← Тафсир

Тафсир · id 910

تفسير القرآن الثري الجامع

محمد الهلال

Полный текст (5 934 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

سورة هود [١١: ٩٨] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يتقدَّم قومه، أو يقود قومه يوم القيامة فرعون أولاً، ومن ورائه قومه الكل يساقون إلى جهنم. ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾: الفاء: للترتيب، والمباشرة يدخلون النّار مباشرة من دون تأخير، وأوردهم: فعل ماض يدل على أنّه قد حدث وانتهى دخولهم فيها. ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ﴾: بئس: فعل ذم (ساء وقبح). الورد: النّار؛ شبه النّار يوم القيامة بماء يورد للشرب من منبعه؛ أيْ: بئس الورد: الماء (أي: النّار). ﴿الْمَوْرُودُ﴾: المكان النّبع؛ أيْ: بئس الماء ومنبعه الّذي وردوه؛ فيكون المعنى: بئس النّار، وبئس مكانها، ودركاتها؛ فلو كان أمر فرعون برشيد؛ لما دخلوها. سورة هود [١١: ٩٩] ﴿وَأُتْبِعُوا فِى هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾: ﴿وَأُتْبِعُوا فِى هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: طاردتهم، أو صاحبتهم لعنة الله في هذه الحياة الدّنيا؛ لعنة: أيْ: طُردوا وأُبعدوا عن رحمة الله في الحياة الدّنيا، وكذلك يوم القيامة تصاحبهم، وتطاردهم لعنة الله. ﴿لَعْنَةً﴾: نكرة من الله، ومن الملائكة، ومن النّاس أجمعين. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ﴾: بئس: فعل ذم؛ أيْ: ساء. الرّفد: العطاء؛ أيْ: بئس الجزاء الّذي هُيِّئ وأُعد لهم.

стр. 2242

﴿الْمَرْفُودُ﴾: المعطى لهم؛ أيْ: بئس الجزاء الّذي سيجزون به، أو العطاء المعطى لهم. وهو اللعنة في الدّنيا، وفي الآخرة، وسمِّيت النّار، أو اللعنة عطاء (رفداً): تهكماً بهم، واستهزاء على ما فرطوا في جنب الله. الخلاصة: بئس المكان الّذي وردوه، وبئس العطاء، أو الجزاء الّذي أعطوه، أو هيِّئ لهم. سورة هود [١١: ١٠٠] ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ﴾: ذلك: اسم إشارة يفيد البعد، من أنباء القرى. من: بعضية؛ أيْ: بعض أنباء القرى، والنّبأ: هو الخبر العظيم المهم؛ أي: من أنباء أهل القرى. ﴿الْقُرَى﴾: جمع قرية، وقد تعني المدينة إذا اتسعت وزاد عدد أهلها. ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾: نخبرك بأنبائها كما حدثت. ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾: بعضها لا زال باقٍ؛ كالآثار، والأعمدة والسقف والجدران؛ مثل: مدائن، وقرى قوم لوط، والأهرامات. ﴿وَحَصِيدٌ﴾: محصود لا ترى لها أثر (انمحت وزالت) كالزّرع المحصود. سورة هود [١١: ١٠١] ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾: الواو: عاطفة، ما: النّافية. ﴿ظَلَمْنَاهُمْ﴾: من الظّلم: وهو نقصان الحق، وما ظلمناهم: بالعذاب (حين عذبناهم، أو أهلكناهم) بذنوبهم؛ لأنّ الله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة، وحرَّم الظّلم على نفسه، ولا يظلم النّاس شيئاً.

стр. 2243

﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾: لكن: حرف استدراك، وتوكيد. ﴿ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾: بالكفر، والشّرك، والمعاصي، وتكذيب الرّسل، والبينات، والظلم: هو الخروج عن منهج الله تعالى. ﴿فَمَا﴾: الفاء: للتوكيد. ﴿أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾: أيْ: ما نفعتهم، ولا دفعت عنهم آلهتهم مثل الأصنام، والملائكة، أو الكواكب، وعيسى، وعزير. ﴿الَّتِى يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: الّتي: اسم موصول. ﴿يَدْعُونَ﴾ يعبدونها بشتى العبادات من دعاء وتعظيم وذبح وشعائر وذكر. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله. ﴿مِنْ شَىْءٍ﴾: من: استغراقية. ﴿شَىْءٍ﴾: من العذاب، أو الهلاك، والشّيء: هو أقل القليل، وشيء نكرة تعني أيَّ شيء مهما كان نوعه، وقدره من العون، أو النّصر، أو رفع العذاب، أو تخفيفه. ﴿لَمَّا﴾: ظرفية زمانية بمعنى حين ومتضمِّنة معنى الشّرط. ﴿جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾: عذاب ربك، أو أمر ربك بإنزال العذاب عليهم. ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: ما: النّافية. ﴿تَتْبِيبٍ﴾: مصدر لفعل تبَّب الرّباعي، والتتبيب: النّقص والخسارة والهلاك؛ أيْ: التّخسير، والتّدمير، والهلاك. ﴿غَيْرَ﴾: تفيد الاستثناء، والقصر، وإن قيل: الآلهة هي جماد، أو ملائكة، أو

стр. 2244

كواكب، فكيف زادوهم؟ أيْ: زادتهم عبادتها إضافة إلى معاصيهم خسارة فوق الخسارة، أو عذاباً فوق العذاب. سورة هود [١١: ١٠٢] ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾: ﴿وَكَذَلِكَ﴾: أيْ: ومثل ذلك الأخذ يأخذ ربك القرى الظّالمة الكافرة؛ فتكون نهايتها. منها قائم أو حصيد؛ لأنّ أخذه لها أليم شديد. ﴿أَخْذُ رَبِّكَ﴾: الأخذ: هو الحوز على الشّيء سواء بالتّناول، أو القهر، أو الأخذ يوحي بالشدة، والعنف؛ بحيث لا يستطيع المأخوذ بالإفلات مهما حاول. والأخذ: هنا في هذه الآية بمعنى الانتقام، والعقاب، والعذاب. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزّمان للأمور الواقعة لا محالة، والكثيرة الحدوث، أخذ: جاء بالفعل الماضي؛ أي: اعتبره حدث ووقع. ﴿وَهِىَ﴾: وهي: ضمير منفصل؛ يفيد الحصر، والتّوكيد. ﴿ظَالِمَةٌ﴾: كافرة، أو طاغية، أو عتت عن أمر ربها. ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾: إنّ: يفيد التّوكيد. ﴿أَخْذَهُ أَلِيمٌ﴾: عذابه عقابه أليم شديد الإيلام، والألم الوجع الشّديد؛ موجع شديد الوجع. ﴿شَدِيدٌ﴾: من الشدة: وهي تعني جمع الشّيء إلى الشّيء بحيث يصعب انفكاكه. سورة هود [١١: ١٠٣] ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ﴾: إن: حرف توكيد.

стр. 2245

﴿فِى ذَلِكَ﴾: في: ظرفية. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة؛ يفيد البعد، والذّم، ويشير إلى ما ذكر من أخذ الأمم، أو القرى الظالمة بالعذاب الشديد الإيلام. ﴿لَآيَةً﴾: لعبرة، أو لعظة. ﴿لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ من: اسم موصول تشمل المفرد، والجمع؛ استغراقية؛ أيْ: عبرة وعظة لمن يخاف عذاب الآخرة، أما من لا يخاف عذاب الآخرة؛ فلا يعتبر، ولا يتعظ. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة إلى يوم القيامة؛ لأنّ عذاب الآخرة دل عليه. ﴿يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾: اللام: لام الاختصاص، يوم مجموع لأجله النّاس، أو تعني فيه مجموع النّاس، ومجموع: اسم مفعول؛ يدل على الثّبوت؛ ثبات معنى الجمع؛ أي: الكلّ بلا استثناء، أيُّ واحد، أو فرد الكلُّ مجتمعون في مكان واحد. ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾: مشهود اسم مفعول؛ تدل على الثّبوت صيغة مبالغة، الكلّ يشهدهُ من أهل السّماء والأرض، كلّ الخلق سيشهدون هوله، وأحداثه بلا استثناء. سورة هود [١١: ١٠٤] ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾: ما: النّافية. ﴿نُؤَخِّرُهُ﴾: نؤجله، والفاعل نحن: للتعظيم، نؤخره؛ أيْ: يوم القيامة. ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾: إلا: أداة حصر. ﴿لِأَجَلٍ﴾: اللام: لام الاختصاص، والأجل. ﴿مَّعْدُودٍ﴾: إلى مدَّة انتهاء المدَّة المعدودة له، أو المضروبة لحدوثه.

стр. 2246

سورة هود [١١: ١٠٥] ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ﴾: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾: يوم: ظرف زمان. ﴿يَأْتِ﴾: حذفت الياء: للدلالة على قرب مجيئه، ويأتِ؛ تعني: اليوم، أو تقديره ينتهي الأجل المضروب له يوم يأتِ، وفاعل يأتِ قد تعود إلى الله، أو ربك، أو تعود إلى اليوم. ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾: أصلها: لا تتكلَّم نفس إلا بإذن الله. ﴿نَفْسٌ﴾: أيُّ نفس نكرة، لتشمل كلّ نفس مهما كانت. ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾: ولم يقل: لا تتكلم؛ إشعاراً بقلة الكلام في ذلك اليوم قلة الحروف في كلمة ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾: تدل على قلة الكلام في يوم القيامة؛ لأهواله، وشدائده؛ كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]. ﴿فَمِنْهُمْ﴾: الفاء: للتوكيد؛ منهم: من: التبعيضية، أو للتعليل. ﴿شَقِىٌّ﴾: من باب شقى شقاءً، أو شقاوة. ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٠٦) للبيان، والشقي يشعر بضيق في الصّدر مستمر، وضنك في المعيشة بسبب البعد عن الدين والإيمان، شقي اسم يدل على الثّبوت؛ ثبوت الشّقاء عليه؛ لأنّه سيصبح من أصحاب السّعير. ﴿وَسَعِيدٌ﴾: من سَعَدَ سعادةً؛ لأنّه من أصحاب النّعيم الخالد، وسعيد: اسم يدل على الثّبوت. سورة هود [١١: ١٠٦] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾: أما: حرف شرط، وتفصيل، وتوكيد.

стр. 2247

﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿شَقُوا﴾: ارجع إلى سورة المؤمنون آية (١٠٦) للبيان؛ أي: الكفار، والمشركين الّذين ماتوا على الكفر، والشّرك، والضلال، والمعاصي، وانتهاك حرمات الله. ﴿فَفِى النَّارِ﴾: ففي: تتضمن فاء: أولى، وفاء ثانية؛ الفاء الأولى: تفيد التّوكيد، والتّعليل، والثّانية: ظرفية مكانية. ﴿لَهُمْ فِيهَا﴾: اللام: لام الاختصاص فقط؛ لهم: وحدهم. فيها: في النّار. ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾: الزّفير: هو خروج الهواء من الرّئتين، والشّهيق: هو دخول، أو ابتلاع الهواء إلى الرّئتين. ففي الحالات الطّبيعية: ما يحدث شهيق أوّلاً، ثمّ زفير ثانياً، أمّا في النّار فيتبدل ذلك يصبح الزّفير أوّلاً، والشّهيق ثانياً، وسماع الزّفير والشّهيق دلالة على أنّهم يعانون من صعوبة التّنفس في النّار. ارجع إلى الآية (١٠٠) من سورة الأنبياء. سورة هود [١١: ١٠٧] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: خالدين: الخلود يعني: المكث الطّويل، ولا يعني التّأبيد له بداية، وله نهاية، البداية: ساعة دخول النّار، بينما خالدين فيها أبداً؛ تعني: المكث الأبدي بلا نهاية؛ له بداية، وليس له نهاية، وهو الخروج من النار؛ فالّذين سيدخلون جهنم قسمان: القسم الأوّل: خالدين فيها، والقسم الثّاني: خالدين فيها أبداً. ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أيْ: هؤلاء يدخلون النّار ما دامت السّموات،

стр. 2248

والأرض الجديدتين؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. وبما أن السّموات والأرض الجديدتين لن تتبدلا بعد ذلك؛ مما يدل على الخلود فيهما. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: إلا: أداة استثناء؛ ما شاء ربك: المشيئة ملزمة واقعة لا محالة، وهذا الاستثناء اختلف فيه؛ اختلف في تفسير هذا الجزء من الآية؛ فمنهم من قال: تعني أن كل شيء خاضع لمشيئة الله تعالى المطلقة يدخل الجنة أو النار من يشاء؛ لأنه سبحانه لا يجب عليه شيء ولا حق لأحدٍ عليه ، ومنهم من قال: إلا ما شاء ربك تعني: من تأخير أو تقديم قوم على الدخول في الجنة أو النار لكون يوم القيامة قد يطول خمسين ألف سنة، والاستثناء يرجع إلى قبل الدخول في الجنة أو النار، ومنهم من قال: أن قسم من هؤلاء الداخلين في النار يبقى خالدين في النار أبداً، وقسم يخرج منها بعد تطهيرهم من ذنوبهم، وبقائهم فيها حسب ما يقدِّره الله سبحانه، ويشاء، وهناك من قال هذا الاستثناء يعني من يوم الحساب (يوم القيامة) الذي مدته خمسين ألف سنة، أو حتى يقضي الله بين الخلائق، وهناك من قال هذا الاستثناء يعني حياة البرزخ (القبر)، ومنهم من قال: أن الاستثناء في الآية يرجع إلى بعض أنواع العذاب غير الزفير والشهيق، والله أعلم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ﴾: إن: للتوكيد. ﴿رَبَّكَ فَعَّالٌ﴾: صيغة مبالغة اسم فاعل. ﴿لِمَا يُرِيدُ﴾: من الإرادة الّتي تعقب المشيئة؛ فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

стр. 2249

سورة هود [١١: ١٠٨] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِى الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ﴾: حرف شرط، وتفصيل، وتوكيد. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول. ﴿سُعِدُوا﴾: الفائزون المصلحون. ﴿فَفِى الْجَنَّةِ﴾: الفاء الأولى: للتوكيد، والتّعليل، والثّانية: ظرفية مكانية. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: الّذين يدخلون الجنة يدخلونها مباشرة بعد الحساب، أو يدخلونها بعد أن يطهروا من ذنوبهم في النّار، ومتى دخلوها لن يخرجوا منها أبداً. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: ارجع إلى الآية السّابقة (١٠٧). ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: عطاء غير مقطوع؛ نعيم دائم، ومستمر.

стр. 2250

سورة هود [١١: ١٠٩] ﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾: ﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ﴾: اللام: لام النّاهية. ﴿تَكُ فِى مِرْيَةٍ﴾: في أدنى المراء بعد أن تبيَّن الحق، المراء هو الجدال بالباطل بعد ظهور الحق. ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾: ما: مصدرية، أو اسم موصول. ﴿يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾: هؤلاء: الهاء: للتنبيه، أولاء: اسم إشارة للقرب؛ يشير لمشركي قريش. ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا﴾: ما: النّافية؛ إلا: أداة حصر. ﴿كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾: الكاف: كاف التّشبيه؛ ما: حرف مصدري، أو اسم موصول. ﴿يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾: عبادة تقليدية، كما يعبد آباؤهم من الأصنام، أو الآلهة. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: أن يُنزل عليهم القرآن، أو يبعث إليهم برسوله ﷺ ؛ أيْ: هم وآباؤهم سواء في الشّرك. ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: النّصيب: هو الجزاء، والأجر، أو الثّواب الكامل على أعمالهم، ويكون في الخير، والشّر، أو المحبوب، أو المكروه، أما الفرق بين النصيب، والحظ:

стр. 2251

فالحظ: لا يكون عادة إلا في الخير، ولا يستعمل في العذاب، أو المكروه. وأما النصيب: فيستعمل في الخير، والشّر. ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾: أيْ: نعطيهم نصيبهم تاماً. ما هو الفرق بين عطاء غير مجذوذ، ونصيبهم غير منقوص؟ عطاء غير مجذوذ: عطاء للذين سعدوا عطاء دائم لا ينقطع، ولا يتوقف، والعطاء فيه تملك، ولا يُسترد، والعطاء هو الجزاء إضافة إلى الزّيادة الّتي هي من الفضل. نصيبهم غير منقوص: جزاء تام للمشركين لا زيادة فيه. سورة هود [١١: ١١٠] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾: جاءت هذه الآية في سياق الآيات لتذكر رسول الله ﷺ : أنّ ما يحدث لك حدث لموسى ﵇. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: ولقد: اللام: للتوكيد، قد: للتحقيق، والتّوكيد. ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: التّوراة، والإيتاء يختلف عن العطاء؛ ارجع إلى الآية (٢٥١) من سورة البقرة. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾: فمنهم آمن به قوم (من بني إسرائيل)، ومنهم من كفر به، أو منهم من صدَّق به، ومنهم من كذَّب به، كما اختلف أهل مكة في القرآن. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: لولا: شرطية. ﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾: بتأخير، أو تأجيل الحساب إلى يوم القيامة.

стр. 2252

﴿لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾: في الدّنيا فيما اختلفوا فيه بإنزال العذاب عليهم، وعدم إمهالهم حتّى يوم القيامة بإنزال العذاب عليهم. ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾: وإنّ: للتوكيد. ﴿لَفِى﴾: اللام: للتوكيد. ﴿شَكٍّ﴾: تساوي نسبتي النّفي، والإثبات. ﴿مِّنْهُ﴾: من: التّوراة. ﴿مُرِيبٍ﴾: من الرّيبة، وهي الشّك+ الاتهام، وقيل: إنّهم: قد تعود إلى كفار مكة؛ لفي شك منه: أيْ: بالقرآن فيما إذا كان منزلٌ من ربك بالحق، ويتهمون الرّسول بأنه افتراه، أو يعلمه بشر. سورة هود [١١: ١١١] ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾: إنّ: للتوكيد؛ كلّاً: كلّ واحد، أو المختلفين فيه؛ سواء أكان القرآن، أم التوراة، أم غيرها من الكتب السماوية من المؤمنين، والكافرين. ﴿لَمَّا﴾: لها عدَّة معانٍ: ١ - لما: نافية، ونفيها مستمر إلى وقت الكلام. ٢ - لما: قد تكون بمعنى: إلا، وتكون الآية: وإنّ كلاً إلا ليوفينهم ربك أعمالهم. ٣ - لما: قد تكون للتوكيد. ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾: ليوفينهم: اللام: لام التّوكيد؛ أيْ: سيوفينهم ربك أعمالهم ثواباً، أو عقاباً، والنّون: للتوكيد، ولا ينقص منها حسنة، أو يزيد سيئة.

стр. 2253

﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: إنه: إنّ: للتوكيد. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق. ﴿يَعْمَلُونَ﴾: يقولون، ويفعلون. ﴿خَبِيرٌ﴾: عليم ببواطن أعمالهم؛ خبير بنواياهم. وقدم يعملون على خبير؛ لأن سياق الآيات في العمل. سورة هود [١١: ١١٢] ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾: فاستقم: الفاء: للتوكيد؛ استقم كما أمرت: لا تميل، ولا تنحرف عن الحق في عبادتك، وتوحيدك، وابتغائك وجه ربك، والاستقامة تتطلَّب عدم الغفلة، والجد، والاجتهاد، والالتزام بمنهج القرآن والسنة، والدوام على تقوى الله، وطاعة أوامره، وتجنب نواهيه؛ لا إفراط ولا تفريط. ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾: في الكتاب (القرآن)، وبالوحي، كما أمرك ربك تعالى. ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾: أي: وليستقم كذلك من تاب معك من المؤمنين من الشّرك، والكفر، ومن المعاصي. ﴿وَمَنْ﴾: اسم موصول؛ مَنْ: للمفرد، والجمع. ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾: لا: النّاهية. ﴿تَطْغَوْا﴾: من الطّغيان: وهو مجاوزة الحدود، حدود الله بالإفراط، أو التّفريط في العبادات، أو المعاملات. ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: إنّه: إنّ: للتوكيد. ﴿بِمَا﴾: الباء: للإلصاق، والتّعليل.

стр. 2254

﴿تَعْمَلُونَ﴾: تقولون، وتفعلون. ﴿بَصِيرٌ﴾: بظواهر الأمور. وقدم تعملون على بصير؛ لأن السياق في الأعمال. سورة هود [١١: ١١٣] ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾: ولا: الواو عاطفة؛ لا: النّاهية. ﴿تَرْكَنُوا﴾: من الرّكون؛ ركن، يركن؛ أيْ: مال إليه وسكن؛ أيْ: ولا تميلوا إليهم، أو تعتمدوا عليهم، ولو شيئاً يسيراً؛ هذا الخطاب، وإن كان موجَّهاً إلى رسول الله ﷺ ظاهراً، ولكنه في الحقيقة موجه إلى أمة محمّد ﷺ ؛ لئلا يركن أحدهم؛ أيْ: يميل إلى الكفار، أو المشركين في شيء من الأحكام، أو تقليدهم في أيِّ أمر من أمور الدِّين، أو المودة، والمداهنة على حساب الدِّين، والرّضا عن أعمالهم المخالفة لشرع الله، أو السّكوت عليها، ومصاحبتهم. ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: المشركين. الظّلم: الشّرك، وكذلك ظلم العباد، والفساد في الأرض، والقتل، والتّخريب، أو المشاركة في تلك الأعمال العدوانية. ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾: فتمسكم: الفاء: للتوكيد؛ تمسكم: تصيبكم النّار. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: وما: النّافية. ﴿لَكُمْ﴾: اللام: لام الاختصاص (خاصَّة بكم). ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: من غير الله، أو سوى الله (من: استغراقية): للنفي المطلق، والكلام، أو السّياق عن الدّنيا. ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾: من: للتوكيد، واستغراقية؛ تشمل كلّ الأولياء.

стр. 2255

﴿أَوْلِيَاءَ﴾: جمع ولي: أعوان، أو أنصار يمنعون عنكم، أو يدفعون عنكم العذاب، أو يشفعون لكم. أولياء: ولم يقل: ما لكم من ولي ولا نصير؛ لأنّ هذه ترد في سياق الآخرة، وإذا أراد السّياق في الدّنيا يقول سبحانه: من دون الله من ولي ولا نصير؛ ارجع إلى سورة العنكبوت، آية (٢٢)؛ للبيان. ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾: ثم: للاستبعاد؛ استبعاد نصر الله لهم. ﴿لَا﴾: النّافية. ﴿تُنْصَرُونَ﴾: من النّصر: وهو النّجاة من النّار، والفوز بالجنة؛ لأنّ الله لا ينصر الظّالمين، وكذلك: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠]، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج: ٧١]، فليس لهم أولياء، ولا أنصار، ولا شفعاء، لا واحد، ولا أكثر من واحد. سورة هود [١١: ١١٤] ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾: المناسبة: بعد أن أمر سبحانه بالاستقامة، وعدم تجاوز حدود الله، أو الرّكون إلى الّذين ظلموا في الآية السّابقة يأمر في هذه الآية بأمر آخر هو إقامة الصّلاة. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: أي؛: أداها تامَّة بأركانها، وبشروطها، وخشوعها، وإقامتها. ﴿طَرَفَىِ النَّهَارِ﴾: الطرف الأوّل: هو الفجر، والطرف الثّاني: هو الظهر، والعصر، أو الطرف الأوّل: هو الفجر، والظهر، والثاني: هو العصر، والمغرب، أو العصر فقط. ﴿وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ﴾: المغرب، والعشاء، أو العشاء والوتر، وزلفاً من الزّلفى:

стр. 2256

وهي القُربى، وأزلفه: قربه، وزلفاً من الليل: في ساعات الليل القريبة من النّهار؛ أي: المغرب والعشاء. ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾: سبب نزول هذه الآية: أنّ رجلاً خلا بامرأة فقبلها؛ فأتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فسكت النّبي ﷺ ، ثمّ نزل عليه جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾؛ فقال رجل آخر: أهذا له خاصَّة؟ قال ﷺ : لا بل للناس كافة، أو للمسلمين عامة؛ قال التّرمذي: حديث حسن صحيح، والعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب. ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾: إن: للتوكيد. ﴿الْحَسَنَاتِ﴾: الصّلوات الخمس، كما ورد في حديث مسلم عن رسول الله ﷺ : «الصّلوات الخمس كفارة لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائر»، والحسنات: جمع حسنة، والحسنة سواء أكانت فرضاً، أم نفلاً قد تمحو؛ أي: تذهب السّيئة؛ أيْ: تمحوها، والسّيئة: هي كلّ عمل توعَّد الله سبحانه صاحبها بالعقوبة (من قول، أو فعل)، والحسنات: جميع الأعمال الصّالحة تكفر السّيئات؛ أي: الصّغائر؛ أمّا الكبائر: فلا يكفرها إلا التّوبة. وشروط التّوبة أربعة: الإقلاع عن الذّنب، وعدم العودة إليه، والنّدم عليه، والإكثار من الأعمال الصّالحة (النّوافل)، وردُّ الحقوق إلى أصحابها. ﴿ذَلِكَ﴾: اسم إشارة للبعد؛ يشير إلى الصّلاة، وإقامتها، والاستقامة عليها، والحسنات يذهبن السّيئات. ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾: في إقامة الصّلاة خمس مرات في اليوم ذكرى للذاكرين؛

стр. 2257

أيْ: تنبيه للنّفس بعدم الغفلة، ولذلك الصّلاة لا تسقط عن العبد، ولو كان مريضاً، أو على فراش الموت. فبمجرَّد ما يغفل الإنسان عن ذكر ربه تأتي الصّلاة خمس مرات؛ لتذكر الإنسان بربه. ﴿لِلذَّاكِرِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ الذّاكرين: الله سبحانه، وتشمل الذّاكرات، والصّلاة كذلك تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. والصلاة تجمع أركان الإسلام الخمسة. سورة هود [١١: ١١٥] ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ﴿وَاصْبِرْ﴾: بعد الأمر بإقامة الصّلاة؛ يأمر بالصّبر؛ الصّبر على العبادات، والطّاعات، والمكاره، والابتلاءات، والصّبر عن الشّهوات، والمعاصي. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾: فإن: الفاء: للتوكيد؛ إنّ: لزيادة التّوكيد. ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: لا: النّافية. ﴿لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ولم يقل: لا يضيع أجر الصّابرين؛ لأنّ إقامة الصّلاة، والاستقامة، وعدم الطّغيان، والتّوبة، والصّبر، وكلّ ما أمر الله به في هذه الآيات يرتقي إلى درجة الإحسان، والصّابرين من المحسنين. ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: جملة اسمية تدلّ على ثبوت صفة الإحسان؛ إحسان الكم، وإحسان الكيف؛ لمعرفة الصّبر، وأنواعه، ودرجاته؛ ارجع إلى الآية (٢٠٠) من سورة آل عمران، وللإحسان؛ ارجع إلى سورة البقرة، آية (١١٢)؛ للبيان.

стр. 2258

سورة هود [١١: ١١٦] ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿فَلَوْلَا﴾: أداة حضٍّ، وحثٍّ. ﴿كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: من الأمم الماضية، والقرون: جمع قرن، وهم أهل زمان واحد، أو الجيل الواحد المقترن بزمان واحد، والقرن (١٠٠ عام). ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾: ذوو إيمان، وصلاح، ورشد، وبصيرة، والبقية: ما يبقى من الشّيء بعد ذهاب أكثره، أولو بقية قلَّة قليلة من ذوي الإيمان، والصّلاح، والرّشد. ارجع إلى الآية (٨٦) في نفس السورة لمعرفة الفرق بين بقية (بالتاء المربوطة)، وبقيت (بالتاء المفتوحة أو المبسوطة). ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ﴾: يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. والفساد: يشمل الكفر، والشّرك، وإثارة الفتن، والقتل، والصّد عن سبيل الله، وغيره. ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾: إلا: أداة استثناء. ﴿مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾: تعود على القرون من قبلكم؛ أيْ: قد أنجى الله سبحانه قليلاً منهم؛ لينهوا عن الفساد في الأرض، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيموا دين الله تعالى حتى تظهر أشراط الساعة. ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾: وانشغل الّذين ظلموا؛ أي: الآمرون بالمنكر، والنّاهون عن المعروف بالشّهوات، ونعيم الدّنيا، والسّلطان، والجاه، والمعاصي، والمنكرات، واستمرّوا على ترفهم، وطغيانهم الّذي حقَّقوه بظلم الغير، ولم يستمعوا أو يلتفتوا إلى الأقلية الّذين ينهون عن الفساد، وآثروا الدّنيا

стр. 2259

على الآخرة، وكانوا مجرمين. ارجع إلى سورة الزخرف آية (٢٣) لبيان معنى الترف، والمترف. ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾: كافرين مشركين، ومجرمين: مشتقة من جرم؛ وجرم الشّيء: أيْ: قطعه جرماً أذنب، وجنى جناية، وعدم اتباعهم منهج الله سبحانه، وكونهم كانوا يقطعون ما كان يجب أن يوصل. سورة هود [١١: ١١٧] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾: وما: الواو: استئنافية؛ ما: النّافية ينفي ربك الظلم عن نفسه، ويستعمل (ما)، ولام الجحود (التوكيد) في كلمة (يهلك). ﴿كَانَ رَبُّكَ﴾: أيْ: ليس من شأن ربك، أو أنّ ربك مُنَّزه عن أن يهلك القرى. وكان: تعني الماضي والحاضر والمستقبل، وتعني: ما كان ربك في الماضي أو الحاضر أو المستقبل ليهلك القرى. ﴿لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾: ليهلك: اللام: لام التّوكيد؛ يهلك: بصيغة المضارع الّتي تدل على التّجدُّد، والتّكرار؛ لأنّ الحديث أو السّياق في الدّنيا، وفي الآية (٥٩) من سورة القصص قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا رَسُولًا﴾، وفي الآية (١٣١) من سورة الأنعام قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾؛ إذن ما كان ربك مهلك القرى، أو ليهلك القرى وأهلها مصلحون، أو وأهلها غافلون؛ ارجع إلى سورة القصص آية (٥٩) لمزيد من البيان. ﴿الْقُرَى﴾: جمع قرية، والقرية؛ تعني: أهل القرية، والبنيان؛ أيْ: يهلك أهل القرى، ويدمِّر بنيانها. ﴿بِظُلْمٍ﴾: الباء: باء: الإلصاق، والتّعليل؛ ظلم: من دون ذنب، أو إثم.

стр. 2260

﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: مصلحون: جمع بصيغة الجملة الاسمية؛ الّتي تدل على أنّ صفة الإصلاح عندهم ثابتة، ومستمرة؛ فالله سبحانه لن يهلكها حتّى ولو كانت كافرة، وأهلها يقيمون العدل، ولا يفسدون في الأرض، ولا يظلمون النّاس بقتل وإهلاك الحرث، والنّسل. ارجع إلى سورة البقرة، آية (١٣٠)؛ لمزيد من البيان في معنى: الصالحين. ولمقارنة هذه الآية مع الآية (٥٩) من سورة القصص: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. والآية (١٣١) من سورة الأنعام: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾. ارجع إلى سورة القصص آية (٥٩) للبيان المفصل.

стр. 2261

سورة هود [١١: ١١٨] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾: لو: شرطية؛ حرف امتناع لامتناع. ﴿شَاءَ رَبُّكَ﴾: المشيئة تسبق الإرادة، والمشيئة لا رادَّ لها، ولا تتغيَّر. ﴿لَجَعَلَ﴾: اللام: للتوكيد. ﴿النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أيْ: على دين واحد، وهو الإسلام، أو ملَّة واحدة، كما حدث بعد آدم ﵇ لمدَّة حوالي (١٠ قرون). ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾: لا داعي هنا للتطرق إلى أنواع الاختلافات، وأسبابها، والجدال في الاختلافات المذمومة، أو اختلافات الرّحمة، أو الاختلافات الطبيعية، ولكن المقصود في الآية: أن الله سبحانه أرسل كلّ الرّسل برسالة واحدة، وهي: رسالة التوحيد، وأن لا إله إلا الله، وحرم قتل النّفس إلّا بالحق، وحرم الفساد في الأرض، والفواحش … وغيرها؛ مما تشمله أمور العقيدة، والأصول، ولم يجبر أيَّ إنسان أن يكون موحِّداً، أو تقيّاً، أو مصلحاً، أو على دين واحد، بل ترك لهم حرية الاختيار؛ فهذا موحِّد، وهذا مشرك، وهذا لا دِين له إطلاقاً. إذن: بحكم خاصية الاختيار الّتي منحها الله لهم؛ هم الّذين اختلفوا، ولم يفرض الله عليهم الاختلاف. ولا يزالون مختلفين من بعد آدم، كانوا، وما زالوا، وسيظلُّوا إلى يوم القيامة؛ مختلفين: صفة ثابتة مستمرة فيهم.

стр. 2262

سورة هود [١١: ١١٩] ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: إلا: أداة استثناء. خلقهم: كما نعلم للعبادة، كما قال تعالى في سورة الذاريات آية (٥٦): ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾؛ أي: خلقهم مختلفين في العبادة؛ لأنه سبحانه ترك لهم الخيار، وقال سبحانه في الآية (١١٨) السابقة: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، ولكنه لم يشاء، ولذلك سيكونون مختلفين منهم الضال ومنهم المهتدي، ومنهم الظالم لنفسه، ومنهم المقتصد، ومنهم السابق بالخيرات، والكل سيحاسب على عمله يوم القيامة. ﴿مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: أيْ: الّذين لا يختلفون في دينهم، وهم على عقيدة واحدة، وهديٍ واحد؛ هؤلاء عسى أن يرحمهم ربك. ﴿وَتَمَّتْ﴾: ثبتت، وجبت، ولن تتغيَّر، أو تُبدَّل. ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ﴾: قيل: هي لأملأن جهنم من الجنة والنّاس أجمعين. ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾: اللام: للتوكيد، والنّون: لزيادة التّوكيد. ﴿جَهَنَّمَ﴾: مشتقة من بُعد القعر؛ أيْ: بعيدة القعر، أو كريهة المنظر؛ جهنم: دركة من دركات النّار، أو وصف من أوصاف جهنم؛ مثل: السّعير، ولظى، والحطمة. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: من: ابتدائية؛ استغراقية. ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾: أي: الجن، والإنس، وهما الثّقلان. ﴿وَالنَّاسِ﴾: مشتقة من النّوس؛ أي: الحركة. ﴿أَجْمَعِينَ﴾: توكيد؛ أيْ: من دون استثناء.

стр. 2263

سورة هود [١١: ١٢٠] ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِى هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿وَكُلًّا﴾: كلّ + التنوين، ونصب كُلّاً؛ لأنّ التّقدير هو كما يلي: نقصُّ عليك كلّاً من أنباء الرّسل، وقيل: التّنوين: جاء عوضاً عن كلمة محذوفة تقديرها: كلّ ما تحتاج إليه من أنباء الرّسل نقصُّه عليك. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾: القاصُّ: الرّاوي هو الله -جل وعلا-، وجاء بصيغة الجمع؛ للتعظيم، وقصَّ الأنباء تتبَّعها، ورواها وحكاها بالحق. ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾: من: ابتدائية بعضية. ﴿أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾: أخبار الرّسل، والأنباء: هي الأخبار المهمة، والأنباء: جمع نبأ؛ أي: الخبر المهم الذي فيه فائدة لمن يعنيه الأمر؛ أي: الخبر. ﴿مَا﴾: اسم موصول، أو مصدرية. ﴿نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾: التّثبيت: التّطمين، والتّمكين، ورفع أسباب الضّعف؛ أي: التّقوية؛ الفؤاد: القلب. ارجع إلى سورة الحج، آية (٤٦). ﴿وَجَاءَكَ﴾: ولم يقل: أتاك؛ أي: المجيء فيه صعوبة، ومشقة. ﴿فِى هَذِهِ﴾: في: ظرفية؛ هذه: الهاء: للتنبيه؛ ذا: اسم إشارة للقرب يشير على الأنباء، أو الآيات. ﴿الْحَقُّ﴾: جاءت في هذه الآيات أو القصص أو السورة الحق، والقرآن: هو الحق، والنّبوة: هي الحق، أو البراهين الدّالة على صدق رسالتك؛ فكلّ ما أوحي به إليك هو الحق الكامل التّام، والحق؛ يعني: الأمر الثّابت الّذي لا يتغيَّر، والمنزل من الله سبحانه. ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾: أيْ: وجاءك فيها موعظة: ما يوعظ به من قول، أو فعل، أو نصح، أو إرشاد إلى الطّاعة، وفعل الخير، والنّهي، والتّحذير.

стр. 2264

﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: تنبيه، وإيقاظ للنفس بعدم الغفلة، وذكرى يتذكر بها المؤمنون فيثبتون على الحق، ويصبرون على الطّاعة، والبلاء، واللام في كلمة للمؤمنين لام الاختصاص. خصَّ المؤمنين بالذكرى؛ لأنّهم وحدهم الّذين ينتفعون بالذكرى، أو تنفعهم الذّكرى؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، ومن خواصِّ القرآن: أنّه يُستعمل ذكرى في سياق الدّعوة والتّبليغ، وذكرى للشرف، والرّفعة، ويُستعمل ذكرى في سياق الهداية الفردية. سورة هود [١١: ١٢١] ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ﴾: ﴿وَقُلْ﴾: يا رسول الله ﷺ . ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: للذين: اللام: لام الاختصاص؛ الّذين لا يؤمنون؛ أي: الكافرين الّذين لا يصدِّقون بما أنزل إليك من ربك على وجه الوعيد. ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: المكانة: من التّمكن؛ أي: القدرة؛ اعملوا قدر إمكانكم، واستطاعتكم، أو استمرُّوا على طريقتكم، ومنهجكم، أو ما أنتم عليه من الكفر. ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾: ونحن سنعمل قدر استطاعتنا، وعلى طريقتنا، وما أنزل الله إلينا، وعاملون: جملة اسمية؛ تفيد الثبات. سورة هود [١١: ١٢٢] ﴿وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾: وانتظروا عاقبة أمركم، أو انظروا ماذا سيحل بكم، أو بنا، ونحن ننتظر عاقبة أمرنا من خير، أو شرٍّ، أو ما سيحلُّ بنا، وبكم: فيها من الوعيد، والتّهديد. سورة هود [١١: ١٢٣] ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَلِلَّهِ﴾: تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر؛ أيْ: لله وحدَه غيب السّموات، والأرض.

стр. 2265

﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: الغيب: هو ما غاب عن العباد، واستتر عن العيون؛ مثل: الجنّة، والنّار، والملائكة، والجن؛ غيب: جمعه غيوب؛ غيب السّموات والأرض؛ أيْ: علم الغيب، والغيب المطلق لا يعلمه إلا الله؛ أمّا الغيب النّسبي فقد يطلعه الله سبحانه على رسوله؛ مثل: إخبار الله سبحانه عن علامات السّاعة الصغرى، والكبرى. ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾: إليه: تفيد الحصر؛ أيْ: إليه وحدَه يرجع الأمر. ﴿الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾: الأمر: ال في كلمة الأمر: هي استغراقية تستغرق كلّ أمر؛ أيْ: إليه يرجع كلّ أمر، ثمّ جاءت بعدها كلّه: للتوكيد؛ يرجع إليه الأمر؛ ليجازي عليه. ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: الفاء: للتأكيد؛ فاعبده وحدَه، والعبادة تعريفها؛ ارجع إلى سورة الأنبياء، آية (١٠٦)، وهود، آية (٢). ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾: استعن به، وفوِّض أمرك إليه بعد تقديم الأسباب؛ فهو يكفيك. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: ما: النّافية؛ لا يغفل سبحانه عما يعمل خلقه. ﴿رَبُّكَ﴾: الخالق، المدبر، الرّزاق. ﴿بِغَافِلٍ﴾: الباء: للإلصاق؛ غافل: ساهٍ، أو تارك، أو غير حافظ، أو غير عالم. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان في معنى: الغفلة. ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: عن: تفيد المجاوزة، والابتعاد. ﴿تَعْمَلُونَ﴾: تضم الأقوال، والأفعال من خير، وشرٍّ.

стр. 2266

سورة يوسف [١٢: ١] سورة يوسف ترتيبها في القرآن (١٢)، وفي النزول (٥٣). نزلت بعد سورة هود، وبعد عام الحزن الّذي فقد فيه رسول الله ﷺ زوجته خديجة، وعمه أبا طالب؛ كأنها مواسية له، وهي سورة مكية. ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: ﴿الر﴾: ارجع إلى الآية (١) من سورة البقرة. ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾: تلك: اسم إشارة؛ للبعد؛ يشير إلى علو منزلة الآيات، وتلك: تشير إلى الآيات التالية، أو الّتي سبقتها، أو الآيات بشكل عام، وتشير إلى الكثرة. ارجع إلى سورة يونس، آية (١)؛ لمزيد من البيان. ﴿الْكِتَابِ﴾: أي: القرآن، وسمِّي الكتاب؛ لكونه مكتوباً في السّطور، وفي اللوح المحفوظ؛ ارجع إلى الآية (٢) من سورة البقرة؛ لبيان معنى الكتاب. ﴿الْمُبِينِ﴾: الظاهر، والواضح لكلّ فرد يقرؤه، والمبين لنفسه، ولكلّ شيء يحتاجه الإنسان في حياته من افعل، أو لا تفعل، أو حلال، أو حرام، والحق من الباطل. سورة يوسف [١٢: ٢] ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾: إنا: ضمير الشأن للتعظيم والتفخيم، ويفيد التوكيد.

стр. 2267

﴿أَنزَلْنَاهُ﴾: ولم يقل: نزلناه، بل أنزلناه؛ أي: جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدّنيا، والنّزول من مكان عالٍ إلى مكان أقل علواً؛ أيْ: من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا، وكان ذلك في ليلة القدر، ثمَّ نزل بعد ذلك منجَّماً، وأنزلناه، والمنزول هنا منسوب إلى الله تعالى، وبصيغة الجمع؛ للتّعظيم، ولأهمية نزوله، ونزل به الرّوح الأمين، وفي الآية (٣) من سورة الزخرف قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الجعل كان أو تم قبل الإنزال؛ أي: جعله قرآناً عربياً، ثم أنزله كما هو قرآناً عربياً. ارجع إلى آية الزخرف لمزيد من البيان. ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾: قرآناً: من كونه مقروءاً بلسان عربي مبين، ولكونه أنزل على محمّد ﷺ ، وهو من العرب، وهناك من يدعي أن في القرآن كلمات أعجمية، أو أعجمي، أو غير عربي، فهذه الكلمات دخلت قبل الإسلام في العربية، وأصبحت عربية الاستعمال قطعاً، ولم يأت القرآن بكلمة أعجمية، فهو قرآناً عربياً بكامله. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: لعلَّ: للتعليل، لعلَّكم تفهمون معانيه، وتدركون الغاية، والحكمة من نزوله، وما يدعوكم إليه. سورة يوسف [١٢: ٣] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾: ﴿نَحْنُ﴾: ضمير منفصل، والفاعل نحن للتعظيم تعود على الله سبحانه. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾: أحسن القَصَص بفتح القاف، وليس بكسر القاف؛ أيْ: أصدق القصص، أفضل القصص، والقَصَص بمعنى: السرد، ولا تعني جمع قِصة، وكلمة قَصَّ: تعني تتبع الخبر أو الأثر، وما حدث خطوة خطوة، وما يرويه الله سبحانه، أو يقصه علينا لا لبس فيه، ولا خيال وإنما بصدق،

стр. 2268

ويسمَّى القَصَص بخلاف، وأما ما يرويه الناس بعضهم لبعض يُسمَّى القِصص، أو الأساطير ففيها الكثير من الخيال والكذب. ﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾: بما: الباء: للإلصاق. ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾: من الإيحاء، وهو الإعلام بخفاء. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لبيان معنى أوحينا، ونسب الإحياء إليه تعالى للتعظيم. ﴿هَذَا﴾: الهاء: للتنبيه، ذا: اسم إشارة للقرب؛ لأنّ القراءة تحتاج إلى قرب القرآن من عيني القارئ. ﴿الْقُرْآنَ﴾: اسم جنس يقع على كلّ القرآن، أو بعضه. ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: إن: للتوكيد. ﴿كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾: من قبل نزول هذا القرآن. ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾: اللام: للتأكيد؛ أيْ: كنت غافلاً ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِى مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، أو غير منتبه لا تعرف من يوسف، وما قصته، ولم يخطر على بالك مطلقاً يوسف وشأنه، وما حدث له وليعقوب ﵇. أسباب النّزول: روى الضّحّاك، عن ابن عباس ﵄ قال: سألت اليهودُ النّبي ﷺ ؛ فقالوا: حدثنا عن أمر يعقوب، وولده وشأن يوسف؛ فأنزل الله هذه السّورة. وروى ابن جرير، عن ابن عباس ﵄ قال: قالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا فنزلت هذه السّورة.

стр. 2269

سورة يوسف [١٢: ٤] ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ﴾: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾: إذ: ظرف زماني، واذكر إذ قال يوسف لأبيه، أو حين قال يوسف. يوسف: بن يعقوب، بن إسحاق، بن إبراهيم؛ فهو أحد أولاد يعقوب الاثني عشر ذكراً. ﴿لِأَبِيهِ﴾: يعقوب ﵇. ﴿يَاأَبَتِ﴾: نداء استعمل فيه ياء النّداء: للبعد؛ أبت: بدلاً يا أبي فيها استعطاف، وحنان أكثر من قوله: يا أبي، وقيل: كان عمره حوالي (١٢ عاماً). ﴿إِنِّى﴾: إنّي: للتوكيد. ﴿رَأَيْتُ﴾: فعل ماض يدل على أنّه رأى ذلك مرة واحدة، رأى رؤيا واحدة فقصها على أبيه، ولم يقل: إني أرى، كما قال إبراهيم لابنه إسماعيل: إني أرى في المنام أني أذبحك؛ أرى: فعل مضارع، وأرى: تدل على كثرة الرّؤيا (أكثر من مرة)؛ فقد رأى إبراهيم تلك الرّؤيا ثلاث مرات خلال ثلاث ليال، إذن رأيت تدل على رؤية واحدة، وأرى على عدة رؤى. ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾: الكوكب: جسم بارد يستمد نوره من غيره من الشّمس مثل كوكب الأرض. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ﴾: والشّمس والقمر رأيتهم؛ أي: رآهما معاً، مع العلم أنّ لكلّ منهما وقتاً للظهور يختلف عن الآخر، ولكن رؤيا يوسف رآهما معاً.

стр. 2270

﴿لِى﴾: خاصة. ﴿سَاجِدِينَ﴾: معنى ذلك أنّه أنزل الشّمس والقمر منزلة العاقلين، ويجوز في اللغة العربية تنزيل غير العاقل منزلة العاقل، وتكرار رأيت للتوكيد، والرّؤيا بالألف: تدل على الرّؤيا المنامية، والرّؤية بالتّاء المربوطة: تدل على الرّؤية في اليقظة، أو الرّؤية البصرية العادية، وتأويل أحد عشر كوكباً كما سنرى في نهاية القصة؛ يعني: إخوته الأحد عشر، والشّمس والقمر (أمّه وأبوه). ﴿رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ﴾: سجود تحية، وتكريم، وليس سجود عبادة، وهذا ما سنراه في نهاية القصة، أو السّورة. وقد وصف النّبي ﷺ يوسف في الحديث الّذي رواه ابن عمر، وأخرجه البخاري، والإمام أحمد، بالكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم؛ أي: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

стр. 2271

سورة يوسف [١٢: ٥] ﴿قَالَ يَابُنَىَّ لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: ﴿قَالَ يَابُنَىَّ﴾: قال يعقوب ليوسف: يا بني: نداء فيه حنان، وعطف، وتصغير؛ لأنّ يوسف ﵇ كان صغيراً في السن. ﴿لَا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾: لا: النّاهية. ﴿تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾: لأنّ إخوته كانوا على علم بتأويل الرّؤيا، وإخوة يوسف هم الأسباط. ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾: الكيد: هو التّدبير الخفي؛ لإيقاع الضّرر، أو المكروه بالغير؛ سواء علم الخصم، أو لم يعلم، والكيد أقوى من المكر. ﴿لَكَ﴾: اللام: لام الاختصاص، وكيدهم سيكون لمصلحتك، ولو قال: فيكيدوك كيداً؛ أيْ: سيكون الكيد شراً لك. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿الشَّيْطَانَ﴾: ارجع إلى الآية (٣٦) من سورة البقرة؛ للبيان. الشّيطان: هو إبليس، أو ذريته، وهم كفرة الجن.

стр. 2272

﴿لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: للإنسان: اللام: لام الاختصاص. ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: عداوته لا تخفى على أحد من النّاس؛ أيْ: بينة ومعروفة لكلّ فرد، وعداوته كاملة تامة تشمل كلَّ النّواحي، ولا تحتاج إلى برهان، أو دليل. سورة يوسف [١٢: ٦] ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾: أيْ: كما أراك الله هذه الرّؤيا الصّالحة؛ فسوف يجتبيك ربك؛ أيْ: يصطفيك، ويختارك لنبوته. ارجع إلى سورة الأعراف، آية (١٤٤)؛ لمزيد من البيان. ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: من: ابتدائية بعضية. ﴿تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾: الإخبار عن حقيقة الرّؤيا؛ أي: استخراج معنى الرؤيا، أو تفسير الأحلام. ﴿الْأَحَادِيثِ﴾: جمع حديث، والحديث قد يطلق على الرّؤى، والأحلام (أحاديث النّفس)؛ أيْ: يعلمك تعبير الرّؤيا، أو بيان ما يؤول إليه الحلم، أو المنام. ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾: بالنّبوة، والملك، وعلى آل يعقوب، ويتم نعمته أيضاً على أولاد يعقوب؛ أيْ: سينالهم من الجاه، وعدم الفقر، والغنى. ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾: على إبراهيم أتم نعمته عليه بالنّبوة، والخلة (واتخذ إبراهيم خليلاً)، وأنجاه من النّار، وعلى إسحاق: بالنّبوة.

стр. 2273

فيوسف ﵇ بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. ﴿عَلَى أَبَوَيْكَ﴾: إذا اعتبر الجد (إسحاق) بمنزلة الأب، واعتبر أبا الجد (إبراهيم) بمنزلة الأب أيضاً. ارجع إلى سورة البقرة آية (١٣٣) لمزيد من البيان. ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿عَلِيمٌ﴾: صيغة مبالغة من عالم؛ كثير العلم. ﴿حَكِيمٌ﴾: ارجع إلى الآية (١٢٩) من سورة البقرة. وقدَّم العليم على الحكيم؛ لأنّ سياق الآيات في علم تأويل الأحاديث. سورة يوسف [١٢: ٧] ﴿لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾: ﴿لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾: لقد: اللام: للتوكيد؛ قد: للتحقيق، والتّوكيد؛ لقد كان في يوسف وإخوته؛ أيْ: في أحداث قصة يوسف وإخوته (الأحد عشر)، وفي: ظرفية مكانية وزمانية. ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾: آيات: دلائل، وبراهين على قدرة الله، وعلمه، وعلى صدق نبوة محمد ﷺ . ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾: اللام: لام الاختصاص؛ السّائلين: وهم كفار مكة، أو اليهود الّذين سألوا رسول الله ﷺ عن قصة يوسف، وخبر يعقوب آيات كافية لهم؛ لكي يتبينوا صدق نبوة محمّد ﷺ .

стр. 2274

سورة يوسف [١٢: ٨] ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: ﴿إِذْ﴾: ظرف زماني، واذكر إذ: أو حين قال إخوة يوسف بعضهم لبعض. ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾: ليوسف: اللام: لام التّوكيد، وأخوه: بنيامين (أخوه من أبيه وأمّه). ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾: أي: إنّ أبانا يحب يوسف وبنيامين أكثر من حبه لنا. ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: العصبة فوق العشرة (١٠ - ٤٠)؛ أيْ: متعصبون لبعضهم بعضاً؛ يحمي بعضهم بعضاً. ﴿إِنَّ﴾: إنّ: للتوكيد. ﴿أَبَانَا لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: لفي: اللام: للتوكيد؛ في ظلال مبين: أيْ: مخطئ، وليس له حق في إيثار يوسف وأخيه عليهم، ولعلَّ السبب في إيثار يوسف وأخيه؛ لأن أم يوسف وبنيامين ماتت؛ الأمر الّذي جعل أباهما أكثر حناناً وعطفاً لهما. سورة يوسف [١٢: ٩] ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: بعد أن بدأت المشاورات بينهم كان من بين المقترحات قتل يوسف. ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾: ولكن عدلوا عنه بإلهام من الله تعالى، ولأنّهم يعلمون عاقبة القاتل في دين يعقوب، وكيف يقتلون أخاهم وهم أولاد نبي. ﴿أَوِ﴾: أو: للتخيير.

стр. 2275

﴿اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾: أيْ: ألقوه في أرض بعيدة. ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾: يخلص لكم وجه أبيكم، ولا يشارككم فيه أحد، ويصبح حبه مقصوراً عليكم، ولن يعد مشغولاً بيوسف وأخيه. ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعد قتل يوسف، أو طرحه بعيداً. ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾: لتوقف كيدهم، وحسدهم، وعدائهم لأخيهم أو ظانين إن تابوا بعدها أن الله سيغفر لهم ذنبهم، ويتوب عليهم، أو قوماً صالحين؛ لأن اهتمام أبوكم ورعايته سيوجه إليكم، ولا يشارككم فيه أحد، أو يصلح حالكم مع أبيكم. سورة يوسف [١٢: ١٠] ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ﴾: لم يُعرف من القائل؛ قيل: هو يهوذا، وهو أكبر أولاد يعقوب سناً، ويبدو أنّ اقتراحه هو إلهام من الله سبحانه له؛ لكي يتم قضاؤه سبحانه وقدره، ويبقى يوسف حياً. ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: وبدلاً من قتله ألقوه في غيابات الجب، وقوله: لا تقتلوا يوسف بدلاً من قوله: لا تقتلوه فيها نوع من العاطفة الأخوية الباقية في نفسه حيث ذكر اسم يوسف. ﴿الْجُبِّ﴾: قيل: هو البئر الّتي لم تبنَ بالحجارة، وهي بئر غير عميقة وفيه

стр. 2276

ماء، ومجوف ووسطها، وغيابة: ما غاب من جوانبه عن النّظر، ويستتر ما يختبئ فيه. إذن: غيابت الجب: هي المنطقة المخفية عن العيون، أو هو قعره، (وغيابة كلّ شيء قعره). ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾: جمع سيار: وهو كثير السّير؛ أي: المسافر، فالسّيارة؛ أي: المسافرين، أو الجماعات المسافرة. ﴿إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: إن: شرطية تدل على الافتراض، أو الاحتمال، والشّك. ﴿فَاعِلِينَ﴾: قوله: فاعلين جملة اسمية تدل على الثبوت؛ ثبوت أن اقتراحه سيعمل به، ولن يرفض. وفي هذه الآية أمران: الأوّل: إلقاؤه في غيابة الجب؛ بحيث يلتقطه بعض السّيارة، إذن: ليس في نيتهم قتل يوسف، وإنما التّخلص منه بدفعه في البئر، والالتقاط عادة يكون لشيء نافع؛ أي: يلتقطه بعض السّيارة لينتفعوا به في أمرٍ ما فهذه الجريمة أقل من جريمة القتل، والجب كما قلنا بئر غير عميقة من تراب مجوف وسطها لا يكون فيها حجارة تؤذي يوسف. سورة يوسف [١٢: ١١] ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ نَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: بعد أن تم الاتفاق بين الإخوة على إلقاء يوسف في غيابة الجب؛ جاؤوا إلى أبيهم، وقال أحدهم، وأمَّن الباقون على قوله:

стр. 2277

﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَ نَّا عَلَى يُوسُفَ﴾: نداء فيه استعطاف؛ لنيل المراد، واستعملوا يا النّداء للبعد؛ فقد ينادى القريب بما هو للبعيد، وقولهم: ﴿مَا لَكَ﴾: ما: استفهامية؛ فيها معنى الحث، ويبدو من قولهم: أنّ أباهم يعقوب ﵇ كان يحرص على يوسف، ولا يتركه يلعب، أو يخرج معهم، أو كان يرفض الاستجابة لطلبهم بما يتعلق بشأن يوسف. ﴿لَا تَأْمَ نَّا﴾: لا: النّافية. ﴿تَأْمَ نَّا﴾: فترسله معنا، أو لما تخاف على يوسف منا. ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾: وإنا: تفيد التّوكيد؛ له: خاصة. ﴿لَنَاصِحُونَ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد على المحافظة على يوسف، وناصحون: أيْ: حذرون عليه، ولن يصاب بأذى، وسنحافظ عليه، ونهتم به. سورة يوسف [١٢: ١٢] ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾: أي: اتركه يخرج معنا غداً في اليوم القادم، وإخوة يوسف يخرجون للرعي، والعمل، ويوسف لا زال طفلاً يخرج معهم لكي يرتع ويلعب، الرّتع: يعني الأكل والشّرب كما يشاء؛ أي: يأكل ويشرب ويتنزه. ﴿وَيَلْعَبْ﴾: واللعب من الأمور المستحبة إلى الأطفال تحت سن التّكليف.

стр. 2278

﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾: وإنا: للتوكيد؛ له: خاصة. ﴿لَحَافِظُونَ﴾: اللام: لزيادة التّوكيد؛ لحافظون عليه من كلّ أذى، أو ضرر. سورة يوسف [١٢: ١٣] ﴿قَالَ إِنِّى لَيَحْزُنُنِى أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: ﴿قال﴾: يعقوب: إني: حرف مشبه بالفعل؛ يفيد التّوكيد. ﴿لَيَحْزُنُنِى﴾: اللام: للتوكيد أيضاً، والنّون: لزيادة التّوكيد على شدة خوف يعقوب على يوسف؛ فقد جاء بثلاث توكيدات: يحزُنني: من الحُزن: هو ألم في النّفس لفقد محبوب، أو وقوع مكروه، بينما الخوف: هو ألم في النّفس مما يتوقع من مكروه، ولمعرفة الفرق بين الحزُن، والحزَن: ارجع إلى سورة فاطر، آية (٣٤). ليحزُنني: أيْ: يشق، أو يصعب عليَّ مفارقته، وغيابه. ﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿تَذْهَبُوا بِهِ﴾: ليرتع ويلعب. ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّعليل، والتّوكيد. ﴿يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾: يعني: حيوان مفترس مثل الضّبع، والذّئب، وذكر يعقوب للذئب؛ لكي ينتحل لهم عذراً؛ فلا يرسله معهم، ولأنّ أرضهم كانت كثيرة الذّئاب، وهذا ما كان شائعاً، ويخيف النّاس.

стр. 2279

﴿وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾: بدلاً من وأنتم غافلون عنه؛ قدَّم الجار والمجرور؛ لتفيد الحصر، أو القصر، وأنتم عنه ساهون، أو لاهون، أو تلعبون. ارجع إلى سورة البقرة، آية (٧٤)؛ لمزيد من البيان في معنى: (غافلون). سورة يوسف [١٢: ١٤] ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: ﴿قَالُوا﴾: إخوة يوسف لأبيهم يعقوب. ﴿لَئِنْ﴾: اللام: للتوكيد؛ إن: شرطية؛ تفيد الاحتمال، أو الشّك. ﴿أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: ونحن بهذا العدد؛ عصبة: تعني عشرة، ولا ندافع عنه، أو نحميه. ﴿وَنَحْنُ﴾: الواو: حالية تفيد التّوكيد. ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾: إذن حرف جواب للتوكيد، كان بالإمكان القول: إنا لخاسرون. ﴿لَخَاسِرُونَ﴾: اللام: لام الاستحقاق، والتّوكيد، أو التّعليل، عاجزون، أو ضعفاء.

стр. 2280

سورة يوسف [١٢: ١٥] ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾: الفاء: للترتيب، والتّعقيب؛ لما: ظرف زماني؛ أيْ: حين، خرجوا به، ويبدو أنّ أباهم استجاب لطلبهم بإرسال يوسف معهم. ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: وأجمعوا: عزموا جميعاً، أو اتفقوا، ويدل ذلك أنّهم كانوا لا زالوا مختلفين في أمره حتّى تلك اللحظة الّتي ألقوه فيها في غيابت الجب. ﴿أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾: أن: مصدرية؛ تفيد التّوكيد، والتّعليل. ﴿فِى غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾: ارجع إلى الآية (١٠) من نفس السّورة. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: وأوحينا: من الوحي، وهو الإعلام بالخفاء، وكيف تم ذلك وهو لا زال طفلاً. ارجع إلى سورة النّساء، آية (١٦٣)؛ لمزيد من البيان في معنى: أوحينا. ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾: اللام: لام التوكيد، وكذلك النون بدلاً من لتنبئهم؛ أي: لتخبرن هؤلاء إخوتك بأمرهم هذا؛ أيْ: بما صنعوا بك في المستقبل وفي هذا وعيد لهم. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾: بأنّك يوسف أخوهم الذي أصبح عزيز مصر، ولا زلت حياً، كما سنرى في الآيات (٨٨ - ٩٠) من نفس السّورة. أو هم لا يشعرون: بالوحي بإنزال جبريل لمعونتك عند إلقائك في غيابة الجب، أو لا يشعرون بالقرابة، أو ما سيحدث لك بعد إلقائك، والآية تحتمل كل هذه المعاني.
следующие страницы →