Полный текст (5 934 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
سورة البقرة [٢: ١٤٦]
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: أي: أولوا العلم من أهل الكتاب، وليس الأميون منهم؛ لأنّ الأميين منهم لا يعرفون الكتاب إلَّا أماني.
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾: تعود على النّبي ﷺ .
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾: الكاف: للتشبيه. ﴿يَعْرِفُونَ﴾: معرفة واضحة كما يعرفون أبناءَهم.
﴿يَعْرِفُونَ﴾: من عرف، والمعرفة تعني العلم بالذوات. وأما العلم: يتعلق بالصفات؛ أي: يعرفون رسول الله ﷺ بأوصافه وصفاته المذكورة في كتبهم، وما شاهدوه يفعل ويقول أمامهم قبل بعثته ﷺ .
مثال: فقد جاء في التّوراة: «يا أيها النّبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سمِّيتك المتوكل ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو، ويغفر، ولن يقبضه الله حتّى يُقيم به الملَّة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلَّا الله ويفتح بها أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً».
﴿وَإِنَّ﴾: الواو: عاطفة، ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، ﴿فَرِيقًا مِّنْهُمْ﴾: أي: علماؤهم، ومن درسوا التّوراة والإنجيل، عاندوا وكتموا الحق.
стр. 247
﴿لَيَكْتُمُونَ﴾: اللام: لام التّوكيد، ﴿يَكْتُمُونَ﴾: من كتم الشيء؛ أي: سكت عن ذكره، والكتمان يختص بالمعاني، الأسرار والأخبار، أما الإخفاء فيكون للأشياء المادية، (أو الحسية)، فيقول: أخفيت الدراهم، ولا يقول كتمت الدراهم، والإخفاء أعم من الكتم.
﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾: الحق هو الأمر الثابت، الذي لا يتغير، وهو ما جاء في ذكر رسول الله ﷺ ، وأوصافه، وأنه النّبي المنتظر.
وما أمر الله به في القرآن، وأمرُ القبلة، وأنّ عليهم أن يؤمنوا بمحمد ﷺ وما جاء به.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أنه حق، ويعلمون عاقبة الكتمان، وهم ليس بجاهلين، أو أميين، ويعلمون أنّ الحق غالب على أمره، وسيظهر في النهاية، ويعلمون أنّ عليهم أن يؤمنوا بمحمَّد ﷺ ويصدِّقوه.
سورة البقرة [٢: ١٤٧]
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾:
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: أي: هذا الذي يكتمون هو الحق من ربك (أمر محمّد ﷺ ، وصفاته، ونبوته، ورسالته، والقبلة، واتِّباعه وتصديقه)، وما دام أنه الحق من ربك؛ فلن يستطيع أحد أن يبدِّله.
والحق بطبيعته لا بد أن يظهر ويبرز وينتشر؛ لأنّ المعركة بين الحق والباطل لا بد أن تنتهي بهزيمة الباطل.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾: فلا: الفاء: للتوكيد؛ تكونن: ولم يقل تكن؛ الزيادة التوكيد (بالنون الثقيلة)؛ الممترين: جمع ممترٍ، وممترٍ اسم فاعل من امترى.
المراء: هو الجدال بالباطل بعد ظهور الحق.
стр. 248
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
NORTH AMERICAN IMAMS FEDERATION
NAIF
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته والتابعين إلى يوم الدين .. وبعد
فإن القرآن الكريم هو الكتاب المبارك الذي أنزله الله رحمة للعالمين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم.
صدق الله حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. وكان من دلائل صدق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قد تكفل بحفظ كتابه الكريم إلى يوم الدين أن قيض له من أولي العلم والتهي من بذلوا جهودا مشكورة، وصفوا المصنفات، وألقوا المؤلفات في العلوم التي تتصل بهذا الكتاب الكريم وتشكل سياجًا منيعًا للحفاظ عليه، تلك التي عرفت بـ "علوم القرآن".
وإن العمل في رحاب هذا الكتاب الكريم لهو شرف ما بعده شرف، وإن خدمة هذا النور الإلهي والكتاب الرباني لهو من أجلّ ما يتشرف به الإنسان ويعتزّ به حيث شهد له من أنزل عليه هذا الكتاب صلوات الله وتسليماته عليه بالخيرية والأفضلية عندما قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري.
وكان من توفيق الله لأخي الدكتور الفاضل محمد الهلال أن شارك بهذا الجهد الطيب في هذا المضمار وهو أخ عرفته عن قرب من خلال الزيارات الشخصية المتبادلة ومن خلال العلاقة الأكاديمية التي تربطني به كوني عميد الدراسات الإسلامية في الجامعة التي نال منها شهادة الدكتوراه.
فأقول وقبل الكلام عن كتابة انه رجل وداعيه قمة في التواضع والأدب قد خلط بين العلم الشرعي والعلم الأكاديمي وخاصة الطب وبرع فيهما.
وقد وهب الرجل قسم كبير من حياته لخدمة كتاب الله تعالي تعلما وتعليما من خلال منابر المساجد وله في هذا المجال باع طويل، واختتم هذه المسيرة المباركة مع كتاب الله تعالي بعمل رائع أضاف من خلال كتابه في التفسير والذي يحمل عنوان:
"تفسير القران الثري الجامع في الاعجاز البياني واللغوي والعلمي"
والذي كنت اتشرف بأبداء بعض الملاحظات هنا وهناك حسب رغبة فضيلة الدكتور ومختصر القول بأن هذا التفسير إضافه جميلة لكتب التفسير بأسلوب سهل ميسر يفهمه الجميع وهو غني بالمسائل اللغوية والعلمية في قالب جذاب مراعيًا التقيد بكل ما هو ضروري لمن يكتب في هذا الفن والله أسال أن يبارك في الكتاب وصاحبة وأن ينفع به المسلمين. آمين وصلى الله على نور الدين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأستاذ الدكتور عمر شاهين
مؤسس ورئيس اتحاد الأئمة بأمريكا الشمالية سابقًا
نائب رئيس جامعة مشكاة سابقًا
عميد برنامج الدراسات الإسلامية
فينکس اريزونا بتاريخ: ٢٥/ ٩ /
стр. 249
وفي آية يونس؛ أكد؛ لأنّ السياق في الشك مما أنزلنا إليك، فلإزالة الشك نحتاج إلى التّوكيد، فجاء بالنون. واللام في ﴿لَقَدْ﴾، وقد للتوكيد.
أما آية سورة آل عمران؛ جاءت في سياق خلق عيسى ﵇، وأنّ الله خلقه، كما خلق آدم، وليس في ذلك خلاف وإرجاف، كما في الآيات الأخرى، لذلك لم يؤكِّد بالنون، وقال: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
سورة البقرة [٢: ١٤٨]
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾:
الواو: استئنافية، ولكل: اللام لام التّوكيد؛ أي: لكل أمة، أو لكل أهل ملَّة، الإسلام، واليهودية، والنصرانية، في صلاتهم وجهة؛ أي: قبلة، ووجهة، هي: اسم للمكان المتوجَّه إليه كالكعبة، أو بيت المقدس.
﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾: ﴿هُوَ﴾: إما ترجع إلى الله؛ أي: اللهُ موليها لهم، وإما ترجع إلى المتولي، والمعنى يكون هو موليها نفسه؛ أي: متجه إليها في صلاته، فيكون المعنى أنّ الله مولٍّ كل ذي وجهة، وجهتهُ.
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾: الفاء: للتأكيد، فاء السببية؛ لربط السبب بالمسبب.
﴿فَاسْتَبِقُوا﴾: من فعل سبق، ولم يقل: فسارعوا في الخيرات، من فعل سارع.
فما هو الفرق بين: سابقوا وسارعوا؟
﴿سَابِقُوا﴾: السباق يحتاج إلى أكثر من واحد للمسابقة، أما المسارعة؛ فتحتاج إلى واحد فقط، فإن أردت أن تسرع يمكن تسرع لوحدك، وإذا أردت أن تسابق تحتاج إلى آخر، أو أكثر، والسباق يحتاج إلى سرعة كذلك.
стр. 250
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾: ومنها استقبال القبلة، والفاء: للتأكيد، فاستبقوا من فعل سبق، واسبقوا غيركم من الأمم؛ أي: ليسبق كل منكم الآخر في فعل الخيرات: والطاعات، ويسرع في أدائها، والنوافل، وأعمال الخير، والبر، والإحسان، ولنسلم أنّ الخير مطلق، حتّى ولو وقع عن سهو.
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: ﴿أَيْنَ﴾: ظرف مكان مبهم، وإضافة ﴿مَا﴾: تزيدها إبهاماً وشمولاً.
للمقارنة بين ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ﴾، ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾؛ ارجع إلى الآية (١٤٤).
﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا﴾: أي: في أي مكان في السماء والأرض.
﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: يأت من أتى، وأتى تعني: بسهولة، ويسر يوم القيامة؛ للجزاء، والحساب.
﴿جَمِيعًا﴾: للتوكيد.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾: ﴿إِنَّ﴾: للتوكيد، لا تعجزونه، لا يعجزه؛ أي: شيء مهما كان في السموات ولا في الأرض.
﴿قَدِيرٌ﴾: صيغة مبالغة لقادر. ارجع إلى الآية (٢٠) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ١٤٩]
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾:
﴿وَمِنْ﴾: الواو عاطفة، من استغراقية؛ حيث: ظرف للمكان.
﴿خَرَجْتَ﴾: إلى أي جهة خرجت، ودخل وقت الصلاة.
стр. 251
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي: اتّجه بوجهك في صلاتك شطر المسجد الحرام، ارجع إلى الآية (١٤٤)، نحو المسجد الحرام.
﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: وإنه: الواو حالية للتوكيد، إن: للتوكيد (لزيادة التّوكيد).
﴿لَلْحَقُّ﴾: اللام: لام التّوكيد، ﴿لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: ﴿لَلْحَقُّ﴾: أي: الوحي الأمر الثابت، الذي لا يتغيَّر من عند ربك المتولي، والقائم بتدبير أمورك.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ارجع إلى الآية (٧٤) من نفس السورة لمزيد من البيان.
سورة البقرة [٢: ١٥٠]
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾:
هذه هي المرة الثالثة الّتي يكرِّر سبحانه ذكر هذه الآية؛ فما تعليل ذلك؟
في هذه الآية يُبيِّن -جل وعلا- أن تحويل القبلة سيثير بعض الشبهات والأباطيل الّتي تراود عقول الضعاف والمنافقين والمشركين، وبعض أهل الكتاب والّذين ظلموا، سواء وجهت وجهك شطر المسجد الحرام، أم عكفت في التوجه إلى بيت المقدس، ومن هذه الادعاءات الباطلة، أو الحجج؛ لو استمر ﷺ يصلِّي تجاه بيت المقدس؛ لقالوا:
١ - كيف يدَّعي محمّد ﷺ أنه من ولد إسماعيل، وإبراهيم، وهم الّذين بنوا الكعبة، وقبلتُهم الكعبة، ويصلِّي تجاه بيت المقدس، ويطعنون في نبوته.
стр. 252
٢ - أو ظنوا إذا اتَّجه بصلاته إلى الكعبة، فغداً سيرجع إلى قبلة أبيه، وسيرجع إلى دينهم، ويترك ما جاء به (أي: الإسلام).
وغيرها من الحجج الواهية.
﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾: اللام: للتعليل. إن: حرف مصدري.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: للاختصاص. النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾:
﴿إِلَّا﴾: هنا تعني: أي: والّذين ظلموا منهم.
فتصبح: لئلا يكون للناس عليكم حُجة والّذين ظلموا منهم، ولا تعني الاستثناء.
﴿فَلَا﴾: لا: الناهية. ﴿تَخْشَوْهُمْ﴾: من الخشية، وهي الخوف، والرهبة، والتعظيم المقرون بالعلم.
أي: لا تخافوا جدالهم في التولي إلى الكعبة، ولا ترهبوهم.
﴿وَاخْشَوْنِى﴾: أي: بامتثال أمري، والخشية كما ذكرنا: الخوف المقرون بالعلم والتعظيم، واخشوني جاءت بإثبات ياء المتكلم في هذه الآية مقارنة بالآية (٣) في سورة المائدة وهي قوله فلا تخشوهم واخشون بحذف الياء؛ ارجع إلى سورة المائدة آية (٣) للمقارنة والبيان.
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾: بالهداية إلى معالم دينكم في الدّنيا وفي الآخرة بالثواب.
стр. 253
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: الواو: عاطفة، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: للتعليل تهتدون إلى الحق والصراط المستقيم، الذي يوصلكم إلى الغاية. وإذا نظرنا إلى كلمة ﴿وَاخْشَوْنِى﴾: في هذه الآية، وإلى الآية (٣) من سورة المائدة ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ من دون ياء، ونظرنا في سياق الآيتين نجد أنّ آية سورة البقرة قد جاءت في سياق تحويل القبلة، الذي أدَّى إلى هزة عنيفة في نفوس كثير من النّاس، وإلى قيام معركة بين الحق والباطل، ولذلك جاء التحذير أشد وظهرت الياء.
أما في آية المائدة؛ فقد جاءت في سياق الأطعمة المحرمة، وما ذبح على النصب فالتحذير فيها أقل، ولذلك جاء (واخشون) من دون ياء.
أما تكرار الآية: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾: ثلاث مرات، يمكن تفسيره بعدة احتمالات:
الاحتمال الأول: قيل: التكرار يفيد التّوكيد، ربما أنّ تحويل القبلة إلى المسجد الحرام بدلاً من المسجد الأقصى كان حدثاً مهمّاً وخطيراً في المعركة بين الحق والباطل، فلا بد أن يُذكر هذا الأمر عدَّة مرات ليستقر في أذهان وقلوب النّاس، ويسمعوا الأمر بالتحويل عدَّة مرات حتّى يكون الأمر حاسماً، ولا يبقى شك في نفوس المؤمنين، وليعلم أهل الكتاب أنّ المسلمين لن يرجعوا عن قبلتهم.
الاحتمال الثّاني: الآية الأولى؛ وهي الآية رقم (١٤٤): ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾: جاءت استجابة لتقلُّب وتردُّد وجهه ﷺ في السماء، حيث قال سبحانه في مطلع الآية (١٤٤): ﴿قَدْ
стр. 254
نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾؛ أي: لنسخ القبلة عن المسجد الأقصى.
وأما ذكر الآية في المرة الثانية وهي الآية رقم (١٤٩): جاءت لتبين أنّ تحويل القبلة هو الحق من ربك، وأضاف حرف (إنّ)، واللام في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾: للتأكيد، فليطمئن المؤمنون، فهذا الأمر ثابت، ولن يتغير إلى يوم القيامة؛ أي: لتبيان السبب.
وأما ذكر الآية للمرة الثالثة، وهي الآية (١٥٠)؛ وجاءت: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: لتبيِّن أنّ التحويل هو من النعم، الّتي أنعمها الله على هذه الأمة؛ أي: لتبيان العلة.
الاحتمال الثالث: أنّ التكرار في المرة الأولى يشير إلى هؤلاء، الّذين هم داخل المسجد الحرام أن يصلوا تجاه الكعبة لمن يرى الكعبة ولمن لم يرها، وفي المرة الثانية جاءت لتشير إلى هؤلاء، الّذين هم خارج المسجد الحرام في مكة، وما حولها والمدينة بالاتجاه إلى المسجد الحرام، وفي المرة الثالثة جاءت لتشير بالتوجه إلى المسجد الحرام لمن هو موجود في أي بقعة من بقاع الأرض.
سورة البقرة [٢: ١٥١]
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾:
﴿كَمَا﴾: الكاف للتشبيه، وما المصدرية، هذه الآية قيل: متعلقة بقوله: ﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ﴾؛ أي: اذكروني لأجل إرسالي فيكم رسولاً منكم، أو كما ذكَّرتم بإرسال الرّسول فاذكروني.
стр. 255
﴿أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ﴾: الإرسال يكون برسالة أو من دون رسالة، وليس فيه مشقة، وتهييج وإثارة، كما لو قال: ﴿بَعَثْنَا﴾. ارجع للآية (١١٩) من سورة البقرة للبيان.
﴿أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾: ولم يقل: وأرسلنا إليكم. ﴿فِيكُمْ﴾: أي: هو فيكم من قبل الرسالة، وليس غريباً عنكم من بلد آخر.
﴿رَسُولًا مِّنكُمْ﴾: من العرب والأميين، ومن أسلم أو لم يسلم، ولو قال: من أنفسكم كما سنرى في آيات أخرى، تعني: الخصوص؛ أي: من أهل مكة من قريش، أو من بني عبد المطلب، من نفس القوم.
﴿يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾: أي: آيات القرآن، وقوله: ﴿آيَاتِنَا﴾: فيها معنى التشريف والتعظيم أكثر مما لو قال: آياته، أو الآيات، والتلاوة القراءة. التلاوة اتباع الشيء الشيء، ويعني القرآن.
والتلاوة أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، وفي هذه الآية تعني القراءة.
﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾: والتزكية: التطهير من عبادة الأصنام، والشرك، والمعاصي؛ ومنه: وأد البنات، والخمر، والميسر، والزنى.
﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾: القرآن الكريم.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾: السنَّة والفقه في الدِّين، ومعرفة الأحكام والشرائع.
﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: مثل: بعض الأمور الغيبية، وسير الأنبياء، وقصص الأقوام الغابرة، وكذلك العلوم الدنيوية، من طبٍّ، وفلك … وغيرها.
стр. 256
سورة البقرة [٢: ١٥٢]
﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾:
﴿فَاذْكُرُونِى﴾: الفاء: تعليلية، أو تفيد للتوكيد. اذكروني: بالطاعة، والعمل الصالح، والفرائض، والنوافل، والذكر من أعظم العبادات القلبية، مثل: الحمد، والتسبيح، والاستغفار، وقول: لا إله إلَّا الله، والتفكير بآيات الله، وقراءة القرآن، وتدبر آياته، اذكروني بالسر والعلن.
﴿أَذْكُرْكُمْ﴾: بالمغفرة والثواب.
وفي الحديث القدسي: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه» رواه البخاري.
﴿وَاشْكُرُوا لِى﴾: اشكروا المنعم على إنعامه عليكم شكراً يتعدَّى لذاته.
أما: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾؛ يعني: واشكروا له نعمه. ارجع إلى سورة الفاتحة آية (٢) لبيان معنى الحمد والشكر، والفرق بين الحمد والشكر.
والشكر لله؛ كما قال ابن القيم الجوزية: هو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه انقياداً وطاعةً.
وأركان الشكر: الاعتراف بنعم الله تعالى، والتحدُّث بها، والاستعانة بها على طاعة الله المنعم ، وكما قال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]. ارجع إلى سورة الأعراف آية (١٠) لمزيد من البيان.
﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾: الواو: عاطفة. لا: الناهية.
﴿تَكْفُرُونِ﴾: بالله أو بنعمه، النون (نون الوقاية)؛ تفيد التّوكيد. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة.
стр. 257
سورة البقرة [٢: ١٥٣]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾:
نداء إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾: بياء النداء، والهاء: للتنبيه، بالاستعانة بالصبر، والصلاة، وفي الآية السابقة (١٥٢) حضهم على الذكر والشكر؛ لأنه هداهم إلى معالم دينهم وقبلتهم، وهنا يسألهم بالصبر والصلاة، على أذى المشركين، وافتراءاتهم، وحسدهم، ولأنّ معركة الحق والباطل مستمرة، فقال تعالى: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾؛ لأنّ الله -جل وعلا-، سيفرض عليكم صيام رمضان، وأنّ معركة بدر على الأبواب.
ففي شهر واحد تحولت القبلة شطر المسجد الحرام، وجاء الأمر الإلهي بفرض الصّيام، وكان ذلك في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من الهجرة، وكانت غزوة بدر يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان على رأس تسعة عشر شهراً من الهجرة، وقيل في تاريخها أقوال أخرى.
فكان صرف القبلة أولاً، ثم فرض صيام رمضان، ثم جاءت غزوة بدر الكبرى.
وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نداء بتكليف جديد بالاستعانة بالصبر والصلاة.
ولماذا قدَّم الصبر على الصلاة؟ ارجع إلى الآية (٤٥) من سورة البقرة للبيان. ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾: فكلمة الصبر ومشتقاتها، وردت في القرآن في حوالي (٩٠) آية.
والصبر كما عرَّفه ابن قيم الجوزية: حبس النفس عن الجزع، والسخط،
стр. 258
وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية. وقدم الصبر على الصلاة؛ لأن الصلاة عبادة تحتاج إلى صبر، وكل العبادات تحتاج إلى الصبر، وهذا الصبر يعتبر من أشد أنواع الصبر.
والصبر درجات: صابر، مستصبر، متصبر، صبار، صبور، وهي أعلاها.
والصبر أنواع: صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله، وصبر على الطاعة، وصبر على المعصية، وصبر على الشدائد والنوازل.
واعلم: أنّ الله مع الصابرين، وأنّ الله يحب الصابرين، وهناك الصبر الجميل. انظر: سورة يوسف، آية ١٨.
والصلاة أعظم العبادات، وأفضل القربات، وخير الطاعات، مقرونة بالتوحيد والخشوع، فقد كان ﷺ إذا حَزَبَه أمرٌ (أي: جاءه أمر شاقٌّ أو مكروه)، قام إلى الصلاة، رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود.
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: إن للتوكيد. ﴿مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: بالعون والنصرة. ارجع إلى سورة النحل، آية (١٢٧) لمزيد من البيان.
стр. 259
سورة البقرة [٢: ١٥٤]
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾:
المناسبة: نزلت هذه الآية في شهداء بدر من المسلمين، حيث استشهد (١٤) رجلاً من المسلمين، وكان النّاس يقولون: مات فلان، فنزلت هذه الآية، ولا: الواو عاطفة، لا: الناهية.
﴿تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ﴿لِمَنْ﴾: اللام: لام الاختصاص، والتوكيد. ﴿مِنْ﴾: للجمع والمثنى والمفرد.
﴿لِمَنْ يُقْتَلُ﴾: بدلاً: لمن قتل؛ لاستحضار القتل في نفس السامع، وتصوره أمام عينيه، كأن يحدث الآن.
﴿أَمْوَاتٌ﴾: جمع ميت.
﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾: حرف إضراب إبطالي؛ أي: ليسوا أمواتاً، بل هم أحياء، وهم عند ربهم يرزقون، ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: كما بيَّن ذلك في سورة آل عمران الآيات (١٦٩ - ١٧١).
﴿وَلَكِنْ﴾: حرف استدراك يفيد التّوكيد.
﴿لَا﴾: النّافية لكل الأزمنة.
﴿لَا تَشْعُرُونَ﴾: لا تدركون، ولا تحسون أنهم أحياء؛ أي: لا تعلمون العلم الكامل الخفي أنهم أحياء؛ لأننا إذا فتحنا قبر الشّهيد نجده رفاتاً وعظاماً، فهو في عالم الآخرة، أو عالم البرزخ في عالم الغيب، ونحن في عالم الدّنيا.
стр. 260
ولتقريب ذلك إلى الأذهان: لو نظرت إلى إنسان، وهو نائم نوماً عميقاً، وهو يسبح في أحلامه ورؤياه، وأنت تكلمه وهو لا يكلمك، ولا ينظر إليك وأنت واقف بجانبه، فهو في عالم الوفاة، وأنت في عالم اليقظة (الدّنيا).
سورة البقرة [٢: ١٥٥]
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾: الواو: استئنافية. لنبلونكم: اللام: للتأكيد، وكذلك النون في (نبلونكم): لزيادة التّوكيد.
(نبلونكم): من الابتلاء، ارجع إلى الآية (٤٩) لبيان معنى الابتلاء، وقد يكون بالخير أو بالشر، والابتلاء أشد من الاختبار، والفتنة أشد من الابتلاء، وقمة الابتلاءات الاستشهاد في سبيل الله .
﴿بِشَىْءٍ﴾: الباء: للإلصاق. ﴿بِشَىْءٍ﴾: نكرة، والتنكير هنا؛ يفيد التقليل، وتعريف الشيء هو أقل القليل، ثم بين هذا الشيء بخمسة أنواع، وهي: الخوف، والجوع، ونقصٍ من الأموال، والأنفس، والثمرات.
﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾: (الابتلاء الأول): من الابتداء ابتداء الخوف، ويمكن أن يقال: التبعيض بعض الخوف
﴿الْخَوْفِ﴾: هو اضطراب نفسي، وعدم الشعور بالأمن من توقع شيء ضارٍّ مقبلٍ، لا قدر له على دفعه، والخوف أحياناً خور لا ضرورة له، فإذا أراد الإنسان أن يؤمن نفسه من أمر يخيفه، فما عليه إلَّا أن يأخذ بالأسباب لمحاربة هذا الخوف، والخوف له أسباب متعددة.
وبشيء من ﴿وَالْجُوعِ﴾: (الابتلاء الثّاني): بشيء قليل من الجوع، والجوع: هو خلو المعدة من الطعام؛ أي: الصبر على عدم الطعام، وقدَّم الخوف على
стр. 261
الجوع؛ لأنّ هذه الآيات جاءت في سياق الاستعداد لمعركة بدر الكبرى، وغيرها من المعارك، وخلال القتال قلما يفكِّر الإنسان بالجوع، وإنما بالخوف، وأما في حالات السلم؛ فإن الخوف أكثر شيوعاً من الجوع، والجوع إذا اشتد في المجتمع قد يؤدي إلى السرقة، ثم إلى القتل، وبالتالي السرقة تؤدي إلى الخوف.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ (الابتلاء الثالث): بالهلاك، والضياع، وتعطل حركة التجارة، والإيراد والتصدير، والبيع والشراء.
﴿وَالْأَنفُسِ﴾ (الابتلاء الرابع): ونقص من الأنفس، بالقتل، والمرض، والكوارث الطبيعية، والزلازل، والفيضانات، والموت الطبيعي، وموت الأولاد، والأقارب.
﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ (الابتلاء الخامس): ونقص من الثمرات: بفساد الثمار، أو إتلافها بالحشرات، والحرائق، أو إمساك المطر، أو البرد، وغيرها.
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾: الخطاب لرسول الله ﷺ ، أو لكل من يتأتى منه الصبر، وهو محتسب لوجه الله، وراضٍ بقضاء الله وقدره، وبشر الصابرين في كل هذه الابتلاءات.
﴿الَّذِينَ﴾: وصفهم الله بأنهم إذا أصابتهم مصيبة: ﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
سورة البقرة [٢: ١٥٦]
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾:
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول، يفيد المدح والثناء عليه.
﴿إِذَا﴾: شرطية تفيد حتمية الحدوث وكثرته.
﴿أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾: مصيبة نكرة؛ أي: مصيبة: والمصيبة كل ما يؤذي
стр. 262
الإنسان في نفسه، أو ماله، أو عياله، ومن أعظم المصائب، أو الفتن: المصيبة في الدِّين.
﴿قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: ﴿إِنَّا﴾: أي: نحن.
﴿لِلَّهِ﴾: اللام لام الاختصاص الملكية؛ أي: نحن مُلك لله وعبيده، نتقبل ما يحدث لنا، وكل ما يحدث لنا، أو يُصيبنا، يحدث بإذنه، وبحكمة، وصلاح فهو أحكم الحاكمين، وإنا إليه راجعون، وتكرار ﴿إِنَّا﴾: للتوكيد، وفصل كلاً من الملكية عن الرجوع، أو كلاهما معاً.
﴿إِلَيْهِ﴾: تقديم إليه يفيد الحصر؛ أي: إليه حصراً راجعون، بعد الموت، أو بعد البعث.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾: أي: نقرُّ بعبوديتنا وملكنا، لله وحده، نؤمن بقضائه وقدره، ونؤمن بالبعث والحساب، وقد علمنا رسول الله ﷺ عند الإصابة بمصيبة أن نقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
كما ورد في الحديث الذي رواه مسلم، عن أم سلمة ﵂، أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد تصيبه مصيبة، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها إلَّا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها».
سورة البقرة [٢: ١٥٧]
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾:
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد، يشير إلى الصابرين، ذوي المنزلة، والدرجة العالية. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: على تفيد الاستعلاء.
﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَّبِّهِمْ﴾: صلوات: جمع صلاة، والصّلاة في اللغة: هي الدعاء،
стр. 263
والصّلاة من الله على عبده تعني المغفرة، والذكر الحسن، كما في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، والصّلاة من الملائكة تعني الاستغفار.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾: يغفر لهم، ولا يعذبهم، ويدخلهم الجنة.
﴿وَأُولَئِكَ﴾: تكرار (أولئك): يفيد التّوكيد، ويفيد المدح.
﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾: هم: ضمير منفصل، يفيد التّوكيد؛ أي: إذا كان هناك مهتدون، فأولئك هم الأوائل، الّذين ساروا على درب الهداية للوصول إلى الغاية، واستقاموا عليها. فمن صبر عند الصدمة الأولى ورضي بقضاء الله ﵎، وقدَّره، واحتسب ذلك عند الله، ولم يبدر منه سوء، عوضه الله خيراً من صبره؛ صلوات من ربِّه ورحمة، وزاده هدى وصلاحاً، وسعادة في الدارين.
سورة البقرة [٢: ١٥٨]
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾:
سبب نزول الآية: أخرج البخاري عن أنس بن مالك ﵁، أنه سُئل عن الصفا والمروة، فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا عنهما، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل، يفيد التّوكيد.
﴿الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: من شعائر دين الله، جبلان (في مكة)، داخل المسجد الحرام الآن، كانت هاجر زوج إبراهيم ﵇، تسعى بينهما؛ للبحث عن الماء لولدها إسماعيل، وظلت تتردد بينهما سبع أشواط، ثم وجدت الماء ينبع تحت قدَمي إسماعيل ﵇.
﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾: جمع شعيرة: وهي العلامة؛ أي: النُسك؛ أي: أعمال الحج والعمرة والمشاعر: جمع مَشْعر وشعائر الحج، هي معالمة الظاهرة للحواس،
стр. 264
ومواضع العبادة، يطلق عليها المشاعر؛ أي: المعالم المكانية، مثل: الصفا والمروة. ومقام إبراهيم والحجر الأسود.
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾: الفاء استئنافية من شرطية.
﴿حَجَّ الْبَيْتَ﴾: الحج لغة: القصد.
شرعاً: قصد البيت الحرام؛ لأداء مناسك الحج المعروفة، ومنها: لباس ثياب الإحرام، والخروج إلى منى، والوقوف بعرفات، والنزول إلى مزدلفة، ورمي الجمرات، والطواف، والسعي، والحلق.
﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾: أدَّى مناسك العمرة، فلا جناح عليه؛ أي: لا إثم عليه من جنح؛ أي: مال عن القصد؛ أي: الإثم: للميل عن الحق، فاعتبر ذلك إثماً، ولم يقل حرجاً أي: ضيقاً، أو مشقة.
ولم يقل: ليس عليه جناح، والفرق بينهما: لا جناح عليه: جملة اسمية، والجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية؛ لأنها تدل على الثبوت، ومؤكدة، وأما الجملة الفعلية فتدل على التجدُّد، ولذلك نجد القرآن، يستعمل ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ في العبادات، والحقوق، والواجبات الزوجية، وتنظيم الأسرة، بينما يستعمل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾: في الأمور العادية؛ كالطعام والشراب والبيع والشراء، ولذلك النفي في ﴿لَا جُنَاحَ﴾: أقوى من النفي في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾.
أن: حرف مصدري؛ للتعليل، والتوكيد: ﴿يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾: أصلها يتطوف، أدغمت التاء في الطاء؛ لقرب مخارج الحروف، وقال يطَّوف بالتشديد، ولم يقل: يطوف بهما؛ لأن يطَّوف بالتشديد فيها معنى الحث والإكثار من السعي
стр. 265
والطواف، وتكرار ذلك، بينما يطوف، من دون تشديد؛ يعني: السعي بين الصفا والمروة سبع أشواط، وتبدأ بالصفا.
السّؤال هنا: لم قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ مع أنّ الصفا والمروة من شعائر الله؟
كما روي عنه الطبري: أنّ وثناً كان في الجاهلية على الصفا، يسمى إسافاً، ووثناً على المروة يسمى نائلةً، وكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت، مسحوا بالوثنين، فلما جاء الإسلام، وكسرت الأوثان، قال المسلمون: إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر، قال: فأنزل الله أنهما من الشعائر؛ أي: فلا حرج على المسلمين في السعي بينهما؛ لأنهما من شعائر الله.
وبما إنا لا ندور حول الصفا والمروة، كما نعمل بالبيت الحرام، فلماذا سماها طواف؟!
سماه (طواف): لأنّ السعي تبدأ من نقطة بداية، وهي الصفا، ثم الذهاب إلى المروة، ثم العودة إلى الصفا، فذهابه، وعودته يشبه الطواف الذي يبدأ بالحجر الأسود، ثم يعود إليه.
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾: ﴿وَمَنْ﴾: شرطية. ﴿تَطَوَّعَ﴾: فَعلَ الطاعة، طوعاً لا كرهاً، والزيادة على الواجب؛ أي: أدَّى الحج والعمرة عدَّة مرات، فالحج والعمرة لأول مرة، يعتبر فرضاً، وبعد ذلك تعتبر تطوعاً، والتطوع يعني: الإكثار من النوافل، ويعني: طوعاً بحب، وليس كرهاً.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾: الفاء وإن: للتوكيد، ﴿شَاكِرٌ﴾: أي: مثيب العبد على طاعته، يقبل العمل القليل، ويعطي الثواب الجزيل عليه.
стр. 266
﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من عالم، محيط علمه بأعمال عباده، من فرض ونفل، وظاهر وباطن، وسر وعلن، وخير وشر.
لنقارن بين هذه الآية والآية: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
هنا التطوع في هذه الآية، آية الصّيام، هو أن يزيد في الفدية، فيطعم أكثر من مسكين، أو يزيد في المبلغ المصروف له.
بينما في آية الحج والعمرة: آية (١٥٨): التطوع في حج آخر أو عمرة، والدليل على ذلك زيادة الواو في قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾؛ فلذلك في آية الحج، أتبعها بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: يثيبه الله ويجازيه على إحسانه، والشكر يعني الثواب، والثواب يكون بقدر الطاعة، والحج والعمرة أشق من الفدية بالطعام.
سورة البقرة [٢: ١٥٩]
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل يفيد التّوكيد.
﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول يشير إلى دنو منزلة.
﴿الَّذِينَ﴾: يشمل كل من يكتم سواء أكانوا من أهل الكتاب، أو الأحبار، أو العلماء، أو الرؤساء، أو علماء المسلمين، أو أي إنسان يكتم آية أو حديثاً.
﴿يَكْتُمُونَ﴾: من الكتم. وكتم الشيء: سكت عن ذكره.
والكتمان: ترك إظهار الشيء مع الحاجة إلى الإظهار، وقيل: الكتمان يختص بالمعاني، والأسرار، والأخبار، والإخفاء يختص بالأشياء المادية
стр. 267
الحسية. قال: ﴿يَكْتُمُونَ﴾، ولم يقل: كتموا، يكتمون: تدل على تجدد، وتكرار كتمانهم، فهم لا يزالون يكتمون، ولم يكفوا عن ذلك.
﴿مَا﴾: اسم موصول، لغير العاقل، والعاقل.
﴿أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: جمع بينة، وهي ما يثبت به الشيء المراد إثباته، والمراد هنا ما يثبت نبوة محمّد ﷺ من نعوت وصفات، جاءت في التّوراة والإنجيل، وكل ما أنزله الله على الأنبياء من الكتب، والوحي، والبينات، والآيات، والأحكام، والحلال، والحرام، والحدود، والفرائض، والأحاديث النبوية الصحيحة.
﴿وَالْهُدَى﴾: القرآن، واتباع ما جاء به رسول الله ﷺ من الدِّين الحق (الإسلام).
﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَابِ﴾: ﴿الْكِتَابِ﴾: اسم جنس شامل لكل الكتب السماوية، والكتاب هنا يعني: التّوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، والصحف؛ أي: لم ندع موضع شك، أو اشتباه على أحد إلَّا بيناه لهم فيها، ومع ذلك هم عمدوا إلى ذلك الأمر المبين فكتموه ولبسوا على النّاس، وحرفوه، أو بدلوه.
﴿لِلنَّاسِ﴾: اللام: لام الاختصاص. النّاس: ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: أولئك: اسم إشارة يفيد التحقير، ودنو منزلتهم يشير إلى الّذين يكتمون ما أنزل الله تعالى من الوحي على الأنبياء والرسل أياً كانت ملتهم.
﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾: اللعنة الطرد والإبعاد من رحمة الله، والمنع من الخير.
﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: تكرار يلعنهم يفيد التّوكيد، واللاعنون: هم الملائكة،
стр. 268
والمؤمنون من الثقلين: الجن والإنس، وقيل: كل من يتأتى منه اللعن، ويشمل الحيوان والنبات.
واللعن: يكون بالدعاء عليهم باللعنة.
وقوله: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: جاء بالفعل المضارع (يلعن): ليدل على التجدد، والتكرار، ولم يقل: لعنهم وانتهى الأمر.
فالله يلعنهم، ويلعنهم اللاعنون ما داموا يكتمون ما أنزل الله، وما داموا أحياء، وإذا انتهوا، وأصلحوا، أو بينوا للناس ما كتموه، وتابوا فإن الله يتوب عليهم، كما بينه الله تعالى في الآية (١٦٠)، وفي الحديث الصحيح عن النّبي ﷺ قال: «من سُئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار». ارجع إلى الآية (١٦١) في نفس السورة لمقارنة آيات اللعن في القرآن.
سورة البقرة [٢: ١٦٠]
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾:
﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء.
﴿الَّذِينَ تَابُوا﴾: على ما فعلوا من بعد الكتمان، واعترفوا بذنبهم، وندموا على ما فعلوا، ولن يعودوا لمثله، وأكثروا من فعل الصالحات.
﴿وَأَصْلَحُوا﴾: بمقدار ما أفسدوا أصلحوا ما أفسدوه بكتمانهم.
﴿وَبَيَّنُوا﴾: ما كتموه. وما أنزل الله من البينات. وانظر كيف حذف (من بعد ذلك) كما في الآية (٨٩) في سورة آل عمران وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾؛ لأنه لو جاء بذلك في آية البقرة لكان المعنى: إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا من بعد أن يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
стр. 269
﴿فَأُولَئِكَ﴾: الفاء: للتأكيد، أولئك: اسم إشارة يفيد المدح.
﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: أقبل توبتهم.
﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: ارجع إلى الآية (٣٧) من سورة البقرة.
سورة البقرة [٢: ١٦١]
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾:
﴿إِنَّ﴾: يفيد التّوكيد.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: أي: أصروا على عدم التوبة، وماتوا، وهم في حالة الكفر. ارجع إلى الآية (٦) من نفس السورة لمزيد من البيان.
﴿أُولَئِكَ﴾: اسم إشارة للبعد.
﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ﴾: عليهم خاصة، أو عليهم حصراً؛ لأنه قدَّم الجار والمجرور على لعنة الله، ولم يقل أولئك لعنة الله عليهم، ولعنة الملائكة، والناس أجمعين، تعني بالدعاء عليهم باللعن.
﴿أَجْمَعِينَ﴾: للتوكيد، وهذا اللعن، أو الدعاء عليهم باللعن يكون يوم القيامة حيث يلعن الله الكافر، ثم تلعنه الملائكة، ثم النّاس أجمعين.
وإذا قارنا الآية (١٥٩) من سورة البقرة، مع الآية (١٦١) نجد الآية (١٥٩) من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِى الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: تعني: اللعن عليهم يتم في الحياة الدّنيا؛ أي: هم ما زالوا أحياء.
وأما الآية (١٦١) من سورة البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ
стр. 270
عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: تعني: اللعن عليهم يتم يوم القيامة، أو في الآخرة من قبل الله سبحانه، والملائكة، والناس أجمعين.
وقوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: وبما أنّ الكافر هو من جملة النّاس فهو إذن سيلعن نفسه، أو هو يلعن الظالمين والكافرين، ومن يلعن الظالمين والكافرين، وهو منهم، فقد لعن نفسه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].
ولمعرفة معنى النّاس، ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة.
سورة البقرة [٢: ١٦٢]
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: في النار (جهنم) خالدين من الخلود، وهو استمرار البقاء منذ زمن دخولهم إياها، والخلود: البقاء من دون تغيير، أو استحالة.
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: لا: النّافية.
﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ﴾: من شدة العذاب، أو من زمنه، ولو يوماً واحداً، أو ساعة واحدة، كما قال سبحانه في سورة النّساء، آية (٥٦): ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.
﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: ولا: النّافية، هم: ضمير منفصل يفيد التّوكيد في عدم الإنظار.
والإنظار: هو الإمهال؛ أي: لا يؤخرون عن عذابها، أو يمهلون؛ لينظر في حالتهم، بل يبدأ العذاب مباشرة، ولا ينظر إليهم نظرة رحمة، ولا رأفة.
لنقارن آيات اللعن في القرآن، وأنواعه:
١ - البقرة (١٥٩): ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: ﴿يَلْعَنُهُمُ﴾: جاء بالفعل
стр. 271
المضارع؛ مما يدل على أنّ لعنهم مستمر. ومتجدد، ولا ينقطع لهؤلاء الّذين يكتمون ما أنزل الله من البينات، والهدى من بعد ما بينه الله للناس.
٢ - البقرة (١٦١): ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾:
﴿لَعْنَةُ اللَّهِ﴾: جاء بالاسم (اللعنة): ليدل على ثبوت اللعنة عليهم، فلا يتغير الحكم لهؤلاء الّذين كفروا وماتوا وهم كفار.
٣ - آل عمران (٨٧): ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾:
نفس الحكم ثبوت اللعنة على هؤلاء الّذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أنّ الرّسول حق، وجاءهم البينات، ثم ماتوا، ولم يتوبوا.
٤ - الرعد (٢٥): ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾: لهم خاصة؛ أي: لهؤلاء الّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض.
٥ - النّساء (٥٢): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾:
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: جاء بالفعل الماضي، شيء انتهى ومضى لهؤلاء الّذين أوتوا نصيباً من الكتاب وآمنوا بالجبت والطاغوت.
٦ - ص (٧٨): ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾:
﴿لَعْنَتِى﴾: أي: اختصه الله وحده، بلعنته مع أنّ هناك لعنة الملائكة والناس، ولم يقل: لعنة الله، وإنما قال: لعنتي.
(هذا هو أعظم اللعن) عندما ينسب إلى الله .
الخلاصة: عندما يقول سبحانه: لعنتي، فهي أشد وأعظم أنواع اللعن، ثم
стр. 272
يأتي أقل منها شدة قوله: لعنة الله، ثم أقل منها شدة قوله: يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون، وأقل من ذلك شدة قوله: لعنهم الله.
إذن من الأشد إلى الأدنى: لعنتي، لعنة الله، يلعنهم الله، لعنهم الله.
سورة البقرة [٢: ١٦٣]
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾:
الإله هو الله -جل وعلا-، ولم يرد في القرآن لفظ الإله، وإنما وردت كلمة إله.
في الآية السابقة تحدثت على وجوب بيان ما أنزل الله من البيان والهدى، وعدم كتمانه، وفي هذه الآية يبين أول وأهم هذه الأمور الّتي يجب تبيانها للناس هو أمر التوحيد، توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء، والصفات، فيقول تعالى:
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: الواو: استئنافية.
﴿وَإِلَهُكُمْ﴾: تدل على الألوهية، والعبودية.
﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾: لا يتجزأ ولا يصبح اثنين، أو ثلاثة؛ أي: ليس مركب من أجزاء لم يلد ولم يولد، فليس له ولد.
وأما أحد: يعني ليس له شبيه، ولا مثيل في ذاته وصفاته؛ أي: ليس كمثله شيء. ارجع إلى سورة الصافات آية (٤) للبيان المفصل والفرق بين أحد وواحد.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: أي: لا معبود إلَّا هو، وفي هذه الآية نجد النفي والإثبات في نفس الوقت.
﴿لَا﴾: النّافية. ﴿إِلَهَ﴾: معبود، ﴿إِلَّا﴾: حصر، هو: ضمير فصل يفيد التّوكيد، ويعود على الله.
فكلمة: ﴿لَا إِلَهَ﴾: تفيد النفي، نفى سبحانه عن نفسه وجود الشريك، والند،
стр. 273
والمثيل، ﴿إِلَّا هُوَ﴾: هو: تفيد الإثبات، وأنت واحد في الألوهية، والربوبية، والأسماء، والصفات.
﴿الرَّحْمَنُ﴾: مشتق من الرّحمة على وزن فعلان: تفيد التجدد، والتكرار.
رحمن الدّنيا: لأنّ رحمة تشمل المؤمن والكافر معاً.
طط ﴿الرَّحِيمُ﴾: مشتق من الرّحمة على وزن فعيل؛ تفيد الثبوت.
رحيم الآخرة: لأنّ رحمة خاصة بالمؤمنين في الآخرة.
فكلمة ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: تعني: رحمته متجددة، ومتكررة، ومستمرة، وثابتة للمؤمن والكافر في الدّنيا، وللمؤمن فقط في الآخرة، ولو اكتفى بكونه الرحمن فقط، ولم يقل: الرحيم، فربما يظن ظانٌّ أنّ رحمته قد تزول، ثم تعود، وتتجدَّد، ولذلك جاء بالرحيم؛ لتدل على ثبوت رحمته، وإن تجدَّدت وتكرَّرت. ارجع إلى سورة الفاتحة، الآية (١).
стр. 274
سورة البقرة [٢: ١٦٤]
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾:
سبب نزول هذه الآية: أنه لما نزلت: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: تعجب المشركون، وقالوا: إله واحد؟ إن كان صادقاً فليأتِ بآية، فأنزل الله: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف مشبه بالفعل يفيد التّوكيد.
﴿فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: خلق السموات والأرض مرَّ بالمراحل التالية:
المرحلة الأولى: مرحلة الرتق؛ حيث كانت السماء والأرض عبارة عن جرم صغير، مليء بالطاقة والمادة، ثم مرحلة الفتق الانفجار، ثم مرحلة الدخان، ثم تمايزت الأرض إلى سبع أرضين بإنزال الحديد، وتمايزت السماء إلى سبع سموات، ثم مرحلة الإتيان، ثم مرحلة الدحو؛ حيث أخرج الله سبحانه من الأرض غلافها المائي، والغازي، ثم تشكلت الجبال، ثم مرحلة تقدير الأقوات،
стр. 275
ومرحلة الدحو: تعني: مرحلة المد، والبسط، فقد بدأت الأرض من جزيرة بركانية، فلم يكن هناك يابسة، وغُمرت الأرض بالماء.
ثم فجَّر الله سبحانه قاع المحيطات بثورة بركانية، وبدأت البراكين تلقي بحممها فوق قاع المحيط، فتكونت سلسلة جبلية في قاع المحيط، ارتفعت تدريجياً، وظهرت فوق سطح الماء، وتشكلت الحياة وسط المحيط، وكانت أرض مكة هي أول جزيرة بركانية.
ثم توالت ثورة البراكين، وكوَّنت القارة الأم الّتي فتتها ربُّنا بشبكة من الصدوع إلى قارات سبع، وبدأت هذه القارات تتباعد حتّى وصلت إلى مكانها الحالية، وبقيت مكة وسط اليابسة. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٢٢، ٢٩)، وسورة الأنبياء، آية (٣٠) لمزيد من البيان.
واختلاف الليل والنهار، الدالُّ على كروية الأرض، هذا الاختلاف الناتج عن دوران الأرض حول محورها، وحول الشمس، هذا الاختلاف الضروري لاستقامة الحياة على هذه الأرض.
﴿وَالْفُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾.
الفلك: السفن، والفلك: تستعمل للواحد والجمع. ارجع إلى سورة إبراهيم، آية (٣٢) للبيان.
﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾: أي: السفر، والنقل، وما تحمله من أمتعة، وبضائع، وطائرات، وصواريخ في السلم، والحرب تذهل العقول. ولمعرفة معنى النّاس، ارجع إلى الآية (٢١) من نفس السورة.
стр. 276
﴿مِنْ مَاءٍ﴾: ماء المطر، تشير إلى دورة المياه حول الأرض. ارجع إلى سورة النازعات، آية (٣١)، وسورة الحج (٥)، وسورة فصلت، آية (٣٩) لمزيد من البيان.
كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِى السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨].
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾:
﴿فِيهَا﴾: في الأرض.
﴿وَبَثَّ﴾: نشر، وفرق فيها بالتوالد.
﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾: من: استغراقية.
﴿كُلِّ دَابَّةٍ﴾: كل ما يدب على الأرض من حيوان، وإنس، وجنٍّ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث، والدابة في العُرف الخاص، تعني كل ما يدب على الأرض من حيوان. ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٦٠) لمزيد من البيان في معنى دابة، وهل تشمل الإنسان أم لا.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾:
التصريف: لغةً: التغيير؛ أي: تغييرها تارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تؤلف بين السحاب، وتارة تفرق السحاب، وتارة تهب من الغرب، وتارة تهب من الشرق.
﴿الرِّيَاحِ﴾: كلمة الرياح في القرآن تستعمل في سياق الرّحمة. وأما كلمة الريح فتأتي في سياق العذاب، كما سنرى في الآيات الأخرى.
стр. 277
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾: [الحجر: ٢٢].
﴿وَاللَّهُ الَّذِى أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩].
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥].
﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢].
﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧].
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِى سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور: ٤٣].
﴿اللَّهُ الَّذِى يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِى السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [الروم: ٤٨].
لها أوصاف عدَّة عقيماً، أو صراً، أو لينة، أو عاصفة، أو مصفرة، وتصريفها شمالاً، وجنوباً، وشرقاً، وغرباً.
﴿لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: اللام: للتوكيد. وآيات: وردت نكرة؛ للتعظيم، والتضخيم؛ أي: آيات عظيمة دالة على القدرة الإلهية.
﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: اللام في كلمة لقوم: تفيد الاختصاص؛ أي: هذه الآيات تحتاج إلى قوم ينظرون في هذه الآيات، ويتأملونها ويقومون بالاستقراء، والتجربة، والاستنتاج؛ حتّى يصلوا إلى فهم الحقائق العلمية والّتي هي أدلة واضحة على عظمة الخالق، وقدرته، وعلى وحدانيته، ورحمته، وانه هو الخالق البارئ المصور، وأنه هو الإله الحق، ولا إله إلَّا هو.
سورة البقرة [٢: ١٦٥]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا
стр. 278
أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾:
﴿وَمِنَ﴾: الواو: عاطفة. من: ابتدائية (بعض) النّاس. ارجع إلى الآية (٢١) من سورة البقرة للبيان.
وكلمة النّاس: لا تدل على عدد معين، وليست محدودة، وقد تشمل كل النّاس، وكلمة النّاس فيها معنى النوس؛ أي: الحركة، والحركة يتصف بها الجن والإنس.
﴿مَنْ﴾: اسم موصول، يتخذ: من أفعال التحويل والتصيير، اتخذ وتَخِذَ بمعنى واحد، أو أصل واحد، ويختلف معناهما عند أخذ اتخذ على وزن افتعل. فيها معنى التكلف، والجهة والمشقة، كما نرى في أفعال الشر تنفذ بمشقة وصعوبة وجهد، مقارنة بأفعال الخير تنفذ بسهولة، واتخذ فيها معنى الاختيار، والاصطفاء، وليس فيها معنى القهر، والجبر، وكذلك فيها معنى الاستمرار.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: بمعنى من غير، أو سوى، وأصلها ظرف مكان بمعنى تحت.
﴿أَندَادًا﴾: جمع ند، والتناد تعني: التنافر، والتضاد، وقد تعني: المثل (كل من هو مثل)، فكل ند هو مثل، وليس كل مثل ند، وتعني: الشركاء، مثل الأوثان، والأصنام، والطاغوت، والرؤساء. ارجع إلى الآية (٢٢) من سورة البقرة لمزيد من البيان.
﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾: الحب من الأعمال القلبية؛ أي: تعلق القلب أو
стр. 279
الميل إلى الخير أو الشر، والحب له أنواع، منها حب عبادة، أو حب شهوة، وغريزة، أو حب مصلحة ومنفعة، حب عطف ورحمة.
يحبونهم؛ أي: يحبون آلهتهم، كما يحبون الله؛ أي: يحبون كِلا الأمرين يحبون الله، وفي نفس الوقت يحبون آلهتهم، والكاف للتشبيه، وتعني: يسوون بين الأنداد، وبين الله في المحبة، فيعظمون أندادهم، ويتوسلون إليهم، ويتقربون إليهم بالصدقات، والقرابين، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، أو يقربونا إلى الله زلفى.
وجاء بصيغة المضارع؛ لتدل على تجدد الحب والاستمرار عليه.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: من حب هؤلاء لأندادهم.
﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾:
﴿وَلَوْ﴾: شرطية. وجواب الشرط محذوف ليترك لكل ذي عقل أن يتصوره، ويتخيل شدته، وهوله؛ أي: لما أو حين اتخذوا من دون أنداداً، أو لا يعلمون أنّ القوة لله جميعاً.
﴿يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: يرى من الرؤية، والرؤية في اللغة على ثلاثة أوجه:
١ - الرؤية بمعنى العلم، يرى يعلم، كقوله: ونراه قريباً؛ أي: نعلمه قريباً.
٢ - الرؤية بمعنى الظن إنهم يرونه بعيداً؛ أي: يظنون بعيداً.
٣ - الرؤية بالعين رؤية بصرية.
стр. 280
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: أي: الّذين أشركوا (الظلم هنا الشرك) أن الحب لله: هو حب عبادة، ويجب أن يكون لله وحده، وإلا فهو شرك.
﴿إِذْ يَرَوْنَ﴾: إذ: ظرف زمان لما يستقبل من الزمان، (وقد يكون للماضي أحياناً)، وتسمى أحياناً إذ الفجائية؛ أي: يفاجَؤون بالعذاب؛ إذ يرون بعين اليقين يرون حالتهم عند رؤيتهم العذاب يوم القيامة، وقد سبق أن أنذروا به، وهم بالحياة الدّنيا؛ فلم يصدقوا ذلك.
﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: أن: للتوكيد، توكيد القوة لله، وجميعاً لزيادة التّوكيد: أنّ القوة لله جميعاً، وليس لآلهتهم وشركائهم أي قوة، وأنها عاجزة عن دفع العذاب عنهم.
﴿الْقُوَّةَ﴾: القدرة، والمنعة.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: أن: للتوكيد شديد العذاب.
سورة البقرة [٢: ١٦٦]
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾:
﴿إِذْ﴾: الفجائية.
﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾: حالة رؤيتهم العذاب ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾.
التبرأ: البعد، والخلاص، تخلوا عنهم.
﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: هم القادة والرؤساء المضلين، وأئمة الكفر.
﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: الأتباع.
стр. 281
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾: الواو: واو الحال؛ للتأكيد.
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾: بعين اليقين.
﴿وَرَأَوُا﴾: تعود على المعبودين والعابدين (الرؤساء والقادة والأتباع).
﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾: جاء بالفعل الماضي؛ كأنّ الأمر حدث وانتهى، رغم أنه لم يحدث بعد، وسيحدث يوم القيامة.
﴿الْأَسْبَابُ﴾: جمع سبب، والسبب في اللغة: الحبل، ثم استعمل في كل ما يربط بين شيئين، وكل ما يتوصل به إلى مقصد أو غرض، والحبل أحد طرفيه بيد المتبوع، والآخر بيد التابع.
﴿الْأَسْبَابُ﴾: القرابات، والصدقات، والصلات، والعلاقات الّتي كانت بينهم في الدّنيا، وتنحل كل الروابط الاجتماعية يوم القيامة من نسب وصدقات … ولا تبقى إلَّا رابطة الإيمان.
سورة البقرة [٢: ١٦٧]
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾: أي: الأتباع.
﴿لَوْ﴾: حرف تمنٍّ وشرط.
﴿أَنَّ﴾: للتوكيد.
﴿كَرَّةً﴾: رجعة، وعودة إلى الحياة الدّنيا.
﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾: والفاء للتوكيد؛ أي: نتخلَّى عنهم، ونبتعد.
стр. 282
﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾: ﴿كَذَلِكَ﴾: أي: كما أراهم الله العذاب فرأوه بعين اليقين، يريهم الله أعمالهم القبيحة «مثل الشّرك والظلم»، فتكون عليهم حسرات، ويريهم أعمالهم الصالحة الّتي أوجبها عليهم فتركوها، ولم يفعلوها أيضاً.
﴿حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾: والحسرة: هي أشد النّدم، أو الندم الشّديد الّذي يكاد يحسر صاحبه فيقعده عن الحركة والعمل.
﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾: أي: لن يجدي ندمهم في إخراجهم من النّار؛ أي: فهم فيها خالدون.
سورة البقرة [٢: ١٦٨]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِى الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾:
نزلت هذه الآية في ثقيف، وخزاعة، وغيرهما من القبائل الّتي حرمت ما لم يحرمه الله، مثل البحيرة، والسّائبة، والوصيلة، والحام، بعدم ذبحها، أو ركوبها، أو الاستفادة منها. والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾: نداء للناس، ارجع إلى الآية (٢١)؛ لمعرفة معنى النّاس. والهاء في أيها: للتنبيه، والإصغاء، والاستماع لهذا الأمر المهم.
﴿كُلُوا مِمَّا فِى الْأَرْضِ﴾: مما: من + ما، من: ابتدائية للتبعيض؛ لأنّ كلّ ما في الأرض ليس بمأكول.
﴿حَلَالًا﴾: الحلال: ما نص الشّارع على حله، «والّذي لا يتعلَّق به حق الغير»، أما المباح: فهو ما لم ينص الشّارع على تحريمه في حكم عام، أو خاص.
стр. 283
﴿طَيِّبًا﴾: الطّاهر غير النجس، وفيه شيء من اللذة أو تقبله النفس.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة؛ لمعرفة معنى الشّيطان.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة، لا: النّاهية.
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ﴾: جمع خطوة، وهي المسافة بين قدَمي الماشي.
﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾: سبل الشّيطان، وساوس الشّيطان، وهمزاته، ونزغاته، وتزينه.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: إن: للتوكيد، ﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص، لكم: خاصة.
﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ظاهر العداوة، عداوته لا تخفى على أي إنسان، وهو لا يُخفي عداوته، وعداوته ظاهرة وبيِّنة، لا تحتاج إلى مَنْ يظهرها.
سورة البقرة [٢: ١٦٩]
﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾:
﴿إِنَّمَا﴾: كافة مكفوفة تفيد الحصر.
﴿يَأْمُرُكُم﴾: شبه وساوسه وتزينه وإغوائه ونزعه وإضلاله بمنزلة الأمر على سبيل الاستعارة، مثال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النّساء، آية ١١٩].
وهو ليس له سلطان؛ كقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠].
стр. 284
﴿بِالسُّوءِ﴾: الباء: للإلصاق، والاستمرار، والسوء: سمي سوءاً؛ لأنه تسوء عواقبه، أو سمي سوءاً يسوء إظهاره، ويسوء إلى النّفس مثل الغيبة والنّميمة.
﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾: ما يوجب الحد فيه مثل الزّنى، واللواطة، وشرب الخمر.
﴿وَأَنْ﴾: أن مصدرية تفيد التّعليل والتّوكيد.
﴿تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: ويوسوس لكم الشّيطان أن تقولوا على الله ما لا تعلمون: أنّ الله حرم البحيرة والسّائبة والوصية والحام مثلاً، وهو لم يحرم، وأنعام، وحرث لا يطعمها إلَّا من نشاء بزعمهم، وأنعام حُرمت ظهورها، وما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكرنا، ومُحرم على أزوجنا، أو حرم هذا، وهو لم يحرِّمه، أو أحلَّه وهو حرمه. وهكذا …
стр. 285
سورة البقرة [٢: ١٧٠]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾:
﴿وَإِذَا﴾: ظرفية زمانية للمستقبل.
﴿قِيلَ﴾: مبني للمجهول؛ أي: لا يهم من هو القائل، وإنما المهم المقولة هنا.
﴿لَهُمُ﴾: أي: للناس، ومنهم كفار العرب، واليهود.
﴿اتَّبِعُوا﴾: ما أنزل الله لكم في كتابه من رزق هذا حلال، وهذا حرام، ولا تشركوا به شيئاً.
﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: بل حرف إضراب انتقالي، ما اسم موصول، أو مصدرية.
﴿أَلْفَيْنَا﴾: بمعنى وجدنا، وهناك اختلاف بين ألفينا ووجدنا في القرآن الحكيم:
أما ألفينا: تستعمل للأمور المشاهدة؛ أي: المحسوسة، أو المادية، وتستعمل في سياق الذّم، والأمور غير المستحبة.
وأما وجدنا: تستعمل لأفعال القلوب وللأفعال غير المحسوسة، والأمور المحسوسة والمشاهدة، فوجدنا: أعم وأشمل، ولا تستعمل للذَّم الشديد.
﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: الآباء: تأتي في سياق التربية والرعاية، والوالدان: تستعمل
следующие страницы →