← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

﴿قَبْلَ هَذَا﴾: الإنذار؛ أيْ: ترك عبادة الأصنام. ﴿أَتَنْهَانَا﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتعجب. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّوكيد. ﴿نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: ولم يقل: أن نعبد ما عبد آباؤنا، ولكنه جاء بصيغة المضارع للاستمرار في عبادتهم. ما: اسم موصول؛ بمعنى الذي، وما: أوسع شمولاً من الذي. ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾: إننا: إضافة النّون: للتوكيد. ﴿لَفِى شَكٍّ﴾: اللام: للتوكيد، والتّعليل، والشّك: هو استواء طرفي الإثبات، والنّفي؛ لفي شك مما تدعونا إليه مريب: وإننا بكلّ توكيد في شك من عبادة الله وحده، وترك عبادة الأوثان، والأصنام الّتي عبدها آباؤنا. ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾: من الرّيبة: وهي الشّك، والاتهام. لنقارن هذه الآية (٦٢) من سورة هود: ﴿وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾. مع الآية (٩) من سورة إبراهيم: ﴿وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾. إننا: في آية سورة هود فيها توكيد، وتفصيل؛ لأنّ تكذيب قوم صالح أشد من تكذيب الأقوام في سورة إبراهيم. تدعونا: (الّذي يدعوهم هو نبي واحد)، أما تدعوننا: فـ (الأنبياء أو الرّسل الّذين يدعوهم كثرة).

стр. 2207

سورة هود [١١: ٦٣] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى وَآتَانِى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنصُرُنِى مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: قال صالح: يا قوم: نداء فيه تودُّد وحنان. ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾: الهمزة همزة استفهام، تعجُّب، وتقرير، والرّؤية رؤية قلبية، أو فكرية؛ بمعنى: العلم، وبشكل مؤكَّد. ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى﴾: إن: شرطية. ﴿كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى﴾: البيِّنة: الحُجَّة الواضحة، والبرهان القاطع الدّال على وجوب عبادة الله وحده (ناقة الله لكم آية). ﴿وَآتَانِى مِنْهُ رَحْمَةً﴾: قدَّم منه على الرّحمة؛ لأنّ الكلام جاء في سياق قدرة الله، وعظمته، وليس في سياق الرّحمة؛ فقدَّم منه. ﴿مِنْهُ رَحْمَةً﴾: النّبوَّة، وقيل: الهداية إلى الله، وقيل: الإيمان والإسلام، وقد تشمل الكلّ؛ رحمة: جاء بصيغة النّكرة؛ لتشمل أكثر من معنى. ﴿فَمَنْ يَنصُرُنِى مِنَ اللَّهِ﴾: الفاء: للتوكيد، من: استفهامية للعاقل، وتعني: المفرد، أو الجمع. ﴿يَنصُرُنِى﴾: ينجيني من عذاب الله. ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ﴾: إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الشّك في عصيانه؛ أيْ: عدم طاعته. ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِى غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾: ما: النّافية.

стр. 2208

﴿تَزِيدُونَنِى﴾: مضارع، وزيدت فيه نون الوقاية؛ للتوكيد على الزّيادة، أو المبالغة فيها. ﴿تَخْسِيرٍ﴾: تدلّ على الزّيادة في الخسارة، أو الخسران؛ أي: هو أشد الخسارة، ووردت هذه الكلمة تخسير في هذه الآية فقط في كل القرآن. فما تزيدونني غير تخسير. التخسير: يدل على أمرين: أولاً: لم يربح في تجارته، ولم يحافظ على رأس ماله، بل خسر أيضاً رأس ماله. أمّا الفرق بين الخسارة والخسران: فالخسران أقوى وأشد من الخسارة؛ كقوله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الكهف: ٨٢]، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥]. ارجع إلى سورة النساء آية (١١٩)، والآية (٢٢) من نفس السورة للمقارنة، ومعرفة معنى الأخسرون، والخسارة، والخسران. سورة هود [١١: ٦٤] ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾؟ ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ﴾: نداء فيه استعطاف وتودُّد. ﴿هَذِهِ﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة يدل على القرب. ﴿نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾: سمَّاها صالح ناقة الله تشريفاً للناقة الّتي هي معجزة من عند الله؛ فقد طلبوا منه معجزة، أو آية تثبت لهم نبوته فطلبوا أن يخرج لهم من إحدى صخور الجبل الصّماء ناقة، وسنرى ذلك في آيات وسور أخرى، قال: ناقة الله لكم آية: لكم خاصة، وليس لكلّ البشر، ولم يقل: ناقة الله آية لكم؛ لدل ذلك على أنّ الآية لهم ولغيرهم. ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ﴾: وقوله: ناقة الله، أو أرض الله؛ لأنّ كلّ ما في الكون من كائنات، ومملوكات هي لله سبحانه.

стр. 2209

﴿فَذَرُوهَا﴾: اتركوها تأكل مما تشاء، وأين تشاء، وكيف تشاء، وليس عليكم رزقها، أو تدبيرها. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: ولم يقل: لا تقتلوها، بل نهى عن مجرد مس النّاقة بأيِّ سوء، أو أذى، بسوء نكرة مهما كان شكله، ونوعه، ولو كان أدنى القليل، وغيره من أنواع الأذى. والسّوء أعم من القتل؛ أيْ: يشمل القتل. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾: قال لهم صالح هذا بعد أن عقروا الناقة قال: ﴿تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، ولذلك قال تعالى ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾، وفي بداية الدّعوة حذرهم، وقال لهم: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ كما ورد في سورة الأعراف آية (٧٣)، وفي سورة الشعراء آية (١٥٦): ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ كان هذا في نهاية الدعوة والتحدي والإعراض. ارجع إلى سورة الأعراف آية (٧٣) للمقارنة، وإلى الشعراء آية (١٥٦). سورة هود [١١: ٦٥] ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ عقروها: من العقر، والعقر: هو القطع، ويأتي بمعنى الذّبح، ولو قطعَ أيِّ عضو من أعضاء النّاقة يسمى عقراً؛ فهم لم يكتفوا بقطع، أو بتر عضو، بل ذبحوا النّاقة. ﴿فَعَقَرُوهَا﴾: تدل على الجمع قال: عقروها؛ لأنّهم اشتركوا في المؤامرة على عقرها (تسعة رهط)، كما ورد في سورة النمل، الآية (٤٨)؛ أمّا في سورة القمر، آية (٢٩)؛ فتعاطى (أيْ: سيفه)؛ فعقر تدل على الّذي قتل النّاقة هو كما قيل قدار بن سالف. ﴿تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾: أيْ: عيشوا فيها ثلاثة أيّام، وكلوا واشربوا. ﴿فِى دَارِكُمْ﴾: الدّار تعني: البلدة، أو القرية، أما دياركم تعني: المنازل، أو المساكن.

стр. 2210

﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: مكذوب: صيغة مبالغة من كذب؛ أيْ: وعد صادق لا ريب فيه. والوعد عادة يأتي في الخير، واستعماله هنا للتهكم، وهو من قبيل تأكيد الشيء بنفي نقيضه. سورة هود [١١: ٦٦] ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: تدل على التّرتيب، والتّعقيب، والسّرعة (ثلاثة أيّام). ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾: جاء، ولم يقل: أتى؛ لأنّ في المجيء صعوبة ومشقة والإتيان فيه سهولة، وخفة. ﴿أَمْرُنَا﴾: العذاب: هو الصّيحة. ﴿نَجَّيْنَا﴾: ارجع إلى الآية (٥٨) من نفس السّورة. ﴿صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: الّذين تدل على كثرة الّذين آمنوا معه؛ أيْ: اتبعوه. ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: قدَّم الرّحمة هنا لتتسع لمن آمن، ولم يكن تقياً؛ لأنّه في آية أخرى ذكر نجينا الّذين آمنوا، وكانوا يتقون، فذكر الرّحمة هنا أغنى عن ذكرى التّقوى. ﴿وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ﴾: الإذلال، والقهر يوم القيامة. انظر إلى كلمة (يومئذٍ): هذه فقد وردت في سورة المعارج آية (١١) وهي قوله تعالى: ﴿لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾، وإعرابها يكون كالتالي: يوم: مضاف إليه مجرور؛ إذ: ظرف (زماني أو مكاني) مبني على السكون في محل جر مضاف إليه، والتنوين: هو تنوين العوض عن جملة محذوفة مقدرة نجينا، ويومئذٍ: تختلف عن يومئذ كما في الآية (٤٢) من سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ يومَ: ظرف زمان منصوب.

стр. 2211

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾: إنّ تفيد التّوكيد. ﴿رَبَّكَ هُوَ﴾: ضمير فصل للحصر، والتّوكيد. ﴿الْقَوِىُّ﴾: القادر على كلّ شيء كامل القوَّة عظيم القدرة. ﴿الْعَزِيزُ﴾: الغالب لا يُغلب، ولا يُقهر، والممتنع، ولا يكون ذلك إلا بكونه قوياً، ولذلك دائماً يقدِّم القوي على العزيز؛ لأنّ العزة مبنيَّة على القوَّة. سورة هود [١١: ٦٧] ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾: الصيحة: صيحة من السماء؛ ارجع إلى سورة المؤمنون، آية (٤١)؛ للبيان، وأخذ: ولم يقل: وأخذت كما ورد في قوم شعيب في الآية (٩٤) من سورة هود: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، جاء بصيغة التّذكير الّتي تدل على الشّدة، والقوَّة من أخذت بصيغة التأنيث (يستعمل صيغة المذكر مع الأشد)؛ أيْ: أخذ أشد من أخذت. فالصّيحة الّتي حلت بقوم صالح أشد كثيراً من الصّيحة الّتي حلت بقوم شعيب؛ إذن: الموقف مختلف من حيث العذاب وشدته، ونوعه، وسمّى الله سبحانه هذا العذاب بالصّيحة وسمّاه بالرجفة، والطّاغية، والصّاعقة، كما ورد في سورة الأعراف، آية (٧٨): ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، وفي سورة الحاقة، الآية (٥): ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾، وفي سورة فصلت، آية (١٣): ﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾. ﴿فَأَصْبَحُوا﴾: الفاء: تدل على التّرتيب، والتّعقيب. ﴿فِى دِيَارِهِمْ﴾: وقيل: في ديارهم، مساكنهم أو بيوتهم، ولو قال دارهم كما ورد في سورة الأعراف آية (٧٨) تعني: بدلم أو وطنهم؛ فأصابتهم الصّيحة أينما كانوا وأحلوا. وجاءت كلمة الصيحة مصاحبة ديارهم في آيتين في سورة هود (آية: ٦٧، ٩٤)، وجاءت كلمة الرجفة مصاحبة دارهم في ثلاث آيات، وقيل الصيحة أشد من الرجفة في الهلاك والبُعد.

стр. 2212

﴿جَاثِمِينَ﴾: الجاثم: من لزم مكانه، ولم يبرح، أو لصق بالأرض بعد انتزاع روحه. سورة هود [١١: ٦٨] ﴿كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾: ﴿كَأَنْ لَّمْ﴾: الكاف: للتشبيه، وإنّ: للتوكيد، والتّشبيه بكأن أبلغ من التّشبيه بالكاف؛ تفيد التّقريب. ﴿لَّمْ﴾: حرف نفي. ﴿يَغْنَوْا فِيهَا﴾: أيْ: يعمروها، أو يطول مقامهم فيها، ويغنوا من الغناء؛ أي: الوجود، أو الإقامة؛ أيْ: كأن لم يكونوا موجودين، أو أحياءً، أو يغنوا من الغنى، وكثرة المال؛ أيْ: كأنّهم لم يكونوا أغنياءَ، وفي سعة من العيش. فيها: تعود إلى الديار. ﴿أَلَا﴾: أداة تنبيه لما يرد بعدها من الكلام. ﴿إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: ارجع إلى الآية (٦٠)؛ للبيان. ﴿بُعْدًا﴾: ارجع إلى الآية (٦٠) من نفس السورة؛ للبيان. ﴿لِثَمُودَ﴾: اللام: لام الاختصاص، والتّوكيد. سورة هود [١١: ٦٩] ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، اللام: للتوكيد، قد: تزيد التّوكيد. ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾: جبريل ﵇، ومعه ملكان؛ كما جاء عن ابن عباس ﵄. ﴿بِالْبُشْرَى﴾: البشارة بالولد، وهو المرجَّح، وقيل: بهلاك قوم لوط،

стр. 2213

والبشرى عادة هي الإخبار بشيء يَسرُّ قبل أوان وقوعه. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩)؛ للبيان. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾: أيْ: نسلم سلاماً (جملة فعلية تدل على التّجدُّد والتّكرار). ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾: قال إبراهيم رداً عليهم: سلام؛ أيْ: سلام عليكم؛ جملة اسمية تدل على الثّبوت، والجملة الاسمية: أقوى من الفعلية؛ فيكون إبراهيم قد رد التّحية بأحسن منها، كما قال سبحانه في القرآن: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦]. ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، والسّرعة. ﴿لَبِثَ﴾: أسرع بإعداد الطّعام، وإحضاره للضيوف، وهذا دلالة على جوده وكرمه. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري يدل على التّوكيد، أو التّعليل. ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: العجل هو ولد البقرة. ﴿حَنِيذٍ﴾: مشوي على الحجارة المحماة، وقيل: حنيذ يقطر دسماً، وحنذ الشّاة شواها، وفي الذّاريات، الآية (٢٦): ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾: دلالة على كرمه، وحبه للضيف. وحنيذ: لا تعني سمين، سمين تصف العجل، وحنيذ كيف أعده وشواه. سورة هود [١١: ٧٠] ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب، لما: ظرف زماني بمعنى: حين. ﴿رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾: رأى إبراهيم أيديَ الملائكة (وهو لمَّا يعرفهم بعد أنّهم ملائكة) لا تمتد إلى الطّعام لتأكل؛ لأنّ الملائكة لا يأكلون.

стр. 2214

﴿نَكِرَهُمْ﴾: شعر بشيء على غير ما تعهد أنكر عليهم ذلك، لم يصدق ذلك، أو شعر بشيء غير مألوف؛ لأنّ العرف إذا نزل بهم ضيف يأكل ويشرب، ولا يمتنع عن ذلك إلا إذا جاء طالباً شيئاً؛ فلا يأكل حتّى يستجاب لطلبه، ثمّ يأكل، أو إذا جاء ينوي الشّر؛ فإذا أكل أمنوه. ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾: أوجس: أضمر، أو أحس، وشعر بالخوف، حاول أن يضمر، ويخفي شعوره بالخوف منهم، وأن لا يظهر خائفاً، ولكن سرعان ما ظهر الخوف على وجهه، ولم يستطع أن يخفيه؛ فلما رأى الملائكة ذلك قالوا له: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾، وفي آية أخرى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ [الحجر: ٥٣]. أوجس من الإيجاس: من الوجس؛ إضمار الخوف والفزع الّذي يقع في القلب. لنقارن هذه الآية: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ الآية تتحدث عن إبراهيم ﵇. مع الآية (٦٧) من سورة طه: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ الآية تتحدث عن موسى ﵇. ما هو الفرق بين الآيتين: أوجس منهم خيفة؛ أيْ: إبراهيم ﵇ شعر بالخوف من الملائكة، وحاول إخفاءَه في نفسه، وعدم إظهاره للملائكة، ولكن سرعان ما ظهر الخوف على وجهه؛ فعلموا: أنّه خائف؛ فقالوا له: لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط، وتقديم كلمة منهم يدل على أنّ الخوف كان منهم وحدهم لا من غيرهم. بينما في سورة طه: أوجس موسى ﵇ في نفسه خيفة؛ أيْ: شعر بالخوف، وأضمره، وحاول إخفاءَه في نفسه، وعدم إظهاره للسحرة، وبعون الله استطاع موسى إخفاءَه، وعدم إظهاره للسحرة، ولو ظهر على وجه موسى لدلَّ ذلك على ضعف موسى أمام السّحرة، وفرعون، والملأ، والموقف لا يسمح بذلك؛ فهو موقف تحدٍّ وإعجاز.

стр. 2215

إذن الفرق بينهما: إبراهيم ﵇ لم يستطع كتمان خوفه؛ فظهر عليه أنه خائف؛ بينما موسى ﵇ استطاع أن يكتم خوفه عن السّحرة بعون الله. سورة هود [١١: ٧١] ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ﴾: امرأة إبراهيم سارة بنت هاران. ﴿قَائِمَةٌ﴾: وراء الستار، أو الحجاب؛ تسمع كلامهم، أو قائمة تخدمهم، أو قائمة بخدمة الرّسل، وإبراهيم جالس معهم. وقيل: قائمة تصلي. ﴿فَضَحِكَتْ﴾: الفاء: للترتيب والتّعقيب، ضحكت: هو الضّحك المعروف، وهو المرجح. وقيل: الضحك: التعجب. وسبب ضحكها: هو البشارة بالولد، وهي عجوز عقيم، وقيل: إنّ في الآية تقديماً، وتأخيراً؛ أيْ: وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب؛ فضحكت من شدة الفرح بالولد، وابن الولد، وقيل: سبب ضحكها؛ لما علمت ما سيحل بقوم لوط من الهلاك والدّمار، ومن التّفاسير النّادرة ضحكت؛ أيْ: حاضت شعرت بدم الحيض. ﴿فَبَشَّرْنَاهَا﴾: الفاء: تدل على التّعقيب، والتّرتيب، والبشارة: هي الخبر السّار الّذي يُسمع لأوّل مرة، ويؤدِّي إلى ظهور علامات السّرور على بشرة الوجه ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٩). ﴿بِإِسْحَاقَ﴾: الباء: للإلصاق، والتّوكيد، والقرب. ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾: أيْ: من بعد إسحاق ﵇ يعقوب، الوراء: تعني: هنا ولد الولد (يعقوب).

стр. 2216

سورة هود [١١: ٧٢] ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ﴾: ﴿قَالَتْ﴾: سارة زوجة إبراهيم. ﴿يَاوَيْلَتَى﴾: يا: النّداء، ويله: وأبدلت الياء في ويلتي بالألف لمد الصّوت في التّعجب، وكلمة يا ويلتى تقال عند وقوع الأمر العظيم خيراً كان أم شراً، وعند الجزع ووقع الدّاهية العظيمة، يقال للتعجب مما حل به، وقد تعني: يا فضيحتاه، وقد تعني الهلاك؛ أيْ: يا هلاكي (يا أيها الموت) أقبل وخلصني مما أنا فيه، وهو دعاء على النّفس بالويل، والويل من معانيه الهلاك. إذنْ يا ويلتي: للتعجب، أو: يا فضيحتاه، أو: يا هلاكي، والأغلب أنّها قالتها للتعجب. ﴿أَأَلِدُ﴾: الهمزة: للتعجب، والاستبعاد، أألد وأنا عجوز عقيم، أألد وقد بلغني الكبر. قيل: كان عمرها يتجاوز (٩٠ عاماً). ﴿وَأَنَا عَجُوزٌ﴾: أنا: ضمير فصل. عجوز: مشتقة من العجز، والعجز يعني: عدم القيام، والقدرة على الحركة بسهولة. ومن تقدَّم به العمر يصبح عجوزاً، ومن الصعب تحديد عمرٍ محدَّدٍ يطلق فيه على المرأة عجوز. ﴿وَهَذَا بَعْلِى شَيْخًا﴾: وهذا اسم إشارة للقرب؛ لكون إبراهيم قريباً منها. ﴿بَعْلِى﴾: زوجي، ويسمَّى زوج المرأة بعلاً؛ لأنّه القائم على أمر زوجته، فلا يحوجها إلى شيء من الأشياء، ويقال للنخل، أو بعض الزّرع: بالبعل؛ لكونه لا يحتاج إلى مطر، أو سقي، ويكتفي بما يمتصه من الأرض، وقيل: البعال:

стр. 2217

النّكاح، والمباعلة حسن المعاشرة، وامرأة حسنة التبعل؛ أيْ: مطاوعة لزوجها، وفي كلمة البعال: معنى المعاشرة الجنسية الّتي تؤدِّي إلى الإخصاب. ﴿شَيْخًا﴾: الشّيخ: لقب يطلق على الإنسان الّذي تقدَّم في السّن، أو تطلق عليه لمكانته، ولمنزلته بين النّاس. ﴿إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ﴾: إنّ: للتوكيد، هذا: اسم إشارة للقرب، والهاء: للتنبيه. ﴿لَشَىْءٌ﴾: اللام: لام التّوكيد، شيء: أمر عجيب. ﴿عَجِيبٌ﴾: صيغة مبالغة من عجب، وعجيب وعُجاب؛ أيْ: شيء يخالف السّنن الكونية، أو خارقاً للعادة. ارجع إلى سورة ق، آية (٢)؛ للبيان، وسورة (ص) آية (٥) لمعرفة الفرق بين عجيب وعجاب وعجباً. سورة هود [١١: ٧٣] ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: قالوا؛ أي: الرّسل. الهمزة: للاستفهام، فيه معنى النّفي؛ أيْ: لا تعجبين من أمر الله، وقضائه، وقدره. ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾: الرّحمة عامة، وتعني: الإنعام، وجلب ما يَسرُّ، ودفع ما يَضرُّ (الوقاية من الضّرر). ﴿وَبَرَكَاتُهُ﴾: والبركة جزء من الرّحمة، والبركات النّمو، والزّيادة. ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾: أهل البيت: إبراهيم، وزوجته. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾: إنّه: إن: للتوكيد، والهاء: تعود على الله سبحانه، المحمود في أفعاله، يستحق الحمد على الدّوام، على وزن فعيل صيغة مبالغة؛ لأن جميع المخلوقات من أهل السّموات، والأرض تنطق بحمده، ويُحمد على ما له من الأسماء، والصّفات فيحمد لذاته، ويحمد لصفاته، ولأفعاله، وقد تردَّد هذا الاسم حميد سبع عشرة مرة في القرآن المجيد.

стр. 2218

﴿مَّجِيدٌ﴾: أصل المجد الرّفعة، ذو المجد، والرّفعة، والشّرف التام، والكرم، والعظمة، ومجده: عظمته، والثناء عليه. وقيل: المجيد هو الّذي عظم كرمه، وهذه الآية الوحيدة الّتي ذكر فيها هذا الاسم المجيد. سورة هود [١١: ٧٤] ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب. لما: ظرف زماني يعني: حين، ومتضمِّن معنى الشّرط. ﴿ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾: انقباض في النفس منبعه القلق والاضطراب والإنكار الّذي أصاب قلبه، وذهب الغم عنه فرغ للمجادلة؛ راح يجادلنا في قوم لوط. ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾: تذكر، أو خطر على قلبه الخبر السّار الّذي أخبر به الملائكة بأنّ الله سيرزقه الغلام، وأن الملائكة ذاهبون إلى قوم لوط؛ ليرسلوا عليهم حجارة من طين. ﴿يُجَادِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾: لم يبيِّن في هذه الآية نوع الجدال، ولكن بيَّنه في آية أخرى في سورة العنكبوت، الآية (٣١ - ٣٢): ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. والجدال: هو الحوار الّذي يحدث بين طرفين أو أكثر؛ لإثبات حق، أو إظهار حُجة، أو دفع شبهة. سورة هود [١١: ٧٥] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ﴾: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾: لحليم: اللام: لام الاختصاص، والتّوكيد؛ حليم: صفة

стр. 2219

مبالغة من الحلم لا يتسرع يصبر، ولا يتعجل، ولا يغضب بسرعة صبور على الأذى، ولا يستعجل في الانتقام؛ صفوح. ﴿أَوَّاهٌ﴾: كثير التّأوه؛ أي: الخوف، والتّضرع إلى الله، والنّدم على الذنب. ﴿مُّنِيبٌ﴾: سريع التوبة بعد الذّنب، وكثير الرّجوع إلى الله والتّوبة، وفي سورة التوبة آية (١١٤) قال تعالى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ ذكر صفتين من أصل ثلاث صفات لإبراهيم؛ لأن سورة التوبة تتحدث فقط عن استغفار إبراهيم لأبيه (عمه). سورة هود [١١: ٧٦] ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾: أعرض عن الجدال في قوم لوط؛ أيْ: قالت له الملائكة: يا إبراهيم كف عن الجدال في أمر قوم لوط إنّه قد جاء أمر ربك حيث قيل: إنّ إبراهيم لما سمع قولهم إنا مهلكو أهل هذه القرية إنّ أهلها كانوا ظالمين. قال: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا؛ قال: فأربعون؟ قالوا: لا؛ وهكذا عشرون؟ عشرة؟ خمسة؟ قال: فواحد؟ قالوا: لا؛ ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]. هذا قول ابن إسحاق وغيره. ﴿إِنَّهُ قَدْ﴾: إنّ: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، وزيادة التّوكيد. ﴿جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: عذاب ربك، وقضائه، وقدره على قوم لوط. ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾: أي: العذاب نازل بهم لا محالة، وغير مصروف عنهم لا بجدال، ولا بدعاء، أو تحويل، أو تبديل. سورة هود [١١: ٧٧] ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِاءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: لما: ظرف زماني بمعنى: وحين، وفي سورة الحجر آية (٦١) قال

стр. 2220

تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ الفاء: تدل على التعقيب والمباشرة؛ أي: بعد أن تركوا إبراهيم ﵇. ﴿جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِاءَ بِهِمْ﴾: أيْ: ساءَه مجيئهم (أحزنه مجيئهم لعنده)، أو استاء من حضورهم، وأصابه غم؛ لاعتقاده أنّهم بشر، وليس ملائكة، وفي سورة العنكبوت آية (٣٣) قال تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِاءَ بِهِمْ﴾ زاد (أن)؛ ارجع إلى سورة العنكبوت آية (٣٣) للبيان. ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾: لم يعد يُطيق، أو يتحمل وجودهم عنده، ضاق بهم صبره ووسْعُه، خوفاً من عدم استطاعته على تخليصهم من أيدي قومه، أو أذى قومه، ورغبتهم في فعل الفاحشة في هؤلاء الضّيوف. والذّرع: يعني: الطاقة والقدرة؛ لأنّ الذّراع واليد عنوان الطّاقة والقدرة، ووجودهم عنده، ومحاولة حمايتهم من قومه أمر فوق طاقته وقوته. ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: يوم شرُّه عظيم، وعصيب اشتقت من العصابة الّتي يربطها الإنسان على رأسه حين يعاني من شدة الصّداع، وغيره، أو عصيب مشتقة من العصب، وجمعها الأعصاب، ويعني: يوم مليء بالصداع؛ أي: هذا يوم شديد شره وبلاؤه. سورة هود [١١: ٧٨] ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: يُسرعون إليه (يهرولون)، ويحث بعضهم بعضاً مندفعين إلى دار لوط بدافع الشّهوة، أو بجرأة، ونشاط، وقيل: الأصل في كلمة يُهرعون: جاءت من مشي الأسير الّذي يُسرع به. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾: أيْ: من قبل مجيء هؤلاء الملائكة، أو من قبل مجيء قوم لوط مسرعين إلى منزله وضيوفه.

стр. 2221

﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: يعملون: يقولون، ويفعلون. السّيئات: فعل الفاحشة، والمنكرات في ناديهم. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: قال لوط لهم عندما وصلوا إلى منزله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾: الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة للقرب. ﴿بَنَاتِى﴾: قيل: نساء قومه، أو بناته من صلبه. بناتي جمع بنت، فتزوَّجوهن؛ لأنّ كلّ نبي يعتبر أبو أمته، وكان تزويج المسلم من الكافر جائزاً آنذاك، ولم يكن تشريع التّحريم قد نزل بعد؛ قاله الحسن، أو كان هذا بشرط إسلامهم؛ قاله الزجاج. ﴿هُنَّ﴾: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتّوكيد. ﴿أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: بالزّواج، وأطهر من اللواط. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: خافوا الله، خافوا نقمته وعقابه، وأطيعوا أوامره، واجتنبوا الفاحشة. ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى﴾: لا: النّاهية، تخزوني: من الخزي، وهو الفضيحة أمام النّاس، والهوان، والذّل، والعار؛ أيْ: لا تفضحوني أمام النّاس، وتجعلوا عليَّ العار. ﴿ضَيْفِى﴾: تطلق على المفرد، والمثنى، والجمع. ﴿أَلَيْسَ﴾: استفهام فيه معنى التّعجب، والتّوبيخ. ﴿مِنكُمْ﴾: أيْ: من القوم، من قوم لوط أنفسهم منكم خاصة. ولم يقل: أليس فيكم؛ فيكم: قد تعني: رجل زائر، أو قادم إليهم، أو كائن بينهم، وليس من قوم لوط. فيكم: ولأن فيهم لوطاً، أو أهله. ﴿رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾: رجل صالح مستقيم؛ أيْ: ذو صلاح، واستقامة، ورشيد

стр. 2222

من الرّشد، والرّشد: هو الصّلاح، والاستقامة في الدّين، وتعني: المرشد الدّال على الخير، والمعروف. سورة هود [١١: ٧٩] ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾: ﴿قَالُوا لَقَدْ﴾: قال: قوم لوط للوط: لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق (زيادة التّوكيد). ﴿عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾: من حق: من حاجة؛ أيْ: أنت تعلم أننا لا نريد بناتك؛ لأننا ليس لنا رغبة فيهنَّ، أو الزواج بهنَّ. ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾: إنّك: إنّ: للتوكيد؛ لتعلم: اللام: للتوكيد؛ تعلم ما نريد: أيْ: ضيوفك الرّجال للقيام بالفاحشة. سورة هود [١١: ٨٠] ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: ﴿قَالَ لَوْ﴾: قال لوط؛ لو: شرطية للتمني حرف امتناع لامتناع ﴿أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، والجواب: محذوف، تقديره: لمنعتكم من ارتكاب هذه الفاحشة. ﴿أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً﴾: أنّ: تفيد التّوكيد. ﴿لِى بِكُمْ قُوَّةً﴾: أيْ: قوَّة تنصرني عليكم، أو أدافع بها. ﴿أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أو: للاختيار؛ آوي إلى ركن شديد: ألجأ، أو لي عشيرة قوية تنصرني عليكم، أو تحمني، وتحمي ضيوفي. وقد تعجب رسول الله ﷺ من قول لوط، فقال: «رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد». رواه البخاري، والإمام أحمد في مسنده. سورة هود [١١: ٨١] ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ الَّيْلِ وَلَا

стр. 2223

يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾: قالوا؛ أي: الملائكة. ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾: وهكذا أخبر الملائكة لوطاً ﵇ لأوّل مرة بأنّهم رسل من الله. ﴿رُسُلُ رَبِّكَ﴾: رُسُل: جمع رسول، أو مرسل من ربه، ويدل على أنّهم ثلاثة، أو أكثر. ﴿لَنْ﴾: حرف نفي للمستقبل القريب، والبعيد. ﴿يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾: بأيِّ سوء بسببنا، ثمّ أخبرته الملائكة أيضاً. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾: من أسرى: السّير ليلاً، والباء: معناها المصاحبة، فأسر بأهلك؛ أي: اخرج ليلاً، وهناك فرق بين أسرى: سار أول الليل، وسَرَى: سار آخر الليل. ﴿بِقِطْعٍ مِنَ الَّيْلِ﴾: قطعٍ: جمع قطعة؛ أي: جزءاً؛ أي: أسر بأهلك في جزءٍ من الليل، أو من آخر الليل. ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾: لا: النّاهية؛ لا يلتفت ورائه التفات حسي. ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾: أيْ: لا تَسْرِ بها، ولا تخرج معكم؛ إنها من الغابرين؛ أي: الهالكين، فهذا الاحتمال هو الأقوى. أو أسر بأهلك إلا امرأتك: الاستثناء متعلِّق بالإسراء، وقد يحتمل الاستثناء أن يكون متعلِّقاً بكلمة يلتفت؛ فيكون المعنى: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، وعلى هذا تكون قد سرت معهم، ولكنها التفتت فأصابها العذاب، وهذا احتمال ضئيل. وإذا قارنا هذه الآية مع الآية (٦٥) من سورة الحجر وهي قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ الَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ

стр. 2224

تُؤْمَرُونَ﴾ ففي هذ الآية لم يذكر إلا امرأته؛ لأن ذكرها جاء في الآية (٥٩ - ٦٠) من سورة الحجر حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾، وأيضاً في سورة الحجر أضاف قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ فهذا يدل على أن لوطاً يمشي ورائهم ويعلم أن امرأته ليست معهم. ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾: إنّه: للتوكيد. ﴿مَا﴾: بمعنى: الّذي. ﴿أَصَابَهُمْ﴾: رغم كونه لم يحدث بعد جاء به بالفعل الماضي، وكأنّه حدث وانتهى. ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾: ردّاً على سؤال لوط للملائكة عن وقت إهلاكهم، موعدهم الصّبح، واختار الصّبح؛ لأنّه وقت النّوم العميق، والهدوء، وعلى غير استعداد؛ فيكون العذاب أشد فيوقظهم من نومهم. ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾: الهمزة: استفهام تقريري. ﴿الصُّبْحُ﴾: هو الزّمن الّذي يلي الفجر، ويطلق على أول النّهار، وفي سورة الحجر آية (٧٣) قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ فإذا جمعنا بين الاثنين نجد أن عذابهم ابتدأ الصبح، واستمر حتى شروق الشمس، فآية هود تدل على زمن بدء العذاب، وآية الحجر تدل على زمن انتهاء العذاب.

стр. 2225

سورة هود [١١: ٨٢] ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾: ﴿فَلَمَّا﴾: الفاء: للمباشرة، والتّعقيب؛ لما: ظرفية بمعنى: حين. ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾: عذابنا. ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾: جعلنا: قرى قوم لوط عاليها سافلها؛ أيْ: قلبناها انقلاباً تاماً بعد رفعها إلى أعالي السّماء، ثمّ قلبها، وتركها تهوي على الأرض، ولذلك سميت المؤتفكات في سورة براءة آية (٧٠) ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾: وأمطرنا على هذه القرى بعد تدميرها حجارة، والحجارة كانت من سجيل منضود، وقوله تعالى: (عليها): تعني على قرى قوم لوط، والقرية: تعني أهلها ومنازلها؛ أي: المطر أصاب الكل، وفي سورة الحجر آية (٧٤) قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ ففي هذه الآية عاد وذكر أهلها للاهتمام والتوكيد، وإذا علمنا أن سورة هود نزلت (ترتيب النزول) قبل سورة الحجر (أي: ذكر الخاص بعد ذكر العام). ارجع إلى سورة الأعراف آية (٨٤) لمزيد من البيان. ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾: حجارة من طين طبخت بالنّار بدليل الآية الأخرى في سورة الذّاريات، الآية (٣٣): ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾: طين قد تحجَّر، ولعلها تُشبه الأستروئيد الّتي هي أجزاء من الكواكب المتناثرة الّتي تسقط على الأرض.

стр. 2226

﴿مَّنضُودٍ﴾: متتابع في النّزول، من النّضد: وهو وضع الشّيء بعضه على بعض؛ نضده: فهو منضود. ارجع إلى سورة الحجر، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان، وسورة النحل آية (٥٨). وقد أثبتت الدراسات العلمية على هذه الحجارة الّتي لا زال بعضها موجود إلى يومنا هذا في مناطق قرى لوط أنها حجارة مركبة من كيماوية خاصة لا تخص الأرض. سورة هود [١١: ٨٣] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾: معلَّمة لها علامة خاصة مميزة، أو مسوَّمة معروفة من أيِّ الكواكب انفجرت، أو مركبة من معادن خاصة مميزة. ﴿وَمَا هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: أيْ: ليس قرى لوط من كفار قريش. ﴿الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: ولم يقل: ببعيدة، وفي هذا تحذير وتنبيه لكفار مكة بأن يأخذوا ما وقع لقوم لوط بحذر وعبرة، وما هي من الظالمين ببعيد، قد يعني: كلّ ظالم، ويعني: اليهود، أو قوم لوط أنفسهم. سورة هود [١١: ٨٤] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾: وأرسلنا إلى مدين: اسم قبيلة؛ قبيلة مدين بن إبراهيم ﵇، أو اسم لمدينة مدين نسبة إلى مدين بن إبراهيم ﵇، ثمّ انتقل اسمه فأطلق على اسم قبيلته، أو اسم مكان إقامتهم؛ كقوله: ولما ورد ماء مدين، فصارت مدين علماً على المكان، أو القبيلة، ومدين نبع قرب البحر الأحمر.

стр. 2227

﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾: شعيب: هو النّبي العربي الّذي أرسل إلى قبيلة مدين، أو أرسل إلى مدينة مدين كلاهما صحيح، وسُمِّي أخاهم؛ لأنّه نشأ بينهم، وتحلَّى بعادتهم؛ فهم يعرفونه بأخلاقه وسيرته، بينما في سورة الشعراء آية (١٧٦ - ١٧٧): ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ ولم يقل أخوهم شعيب كما قال في آية هود؛ لأن شعيب ليس من أصحاب الأيكة؛ أي: ليس له نسب فيهم، وإنما أرسل إليهم كما أرسل إلى أصحاب مدين. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: وبدأ دعوته لقومه كما بدأ غيره من الرّسل بدعوتهم إلى عبادة الله وحده (لا إله إلا الله)، كما فعل كلّ رسول حيث كان أهل مدين يعبدون الأصنام، ويمتازون بالغش في الأسواق، والتّجارة، وكانوا يقطعون الطّرق، ويفسدون في الأرض بالقتل والسرقة، والتّطفيف في الميزان، والمكيال. فشعيب أرسل ليصلح الحالة الاقتصادية السيئة، والفساد في الأرض الّذي يقوم به قومه؛ بينما لوط أرسل ليصلح حالة اجتماعية فاسدة، وهي اللواطة، والمنكر، إضافة إلى الدّعوة إلى الله. ﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة؛ لا: النّاهية. ﴿تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾: الخطاب موجَّه إلى كلّ من البائع، والمشتري معاً؛ بعدم التّلاعب بالمكيال، والميزان بالزّيادة، أو النّقص؛ سواء حين البيع، أو حين الشّراء. ﴿الْمِكْيَالَ﴾: هو كلّ شيء يكال به من قمح، أو زبيب، أو تمر، أو حليب، أو غيره يسمَّى المكيال.

стр. 2228

﴿وَالْمِيزَانَ﴾: كلّ شيء يوزن به سُمِّي الميزان؛ لوزن السّلع، والبضائع، والذّهب، والفضة … وغيرها. فقد كان بعضهم إذا باع أنقص من الوزن، أو المكيال للمشتري، وإذا أراد أن يشتري البضاعة زاد في الوزن، أو المكيال؛ كي يأخذ أكثر من حقه من البائع، فجاءت هذه الآية تأمر كلّ إنسان أن يأخذ حقَّه فقط. ﴿إِنِّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾: إنّي: توكيد. ﴿أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: في سعة من الرّزق، والنّعمة، والبركات؛ يُغنيكم عن التّطفيف في المكيال والميزان. ﴿وَإِنِّى﴾: توكيد. ﴿أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾: إذا لم تؤمنوا، وتنتهوا عن البخس، والنّقص. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾: صفة لليوم؛ أيْ: يوم مهلك لكل شيء، وقيل: هو صفة للعذاب، وهذا أبلغ عذاب محيط بكلّ فرد لا ينجو منه أحد. سورة هود [١١: ٨٥] ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾: ويكرِّر شعيب عليهم الأمر نفسه؛ لأنّ النّهي عن النّقصان يعني: الإيفاء بالوزن والمكيال؛ للتوكيد، وزيادة التّرغيب في القيام بذلك. وإيفاء المكيال والميزان بالقسط أمر واجب، وبالقسط يعني: إقامة العدل، وتطبيقه.

стр. 2229

﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾: لا: النّاهية؛ البخس: النّقصان؛ أي: ولا تنقصوا النّاس بالظّلم بالغش، والخداع، أو الغصب، وأشياء مفردها شيء، وتعني: جنس تمر قمح، أو ثمر، أو مال، أو أجر يشمل كلّ شيء، ومهما كان نوعه، وقليلاً، أو كثيراً. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: لا: النّاهية؛ تعثوا: من عثا يعثو؛ يعني: أفسد أشد الفساد؛ أيْ: ولا تفسدوا في الأرض بالسّرقة، أو القتل، أو الاغتصاب، والرّشوة، وأكل أموال النّاس بالباطل. ﴿مُفْسِدِينَ﴾: خارجين عن ضوابط الشّرع، والاستقامة، والتّوحيد، والسّلوك. ارجع إلى سورة البقرة آية (٢٥١) للبيان. ﴿أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾، بينما في سورة الأنعام، والإسراء: الأنعام: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ [آية: ١٥٢]. الإسراء: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [آية: ٣٥]. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾؛ أيْ: وقت كيلكم، على سبيل التّأكيد، وعدم تأخيره. سورة هود [١١: ٨٦] ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾: اسم مصدر من بقي، ما بقي لكم بعد إيفاء المكيال، والميزان بالقسط، كثيراً كان أو قليلاً خير لكم؛ لأنّه من الحلال، وهو أفضل مما تأخذونه من الحرام؛ فأيُّ سحت، أو حرام لا يبارك الله فيه، أو تعني: ما يبقى لكم عند الله من الصّالحات. وانظر إلى كيفية كتابة (بقيت) في هذه الآية بالتاء المفتوحة،

стр. 2230

وانظر إلى كيفية كتابة (بقية) في الآية (١١٦) من نفس السورة ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ بالتاء المربوطة، وكذلك في آية (٢٤٨) من سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى﴾؛ فهذا يدل على قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وإذا نظرنا إلى السياق نجد (بقيت) بالتاء المفتوحة: جاءت في سياق كثرة البقية أو (المعنوية)، و (بقية) بالتاء المربوطة: جاءت في سياق القلة: قلة البقية، أو في سياق الأمور المحسوسة أو المادية. ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾: إن: شرطية. ﴿كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: بشرط أن تؤمنوا؛ أيْ: تصدقوا بما أقول لكم وأدلكم عليه، وتؤمنوا بالله وحدَه. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾: وما بعثت رقيباً على أعمالكم، أو محصيها لكم، ولا لأحفظها عليكم، وأحاسبكم عليها إنما أنا مبلغ، ومنذر، وما أنا قادر على حفظكم من عذاب الله إن حلَّ، أو نزل بكم. سورة هود [١١: ٨٧] ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَاؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَّفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَاؤُا﴾: الهمزة: همزة استفهام إنكاري، وتهكُّم؛ تعني: الصّلاة العادية؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ حيث كان شعيب كثير الصّلاة قالوا ذلك من قبيل الاستهزاء والسّخرية.

стр. 2231

وقيل: الصّلاة: الدِّين؛ لأنّ الصّلاة هي عماد الدّين؛ أيْ: أدينك يأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو الصّلاة العادية. ﴿أَنْ﴾: حرف مصدري تفيد التّوكيد. ﴿مَا﴾: اسم موصول؛ أي: الّذي يعبدُ آباؤنا؛ أيْ: نترك عبادة آبائنا، أو معبود آبائنا، أو نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء من تطفيف، وبخس، أو ما نشاء من الأشياء الحلال، أو الحرام. ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: قول تهكُّم وسخرية، فهم لا يؤمنون به أصلاً، وبأنّه الحليم الرّشيد. ﴿إِنَّكَ﴾: إن: للتوكيد. ﴿لَأَنْتَ﴾: اللام: لام الاختصاص، وظاهر الآية الكريمة وحقيقتها الاستهزاء؛ أيْ: قالوا ذلك استهزاء به. ﴿الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: الحليم: من الحلم، وهو الأناة، والتّريث، وضبط النّفس، وعدم الغضب، وبعيد عن الحمق، والسّفه. ﴿الرَّشِيدُ﴾: الرّجل الصّالح المستقيم، أو ذو الصّلاح، والاستقامة، أو المرشد الدّال على الخير، والحلال، والطّيب؛ الرّشد: ضد السّفه. سورة هود [١١: ٨٨] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّى﴾: ارجع إلى الآية (٦٣) من نفس السورة؛ للبيان.

стр. 2232

﴿وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾: رزقني منه النّبوَّة، والعلم، والمعرفة. ﴿رِزْقًا﴾: نكرة تشمل كلّ أنواع الرّزق بما فيه المال، والطّعام، والملبس، والأهل. ﴿حَسَنًا﴾: الرّزق الحلال الطّيب الواسع، وتعني: كذلك المال وغيرها. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: أيْ: ما النّافية؛ أيْ: ليس في نيتي. ﴿إِنْ﴾: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد؛ أن أنهاكم عن أمر، أو شيء، وأفعله، وإنما أنهى نفسي أوّلاً عن فعله، ثمّ أنهاكم عنه، أو كيف آمركم بالبرّ وأنا لا أفعله، كما جاء في قوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾: إن: حرف نفي أقوى في النّفي من حرف ما؛ أيْ: ما أريد إلا الإصلاح. ﴿أُرِيدُ إِلَّا﴾: إلا: أداة حصر. ﴿الْإِصْلَاحَ﴾: ما أريد إلا محاربة الفساد، وأكل أموال النّاس بالباطل، والبخس، والتّطفيف والدّعوة إلى الله وحدَه، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر. ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾: ما: حرف مصدري؛ استطعت: أيْ: سأحاول بقُصارى جهدي، واستطاعتي. ﴿وَمَا تَوْفِيقِى إِلَّا بِاللَّهِ﴾: الواو عاطفة؛ ما: النّافية. وما توفيقي: للقيام

стр. 2233

بالإصلاح، ومحاربة الفساد، وقدرتي على إتمام ذلك يتوقف على تيسير الله، وعونه لي. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر، وقصر. ﴿بِاللَّهِ﴾: الباء: باء: الإلصاق، والتّوكيد. ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: عليه أعتمد، وأفوض جميع أموري إليه؛ أيْ: أطلب منه العون في كلّ عمل بعد أن أقدِّم الأسباب الضّرورية. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: إليه تقديم الجار، والمجرور؛ يفيد الحصر. الإنابة: سرعة الرّجوع إلى الله، وتفيد الكثرة والإنابة، سواء أكانت بسبب ذنب، أم بدون ذنب؛ أي: الرجوع إلى الله بعد كل قول أو فعل، وأما التوبة: الرجوع إلى الله بعد صدور الذنب من العبد، والندم وعدم الرجوع إلى الذنب، والإكثار من العمل الصالح.

стр. 2234

سورة هود [١١: ٨٩] ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾: ﴿وَيَاقَوْمِ﴾: نداء فيه تودُّد، واستعطاف، والقوم: هنا تشمل الرّجال، والنساء. ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا: النّاهية. ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: مشتقة من أجرمه؛ أيْ: دفعه، وحمله على فعل الجرم، أو الذّنب، والظّلم. ﴿شِقَاقِى﴾: لا يجرمنكم شقاقي: لا تدفعنَّكم، أو تحملنَّكم عداوتي، أو خلافي معكم، أو بغضكم لي على ارتكاب ما حرم الله تعالى من الشرك، وعدم القسط في الميزان والمكيال، والفساد، فخاف شعيب أن تكون دعوته للإصلاح سبباً؛ لإصرارهم على الكفر، والفساد، والمعصية؛ فيصيبهم مثل ما أصاب الأقوام الأخرى. ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾: أن: حرف مصدري؛ يفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿مِّثْلُ مَا﴾: ما: اسم موصول؛ أيْ: كالّذي أصاب قوم نوح من الغرق. ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾: من الرّيح الصّرصر العاتية، أو قوم صالح من الرّجفة. ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾: الواو: استئنافية؛ تفيد الاهتمام. ما: النّافية؛ أيْ: وما حدث لقوم لوط من الهلاك، والدّمار ليس ببعيد زماناً، ولا مكاناً؛ أيْ: منذ زمن قريب، ولا يبعدون عنكم كثيراً.

стр. 2235

سورة هود [١١: ٩٠] ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾: ارجع إلى الآية (٣ و ٦١) من سورة هود. ﴿إِنَّ رَبِّى﴾: للتوكيد. ربي: الخالق المدبر الرَّزَّاق. ﴿رَحِيمٌ﴾: صيغة مبالغة؛ كثير الرّحمة؛ رحيم لمن تاب، وآمن؛ أيْ: بالمؤمنين. ﴿وَدُودٌ﴾: صيغة مبالغة لفعل ودَّ يودُّ؛ أيْ: كثير الود، والود هو المحبة كثير الحب لعباده المؤمنين، والصّابرين، والصّادقين، والمحسنين، والوداد: هو صفو المحبة، وخالصها، ولبها، ولا ينشئ الود إلا من المحبة. الودود: ذكر هذا الاسم مرتين فقط في القرآن فقرنه بالمغفرة، والرّحمة، فقال: ﴿إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: ٩٠]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤]. سورة هود [١١: ٩١] ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ﴾: قال: الّذين استكبروا وكفروا من قومه. ﴿يَاشُعَيْبُ﴾: ياء النّداء؛ للبعيد. ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾: ما: النّافية للحال، ما نفقه؛ أيْ: ما نفهم؛ أي: ما نعلم معنى ما تقول، والفقه هو الفهم الدّقيق الذي يحتاج إلى التأمل والنظر، ومن ثم الاستنباط والوصول إلى الحكم؛ أيْ: ما نعرف صحَّة ما تقول عن التّوحيد، والتّطفيف في الميزان، والاستغفار والتوبة والإنذار والرزق الحسن؛ أي: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾. وقالوا ذلك استهانة به، ولأنّهم لم يعبؤوا بوعظه لهم. ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ﴾: وإنا للتوكيد؛ لنراك: اللام: لزيادة التّوكيد.

стр. 2236

﴿فِينَا ضَعِيفًا﴾: أيْ: لا قوَّة لك إن أردنا إيقاع الأذى بك، وقيل: كان أعمى ضريراً. ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾: لولا: شرطية. ﴿رَهْطُكَ﴾: الرّهط: جماعة ما بين (٣ - ١٠)، أفراد، وقلة الرهط تدل على القلة مقارنة بالقوم؛ قالوا ذلك لا خوفاً من هؤلاء الرّهط، وإنما رأفة بهم؛ لأنّهم من الأقارب، أو أبناء القبيلة، والعشيرة، وقالوا ذلك لكي يقلِّلوا عدد من اتَّبعه. ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾: لقتلناك. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾: وما: النّافية. ﴿أَنْتَ﴾: ممتنع علينا، أو ما أنت بغالٍ علينا، أو مكرم، وأرادوا القول، لكن رهطك هم من يعزون علينا، وهذا ما يدل عليه قوله رداً عليهم أرهطي أعزُّ عليكم من الله. سورة هود [١١: ٩٢] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ﴾: نداء فيه نوع من الحنان، والعطف. ﴿أَرَهْطِى﴾: الهمزة: استفهام إنكاري؛ أيْ: عشيرتي، أو أتباعي. ﴿أَعَزُّ عَلَيْكُم مِنَ اللَّهِ﴾: أرهطي أهم؛ وأعزُّ عندكم، وأكرم منزلة، ودرجة من الله. ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: واتخذتموه؛ أيْ: جعلتموه. ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: أيْ: رميتم الإيمان بالله وراء ظهوركم، وعصيتموه، ولم تعبدوه. ﴿إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: إنّ: للتوكيد.

стр. 2237

﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق؛ ما: اسم موصول؛ بمعنى: الّذي. ﴿تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: تعملون: تقولون، وتفعلون؛ محيط: عالم بأعمالكم، ومحيط بها، وسيجازيكم عليها. سورة هود [١١: ٩٣] ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: ثمّ يناديهم شعيب بعد أن رأى إصرارهم على الكفر، وعدم جدوى الموعظة لهم. ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: المكانة قد تعني المنزلة، أو تعني المكان مثل مقام ومقامه؛ فيكون معنى الآية: استمروا على حالكم من الشّرك، والكفر، والشّنآن لي، أو اعملوا ما في وسعكم، أو استطاعتكم من الشّرك والكفر. ﴿إِنِّى عَامِلٌ﴾: وأنا سأعمل جهدي، واستطاعتي على الإصلاح، والتّبليغ، والدّعوة إلى الله. ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ﴾: سوف للاستقبال البعيد، وفي الآية (٣٩) من نفس السورة قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، والآية (٣٩) من سورة الزمر؛ ارجع إلى سورة الزمر آية (٣٩). ﴿تَعْلَمُونَ مَنْ﴾: مَنْ: اسم موصول، أو استفهامية. ﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾: أيْ: يُذله، ويفضحه؛ يذله في الدّنيا، ويأتي وقد يذهب، وليس بالضّرورة الحلول والبقاء، والحلول يعني: الاستمرار، والدّوام، والثّبات؛ لأنّه لم يقل: ويحل عليه عذاب مقيم؛ أيْ: مستمر الثّبوت والدّوام، فهذا يحدث في الآخرة. أما عذاب الدّنيا: فيه خزي، ذل، وإهانة، ويزول، وغير مقيم، ثمّ يأتي عذاب الآخرة بعد ذلك الّذي هو عذاب مقيم لا يزول، ولا يتغيَّر، أو ينقص.

стр. 2238

﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾: أيْ: من هو على حقٍّ، ومن هو كاذب، أو على ضلال. ﴿وَارْتَقِبُوا﴾: انتظروا العاقبة، والمآل، والمصير لكم ولنا. ﴿إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: الرّقيب: المراقب الّذي يرقب الآخر؛ لئلا يخفى عليه فعل من أفعال الّذي يراقبه. لنقارن هذه الآية (٩٣) من سورة هود: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. مع الآية (٣٩) من سورة الزّمر: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. للمقارنة ارجع إلى سورة الزّمر، الآية (٣٩). ولنلاحظ: أنّه دائماً يأتي بذكر إحدى العاقبتين دون ذكر الثّانية، ويقال لهذا تعريض أبلغ من التّصريح؛ مثال: سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه، ولم يقل: ومن تكون له عاقبة الدّار (حذف ذلك). سورة هود [١١: ٩٤] ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: ﴿وَلَمَّا﴾: الواو: استئنافية؛ لما: ظرفية زمانية؛ بمعنى: حين متضمنة معنى الشّرط، ولم يقل: فلما؛ لأنّ لما: فيها ترتيب، وتراخٍ في الزّمن. أما (فلما) الفاء: للتعقيب والمباشرة ليس فيها تراخي في الزمن. ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾: ارجع إلى الآية (٦٦) من نفس السّورة. ﴿أَمْرُنَا﴾: أي: الصيحة. ﴿نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: ارجع إلى الآية (٥٨) من نفس السّورة.

стр. 2239

﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: الصيحة: من السماء. ارجع إلى الآية (٦٧) من نفس السّورة؛ للبيان، والآية (٩١) من سورة الأعراف، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. ﴿فَأَصْبَحُوا فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: ملقون على الأرض لا يتحركون هامدين ميتين؛ في ديارهم: أي: في مساكنهم، ولم يقل في دارهم؛ أي: بلدهم، أو موطنهم؛ فالرجفة (الزلزلة الشديدة) ذكرها مع دارهم، والصيحة ذكرها مع ديارهم؛ لأن الصيحة أعم وأقوى من الرجفة. سورة هود [١١: ٩٥] ﴿كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: ﴿كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ﴾: ارجع إلى الآية (٦٨) من نفس السّورة؛ للبيان. ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: البُعد: يعني الهلاك؛ أيْ: هلاكاً لمدين، كما هلكت ثمود، أو طرداً من رحمة الله. ارجع إلى الآية (٦٠) من نفس السّورة؛ لمزيد في معنى (بُعداً). سورة هود [١١: ٩٦] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: ﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية؛ لقد: اللام: للتوكيد، وقد: للتحقيق، وزيادة التّوكيد. ﴿أَرْسَلْنَا﴾: ولم يقل: بعثنا؛ الإرسال: ارجع إلى الآية (١١٩) من سورة البقرة؛ للبيان. ﴿مُوسَى﴾: موسى بن عمران رسول الله إلى بني إسرائيل. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: الآيات التّسع: العصا، واليد، والطّوفان، والجراد، والقمل، والضّفادع، والدّم، والسّنين، ونقص من الثّمرات، وقدم موسى على الآيات

стр. 2240

للاهتمام، ولم يقل بالآيات، وإنما أضافها إليه؛ للدلالة على عظمتها، وهذه الآيات: هي المعجزات، وهناك آيات كونية، وآيات التّوراة. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾: السّلطان: هو الحُجَّة القوية، أو الدّليل القاطع على صدق رسالة موسى ونبوته، ووحدانية الله، وربوبيته وبطلان ألوهية فرعون، والسّلطان يقسم إلى: سلطان الحُجَّة، والدّليل والبرهان، وسلطان القوَّة، والقهر. ﴿مُبِينٍ﴾: المبين الظّاهر الجلي؛ لكلّ فرد، والّذي تأكد بالحس، ولا يحتاج إلى من يثبته، أو يحتاج إلى دليل آخر. سورة هود [١١: ٩٧] ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيهِ﴾: وملئه: الملأ هم أشراف القوم القادة والرّؤساء واشتقت الكلمة الملأ؛ لأنّ هؤلاء النّاس يملؤون عيون النّاس، ويتصدرون مجالسهم وتنظر إليهم العيون مثل (النّواب وممثلي الشّعب)، وأعضاء الحكومة والوزراء؛ الّذين يظهرون على وسائل الإعلام كلّ يوم. ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: أطاعوا ما أمرهم به فرعون، واتخذوه إلهاً، ولم يتبعوا ما أمرهم به موسى. ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: ما: النّافية، أمر فرعون ما يدعو إليه باتخاذه إلهاً، أو أنا ربكم الأعلى، أو ما علمت لكم من إله غيري؛ أيْ: ما كان منهج فرعون ﴿بِرَشِيدٍ﴾: الباء: للإلصاق، بسديد، أو ذي رشد وهدى، وإنما هو منهج ضلالٍ، وغيٍّ وباطلٍ، وجهلٍ، وفسادٍ.

стр. 2241

سورة هود [١١: ٩٨] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يتقدَّم قومه، أو يقود قومه يوم القيامة فرعون أولاً، ومن ورائه قومه الكل يساقون إلى جهنم. ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة يدخلون النّار مباشرة من دون تأخير، وأوردهم: فعل ماض يدل على أنّه قد حدث وانتهى دخولهم فيها. ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ﴾: بئس: فعل ذم (ساء وقبح). الورد: النّار؛ شبه النّار يوم القيامة بماء يورد للشرب من منبعه؛ أيْ: بئس الورد: الماء (أي: النّار). ﴿الْمَوْرُودُ﴾: المكان النّبع؛ أيْ: بئس الماء ومنبعه الّذي وردوه؛ فيكون المعنى: بئس النّار، وبئس مكانها، ودركاتها؛ فلو كان أمر فرعون برشيد؛ لما دخلوها. سورة هود [١١: ٩٩] ﴿وَأُتْبِعُوا فِى هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾: ﴿وَأُتْبِعُوا فِى هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: طاردتهم، أو صاحبتهم لعنة الله في هذه الحياة الدّنيا؛ لعنة: أيْ: طُردوا وأُبعدوا عن رحمة الله في الحياة الدّنيا، وكذلك يوم القيامة تصاحبهم، وتطاردهم لعنة الله. ﴿لَعْنَةً﴾: نكرة من الله، ومن الملائكة، ومن النّاس أجمعين. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ﴾: بئس: فعل ذم؛ أيْ: ساء. الرّفد: العطاء؛ أيْ: بئس الجزاء الّذي هُيِّئ وأُعد لهم.

стр. 2242

﴿الْمَرْفُودُ﴾: المعطى لهم؛ أيْ: بئس الجزاء الّذي سيجزون به، أو العطاء المعطى لهم. وهو اللعنة في الدّنيا، وفي الآخرة، وسمِّيت النّار، أو اللعنة عطاء (رفداً): تهكماً بهم، واستهزاء على ما فرطوا في جنب الله. الخلاصة: بئس المكان الّذي وردوه، وبئس العطاء، أو الجزاء الّذي أعطوه، أو هيِّئ لهم. سورة هود [١١: ١٠٠] ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ﴾: ذلك: اسم إشارة يفيد البعد، من أنباء القرى. من: بعضية؛ أيْ: بعض أنباء القرى، والنّبأ: هو الخبر العظيم المهم؛ أي: من أنباء أهل القرى. ﴿الْقُرَى﴾: جمع قرية، وقد تعني المدينة إذا اتسعت وزاد عدد أهلها. ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾: نخبرك بأنبائها كما حدثت. ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾: بعضها لا زال باقٍ؛ كالآثار، والأعمدة والسقف والجدران؛ مثل: مدائن، وقرى قوم لوط، والأهرامات. ﴿وَحَصِيدٌ﴾: محصود لا ترى لها أثر (انمحت وزالت) كالزّرع المحصود. سورة هود [١١: ١٠١] ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾: الواو: عاطفة، ما: النّافية. ﴿ظَلَمْنَاهُمْ﴾: من الظّلم: وهو نقصان الحق، وما ظلمناهم: بالعذاب (حين عذبناهم، أو أهلكناهم) بذنوبهم؛ لأنّ الله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة، وحرَّم الظّلم على نفسه، ولا يظلم النّاس شيئاً.

стр. 2243

﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾: لكن: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾: بالكفر، والشّرك، والمعاصي، وتكذيب الرّسل، والبينات، والظلم: هو الخروج عن منهج الله تعالى. ﴿فَمَا﴾: الفاء: للتوكيد. ﴿أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾: أيْ: ما نفعتهم، ولا دفعت عنهم آلهتهم مثل الأصنام، والملائكة، أو الكواكب، وعيسى، وعزير. ﴿الَّتِى يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: الّتي: اسم موصول. ﴿يَدْعُونَ﴾ يعبدونها بشتى العبادات من دعاء وتعظيم وذبح وشعائر وذكر. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله. ﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية. ﴿شَىْءٍ﴾: من العذاب، أو الهلاك، والشّيء: هو أقل القليل، وشيء نكرة تعني أيَّ شيء مهما كان نوعه، وقدره من العون، أو النّصر، أو رفع العذاب، أو تخفيفه. ﴿لَمَّا﴾: ظرفية زمانية بمعنى حين ومتضمِّنة معنى الشّرط. ﴿جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: عذاب ربك، أو أمر ربك بإنزال العذاب عليهم. ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: ما: النّافية. ﴿تَتْبِيبٍ﴾: مصدر لفعل تبَّب الرّباعي، والتتبيب: النّقص والخسارة والهلاك؛ أيْ: التّخسير، والتّدمير، والهلاك. ﴿غَيْرَ﴾: تفيد الاستثناء، والقصر، وإن قيل: الآلهة هي جماد، أو ملائكة، أو

стр. 2244

كواكب، فكيف زادوهم؟ أيْ: زادتهم عبادتها إضافة إلى معاصيهم خسارة فوق الخسارة، أو عذاباً فوق العذاب. سورة هود [١١: ١٠٢] ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: أيْ: ومثل ذلك الأخذ يأخذ ربك القرى الظّالمة الكافرة؛ فتكون نهايتها. منها قائم أو حصيد؛ لأنّ أخذه لها أليم شديد. ﴿أَخْذُ رَبِّكَ﴾: الأخذ: هو الحوز على الشّيء سواء بالتّناول، أو القهر، أو الأخذ يوحي بالشدة، والعنف؛ بحيث لا يستطيع المأخوذ بالإفلات مهما حاول. والأخذ: هنا في هذه الآية بمعنى الانتقام، والعقاب، والعذاب. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزّمان للأمور الواقعة لا محالة، والكثيرة الحدوث، أخذ: جاء بالفعل الماضي؛ أي: اعتبره حدث ووقع. ﴿وَهِىَ﴾: وهي: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتّوكيد. ﴿ظَالِمَةٌ﴾: كافرة، أو طاغية، أو عتت عن أمر ربها. ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾: إنّ: يفيد التّوكيد. ﴿أَخْذَهُ أَلِيمٌ﴾: عذابه عقابه أليم شديد الإيلام، والألم الوجع الشّديد؛ موجع شديد الوجع. ﴿شَدِيدٌ﴾: من الشدة: وهي تعني جمع الشّيء إلى الشّيء بحيث يصعب انفكاكه. سورة هود [١١: ١٠٣] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إن: حرف توكيد.

стр. 2245

﴿فِى ذَلِكَ﴾: في: ظرفية. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ يفيد البعد، والذّم، ويشير إلى ما ذكر من أخذ الأمم، أو القرى الظالمة بالعذاب الشديد الإيلام. ﴿لَآيَةً﴾: لعبرة، أو لعظة. ﴿لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ من: اسم موصول تشمل المفرد، والجمع؛ استغراقية؛ أيْ: عبرة وعظة لمن يخاف عذاب الآخرة، أما من لا يخاف عذاب الآخرة؛ فلا يعتبر، ولا يتعظ. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة إلى يوم القيامة؛ لأنّ عذاب الآخرة دل عليه. ﴿يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾: اللام: لام الاختصاص، يوم مجموع لأجله النّاس، أو تعني فيه مجموع النّاس، ومجموع: اسم مفعول؛ يدل على الثّبوت؛ ثبات معنى الجمع؛ أي: الكلّ بلا استثناء، أيُّ واحد، أو فرد الكلُّ مجتمعون في مكان واحد. ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾: مشهود اسم مفعول؛ تدل على الثّبوت صيغة مبالغة، الكلّ يشهدهُ من أهل السّماء والأرض، كلّ الخلق سيشهدون هوله، وأحداثه بلا استثناء. سورة هود [١١: ١٠٤] ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾: ما: النّافية. ﴿نُؤَخِّرُهُ﴾: نؤجله، والفاعل نحن: للتعظيم، نؤخره؛ أيْ: يوم القيامة. ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿لِأَجَلٍ﴾: اللام: لام الاختصاص، والأجل. ﴿مَّعْدُودٍ﴾: إلى مدَّة انتهاء المدَّة المعدودة له، أو المضروبة لحدوثه.
следующие страницы →