلمون، ولا يعملون بما يعلمون، أو من الجاهلين حين قلت لك: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِى فِى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]. ارجع إلى سورة الزمر آية (٦٤)، وسورة الفرقان آية (٦٣) لبيان معنى الجاهلين. سورة هود [١١: ٤٧] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ﴾: إنّي: للتأكيد، كان بإمكانه أن يقول: قال: رب أعوذ بك أن أسألك، ولكن جاء بإنّي: للتوكيد؛ توكيد الاستعاذة.

стр. 2189

﴿أَنْ أَسْئَلَكَ﴾: أن: حرف مصدري؛ تفيد التّوكيد، وتقدير الكلام: أعوذ بك من أن أسألك ما ليس لي به علم. ﴿مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ﴾: ما: النّافية، ما ليس لي به علم: يشمل هذا الطلب، وغيره، وكلّ أمر ليس له به علم، وأدرك نوح أنّه أخطأ، وارتكب ذنباً فقال: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: وإلا تغفر لي: وإلّا: مركبة من: إنّ: حرف شرط، لا: نافية، والسّؤال هنا: هل ارتكب نوحاً ذنباً بطلبه إنقاذ ابنه، وهو لا يعلم أنّه سبق عليه القول؟ والرّد على ذلك: أن طلب المغفرة؛ ليس مقتصراً على الذّنوب، بل هناك توبة إنابة، واستغفار، ومن دون وقوع المعصية، والله سبحانه أمر رسوله محمّد ﷺ أن يستغفر، ويصبر؛ فقال: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥]، مع أنّ رسول الله ﷺ لم يفعل ذنباً؛ فهذه توبة إنابة. ولو نظرنا إلى قول نوح: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِى وَتَرْحَمْنِى أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ونقارنه بقول آدم وزوجته في سورة الأعراف، الآية (٢٣): ﴿وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: فيه توكيد أكبر بالنّون الثّقيلة، وأمّا قول نوح فليس فيه تأكيد. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (٢٣)؛ للمقارنة، والبيان. سورة هود [١١: ٤٨] ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ﴾: أيْ: انزل من السّفينة، والهبوط: نزول من أعلى إلى أسفل، وقيل: تعود إلى الله سبحانه؛ لقوله: ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾: هكذا يتلقى نوح هذه الكلمات الّتي تطمئن قلبه بالمغفرة، والرّحمة من الله، والسّلامة، والأمن، والاطمئنان من المكاره بعد (٩٥٠ عاماً) من الدّعوة، والصّبر. ﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾: أي: الخيرات، وقدَّم السّلام على البركات؛ لأنّ السّلام

стр. 2190

مهم، ويحتاج إليه حين الهبوط، والاستقرار، وبعد النّجاة تأتي البركات، والنِّعم، ونوح، والّذين نجوا معه لجأوا إلى مكة، وعاشوا هناك، ولما تكاثروا هاجروا إلى جنوب الجزيرة (الأحقاف)، وأطلق عليهم قوم عاد. ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾: أيْ: من أولادك: سام: ومنه جاء السّاميون، وحام: ومنه جاء الأفارقة، ويافث: ومنه جاء الصّين، واليابان. ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أيْ: أمم أخرى أمثال: قوم هود، وصالح، ولوط، وشعيب. ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾: بمتاع الدّنيا، والمتاع: كلّ ما ينتفع به، أو ما يُتمتع به؛ كالطّعام، والشّراب، وأثاث البيت، والأداة، والمال. ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ﴾: ثمّ: للترتيب، والتّراخي. ﴿يَمَسُّهُمْ﴾: يصيبهم منا عذاب. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدّنيا، وفي الآخرة؛ بسبب كفرهم، وتكذيبهم لرسلهم. سورة هود [١١: ٤٩] ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾: تلك: اسم إشارة للبعد؛ إشارة إلى قصة نوح تلك من مجموعة القصص التي ذكرت في سورة هود، أو قصة السّفينة، وإذا قارنا هذه مع قوله تعالى في سورة يوسف آية (١٠٢): ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾؛ لأنها قصة واحدة فقط. ﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾: المخاطب هنا رسول الله ﷺ ، والوحي هو: إعلام بخفاء؛ أيْ: نخبرها إياك، أو نقصها عليك. ارجع إلى سورة النساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان.

стр. 2191

﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ﴾: ما: النّافية أقوى نفياً من لم. ﴿أَنْتَ﴾: تفيد التّوكيد. ﴿وَلَا قَوْمُكَ﴾: إضافة لا تفيد زيادة التّوكيد بدلاً من قوله: ما كنت تعلمها أنت وقومك، وتكرار لا؛ أيْ: لفصل كلاهما؛ أيْ: ما كنت تعلمها أنت وحدك، ولا قومك أيضاً، ولا كلاكما، ما كنت تعلمها؛ لأنّك لم تكن معاصراً لها؛ لتعلمها، ولم يخبرك بها أحد من قبل هذا. ﴿مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: من: ابتدائية. ﴿قَبْلِ هَذَا﴾: أيْ: من قبل هذا القرآن، وهناك فرق بين: من قبلِ هذا، ومن قبلُ هذا. من قبلِ: الزّمن غير محدَّد، وغير معروف كم. من قبلُ: الزّمن محدَّد، ومعروف كم هو. ﴿فَاصْبِرْ﴾: الفاء: للتوكيد. اصبر: يا محمّد ﷺ ، كما صبر نوح الّذي استمر ألف سنة إلا خمسين عاماً في دعوته. ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿الْعَاقِبَةَ﴾: الجنّة. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والاستحقاق. الّذين أطاعوا أوامر الله سبحانه، وتجنّبوا نواهيه. سورة هود [١١: ٥٠] ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾: ﴿وَإِلَى﴾: الواو: أيْ: وأرسلنا إلى عادٍ أخاهم هوداً بعد نوح.

стр. 2192

﴿عَادٍ﴾: أيْ: عاداً الأولى الّتي سكنت الأحقاف، والأحقاف: جبال من الرّمل تقع بين عُمان، وحضرموت، وأرضهم كانت مطلة على البحر (بحر العرب)، وهي الّتي ذكرها الله سبحانه بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى الْبِلَادِ﴾ [الفجر: ٦ - ٨]، وهناك عاداً الثّانية (الأخرى): وهم قوم ثمود، ونبيهم صالح ﵇. ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾: هوداً: هو ابن عبد الله بن رباح، ابن عاد، ابن إرم، ابن سام، ابن نوح، وهو من العرب، (وصالح، وشعيب، ومحمّد، وهود: هم الأنبياء الأربع من العرب). ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: يا: أداة نداء، وقوله: يا قومي: نداء فيه نوع من التّودُّد، والاستعطاف، وهو من أساليب الدّعوة؛ الدّعوة بالرّفق، واللّين؛ لفتح القلوب بكلمة طيبة. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: وحده، أخلصوا له بالطّاعة، والتّوحيد. ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: ما: النّافية. ﴿لَكُمْ مِّنْ﴾: استغراقية. ﴿إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: تعبدونه. ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾: إن: نافية، وأقوى في النّفي من حرف: ما. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر؛ أيْ: أداة استثناء؛ جاءت بعد أداة نفي؛ فهي تفيد الحصر؛ أيْ: حصراً ما أنتم إلا مفترون. ﴿مُفْتَرُونَ﴾: جمع مفتر، والافتراء: هو الكذب المتعمد المختلق؛ حيث جعلوا الأوثان، والأصنام شركاء لله في عبادتهم. لم يتهم هود قومه بالافتراء في بداية الدّعوة، بل حضهم على التّقوى؛ فقال

стр. 2193

لهم: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، كما جاء في سورة الأعراف، الآية (٦٥)، ولم يقل لهم هود: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ إلا بعد أن استمروا في تكذيبهم له، وشركهم بالله، ورفضهم الاستجابة لدعوته. سورة هود [١١: ٥١] ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَنِى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: ﴿يَاقَوْمِ﴾: تكرار النّداء إلى قومه، هو لكسب قلوبهم، وعطفهم، وبالتّالي إيمانهم برسالته. ﴿لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: لا: النّافية لكلّ الأزمنة. ﴿أَسْئَلُكُمْ﴾: أطلب منكم. ﴿أَجْرًا﴾: على تبليغ الرّسالة، أو النّصح لكم، والأجر: هو الجزاء مقابل العمل، والأجر: يضم المال، وغيره، ولم يقل: مالاً، كما جاء في الآية (٢٩) من نفس السورة على لسان نوح ﵇. ﴿إِنْ﴾: نافية؛ أقوى في النّفي من: ما. ﴿أَجْرِىَ إِلَّا﴾: إلا: أداة حصر. إن أجري؛ أيْ: ثوابي، ثواب عملي. ﴿عَلَى الَّذِى فَطَرَنِى﴾: أيْ: خلقني، وفطرني: من الفطر؛ فطر الله الخلق: خلقهم، وأظهرهم، وأخرجهم للوجود، وفطر الشّيء: شقه، وأخرجه للوجود. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري؛ يحمل معنى الحث، وأداة حضٍّ. ﴿تَعْقِلُونَ﴾: تنظروا في الدّلائل، وتفهموا الحقائق؛ لتدركوا ما لكم من إله غيره.

стр. 2194

سورة هود [١١: ٥٢] ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وَيَاقَوْمِ﴾: نداء جديد، أو طلب جديد لقومه. ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: لأنكم أشركتم به، والاستغفار: يدل على أنّ الإنسان ارتكب ذنباً، ويطلب من الله أن يغفره يستره، ويمحوه، ويعفو عنه، والتّوبة: الرّجوع إلى الله، وعدم ارتكاب الذّنب مرة أخرى، ولها شروط أخرى؛ مثل: النّدم، والإكثار من الأعمال الصّالحة. ﴿ثُمَّ﴾: تفيد التّرتيب، والتّراخي الزّمني؛ لأن الإسراع في التّوبة من أهم الأمور، وإنّما هي للترتيب التّسلسلي في الحوادث. استغفروا ربكم، ثمّ توبوا إليه؛ لأنكم عبدتم غيره من الأصنام، والأوثان؛ فإذا تبتم واستغفرتم ربكم: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾: السّبب في ورود هذه الآية بعد الاستغفار، والتّوبة: أنّ الله -جل وعلا- حبس عنهم المطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، واشتدت حاجتهم للمطر؛ لأنّهم كانوا أصحاب زروع. ﴿مِّدْرَارًا﴾: صيغة مبالغة؛ تعني: المطر الغزير المتتابع أوقات الحاجة، ولا يحصل منه ضرر، وأصل الدّر: سيلان اللبن، وكثرته، ثمّ استعير للمطر الغزير. ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾: بالمال، والولد، وقيل: الولد، وولد الولد، والعدة، والسلاح؛ فالاستغفار يجلب الرزق (الغيث)، والذرية. ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ولا تعرضوا عن التّوحيد، ولا تستمروا على الشرك، والإجرام. ارجع إلى الآية (٣) من نفس السورة لبيان معنى استغفروا ربكم ثم

стр. 2195

توبوا إليه، وارجع إلى سورة الأنعام آية (٥٥)، والجاثية آية (٣١) لبيان معنى مجرمين. سورة هود [١١: ٥٣] ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾: ما: النّافية. ﴿بِبَيِّنَةٍ﴾: الباء: للإلصاق، والتّعليل، والبينة: المعجزة، أو الأمارة الدّالة على صدق نبوتك. ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾: وما نحن بتاركي عبادة آلهتنا. ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾: عن: تفيد المجاوزة، والبُعد، ونستغفر ونتوب طمعاً في إرسال السّماء علينا مدراراً، أو الزيادة في القوَّة. ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أيْ: بمصدقين؛ الباء: للتوكيد. ﴿لَكَ﴾: قدَّم الجار والمجرور؛ للحصر؛ أيْ: لن نؤمن لك خاصة. ولم يقل: ما نحن بمؤمنين لك؛ أيْ: لن نؤمن لك، وقد نؤمن بغيرك. وهناك فرق بين آمن به، وآمن له: آمن به: إيمان عقيدة. وآمن له؛ أيْ: صدقه وخضع له، وأذعن.

стр. 2196

سورة هود [١١: ٥٤] ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّى أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّى بَرِاءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾: ﴿إِنْ نَقُولُ﴾: إن: نافية، وأقوى في النّفي من حرف: ما؛ أيْ: ما نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾: أصابتك بعض آلهتنا بسوء: بجنون، أو مس، أو خبل، وهذيان، خلط الكلام؛ لأنّك تعيب على آلهتنا، وجئت بإله جديد واحد، وقلت: إنها ليست آلهة، ولا تستحق العبادة. ﴿قَالَ إِنِّى﴾: إنّي: للتوكيد؛ يؤكِّد ما سيقوله. ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّى بَرِاءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾: أشهد الله: من الشّهادة؛ تعني: الإقرار، والاعتراف بأنّي بريء مما تشركون. ﴿وَاشْهَدُوا﴾: هنا تعني: الإعلام؛ أيْ: واعلموا، ولم يقل: إني أشهد الله وأشهدكم؛ لأنّهم ليسوا أهلاً للشهادة، وإنما قال: اشهدوا؛ أي: اعلموا: أنّي بريء مما تشركون؛ أيْ: لا أعبد الّذي تعبدون. ارجع إلى سورة الأنعام آية (١٩) للبيان.

стр. 2197

سورة هود [١١: ٥٥] ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾: من سواه، أو من غير الله؛ أيْ: لا أعبد إلا الله. ﴿فَكِيدُونِى﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة؛ فهو يتحدَّى قومه مباشرة من دون إمهال، وأكَّد التّحدي بزيادة ياء المتكلم، ولم يقل: فكيدون، كما جاء في سورة الأعراف، الآية (١٩٥). ﴿جَمِيعًا﴾: أي: اجمعوا كيدكم، وهم كثرة، وهو فرد واحد؛ فهو يتحداهم جميعاً معاً، ويتحدَّى كلّ منهم بمفرده، ويتحدَّى قومه إضافة إلى الآلهة؛ لأنّه واثق بنصر الله له، وحفظه من أعدائه. والكيد: هو التّدبير الخفي؛ لإيقاع المكروه بالغير قهراً؛ سواء أعلم، أم لم يعلمه الخصم، وهو أقوى من المكر، ولا يكون إلا بعد تدبُّر، وتفكير، ونظر؛ والكيد: قد يصل إلى درجة القتل، أو إلحاق أيِّ ضرر به. ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾: ثم: هنا للإمهال، والتّراخي في الزّمن، وطول التّحدي؛ أي: التّحدي لا ينتهي مهما طال الزّمن. ارجع إلى سورة الأعراف، الآية (١٩٥)؛ للبيان، والمقارنة. سورة هود [١١: ٥٦] ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: في هذه الآية يعلن هود توكله على الله ربه، الرّب المعين، والمتولِّي أموره، ومصرفها، والنّاصر. ﴿إِنِّى﴾: للتوكيد.

стр. 2198

﴿تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾: على أن يحرسني، ويحفظني، ويكلؤني من كيدكم بعد أن قدمت الأسباب. ﴿رَبِّى وَرَبِّكُمْ﴾: ولم يقل: ربنا؛ لأنّهم لا يؤمنوا بأنّه الرّب، وربي وربكم؛ أي: هو ربكم رغم إنكاركم له؛ فهو رازقكم، ومتولِّي أموركم. ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ﴾: ما: النّافية. ﴿مِنْ﴾: استغراقية للمفرد، والجمع، والمثنى؛ تستغرق كلّ دابة، والدّابة: تشمل كلّ من يدب على الأرض من إنس، وجن، وحيوان، وطير. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٦٠) لمزيد من البيان. ﴿إِلَّا هُوَ﴾: إلا: أداة حصر؛ هو: ضمير فصل؛ يفيد التّوكيد. ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾: النّاصية: منبت الشّعر في مقدَّم الرّأس فوق الجبهة؛ كناية عن القهر، والغلبة؛ أيْ: في قبضته، وملكه؛ أيْ: مسيطر عليها، ومتصرف بأمرها، وقادر على إحيائها، وإهلاكها؛ فهي خاضعة له إما اختياراً، أو قسراً. النّاصية في الإعجاز العلمي: هي مقدَّم الفص الجبهي من الدماغ؛ الّذي هو يحوي مركز الإدراك، والفهم، والذاكرة، والإرادة، والأمور العاطفية، والحكم. ﴿إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾: أي: على طريق الحق، والعدل، أو يهدي إلى طريق الحق، والعدل، ويبين لهم ويدلهم على الصّراط المستقيم: الإسلام، أو لا يفوته ظالم، وينصر المظلوم، ولا يخفى عليه أحد من خلقه إذا أراد العبد الهرب،

стр. 2199

والضّلال، أو تعني: على صراط مستقيم لا يريد إلا العدل لكل عبد، وأن يدلَّه على طريق النّجاة، بل يُري كل دابة طريق النجاة. سورة هود [١١: ٥٧] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّى عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾: ﴿فَإِنْ﴾: الفاء: عاطفة للتوكيد؛ إن: شرطية. ﴿تَوَلَّوْا﴾: تستمروا على الإعراض، وعدم الإيمان، وأصل تولوا: تتولوا، وحذف إحدى التاءين. تولوا: ولو كان قليلاً، وتولَّى: انصرف، أو ابتعد، أو أعرض؛ أي: ابتعدتم عني، ولم تسمعوا لما أقوله. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشّرط (للتوكيد). قد: حرف تحقيق. ﴿أَبْلَغْتُكُم﴾: من البلاغ؛ أيْ: إيصال ما أرسلت به إليكم بأحسن صورة مع البيان. ﴿مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾: ما: اسم موصول؛ تعني: الّذي، أو مصدرية؛ أيْ: فإن تولوا لا أبالي؛ لأني أبلغتكم كلّ ما أرسلت به إليكم. ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: يستخلف؛ أيْ: يأتي بقوم بعدكم خلفاء مباشرة من دون انقطاع، أو يأتي بجيل جديد غيركم، ولا يكونوا أمثالكم في الكفر، والشّرك، بل أفضل منكم طاعة، واستجابة. ولم يقل: يستبدلكم؛ فالاستبدال: هو المجيء بجيل بعد جيل، أو قوم بعد قوم، ولو كان بعد انقطاع طويل، أو مرور قرون طويلة، أو سنين، والاستخلاف أفضل من الاستبدال.

стр. 2200

﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾: ولم يقل: ولا تضروه شيئاً، بل أضاف النّون: للتوكيد؛ لأنّه الموقف، أو السّياق في الكفر، والإعراض. ﴿شَيْئًا﴾: الشّيء: هو أقل القليل، وشيئاً: جاء نكرة؛ لتشمل كلّ شيء قليلاً، أو كثيراً، أو مهما كان نوعه. وأمّا لا تضرُّوه شيئاً؛ كقوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٣٩]؛ فقد جاءت في سياق عدم الخروج للجهاد، والإعراض عنه؛ رفض الجهاد: وهو أقل درجة من الكفر، والشّرك، ولذلك استعمل معها: ولا تضروه من دون توكيد بدلاً من: ولا تضرونه؛ أيْ: فلا تضرونه شيئاً إن كفرتم، أو آمنتم، ولا تضرونه شيئاً إن جاهدتم، أو كنتم مع الخالفين، أو القاعدين؛ لأنّ الله سبحانه غني عن عباده، وغني عن عبادتهم. ﴿إِنَّ رَبِّى عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ﴾: رقيب، ويحفظ خلقه، ويحفظ على الخلق أعمالهم من خير، وشر، وطاعة، ومعصية يكتبها لهم في سجلات أعمالهم ليثيبهم عليها، أو ليجزيهم عليها، ويحصي عليهم أقوالهم، وأفعالهم، ويعلم ما تكن صدورهم، ونياتهم، ويحفظ عباده من السّوء، والشّياطين، والذّنوب إذا شاء، كما يحفظ السّموات والأرض أن تزولا، أو تقعا. سورة هود [١١: ٥٨] ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: لما: ظرفية زمانية، حان نزول العذاب بهم، ولأنه لم يحدد لهم وقت العذاب جاء بـ (لما) كما في قصة عاد ومدين، وجاء بـ (فلما) حين حدد لهم وقت العذاب كما في قصة ثمود ولوط، فصالح قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، ولوط قال لهم: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾.

стр. 2201

﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾: الأمر بهلاكهم، أو عذابهم؛ الأمر: العذاب: الرّيح العقيم. ﴿نَجَّيْنَا﴾: تدل على طول مدة النّجاة، ولم يقل: أنجينا الّتي تدل على سرعة النّجاة. ﴿هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: رحمة منا، ولم يقل: من عندنا، أو من لدنا رحمة منا رحمة عامة تشمل كلّ مؤمن. من عندنا، من لدنا: تدل على أنّها رحمة خاصة بالأنبياء، أو المقربين. ﴿وَالَّذِينَ﴾: اسم موصول؛ يعني: عدداً كبيراً من الّذين آمنوا معه؛ مقارنة بقوله: ومن معه الّتي تعني: القلة. ﴿وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: تكرار نجينا؛ تفيد التّوكيد. ﴿مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾: شديد شاق ثقيل، لا يقدر عليه أحد. سورة هود [١١: ٥٩] ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: ﴿وَتِلْكَ﴾: تلك: اسم إشارة للبعد؛ يشير إلى قبيلة عاد. ﴿عَادٌ﴾: أي: عادٌ الأولى. ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: الجحود: إنكار الشّيء الظّاهر مع العلم به، كالآيات الظاهرة والمعلومة لهم، ولذلك قال: جحدوا بآيات ربهم، والجحود: أخص من الإنكار؛ أمّا الإنكار: فيكون للشيء الظّاهر، والشّيء الخفي معاً، وقد يكون مع العلم، أو غير العلم. ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: الباء: للإلصاق؛ أي: المعجزات.

стр. 2202

﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾: جاء بصيغة الجمع مع أنّ الّذي أرسل إلى عاد هو هود فقط، وذلك؛ لأنّ من عصى رسولاً؛ فقد عصى كلّ الرّسل؛ لأن كلّ رسول يتبع من قبله، ويؤمن به، ورسالتهم واحدة. ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: الجبار: الذي يتعاظم بالقهر، أو المتسلط، أو القتَّال. وتجبر أبلغ من تكبر، العنيد: الذي لا يقبل الحق، ولا يذعن له، أو المخالف للحق وهو عارف به. و ﴿عَنِيدٍ﴾: صفة مشبهة من فعل عنِدَ؛ صيغة مبالغة في العناد على وزن فعيل. ﴿وَاتَّبَعُوا﴾: صيغة مبالغة في الاتباع؛ اتَّبع: على وزن افتعل؛ أيْ: أشد اتباعاً. ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾: مرحلة أولى: مرحلة الجحود، ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾: مرحلة ثانية: مرحلة العصيان، ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: مرحلة ثالثة: مرحلة التّحدي. سورة هود [١١: ٦٠] ﴿وَأُتْبِعُوا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: فكان عاقبة جحودهم، وعصيانهم، واتباعهم أمر كلّ جبار عنيد: هي اللعنة. واللعنة: تعني الإبعاد عن رحمة الله تعالى، والطّرد، وأُتْبعوا في هذه الدّنيا لعنة: لعنة أولى تمثلت بالرّيح العقيم، ويوم القيامة: اللعنة الثانية سوف تتمثل بعذاب النّار.

стр. 2203

﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه؛ لما بعدها من الكلام. ﴿إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: كفروا ربهم: تجمع كلّ أنواع الكفر؛ أنكروا وجوده، ونعمه، وهو أشد أنواع الكفر، لو قال: كفروا ربهم: لكان كفر مقتصر على الإيمان. ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه أخرى؛ لما بعدها من الكلام، والتّوكيد. ﴿بُعْدًا﴾: هلاكاً؛ يقال: بَعُدَ بُعْداً؛ بمعنى: هلك، أو بُعداً: أبعدهم الله، أو طردهم من رحمته؛ فلن تنالهم رحمة الله تعالى بعد ذلك. هناك بُعد بعَدهُ لقاء، وهناك: بُعد ليس بعده لقاء، وهي هنا تدل على أنّه بُعداً لا لقاء بعده؛ إلا يوم القيامة؛ بُعداً منصوبة على معنى أبعدهم الله فبعدوا بُعداً؛ أيْ: عن رحمته. ﴿أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: أيْ: هلاكاً لعادٍ (قوم هود): توكيد؛ لأن قوم هود هم عاد، وهل هناك فرق بين بعُد: بضم العين، وبَعِدَ بكسر العين؟ العرب تستعمل بعُد: بضم العين في المكان. وبَعِدَ: بالكسر في الهلاك، ثمّ استعملوا بعُد: بالضم في الهلاك. سورة هود [١١: ٦١] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾: أيْ: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً. ﴿أَخَاهُمْ﴾: من القبيلة؛ أيْ: واحداً منهم ليس غريباً عنهم. ﴿صَالِحًا﴾: صالح هو الرّسول الثّاني من العرب من أحفاد ثمود. وثمود: قبيلة سكنت مكان يسمّى الحجر، أو مدائن صالح شمال غرب

стр. 2204

المدينة المنورة بـ (٣٨٠ كم)، وسمّوا أصحاب الحجر، أو قوم صالح، أو قوم ثمود؛ لهم ثلاثة أسماء، وهم ممن تبقى من قوم عاد. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: قال: يا قوم: نداء فيه حنان، وعطف، وتودُّد من أساليب الدّعوة. والقوم: الرّجال والنّساء. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: العبادة تشمل الطّاعة فيما أمر به، أو نهى عنه، وتشمل كلّ قول طيب، وعمل صالح، اعبدوا الله وحده. ارجع إلى الآية (٢) من نفس السورة. ﴿مَا﴾: النّافية. ﴿لَكُمْ مِّنْ﴾: من: استغراقية. ﴿إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: سواه؛ أيْ: لا إله إلا الله، وجاءهم بدليلين على التّوحيد هما: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: هو: ضمير فصل يدل على التّوكيد، والحصر. ﴿أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾: ابتدأ خلقكم من تراب. ارجع إلى سورة الروم، آية (٢٠)؛ لبيان معنى أنشأكم من الأرض. ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾: جعلكم عماراً فيها تعمرونها تبنون بيوتكم وتسكنونها، وتعمرونها بالزّراعة، والصّناعة … وغيرها؛ فالإنشاء يسبق الاستعمار، واستعمركم فيها: لا تعني فقط: تبنون بيوتكم فيها، بل تعني: كذلك حين يرث الابن دار أبيه؛ فكأنما أعمره إياها، واستعمركم: قد تعني: استبقاكم فيها (من البقاء)؛ يسكنها مدة بقائه حياً، ثمّ يتركها لغيره.

стр. 2205

﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة، والسّرعة؛ أي: استغفروه حالاً، وبسرعة، استغفروه من الشّرك، ومن الذّنوب، والمعاصي. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: ثم: لا تعني التّرتيب، والتّراخي في الزّمن؛ لأنّ التّوبة يجب الإسراع بها، وإنّما التّباين في الصّفات؛ فالتّوبة أفضل من فعل الذّنب، توبة الإنابة من دون ارتكاب ذنب، أو ثمّ: تفيد في التّسلسل في الحوادث، والتّعاقب، استغفروه، ثمّ توبوا إليه. والتّوبة تعني: الإقلاع عن الذّنب، والنّدم، والإكثار من النوافل، والأعمال الصالحة. ارجع إلى الآية (٣) من نفس السورة. ﴿إِنَّ رَبِّى﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿قَرِيبٌ﴾: يسمع استغفاركم وتوبتكم، أقرب إليكم بعلمه من حبل الوريد. ﴿مُّجِيبٌ﴾: يجيب دعاء الخلق، ويقبل التّوبة، يجيب دعوة الدَّاع إذا دعاه. فما كان جواب قومه إلا أن قالوا: سورة هود [١١: ٦٢] ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ﴾: قد: حرف تحقيق، وتوكيد. ﴿كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾: أيْ: إنساناً نأمل فيه الخير، والأمانة، وسداد الرّأي، ونرجع إليك للاستشارة، ونأخذ برأيك، وقدَّم فينا على (مرجواً)، وكان بالإمكان أن يقول: قد كنت مرجواً فينا، قدَّم؛ لأنّ الكلام يتعلَّق بهم أولاً بأنفسهم فهم قدَّموا أنفسهم للاهتمام.

стр. 2206

﴿قَبْلَ هَذَا﴾: الإنذار؛ أيْ: ترك عبادة الأصنام. ﴿أَتَنْهَانَا﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجب. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّوكيد. ﴿نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: ولم يقل: أن نعبد ما عبد آباؤنا، ولكنه جاء بصيغة المضارع للاستمرار في عبادتهم. ما: اسم موصول؛ بمعنى الذي، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾: إننا: إضافة النّون: للتوكيد. ﴿لَفِى شَكٍّ﴾: اللام: للتوكيد، والتّعليل، والشّك: هو استواء طرفي الإثبات، والنّفي؛ لفي شك مما تدعونا إليه مريب: وإننا بكلّ توكيد في شك من عبادة الله وحده، وترك عبادة الأوثان، والأصنام الّتي عبدها آباؤنا. ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾: من الرّيبة: وهي الشّك، والاتهام. لنقارن هذه الآية (٦٢) من سورة هود: ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾. مع الآية (٩) من سورة إبراهيم: ﴿وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾. إننا: في آية سورة هود فيها توكيد، وتفصيل؛ لأنّ تكذيب قوم صالح أشد من تكذيب الأقوام في سورة إبراهيم. تدعونا: (الّذي يدعوهم هو نبي واحد)، أما تدعوننا: فـ (الأنبياء أو الرّسل الّذين يدعوهم كثرة).

стр. 2207

سورة هود [١١: ٦٣] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى وَآتَانِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِى مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: قال صالح: يا قوم: نداء فيه تودُّد وحنان. ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾: الهمزة همزة استفهام، تعجُّب، وتقرير، والرّؤية رؤية قلبية، أو فكرية؛ بمعنى: العلم، وبشكل مؤكَّد. ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى﴾: إن: شرطية. ﴿كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى﴾: البيِّنة: الحُجَّة الواضحة، والبرهان القاطع الدّال على وجوب عبادة الله وحده (ناقة الله لكم آية). ﴿وَآتَانِى مِنْهُ رَحْمَةً﴾: قدَّم منه على الرّحمة؛ لأنّ الكلام جاء في سياق قدرة الله، وعظمته، وليس في سياق الرّحمة؛ فقدَّم منه. ﴿مِنْهُ رَحْمَةً﴾: النّبوَّة، وقيل: الهداية إلى الله، وقيل: الإيمان والإسلام، وقد تشمل الكلّ؛ رحمة: جاء بصيغة النّكرة؛ لتشمل أكثر من معنى. ﴿فَمَنْ يَنصُرُنِى مِنَ اللَّهِ﴾: الفاء: للتوكيد، من: استفهامية للعاقل، وتعني: المفرد، أو الجمع. ﴿يَنصُرُنِى﴾: ينجيني من عذاب الله. ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الشّك في عصيانه؛ أيْ: عدم طاعته. ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: ما: النّافية.

стр. 2208

﴿تَزِيدُونَنِى﴾: مضارع، وزيدت فيه نون الوقاية؛ للتوكيد على الزّيادة، أو المبالغة فيها. ﴿تَخْسِيرٍ﴾: تدلّ على الزّيادة في الخسارة، أو الخسران؛ أي: هو أشد الخسارة، ووردت هذه الكلمة تخسير في هذه الآية فقط في كل القرآن. فما تزيدونني غير تخسير. التخسير: يدل على أمرين: أولاً: لم يربح في تجارته، ولم يحافظ على رأس ماله، بل خسر أيضاً رأس ماله. أمّا الفرق بين الخسارة والخسران: فالخسران أقوى وأشد من الخسارة؛ كقوله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الكهف: ٨٢]، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]. ارجع إلى سورة النساء آية (١١٩)، والآية (٢٢) من نفس السورة للمقارنة، ومعرفة معنى الأخسرون، والخسارة، والخسران. سورة هود [١١: ٦٤] ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾؟ ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ﴾: نداء فيه استعطاف وتودُّد. ﴿هَذِهِ﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة يدل على القرب. ﴿نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾: سمَّاها صالح ناقة الله تشريفاً للناقة الّتي هي معجزة من عند الله؛ فقد طلبوا منه معجزة، أو آية تثبت لهم نبوته فطلبوا أن يخرج لهم من إحدى صخور الجبل الصّماء ناقة، وسنرى ذلك في آيات وسور أخرى، قال: ناقة الله لكم آية: لكم خاصة، وليس لكلّ البشر، ولم يقل: ناقة الله آية لكم؛ لدل ذلك على أنّ الآية لهم ولغيرهم. ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ﴾: وقوله: ناقة الله، أو أرض الله؛ لأنّ كلّ ما في الكون من كائنات، ومملوكات هي لله سبحانه.

стр. 2209

﴿فَذَرُوهَا﴾: اتركوها تأكل مما تشاء، وأين تشاء، وكيف تشاء، وليس عليكم رزقها، أو تدبيرها. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: ولم يقل: لا تقتلوها، بل نهى عن مجرد مس النّاقة بأيِّ سوء، أو أذى، بسوء نكرة مهما كان شكله، ونوعه، ولو كان أدنى القليل، وغيره من أنواع الأذى. والسّوء أعم من القتل؛ أيْ: يشمل القتل. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾: قال لهم صالح هذا بعد أن عقروا الناقة قال: ﴿تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، ولذلك قال تعالى ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾، وفي بداية الدّعوة حذرهم، وقال لهم: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ كما ورد في سورة الأعراف آية (٧٣)، وفي سورة الشعراء آية (١٥٦): ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ كان هذا في نهاية الدعوة والتحدي والإعراض. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٣) للمقارنة، وإلى الشعراء آية (١٥٦). سورة هود [١١: ٦٥] ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ عقروها: من العقر، والعقر: هو القطع، ويأتي بمعنى الذّبح، ولو قطعَ أيِّ عضو من أعضاء النّاقة يسمى عقراً؛ فهم لم يكتفوا بقطع، أو بتر عضو، بل ذبحوا النّاقة. ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: تدل على الجمع قال: عقروها؛ لأنّهم اشتركوا في المؤامرة على عقرها (تسعة رهط)، كما ورد في سورة النمل، الآية (٤٨)؛ أمّا في سورة القمر، آية (٢٩)؛ فتعاطى (أيْ: سيفه)؛ فعقر تدل على الّذي قتل النّاقة هو كما قيل قدار بن سالف. ﴿تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾: أيْ: عيشوا فيها ثلاثة أيّام، وكلوا واشربوا. ﴿فِى دَارِكُمْ﴾: الدّار تعني: البلدة، أو القرية، أما دياركم تعني: المنازل، أو المساكن.

стр. 2210

﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: مكذوب: صيغة مبالغة من كذب؛ أيْ: وعد صادق لا ريب فيه. والوعد عادة يأتي في الخير، واستعماله هنا للتهكم، وهو من قبيل تأكيد الشيء بنفي نقيضه. سورة هود [١١: ٦٦] ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: تدل على التّرتيب، والتّعقيب، والسّرعة (ثلاثة أيّام). ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾: جاء، ولم يقل: أتى؛ لأنّ في المجيء صعوبة ومشقة والإتيان فيه سهولة، وخفة. ﴿أَمْرُنَا﴾: العذاب: هو الصّيحة. ﴿نَجَّيْنَا﴾: ارجع إلى الآية (٥٨) من نفس السّورة. ﴿صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: الّذين تدل على كثرة الّذين آمنوا معه؛ أيْ: اتبعوه. ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: قدَّم الرّحمة هنا لتتسع لمن آمن، ولم يكن تقياً؛ لأنّه في آية أخرى ذكر نجينا الّذين آمنوا، وكانوا يتقون، فذكر الرّحمة هنا أغنى عن ذكرى التّقوى. ﴿وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ﴾: الإذلال، والقهر يوم القيامة. انظر إلى كلمة (يومئذٍ): هذه فقد وردت في سورة المعارج آية (١١) وهي قوله تعالى: ﴿لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾، وإعرابها يكون كالتالي: يوم: مضاف إليه مجرور؛ إذ: ظرف (زماني أو مكاني) مبني على السكون في محل جر مضاف إليه، والتنوين: هو تنوين العوض عن جملة محذوفة مقدرة نجينا، ويومئذٍ: تختلف عن يومئذ كما في الآية (٤٢) من سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ يومَ: ظرف زمان منصوب.
следующие страницы →